:: منتديات من المحيط إلى الخليج :: البحث التسجيل التعليمـــات التقويم
 

العودة   :: منتديات من المحيط إلى الخليج :: > المنتديات الثقافية والسياسية > ركن "المكتبة"
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

تعاميم إدارية

آخر 10 مشاركات كلماتي ليست للبيع .. شعر : عبدالمجيد فرغلي (الكاتـب : عماد عبدالمجيد - )           »          صفات الله الذي يستحق ان يعبد .. (الكاتـب : فاطمة سالم - آخر مشاركة : يوسف القبطي - )           »          التي لا تعرفني (الكاتـب : ناس حدهوم أحمد - )           »          وخزة ضمير (الكاتـب : عبد الرحمن مساعد ابو جلال - آخر مشاركة : ناس حدهوم أحمد - )           »          مخيف ولكنه مدهش (الكاتـب : فاطمة سالم - )           »          الخطأ البشري .. (الكاتـب : فاطمة سالم - )           »          العصفور والحرية (الكاتـب : فاتن ورياغلي - آخر مشاركة : فاطمة سالم - )           »          الهدية (الكاتـب : محمد بن عبد المالك - )           »          المفتاح.. (الكاتـب : فاطمة سالم - آخر مشاركة : محمود الزين - )           »          عبدالمجيد فرغلي .. مع .. الأدباء (الكاتـب : عماد عبدالمجيد - آخر مشاركة : ابراهيم ديب - )

رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 20-06-2010, 05:24 PM رقم المشاركة : 1
ناصر الدجاني
عضو مميز

الصورة الرمزية ناصر الدجاني
 





***

اخر مواضيعي
 

***
ناصر الدجاني غير متواجد حالياً

افتراضي عن العروبة والاسلام

عن العروبة والاسلام

د.عصمت سيف الدولة



بسم الله الرحمن الرحيم
( فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض)
( الرعد : 17 )
صدق الله العظيم







المحتويات
بيان

5
الفصل الأول
الظالمون


لزوم ما لايلزم
5

الإنتماء المتعدد
7

عن الأمة
10

الدين والمجتمع
16

أمة الإسلام
21

أول دستور
24

العدوان
33

الوحدة
37

دولة الخلافة
42

الإمبراطورية
46

الدولة الممكنة
52

الهروب إلى الماضي
63
الفصل الثاني
المنافقون


لماذا المنافقون
66

قصة "العلمانية"
71

في اليهودية
73

أزدواج السلطة
75

الصراع
79

النهاية
82

الدولة ، ما الدولة ؟
83

عودة إلى الوطن
89

وفي الإسلام
90

النفاق
91

الإسلام وأصول الحكم
94

الخليفة والسلطان
97

متى ؟
100

دين للدنيا
104

قصة حياة مسلم
111

التقدم والعلم
118

آية المناهضة
123
الفصل الثالث
الجواب


أغتصاب العقول
126

الإمبريالية الحضارية
127

قادة الرأي العام
130

الإنسان الهدف
131

إعتراض جانبي
135

ذو الحدين
136

الشخصية العربية
138

مصر العربية
139

عن الماضي الاقليمي
140

الانتماء القومي
144

اتجاهات الشباب العربي
148

مشكلات الحياة
150

القهر المادَي
151

التخريب والتغريب
159

خلاصة
163

الاستعمار الجديد
163

فهل يفلحون ؟
172

ثورة الشباب
173

اسطورة الامام شامل
175

لماذا إذن؟
180

هل يعرفون ؟
180


بيــــان
في الوطن العربي طائفتان اختلفتا فاتفقتا . طائفة تناهض الاسلام بالعروبة وطائفة تناهض العروبة بالاسلام . فهما مختلفتان . وتجهل كلتاهما العروبة والاسلام كليهما فهما متفقتان . وإنهما لتثيران في الوطن العربي عاصفة غبراء من الجدل تكاد تضل الشعب العربي المسلم عن سبيله القويم . وانهما لتحرضان الشباب العربي على معارك نكراء تكاد تلهيه عن معركة تحرير أمته .
هذا حديث الى الشعب العربي عن الطائفتين تباعاً . سيقول نفر ممن يقرأونه : مابال هذا الرجل يتلو آيات الكتاب لايلتمس فيها عوناً من رجال الدين ، فنقول لأننامسلمون ، ولاكهانة في الاسلام . وسيقول نفر : ماباله يتحدث عن الأمة العربية لايلتمس عوناً من مفكريها ؟ فنقول لهم : هذا مذهبنا . مذهبنا الاسلامي في القومية ومذهبنا القومي في الاسلام ، فلينظروا ماذا هم فاعلون . أما الطائفتان فسينظرهم الشعب العربي إلى حين
( إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ) { يونس : 49 } صدق الله العظيم .
د . عصمت سيف الدولة
القاهرة : ايلول / سبتمبر 1985


الفصل الأول

الظــــالمــــــون

لزوم مالايلزم
1 - إن الحديث عن " العروبة والاسلام " ليس حديثاً عن كل من الاسلام والعروبة بل هو حديث عن العلاقة بينهما . فهل يحتاج الشعب العربي ، في هذة المرحلة من تاريخه ، إلى معرفة العلاقة بين العروبة والاسلام ليحل مشكلات تحرره وتقدمه ؟ هل يقف الشعب العربي ، في هذه المرحلة من تاريخه ، موقف الاختيار الملزم بين العروبة والاسلام ليدافع عن حرية أمته ووحدتها وتقدمها ؟ ... هل تلزمه العروبة بغير مايلزمه به الاسلام ، فعليه أن يختار فيما بينهما لتحرر وطناً ومواطناً ؟ ... أبداً إنه شعب معتدى عليه من خارجه ، اغتصاباً واحتلالا وهيمنة وتبعية . ومعتدى عليه من داخله ، قهرا وظلما واذلالا واستغلالا .
فإن هو استجاب لما تلزمه به العروبة ، ولو لم يع من العروبة إلا انها انتماء إلى احياء من البشر كفته أدنى قوانين الحركة . إن كل الكائنات الحية مسلحة بقانون " الفعل المنعكس الشرطي " للدفاع عن ذواتها إذا مأحاط بذواتها الخطر ؛ تردَ الفعل حتى لولم تكن فاعلة . فما بال العربي تكاد المخاطر المحيطة به أن تعصف بوجوده ذاته . ومابال الانسان العربي ، وهو المسلَح ، دون الكائنات جميعاً ، بقانون الجدل الذي يملك به المقدرة على إدراك التناقض بين واقعه وحاجته ، ويعرف به اسباب حل هذا التناقض ، ويستطيع به أن يجسد بعمله في الواقع مايوقف به معاناته ويفرض به ارادته . فإن وعى العروبة انتماء إلى أمته لعرف معرفة اليقين ان التناقض الاساسي بين واقعه وحاجته يتمثل في أن ليس كل ماهو متاح في أمته من أسباب التحرر والتقدم متاحاً له ليتحرر ويتقدم ، لأن العدوان الخارجي يسلبه إمكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته ، فيحول دون أن يطَور حياته بما هو ممكن ومتاح لاأكثر ولاأقل ، ولأن العدوان الداخلي يسلبه القدر الأكبر مما أفلت من العدوان الخارجي فيستأثر به من دونه احتكارا واستغلالا ، ثم يفرض عليه تلك القسمة الضيزى بالقهر والظلم والاذلال ، ويحول دون ثورته بما يبقيه عليه من جهل وفقر ومرض فيبقيه عاجزاً عن استرداد امكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته فلا يستطيع أن يطور حياته بماهو ممكن ومتاح ، لاأكثر ولاأقل . وإنه ليعرف معرفة اليقين ان العدوان الخارجي والعدوان الداخلي حليفان عليه يحقق كل منهما بعدوانه مايمكَن الآخر من العدوان ، ولو لم يكونا متحالفين . فإن كان أكثروعياً لوعى دلالة الدروس الصارمة التي يتلقاها كل يوم من أحداث عصره ، لعرف معرفة اليقين أن لاأمل ، لاأمل على الاطلاق ، في أن يتقدم حرية ورخاء بقدر ماهو متاح في أمته إلا بأن يواجه أعداءه جميعاً فيسترد حريته ويقيم وحدته القومية . وإنه ليتعلم كل يوم أن البشرية قد دخلت عصر الانتاج الكبير والدول العملاقة ، وان مصير الاقزام من الدول أن تحتمي ، راغبة أو كارهة ، بمظلة التبعية السياسية لدفع خطر العدوان ، والتبعية الاقتصادية لدفع غائلة الجوع ، وأن تدفع من حرية وطنها اثماناً باهظة لمن يحميها أو يغذيها . يحميها ولو من بطشه ذاته . ويغذيها ولو من ثروتها ذاتها . وإن بعض هذا ، وليس كله لقمين بأن يحدد للشعب العربي اعداءه بأسمائهم ودولهم ونظمهم ، وبأن يحفزه ويحرضه على سحقهم سحقاً ، إذ أن سحقهم سحقا هو الطريق الوحيد المفتوح إلى التحرر والوحدة والتقدم ثم الرخاء .
أما إن استجاب الشعب العربي لما يلزمه به الاسلام فقد تلقى من الله أمراً صريحاً بالقتال ضد المعتدين : قال تعالى ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) { البقرة : 194 } ، وقال : ( ومالكم لاتقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) { النساء : 75 } . ثم قضى، سبحانه ، بأن من سكت على الظلم قد ظلم نفسه ، وأنذره بجهنم مع الظالمين أنفسهم . قال
( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم ؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) { النساء : 97 } . إنه سبحانه ، لايحرض على الهجرة ، بل يتحدى بها مماحكات الأذلاء . قبل الهجرة المقاومة . بكل حيلة وكل سبيل . قال تعالى مكملا نذيره : ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لايستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ، وكان الله عفواً غفورا) { النساء : 98 ،99 } .
ثم انه سبحانه ، قد حرَم السلبية والتواكل ، وانذر بأن شيئا من الحياة التي يكرهها الناس لن يتغير إلا إذا غيَر الناس مابأنفسهم . قال ( إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) { الرعد :11 } . وقال : ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) { هود : 117 } . وذهب في تحريض المظلومين على المقاومة الى حد أنه علَمهم أنه ، سبحانه ، يحب منهم المقاومة حتى لو كانت أداتها سيئة ، وإن مقاومة الظلم تبيح كل الوسائل وتطهرها مما يكون في طبيعتها من سوء . قال ( لايحب الله الحهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) {النساء : 148 } . ثم انه قد أخبر بأن الاعتذار عن التقصير فيما يجب ، بأن ثمة من ضلل المقصرين ، اعتذارغير مقبول . وانه لايقبل من أحد أن يتهم غيره بأنه قد أضله ليبرىء نفسه من الضلال . قال تعالى :
( كلما دخلت أمة لعنت أختها ، حتى إذا ادَاركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلَونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ، قال لكل ضعف ولكن لاتعلمون ) { الأعراف : 38 } . فدل على أن الغفلة التي تمكَن المضللين من ضحاياهم ذنب من ذنوب الضحايا انفسهم يضاف الى ماظلموا به أنفسهم ، فيضاعف لهم العذاب وأخيرا قضىبأن من قبل الذل كفر حين قضى بأن : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) { المنافقون : 8 } .
وإن بعض هذا وليس كله لقمين بأن يحدد للشعب العربي اعداءه باسمائهم ودولهم ونظمهم ، وأن يحفزه ويحرضه على سحقهم سحقا ، إذ أن سحقهم سحقا هو الطريق الوحيد المفتوح إلى طاعة الله ورضوانه .
إذن ، لايقف الشعب العربي ، في هذه المرحلة من تاريخه ، موقف الاختيار الملزم بين العروبة والاسلام ليدافع عن أمته وحريته وتقدمه . يكفيه ايهما . أمَا هما معاففوق كفايته . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة الى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .

الانتماء المتعـدد
فهل يكون ذلك لأن كلاً من الاسلام والعروبة علاقة انتماء الى مضمون واحد أو مضامين متشابهة ، مما قد يؤدي الى الخلط بينهما فيلزم تحديد العلاقة بينهما منعا للخلط ؟ ... أبداً أيضاً . إن الاسلام علاقة انتماء إلى دين ( عقيدة ) . هكذا جاء رسالة ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ) {الصف : 9 } . وهكذا ارتضاه الله لنا حين اكتمل . ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) { المائدة :3 } . ثم وصانا بالابقاء على علاقة الانتماء الى الدين هذه والمحافظة عليها (شرع لكم من الدين ماوَصى به نوحاولذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه ) { الشورى : 13 } . أما العروبة فعلاقة انتماء إلى أمة بشطري تكوينها : الشعب والأرض ، وما أثمرشطراها على مدى التاريخ من حضارة : إنها انتماء إلى وضع تاريخي بينما الدين وضع إلهي .
وقد تلتقي القبائل والشعوب والامم في علاقة انتماء إلى دين واحد . ألم تر كيف تحدث القرآن عن الرسل والانبياء واقوامهم ثم وحد بينهم في الدين فكانوا مسلمين . ( ماكان ابراهيم يهودياً ولانصرانياً ولكن كان حنيفا ً مسلماً ) { آل عمران : 67 } . ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب : يابنيَ إ ن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) { البقرة : 132 } . ( قولوا آمنَا بالله وماأنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) { البقرة : 136 } . ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا به واشهد بأنا مسلمون ) { آل عمران : 52 } . إذ ( إن الدين عند الله الاسلام ) { آل عمران : 19 } مع انه ، سبحانه ، قد شاء أن تتعدد الأمم . ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين ) { هود : 118 } . ثم ألم تر أن الله يقول عن كتاب المسلمين ( أأعجمي وعربي ؟ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) { فصلت : 44 } . وحدة الكتاب هنا لم تلغ تمايز الناس عجما ً وعرباً وإن التقوا عليه هدى وشفاء . وقال الله تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) { الحجرات : 13 } . فأقر التمايز بين المجتمعات من حيث طور التكوين الاجتماعي .إذ القبيلة هي الوحدة الاجتماعية التي تلتقي ، فتتميز على وحدة النسب العرقي ، حقاً أو وهماً ، ولاتنتسب إلى أرض تخصها من دون الناس ولو كانت مقيمة عليها أما الشعب فجماعة أكثر تطوراً باستقرارها على أرض تخصها من دون الناس تنتسب اليها وتتوه فيها الانساب العرقية فلا يعتد بها في التمييز . كذلك قيل ان القبائل هم الحجازيون ، أما الشعوب فحيث يتميز الناس بنسبتهم إلى الأرض فيما يلي الحجاز جنوباً من سبأ وحضرموت وما يليهم شمالاً من الروم ، وشرقاً من الفرس . المهم أن القرآن قد أشار إلى التمايز بين القبائل والشعوب والأمم ولكنه لم يجعل لهذا التمايز أثراً نافياً لوحدة العقيدة .
وقد يتعدد الانتماء الديني( العقائدي ) في الأمة الواحدةبدون أن يمس التعدد وحدة الأمة . وفي القرآن عشرات الآيات التي تنظم العلاقة الاجتماعية بين المنتمين الى أديان متعددة في الأمة الواحدة وتوصي برعايتها .
( قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئا ولايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) { آل عمران : 64 } . فلنتأمل . ان الاسلام لايدعوا اهل الكتاب في المجتمع الواحد الى التخلي عن دينهم والانتماء اليه . لايدعوهم اليه بل يدعوهم معه . ليعيشوا معاً على كلمة " سواء " .. ليست كلمة المسلمين وليست كلمة أهل الكتاب ، بل كلمة سواء بينهم جميعاً على ماهو مشترك في الاديان السماوية ( ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئاً ) . أما فيما بينهم فلا سيطرة ولاهيمنة ولا استعلاء ولا قهر . لا من جانب المسلمين ولا من جانب أهل الكتاب . ( ولايتخذ بعضنا بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) . وأهل الكتاب ، كما هو معروف ، هم النصارى واليهود . إنهم ليسوا مسلمين ، ولكن هذا لايعني انهم ليسوا مواطنين صالحين بل ( من اهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واولئك من الصالحين ) { آل عمران : 113 ، 114 } . إنهم يحققون بعملهم خلاصة ماجاء للاسلام يأمر به المسلمين ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، واولئك هم المفلحون ) { آل عمران : 104 } .
والقرآن يتحدث عن المسلمين وأهل الكتاب الذين ينتمون إلى أمة واحدة أو شعب واحد . من أجل هذا نظم علاقات التعايش فيما بينهم اجتماعيا مع أنهم مختلفون دينا . إنهم ينتجون معا ويستهلكون معا ويتزاورون ويستضيف بعضهم بعضا ، فقال : ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ) { المائدة : 5 } . وقد تنشأ فيما بينهم أوشاج المودة فيود المسلم لو تزوج من كتابية تكون سترا له ، ويأتمنها على نفسه وماله وتربية أولاده ، فأحل الزواج بها ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) . وأمر بحفظ أعراضهن الى حد ان قرن بين الزنا بالكتابية وتعبير الكفر حتى لو كانت راضية فأتم الآية بقوله ( محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ، ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) { المائدة : 5 } . وفي هذه الحياة الاجتماعية المشتركة ، مع اختلاف الدين ، لايستبعد أن يتحاور المسلمون وأهل الكتاب حول أيهم أصح انتماء الى عقيدته وأية عقيدة هي الحق ، فحرص القرآن على ألا يسمح المسلم لهذا الحوار بأن يصلإلى حد المساس بوحدة انتمائهم إلى مجتمع واحد . قال فأمر
( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) { العنكبوت : 46 } . فإن أوفى المسلم بما أمر وأحال بعض أهل الكتاب الحوار إلى خصومة أو عداوة فإن القرآن يوصي المسلمين بألا يحيلوا العداوة إلى شقاق وتمزق ، مقَراً بأن العداوة بين الناس في المجتمع الواحد لاتقطع علاقة الانتماء المشتركة إلى هذا المجتمع . بل إن القرآن يذهب إلى حد تنبيه المسلمين إلى أن قد تنتهي العداوة إلى مودة كما نبههم في آية أخرى إلى أن قد يكون القتال الذي يكرهونه خير كثير . كذلك العداوة . قال : ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ، والله قدير والله غفور رحيم ) { الممتحنة : 7 } .
لم يأذن الله للمسلمين بقتال غير المسلمين ممن ينتمون معهم إلى مجتمع واحد إلا في حالتين : الأولى ، محاولة غير المسلمين إكراه المسلمين بالقتال على الردة عن دينهم ، والثانية ، قيام غير المسلمين بإخراج المسلمين من ديارهم . قال تعالى : ( لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ، إن الله يحب القسطين . إنَما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولَوهم ، ومن يتولَهم فأولئك هم الظالمون ) { الممتحنة : 8 ،9 } .
فما البرَ الذي أحب الله من المسلمين أن يبرَوا به ابناء امتهم من غير المسلمين ؟ ... إنه من ( آتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) { البقرة : 177 }. وما القسط الذي أحب الله من المسلمين أن يقسطوه إلى أبناء أمتهم من غير المسلمين ؟ إنه العدل : ( فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لايظلمون ) { يونس : 47 } . ولا يقوم العدل إلا على أساس المساواة بين الناس .
إذن فهذه حياة اجتماعية كاملة ينظم الاسلام علاقات الناس فيها على أساس من انتمائهم إلى مجتمع واحد بما يحفظ للمجتمع أمته ووحدته ، ويساوي بين المنتمين إليه بدون مساس بتعدد علاقات الانتماء الديني بين أفراده.
3 -ثم أن الاسلام علاقة انتماء تنشأ بالتمييز ، فالادراك ، فللايمان . تقف فيه مهمة الرسول عند ابلاغ الرسالة : ( ماعلى ارسول إلا البلاغ ) { المائدة : 99 } . . ( وماعلى الرسول إلا البلاغ المبين ) {العنكبوت:18 } . وما ينبغي لرسول أن يذهب إلى أبعد من هذا . ( ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) { النساء : 80 } . ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا ) { الشورى : 48 } . ( فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمسيطر ) { الغاشية : 21 ، 22} . ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) { النحل : 125 } . وفي كل الحالات حرم الاسلام إكراه غير المسلمين على الانتماء إليه إكراهاً مادياً أو معنوياً وناط الايمان بحرية الاختيار . ( لاإكراه في الدين قد تبين ارشد من الغي ) { البقرة : 256 } . ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) { يونس : 99 } .
كان هذا ، ولم يزل ، سبيل الاسلام إلى الايمان الذي يفترض سلامة العقل ورشده ، وأمثلته كثيرة في القرآن : ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) { ق : 6، 7 } . ( قل أرأيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ؟ قل أرأيتم ان حعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ) { القصص : 71، 72 } ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وماأنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء ةالأرض لآيات لقوم يعقلون ) { البقرة : 164 } . ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) { الأنبياء : 22 } . ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) { البقرة : 242 } ... الخ .
ثم ليؤمن من يريد وليكفر من يريد . ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) {الكهف :29}
وقد وضع الله في كل إنسان العقل مقدرة على الايمان أو الكفر وله الخيار . ( إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً . إناهديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ) { الانسان : 2 ،3 } . ثم يأتي يوم الحساب فيلقى كل إنسان جزاء ما اختار وعمل . ( ولاتجزون إلا ماكنتم تعملون ) { يس : 54 } . (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) { غافر : 17 } . ( كل امرىء بما كسب رهين ) { الطور : 21 } .
وهكذا يستطيع إي انسان مميز غير مكره أن يختار الاسلام ديناً ، أو أن يختار ديناً غيره أو أن يكفر بكل الاديان على مسؤوليته في الدنيا والآخرة .
أما العروبة فعلاقة انتماء إلى وضع تاريخي تدرك العربي منذ مولده وتصاحبه حتى وفاته ولو لم يكن مميزاً ، ولو لم يدركها ، ولو كفربها . لايستطيع أي انسان أن ينتمي إلى العروبة أو أن ينسلخ منها ، ولو أراد . إذ الانتماء إلى العروبة وليد تطور تاريخي سبقه ولحقه ، فكان عربياً بغير ارادته، أو سبقه ولم يلحقه فلم يكن عربياً ولو أراد ، لاحيلة له في الحالتين . وهل أختار أحد والديه ؟ وهل أختار أحد وطنه ؟ بل هل اختار أحد " شخصيته " ؟
4 - ثم أن الاسلام علاقة انتماء الى دين خالد في الزمان بحكم انه خاتم الرسالات والاديان . ( ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) { الأحزاب : 40 } . وخالد في المكان بحكم أنه رسالة إلى كل البشر . ( قل يأيها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً ) { الأعراف : 158 } . ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) { سبأ : 28 } . أما العروبة فعلاقة انتماء مقصورة على شعب معين من بين الشعوب ومكان معين من الأرض ، علاقة انتماء الى أمة تكونت خلال مرحلة تاريخية طويلة كاستجابة موضوعية لحتمية تقدم الشعوب بعد أن استنفذت العلاقة الأسرية ثم العشائرية ثم القبلية ثم الشعوبية كل طاقاتها على تحقيق التقدم . فهي لم تواكب الزمان بداية . وحين تستنفذ الأمة العربية كل طاقاتها على تحقيق التقدم سيتقدم البشر الى علاقات انتماء تتجاوزها تكويناً وطاقة . فهي ليست خالدة في الزمان .
5 - لامجال ، إذن للخلط بين علاقة الانتماء إلى العروبة وعلاقة الانتماء إلى الاسلام لافي الأشخاص ، ولا في المضمون ، ولا في حدود الانتماء من الزمان أو المكان . وما تزال علاقة الانتماء إلى الأسرة ، أو الى القرية ، أو الى المهنة ، أو الى الحزب قائمة بجوار علاقة الانتماء إلى الدولة أو الوطن أو الشعب بدون خلط أو اختلاط . فلا يقوم لدى الشعب العربي سبب للخلط بين العروبة والاسلام . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة إلى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .

عن الأمـــــــة
6 - فهل يكون ذلك لأن العروبة علاقة انتماء إلى " أمة " عربية ، وأن تسمية العرب " أمة " تخصيص غير مبرر إسلامياً ، إذ الأمة في الاسلام هي " أمة المسلمين " أو" الأمة الاسلامية " ، فتكون مقولة " الأمة العربية " بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ؟ ... قد يكون . ولقد كان نفر ممن يتوهمون أن الاسلام دينهم وحدهم ، وأن الانتماء إليه مقصور عليهم دون الناس كافة يتخذون من فهمهم الخاص لدلالة كلمة " أمة " مدخلاً إلى نفي الوجود القومي للأمة العربية بإسم الاسلام . ثم يزيد بعضهم أن الانتماء إلى الأمة العربية هو في حقيقته انتماء اصطنع اصطناعاً لستر مواقف معارضة أو معادية للاسلام . ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) { الكهف : 5 } .
فلنحتكم إلى كتاب الله لعلَهم يهتدون . قال تعالى : ( والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه ، قل إنما أمرت أن اعبد الله ولا أشرك به ، إليه أدعو وإليه مآب .وكذلك أنزلناه حكماً عربياً ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق ) { الرعد : 36 : 37 } .
7 - وردت كلمة " أمة " في أربع وستين آية من آيات القرآن الكريم وكانت كلها ذات دلالة واحدة إلا في أربع آيات . أولى هذه الآيات جاءت في سورة النحل . قال الله تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفا ولم يك من المشركين ) { الآية : 120 } . فدلت الأمة على أن ابراهيم كان قدوة يؤتم به . وجاءت كلمة الأمة بمعنى الأجل في قوله تعالى : ( ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ) { هود : 8 } . وجاءت في آيتين بمعنى العقيدة أو الطريق . قال تعالى : ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون )
{ الزخرف : 23 } .
فيما عدا ذلك جاءت كلمة أمة في الآيات الباقيات للدلالة على مطلق الجماعة إذا تميزت عن غيرها أياً كان مضمون المميز . دلَ على أن الأمة جماعة انها في كل موضع جاءت في موقع الفاعل الغائب أشير اليها في الفعل بواو الجماعة . مثل في قوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ) { آل عمران : 104 } .
وقوله( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ) { الأعراف : 159 } . وقوله : ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق)
{ الأعراف : 181 } . وقوله ( وماكان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) { يونس : 19 }
ودلَ على أن الأمة مطلق الجماعة أنها قد جاءت في القرآن داَلة على الجماعة من الناس والجماعة من الجن والجماعة من الحيوان والجماعة من الطير . قال تعالى : ( قال أدخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والانس ) { الأعراف : 38 } . وقال : ( وما من دابة في الأرض ولاطائر يطير بجناحيه إلا أمم ) {الانعام:38 } . وبعد ان أخبرنا عن أمر نوح عليه السلام وما اصطحبه في الفلك من أنواع المخلوقات في قوله تعالى : ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل ) { هود :40 } ، قص علينا ماأمر به نوحاً : ( قيل يانوح اهبط منها بسلام منَا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ) { هود : 48 } . يعني الجماعات المتميزة نوعيا من المخلوقات التي اصطحبها نوح معه .
8 -ولما كان التمايز يفترض التعدد لتكون الجماعة متميزة عن غيرها علمنا القرآن أن الأمم متعددة في الزمان والمكان . أثبت التعدد أولا وأرجعه إلى مشيئة الله حتى يكف الجدل في حكمته وأكده في أكثر من آية
قال : ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) { النحل : 93 } . وقال : ( ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ) {الشورى : 8 } . وتحدث عن الأمم بصيغة الجمع في ثلاث عشرة آية أخرى .
أما عن التعدد في الزَمان ففي البدء كان الناس امة واحدة متميزين " أمة " بأنهم من الناس . قال تعالى : ( كان الناس أمة واحدة ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ماجاءتهم البينات بغيا بينهم ، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) {ا لبقرة : 213 } . وقال ( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) { يونس : 19 } . فالتعدد بدأ نفاذا لكلمة سبقت من الله بأن تكون الأمم متعددة وسيبقى قائما . قال تعالى : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ، ولايزالون مختلفين ) { هود : 118 } . فإذا جاءت الآخرة فإنهم أمم متعددة . قال تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) { النساء : 41 } . وقال ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا )
{ النمل :83 } . وقال : ( ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم ) { القصص : 75 } . وقال :
( ولله ملك السماوات والأرض ، ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون . وترى كل أمة جاثية ، كل أمة تدعى إلى كتابها ، اليوم تجزون ماكنتم تعملون ) { الجاثية : 27 ، 28 } .
ومابين البداية والنهاية تتابع الأمم المتعددة على آجال الزمان . لكل أمة أجل معلوم . قال تعالى : ( تلك أمة قد خلت ، لها ماكسبت ولكم ماكسبتم ) { البقرة : 134 ، 141 } . وقال : ( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ) {الأعراف : 34 } . وقال : ( لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة )
{ يونس: 49 } . وقال ( كذلك أرسلناك فىي أمة قد خلت من قبلها أمم ) { الرعد :30 } . وقال : ( ماتسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) { الحجر : 5 } . وقال : ( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) {المؤمنون : 43 } . وقال : ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ) { الأنعام : 42 } . وتكرر قوله هذا أو معناه في{ النحل :63 والعنكبوت :18 وفَصلت :25 والأحقاف : 18 } . وتمايزت الأمم بالرسل فتعددت بتعدد الرسل ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان اعبدوا الله ) { النحل : 36 } . وتعددت بتعدد الرسالات : كل امة تدعى إلى كتابها ) { الجاثية : 28 } . وتعددت بتعدد المناسك ( لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ) { الحج : 67 } .
ثم أن القرآن قد علمنا أنه كما تتعدد الأمم على مدى الزمان فإنها متعددة في الزمان الواحد ، أو كما نقول في المكان ( قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ) { هود : 48 } . فهذه أمم متعددة تواجدت معاً في مكان واحد . وثمة أمم متعددة توزعت في الأرض ، قال تعالى : ( وقطَعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ، وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلَهم يرجعون ) { الأعراف : 168 } .
9 - هذه الآية الأخيرة - وفي القرآن غيرها كثير - تعلمنا أسباب التعدد في الزمان والمكان كليهما . إذ هي تطلق كلمة الأمة على الجماعة التي تميزت بأنها صالحة كما تطلقها على الجماعة التي تميزت بأنهاغير صالحة . فنعرف من الآية أن الجماعة تكون أمة متى اشترك أفرادها فيما يميزهم عن غيرهم بصرف النظر عن مضمون هذا المميز . على هذا الوجه كان الناس أمة بما تميزوا به من كونهم ناسا . تميزوا عن أمة من الجن . وعن أمة من الحيوان . ولما كانت المميزات متعددة فإن الأمم متعددة بدون تشابه أو تعارض أو تناقض وان اشتركت جميعا في انها جماعات متميزة . قال تعالى : ولكل أمة رسول ) { يونس : 47 } . وقال : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ) { النحل : 36 } . فدل على أن تلك جماعات كانت متميزة بالكفر فاستحقت رسلا يدعونها الى عبادة الله . أما بعد الرسل فكل المؤمنين برسولهم أمة بما تميزوا به من رسول وكتاب ومناسك . أوضح مثال ماجاء متتابعامن الآيات في سورة المائدة ، قال تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) { الآية 44 } وبعد أن فصل بعض آيات التوراة في الآية 45 قال في الآية 46 : ( وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور ) وبعد أن بيَن في الآية 47 حكم الخروج على أحكام الانجيل جاءت الآية 48 لتقول : ( وانزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ) . هكذا تحدث القرآن عن الأديان السماوية الثلاثة تباعا ثم قال : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) { المائدة : 48 } . فدَل على أنه في نطاق الأمة المتميزة بالايمان بالله يتوزع المؤمنون أمما تتميز كل منها برسولها وشرعتها ومنهاجها . وتصدق دلالة الكلمة في الحالتين بدون تشابه أو تعارض أو تناقض ، إذ أن مناط التميز في كل حالة مختلف عنه في الحالة الأخرى .
10 - ولأنه لاعبرة في دلالة " الأمة " بمضمون الأمر الذي تميزت به الجماعة فأصبحت أمة فأن الجماعة المتميزة بالكفر بالرسالة ومناهضة رسولهاهي أيضاً أمة . ولقد ذكرنا من قبل قوله تعالى وقطعناهم في الأرض أمماً منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ) {الأعراف : 168 } . نضيف هنا آيات بينات أخر . قال تعالى : ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك يقلبهم في البلاد . كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب ) { غافر : 4،5 } . وقال : ( وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) { هود : 48 } . وقال ( وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ) { العنكبوت : 18 } . وقال : ( كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ادَاركوا فيهاجميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباَ ضعفامن النار ، قال لكل ضعف ولكن لاتعلمون ) { الأعراف : 38 } .
11 - وقد تكون جماعة من الناس لم تلتق زماناً أو مكاناً ولكنهم يشتركون في صفة خاصة بهم مقصورة عليهم يتميزون بها عن غيرهم . إنهم حينئذ أمة . كذلك أسمى آيات القرآن جميع الرسل والأنبياء أمة واحدة مع أنه - سبحانه - قد أسمى كل جماعة آمنت برسول منهم أمة . فابتداء من الآية 48 من سورة الأنبياء يتحدث القرآن عن الرسل والأنبياء ، فيذكر موسى وهارون وابراهيم ولوطاً ونوحاً وداوود وسليمان وأيوب واسماعيل وادريس وذا الكفل وذا النون وزكريا ويحيى ثم يقول : ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) { الأنبياء : 92 } . ولم يشتبه هذا أو يتعارض أو يتناقض مع الحديث عن بني يعقوب وحدهم على أنهم أمة حين أخبر باشتراكهم في الايمان بإله أبيهم . قال تعالى : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ماتعبدون من بعدي ، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم و إسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون . تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكم ماكسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) { البقرة : 133، 134 } .
وإذا كان المؤمنون بكل رسول أمة ، فإن منهم من يكونون أمة بما يتميزون به من استراك في نشاط الدعوة أو منسك من مناسك العبادة . في المعنى الأول قال الله تعالى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) { الأعراف : 159 } . وفي المعنى الثاني قال تعالى : ( من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) { آل عمران : 113 } . ويلاحظ أنه عندما أراد أن يتحدث عن جماعة متميزة بالهداية أو بالتلاوة بين جماعة هي أمة من حيث تميزها برسولها أو بكتابها ايمى الجماعة الأولى " أمة " وأشار إلى الجماعة الثانية بما يميزها ، مكتفياً به في التعريف بها دون أن يسميها أمة إظهاراً للمميزات القصود أظهارها ، وتلك قمة من قمم البلاغة في القرآن .
على أي حال ، فإن القرآن قد أسمى الجماعة المتميزة أمة حتى حين كان مميَزها أمراً لايتصل بالعقيدة ايماناً أو كفراً . فأسمى الجماعة المتميزة بعلاقة قربى أمة فتعددت الأمم بتعدد الغروع ، بعد أن كان قد أسمى كل الأقرباء أمة حين اجتمعوا فتميزوا بأصلهم الواحد . قال تعالى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) { الأعراف : 160 } . وهو واضح الدلالة على أنه حيث تتميز الجماعة تكون أمة في لغة القرآن ،
ولايمنع هذا من أن تكون جزءاً من أمة على وجه آخر مما يميز الجماعات .
12 - بل إن كلمة أمة تدلَ على الجماعة ولو لم تتميز إلا بموقف واحد في حالة واحدة . بهذا المعنى اسمى المقتصدين في الانفاق بدون اسراف أو تقتيرأمة . قال : ( منهم أمة مقتصدة وكثيرمنهم ساء ما يعملون ) {المائدة : 66 } . وقال : ( ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ) { القصص : 23 } .
وكلمة الأمة في هذه الآية لاتعني مجرد الجماعة بل تعني الجماعة المتميزة بموقف واحد أو حالة واحدة . جماعة تسقي وحدها دون الآخرين . وكانت تسميتهم أمة إبرازاً لهذا المميز حتى تبرز الحالة الأخرى التي أخبر بها في الآية فقال : ( ... ووجد من دونهم امرأتين تذودان ، قال ماخطبكما ، قالتا لانسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ) { القصص : 23 } .
13 - هذه هي دلالة كلمة " الأمة " في لغة القرآن . وبهذه الدلالة كان المسلمون ، كل المسلمين ، وما يزالون وسيبقون ، أمة واحدة من حيث تميزهم عن غيرهم من الناس بانتمائهم الديني إلى الاسلام ، سواء أخذت كلمة الاسلام بمعناها الشامل الدين كله في قوله تعالى : ( وإذ يرفع اباهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل مناإنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ){ البقرة : 127 ، 128 } .
أو أخذت بمعناها الخاص بالذين يؤمنون برسالة محمد عليه الصلاة والسلام . ولقد خاطب القرآن المسلمين بهذا التخصيص واسماهم أمة . قال تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس ) { آل عمران : 110 } ، وقال :
( وكذلك جعاناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء ) { البقرة : 143 } . وقال : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفَرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على سفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن النكر ، وأولئك هم المفلحون . ولاتكونوا كالذين تفَرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيَنات ، وأولئك لهم عذاب عظيم ) { آل عمران : 103 : 104 ، 105 } .
14 - وبهذه الدلالة كانت الاغلبية الساحقة من الشعب العربي ، وما يزالون وسيبقون ، جزءاً لايتجزأ من الأمة الاسلامية التي ينتمي اليها كل المسلمين في الأرض بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وأممهم ودولهم وأوطانهم . لافضللأحد منهم على الآخر إلا بالتقوى . في رحاب هذا الانتماء إلى الأمة الاسلامية يلتقي مئات الملايين من البشر . ولو أن مسلماً واحداً قد وجد في أي أرض ، في أي شعب ، في أية أمة ، في أية دولة ، لكان واحداً من الأمة الاسلامية . وما تزال هذه الأمة الاسلامية تنمو عدداً بمن يهتدي إلى الاسلام ديناً في أقطار الأرض جميعاً .
15 - وبهذه الدلالة أيضاً ، دلالة كلمة الأمة في لغة القرآن ، يكون كل العرب منتمين إلى أمة عربية واحدة ،حيث يكون مميزهم عن شعوب وأمم أخرىما يميز الأمم عن الشعوب والقبائل ، أو مايميز الأمم بعضها عن بعض من وحدة اللغة كما قال فخته الألماني ، أو وحدة الأرض والأصل والعادات واللغة والاستراك في العادات والشعور كما قال مانتشيني الايطالي ، أو وحدة الرغبة في الحياة المشتركة كما قال رينان الفرنسي ، او وحدة التاريخ واللغة والحياة الاقتصادية والثقافية المشتركة كما قال ستالين السوفياتي ، أو وحدة اللغة والاشتراك في التاريخ كما قال استاذنا أبو خلدون ساطع الحصري ، أو كان مميز الأمة انها " مجتمع ذو حضارة متميزة ، من شعب معين مستقر على أرض خاصة ومشتركة تكوَن نتيجة تطور تاريخي مشترك "...
كما اجتهدنا فقلنا ... لايهم هذا الخلاف في بيان عناصر التميز القومي للأمة . المهم أنه حيث يوجد المميز القومي لجماعة من الناس يصح في لغة القرآن كتاب المسلمين ، أن تسمى الجماعة أمة ، ولا ينكره عليها مسلم وهو مسلم ، مادام لاينكر المسلم وهو مسلم أن كل جماعة متميزة حتى من الدواب هي " أمة " فكيف بالمسلم ينكر على جماعة قومية الانتماء أنهم أمة . والأمة كما تتميز بوحدة العلاقة القومية ، لاتتشابه ولا تتعارض ولا تتناقض مع الأمة كما تتميز بوحدة العلاقة الدينية . فلا تتشابه ولا تتعارض ولا تتناقض " الأمة العربية " مع " الأمة الاسلامية " ؛ كما لاتتشابه ولا تتعارض ولاتتناقض الأمة الفرنسية والأمة الانكليزية والأمة الالمانية والامة الايطالية ... مع كون كل هذه الأمم تنتمي عقيدة إلى الأمة المسيحية . كل من الانتمائين قائم ، ولكن كل منهما ذو مضمون مختلف .
16 -مرتان في التاريخ الذي نعرفه قيل غير مانقول . قيل إن للانتماء الديني والانتماء القومي مضموناً واحداً وأن لكل دين أرضاً ولكل أرض ديناً . وكان العرب هم الضحايا في المرتين . أما المرة الأولى فحينما اشتعلت الحروب على امتداد الأرض الأوروبية بين أمراء الاقطاع كل يريد أن يزيد مساحة اقطاعيته . فقال لهم البابا أربان الثاني : " إن الأرض التي تقيمون عليهالاتكاد تنتج مايكفي غذاء الفلاحين ، وهذا هو السبب في اقتتالكم ، فانطلقوا إلى الاماكن المقدسة ، وهناك ستكون ممالك الشرق جميعاً بين أيديكم فاقتسموها " . لم يكن للدين المسيحي شأن بما يقتتل من أجله أمراء الاقطاع فقد كانوا جميعاً مسيحيين ، ولم يكن لما نصح به البابا شأن بالمسيحية دين المحبة والسلام ، وإنما كان للمؤسسة الكنيسة التي يرأسها البابا شأن بالأرض التي خربها القتال فقد كانت شريكة في ريعها . وكان القائل والمستمعون اليه يعرفون ألاَ شأن للمسيحية بما قيل . فقال أحد الفرنسيين حينئذ إنها دعوة ‘لى أن يستغل الفرنسيون الدين . وقد استغل الفرنسيون وغير الفرنسيين الدين ليقنعوا الشعوب بأن تقدم ابناءها ضحايا على مذابح أطماع الأمراء الاقطاعيين . كيف ؟ بمقولة بسيطة ، كالناس في ذاك العصر : إن نشأة المسيحية في فلسطين تعني ملكية المسيحيين لفلسطين فعليهم استعادتهامن الغزاة المسلمين . وهكذا وحَد المعتدو بين مضمون الانتماء إلى المسيحية ومضمون الانتماء إلى أرض فلسطين وبدأت الحروب الصليبية التي استمرت قرناً كاملاً ( من عام 1096 الى عام 1192 ) وذهب ضحيتها آلاف البشر . وما توقفت إذ توقفت إلا حينما استطاع العرب ، مسلمين ومسيحيين ، أن يقنعوا الأوروبيين ، بالاسلوب المناسب ، بألا جدوى من الخلط بين الانتماء إلى العقيدة والانتماء إلى الأرض ، فتحررت الأرض العربية . فهل يتبنى المسلم الأفكار الصليبية ؟
أما المرة الثانية ، فحبنما أراد المتخلفون من يهود أوروبا أن يخرجوا من عزلتهم القبلية " الغيتو " ، وأرادت الرأسمالية النامية في أوروبا أن تسخرهم عازلاً بشرياً يحول دون وحدة الأمة العربية ويحرس مصالح الامبريالية ، فصاغوا جميعاً ما يعرف " بالصهيونية " . وليست الصهيونية إلا فكرة متخلَفة تخلَف سكان الغيتو
تقول : إن كل من توحدوا ديناً لهم حق في أن يتوحدوا وطناً ودولة . وهي فكرة قابلة للستعارة ولو تغير مضمونها اليهودي . فكل زعم أن الانتماء الى الدين يلد حقاً في الأرض ، بصرف النظر عن الانتماء القومي الى الأمة أو الانتماء الوطني الى الدولة ، هو في حقيقته المذهبية " صهيوني " ولو لم يكن يهودياً ، وهم كثير . كما أن من ينكر هذا المذهب لايكون صهيونياً ولو كان يهودياً ، واهم كثيراً أيضاً . ولما كان لابد لكل دولة من أرض ( وطن ) ، فقد أختار الرأسماليون الأوروبيون والصهاينة من اليهود أرض فلسطين اختياراً "صليبياً"
إن نشأة اليهودية في فلسطين تعني عندهم ملكية فلسطين لليهود ، فعليهم استعادتها من الغزاة العرب . وهكذا وحَد المعتدون بين مضمون الانتماء الى اليهودية ومضمون الانتماء الى أرض فلسطين وبدأ الصراع العربي الصهيوني ، وما يزال مستمراً ، ولن يتوقف إلا حينما يستطيع العرب ، مسلمين وغير مسلمين ، أن يقنعوا الصهاينة ، بالأسلوب المناسب ، بألا جدوى من الخلط بين الانتماء الى العقيدة والانتماء الى الأرض ، فتتحرر الأرض العربية . فهل يتبنى المسلم الأفكار الصهيونية ؟
الحمد لله . لايقوم ، إذن ، لدىالشعب العربي سبب للتشابه أو التعارض أو التناقض بين العروبة والاسلام . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة الى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .

الدين والمجتمع

17 - فهل يكون ذلك لأن عدم تشابه ، أو تعارض أو تناقض ، علاقة الانتماء إلى الاسلام وعلاقة الانتماء إلى العروبة يثير وهم انتفاء العلاقة بين الاسلام والعروبة إلى حد الاستغناء بأحدهما عن الآخر ؟ قد يكون . والمسلم المؤمن لاتغنيه عن دينه أرض الدنيا كلها . والعربي القومي لاتغنيه عن أمته كل أمم الأرض . وما يثير الأوهام إلا الجهل . وهو - هنا - جهل بالاسلام وجهل بالعروبة ، فجهل بالعلاقة " العضوية " بينهما .
الجهل بالاسلام يؤدي إلى أخذه على أنه مجرد دين فلا يحيط بما يميز الاسلام من بين الأديان . والجهل بالعروبة يؤدي إلى أخذهما على أنها مجرد دين فلا يحيط بما يميز الأمة العربية من بين الأمم . ( تمييز وليس امتيازاً ) . فإن اجتمعا انتفى العلم بما بين الاسلام خاصة والأمة العربية خاصة من علاقة خاصة لامثيل لها - فيما نعرف من تاريخ الأديان والأمم - بين أي دين وأية أمة . فهل نبدأ من البداية ؟
قلنا ونعيد إن الاصل في " الدين " عامة أنه كان عنصراً من عناصر التكوينات الاجتماعية المختلفة التي كانت وحدة "الاصل" محور تكوينها ( الأسر والعشائر والقبائل ) وانقلب الأجداد الذين ماتوا آلهة يعبدهم نسلهم من الأحياء ، ويتميزون بهم عن ذوي " الأجداد - الالهة " الاخرين . ثم استقر " الاله " مميزاً لكل قبيلة ، فكان لكل قبيلة إلهها الخاص تختاره طبقاً لظروفها الخاصة ، وتعبده طبقاً لتقاليدها الخاصة ، وتلتمس منه العون في تحقيق مصيرها الخاص . فإذا تعددت مشكلاتها لم يكن ثمة مايمنع أن يكون لكل قبيلة أو مجموعة من القبائل عدد من الآلهة يختص كل منهم بإسداء العون في واحدة من تلك المشكلات على ماكانوا يعتقدون . فثمة إله للحرب ، وإله للزرع ، وإله للصيد ، وإله للملاحة ، وإله للحب أيضاً ... الخ ، ولكنها ، حتىوهي مجموعة خاصة ، كانت تقوم بالوظيفة المشتركة للاله في المجتمعات القبلية وما دونها من مجتمعات عشائرية وأسرية فهي " رمز " يجسد الوجود الاجتماعي المستقل لكل جماعة ويميزها عن غيرها . كل هذا لايزال قائماً في المجتمعات القبلية المعاصرة .
فلما جاءت الرسالات السماوية والرسل من عند الله إلى مجتمعات قبلية أرسل إلىكل قبيلة رسولاً من أبناءها يدعوها إلى إله واحد . ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) { النحل : 36 } . والأمثلة كثيرة في القرآن ( ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين ) { هود : 25 } . وإلى عاد أخاهم هودا ، قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون ) { هود :50 } . وإلى ثمود أخاهم صالحاً ، قال ياقوم اعبدوا الله مالكم إله غيره ) { هود : 61 } . وإلى مدين أخاهم شعيباً ، قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ) { هود : 84 } . وكان بنو اسرائيل من المجتمعات القبلية التي أرسل إليها خاصة ، رسول من عند الله :أرسل إليهم موسى عليه السلام أ ولاً وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني اسرائيل) {الاسراء : 2 } . ( وإذ قال موسى لقومه لم تؤذونني وقد تعلمون اني رسول الله إليكم ) { الصف : 5 } . ثم ارسل اليهم عيسى عليه السلام : ( وإذ قال عيسى بن مريم يابني اسرائيل إني رسول الله إليكم ) {الصف:6 } . ولقد كان كل الرسل الذين جاء ذكرهم في القرآن يحملون دعوة واحدة هي " التوحيد "
( اعبدوا الله مالكم من إله غيره ) ، ولكن لم تكن أي منها دعوة انسانية . نعني موجهة إلى الناس جميعاً . غير أن هذا التوجيه قد بدا محدوداً في رسالة موسى ، ثم فتحت أبوابه في رسالة عيسى ، لتتهيأ الانسانية لاستقبال رسالة محمد ، عليهم السلام جميعاً .
فلقد أمر موسى بأن يتجاوز برسالته محيط قبيلته من بني إسرائيل ، وبأن يذهب الى فرعون ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) { طه : 24 } . فتدخل الحذر القبلي من الاتصال بغير أبناء القبيلة ، فالتمس موسى من مصادر القوة مالم يكن في حاجة إليه وهو آمن في قبيلته . ( قال رب اشرح لي صدري . ويَسر لي أمري . واحلل عقدة من لساني . يفقهوا قولي . واجعل لي وزيراً من اهلي . هارون أخي . اشدد به أزري ) { طه : 25 -31 } . ( قال قد اوتيت سؤالك ياموسى ) { طه : 36 } . ( اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون إنه طغى ) { طه : 42 : 43 } . موسى وهارون يحملان رسالة إلى من لاينتمون الى بني اسرائيل . إلى طاغية معين بصفته حاكماً ( فرعوناً ) في مصر ، وإلى طاغيين معينيين بالاسم : قارون وهامان ( وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين ) { العنكبوت : 39 } . كانت تلك بداية خروج الرسالة الدينية من الاطار القبلي إلى الاطار الشعبي .
فقد كان الناس في مصر مستقرين في وادي النهر لايتمايزون فيما بينهم بما يميز القبائل من وحدة النسب الحقيقي أو الموهوم . وكانت آلهتهم رموزاً للبيئة الجغرافية ولم تكن رموزاً لحدود قبائل متجاورة . وكان فوقهم فرعون إلهاً وابن إله وملكاً ومالكاً وحيداً للأرض والناس وخالداً بعد الموت لايموت . فكانت رسالة موسى وأخيه هارون موجهة إلى " شعب " في مصر مخاطباً في شخص حاكمه فرعون ورجاله .
ولكن هذا الخروج بالدين من الاطار القبلي إلى الاطار الشعبي بقي محدوداً في وسيلته وفي مداه . وإنا لنفهم من الآيات أن موسى وهارون لم يذهبا الى فرعون ويواجهاه منفردين بدون حشد قبلي من بني إسرائيل . إذ ماان رفض فرعون الاستجابة للرسالة وبدأت المطاردة حتى طارد فرعون وجنده " بني إسرائيل " وليس موسى وهارون وحدهما . ( يابني اسرائيل قد انجيناكم من عدوكم ) { طه : 80 } . فنلاحظ أن رفض فرعون رسالة موسى وهارون كان عند بني اسرائيل عداء لهم جميعاً . وتلك إحدى خصائص المجتمعات القبلية . كل هذا يعني - عندنا - أن موسى وهارون لم يكونا وحدهما منذ البداية ، بل كانا يبلَغان الرسالة في حماية قبلية . وقد يكون ذلك ما أفزع فرعون فحسب الأمر ستاراً للاستيلاء على الحكم فنراه يحشد قومه تحت شعار الملك . ( ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر ) { الزخرف : 51 } . ثم إن موسى لم يرسل إلى شعب آخر مرة ثانية .
أياً ماكان الأمر فإن المسيح عيسى بن مريم هو الذي سيسمو بالدين فوق الانتماء القبلي والشعبي ويطرح لأول مرة وحدة الدين في الانسانية ، أو وحدة الانسانية في الدين ، ويبشر بأنه يمهد لتقبل رسالة الاسلام . فلقد عرفنا من القرآن ، أنه ، عليه السلام ، كان رسولاً إلى بني اسرائيل . وقد بقي كذلك ما بقي رسولاً . ولكن رسالته اليهم كانت تتضمن إضافة إلى ماحمله موسى . كانت تتضمن دعوة وبشرى بالخروج من مضيق علاقة الانتماء القبلي إلى رحاب الأخوة في الدين . ( وإذ قال عيسى ابن مريم يابني اسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يديَ من التوراة ومبشراً برسول من بعدي أسمه أحمد ) { الصف : 6 } . فلما كذَبوه حدث ذلك الحدث الجليل الذي تطور به الدين فأصبح علاقة انتماء إلى السماء بعد أن كان مقترناً بعلاقات الانتماء العشائرية على يد إبراهيم ونوح ، والقبلية على يد هود وصالح وشعيب وموسى . سقطت علاقات الانتماء العشائري والقبلي ، وسمت علاقة الانتماء الديني لتكون في " الله " الواحد الأحد وحده . قص علينا القرآن قصة تلك الطفرة العظيمة في الآية 52 من سورة آ ل عمران . قال : ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ، قال الحواريون نحن أنصار الله ، آمنا بالله ، واشهد بأنا مسلمون ) .
18 - إنا نتابع تطور الدين على مستوى علاقته بتطور التكوين الاجتماعي من العشيرة الى القبيلة ، الى الشعب ، لنصل إلى حيث نرى علاقة الدين بالأمة أو علاقة الاسلام بالعروبة وهو موضوعنا الأصيل .
وليس مما يلزم لبيان مانريد أن نعرض لتفصيل مضمون الشرائع كيف تطَور متسقاً مع تطور المجتمعات . ومع ذلك لانرى بأساً في أن نشير إلى ماتتضمنه الشريعة الموسوية من خصائص ماتزال تحمل الطابع القبلي.
وما تتضمنه الشريعة المسيحية من خصائص فائقة التجريد الانساني . هذا مع علمنا بأن مايقال له " التوراة " المتداولة الآن ، ليست كلها ماتلقاه موسى ، وبأنها كتبت قبل أن تكتشف " التوراة - الرسالة " في عهد الملك يوشيَا بعد وفاة موسى بنحو سبعة قرون ( سفر الملوك الثاني ، اصحاح 22 ) . وان الاناجيل الأربعة هي ماكتبه أربعة من تلاميذ السيد المسيح . إلا أن تلك الكتب وما أضيف إليها من شروح هي مصادر الشريعتين كما يعيشه اليهود والنصارى في الغالب من مذاهبهم .
إن أظهر الخصائص القبلية في كتاب " التوراة " الموضوع ، الحرص الفائق على بيان الأنساب . إنه يتضمن تاريخ العالم لاعلى أساس التطور البشري أو المادي أو تتابع الأحداث الاحتماعية السلمية أو الحربية ، بل مبتدئاً بمن تزوج ، ثم كم أنجب ، ثم يتتبع الأولاد وأولاد الأولاد ومن تلاهم جيلاً جيلاً ، أسماً أسماً ، الى أن يصل الى البناء القبلي لبني اسرائيل ليقول ، أو ليثبت ، أن كل اليهود في كل مكان من الأرض ، ومن أي جنس وأي لون هم سلالة الاسباط الاثني عشر ابناء يعقوب ( اسرائيل ) بن اسحاق بن ابراهيم . هذه العناية بإثبات وحدة الأصل العرقي واحدة من أهم مميزات المجتمع القبلي لأن وحدة النسب هي مناط الانتماء إلى القبيلة . ( مقابل " الهوية " مناط الانتماء إلى الدولة في عصرنا الحديث ) . ولقد كانت كل القبائل ، وماتزال ، تحرص على حفظ أنسابها كما حرص اليهود في التوراة .
ولم تكن القبائل العربية أقل حرصاً على أنسابها منهم أو من غيرهم . ثم يأتي الاله الخاص " يهوه " الذي وعد شعبه بأن يقوده " إلى مدن عظيمة لم تبنها ، وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها ، وآبار محفورة لم تحفرها وكروم زيتون لم تغرسها " ( سفر التثنية . اصحاح 6 آية 11 ) . ثم يأتي الرمز القبلي للقوة ( الطوطم ) . وهو عندهم جبل صهيون حيث التقى " يهوه بجدهم يعقوب وتصارعا مصارعة جسدية لم يهزم فيها يعقوب فأعجب الاله به وباركه واختاره وأسماه اسرائيل " ( سفر التكوين : 32 آية 25 - 29 ) . ثم التضامن البشري والمالي بين أفراد القبيلة فتصبح أرملة الأخ المتوفي زوجة لأخيه بعد الوفاة بدون حاجة إلى ايجاب أو قبول أو عقد حتى لاتشرد أنثى من القبيلة بشخصها أو بمالها . ولقد كان هذا النظام سائداً في القبائل العربية قبل الاسلام حيث كانت زوجة الأب المتوفىتصبح زوجة لابنه فحرَمه الاسلام . وأخيراً العداء ، بدون حد أو قيد تشريعي أو اجتماعي أو أخلاقي ، لمن لا ينتمون إلى القبيلة . قال حكماء صهيون : " اضربوهم وهم يضحكون . اسرقوهم وهم لاهون . قيدوا أرجلهم وانتم راكعون . ادخلوا بيوتهم وأهدموها . تسللوا إلى قلوبهم ومزقوها " ومن قبلهم قال إله بني اسرائيل " إني ادفع الى ايديكم سكان الأرض فتطردهم من أمامك ، لاتقطع معهم ولامع آلهتهم عهداً . لايسكنون في أرضك لئلا يجعلوك تخطىء " 0 (سفر الخروج : اصحاح23 آية22و23 ) . إن حديث إله بني اسرائيل عن آلهه آخرين بدون إنكار مكتفياً بمنع التعاهد معهم واضح الدلالة على ماتحمله التوراة الموضوعة من آثار العصر القبلي ، حيث لكل قبيلة إله تعبده ، فيرعاها .
عكس هذا تماماً ماجاءت به المسيحية . لقد جاءت المسيحية تقدم إلى الناس علاقة انتماء إلى " ملكوت الله " بديلاً عن علاقات الانتماء العرقية والاقتصادية . هذا هو جوهر الديانة المسيحية . أخوة البشر جميعاً في الله ودعوتهم إلى أن يتحرروا من علاقات الانتماء القبلية والاقتصادية لينتموا إلى ملكوت الله . أما عن الانتماء الاقتصادي ( الملكية ) التي تميز الناس بعضهم عن بعض ، فقد أدانها السيد المسيح ادانة حاسمة . " وفيما هو خارج إلى الطريق ، ركض واحد وجثا له وسأله : ايها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية ؟ فقال له يسوع : لماذا تدعوني صالحاً . ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله . أنت تعرف الوصايا : لاتزن ، لاتقتل
لاتسرق ، لاتشهد بالزور ، أكرم أباك وأمك . فأجاب وقال له : يامعلم هذه كلها حفظتها منذ حداثتي . فنظر إليه يسوع وأحبَه وقال له : يعوزك شيء واحد اذهب وبع كل مالك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني حاملاً الصليب . فاغتم علىالقول ومضى حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة . فنظر يسوع حوله وقال لتلاميذه ماأعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله . فتحير التلاميذ من كلامه . فأجاب يسوع أيضاً وقال لهم : يابنيَ ، ماأعسر دخول المتكلين على الأموال الى ملكوت الله " انجيل مرقص . اصحاح 10 آية 17-25 ) . بقي الانتماء الأسري أو العشائري أو القبلي القائم على قرابة الدم . ولقد أنكر المسيح تقديمه أو مساواته بالأخوة في الدين . " وفيما هو يكلم الجموع أذا أمه واخوته قد وقفوا خارجين طالبين أن يكلموه . فقال له واحد هوذا امك وأخوتك واقفون خارجاً طالبين أن يكلموك فأجاب وقال للقائل له : من هي أمي ومن هم أخوتي . ثم مد يده نحو تلاميذه وقال هاأمي واخوتي . لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي " ( انجيل متى ، اصحاح 12 آية 46-50 )
19 - أما عن البشرى بالاسلام فقد التمسها البعض في كلمة " الانجيل " حيث تعني في أصلها اللغوي "البشرى " . وقيل إنما جاءت فيما رواه يوحنا في انجيله من أن المسيح قد قال : " ومتى جاء المعَزي الذي سأرسله انا اليكم من الأب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي " ( الاصحاح 15 آية 26 ) . ولسنا نرى في أي القولين مايدل على البشرى بالاسلام على وجه التحديد . ولعل الصعوبة في الاهتداء إلى البشرى من أقوال عيسى عليه السلام ماغلب على تلك الاقوال من الصيغ الرمزية ، وما قد يكون شاب النقل عنه في الانجيل من قصور . على أي حال فإنَا نعتقد أن أول عناصر البشرى قد جاء في الَزبور ( الكتاب الضي أنزل على داوود ) . ففيه يقول: " الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأس الزاوية " (المزمور118 ). ولقد كان بنو اسرائيل يعرفون في ذلك الوقت أن جدهم ابراهيم كان قد بنى الكعبة للمرة الرابعة ومعه اسماعيل ولده من هاجر ، وفي الكعبة يقوم الحجر الأسود رأساً للزاوية . ولم ينل ذلك مما كان بنو اسرائيل يتباهون به من أن كل الانبياء والرسل منهم واليهم فقال متَى في انجيله : " قال لهم يسوع أما قرأتم قطَ في الكتب . الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية . من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا . لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره " ( الاصحاح 21 آية 42، 43 ،44 ) . فدَل كل هذا على أن ملكوت الله ( الدين ) سينتقل إلى الأمة القائمة عند الكعبة حيث الحجر رأس الزاوية . وذلك ماعرفته جماعة من المطلعين على الكتب المقدسة مثل عبيد الله بن جحش ، وعثمان بن الحويرث ، وزيد بن عمرو بن نفيل .. وورقة بن نوفل فتوقعوا الرسالة الجديدة حيث جاءت ، وصدقها ورقة بن نوفل ابن عم خديجة زوج الرسول بمجرد أن أخبرته بأول الوحي .
على أي حال ، تلك كانت الطفرة في المضمون من دين المجتمعات القبلية إلى دين الانسانية تأكيداً لما قلنا من قبل عن اتساق تطور الدين مع تطور المجتمعات في التكوين من الاسرة إلى العشيرة إلى القبيلة إلى الشعب . بهذا تم التمهيد ليجيء رسول من غير بني اسرائيل يحمل رسالة إلى الناس جميعاً ، فيكون لها شأن ، وأي شأن ، بالأمة العربية .
20 - ثم جاء الاسلام ليتوحد الين ويكتمل . ( هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) { الفتح :28 } . (ألا لله الدين الخالص ){ الزمر : 3 }. جاء شاملاً في المضمون ماجاءت به الاديان السابقة مما يتسق مع كونه آخر الرسالات . فهو الدين منذ إبراهيم حتى محمد . ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملَة ابراهيم ) { الأنعام : 161 } . ( وانزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ) { المائدة : 48 } .
ولقد كان المضمون المشترك في كل الأديان السماوية هو التوحيد ، فجاءت أرقى وأكمل صيغة للتوحيد في سورة الاخلاص ( قل هو الله أحد . الله الصمد لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفواً أحد ) . ثم أضافت التوراة إلى التوحيد الوصايا العشر . تبدأ " إني أنا الباقي إلهكم الذي أخرجكم من مصرمنزل عبودتكم فلا تتخذوا آلهةً غيري " ثم لاتشرك بي شيئاً . لاتعمل في اليوم السابع . أكرم اباك وأمك ... لاتقتل . لاتزن . لاتسرق . لاتشهد على قريبك شهادة زور . لاتسلب مال قريبك . لاتشته زوجة قريبك ( سفر الخروج . اصحاح 20 الآيات : 2- 17 ) . انها الوصايا إلى المجتمع القبلي تحمل بصماته حين يقتصر التحريم على مايضير الأقارب وحين يقتصر العمل على ستة أيام وهو تقليد قبلي سابق على رسالة موسى .
فجاء المسيح عليه السلام لينزع عن تلك الوصايا لباسها القبلي ويحيلها إلىمواقف " روحية " مجردة من كل مايتصل بظروف الحياة على الأرض . حولها إلى مثل عليا من القيم الانسانية غير متوقفة على ظروف الانسان . قال : " قد سمعتم أنه قيل للقدماء لاتقتل . ومن قتل يكون مستوجب الحكم . وأمَا أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم " .... " قد سمعتم إنه قيل للقدماء لاتزن ، وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى إمرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه . فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك " .... " أيضاً سمعتم أنه قيل للقدماء لاتحنث بل أوف للرب أقسامك . وأما أنا فأقول لكم لاتحلفوا البتة " .... " سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن . وأما أنافأقول لكم لاتقاوموا الشر . بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً " .... " سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك . وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم . باركوا لاعنيكم " ... الخ .( انجيل متى . اصحاح 5 آية : 21-48 ) . في الآية الأخيرة من الاصحاح يحدد المسيح عليه السلام غاية الوصايا بأنها الكمال الالهي . " فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل " .
جاءت الوصايا العشر هذه فيالقرآن نظاماً للتعامل بين الناس في حياة إنسانية واقعية . لاقبلية ولا تجريدية. جاءت متتابعة في ثلاث آيات من سورة الأنعام : ( قل تعالوا أتل ماحرَم ربكم ،عليكم ( 1 ) ألا تشركوا به شيئاً (2) وبالوالدين إحساناً ( 3 ) ولاتقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم (4) ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن ( 5 ) ولاتقتلوا النفس التي حرَم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ( 6) ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشَده ( 7 ) وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، لانكلف نفساً إلا وسعها ( 8) وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ( 9) وبعهد الله أوفوا ، ذلكم وصاكم به لعلَكم تذكَرون
(10 ) وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )
الآيات : ( 151،152،153) .
21 - وكان لابد - لكي يكتمل الدين انتماء كما اكتمل مضموناً - من أن يكون الاسلام رسالة إلى الناس كافة ومفتوحاً لانتماء الناس جميعاً بصرف النظر عن انتماءاتهم الاسرية أو العشائرية أو القبلية أو الشعوبية أو القومية . وقد كان . ( قل ياأيها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً ) { الأعراف : 158 } . ( وما ارسلناك إلا كافة للناس ) { سبأ : 28 } . هذا هو الجديد على الانسانية مما جاء به الاسلام . ليس دقيقاً فيما نرى _ مايقال من أن الاسلام متميز عن غيره من الاديان بالتوحيد . فقد علَمنا القرآن أن كل الرسل والانبياء كانوا يدعون أقوامهم إلى عبادة الله وحده وينفون الشرك في كل مظاهره الفكرية والوثنية ، كما أن قواعد التعامل فيمابين المؤمنين كما جاءت في القرآن لم تكن جديدة على الأديان وإن كانت أكثر اكتمالاً . إنما الذي يميز الاسلام حقاً هو ما حقق به آخر وأرقى مراحل تطور علاقة الانتماء الديني . وحدة البشر في الدين في كل مكان وفي كل زمان لتتسق مرة واحدة وإلى الأبد ، وحدة الدين مع وحدة الكون مع وحدة البشر . وليس أبلغ ولاأروع من التدليل على لزوم هذا الاتساق لصالح البشر ، وعلى أنه مناط الصلاح في الكون ، من أن الله يتخذه حجة ً على وحدانيته ( لو كان فيهما آلهة إلآ الله لفسدتا ) { الانبياء : 22 } .





أمـــة الاســـلام

22 - الاسلام ، إذن ، ليس مجرد دين . انه على اليقين ليس دين أية أسرة أو أية عشيرة أو أية قبيلة أو أي شعب أو أية أمة . إنه دين الناس كافة فهو ليس دين أية جماعة من الناس خاصة ، ولو كانوا جماعة من المسلمين . هذه السمة الخاصة بالاسلام هي التى أنشأت مابين الاسلام خاصة والأمة العربية خاصة علاقة خاصة لامثيل لها - فيما نعرف من تاريخ الأمم والأديان - بين أي دين وأية أمة . وإنا لنأخذ من هذه العلاقة الخاصة مايوفر لنا الحق في أن نقول ان الأمة العربية ، دون الأمم جميعاً ، هي " أمة الاسلام " . لانعني بهذا التعبير أن الاسلام دين الأمة العربية خاصة ، بل نعني به أن الأمة العربية هي الأمة التي أوجدها الاسلام ولم تكن موجودة من قبله ، وإنها تتميز بهذا عن بقية الأمم ولو كانت أمماً مسلمة .
كيف ؟
نذكر قبل الجواب بأننا نستعمل كلمة " أمة " فيما يلي من حديث بمعناها القومي الحديث للدلالة على " مجتمع
ذي حضارة متميزة ، من شعب معين مستقر على أرض خاصة ومشتركة ، تكوَن نتيجة تطور تاريخي مشترك " . فالأمة كما نعنيها طور من التكوين الاجتماعي أرقى من الطور القبلي والطور الشعوبي كليهما . قد نرى فيما بعد كيف كان ذلك ولكن يكفينا الآن الا يفهم أحد غير مانعنيه .
23 - خلال احقاب طويلة من الهجرة والصراع سابقة على ظهور الاسلام كانت قد استقرت مجتمعات قبلية متجاورة في رقعة من الأرض التي يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط وجبال طوروس ، ومن الشرق إيران والخليج العربي ، ومن الجنوب المحيط الهندي ، فهضبة الحبشة ، فالصحراء الأفريقية الكبرى ، ومن الغرب المحيط الأطلسي . كان كل من تلك المجتمعات القبلية متميزاً عن غيره بما ورثه من العهد القبلي ، أي بالأصل الخاص واللغة الخاصة والحياة الاقتصادية الخاصة ، وتراث خاص من الثقافة والعقائد والتقاليد ، والشعور بالانتماء القبلي . وحينما استقر كل منها في مكانه أصبح " شعباً " ودخل كل منها - منفرداً - مرحلة التكوين القومي . التفاعل الحر بين الشعب والأرض المعينة لفترة تاريخية تنشىء من التفاعل حضارة قومية فتكتمل الأمة وجوداً . ولو طال الاستقرار بتلك الجماعات الشعوبية لتطورت أمماً متميزة . غير أن الاستقرار لم يطل بأية جماعة منها حتى تكون أمة . ولم يطل بها جميعاً حتى تتكون أمماً متجاورة . فقد اجتاحتها موجات متعاقبة كاسحة من الغزو الخارجي إما من وسط أفريقيا ، أو من أوروبا ، أو من آسيا . كما أن موجات الهجرة الداخلية ، السلمية والمقاتلة ، لم تنقطع عابرة بها ومستقرة فيها . وكانت فترات الغزو تعطل نموها وتعوق تكوينها القومي بما تعيد من تكوينها البشري : إضافة من الغزاة أو نقصاً بالابادة أو الطرد ، وبما تسببه من انقطاع في اختصاص كل شعب بأرض معينة اضافة بضم أرض جديدة أو نقصاً بالطرد من الأرض ، وبما أدى إليه كل هذا من عدم توفر التفاعل الحر بين الشعب والأرض مرحلة تاريخية كافية لتنأ وتكتمل حضارة قومية . فما أن ينحسر الغزاة أو يستقروا لينشط التكوين القومي حتى تدهمها - كلها أو بعضها - موجة غازية أخرى . وأستمر هذا الوضع : فترات متتابعة من الاستقرار فالاضطراب فالغزو فالاحتلال فالاستقرار ....الخ ، تحبس نمو تلك الشعوب والجماعات دون اكتمال الوجود القومي ، حتى ظهر الاسلام .
24 - وعنما ظهر الاسلام لم تكن أية جماعة من تلك الجماعات قد تكونت أمة . ولكنها كانت قد غادرت مرحلتي التكوين الأسري والعشائري . ثم لم تتسق تطوراً . كان أغلبها قد أصبح شعوباً متجاوزة الطور القبلي ولكن كان من بينها من لايزال في الطور القبلي لم يرق إلى مابعده . فهي ، جملة ، كانت إما شعوباً وإما قبائل . ولقد جاء في القرآن مايشير إلى هذه القسمة الثنائية للمجتمعات في الجزيرة العربية بين طورين اثنين من أطوار التكوين الاجتماعي : القبيلة والشعب . ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) { الحجرات : 13 } .
أما الذين كانوا ، عند ظهور الاسلام ، فقد تجاوزوا الطور القبلي واستقروا شعوباً فقد كان منهم الحميريون في جنوب الجزيرة العربية . كان منهم من يعتنقون الديانة اليهودية ، وكان من بينهم كثير من المسيحيين فلَما أن اسرف ملكهم ذو نواس في اضطهاد المسيحيين استفاث أولئك باقربائهم من الحميريين الذين كانوا قد عبروا البحر الاحمر إلى الحبشة وحولوها إلى مملكة مسيحية . فاستجاب الاحباش إلى دعوتهم واغاثوهم وهزموا ملوك الحميريين ( عام 552 م) واجلسوا على العرش أسرة حبشية متحالفة مع جستنيان ، الامبراطور الروماني. فرد الفرس بأن تحالفوا مع ملوك جمير المعزولين ، وطردوا الاحباش ، وأقاموا في اليمن حكماً فارسياً ( 575 م ) . فاستقر الناس " شعباً " وظلوا هكذا لم يتطوروا إلى أمة بفعل خضوعهم للسيطرة الفارسية ، إلى أن ظهر الاسلام .
وفي شمال الجزيرة العربية كانت القبائل العربية من بني غسان قد استقرت في الجزء الشمالي الغربي وما يحيط بتدمر في سورية ، منذ القرن الثالث الميلادي ، وأقاموا حكماً تحت سيادة الولة البيزنطية ، فتحولوا بالاستقرار على أرض معينة إلى " شعب " ، وظلوا هكذا لم يتطوروا إلى أمة بفعل خضوعهم للسيطرة البيزنطية ، إلى أن ظهر الاسلام .
أما في الجزء الشمالي الشرقي ، فإن القبائل العربية من بني لخم كانوا قد استقروا على الأرض الخصبة فيما كان يعرف باسم " العراق العربي " ؛ وأقاموا حكماً في " الحيرة " على نهر الفرات ، تحت السيطرة الفارسية ، فتحولوا بالاستقرار على الأرض إلى " شعب " ، وظلوا هكذا لم يتطوروا إلى أمة بفعل سيطرة الامبراطورية الفارسية ، إلى أن ظهر الاسلام .
وكان الناس فيما بقي من سورية وفلسطين ثم مصر ، وغرباً حتى شاطىء المحيط الاطلسي ، مستقرين شعوباً متجاورة على الأرض ، وعبيداً ( بمعنى الكلمة ) للرومان منذ قرون عديدة . ولقد بلغت عبوديتهم التي كرسها القانون الروماني أن كان للسادة الرومان في تلك الاقطار مدن خاصة بهم محرَمة على غيرهم من السكان ، تأكيداً لعزلة السادة عن العبيد . منها مدينة " أنتيموبوليس " التي بناها في مصر الامبراطور الروماني هادريان الذي حكم عام 130 م . فاستقرت تلك الجماعات شعوباً ، ولكن أياً منها لم يتطور إلى أمة بحكم سيطرة الامبراطورية الرومانية ، إلى أن ظهر الاسلام .
أما ماتبقَى مما نعرفه الآن بالوطن العربي فكان عامراً بمجتمعات قبلية لم ترق بعد حتى إلى مستوى الشعوب ولم يكن تجمَع بعض القبائل حول الواحات الكبيرة أو الصغيرة أو عند ملتقى طرق القوافل التجارية أو في المناطق الجبلية الوعرة سواء في الجزيرة العربية أو في شمال العراق مما كان يعرف باسم " ميزو بوتاما " أو في مشارف صحراء أفريقيا الكبرى ذا أثر في تكوينها القبليَ . فقد كانوا يتجاورون إقامة أكثر دواما من القبائل الجائلة ، ولكن كقبائل متميزة ، كما كان الأمر في يثرب . ويتلاقون تجارة ، ولكن كقبائل متميزة ، كما كان الأمر في مكة . وكانوا في كل مرة لايكفون عن الحروب القبلية ، أو لايكادون يكفون ، إلى درجة أنهم - من أجل إتاحة فرصة لاتمام الصفقات التجارية بدون قتال - تواصوا بتحريم القتال في مناطق التبادل التجاري في أشهر معدودة من السنة ، ماأن تنتهي حتى يعودوا جميعاً ، بعد تلك الهدنة الاستثنائية ، الى القاعدة القبلية : التضامن بين أفراد القبيلة ظالمين أو مظلومين والعداء للقبائل الأخرى بسبب أو بدون سبب .
25 -من بين تلك القبائل العربية كانت قريش قبيلة في مكة . حملت اسم جدها " فهر " الذي كان تاجراً فلقب بقريش ، أي التاجر باللغة التي كانت سائدة في القرن الثالث الميلادي . ومن بني فهر كان قصيَ الذي توفي عام 480 م . ومن بني قصيَ كان هاشم الذي توفي عام 510 م . من بني هاشم اولئك كان محمد ابن عبد الله الذي اختاره الله ليبلغ رسالة الاسلام الى الناس جميعا 0 عام 610 م ) . ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) { الأنعام : 124 } .
26 - بعد مرحلة تكوين واعداد ومعاناة لنشر الدعوة في مكة بدأ انتشار الاسلام من المدينة يحمله المسلمون إلى الكافة . ومن المدينة بدأت مسيرة الثورة " الحضارية الاسلامية " . إن في هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة ( 24 ايلول / سبتمبر 622م ) من شجاعة اتخاذ القرار وحكمة التدبير ومهارة الأداء ما افاض في بيانه أغلب الذين تحدثوا عن الهجرة . وفي هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة من عمق الايمان وثراء التضحية ومغالبة النفس ماحفظ للمهاجرين ، على مدى التاريخ ، مااستحقوه من فضل القدوة . ولايزال المؤرخون ذاكريه . ثم أن الهجرة قد حققت للمؤمنين خلاص أنفسهم من اضطهاد قريش فأتاحت لهم الأمن على الدعوة وعلى أنفسهم . كل هذا متاح لمن يريد معرفة المزيد في كتب السيرة والتاريخ . ننتبه نحن إلى مايتصل منه بموضوع هذا الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام : التأثير الحضاري للاسلام في تطور التكوين الاجتماعي .
27 - يعلم كل المسلمين المحيطين بالسيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد آخى في المدينة بين المهاجرين والأنصار ( عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري ) وغيرهما . وبين المهاجرين بعضهم مع بعض ( بينه عليه السلام وبين عليَ ، وبين أبي بكر وعمر ، وبين طلحة والزبير ، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان ) وأن المؤاخاة كانت سبباً مشروعاً للمشاركة في المال والأرض وأسباب الحياة وحفظها . ولقد فعل الرسول ماهو اكثر من هذا أثراً في الوثيقة المسمَاة " الصحيفة " . سنورد نصها كاملاً فيما يلي ، ولكنَا ننبَه منذ الآن إلى أنها وثيقة تستحق كل الانتباه ، لأننا سنعود اليها في أكثر من موضع آت من هذا الحديث . ثم إنها - عندنا - شهادة ميلاد الأمة العربية .

أول دسـتور
28 - تقول الصحيفة : " بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ( اسم المدينة في الجاهلية ) ومن تبعهم ، فلحق بهم ، فجاهد معهم ، انهم أمة واحدة من دون الناس . المهاجرون من قريش على ربعتهم ( أمرهم ) يتعاقلون بينهم ( يشتركون في المسؤولية ) وهم يفدون عانيهم ( أسيرهم ) بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو عوف على ربعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ( وذكر مثل هذا بالنسبة إلى بني ساعدة ، وبني جشم ، وبني النجار ، وبني عمرو بن عوف ، وبني النبيت ، وبني الأوس ) ثم قال
"وإن المؤمنين لايتركون مفرجاً ( مثقلاً بالدين ) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل . ولايحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ( من أسلم على يديه ) ، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ( طلب بدون حق ) ، أو أثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين . وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم . ولا يقتل مؤمن في كافر ، ولاينصر كافر على مؤمن ، وأن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس . وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم . وأن سلم المؤمنين واحدة ، لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواء وعدل بينهم . وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً ، وان المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله ( يعني أن دماءهم متكافئة ويثأر بعضهم لبعض ) . وان المتقين على أحسن هدى وأقومه ، وأنه لايجير مشرك مالاً لقريش ، ولانفساً ، ولايحول دونه على مؤمن . وانه من اعتبط ( قتل بدون ذنب ) مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به ، إلا أن يرضى ولي المقتول وان المؤمنين عليه كافة ، ولايحل لهم إلا قيام عليه ، وأنه لايحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر ، أن ينصر محدثاً ولايؤويه ، وانه من نصره أو آواه ، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولايؤخذ منه صرف ( توبة ) ولاعدل ( فدية ) ، وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردَه إلى الله وإلى محمد " .
29 - " وأناليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين . وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين . لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم فإنه لايوتغ ( يهلك ) إلا نفسه وأهل بيته . وان ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ( وذكر مثل هذا بالنسبة الى يهود بني الحارث ، وبني ساعدة ، وبني جشم ، وبني الأوس ، وبني ثعلبة ، وبني جفنة ) وان جفنة بطن من ثعلبة . وان بطانة يهود كأنفسهم ، وان البر دون الاثم ، وان موالي ثعلبة كأنفسهم ، وأنه لايخرج منهم أحد إلا بإذن محمد . وأنه لاينحجز على ثأر جرح ، وأنه من فتك فبنفسه ، إلا من ظلم ، وان الله على أبر هذا ( شاهد على صدقه ) .
30 - وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب اهل هذه الصحيفة ، وان بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الاثم . وانه لن يأثم امرؤ بحليفه ، وان النصر للمظلوم ... وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة . وان الجار كالنفس غير مضاَر ولا آثم وانه لاتجار حرمة إلا بإذن أهلها . وأنه ماكان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَه إلى الله عز وجلَ ، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وان الله على اتقى مافي هذه الصحيفة وأبَره ، وانه لاتجار قريش ولامن نصرها ، وان بينهم النصر على من دهم يثرب . وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه ، واتهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم . وان ليهود الأوس مواليهم وأنفسهم مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البَر الحسن من أهل هذه الصحيفة . وان البر دون الاثم ، لايكسب كاسب الا على نفسه .
31 - " وان الله على أصدق مافي هذه الصحيفة وأبرَه ، وانه لايحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم . وانه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة الا من ظلم او اثم . وان الله جار لمن برَ واتَقى ، ومحمد صلى الله عليه وسلم " .
32 - إن هذه الوثيقة ليست قرآناً ولكنها وضعت في ظل القرآن . وهي ليست عقداً في المعاملات ولكنها نظام للحياة . إنها " دستور " بكل المعنى الحديث لكلمة دستور . ولعلها أن تكون أول دستور وضعي عرفته البشرية . وإنا لنعرف من تاريخ القوانين الموضوعة الالواح الاثنى عشر في روما ( عام 450 قبل الميلاد ) وقبلها بقرنين أو أقل قليلاً ( 620 قبل الميلاد ) وضع دراكون قانونه في أثينا ، وقبله بنحو خمسة عشر عاماً ( 2000قبل الميلاد ) كان قانون حمورابي ، ولكنها جميعاً كانت بالمفهوم الحديث للشرائع قوانين ولم تكن دساتير . إذ كانت تنظم المعاملات بين الناس ولم تكن " نظاماً " للحياة . ثم نلاحظ - أولاً - أنها وثيقة نظام مجتمع من المسلمين ومن غير المسلمين على أسس الحياة المشتركة بينهم جميعاً . و - ثانياً - أن مصدر قوتها الملزمة واستمرارها هو قبولها واستمرار قبولها ممن تنظم حياتهم . و - وثالثاً - أنها تنظم تلك الحياة المشتركة في منطقة جغرافية واحدة هي المدينة . و - رابعاً - انها تنظم المعاملات فيما بين المومنين ( فقرة (28 ) ثم فيما بين اليهود ( فقرة 29 ) ثم فيما بين المؤمنين واليهود وتسميهم معاً " أهل الصحيفة " فتشركهم في المدينة بدون تفرقة ، ثم تلزمهم بالدفاع عن المدينة بدون تفرقة ( فقرة 30 ) . و - خامساً - وأخيراً فإنها تقيم على المدينة حاكماً هو النبي صلى الله عليه وسلم ارتضاه اهل الصحيفة ليرعى الالتزام بها ويفرض احكامها ، بقوة أهل المدينة جميعاً ، على من يخرج على دستورها .
إننا هنا في مواجهة طور جديد من المجتمعات لم تعرفه القبائل العربية في وسط الجزيرة من قبل . هناك تكوَن لأول مرة في تلك البقاع " شعب " تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين ولكن يتوحد الناي فيه ، مع اختلاف الدين ، في علاقة انتماء جديدة . علاقة انتماء إلى أرض مشتركة . علاقة انتماء إلى " وطن " . فترقى العلاقة الجديدة بالناس جميعاً ( أهل الصحيفة وأهل المدينة ) إلى مافوق الطور القبلي . وهناك استقر الناس في وطنهم ، على أرضهم ، ولم يعودوا إلى العلاقات القبلية مرة أخرى قطَ . وهناك سيكون جزاء محاولة نقض العلاقة الجديدة بالوطن والعودة إلى العلاقات القبلية النفي من أرض الوطن . ولقد استحق الجزاء بنو قينقاع وبنو النضير . واستحقه بنو قريظة . جزاء خيانتهم جميعاً في معارك الدفاع المشترك عن الوطن المشترك " المدينة " .
وهناك سيتحدث القرآن عن المؤمنين ، لاجملة ً ، بل حسب انتمائهم . فاما مؤمنون ينتمون إلىقبائل (الأعراب) ، وإما مؤمنون ينتمون إلى شعب " أهل المدينة " . ( ماكان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) { التوبة : 120 } . وهناك سيتحدث القرآن عن المنافقين ، لاجملة ، بل حسب انتمائهم . فاما منافقون ينتمون إلى قبائل " الأعراب " وإما منافقون ينتمون إلى شعب " أهل المدينة " . ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) { التوبة : 101 } . وأن تلك لثورة حضارية لامثيل لها فيما سبقها من حضارات وثورات ، لالمجرد أنها كانت سلمية وهي ثورية ، ةلالمجرد أنها ارتقت طفرة بمجتمعات قبلية عريقة في العصبية ، إلى شعب قبل في صحيفته ( دستوره ) أن تقطع العلاقات والروابط القبلية في بني عوف ، وبني ساعدة ، وبني جشم ، وبني النجار ، وبني أوس ، فيصبح المؤمنون من تلك القبائل مع المؤمنين ، ويخضعون معهم لنظام معاملات واحد ، ويبقى الشطر الثاني منهم جميعاً ، ينظمون معاملاتهم على ماكانوا . ليست العلاقات القبلية هي وحدها التي قطعت لتفسح مكاناً حضارياًلعلاقة الانتماء الشعبي إلى الوطن ، بل قطعت العلاقات العشائرية ، والأسرية ، والزوجية ، والأبوة ، والبنوَة ، والأخوة . فوق هذا وذاك ، وأكثر منه دلالة على الطفرة الحضارية ، إن تلك العلاقات الجديدة قد شملت العلاقة الدينية في الوطن كما شمل شعب المدينة المسلمين وغير المسلمين ، بدون ان يعوق ذلك تجاوز العلاقة الدينية العلاقة الوطنية إلى الناس جميعاً . ففي الوقت الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسوس شعب المدينة بما جاء في الصحيفة ، كان يبعث عبد الله بن حذافة السهمي برسالة ‘لى كسرى امبراطور فارس ، وحاطب بن أبي بلتعة إلى القوقس عظيم القبط في مصر ، ودحية الكلبي إلى هرقل امبراطور الروم ، وعمروبن امية الضمَري إلى النجاشي ملك الحبشة يدعوهم جميعاً إلى الاسلام . الاسلام الذي تطورت به القبائل إلى شعب وتعايشت فيه الأديان ، وسوى بين الناس على أساس ماأرتضوه من دستور في المدينة .
وإنا لندرك أبعاد تلك الثورة الحضارية إذا مالاحظنا أنَ جزءاً كبيراً من البشر في أفريقيا وأستراليا وجنوب شرق آسيا مايزالون حتى اليوم يعيشون في الطور القبلي بالرغم من محاولات تطوير القبائل إلى شعوب عن طريق حصرهم على أرض واحدة وحصارهم داخل حدود دولة واحدة .

33 - وهناك بدأت الأمة العربية جنيناً في رحم اول مجتمع ( شعب ) أوجدته ثورة الاسلام الحضارية ، ولدت فيه ، ونمت معه ، واكتملت أمة عربية به ، فقد فتح المسلمون مكة عام 630 م وقضوا على القبائل المرتدة في عهد أبي بكر ، ثم ماان جاء عام 633 حتى كانت كل القبائل والشعوب في الجزيرة العربية قد توحدوا في شعب واحد ، وفتحت دمشق عام 635 م ، وبيت القدس عام 638 م وما بقي من الشام قبل نهاية عام 640 م ، وقبل أن ينتهي عام 643 كان قد تم فتح مصر وفارس . وفتحت برقة 670 م وامتد الفتح حتى شمل المغرب العربي كله 698م ، ومن هناك تم فتح اسبانيا ( الأندلس ) عام 671 م .
34 - وإنا لنعلم أن الفتح الاسلامي قد امتد شرقاً وجنوباً إلى أبعد من فارس ، وانه قد شمل قبرص ورودس ( 652-655 م ) وكورسيكا ( 809 م ) وسردينيا ( 810 م ) وكريت ( 810 م ) وصقلية ( 832 م ) ومالطة ( 870 م ) ...الخ . غير أننا نكتفي بماسبق لأنه يلزم ، ويكفي ، لمعرفة كيف كوَن الاسلام الامة العربية وهو يفتح تلك الاقطار منطلقا من المدينة إلى كل الاتجاهات . إلا أنَ هذا لايغني عن معرفة مايلزمنا من مد إسلامي جاء من خارج الأرض العربية متجهاً اليها .
35 - ففي القرن السادس الميلادي انطلقت مجموعات قبلية تركية من شمال وسط آسيا حيث إقليم بحيرة بيكال نحو الغرب . كانت كل مجموعة تحت قيادة " خان " . ومازالوا يتقدمون مقاتلين حتى استولوا على فارس بقيادة طغرل بك ، وأرسلوا وفداً إلى الخليفة العباسي القائم بأمر الله يبلغونه أنهم مسلمون ، فاتصل بهم واتصلوا به ( 1055 م ) . بعد هذا التاريخ بقرنين تقريباً ، أي في مستهل القرن الثالث عشر ، اكتسحت العالم المعروف حينئذ ، موجة مغولية تتارية أخرى بقيادة جنكيز خان ، فاستولت على الصين وفارس وتركستان وأرمينيا والهند حتى لاهور ، وروسيا والمجر وبولندا حتى سيليزيا ( 1241 م ) . واجتاحت العراق وسورية وفلسطين ولم تنكسر موجاتهم القبلية الغازية المخربة إلا عام 1260 حين هزمهم جيش عربي بقيادة حاكم مصر ، الظاهر بيبرس ، في معركة عين جالوت . وكانت تلك نهايتهم . غير أن آثارهم لم تنته . فقد دفعت موجاتهم الكاسحة إحدى القبائل التركية ، عرفت فيما بعد بالأتراك العثمانيين من تركستان فاستولوا على آسيا الصغرى ( تركيا الحالية ) ثم عبروا مضيق الدردنيل إلى مقدونيا والصرب وبلغاريا وفتحوا القسطنطينية ثم انثنوا إلى الأرض العربية وغزوها واستولوا على الحكم في الامبراطورية الاسلامية التي عرفت منذ ذلك الحين ( 1506 - 1918 م ) بالامبراطورية العثمانية .
36 - يكفي ماسبق ويزيد فنقول : عندما توقف المد الاسلامي كان قد ضم اليه مجتمعات مختلفة في درجة تكوينها الاجتماعي ، وبالتالي كان أثره الحضاري في كل منها مختلفاً طانت منها مجتمعات تجاوزت الطور القبلي والشعوبي وكونت حضارتها القومية . مثالها فارس وأسبانيا .
فقد كانت فارس موحدة شعباً منذ أن حكمها أردشير ( 226 م ) حكماً مركزياً بيروقراطيا كثير الفروع واعاد اليها الديانة القومية ( الزرادشتية ) وقاد الشعب الفارسي لاسترداد الاقاليم التي كان الاسكندر الأكبر قد استولى عليها ، وكانت ماتزال تحت حكم الملوك الأكمينيين . وقد استردها فعلاً ووحد الفرس ارضا وشعباً من نهر جيجون في الشمال إلى العراق في الغرب . وفي عهد خسرو الأول 0 531 - 579 م ) المعروف باسم كسرى أنو شروان كان الشعب الفارسي يتمتع بنظام دقيق للرَي والسدود ، ويمتلك جيشاً نظامياً ومجموعة من القوانين العامة وكانت الحضارة الفارسية قد قاربت أوج ازدهارها . ثم جاء الاسلام وفتح فارس في عهد يزدجر الثالث عام ( 634 م) بعد أربعة قرون من استقرار الشعب الفارسي على أرضه وتفاعله معها تفاعلاً حراً أنتج حضارته الخاصة .
وفي اسبانيا كان الشعب الاسباني يوم الفتح الاسلامي عام ( 711 م) قد قضى نحو ثلاثة قرون من الاستقرار على أرضه والتفاعل معها منذ حكم الملك تيودوريك الثاني ( 456 م ) تفاعلاً حراً أنتج حضارته الخاصة .
أما فيما يعرف الآن باسم الوطن العربي فإن الاسلام ، بعد ان طور سكان الجزيرة العربية من قبائل إلى شعب عربي انطلق إلى ما يجاوره فالتقى واختلط بمجتمعات كانت قد تجاوزت الطور القبلي واستقرت شعوباً وإن كانت السيطرة الفارسية والرومانية قد عوَقت تطورها فلم تنشأفي أي منها حضارة قومية ( كانت الحضارة الآشورية قد توقفت عن النمو منذ الغزو الفارسي ، وكانت الحضارة الفرعونية قد توقفت عن النمو منذ الغزو الروماني ) هذه الشعوب أكمل الاسلام تكوينها أمة واحدة : رفع عنها العبودية الفارسية والرومانية أولاً . ثم الغى فيما بينها الحدود ، ثانياً . ثم قدَم لها لغة مشتركة ثالثاً . ثم نظم الحياة فيها طبقاً لقواعد عامة واحدة ( القواعد الاسلامية ) رابعاً . ثم تركها تتفاعل تفاعلاً حراً مع الأرض المشتركة قروناً متصلة لم توجد خلالها سدود أو قيود على حرية الانتقال والمتاجرة والعمل والتعليم والتعلم . ثم جمها معاً لتدافع عن الأرض المشتركة في عين جالوت ، ثم على مدى قرن من الحروب المستمرة ضد الغزو الصليبي . ونحسب أن في ذاك القرن كانت الشعوب قد انصهرت في نيران المعارك فاكتملت الأمة تكويناً .
وهكذا صنع التاريخ الاسلامي من تلك الشعوب أمة واحدة هي الأمة العربية ، وصنعت الأمة العربية في ظله حضارتها العربية .
37 - بهذا تميزت الأمة العربية عن الأمم والشعوب الأخرى المسلمة . تميزت باللغة العربية ( لغة القرآن )
لغة قومية مشتركة واندثرت اللغات الشعوبية . هذا بينما لم تأخذ الأمة الفارسية من لغة القرآن إلا حروفها .
وقد حدث بعد قرنين من الفتح الاسلامي وعلى مدى نحو قرن كامل ، حينما تولت الأسرة السامانية ( 874 -999 م) الحكم في فارس أن عادت اللغة الفارسية إلى سابق وضعها كلغة قومية . أما الأمة الاسبانية فبعد فتح إسلامي استمر قروناً عدة لم تحتفظ لغتها القومية الا بمفردات محدودة من لغة القرآن . وتميزت الأمة العربية بوحدة الأرض التي أمتدت من حدود فارس وحدود تركيا وحدود اسبانيا ( الأندلس ) ، وحصرتها الصحراء والبحار من الجهات الأخرى ، حتى عندما كانت تلك الأرض ومعها فارس وتركيا واسبانيا تحت حكم الخلافة فقد كانت الأرض العربية ، منذ فتح مكة والجزيرة مقسمة إلى ولايات أو أقاليم على كل منها أمير ، ثم بعد ذلك وال أو سلطان يعينه - ولو اسميا - الخليفة ، ولم يحدث أبداً منذ الفتح الاسلامي حتى الاستعمار الاوروبي ان قامت بين تلك الولايات حدود أو سدود أو قيود . هذا في حين أن اسبانيا تحت الحكم الأموي قد استقلت بحدودها منذ ( 756 م) ، وأن فارس قد استقلت منذ أن استقل بها محمود ابن سبكتكين الغزنوي (998 -1030 م ) .
ولقد تصارع الخلفاء والحكام والامراء والولاة دهرا على السلطة في الأرض العربية التي أصبحت القاهرة ، بعد دمشق وبغداد ، عاصمة الخلافة فيها سواء كان الخليفة عباسيا قادما من الشرق أو فاطميا قادما من الغرب ولكن لم يحدث أبدا أن خليفة أو حاكما أو أميرا أو واليا قسَم الأرض أو البشر أو أراد تقسيمها ، بل كان طموح كل منهم ، حتى الفاشلين ، أن يكونوا حكاماً على تلك الأرض الواحدة . وفي هذه الأرض الواحدة انصهرت الشعوب ، حتى من خلال الصراع ، وتفاعلت فصنعت من أرضها ، وبلغتها ، انماطاً من الفكر والمذاهب والفن والعلم والتقاليد وعناصر الحياة الأخرى ما كان حضارة عربية خالصة حتى عندما كان الاسلام يطبع حضارتها وحضارات الأمم والشعوب الأخرى بطابع اسلامي مميز .
38 - ولن نلبث أن نرى أثر هذا حين تتفكك دولة الخلافة العثمانية . فيسفر العالم الاسلامي عن تلك الأمم التي دخلها الاسلام وهي أمم مكتملة التكوين ، فإذا بها هي هي ، كما كانت ، أمما متميزة بشعبها وأرضها ولغتها وحضارتها القومية الخاصة وإن كان الاسلام قد أضاف اليها حروف اللغة ، كما فعل في فارس وهذَب حضارتها القومية . ولكنه يسفر عن تلك الشعوب التي كان لكل منها لغة خاصة وثقافة خاصة عندما دخلها الاسلام لأول مرة ، فإذا بها شعب واحد يعيش على أرض خاصة ومشتركة ، ولغة واحدة وثقافة واحدة ، إذا بها قد اكتملت في خلال القرون التي قضتها معاً في ظل الاسلام أمة عربية واحدة .
اما المجتمعات القبلية من العثمانيين التي لم تستقر شعباً في تركيا الحديثة إلابعد أن كانت الامة العربية قد اكتملت تكوينا ، أو كادت ، فإنها ستأخذ من لغة القرآن حروفه ، ثم يضيق وعيها القبلي بعمق وثراء ورحابة الفكر الاسلامي العربي فتختار واحداً من المذاهب لتفرضه إسلاماً ( المذهب الحنفي ) فيبقى تراثها الاسلامي مذهبياً حنفياً . وعلى مدى قرنين ، قبل أن تكتمل أمة " طورانية " في أواخر القرن التاسع عشر ، كان نموها القومي يتم خلال تفاعل قوي ومؤثر تأثيراً مباشراً مع الحضارة الأوروبية الناهضة بقيمها الفردية وأفكارها الفردية وفلسفتها المادية . فما أن تكتمل أمة حتى تغالب حضارتها القومية الهجينة ماأضافه الاسلام اليها من عناصر حضارية ، فتتخلى عن مذهبها وتستبدل بالحروف العربية حروفا لاتينية وتنزع نزوعا شوفينيا ( مثل كل الحركات القومية الاوروبية في القرن التاسع عشر ) لتحويل الدولة المشتركة بين الترك والعرب إلى دولة تركية تفرض سيطرتها على الأمة العربية ، فتستجيب الأمة العربية للتحدي ، وتبدأ الحركة القومية العربية الحديثة مستهدفة دولة الوحدة العربية .
39 - تلك هي العلاقة التاريخية " الخاصة " بين الاسلام والأمة العربية . وهي علاقة جدلية ، انتهت إلى خلق جديد . فكانت الأمة العربية ثمرة تفاعل الاسلام مع تلك الشعوب والمجتمعات والجماعات ، وتفاعلها فيما بينها في ظل الاسلام وحمايته ، تفاعلاً انتهى إلى أن تكون شعباً عربياً واحداً بدلاً من شعوب متفرقة ، ووطناً عربياً واحداً بدلاً من اقاليم متعددة . واستمدت اسمها من تلك النواة التي بدأ بها التكوين القومي في الجزيرة العربية ، وحملت راية الاسلام إلى باقي الوطن العربي ، وقادت حركة التفاعل الخلاق الذي انتهى إلى أن تكون ، كما نحن ، أمة عربية . وما كان هذا ليحدث لولا التقاء أمرين في مرحلة تاريخية واحدة : الاسلام كثورة حضارية قادرة على التطوير والخلق ، والشعوب لم تكتمل أمماً ، فهي قابلة لأن تتطور ويخلق من جديد . ولم يكن أي الأمرين بمفرده بقادر على أن يخلق " الأمة العربية " وهكذا أسهم الاسلام في تكوين الأمة العربية . ولكنها عندما تكونت كانت وجوداً ذا خصائص متميزة عن العناصر التي التحمت معاً فكونتها . فهي " أمة عربية " وليست جماعة مسلمة من ناحية . وهي " أمة عربية " وليست امتداداً نامياً لأي شعب من الشعوب التي كانت من قبل ، ولاحتى لتلك النواة التي بدأت بها مرحلة التكوين القومي منذ ثلاثة عشر قرناً في قلب الجزيرة العربية .
40 - وهكذا لم يكن الاسلام ديناً فحسب ، بل كان ثورة اجتماعية ذات مضامين حضارية . أنشأت بينه وبين الأمة العربية علاقة عضوية تاريخية خاصة . ذلك أن الاسلام ، كثورة اجتماعية قد لعب دوراً أساسياً في تكوين الأمة العربية فما ينكر الوجود القومي للأمة العربية إلا من ينكر على الاسلام مضمونه الثوري الحضاري الذي أسهم في تكوين الأمة العربية . وما ينكر أن الأمة العربية " أمة الاسلام " - إذ قد أسهم في وجودها ولم تكن موجودة من قبله - إلا الذين يفرغون العروبة من حضارتها . والحق انه حيث نبحث عن حضارة اسلامية خالصة من الآثار الشعوبية لانجدها إلا في الحضارة العربية . وحيث نبحث عن حضارة عربية خالصة من الآثار القبلية لانجدها إلا في الحضارة الاسلامية . كذلك أصر الأكثر علماً بالتاريخ على التوحيد بين كلمة "مسلم " وكلمة " عربي " في الدلالة على الحركة الحضارية يوم أن كان العرب ينتصرون للاسلام فينتصر الاسلام لهم .
41 - وما تزال الأمة العربية تحمل ظواهر حضارية مميزة هي ذاتها ظواهر مميزة للحضارة الاسلامية ، إن تكن اللغة إحدى العناصر التي تؤثر تأثيراً في المضمون الفكري والفني والعلمي للحضارة ، وتطوع الآداب والعادات والتقاليد بما تتسع له من معان أو تضيق ، فإن العربية هي لغة القرآن ، كتاب الاسلام ، وهي في الوقت ذاته لغة الأمة العربية . ولانزيد حتى لانعيد مايقوله كل علماء اللغة والفلسفة والفن والاجتماع ، من دور اللغة في صياغة الحضارات . ولكنا نجتهد فنقول إن في الأمة العربية ظواهر حضارية لايمكن فهمها إلا على أساس من معرفة العلاقة الحضارية الخاصة بين الاسلام والأمة العربية . ولسنا نقصد بالظواهر الحضارية تلك التي يصطنعها الناس عامدين ، ولكنا نقصد بها ماتؤديه الشعوب على السجية وتقوم به كالعادة المستقرة ، بدون تدبير . ولسنا نقصد بها تلك الظواهر التي يحتاج إدراكها إلى علم المتخصصين . فإنا لانخاطب بهذا الحديث غير العربي المسلم البسيط . نخاطبه بما نحسب أنه يحسه من نفسه ولو لم يجهر به ، ولايحتاج في إدراكه إلى علماء ومعلمين . أما الراسخون في علم الحضارات فإنهم يعرفون مانقول كما يعرفون أبناءهم . لاهم في حاجة إلى حديثنا البسيط ، ولانحن في حاجة إلى أن نتحدث إليهم عما هم به عالمون ، فنزعم أن العربي على السجية يضع ذاته موضع السيادة من عناصر الوجود جميعاً . انه في علاقته بالأشياء والظواهر ، وفي تأثيره فيها وتأثره بها ، وفي محاولاته ، الناجحة أو الفاشلة ، في تطويعها لارادته ، ينطلق من وضع مفترض لايفكر حتى في تبريره ، هو أنه " كإنسان " افضل من كل الموجودات وأكرم ، وأنه سيدها وقائدها . آية ذلك ان أيا من المذاهب الفكرية التي تضع الانسان موضع التبعية لعناصر الوجود المادية لم تستطع أن تقنع العقل العربي بأن ينزل عن مكان السيادة والقيادة ، بالرغم من كل ما تقدمه من فلسفات ونظريات . يعبرون عن ذلك في مرسل القول بأن العربي متميز بالأنفة والكبرياء والعزة والكرامة ...الخ . فمن أين جاءته كل هذه القيم ؟ .. نعني القيم الحضارية . من الاسلام . إنها ثمرة التربية الطويلة على المنهج الاسلامي . أربعة عشر قرناً والشعب العربي يتعلم جيلاً بعد جيل ، ويوماً بعد يوم ، أنه في نطاق التأثير المتبادل بين الانسان والطبيعة المادية يكون الانسان هو الفاعل الصانع المغيَر المطوَر ، وتكون الطبيعة المادية موضوع فعله . ويستعمل القرآن تعبير " السخرة " للدلالة على هذه العلاقة . وهو تعبير قوي الدلالة على أن الانسان هو صانع واقعه المادي والقادر والمسؤول عن تغييره ( الم تر أن الله سخر لكم مافي الأرض ) { الحج : 65 } . ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ) { الملك : 15 } . ( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار ) { إبراهيم : 32 } . ( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ) { النحل : 14 } . ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار ) { إبراهيم : 33 } . ( وسخر لكم مافي السموات ومافي الأرض جميعاً ) { الجاثية : 13 } . . الخ
ويقطع القرآن بأن شيئاً من الواقع لن يتغير إلا إذا تغير الناس . فالانسان القائد هو البداية : ( إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) { الرعد : 11 } . إن هذه القيمة الحضارية ماتزال هي وحدها القادرة على تفسير بعض الظواهر المسلكية التي تبدو مقصورة على العرب . التطلع والتشبث بأهداف يقول غيرهم عنها إنها غير واقعية ، قياساً على الظروف المادية المتاحة آنياً ، تصاعد المقدرة على الاستمرار في التحدَي إذا جاءت البداية منتصرة ، تحوَل الهزائم إلى نقد لاذع واتهام فظيع يتبادلونه . وانهم ليتَهم بعضهم بعضاً بالعمالة والخيانة حين تحلَ بهم الهزيمة ، ويحمَل بعضهم بعضاً مسؤوليتها ، حتى قبل أن يتهموا من هزمهم بالعدوان والبغي . ويعجب بعض الناس من هؤلاء العرب غير الواقعيين الذين قالوا عام 1967 " لامفاوضة " وهم غير قادرين على القتال ، " ولاصلح " وأرضهم محتلة ، " ولا اعتراف " وهم يعرفون من الهزيمة ذاتها مدى ثقل الوجود الذي ينكرون الاعتراف به . ويعجب بعض الناس من هؤلاء العرب الذين لايكفون عن طلب الوحدة بالرغم من كل مابين حكوماتهم من صراع ، وبالرغم من أنَ الوحدة هدف لن ترضى به قوى العالم القادرة . ويعجب بعض الناس من هؤلاء العرب الذين لايتركون فرصة دون أن يتهم بعضهم بعضاً وهم يعلنون أن غاية صراعهم أن يتوحدوا . ثم يعجب بعض الناس من هؤلاء العرب الذين ما ان ينطلقوا منتصرين حتى يحققوا المعجزات بما فيها معجزة الوحدة .
إن وراء كلَ هذا قيمة أكثر ثباتاً في وجدان العربي من كل ظواهرها السلبية . إن كل شيء مسخر له كإنسان وهو قادر على تغييره ومسؤول عن هذا التغيير ، وإن الخضوع للظروف المادية أو الاتكال عليها أو اتهامها يعني انه يتخلَى عن ثقته بذاته كإنسان وبمقدرته ومسؤوليته . تعبيراً عن هذه القيمة لايفهم العربي كيف تكون الوحدة هدفاً غير واقعي بحجة أنَ الظروف لاتسمح بها مادام هو يريدها . ولايفهم كيف تعني الهزيمة الاستسلام مادام هو لايريده . ولايفهم كيف يمكن أن ينهزم بدون أن يكون إنسان غيره قد خان . وتعبيراً عن هذه القيمة ماأن ينتصر العربي - في أي ميدان - حتى يتقبل النصر على أنه استحقاق " طبيعي " له ، فيندفع إلى مزيد من محاولات الانتصار .... وهكذا لم يحتج العرب إلى أكثر من نصف قرن ليحملوا الاسلام دعوة وحضارة إلى أكثر العالم المعروف لهم . ولم يحتج العرب إلى وقت يذكر ليقفزوا إلى المراكز الاولى في الفلسفة والرياضة والطب والفلك والصناعة .... وكلها نشاطات حضارية لم يكن لهم بها علم قبل أن يبدأوها . إن قيل إنها قيم عربية صدق القول . وإن قيل انها قيم اسلامية صدق القول ، إذ الحضارة الاسلامية في وطننا هي الحضارة العربية ، لاتختلفان .
42 -ونزعم أن العربي على السجية يضع ذاته موضع المساواة مع أي عربي آخر ، مهما تكن الفروق بينهما في الثقافة أو الثروة أو الجاه أو المقدرة . ان يكن في الوضع الأدنى يعبر عن تمسكه بالمساواة بنقد واتهام اسباب التفوق حيناً والسخرية منها في بعض الأحيان .ولايعترف العربي للعربي أبداً باستحقاقه التفوق إلا حين يأمن أن ليس في هذا الاعتراف مايمسَ قيمة المساواة بين الناس . من اين جاءت هذه القيمة الحضارية العربية
....... من الاسلام . لانقول لأن الاسلام يساوي بين الناس ولايمايز فيما بينهم تبعاً للاصول أو اللون أو الجنس ، وألا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ثم نقف ، بل نقول كيف ربى الاسلام الناس على المساواة حتى أصبح العربي على السجية يضع ذاته موضع المساواة مع أي عربي آخر ؟
نقول إن الشعب العربي هو اول شعب في تاريخ البشرية تعلم أن المساواة بين الناس لاتعني " المثلية " . لاتعني أن يكون كل واحد مثل أي واحد في العلم أو الفكر أو العمل أو الرزق ، بصرف النظر عما يكون بين الناس من تفاوت في المواهب والمقدرة الذاتية ، وإنما تعني المساواة أن تحكم العلاقات بين الناس ، كل الناس في المجتمع قواعد عامة ومجردة سابقة على نشأة تلك العلاقات . هكذا تعلَم الشعب العربي المساواة كما تعرفها البشرية الآن ولكن قبل أن يعرفها أي شعب بعشرة قرون على الأقل . وزاد فعرفها مقدسة لأنه تعلمها من كتاب الله المقدس . ولقد سبقت بعض الشعوب الشعب العربي إلى معرفة القوانين المكتوبة ، ولكنهاكانت كلها ، مجردة من فكرة المساواة . أولاً ، لأنها كانت ، كلها ، قوانين وضعها القادة والحاكمون لينظموا بها مسالك المقودين والمحكومين ولا يلتزمونها هم مسلكاً ، فلم تكن تساوي بين الحاكم والمحكوم . وثانياً ، لأنها كانت كلها تقر صراحة أو ضمناً عدم المساواة بين الناس . فجاء القرآن ليقول ( إنا انزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) { النساء : 105 } . ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) { المائدة : 48 } . ( وان احكم بينهم بما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم ) { المائدة : 49 } . ( ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون ) { المائدة : 44 } . ( ذلك حكم الله يحكم بينهم والله عليم حكيم ) { الممتحنة : 10 } .
في هذه الآيات البينات أحكام عدة ، منها أن محمداً بن عبد الله ، الصادق ، الأمين ، النبي ، الرسول ، القائد
مأمور مثل غيره من عامة المسلمين بالتزام الدستور القرآني . ليس مباحاً لأحد ، ولو كان الرسول نفسه ، أن يستعلي أو يستثنى أو يخرج عن القواعد العامة التي تحكم العلاقات بين الناس كافة . إنها مانعرفه الآن باسم
" المساواة أمام القانون " التي تساوي بين الناس من حيث هم بشر وان افترقت أعمالهم . على هذا تربى العرب ونمت حضارتهم على أنهم " سواسية كأسنان المشط " كما يقولون . وأصبح العربي على السجية ، غير مكره ، يضع ذاته موضع المساواة مع أي عربي آخر ، ولايقبل الاعتراف لأحد بالتفوق عليه إلا إذا أمن ألا يكون في هذا الاعتراف مساس بالمساواة بينهما . وعندما يكون التفوق متضمناً الاستعلاء يتهم أسبابه ولو اتهمها بأنها جاءت لصاحبها " صدفة " . أما إذا كان التفوق قوة مفروضة عليه فهو يرتاب ويكره حكامه لمجرد أنهم حكام ، إلى أن يطمئن إلى أنهم حكَام لديه وليسوا حكاَماً عليه . فإن كانوا حكاماً لديه أحبهم بدون تحفظ وغفر لهم مايرتكبون من ذنوب . إن قيل إنها قيم عربية صدق القول . وإن قيل اتها قيم إسلامية صدق القول . إذ الحضارة العربية في وطننا هي الحضارة الاسلامية ، لاتختلفان .
43 - ونزعم أن العربي على السجية لايعترف أبداً بأمانة الاثراء إذا لم يكن ثمرة عمل ، أو ميراثاً . إن كل ثروة لايعرف العربي مصدرها عملاً أو ميراثاً يبادر إلى اتهام أسباب الحصول عليها . أدنى مايعبر عنه إنكاراً لاستحقاق صاحبها لها قوله انها " ضربة حظ " . لايعرف كيف يكون الحظ مولداً للثروة . ولايهمه أن يعرف . ولكن هو يريد أن يقطع صلة الاستحقاق بينها وبين صاحبها مادامت قد جاءت إليه من غير عمل أو ميراث . من أين جاءت هذه القيمة ؟ نعني القيمة الحضارية . من الاسلام .
إذ ، لو جنينا الثروة حصيلة العمل وما قد يكون فيها من تفاوت تبعاً لتفاوت ملكات التفكير والتدبير والمهارة بين البشر ، ثم جنينا الثروة تؤول بالميراث ، كيف تأتي الثروة من غير عمل أو ميراث ؟ ... كيف يلد الجنيه جنيهاً و أكثر ؟ .... وكيف تتكاثر أرقام الثروة بدون تدخل من صاحبها ؟ نجيب : إنه الربا . وقد حرم الله الربا تحريماً قاطعاً ياأيها الذين آمنوا لاتأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) { آل عمران : 130 } . فيقول المنافقون انه لم يحرم الربا إلا أن تكون " الفائدة " مركبة . فماذا يقول المنافقون في قوله تعالى : ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ، والله لايحب كل كفار أثيم ) { البقرة : 276 } . و ( الذين يأكلون الربا لايقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) { البقرة : 275 } . و ( ياايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) { البقرة : 278 ، 279 } . هكذا ربَى الاسلام الشعب العربي على أن كل ثروة من غير عمل أو ميراث قابلة للاتهام بأنها ربوية . وفي هذه الجزئية التقى بالتربية المسيحية في شعوب الشرق . فقد بقي الربا محرماً في المسيحية بالرغم من إباحة الكنيسة الكاثوليكية له منذ أن " باع " البابا انوسنت الرابع " فتواه " بإباحة الربا لينفق ثمنها على حروبه ضد الامبراطور فريدريك الثاني ، بعد أن كان قد اتهمه علناً باعتناق الاسلام خفية . وهكذا ظل الشعب العربي أربعة عشر قرناً يتعلم في مدرسة الاسلام الحضارية ، جيلاً بعد جيل ويوماً بعد يوم ، أن المال الذي يأتي بدون عمل أو ميراث ربا ، وأن المرابين اعداء الله ورسوله ، فكانت تلك القيمة الحضارية : لايعترف العربي على سجيته بأمانة الاثراء إذا لم تكن الثروة ثمرة عمل ، أو ميراثاً .
44 - ولقد أثرت هذه القيمة الحضارية بالذات في تاريخ الأمة العربية تأثيراً بالغ القوة ، وكانت عاملاً أساسياً في تشكيل الحياة العربية على مدى ثلاثة قرون من الزمان فلقد عايش الشعب العربي ، وعاش ، مرحلة النمو الرأسمالي حين بدأ تجارة يتبادل فيها الناسالبضائع والخدمات . وتاجر الشعب العربي على أوسع نطاق في البر والبحر ، وكانت الأرض العربية الطريق الوحيد بين أقصى الشرق وأقصى الغرب قبل أن يكتشف طريق رأس الرجاء الصالح . وحمل العرب إلى كل مكان ذهبوا إليه تجارة ، دعوة الاسلام .
كذلك كان الفتح الاسلامي لعقول وأفئدة عشرات الملايين في أقصى الشرق بعشرات الآلاف من التجار العرب : يبيعون ويشترون ويقايضون ويربحون ويخسرون وهم يدعون ويبشرون ويعلمون الناس ديناً يحرم الربا تحريماً قاطعاً ، فلا يرابون ولايتعاملون مع مرابين . حتى إذا بلغ النظام الرأسمالي أوجه حين تحول إلى نظام ربوي محض يسمونه " الرأسمالية المالية " وتحولت التجارة إلى " مضاربة " وتحولت الاجارة إلى استغلال ، وأبيح الغبن في العقود تحت ستار " حرية الارادة " .... توقف نمو النشاط العربي التجاري دون تلك المرحلة من نمو النظام الرأسمالي . لأن قيماً حضارية زرعها الاسلام في وجدان الشعب العربي حالت بينه وبين الربا " والمضاربة " والغرر والغبن والاستغلال . ولقد أتى على الأمة العربية حين من الدهر كان أعداء الاسلام يرجعون مايقولون عنه " سبب تخلفها " إلى أنها قد تعلمت من الاسلام ألا تقرض أو تقترض "بفائدة " ( أي أن ترابي ) وألا تضارب ( في البورصات ) ، وألا تعقد العقود الرابحة إذا أفسدها الغبن ، وإنها لاتريد أن تتخلى عما تعلمته ، وأنها بذلك قد حرمت نفسها من واحد من أهم أسباب التقدم ( الأوروبي ) . ولعل من بين الناس من يردد هذا القول حتى اليوم . وتجاهد كثير من الدول ، اليوم ، من اجل انتزاع الأمة العربية من جذورها الحضارية الاسلامية إلى حيث تكون شريكاً تابعاً في المؤسسة الربوية العالمية التي يسمونها " الامبريالية " وذلك عن طريق سد طرق الرزق الحلال بمؤسسات يسمونها البنوك تتاجر في المال
( النقد ) ولاتسمح لمن يريد أن ينشىء تجارة أو يفلح زراعة أويقيم صناعة أو يبني مساكن أو يفتح معاهد العلم أو يحقق رخاء ...... الخ ، إلا بعد أن يشترك معها في تجارتها المحرَمة : الربا .
على أن الاسلام قد حمى الأمة العربية حين احتمت الأمة العربية بقيمها الحضارية التي غرسها الاسلام فيها .
فلم تمتد للنظام الرأسمالي داخلها جذور يصعب اقتلاعها ، ولم تكن شريكة في عصابة الرأسماليين العالميين .
وإنَا لنحمد الله في الحالتين . في الحالة الأولى ، لأن الأمة العربية مهيأة للأنتقال إلى النظام الاشتراكي ، الذي جاء دواء تاريخياً شافياً من أمراض الانسانية التي نشر النظام الرأسمالي جراثيمها في الأرض ، بدون حاجة إلى جهد جهيد تقتلع به جذور الرأسمالية . وفي الحالة الثانية ، لأن الأمة العربية لم تشارك في المذابح البشرية التي أقامها الاستعمار الرأسمالي لشعوب الأرض ليشق بين تلال الجماجم طرقاً إلى حيث الفوائد الربوية ويربي بها الناس على تمجيد القوة بدون حق ، فبقي تاريخ الأمة العربية فذاً في طهارته من العدوان على الشعوب الأخرى . ولم يحدث في تاريخ الفتح العربي أن سخَرت جيوشهم لانتزاع ثروات الشعوب والعودة بها إلى الجزيرة العربية بدلاً من زرع بذور الثورة الحضارية الاسلامية والبقاء معها حتى تنمو وتثمر
فنعرف من امر هذا العربي على السجية الذي لايعترف بأمانة الاثراء إذا لم تكن الثروة ثمرة عمل ، أو ميراثاً ، انه لايعترف للثروة بوظيفة الاستغلال ولا يعترف أبداً بأن القوة فوق الحق . وأنها لقيم حضارية . إن قيل عربية صدق القول . وإن قيل إسلامية صدق القول لأن الحضارة الاسلامية في وطننا هي الحضارة العربية ، لاتختلفان .
45 - نستطيع أن نضيف إلى ماسبق قيماً عربية كثيرة مثل : الشجاعة لاتخشى الموت لأن الأعمار بيد الله .
والنكوص عن المغامرة حفظاً للنفس من التهلكة ، والنجدة لوجوب الغوث ، والمشاركة الوجدانية للآخرين احتراماً للأخوة ، والعفو عند المقدرة بدون انكار لاستحقاق العقاب الذي قد يسمى تسامحاً ، وقد يسمى تفريطاً
وليس هو أيهما ؛ إنما هو تعبير عن قيمة حضارية غرسها الاسلام في الوجدان العربي حين تعلم العربي من الاسلام أن الحياة الدنيا ليست هي الفرصة الوحيدة لعقاب المذنبين ... الخ . وهكذا كلما تتبعنا ثمرة حضارية يقال لها " عربية " نبحث عن فرعها ثم جذعها ثم جذرها ، نجد أنها من شجرة حضارية طيبة زرعها الاسلام ونَماها وحفظها حتى أثمرت . ولماذا لاتكون في الأرض العربية إلا شجرة الحضارة الاسلامية . لأن الأمة العربية لم تكن موجودة قبل الاسلام لاشعباً ولاوطناً ولاحضارة ، فلم تخالط القيم الاسلامية قيم قومية سابقة عليها ، وما هكذا كان شأن الاسلام في الأمم والشعوب الأخرى حيث كان الاسلام إضافة حضارية إلى حضارة قائمة ، فاختلطت القيم .
46 - الذين لايعرفون كل هذا قد يعرفون الأمة العربية وصفـاً ، ولكنهم يجهلون " كيف " تكَونت . أما الشعب العربي فيعرفها من نفسه حين تكون نفسه على السجيةبدون فعل أو افتعال ، فلا يقوم لدى الشعب العربي سبب ليتوهم أن عدم تشابه ، أو تعرض أو تناقض ، علاقة الانتماء إلى الاسلام وعلاقة الانتماء إلى العروبة بنفي العلاقة بين العروبة والاسلام حتى يستغنى بأحدهما عن الآخر . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة إلى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .

العـدوان

47 - فهل يكون ذلك لأن الانتماء إلى الأمة العربية علاقة " قومية " والقومية عصبية تورث العداء للغير وتجر إلى العدوان ، وكل هذا يكرهه الاسلام وينهى عنه ؟ قد يكون . فإن ممن ينكرون الأمة العربية وجوداً والقومية علاقة انتماء ، ليتهمون القومية بأنها عدوانية ويسمونها " شوفينية " . ولو صح أن القومية عدوانية لكان على المسلم أن يعصم نفسه من الانتماء إليها ويعتصم بحبل الله . فقد حرم الله حتى الاتفاق سراً على العدوان . ( يأيها الذين آمنوا إذا تـناجيتم فلا تتناجوا بالاثم والعدوان ) { المجادلة : 9 } . وأمر المسلمين بأن لايساند بعضهم بعضاً فيه . ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) { المائدة : 2 } . ولقد أباح لهم دفع العدوان بشرط ألا يكونوا هم البادئين به ، والا يبلغوا في دفعه إلا مايكفي لدفعه ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ماأعتدى عليكم ) { البقرة : 194 } . وألزمهم تلك الحدود حتى خلال القتال الذي قد يصعب في معمعته معرفة الحد بين العدوان والدفاع . ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ، إن الله لايحب المعتدين ) { البقرة : 190 } . ولكن من قال إن القومية عدوانية ؟ ولماذا قال ما قال؟
كثير ، على رأسهم معلمهم ستالين الذي قال : " ليست الأمة مقولة تاريخية فحسب بل هي مقولة تاريخية خاصة بمرحلة تاريخية محددة هي مرحلة التكوين الرأسمالية ... فإن عملية تصفية الاقطاع ونمو الرأسمالية ، هي في الوقت ذاته عملية تكوين الناس في أمم " ( ستالين - المسألة القومية - صفحة 11 ) وهكذا ربط كل الماركسيين من تلامذة المدرسة الستالينية بين القومية والرأسمالية ( البرجوازية ) . ولما كان الماركسيون من أعلم الناس بالجوهر العدواني للنظام الرأسمالي فقد أدى هذا الربط الستاليني بين القومية والرأسمالية إلى ربط بين القومية والعدوانية . واستبدلوا بعلاقة الانتماء القومي إلى الأمة علاقة الانتماء الأممي إلى الطبقة العاملة ، وحذروا العمال من مخاطر نسبوها إلى القومية . قال بعض المحدثين منهم : " ينتمي العمال إلى قوميات مختلفة وأجناس مختلفة ولكن انتماءهم الأول يظل إلى الطبقة العاملة ، وهذا تحدده وحدة مصالحهم الأممية ، وأغراضهم ، ونظريتهم التي تتولى الصدارة لينزاح مادونها من أوجه الاختلاف إلى الوراء . وإذ يتحقق العمال الواعون سياسياً من أن النضال القومي والانعزال القومي يضران المصالح الأممية للطبقة العاملة ، يحاربون كل أنواع التمييز القومي " . أما كيف يكون النضال القومي ضاراً بمصالح الطبقة العاملة فذلك ، كما قالوا ، لأن " خطر القومية الأول يكمن في أنها تلهي العمال عن الصراع ضد عدوهم الطبقي . لقد تضافر الزمان والرجعية البرجوازية على تخطيط مؤقت لعرقلة الصراع الطبقي للطبقة العاملة بإشعال المشاعر القومية . هذا بالاضافة إلى أن انتشار الأفكار القومية والشوفينية يؤدي إلى تفكك وحدة الطبقة العاملة ، ويضر روابط التضامن الأممي ، وما لم تحارب القومية ، والشوفينية ، فإنها ستضعف حتماً حركة الطبقة العاملة " . فيجب إذن ألا ينسى العمال أن " الحركة الشيوعية أممية في ذات جوهرها " ( أسس الماركسية اللينينية -1963 )
هذا بعض ماقاله ويقوله بعض الماديين الذين حملتهم فلسفتهم المادية إلى موقف العداء من علاقة الانتماء القومي فاستبدلوا بها الانتماء إلى علاقات الانتاج .
48 -نريد أن نجرب إعادة صياغة ماقاله ، ويقوله ، الماديون إلى لغة قالها ، ويقولها ، الذين يريدون أن يستبدلوا بعلاقة الانتماء القومي إلى الأمة العربية علاقة الانتماء الديني إلى الاسلام . يمكن أن يقولوا هكذا : " ليست القومية مقولة تاريخية فحسب بل هي مقولة تاريخية خاصة بمرحلة تاريخية محددة هي مرحلة الجاهلية .. فإن عملية الصراع بين الناس على المراعي هي في الوقت ذاته عملية تكوين الناس في أقوام " لابد أن يكون القائل هذا في مرتبة الاستاذية ليقوم مقام ستالين ويترك للمريدين القول بأن : " ينتمي المسلمون إلى قوميات مختلفة وأجناس مختلفة ، ولكن انتماءهم الأول يظل إلى الأمة الاسلامية ، وهذا تحدده وحدة عقيدتهم الدينية ، ووحدة كتابهم الذي يتولى الصدارة ، لينزاح مادونهما من أوجه الاختلاف إلى الوراء . وإذ يتحقق المسلمون الواعون دينياً من أن النضال القومي والاستقلال القومي يضران المصالح العامة للمسلمين يحاربون كل أنواع التمييز القومي " . أما كيف يكون النضال القومي ضاراً بمصالح المسلمين ، فذلك ، كما يمكن أن يقولوا ، لأن : " خطر القومية الأول يكمن في أنها تلهي المسلمين عن الصراع ضد عدوهم الديني . لقد تضافر الزمان ، والكفرة الملحدون ، على تخطيط مؤقت لعرقلة الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الاسلام بإشعال المشاعر القومية . هذا بالاضافة إلى أن انتشار الافكار القومية والعصبية يؤدي إلى تفكك وحدة صفوف المسلمين ، ويضر التضامن الاسلامي ، ومالم تحارب القومية والعصبية فإنها ستضعف حتماً حركة المسلمين"
فيجب اذن ألا ينسى المسلمون أن " الاسلام عالمي في جوهره " .
هذا بعض ماقاله ، أو يمكن أن يقوله ، بعض " الروحيين " الذين يحملهم جهلهم بالقومية إلى موقف العداء من علاقة الانتماء القومي فيستبدلونها بعلاقة الانتماء إلى الدين . وإذ يلتقي النقيضان عقيدة في موقف عداء واحد من القومية لابد من أن يكون أحدهما قد حرف عقيدته . ولسنا نستطيع ، منصفين ، أن نتهم الماركسيين ، أعداء القومية ، بتحريف عقيدتهم . ذلك لأن الماركسيين قد كونوا عقيدتهم في القومية وموقفهم العدائي منها من عناصر وفرتها الملاحظة الدقيقة للحركات القومية في أوروبا . فهناك تعاصر النمو الرأسمالي مع نشوء حركات التوحيد القومي . وقادت البرجوازية فعلاً الحركات القومية ، وأقامت في كل أمة دولة واحدة . ولم تكن الرغبة والمصلحة في توحيد السوق القومي بعيدتين عن بواعث حماس البرجوازية للوحدة القومية . ولما كانت الوحدة القومية تضاعف عائد توظيف الموارد المادية والبشرية المتاحة في أجزاء الأمة ، فقد استفادت الرأسمالية النامية من الوحدة القومية ، وازدادت نمواً . ولكن لأنها رأسمالية مستغلة بحكم جوهرها ذاته فقد استغلت القوة التي نمت بالوحدة القومية في مضاعفة استغلالها لشعوبها ذاتها . فلما ضاقت بنموهاالحدود القومية سخَرت الدولة القومية وطاقاتها الهائلة في الاستيلاء على الأسواق " القومية أيضاً " في الدول الأخرى،
فكانت تلك بداية الاستعمار الذي عانت منه الشعوب جميعاً .
من ذاك الواقع الذي لاحظه الماركسيون ملاحظة دقيقة كونوا عقيدتهم في القومية وموقفهم العدائي منها على أساس ماهو ظاهر من تعاصر واتساق وتفاعل النمو القومي والنمو اللرأسمالي في أوروبا . ولم يكن تحت نظر الماركسيين أية تجربة قومية أخرى لافتة لينتبهوا إلى أمرين : أولهما أن الوجود القومي سابق تاريخياً على الحركة القومية ، وآيته أنه عندما نشأت ونمت الرأسمالية واحتاجت البرجوازية إلى وحدة السوق "القومي " كان التاريخ قد كوَن العناصر البشرية والوطنية والحضارية التي تميز ماهو" قومي" ولو كان سوقاً .
فتعاملت كل برجوازية مع واقع تكوَن تاريخياً هو أمتها . وما كان يضير البرجوازية الأوروبية أن توحَد السوق الاوروبي كله ، ولكنها ، خضوعاً لواقع تاريخي قسم أوروبا أمما ، وحدت السوق الالماني ، والسوق الايطالي ......الخ . ومن هنا كانت الأمة " موضوعاً " مارست فيه الرأسمالية نشاطها ، ولم يكن ثمرة نشاط الرأسمالية ، ثاني الأمرين واكثرهما دلالة هو ، أن الاستعمار كان وما يزال نشاطاً رأسماليا لايمَت إلى القومية بصلة ، لا لأن عائده المغتصب لم يصل إلى الشعوب بل استأثرت به البرجوازية فحسب ، بل لأنه --أيضا - كان عدواناً على قوميات أخرى . وهكذا ، على مدى الصراع المرير الدامي بين المستعمرين وحركات التحرر من الاستعمار ، كان كل من الطرفين يقاتل تحت راية قومية . الراية القومية نفسها التي رفعها ستالين ليحشد تحتها طاقات الاتحاد السوفيتي دفعاً للغزو النازي ، فأفلح بها ولم يكن ليفلح بغيرها . أمَا الرايات القومية التي رفعها المستعمرون فكانت زائفة . وكان على الماركسيين أن ينتبهوا إلى زيفها بحكم معرفتهم للطبيعة الطبقية للبرجوازية ، ومعرفتهم أن " الدولة " كانت أداة قهر في أيدي الرأسماليين وحدهم .
قهروا بها شعوبهم أولاً ، ثم هاهم يقهرون بها شعوباً أخرى . أما الرايات القومية التي ترفعها حركات التحرر من الاستعمار فكانت نداءات مرفوعة لكل المقهورين ، بالتجمع تحت راية القومية من أجل التحرر . أياً ماكان الأمر فإن الصراع القومي ضد الاستعمار قد أثبت أن الاستعمار لم يكن قومياً أصلاً .
وحينما يقدم العالم الثالث تجاربه القومية إلى الماركسيين سينتبهون ويغير بعضهم موقفه من القومية . وهذا ماانتبهوا إليه وقالوه عن الحركة القومية العربية بالذات . قالوا عام 1963 ( أسس الماركسية اللينينية - المرجع السابق ) - مايأتي نصاً : " في السنين الأخيرة برزت شعوب الشرق العربي إلى الصف الأول في الكفاح من اجل التحرر القومي بقيامها بهجوم شامل على مواقع الاستعمار ... ان كفاح العرب ضد الاستعمار،
وفي سبيل الاستقلال القومي ذو دلالة بالغة تتجاوز العرب أنفسهم إلى المصير العام للسياسة الامبريالية والاستعمارية . والواقع أن الشرق الاوسط أصبح يلعب دوراً هاماً في الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والعسكرية للدول الاستعمارية الكبرى ، وخاصة بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية . فالشرق الأوسط مركز قواعد عسكرية امريكية عديدة . وهناك أيضاً تستولي الاحتكارات الأجنبية على ملايين الأطنان من الزيت ( النفط ) الرخيص سنوياً ، أو مايعادل ربع انتاج العالم تقريباً . ومن هنا نفهم أية ضربة أصابت الاستعماريين من كفاح حركة التحرر القومي العربي ، حيث هب العرب ليستردوا استقلالهم ، وليصبحوا سادة منابع الثروة الطبيعية في الشرق الأوسط . فكانت تلك الضربة أبعد مايكون توقعاً ، إذ أن ادارة الاستعمار الاجنبي والاقطاع المحلي الذي يساند الاستعمار قد أبقت الشعوب العربية في حالة تخلف اقتصادي شديد وأصبحت البلاد التي يسكنونها من أشد مناطق العالم فقراً . وقد ظن الاستعماريون أنَ الصراع من أجل ضرورات الحياة قد استنفذ طاقة العرب ، وان ظروف التخلف الشاملة ستحول بينهم وبين أن يهبَوا وأن ينتظموا في حرب ضدَ الاستعمار . وقد تبددت تلك الأوهام في مصر أولاً بقيادة ضباط من ذوي العقليات القومية .... وإحدى مميزات حركة التحرر في الشرق الأوسط أنها تنمو وتتطور تحت شعار الوحدة القومية .
وقد ولدت هذه الفكرة خلال الصراع ضد الاستعماريين وفي سبيل الاستقلال القومي . وقرَب هذه الشعوب العربية بعضها من بعض . وكتعبير عن التضامن في الصراع ضد الاستعمار ، وكشكل للتعاون الأخوي ، والمساعدة المتبادلة بين الدول العربية ، لعبت وحدتهم دوراً بناءً كبيراً في كفاحهم في سبيل الاستقلال . وفكر الوحدة مقبولة على وجه خاص لدى جماهير الشعب العاملة التي تعاني من الاستغلال الرأسمالي ... الخ " .
هكذا عرف الماركسيون تجربة جديدة ، عربية لا أوروبية ، لحركة قومية تحررية لاعدوانية ، فتعلموا منها ماغَيروا به موقفهم من الانتماء القومي ، وأقروا بالعلاقة الايجابية بين الوحدة القومية وتحرر العمال من الاستغلال . بل لقد ذهبوا في الاعتراف بأصالة العلاقة القومية واحترامها إلى حدَ الارتفاع بها عن مستوى العلاقات الاقتصادية . فهي الوعاء الثابت - نسبياً - بما تتضمنه من تراث ، لما يجتهد البشر في إبداعه ويعملون على تطبيقه من مذاهب في نظام أسلوب الانتاج وأدواته وعلاقاته ففي " رأى علماء الاجتماع السوفيات المعاصرين لاتنتمي بعض موضوعات ومظاهر الوعي الاجتماعي مثل العلاقات العائلية والثقافة القومية والعلوم وماإلى ذلك ، لاتنتمي بكاملها إلى البنيان العلوي " . ( اوسكار لانج الاقتصاد الاشتراكي -1966 ) فيعودون عن قول سبق ويقسمون ذلك البناء إلى قسمين : تراث ومستحدث ويخصون الأخير بالصلة
المباشرة بعلاقات الانتاج ويرشحونه للتغيير في ظل النظام الاشتراكي .
هذا ماتعلمه الماركسيون الذين أدانوا - من قبل - العلاقة القومية بأنها عدوانية . فهل تعلَم الذين يدينون العلاقة القومية بأنها عدوانية ، باسم الاسلام ، بينما يرددون الحجج البائدة التي تخلى عنها حتى أصحابها ؟ هل غيَروا مواقفهم ، أو هل يغيرون ؟ . بعضهم تعلم فغيَر ، وبعضهم سيتعلم فيغيَر ، ولن يبقى منهم إلا الذين تطربهم أصواتهم فلا ينتبهون إلى أقدامهم في أي موقف هم واقفون .
أما الشعب العربي فلم يستمع إلى نداء القومية إلا مقترناً بهدفه : التحرر ثم الوحدة من أجل الحفاظ على الحرية . ولم يناضل نضالاً قومياً إلا من أجل دفع العدوان عن أمته العربية . وحتى حينما استمع إلى نداءات قومية عصبية أو متعصبة لم يفهمها إلا على الوجه الذي قصده مطلقوها : نحن أمة مجيدة .. تستحق الحرية . فلا يفهم السعب العربي من انتمائه القومي أنه عداء للغير أو عدوان أو مناجاة بالعدوان . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة إلى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .

الـوحـدة

49 - فهل يكون ذلك لأن ثمة دعوة إلى الوحدة الاسلامية ، وثمة دعوة إلى الوحدة العربية ، وأن الدعوة إلى الوحدة العربية ، أو النضال من اجلها ، أو تحقيقها ، يعوق الدعوة إلى الوحدة الاسلامية أو يعرقل النضال من اجلها أو يحول دون تحقيقها ؟ قد يكون . وإن نفراً من المسلمين ليقولون إن الدعوة إلى الوحدة العربية فتنة وسوست بها الشياطين في صدور بعض العرب لشق صفوف المسلمين وتخريب " جهادهم " في سبيل الوحدة الاسلامية . ويعيدون إلى ذاكرة المسلمين عهداً مجيداً كانت لهم فيه " دولة الخلافة " التي كانوا في ظلها أكثر أمناً ومنعة وقوة وحرية وتقدماً في الفكر والعلم والفن والعمارة مما أصبحوا فيه بعد أن هزمت دولتهم ، فتمزقت وذهبت أ قطارها أسلاباً لدول غير مسلمة ، وتكره الاسلام أصلاً . ويزيدون فيقولون إن التآمر على إسقاط دولة الخلافة في أوائل القرن العشرين لم يكن إلا الحلقة الأخيرة من سلسلة الحروب الصليبية التي بدأت ضد الاسلام في القرن الثالث عشر . ألم يقف الجنرال غورو الفرنسي المنتصر عام 1917 على قبر صلاح الدين في دمشق ليقول : " هاقد عدنا يا صلاح الدين " . أولم يقل الجنرال اللينبي الانكليزي المنتصر في القدس
" الآن انتهت الحروب الصليبية " . بلى . ثم يضيفون أن آية الصلة الوثيقة بين دعوة الوحدة العربية الحديثة والغزوة الصليبية القديمة في موقفهما الموحد ضد الوحدة الاسلامية أن " بدعة " الأمة العربية ، أو القومية العربية ، أو الوحدة العربية ، قد اصطنعت اصطناعا في المشرق العربي اولا على أيدي نفر من المفكرين
والساسة غير المسلمين ، لتزاحم أو تناهض الدعوة إلى الوحدة الاسلامية ، وأن المفكرين والساسة من بلاد المغرب ظلوا مقيمين على الدعوة إلى الوحدة الاسلامية منصرفين عما اصطنع في المشرق من افكار
" مستوردة " عن الأمة والقومية والوحدة ، وقد انتصرت أقطارهم وتحررت بدونها ، ولكن بدينها . ثم يختمون قولهم بدعوة المسلمين إلى الجهاد ضد الوحدة العربية في سبيل الوحدة الاسلامية .
50 - إن شاء الله سنتحدث فيما بعد عن نفر من العرب آخرين يستعلون على هذا الذي يقال فيتجاهلونه أو يغترَون بما يعرفون من تهافته ، فيكتفون بوصفه بما يوصف به القول المتهافت من أوصاف يستحقها . وانه لخطأ لو تعلمون جسيم . ذلك لأن المسألة ليست حواراً بين جماعة مترفة الفكر من المثقفين القادرين على هذا القول أو القادرين على معرفة تهافته . كلا . انهم جميعاً يتحدثون على مسمع من الشعب العربي البسيط الذي يحمل في دمه من تراث أمته مايعدَه مقدَماً لتصديق كل مايقال باسم الاسلام ، ولايحمل في عقله من العلم مايكفي لكشف تهافت بعض مايقال باسم الاسلام . فلا يكفي لكشف تهافت مايقال على مسمع منه عن التناقض أو العداء بين الوحدة الاسلامية والوحدة العربية أن يقال إنه عداء مصطنع ، أوغير صحيح ، أو انه الرجعية كما يعبَر عنها بعض الرجعيين . لا . فما ينبغي لمثقف أن يستعلي على الاهتمام بما يؤثر في وعي الشعب الذي ينتمي اليه ، أو يهرب من معارك الدفاع عن سلامة وعيه ضد الذين يحاولون تضليله . نحن على الأقل لانستعلي ولانهرب . ولكنا نخاطب الشعب العربي الذي يستمع إلى مايقولون فنقول إن هذا الذي يقال عن الوحدة العربية وتناقضها العدائي مع الوحدة الاسلامية يستحق الاستماع اليه والانتباه إلى بواعثه ومضامينه واهدافه بأكبر قدر من الجدَية . ذلك لأن معرفة مافيه من حق أو باطل مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى مستقبل حياة عشرات الملايين من العرب والمسلمين .
قلنا من قبل ، ونكرر لنؤكد ، ان البشرية قد دخلت عصر الانتاج الكبير والدول العملاقة ، وأن مصير الأقزام من الدول أن تحتمي ، راغبة أو كارهة ، بمظلة التبعية السياسية لدفع خطر العدوان ، والتبعية الاقتصادية لدفع غائلة الجوع ، وأن تدفع من حرية وطنها ومواطنيها أثماناً باهظة لمن يحميها أو يغذيها . يحميها ولو من بطشه ذاته . ويغذيها ولو من ثروتها ذاتها ( فقرة 1 ) . لابد ، اذن ، من الوحدة ، العربية أو الاسلامية ، ليستطيع الشعب العربي أن يتحرر ويتطور ، وليستطيع أن يحافظ على حريته وتطوره ، في غابة الدول العملاقة . وإذا ماكانت إحدى الوحدتين تناقض الأخرى فعلى الشعب العربي أن يختار منهما الوحدة التي يكون بها . وفيها ، أكثر مقدرة على التحرر والتطور . ولو كنا على أقل قدر من اليقين بأقل قدر من التناقض بين الوحدة العربية والوحدة الاسلامية لاستغفرنا الله عما قدمنا على مدى ربع قرن متصل من أجل الوحدة العربية
ولتبنا ، ودعونا الشعب العربي إلى اختيار الوحدة الاسلامية . لالأننا مسلمون فحسب ، بل لأنها الوحدة الأعرض أرضاً ، والأغنى ثروة ، والأكثر عدداً فهي الأقدر ، لاشك أقدر ، على توفير أسباب فائقة للتحرر والتطور . ولكنا على أكبر قدر من اليقين بألا تناقض بين الوحدة العربية والوحدة الاسلامية دعوة أو نضالاً أو حقيقة . ثم إننا على أكبر قدر من اليقين بأن الوحدة العربية ممكنة في هذا العصر ، ولسنا على يقين بأن الوحدة الاسلامية ممكنة لافي هذا العصر ولافيما يمكن توقعه من مقبل العصور .
لماذا ؟
قبل أن نجيب ينبغي أن نحدد من أين نجيب . اننا نجيب من موقف عداء صارم لتجزئة الأمة العربية ، ولكل مايمثل التجزئة أو يجسدها أو يبررها من مؤسسات أو مصالح أو أفكار أو قوى أو خلق . ونعتقد أن هذا الموقف وحده هو المصدر الوحيد لحق أي إنسان صادق في الدعوة للوحدة العربية أو الوحدة الاسلامية . من هذا الموقف العدائي لتجزئة الأمة العربية يستطيع من يشاء ، ويكون من حقه ، أن يفاضل أو يقارن بين الوحدة العربية والوحدة الاسلامية وأن يختار بينهما . ولكنَا لانعتقد أن ثمة موقفاً أكثر خطأ ونفاقاً من قبول التجزئة أو مباركتها ثم الدعوة إلى الوحدة ، عربية كانت أو إسلامية . إنه ليس موقفا متناقضا فكريا ومضللا سياسياً فحسب ، بل هو موقف عفن أخلاقياً أيضاً . من هنا يكون على الشعب العربي الذي نخاطبه ، قبل الاختيار بين الوحدة العربية والوحدة الاسلامية ، ولكي يستطيع أن يختار مايحقق حريته وتقدمه ويحفظ عليه عروبته ودينه ، أن يحسم موقفه من التجزئة حسماً لارجعة فيه ، إن كان يقبلها فلا يضيعن وقته فيما يحيط به من " ثرثرة " حول الوحدة العربية والوحدة الاسلامية . وإن كان لايقبلها ، فعليه ان يجعل من " الوحدة " هدف حياته سواء اختار الوحدة العربية أو الوحدة الاسلامية . المهم ، على الشعب العربي الذي نخاطبه أن ينقذ نفسه من زنازين سجن التجزئة التي يسمونها دولاً عربية ، ليطل على وطنه العربي أو عالمه الاسلامي حيث الحياة أكثر حرية وأكثر تقدماً . وسنعرف فيما بعد شيئاً من دور " جريمة التجزئة " في إثارة تلك العاصفة الغبراء التي تكاد تضل الشعب العربي عن سبيله القويم لتشغله بحديث لاينتهي عن علاقة لاتحتاج إلى حديث ، هي علاقة العروبة بالاسلام .
51 - أما الآن فنسأل : إننا نعرف أن الوحدة العربية تعني إقامة دولة واحدة على كامل تراب الوطن العربي كما هو محدد تاريخياً . دولة واحدة سواء كانت دولة بسيطة أو اتحادية " فيدرالية " ولكن ليست دولة تعاهدية " كونفدرالية " . تكون السيادة فيها للشعب العربي على أرضه . ويكون الحكم فيها لمن يختاره الشعب العربي. وتكون علاقات الناس فيها متفقة مع اشتراكهم في ملكية الأرض التي هي وطنهم . وتكون علاقتها بالدول الأخرى محكومة دائماً بما يحقق مصلحة الشعب العربي . هضه هي الوحدة العربية كما نريدها . فماهو المقصود على وجه الدقة من تعبير " الوحدة الاسلامية " ؟
52 - إن كان المقصود " بالوحدة الاسلامية " وحدة الضين تلقوا أمراً من عند الله بأن يعتصموا بحبله ولايتفرقوا في الدين ، ( ان أقيموا الدين ولا تتفلرقوا فيه ) { الشورى : 13 } . ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا ) { آل عمران : 103 } . فإننا نستطيع أن نقول إن وحدة الأمة الاسلامية متحققة والحمد لله . الأمة الاسلامية كما عرفنا دلالة التعبير عنها من لغة القرآن : كل المنتمين إلى الاسلام ديناً ( فقرة 6 وما بعدها ) بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وأوطانهم وشعوبهم و أممهم . انهم ليعبرون كل يوم أو كل ساعة عن وحدتهم هضه بما يفرضه الاسلام من مظاهر الوحدة في الدين . إنهم يشهدون بكل لغة أو بدون لغة بأن : لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله . ويصلون جميعاً خمس مرات كل يوم مستقبلين قبلة واحدة أياً كانت مواقعهم من الأرض . ويصومون جميعاً شهراً واحداً معيناً من كل عام هو شهر رمضان ، حتى لو كانوا يعيشون في بقاع يقتسم عامها الليل والنهار . ويؤدون الزكاة . ويحج كل قادر منهم في وقت واحد من كل عام إلى مكان واحد حيث يلتقون مجردين من كل مظاهر التمييز الدنيوي وحيث يؤدون مناسك واحدة . أما الذين لايؤدون فوض الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو الحج عامدين أو ساهين وهم مسلمون ، فإن شعورهم " بالاثم " تصديق لانتمائهم إلى الأمة الاسلامية . فهم جزء من وحدتها ولو كانوا آثمين .
أليست هضه هي أركان الاسلام الخمسة التي يتحدد بها الانتماء إليه فتتحدد بها الأمة الاسلامية ؟ بلى . الأمة الاسلامية إذن موحدة في دينها . وهي وحدة لاتنقضها ولاتعوقها الدعوة إلى الوحدة العربية أو النضال من أجلها أو تحقيقها
53 - أما إذا كان المقصود بالوحدة الاسلامية " دولة " واحدة يكون الانتماء اليها مقصوراعلى المسلمين فإنها بدعة لايعرفها الاسلام دينا ولم يعرفها تاريخ المسلمين قط . فلم يحدث قط أن قامت " دولة " مقصورة على المسلمين دون غيرهم . ولاحتى " دولة " المدينة على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام . فلقد عرفنا من قبل
( فقرة 28 ومابعدها ) أن دستورها ( الصحيفة ) كان ينظم الحياة فيها بين " رعايا " من المسلمين ومن غير المسلمين ، كما عرفنا بعض ماأنزل في القرآن من أحكام تنظم الحياة في مجتمع مشترك بين المسلمين وغير المسلمين ( فقرة 2 ) . ونعرف أن الرسول عليه السلام قد كتب : " .. للسيد الحارث بن كعب ولأهل ملته ، ولجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها . اعطيهم عهد الله وميثاقه أن أحفظ أقاصيصهم ، وأحمي جانبهم ، وأذب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم وأن أدخلهم في ذمتي وأماني ، ولايهدم بيت من بيوت بيعهم ، ولايدخل شيءمن بنائهم في شيء من أبنية المساجد ولامنازل المسلمين ، فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله " . وكان قد كتب بمثل هذا عهداً لنصارى نجران . فلما تولى أبو بكر الخلافة كتب اليهم مؤكداً عهده : " هذا ما كتب به عبد الله أبو بكر خليفة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران . أجارهم بجوار الله ، وذمة رسوله على أنفسهم وأرضهم ولمتهم وأموالهم وحاشيتهم ، وعبادتهم ، وغائبهم ، وشاهدهم ، وأساقفتهم ، ورهبانهم ، وبيعهم ، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير " . فلَما تولى عمر بن الخطاب الخلافة بعد أبي بكر كتب إلى نصارى المدائن وفارس : " .. أما بعد فإني اعطيتكم عهد الله وميثاقه ، على أنفسكم وأموالكم وعيالكم ورجالكم وأعطيتكم أماني من كل أذى ، والزمت نفسي أن أكون من ورائكم ذابَاً عنكم كل عدوَ يريدني بسوء وإياكم .. وأن أعزل عنكم كل أذى " . وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بإجلاء اليهود من المدينة فإن ذلك لم يكن حكماً بأن تكون المدينة خالصة للمسلمين مقصورة عليهم
ولكن جزاء إخلالهم بدستور المدينة الذي ارتضوه . وآية هذا أنه لم يحكم بإجلائهم جملة ودفعة واحدة ، بل حكم
بإجلاء من خانوا منهم ، بني قينقاع وبني النضير . ثم إنه لم يأمر بإجلائهم عن الجزيرة العربية أو من حيث يوجدون ، بل استجاب إلى طلبهم أن يكون جلاؤهم عن المدينة إلى خيبر . أما الذين لم يخونوا مثل بني قريظة فلم يحكم بإجلائهم وبقوا في المدينة إلى أن خانوا في غزوة الخندق فحكم بإجلائهم هم الآخرين . وإذا كان الخلفة الثاني عمر بن الخطاب قد أمر بإجلاء غير المسلمين من الحجاز ، واعتبره أرضاً مقدسة لاتجوز الاقامة فيها لغير المسلمين فإن الحجاز لم يكن في عهد عمر إلا جزءأً من " دولته " . وهو الذي سافر من المدينة إلى بيت المقدس ليعاهد المسيحيين هناك عهده المشهور بما يؤمنهم على أنفسهم وأموالهم ودينهم في ظل دولة الخلافة التي كان فيها أميراً للمؤمنين . لا معنى ، إذن ، لوحدة إسلامية يكون الانتماء إليها مقصوراً على المسلمين .
54 - اما ‘ذا كان المقصود " بالوحدة الاسلامية " دولة واحدة يكون لها وحدها الولاية والرعاية والحماية على كل المسلمين في الأرض حتى تتسق وحدة الدولة مع وحدة الأمة فتلك بدعة أخرى لايعرفها الاسلام ديناً ولم يقف عندها تاريخ المسلمين قط . فمنذ ماقبل الهجرة إلى المدينة أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضاً من أوائل المسلمين بالهجرة إلى الحبشة ؛ فهاجروا إلى الحبشة ليكونوا في كنف دولة عليها حاكم من أهل الكتاب أكثر أمناً على دينهم وأنفسهم من اضطهاد قريش في مكة . ثم إنه إلى أن تمت الهجرة إلى المدينة لم يكن للمسلمين دولة ، ولم يحل هذا دون الدعوة إلى الاسلام وممارسة مناسكه . ثم انه بعد الهجرة وإقامة دولة المدينة على أرضها بحدودها لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ثمة تلازماً بين حدود الدَولة وحدود الدعوة ، فأرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي تلك الرسائل التي أشرنا إليها من قبل ، يدعوهم فيها إلى الاسلام ولم يدعهم إلى أن يكونوا مع المدينة دولة واحدة . أولو قد آمن كسرى أو هرقل أكان مقضياً أن تنضم امبراطورية الروم وامبراطورية الفرس إلى دولة المدينة ؟ كيف اذن دعاهما الرسول إلى الاسلام من قبل أن يعدَ عدَته ليحكم امبراطوريتين ؟ ثم إن عمر بن الخطاب ، الخليفة الثاني ، قد أبرم مع الفرس معاهدة صلح بعد أن فتح سعد بن أبي وقَاص مدينة " المدائن " على أثر انتصاره الساحق في موقعة القادسية ، وكان من بين ماأرتضاه أمير المؤمنين في تلك المعاهدة أن تكون سلسلة الجبال التي تلي العراق شرقاً حدوداً " دولية " بين دولة الخلافةوإمبراطورية الفرس . والتزاماً بتلك المعاهدة أصدر أمير المؤمنين أوامره بالاَ تجتاز جيوش المسلمين تلك الحدود . هذا ماأرتضاه عمر بن الخطاب حدوداً للدولة . فهل أرتضى أمير المؤمنين ، أو كان يمكن أن يرتضي ، أن تكون تلك حدود الدعوة أيضاً ؟ . ثم إنه منذ خلافة عمر بن الخطاب كان الدين الاسلامي قد بدأ في الانتشار خارج الدولة إلى درجة لم يكن يعرف ، حتى الخلفاء ، مداها .
فنرى أنه بينما كان الخليفة العباسي القائم بأمر الله مذعوراً من نبأ الغزو المغولي المندفع نحو دولته قادماً من شمال وسط آسيا حيث إقليم بحيرة بيكال مكتسحاً مايليه غرباً بما فيها فارس ، إذا به يعرف من رسالة قائدهم طغرل بك مالم يكن يعرفه : إنهم مسلمون . فيتصل بهم ويتصلون به ( 1055 م ) ويستعين بهم في شؤون دولة الخلافة فيصبحون فيها دولة داخل الدولة ، هي دولة السلاجقة . ممن بلغتهم الدعوة فأصبحوا مسلمين ؟ لاأحد يدري . فقد كان الرحالة والتجار المسلمون يبشرون بالاسلام ويدعون اليه بعيداً عن حدود دولة الخلافة ويقدمون ، بعد آياته ، نماذج من أنفسهم للانسان المسلم فيهتدي إليه كثيرون . إن مئات الملايين من المسلمين اليوم ، في الهند والصين وماليزيا واندونيسيا والفلبين والاتحاد السوفياتي وشرق أفريقيا ومئات الجزر المتناثرة في المحيطات …. الخ ، كل هؤلاء وأسلافهم وأسلاف أسلافهم لم يهتدوا إلى الاسلام في ظل دولة الخلافة أو بفعلها منذ أن نشأت في عهد أبي بكر إلى أن انقضت ، ولم يكونوا يوماً من رعاياها ، ولا زعم أي خليفة انهم رعاياه . وهم هم الذين يكوَنون اليوم الأغلبية من الأمة الاسلامية ألا نرى في هذا وحده تصديقاً واقعياً لما جاء في القرآن من أن الاسلام رسالة إلى الناس جميعاً ؟ . ألا نرى قدرة ضوء الشمس يصل إلى كل الأركان بدون اصطناع في قوة عقيدة الاسلام على الاقناع بدون دولة مصنوعة ؟ لماذا ، إذن ، يصطنع بعض المسلمين تلازماً بين الاسلام والدولة فيحبسون الاسلام في دولة ؟ إذن ليس ثمة تلازم بين وحدة الأمة الاسلامية ودولة واحدة لكل المسلمين .
55 - إن " الوحدة الاسلامية " في دولة بهذا المعنى هي التي كنا نعنيها عندما قلنا بأننا لسنا على يقين بأنها ممكنة لافي هذا العصر ولافيما يمكن توقعه من مقبل العصور . يكفي لمن يظن أنها ممكنة ، أو متوقعة الامكان
أن يتصور أن إقامة دولة إسلامية واحدة تكون لها الولاية والرعاية والحماية على كل المسلمين لن يحتاج إلى ماهو دون غزو الكرة الأرضية بكل دولها لفرض سيادة الدولة الاسلامية الواحدة على مئات الملايين من المسلمين المقيمين في أنحاء الأرض جميعاً . ثم يكون على هذه الدولة الاسلامية الواحدة أن تتربص بكل إنسان يهتدي إلى الاسلام ديناً لتفرض عليه ولايتها ورعايتها وحمايتها . وقد تكون على الدول الأخرى ، إن بقيت دول أخرى ، أن تساوي بين اعتناق الاسلام ديناً وبين الخيانة العظمى للوطن في عقوبة الاعدام . أو قد يكون أيسر سبيل لمن يريد أن يتحرر من الأعباء الوطنية التي يفرضها عليه انتماؤه إلى دولته مثل الجندية أو الضرائب ..الخ، أن يتظاهر باعتناق الاسلام ديناً ثم يستدعي " دولته " الاسلامية لحمايته فيكون على الدولة الاسلامية أن تضع شروطاً لمن تعترف به مسلماً غير ماوضعه الله ، كما فعل والي خراسان المدعو أشرس حين كثر دخول الناس في الاسلام فقلَت حصيلة الجزية فلم يعترف بإسلامهم وفرض الجزية عليهم وهم مسلمون ( 763 م ) فكانت فتنة " المرجئة " . فإن لم يكن هذا ولاذاك فإن الدولة الاسلامية بهذا المعنى لن تقبل أقل من أن يكون للمسلمين في كل دولة " امتيازات " الاعفاء من الولاء للدولة التي يقيمون فيها فلا يخضعون لقوانينها ولايحاكمون أمام قضائها . شيء مثل تلك " الامتيازات " التي فرضتها الدول الأوروبية على الدولة العثمانية والتي أدت في النهاية إلى التخريب الفكري والخلقي لأصحابها ، والمذلة والهوان والحيف لرعاياها من غير
"الممتازين " .في كل هذه الحالات لن يكون الايمان هو السبيل إلى الاسلام ، بل المداهنة والغش والنفاق ، وهو مارفضه الاسلام منذ عرفه في بداية الرسالة ( قالت الأعراب آمنَا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم ) { الحجرات : 14 } . ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلا ) { النساء : 142 } . ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) { النساء : 145 } . وفي كل هذه الحالات لن يكون الاختيار الحر هو السبيل إلى الاسلام بل الاكراه ، وهذا مايرفضه الاسلام . ( لاإكراه في الدين ) { البقرة : 256 } .
إنها دولة أوهام لا دولة إسلام
56 - وإننا لانكاد نصدَق أن من بين دعاة الوحدة الاسلامية من يقصد بها - جاداً - واحدة من دولتي الأوهام
أن تكون مقصورة الانتماء على المسلمين أو أن تكون شاملة الولاية على كل المسلمين . لأننا لانعرف كيف يمكن أن يكون في عقل يعرف الاسلام مكان لمثل هذه الأوهام . ولكن الحديث العام بدون حدود ، المطلق بدون قيود عن الوحدة الاسلامية على مسمع من الشعب العربي قد يثير من الأوهام مايخالط وعيه ، أو قد ينسج من الأحلام المستحيلة مايشد انتباهه بعيداً عن الآمال الممكنة . فأردنا أن نزيح عن موضوع الحديث بعض الأوهام التي يثيرها المتحدثون . ثم نعيد السؤال لنتذكر أصل موضوع الحديث : ماهو المقصود على وجه الدقة من تعبير الوحدة الاسلامية ؟

دولـة الخـلافـة

57 - إن كان المقصود دولة واحدة تضمَ أغلب المسلمين وترعى المسلمين وغير المسلمين فيها رعاية الاسلام لهم كما كان الأمر في دولة الخلافة منذ الخلقة الأول أبي بكر حتى الخليفة الأخير عبد المجيد الثاني ، فإنَا نقول إن دولة الخلافة تلك التي ماتزال ذكراها تعشعش في رؤوس بعض المسلمين ، لم تكن إسلامية في عصرها ، ولاهي ممكنة في هذا العصر .
كيف لم تكن دولة الخلافة حتى في أيام الخلفاء الراشدين دولة إسلامية ؟
هذا السؤال الاستنكاري الذي نتوقعه ذو أسباب مشروعة ، فلا أحد يستطيع أن ينكر أن تاريخ الاسلام بدأ دعوة ثم لم يلبث أن أقام المسلمون لهم دولة في المدينة ينتمون إليها وينتمي إليها غيرهم . وأن قد كان لتلك الدولة دستور عرفناه باسم الصحيفة ، وكان لهم حاكم هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وانه كان يمارس في المدينة سلطات القادة في الدول : فيجنَد الجيش ويعين الأمراء ويبرم المعاهدات ويجبي الضرائب من زكاة وجزية ، ويوزع الفيء .. وكان - كما عرفنا - يحكم بإجلاء من يخونون الدولة خارج حدودها ويقود المدافعين عن تلك الحدود ضد الغزو الخارجي . كل هذا واضح الدلالة على أن قد كانت المدينة " دولة " وكان الرسول حاكماً .
ثم إن أحداً لايستطيع أن يجهل أو يتجاهل إجماع المذاهب الاسلامية من أول أهل السنة إلى الخوارج ومابينهما من معتزلة وشيعة ومرجئة على وجوب قيام " إمام " على رعاية شؤون المسلمين . ثم إن كل مجادلة تنكر علاقة الاسلام ديناً بالدولة حكما ليست إلا سفسطة تسقط إلى مستوى الجهالة إذا ماذكرت آيات القرآن التي تنظم الزواج والطلاق والبنوة والميراث وحقوق القرابة وتحدد الجرائم ، وتعين لبعضها نماذج من العقوبة ، وتبيح المعاملات إلا في بعض الأموال كالخمر ، وتأمر باحترام العقود إلا إذا كانت وليدة إكراه ، وتحمي أموال القصَر حتى يبلغوا سنَ الرشد . ثم تأمر بجمع الزكاة من أصحاب الأموال لتعيد توزيعه على من هم في حاجة إليه …. الخ . إن الاسلام يلزم المسلمين بنظام عام من العلاقات فيما بينهم والعلاقات مع غيرهم . وهو نظام اجتماعي ليس متروكاً لاختيار الأفراد لأنه ليس متعلقاً بأيَ فرد فيلتزمه أو يتركه على مسؤوليته في الدنيا والآخرة ، بل متعلق بالحياة في مجتمع أفراد عليهم جميعاً أن يلتزموه راغبين أو كارهين . وأينما قام نظام ملزم للعلاقات بين الأفراد في المجتمع قامت الضرورة الاجتماعية لمن يقوم على حفظ هذا النظام وإلزام الأفراد به وما يقتضيه الالزام من تشريع وإدارة وقضاء وتنفيذ وردع . أي - باختصار - تقوم الضرورة الاجتماعية للدولة . تلك هي مجمل الحجج التي ساندت وتساند الرأي الحق في علاقة الاسلام بالدولة وتحيل المجادلة فيه إلى مجرد سفسطة .
ومع ذلك فإن دولة الخلافة لم تكن إسلامية في عصرها .
لماذا ؟
58 - إن الأسباب بسيطة وبدهية . وماعقَد بساطتها وأفسد بداهتها إلا الذين راحوا يفتشون في كتاب الله عن آية تلزم المسلمين بدولة الخلافة ، والذين أنكروا دولة الخلافة لأنهم لم يجدوا في كتاب الله آية تلزم المسلمين بها
والحق أن دولة الخلافة لم تكن دولة إسلامية كما أنها لم تكن دولة غير إسلامية . لأن ماهو إسلامي لايكون كذلك إلا إذا كان فرضاً أو واجباً وماهو غير إسلامي لايكون كذلك إلا إذا كان محرَماً أو مكروهاً . أي أن يكون في الاسلام أمر به أو منع له . أما إذا كان مباحاً لاختيار المسلمين : إن شاءوا أخذوا به وإن شاءوا تركوه فمسؤولية اختياره أو تركه عليهم وحدهم ولا ينسب اختياره أو تركه إلى الاسلام . وقد كان هذا شأن دولة الخلافة منذ أبي بكر . ختم القرآن ولم يأمر بها ولم ينه عنها . وتوفي الرسول عليه الصلاة والسلام وما أوصى باختيار ، أو عدم اختيار خليفة من بعده . وعندما قال إن الأنبياء لا يورثون قطع كل شك في أن أحداً من بعده لن يخلفه في شيء . لا الرسالة ولا الحكم ولا المال .
ولكنه ترك في المسلمين كتاب الله ، وفي كتاب الله احكام عدة لنظام عام لعلاقات الأفراد في المجتمع كما ترك فيهم تجربة حية من " دولة " المدينة التي كان هو حاكمها فكانوا من بعده يواجهون ضرورة بقاء الدولة . وهي ضرورة اجتماعية . كانت كذلك قبل الاسلام وستبقى كذلك في كل مجتمع ولو لم يكن فيه مسلمون . ولقد كان الاسلام ومايزال فذَاً من بين الاديان والنظم في إقرار الضرورات وتغليب أحكامها حتى على أحكام المحظورات
وهكذا لم يكن قيام " دولة " في المدينة أو مابعد هذا فرضاً من فروض الاسلام خاصاً بمجتمع من المسلمين دون باقي المجتمعات حتى يقال " للدولة " أية دولة ، انها فرض أو واجب أو ضرورة إسلامية . بل جرى المسلمون على ماجرت عليه ، وماتزال تجري عليه ، كل المجتمعات لمواجهة ضرورة قيام من يلي " الأمر " المشترك بين أفراد الجماعة ويرعى الحدود بينهم . أما ماجاء في سورة النساء : ( إن الله يأمركم إن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ، إن الله نعَما يعظكم به ، إن الله كان سميعاً بصيراً . ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردَوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلا ) { الآية 58 ، 59 } ، فإن قصارى مايمكن أن يتصل منه بموضوع " الدولة " أنه ينظم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين فيها ، فيأمر الأخيرين بطاعة الأولين ( أولي الأمر ) مادام الأولون على طاعة الله والرسول ، فإن تنازعوا احتكموا جميعاً إلى القرآن والرسول . ولكن ليس في القرآن ما يأمر بإقامة " دولة " معينة .
" الدولة " أية دولة ، إذن ، ضرورة اجتماعية وليست ضرورة إسلامية . وصدق علي بن أبي طالب حين قال "لابد للناس من إمارة برَة أو فاجرة " .
59 - في مواجهة الضرورة الاجتماعية لبقاء " الدولة " التي فقدت حاكمها بوفاة الرسول تشاور قادة المسلمين واختلفوا . ونعلم من أمر ذاك الخلاف وما انتهى اليه انه كان مظهراً للصراع بين علاقة الانتماء إلى" الشعب "
حديث التكوين وبقايا علاقات الانتماء القبلي التي كانت ماتزال كامنة لم تستأصل بعد . صراع جيل على الانتماءين . الانتماء القبلي منذ مولده والانتماء القبلي منذ الهجرة . وسيعود ذاك الصراع إلى الظهور من مكمنه مرات أخرى بعد ذلك كلما عرض أمر اختيار أمير للمؤمنين .
هكذا بادر سعد بن عبادة زعيم الخزرج والمتحدث باسم الأنصار إلى الاجتماع بهم في سقيفة بني ساعدة ، قبل أن يدفن النبي ، فاختاره الأنصار للامارة . فجاء إليهم قادة المهاجرين وهناك تناظروا فتفاضلوا في أمرين يشير كل منهما إلى إحدى علاقتي انتماء المتصارعتين : القبلية والوطنية . فالمهاجرون - عند أبي بكر - هم " أول الناس إسلاماً " و " عشيرة رسول الله " . أما الأنصار - عند سعد بن عبادة - فلهم " سابقة في الدين وفضيلة في الاسلام ليست لقبيلة في العرب " . أما الامارة - عند علي بن أبي طالب - فلأهل البيت : " لاتخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله ، يامعشر المهاجرين ، لنحن أحق الناس به " . وانتهى التناقض بين طرفي الصراع بحل "جدلي"،
فقد بويع بالخلافة أفضل واحد من عشرة كانوا بمثابة الحكومة في دولة المدينة . " كانوا أمام الرسول في القتال ووراءه في الصلاة " . وقد كان أولئك العشرة معروفين باسم " المهاجرين الأولين " وإن لم يكونوا أوائل المهاجرين . انهم أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعليَ بن أبي طالب ، وطلحة بن عبد الله ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وكلهم من قريش . اختير من بينهم أبو بكر فكان أول خليفة . وهو خليفة بمعنى أنه تولى الحكم بعد وفاة الرسول ولكن - وهذا على أكبر قدر من الأهمية - ليس بمعنى انه تلقى الحكم منه نصاً أو وصية أو ميراثاً . وعندما يلي عمر بن الخطاب الأمر من بعده لن يقبل أن يلقب بالخليفة لأن ذاك أبو بكر ، ولا بخليفة الخليفة لأن ذاك يطول - كما قال - ويختار لقب أمير المؤمنين " ويكون أول من لقب به .
على هذا الوجه نشأت " دولة " الخلافة ، بعد انقطاع الوحي وبعد انقضاء السَنَة كليهما . وكان مصدرها الوحيد هو اختيار قادة المسلمين بعد وفاة الرسول . وهو اختيار جاء بعد خلاف وصراع وتفاضل على أسس خالطتها العصبية القبلية . وما كان لصحابة رسول الله أن يتفاضلوا على تلك الأسس أو أن يختلفوا في الخلافة لو كان في الاسلام حكم بها . ولن يلبث كثير من أولئك الصحابة أنفسهم أن يختلفوا فيها ويقتتلوا عليها بعد وفاة الخليفة الرابع عثمان بن عفان وتكون فتنة . ويتأكد بذلك أن " دولة الخلافة " لم تكن إسلامية وإلا لما اختلف فيها حتى القتال ، أصحاب رسول الله وأعلم الناس بالقرآن والسنَة .
هذا عن نشأة دولة الخلافة . فماذا عن تكوينها ؟
60 - إن عناصر تكوين " الدولة " ثلاثة : الأرض والشعب والسيادة . نعني سيادة الشعب على الأرض ، التي تمارسها الحكومة ، فتسمى حينئذ سلطة .
أما عن الأرض ، فقد كانت " دولة "الخلافة على مدى سيادتها الطويلة غير ثابتة الحدود . كانت حدودها تتبع أقدام جيوشها فتقف حيث تقف ، وتمتد حيث تتقدم ، وتنحسر حيث تتقهقر . ولقد بدأت من المدينة ثم الجزيرة العربية ، ومازالت تتسع حتى وصلت يوماً إلى حدود فرنسا في غرب أوروبا ، وحدود النمسا في شرقها ، وحدود الصين والهند وروسيا في آسيا ، بالاضافة إلى كل مانعرفه الآن باسم الوطن العربي الذي لم ينتقص منه شيء منذ الفتح العربي الاسلامي حتى بداية القرن التاسع عشر ؛ وبالتالي كان الأكثر استقراراً على مدى قرون طويلة . أما مايليه في جميع الاتجاهات فقد خرجت منه أقطار وأضيفت إليه أقطار . وكان " السيف " هو الفيصل فيما خرج وما أضيف ، لأنه هو الذي كان يخط الحدود الفاصلة . ومن هنا كانت دولة الخلافة منذ بدايتها حتى نهايتها دولة " مقاتلة " ولانقول " عسكرية " حتى لايختلط مانريد من بيان علاقاتها الخارجية بما لانريد من بيان علاقاتها الداخلية . نريد أن نقول إنها كانت دولة "مقاتلة" بمعنى محاربة ، غزواً كلما استطاعت
ودفاعات بقدر ماتستطيع . وكان القتال أو " الجهاد " نشاطاً مستمراً يشترك فيه كل الرعايا متطوعين أو مجنَدين ، وتشترك في التعبئة له كل الولايات ، ولو كان عليها ولاة " متمردون " .
ولقد اتخذ بعض المنافقين الأوربيين من ذاك التاريخ حجة يزعمون بها أن الاسلام قد فرض بالسيف لابالدعوة .
وأجهد بعض المسلمين أنفسهم في محاولة تبرئة الاسلام من تلك التهمة الظالمة . وكان الطرفان فيما ذهبا إليه مخطئين . لأن ارتباط الحدود بالغزو أو الدفاع ، وبالتالي كون الدولة " مقاتلة " لم يكن اختياراً اسلامياً بل كان إحدى خصائص الدولة في عصر الخلافة . أية دولة . فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون دولة مقاتلة لتبقى .
أما عن الشعب فلم يثبت عدداً ولو عند أرقام الشعوب ، بل كان يتبع امتداد الحدود وانحسارها . وقد ضمت دولة الخلافة مئات التجمعات والجماعات البشرية من قبائل وشعوب وأمم مختلفة في الجنس واللون والعادات والتقاليد والأديان أيضاً . وخرج منها عشرات من تلك التجمعات والجماعات . ولم يستقر فيها بدون خروج أو دخول إلا تلك الشعوب التي أصبحت تعرف فيما بعد باسم الأمة العربية . ولم يكن تعدد الشعوب اختياراً إسلامياً بل كان إحدى خصائص الدولة ، أية دولة ، في عصر الخلافة ، فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تضم شعوباً وأمماً شتَى .
أما عن السيادة ، ونعني بها سيادة الشعب على الأرض ، فقد كان تمثلها وتجسدها قيادة مركزية واحدة هي شخص " الخليفة " . وكان يحدث كثيراً أن يتمرد على الخليفة من يطمعون في توليها دونه ويدَعون - بحجج شتَى - انهم أولى بها منه ، وينشئون من تلك الحجج مذاهب وأفكاراً . كما تمرد معاوية بن أبي سفيان في عهد الخليفة عليَ بن أبي طالب ( 657 م ) وانتصر ، فبدأت به ولاية أسرة الأمويين . وكما تمرد أبو العباس السفاح في عهد مروان الثاني ( 749 م ) وانتصر ، فبدأت به ولاية أسرة العباسيين . وكما تمرد عبيد الله بن محمد المهدي في المغرب في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله ( 909 م ) وانتصر ، فبدأت به ولاية الفاطميين التي شملت كل المغرب العربي ومصر والشام ، وكانت القاهرة عاصمتها .. الخ ، ولكن بالرغم من كل هذا ، وحتى حينما كان ثمة " خليفتان " في أيام الفاطميين ، كانت دولة الخلافة واحدة والسيادة فيها واحدة يمثَلها خليفة واحد . ذلك لأن " شرعية " الولاية كانت لخليفة واحد ، وكان كل من يصل ، بطريقة أو بأخرى ، إلى مركز الخلافة ينكرها على غيره ولو كان غيره متوليها فمنكرها على الآخر . كان لابدَ لأي خليفة أن يدعيها لنفسه وينكرها على غيره . ولم يكن ذلك اختياراً إسلامياً ، بل كان إحدى خصائص الدولة ، أية دولة ، في عصر الخلافة ، فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون ذات قيادة مركزية واحدة ولو كانت قيادة اسمية .
أما عن نظام الحكم فقد كان يتولى الخلافة من يختاره القادة مبايعة في عهد الخلفاء الراشدين ، ثم استقرت الخلافة ميراثاً فيما تلا ذلك من عهود لاتقطعها إلا ثورة تتولى بها أسرة جديدة فيكون الأمر فيها وراثة . ولكن حتى وهي وراثة ، كان لابد من أن تم لها طقوس البيعة من مجموعة محدودة من البارزين في الدولة . وكانت الدولة مقسمة إلى إمارات أو ولايات أو ايالات في عهد العثمانيين . يعين الخليفة ولاتها وأمراءها ويعين بجوار كل وال وأمير " قاضياً " ليحكم بين الناس بما أنزل الله . وكانت واردات الدولة من الزكاة والخراج ( ضريبة الأرض ) والجزية . أما فيما عدا ذلك فقد كان الولاة أو الأمراء على أكبر قدر من الاستقلال الذاتي عن الخليفة بإدارة ولاياتهم أو إماراتهم . وقد حدث كثيراً أن أغرى هذا الاستقلال الذاتي بمحاولة الاستقلال الكامل مثل مافعل الحمدانيون في شمال الجزيرة والشام ( 929 م ) والطولونيون في مصر ( 869 م) والادارسة في المغرب ( 974م ) وبني الأغلب في تونس ( 800 م ) . كما حدث أن أصبح الوزراء من حول الخليفة هم الحاكمين باسم الخليفة يأمرونه فيأتمر كما كان الأمر بين سلاطين السلاجقة من بني بويه وخلفاء من العباسيين على مدى قرن كامل ، حمل خلاله أحدهم ، بأمر الخليفة عضد الدولة ، لقب " ملك الشرق والغرب " . ولم يكن كل هذا اختياراً إسلامياً . بل هكذا كان نظام الحكم في الدولة ، أية دولة ، في عصر الخلافة . فكان محتوماً على دولة الخلافة أن يكون نظام الحكم فيها على ما قدَمنا .
لماذا ؟
61 - لقد أجهد كثير من الكتَاب أنفسهم وهم يحاولون أن يردَوا خصائص دولة الخلافة إلى الاسلام لتصبح "النموذج " الاسلامي للدولة . ومايزال بعض دعاة الوحدة الاسلامية يجترون ذكراها ويحلمون بعودتها لأنهم يرونها الدولة الاسلامية النموذجية . وليس في كل هذا شيء من الحقيقة . إنما أخطأ الذين قالوا إن دولة الخلافة دولة إسلامية أو إنها النموذج الاسلامي للدولة لأنهم عزلوها عن تاريخها ونموذج " الدولة " في عصرها - وما سبق عصرها أيضاً - لتكون " خاصة " بالاسلام فتستحق أن يقال لها دولة إسلامية . وهي لم تكن كذلك على أي وجه ، بل كانت واحدة من دول عديدة متعاصرة وسابقة تحمل جميعاً الخصائص ذاتها : الأرض غير ثابتة الحدود ؛ الخليط من الشعوب ؛ القتال المستمر ؛ القيادة المركزية الواحدة ؛ الصراع على القيادة المركزية ؛ الولايات المستقلة ذاتياً ؛ تمرد أمراء الولايات على القيادة المركزية ؛ وحتى نظام جباية الأموال . يكفي أن نضرب مثلاً واحداً من تلك الجباية . لقد كانت الزكاة ( او الاعشار ) التي تجبى من الأغنياء وتخصص للانفاق في حماية الدولة وأجور المدافعين عنها ومساعدة المحتاجين معروفة في الامبراطورية الرومانية . وكانت ضريبة الأرض ( الخراج ) معروفة فيها كذلك . أما الجزية ( ضريبة الاعناق ) فقد كانت معروفة في الامبراطورية الفارسية . ذلك لأن دولة الخلافة لم تكن إلا واحدة من نموذج " الدولة " السائد في عصرها - وما قبله - وهو ما يعرف باسم " الامبراطورية " . كل ما يميزها هو المضمون الحضاري لنشاط الدولة ، وهو مضمون إسلامي لاشك فيه .


الامـبراطـوريـة

62 -نحتاج إلى أكبر قدر من بساطة التعبير عن موضوع معقد لنعرف كيف أن دولة الخلافة كانت امبراطورية فنعرف أنها لم تكن إسلامية ثم نعرف ونتأكد من أنها غير ممكنة القيام في هذا العصر . حينئذ نكون قد طهَرنا عقول بعضنا من فكرة ماتزال تعيش فيه ، تعبر عن وجودها من حين إلى حين ، تحت شعار الوحدة الاسلامية مما يسهل علينا المتابعة أن نتابع تطور " الدولة " في علاقتها بتطور المجتمعات . وأن نركز انتباهنا على عنصر " الأرض " بالذات وتطور علاقة الدولة به . ثم أن نتذكر أن كل ذلك التاريخ الذي أمتد مئات القرون كان يجري في ظل قاعدة شرعية مستقرة . شرعية لدى كل المجتمعات ، مستقرة فيما بينها جميعاً كقاعدة لعلاقة الدولة بالأرض . تلك القاعدة هي ما يعرف باسم " حق الفتح " . وهو حق لم يتفق المجتمع البشري على إنهاء شرعيته إلا عام 1919 حين وضع عهد عصبة الأمم على أثر الحرب الأوروبية الأولى . أما قبل ذلك ، وعلى مدى التاريخ فقد كان الاستيلاء بالقوة على أية أرض يكسب الفاتحين حق ملكيتها وضمها إلى ممتلكاتهم .
وهو حق يعرفه الغالب ، ويعترف به المغلوب ، ويقره الذين لم يكونوا طرفاً غالباً أو مغلوباً
63 - في ظل هذا الحق بدأ تاريخ المجتمعات أسراً وعشائر وقبائل متقاتلة على الاستيلاء على مواقع المراعي والصيد ومواطن الأرض الخصبة في أودية الأنهار ، حيث موارد المياه دائمة لاتنضب ، وحيث ثمار الأرض موثوقة النمو لاتغيب ، بدأ استقرار الجماعات القبلية التي أدركتها أولاً . استقرت شعوباً ، وبدأت في تكوين حضارتها فتكونت مجموعات متناثرة من " الممالك " في كل مكان صلح للزراعة بفعل ماء نهر أو ماء مطر .
نموذجها مصر ومابين النهرين . في الأولى قامت الحضارة الفرعونية وفي الثانية قامت الحضارة البابلية . غير أن استقرار بعض الشعوب على الأرض الخصبة لم يكن يعني - عند المجتمعات القبلية التي لم تستقر بعد- أنها قد تحصنت دون " الفتح " بمن استقر عليها . بالعكس . كانت تلك بداية حروب أوسع نطاقاً وأكثر شراسة من الحروب القبلية . كان عصر غزو القبائل للممالك وعصر مطاردتها أيضاً . حتى انك لترى اينما وجهت البصر قبيلة مقاتلة تعتدي على حدود قبيلة أخرى اقل منها استعداداً للقتال ثم تستقر في أرضها مؤسسة " دولة " الى أن تزيحها قبيلة أخرى كما قال أحد المؤرخين . هكذا يحدثنا التاريخ عن تعرض مصر ومابين النهرين لغزوات القبائل الأكادية ( 2000 ق.م ) والهكسوس ( 1750 ق.م ) والحامورية ( 1200 ق.م ) والآشورية ( 800 ق.م ) والميدية ( 700 ق.م ) .. الخ . كما يحدثنا عن قبائل الهون التي اجتاحت " العالم " تقريباً ( 355 م ) ودفعت أمامها مجموعة من القبائل التي كانت تتجول في أوروبا : التورنجية ، والبرغندية ،
والانكليزية ، والسكسونية ، والقوط ، والوندال ، والألمان .. الخ . فتقع تلك القبائل على جسم الامبراطورية الرومانية وتمزقها تمزيقاً ... بينما يكون فرع آخر من قبائل الهون قد مزَق جسد الصين وفارس .
في المقابل يحدثنا التاريخ عن القادة " العظام " من مصر وما بين النهرين والصين والهند وروما ووادي الدانوب ، فنلاحظ أن " عظمتهم " قد قامت على أساس واحد هو انتصاراتهم الساحقة " خارج حدودهم " ، أي وهم يطاردون القبائل المغيرة الى مراكز تجمعاتها ، ويضمون تلك المراكز الى الأرض التي انطلقوا منها .
64 - لم تكن الأرض ، أية أرض ، تخص إلا من استولى عليها . وهي لاتخصه إلا إلى المدى الذي يستطيع أن يدافع عنها . فاندثر من الممالك وتكونت " دول " بالغة الاتساع هي " الامبراطوريات " . منها الامبراطورية الهيلينية التي بدأت بغزو الاسكندر الأكبر آسيا الصغرى ( 334 ق.م ) ثم غرب آسيا وفارس والهند ومصر . وحين مات عام 323 ق. م . سئل لمن يترك ملكه فردد شعار العصر كله : " لمن هو أعظمكم قوة " .ومنها الامبراطورية الرومانية التي كانت مؤلفة من نحو مائة شعب منذ أن تحولت من مملكة الى امبراطورية على يد أغسطس ( 27 - 14 ق .م ) وشملت كل أوروبا تقريباً وغرب آسيا وشمال أفريقيا،
واستمرت 500 سنة . ثم مزقتها القبائل لتعود تحت حكم البابوات فعلياً والأباطرة اسمياً منذ شارلمان ( 805 م ) حتى قضى عليها نابليون عام 1806 ليكون قائداً لامبراطورية جديدة . ومنها الامبراطورية الفارسية التي شملت كل الأرض من أول اليونان حتى الهند وبقيت إلى أن ظهر الاسلام . ومنها امبراطورية الصين تحت حكم أسرة الهان التي استمرت 400 سنة ( 202 ق.م - 221 م ) ثم مزقتها القبائل الغازية لتعود امبراطورية مرة أخرى تحت حكم اسرة التانج وتبقى 300 سنة ( 618 - 609 ) . ثم مزقتها جحافل المغول ليقيم فيها أحد قادتهم ، قوبلاي خان ، امبراطورية جديدة . ولقد بقيت الامبراطورية الصينية تحت أسرة مانشو تأخذ الجزية من منغوليا ومنشوريا وتركستان وبورما ونيبال وكوريا حتى أواخر القرن الثامن عشر . وآخرها الامبراطورية العثمانية . بدأت عام 1324 وأنتهت عام 1919 .
باختصار ، عندما تكون الأرض متاحة لمن يستطيع أن يستولي عليها يترتب على ذلك عدة نتائج محتومة هي ذاتها الخصائص المحتومة للدولة المسماة " الامبراطورية " . فأولاً لاتكون لها حدود ثابتة بل تتبع حدودها أقدام جيوشها فتقف حيث تقف وتمتد حيث تتقدم وتمتد حيث تتقدم وتنحسر حيث تتقهقر ، إذ هي دولة
" مكرهة " على القتال ضد ماتتعرض له الحدود من هجمات وغزوات غير منقطعة . وفي كل مرة توقفت فيه امبراطورية عن القتال أواسترخت وضعفت ، فتك بها وتمزقت أو فقدت بعض أرضها وانكمشت . فكان محتوماً على الدولة " الامبراطورية " أن تكون مقاتلة غزواً أو دفاعاً . وثانياً ، إن هذا الغزو والدفاع لم يكن يسمح لدولة الامبراطورية أن تختار شعبها بل كان عليها ، إن غزت ، إما أن تبيد الشعوب أو تضمها ، وإن انهزمت أن تفقد شعوباً ضمتها من قبل . وثالثاً ، كان محتوماً عليها بفعل أنها مقاتلة دائماً على حدود متسعة وأعداء مختلفين أن تكون تحت قيادة مركزية واحدة تعبَيء الجيوش وتسيَرها الى حيث المخاطر التي تهدد الحدود ، أو إلى حيث الحدود المفتوحة لغزو جديد . وكان اختيار القيادة يتم على أساس الكفاءة الشخصية أو يفوض ميراثاً ، ولكن لابد من استشارة القادة فيه . ورابعاً ، كانت مهمة القيادة المركزية ( الامبراطور ) اساساً هي إدارة اعباء النشاط القتالي على الحدود غزواً أو دفاعاً ، أو قيادته بالفعل ، فأوكلت إلى ممثلين لها أمر إدارة الأقاليم أو الولايات أو الامارات مكتفية بإلزامهم بأن يجمعوا الأموال اللازمة للادارة المركزية وتعبئة الجيوش للقتال . فكانت كل إمارة أو ولاية أو إقليم مستقلاً استقلالاً ذاتياً ، مما أدى في كثير من الحالات ، إلى تمرد الحكام الاقليميين على القيادة المركزية فأضاف إلى أعباء الحروب الخارجية أعباء الحروب الداخلية .
هكذا كانت الامبراطوريات نموذج " الدولة " في العصر الذي سبق دولة الخلافة وعاصرها . ولم يكن في استطاعة المسلمين أن يقيموا في الجزيرة العربية " مملكة " بل كان لابد لهم من أن يقاتلوا عند الحدود الشمالية للجزيرة حتى لاتذهب الجزيرة ضحية الامبراطورية الفارسية أو الامبراطورية الرومانية كما ذهبت ممالك جنوب الجزيرة العربية . ولم يكن في استطاعة دولة الخلافة أن تتوقف عن الفتح عند حدود الجزيرة العربية ، ولقد حاول عمر أن يحول دون فتح مايلي العراق شرقاً بعد فتح المدائن ، ولكن هذا لم يكن متوقفاً على الطرف العربي الاسلامي وحده .
ولم يكن من " قوانين " وجود الامبراطوريات ومنها الفارسية والرومانية ، الكف عن القتال قبل أن تصفَى "القوة الجديدة النامية " ، فلم يكف العرب المسلمون عن الفتح طالما كانوا قادرين . وحين عجزت الامبراطورية العثمانية توقفت ثم بدأ الدفاع ثم الاقتطاع ، إلى أن قسم مابقي فيها من شرائح شرائح على مائدة المنتصرين في الحرب الاوروبية الأولى عام 1919 . اقتسموه ثم اتفقوا في عهد عصبة الأمم على إنهاء مشروعية " الفتح " .
65 - لم تكن دولة الخلافة بكل خصائصها ، إذن ، اختياراً اسلامياً . نريد أن نقول إنها ليست نظاماً للدولة مقصوراً على المسلمين ، وليس الاسلام مصدر نظامها . ولكنها نموذج " دولة " ساد الأرض جميعاً عشرات القرون قبل ظهور الاسلام ومئات السنين بعد ظهوره فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون على نموذج الدولة في عصرها أو ألاَ تكون . وقد كانت .
66 - هذا النموذج انقضى عصره ولم يعد قابلاً للتكرار . ذلك لأن الحروب القبلية ، والقبلية الشعوبية ، التي اسفرت عن " الامبراطوريات " استمرت في شكل حروب " امبراطورية " قروناً طويلة . وفي قلب كل امبراطورية تجاوز عمرها تلك الحروب فلم تتمزق ، بقيت مساحة كبيرة أو صغيرة من الأرض بعيدة عن تخريب الحروب التي كانت تدور على الحدود ، فتوفرت للشعب أو الشعوب التي تقيم فيها مرحلة تاريخية طويلة نسبياً من الاستقرار دخلت به ، وفي حماية الدولة الامبراطورية ، مرحلة تكوينها القومي ، أو أتمته ، فأصبحت أمة بما تعنيه الأمة من اختصاص شعب معين بأرض معينة . ومن ناحية أخرى فإن المطاردة القبلية والامبراطورية دفعت مجموعات من القبائل الى حيث قاتلوا عن مواقعهم وظهورهم إلى البحر ، فكان لابد لهم من الانتصار ، فالاستقرار ، فبدأوا في تكوينهم القومي واصبحوا فيما بعد أمماً . هكذا تكونت الأمة العربية والأمة التركية في قلب دولة الخلافة . وتكونت الأمة الايرانية في قلب الامبراطورية الفارسية ، وتكونت الأمة الايطالية في قلب الامبراطورية الرومانية . وتكونت أمم أوروبا جميعاً من تجمعات قبلية استقرت على الأرض بعد غزوها .
بدأت الأمة الانكليزية في التكوين بعد أن غزتها قبائل السكسون القادمون من اقليم نهر الالب ، وقبائل الانكليز القادمون من سلزوج ، وقبائل القوط القادمون من جتلنده ، وهناك استمرت الحروب القبلية أكثر من قرن إلى أن انتصر الغزاة على البريطانيين ( السكان الأصليين ) عام 577 ، واسموا الأرض " انجلند " .
وبدأت الأمة الفرنسية في التكوين بعد أن غزاها " الفرنجة " أو الفرانك بقيادة كلوفيس عام 480 م فهزم القوط الغربيين والبرغندين ووحدهما في مملكة واحدة استقرت وأخذت اسمها من " الفرنك " فكانت فرنسا . وكان اولئك القوط الغربيون قد فتحوا اسبانيا بقيادة ثيودريك الثاني فاستقر الأمر فيها وبدأ الشعب الاسباني مرحلة تكوينه القومي ..
وهكذا مازالت القبائل تستقر لتصبح شعوباً مستقرة أو أمما متكونة قادرة على أن تدفع عنها غارات ما تبقى من قبائل هزيلة جائلة . فلما أصبح لكل شعب أو أمة أرض ، كان لابد لحق " الفتح " أن يخلي مكانه لحق
" تقرير المصير " . ومؤداه أن من حق كل شعب أو أمة أن يستقل عن غيره من الشعوب والأمم الأخرى
" بالارض " التي يقيم عليها .. فنكون قد وصلنا الى القرن العشرين .
ونعجب أنه مايزال في القرن العشرين من يجدون فراغاً من الهموم ليحلموا بعودة دولة الخلافة ، ويزعمون أنها نموذج الدولة الاسلامية . وهو حلم غير قابل للتحقق في هذا العصر لأنه ليس عصر الامبراطوريات وحق الفتح بل عصر " الدول " ثابتة الحدود ، وحق تقرير المصير .فلا يكون على من يريد أن يعيد دولة الخلافة أن يفعل اقل من غزو الكرة الأرضية كلها ، وتلك عودة إلى نموذج الدولة الموهومة التي تكلمنا عنها من قبل . من يريد فليحاول ، فهذا شأنه . ولكن لما كان الاسلام من شأننا جميعاً فنرجو أن يعفي " مشروعه الامبراطوري " من نسبته إلى الاسلام حتى لاينسب فشله إلى الاسلام على الأقل .
67 - ولقد فشلت من قبل دولة الخلافة فانقضت ، أفلا يعقلون ؟ لم تفشل لأن الخلفاء من بني عثمان كانوا أقل معرفة بالدين الاسلامي كما يزعم البعض ، فإن أحداً منهم لم يكن " مفتياً " تفسد أحوال الرعية إن أخطأ في الاجتهاد وفسدت فتواه . ومن قبلهم تولَى الخلافة من جهروا بالمنكر من الكفر مثل الأموي وليد الثاني ( 743 - 744 م ) ، ولم تسقط دولة الخلافة أو تنقض . وما نحسبهم أقل معرفة بالدين من البرامكة أو السلاجقة أو المماليك الذين ازدهرت في أيام توليهم السلطة الفعلية دولة الخلافة وأينعت . ولانحسبهم أقل حرصاً على الدين وأحكامه من الفاطميين الذين شوهوا مناسكه بكل البدع المزوَقة التي نعرفها . على أي حال لم تنجب أسرة العثمانيين مثل الحاكم بأمر الله الفاطمي بل إن العثمانيين هم الذين اخترعوا منصب " المفتي " ليحصنوا احكام الدين ضد مخاطر الاجتهاد في شعب لايعرف لغة القرآن . وأول من صاغ احكام الشريعة ( المذهب الحنفي ) في مواد مرقمة كما يفعلون في التشريع الحديث واصدروه فيما يعرف " بالمجلة " حتى لايترك الأمر لمطلق اجتهاد القضاة والمفتين . وفي عهدهم وليس في عهد غيرهم ، عزل خلفاء ، من بينهم عبد الحميد الثاني استناداً - ولو شكلياً - إلى فتوى بعدم صلاحيتهم لتولي الأمر . وأبطل العلماء قرارين باضطهاد المسيحيين لمخالفتهما لأحكام الدين الاسلامي ، فلم ينفذا . القرار الأول أصدره السلطان سليم الأول عام 1517 والقرار الثاني أصدره ابراهيم الأول عام 1645 . ولم تفشل دولة الخلافة لأن الخلفاء من بني عثمان كانوا فاسقين ، فإن قائمة أسماء الفاسقين ممن تولوا الخلافة أطول بكثير من قائمة أسماء كل الخلفاء العثمانيين . ليس هذا دفاعاً عن الخلفاء من بني عثمان ، فإنَا نعرف من أمرهم مايعرفون ، وإنما هو رفع لخطأ شائع يردَ انهيار الدولة الى سبب وحيد يتعلق بأشخاص حكامها . والحق أنه طالما كانت دولة الخلافة في عنفوان شبابها كانت قادرة على الحياة بالرغم ممن تولى الخلافة فيها من الجهلة والفاسقين والأطفال أو الشيوخ العاجزين . فلما هزمت ووهنت قوَتها ، آن لها أن تموت بالرغم من كل تمنيات المسلمين .
68 - كذلك لم تفشل دولة الخلافة العثمانية لأن دعاة القومية العربية ، أو العرب عامة ، قد تآمروا ضّدها وخربوها كيداً للوحدة الاسلامية واستكمالاً لدور الصليبيين . ذلك لأن دولة الخلافة قد دبت على طريق نهايتها وأوغلت فيه قبل أن يعرف عربي واحد كلمة القومية ، وقبل أن يحلم عربي واحد بالوحدة العربية ؛ قبل هذا بعشرات السنين . لقد بدأت أسباب أسباب انفراطها منذ أن بدأت تفرط في ولايتها على رعاياها وأرضها . كان ذلك يوم أخذت تبيع " الامتيازات " للدول الأخرى ، ثم تكره على بيعها ، ثم تغتصب منها اغتصاباً . لم يكن أحد قد عرف كلمة القومية أو حلم بالوحدة العربية حين باعت دولة الخلافة الامتيازات لفرنسا ( 1535 )
ثم لانكلترا ( 1579 ) ثم لهولندا ( 1598 ) ثم لروسيا ( 1700 ) ثم للسويد ( 1737 ) ثم لنابولي (1740)
ثم للدانمرك ( 1756 ) ثم لبروسيا ( 1797 ) ثم لاسبانيا ( 1782) ثم للولايات المتحدة ( 1830 ) ثم لبلجيكا (1838 ) ثم للبرتغال ( 1848 ) ثم لليونان (1854 ) . والامتيازات تعني أن كلاً من تلك الدول كانت ذات سلطات مباشرة على رعاياها ، مستقلة عن سلطة دولة الخلافة في قلب دولة الخلافة وعلى أرضها . إنها تلك الامتيازات التي بدأت بذوراً ، ثم نبتت نفوذاً ثم أثمرت استعماراً . فقد كانت الجيوش الروسية تكتسح جند الخلافة متجهة إلى العاصمة الآستانة ( القسطنطينية ) عام 1768 فتخلت دولة الخلافة عن قبرص ورودس وكريت لتعزز قواتها على الحدود الشمالية . وقي عام 1829 هزمت جيوش دولة الخلافة في أدرنة ففقدت اليونان وأجزاء من القوقاز ، وسلطتها على بلاد البلقان .
لم تستطع دولة الخلافة أن تصنع شيئاً وهي ترى الاقطار العربية تسلب واحداً بعد الآخر .احتلت فرنسا الجزائر (1830 ) وتونس ( 1881 ) ، واحتلت انكلترا جنوب الجزيرة العربية ( 1838 ) ، والاحساء (1871 ) ، ومصر ( 1882 ) ، ومسقط ( 1892 ) والكويت ( 1899 ) ، واحتلت ايطاليا ليبيا ( 1912 ) أما ماتبقى من الأقطار العربية ولايات من دولة الخلافة ، فقد اقتسمه المستعمرون بعد انتصارهم على دولة الخلافة وحلفائها عام 1918 . القطر العربي الوحيد الذي استطاع أن يقاوم الاستعمار الاوروبي على مدى القرن التاسع عشر كله وحتى عام 1908 هو مراكش ، وذلك لأن مراكش هي القطر العربي الوحيد الذي لم يكن جزءاً من الدولة العثمانية . فأية وحدة اسلامية تلك التي يحلمون بالعودة إليها ؟
69 - أما متى تحررت تلك الأقطار العربية ؟ فلنتذكر ، ( إنَ الذكرى تنفع المؤمنين ) . تحررت بعد أن اندثرت دولة الخلافة وبدون دولة خلافة أو دولة وحدة إسلامية من أي نوع كانت . ولكنها ماتحررت إذ تحررت إلا في نطاق حركة التحرر العربي التي بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين . وما تحرر قطر منها إلا بمساندة ومساهمة القوى القومية العربية وجماهير الأمة العربية من الخليج إلى المحيط . فأية قومية تلك التي يناهضونها باسم الوحدة الاسلامية ؟
70 - أما لماذا بدأت الحركة القومية العربية في المشرق أولاً فلأنها لم تصطنع اصطناعاً . بدأت حيث توفر مبررها التاريخي ، فكان محتوماً أن تبدأ حيث توفر . ولو أنها بدأت في غير المشرق العربي لكانت جديرة بأن تتهم بالاصطناع الذي يعني انعدام المبرر . ذلك لأنه في مطلع القرن العشرين كانت كل أقطار الوطن العربي تحت سيطرة الاحتلال الأوروبي ماعدا أقطار المشرق فقد كانت ماتزال اجزاء من دولة الخلافة . ولم تلبث الحركة القومية التركية ( الطورانية ) ممثلة في قيادتها جمعية " الاتحاد والترقي " أن ألغت ( فعلياً ) دولة الخلافة من حيث هي دولة مشتركة بين أمتين ، العربية والتركية . وحوَلوها إلى دولة تركية تحكم العرب وتحاول سلبهم خصائص القومية " بتتريكهم " . ولقد كان الشوفينيون الاتراك مسلمين ، ولم تكن غايتهم من قهر العرب إعادتهم إلى الاسلام بعد أن ارتدَوا . بل كانت غايتهم السيطرة على " أمة الاسلام " التي علمتهم كيف يكونون أمة ، وكيف يكونون مسلمين . وحيث بدأ الهجوم بدأت المقاومة . وبدأ الدفاع عن القومية العربية حيث بدأ الهجوم على القومية العربية . كان المهاجمون تركاً فكان المقاومون عرباً . أما في المغرب العربي ومصر وحيث السيطرة الأوروبية فلم يحتج العرب إلى أن يميزوا أنفسهم عن أعدائهم بالعروبة أو بالانتماء القومي إلى الأمة العربية . ولو أنهم فعلوا لكان ذاك اصطناعاً حقاً . فقيل أنهم عرب ، وقيل أنهم مسلمون ، بدون تفرقة ، جرياً على ماكان يطلقه عليهم المستعمرون بدون تفريق .
ومع ذلك فإن الحركة العربية القومية التي بدأت في المشرق لم تلبث أن امتدت إلى كل مكان متاح . فنرى من فصائلها المنظمة " المنتدى العربي " ( 1909 ) ، و " الجمعية القحطانية " ( 1903 ) و " جمعية العهد" (1914) ، تنشأ في قلب العاصمة الآستانة . ونرى " رابطة الوطن العربي " ( 1904 ) ، و " العربية الفتاة " (1912 ) تنشآن في باريس وتنشطان في كل مكان . ونرى في العراق " الجمعية الاصلاحية " ( 1913 ) ، وفي القاهرة " حزب اللامركزية " ( 1912 ) ، ... الخ .
هل كان القادة مسلمين أو غير مسلمين ؟ هذا سؤال لاننزلق إلى وحل الاجابة عليه . نحن نعرفهم جميعاً عرباً دافعوا عن أمتهم واستشهد كثير منهم في سبيل الدفاع عنها . ونعرف منهم دفعة واحدة من الذين استشهدوا على أعواد المشانق السفاح التركي أحمد جمال " باشا " : عبد الحميد الزهراوي ، وعبد الكريم خليل ، ومحمد المحمصاني ، وسالم الجزائري ، وعبد القادر خرسا ، ونور الدين القاضي ، وسعيد عقل ، وجورجي حداد ، وعمر حمد ، وعبد الغني العريس ، وعارف الشهابي ، وأحمد طبارة ، ومحمد الشنطي ، وتوفيق البساط ، وأمين لطفي ، وشفيق المؤيد ، وعبد الوهاب الانكليزي ، ورفيق رزق سلوم .
فمن ذا الذي يجرؤ على أن يخوض في دماء شهداء الأمة العربية ليبحث عن الدين الذي كانوا اليه ينتمون ؟ .
71 - ثم ان كل فصائل الحركة العربية قد اجتمعوا في باريس ( 1913 ) يحاولون الدفاع عن الدولة المشتركة ، دولة الخلافة ، أو دولة الوحدة الاسلامية التي يحملون القومية العربية مسؤولية وفاتها ، كان الشوفينيون الأتراك قد أنهوها فعلاً ، متحالفين في ذلك مع سادتهم من المستعمرين فاجتمعت فصائل الحركة العربية في مؤتمر باريس تحاول الابقاء عليها . فنرى المؤتمر ينتهي إلى المطالبة بإصلاح الدولة وتحرير إدارتها من التسلط التركي والمساواة بين رعاياها من العرب والاتراك ولم يطالبوا باستقلال العرب عن الدولة المشتركة أو التي كانوا يريدون لها أن تبقى مشتركة لتكون أكثر مقدرة على مقاومة المد الاستعماري كما كانوا يعتقدون . فلما أن قامر الاتراك بمصير الاقطار العربية في رهان الحرب الأوروبية الأولى واختاروا جانب المهزومين راهن العرب على ثقتهم بالمنتصرين . ومع ذلك فقد بقيت تركيا مستقلة وسقطت بقية الأقطار العربية في قبضة المستعمرين . حينئذ بدأت حركة التحرر العربي تعبيء قواها القومية في سبيل التحرر والوحدة . فما الذي جنته الأفكار القومية والدعوة إلى الوحدة العربية على تلك الدولة التي كانت قد أنقضت قبل أن تبدأ الحركة القومية العربية بسنين ؟
72 - لا ، لم تفشل دولة الخلافة لأي سبب من تلك " الأعراض " التي كانت تنبيء بأن في دولة الخلافة ذاتها داءها الدفين : الشيخوخة . ولقد طالت فترة شيخوختها حتى تجاوزت عصرها . عصر الدولة " الامبراطورية"
طالت أكثر من أية امبراطورية عرفها التاريخ ، فما بين تولي أبي بكر ( عام 632 ) وسقوط عبد المجيد الثاني ( عام 1924 ) انقضت 1292 سنة . كانت خصائص الدولة " الامبراطورية " التي عرفناها قد أصبحت غير صالحة للحياة في عصر الدول القومية الناشئة . والقوى الرأسمالية النامية . والقوى الاستعمارية الضارية . ولقد حاول نابليون أن ينشيء دولة " امبراطورية " طبقاً لذلك النموذج الموشك على الانقراض فلم تكد تعيش امبراطوريته ربع قرن . هزمتها القوى القومية الناشئة في اسبانيا وألمانيا وروسيا ، وخذلتها القوى اللرأسمالية النامية في فرنسا ذاتها ، وسحقتها القوى الاستعمارية الضارية بقيادة بريطانيا . ولقد كانت دولة الخلافة هي آخر نموذج للدولة الامبراطورية . كانت قد نشأت حولها دول قومية ذات نظام رأسمالي سيطرت على أركان الأرض جميعاً . اسبانيا . والبرتغال . وهولندا . وانكلترا . وفرنسا . وألمانيا . وروسيا . وايطاليا
فأغراها اتساع المستعمرات بأن تستعير اسم الدولة المنقرضة فأسمت نفسها امبراطوريات . ولكن وحدة الاسم لاتخفي اختلاف المسميات . كانت الدولة الامبراطورية المنقرضة دولة مشتركة بين كل الشعوب فيها . أما الامبراطورية الحديثة فدولة مستغلة لكل من تسيطر عليه من شعوب .
على أي حال انقرضت دولة الخلافة لأنها فشلت في أن تعيش في غير عصرها ، فهل ثمة من يحلم بالعودة إلى دولة فاشلة ؟

الــدولــة الـمـمـكـنــة

73 - لايبقى من الدلالات المحتملة لتعبير " الدولة الاسلامية " التي يدعون إليها إلا أن تكون دولة يكون "نظامها " إسلامياً . كان يمكن أن تخرج هذه الدعوة من نطاق حديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام ، لولا أن بعض الدعاة إليها في الوطن العربي يطرحونها مقترنة بحجة داحضة ومناهضة للعروبة معاً . يقولون : إنه لكي تكون الدولة إسلامية النظام يجب ألا تقوم على أسس قومية . وهم - في هذا - ينقلون نقلاً شائها عن الداعية الهندي الكبير أبو الأعلى المودودي ، فلا ينصفونه ولا ينصفون أنفسهم .
فالمودودي أولاً وأخيراً داعية إلى ثورة إسلامية عالمية تستهدف تغيير ما بنفوس البشر حتى يكونوا قادرين على تغيير واقعهم الاجتماعي ، وذلك عن طريق التربية الاسلامية ليكون المسلمون المعاصرون في كل مكان من الأرض أشبه إيماناً وتقوى بالمسلمين في عصر الرسالة والخلفاء الراشدين . في نطاق هذا انتقد كل أشكال الدول التي تداولت على الأرض منذ مقتل عليَ بن أبي طالب حتى وفاته ، قياساً على مفاهيم ثابتة في الاسلام وفي الدولة أقام عليها صرح أفكار متماسكة إن يتجزأ ينقض .
يهمنا منها أن " الأمة " عنده غير ذات صلة بالأرض فهي كل جماعة من البشر متميزة دينياً أو عرقياً . أما القومية فهي عنده عصبية عدوانية إطلاقاً . ولعله في هذا كان متأثراً بحملة العداء للقومية التي شنَها الحلفاء خلال الحرب الأوروبية الثانية ( 1939 - 1945 ) وسخروا لها مالايحصى من الكتَاب والكتب لتسهم بدور مرسوم في هزيمة ألمانيا النازية ( النازي مختصر اسم الحزب القومي الاشتراكي الذي كان يقوده هتلر ديكتاتور ألمانيا ) ، فتأثر المودودي بالمفهوم الدعائي العدائي للقومية وهو يكتب ويبشر خلال الحرب وويلاتها كما تأثر - لاشك تأثر - بالصراع الطائفي بين الهندوس والمسلمين في ظل الحكم البريطاني للهند ، فهو يسمي كل طائفة منها " أمة " ، والانتماء إليها " قومية " ، ثم يعمم خبرته بذلك الصراع ، فيقول إن كل قومية هي عصبية عدوانية .
أما مفهوم " الأمة " كطور متقدم من أطوار التكوين البشري ، متميز عما سبقه من أطوار عشائرية أو قبلية أو شعوبية ، والقومية كتعبير عن علاقة مميزة للانتماء إلى أمة معينة وليست ممتازة ، أو بأي مفهوم مما ذكرناه من قبل ( فقرة 15 ) ، فلم يتوقف عنده المودودي .
أياً ماكان الأمر ، فبهذا المفهوم الخاص لم يتصور المودودي إمكان قيام دولة إسلامية وقومية معاً لأن الدولة ، حينئذ ، ستكون عدوانية في سياستها الخارجية ، استبدادية في سياستها الداخلية لمجرد أنها قومية ولو كانت إسلامية . اتساقاً مع هذا المفهوم عارض بقوة الدعوة إلى قيام دولة باكستان الاسلامية منفصلة عن الهند . قال مستنكراً وساخراً في محاضرة ألقاها في الجامعة الاسلامية بمدينة أليجار بالهند يوم 12 أيلول / سبتمبر 1940 : " إن مثل هذه الدولة القومية الاسلامية ستعاقب بالاعدام ، أو النفي ، أفعالاً لاتعاقب عليها الدولة غير الاسلامية إلاَ بالحبس ، ومع ذلك سيطلق على قادة هذه الدولة لقب المجاهدين في سبيل الله حال حياتهم ، وأولياء الله الصالحين بعد مماتهم ، لمجرد أن تصادف أن كانوا مسلمين بالميلاد " . وكان منطقياً مع نفسه ودعوته حين استطرد فقال : " من هنا فإنه من الخطأ الجسيم الاعتقاد بأن طراز الدولة القومية يمكن أن يكون على أي وجه مساعداً على تحقيق الثورة الاسلامية . إن السؤال الذي يواجهنا هو : إذا كان علينا أن نغيَر الحياة الاجتماعية للبشر تغييراً ثورياً ، حتى في دولة قومية إسلامية ، وإذا كان علينا أن نقوم بهذا بدون مساعدة تلك الدولة ، بل بالرغم من معارضتها الايجابية ، وهو الأكثر احتمالاً ، فلماذا يكون علينا أن ننتظر إلى أن تأخذ تلك المعارضة شكل الدولة بدلاً من أن نبادر إلى التقدم عن طريق الثورة ؟ .. لماذا نضيع وقتنا بغباء في العمل من أجل مايسمى الدولة القومية الاسلامية ونبدد جهودنا في إقامتها . إننا نعرف أنها لن تكون غير ذات فائدة لهدفنا فحسب ، بل ستكون عقبة على طريقنا أيضاً " ( حركة الثورة الاسلامية - الطبعة السابعة بالانكليزية . لاهور - صفحة 27 ) .
حينما تقوم دولة باكستان ( آب / أغسطس 1947 ) سيلائم أبو الأعلى المودودي بين بعض أفكاره وبين نظم الحكم في الدول الحديثة فمع استمرار تمسَكه بأن السيادة لله وحده . وأن البشر خلفاء في الأرض جملة ، والمساواة بينهم في الخلافة ، ينتهي إلى قبول أن يكون الدستور مكتوباً ، وأن يقوم بالتشريع نواب عن الشعب وأن تكون الحكومة مسؤولة أمامهم ، وأن يكون رئيس الدولة منتخباً .. الخ ، كما فعل في محاضرته التي ألقاها في كراتشي في تشرين الثاني / نوفمبر 1952 بدعوة من نقابة المحامين ضمن الحوار الذي كان دائراً حول وضع دستور إسلامي لباكستان . ( نشرت بالانكليزية في طبعتها الخامسة عام 1978 في لاهور تحت عنوان " المبادىء الأولية للدولة الاسلامية " ) . وسيفاجأ مصدوره بعد تجربة حية استمرت نحو ربع قرن كامل بأن الدولة الاسلامية التي قامت تحمل اسم " باكستان " على أساس من وحدة الانتماء إلى الدين لم تلبث أن انشقت إلى دولتين إسلاميتي النظام أيضاً على أساس وحدة الانتماء القومي ، فينفصل شعب البنغال ( نحو خمسين مليوناً يتكلمون اللغة البنغالية ) بإقليمها الشرقي مكوناً دولة " بنغلادش " ويبقى شعب البنجاب ( نحو خمسة وأربعين مليوناً يتكلمون اللغة الأوردَية ) دولة مستقلة باسم باكستان في إقليمها الغربي ( 1972 ) ، لتثبت التجربة الحية لمن يعقلون أن وحدة الانتماء إلى الدين لاتلغي وحدة الانتماء القومي ، وإن اختلاف الانتماء القومي لايعارض ولايناقض وحدة الانتماء إلى الدين ، وأن تجاهل أو إدانة أو مناهضة القومية من اجل إقامة دولة إسلامية لايؤدي إلاَ إلى إخفاق هذه الدولة الاسلامية في المحافظة على وحدتها .
74 -على أي حال ، وبغير حاجة إلى دروس التجربة الباكستانية ، ومن أجل الاجهاز على مماحكات الذين يناهضون العروبة بالاسلام سنثبت فيما يلي أن الدعوة إلى إقامة دولة إسلامية بمعنى أن يكون نظامها إسلامياً
هي دعوة إلى دولة ممكنة التحقق ، وأنها إذ تقترن بمناهضة العروبة تصبح دولة مستحيلة وأن مناهضة العروبة فكراً ، هي في واقع الأمر وحقيقته مناهضة للدولة الاسلامية ، عملاً .
75 - أما أن قيام دولة " نظامها " إسلامي ممكن فلا يستطيع إنكاره بحسن نية إلاَ جاهل بالاسلام أصلاً ، أو جاهل أصيل بماهية " النظام " في الدولة . يهمنا الآن هذا الأخير وسنهتم بالأول فيما بعد .
76 - إن " النظام " في الدولة - أية دولة - عبارة عن مجموعة كثيفة من قواعد السلوك العامة ( تخاطب الناس كافة ) المجردة ( لاتنصبَ على واقعة معينة بذاتها مكاناً أو زماناً أو أشخاصاً ) الملزمة للكافة تقوم على حراستها وضمان نفاذها ولو بالاكراه سلطة ( حكومة ) . هذه القواعد تقبل تقسيمات " فنية " عدة من مستحدثات منهج البحث العلمي . فهي قواعد دستورية أو قانونية أو إدارية تبعاً لدرجة سمو بعضها على بعض . وهي قواعد آمرة أو ناهية أو مكملة تبعاً لعلاقتها بما يتفق عليه الأشخاص . وهي قواعد موضوعية أو اجرائية أو تنفيذية تبعاً لموقعها من مراحل العلاقات . وهي قواعد مدنية أو تجارية أو جزائية تبعاً لنوع المضمون الذي تنظمه ... إلى آخر هذه التقسيمات المتداولة في دراسات فقه القانون . ولأنها قواعد سلوك عامة ومجردة _وملزمة فإنها هي المنظم للعلاقات بين الأشخاص في المجتمع ، ومن هنا يطلق عليها جملة " النظام " ؛ وضدَه " الفوضى " . ولقد تفنن بعض الذين يسمونهم فلاسفة التنوير الأوروبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر ( هوبز ، لوك مونتسيكو ، روسو ... الخ ) في تبرير نشأة " النظام " فزعموا أنه نشأ اتفاقاً بين الناس ، لأسباب اختلفوا فيها كبديل تعاقدي مشروط عن " حياة الطبيعة " السابقة عليه ، والتي كان كل فرد فيها مطلق الحرية . وكان أهم ماجاؤوا به فلسفتهم التي تحمل عنوان " العقد الاجتماعي " هو الاقرار بالمساواة بين الاشخاص في الحرية ومع أن التاريخ لم يثبت أنَ البشرية قد مرت في أي مرحلة من مراحلها بما يسمَى " حياة الطبيعة " ، ولا أثبت أن قد حدث يوماً اتفاق بين الناس على إنشاء نظام مشروط أو غير مشروط ، إلا أن هذا لم يؤثر في المكسب الحضاري المتمثل في اهتداء الأوروبيين ، أخيراً ، إلى قاعدة المساواة بين الناس بعد أن كان أرسطو معلمهم ، قد أنكرها بأكثر من عشرين قرناً . على قاعدة المساواة ، ومحافظة عليها أن تختلَ ، أصبح مسلماً أن مصدر " مشروعية " أي نظام هو قبول الناس له قبولاً حراً بدون إكراه . نقول " مشروعية " ولا نقول " شرعية " . الأولى تعني صلاحية النظام لمجتمع معين . والثانية تعني اتفاق الممارسة مع قواعده .
غير أنه لم يكن خافياً على أحد ، ومايزال غير خاف ، التناقض الظاهر بين فكرة النظام وفكرة الحرية ، وهو تناقض ممتد على أبعاد عدَة . أولها ، أن النظام إذ ينطوي على إلزام الكافة بقواعد عامة للسلوك لابد أن يحد من حرية افراد - قلوا أو كثروا - في أن يختاروا لأنفسهم السلوك الذي يرتضونه . إذ لايستوي الناس كافة فيما يختارون من سلوك . وثانيها ، أنه إذ ينطوي على الالزام بقواعد مجردة للسلوك ، لابد أن يحد من حرية أفراد - قلوا أو كثروا - في اختيار أنماط السلوك التي تلائم الظروف الواقعية لحياتهم . إذ لايستوي الناس كافة في ظروف الحياة الواقعية . وثالثها ، أنه حتى لو قبل الناس نظاماً معيناً في وقت معين فإن أحوالهم الاجتماعية متغيرة متطورة أبداً ، وبالتالي فإنَ قبول الناس في الماضي القريب أو البعيد ليس دليلاً على استمرار قبولهم في المستقبل البعيد أو القريب .. وحين يبقى نظام كان في الماضي مقبولاً ، بالرغم من انتهاء القبول بانقضاء مبرراته ، لابد أن يحد من حرية افراد - قلوا أو كثروا - وربما أجيال جديدة لم تقبله قط .
فكأن رد مشروعية النظام إلى قبول الناس محال . إنما هي القوة البدنية ، ثم القتالية ، ثم العددية ، ثم الاقتصادية ، ثم الفكرية .. التي تداولت الضعفاء تنشيء لهم نظاماً من قواعد يضعها الأقوياء ويكرهونهم على التزامها ، وهو قول مايزال متردداً .
77 - قد ينطوي كل من القولين على قدر من الصحة إذا توازيا زماناً ، ويكون كل منهما صحيحاً إذا تتابعا في الزمان . فمن ناحية أولى مايزال صحيحاً ، منذ الاقرار بالمساواة بين البشر ، أن مصدر مشروعية أي نظام هو قبول الناس . ولكن مايزال صحيحاً من ناحية ثانية أن الاقرار الفكري بالمساواة بين البشر لم يتحول إلى مساواة واقعية . إنه الفارق بين الواقع والمثل الأعلى . غير أنه صحيح من ناحية ثالثة ، بحكم سنَة التطور التي لاتتبدل ، أن البشرية تسعى حثيثاً للاقتراب من المثل الأعلى . فمن أجل التحقق من قبول الناس نظامهم ، أو تحقيقه ، أبدعت البشرية على مدى قرون تلك الأساليب الوضعية المتطورة من أول التعليم حتى الاستفتاء الشعبيَ وما بينهما من إسقاط الاستبداد وتدوين الدساتير وفرض سيادة القانون والفصل بين السلطات والتمثيل النيابي ، والانتخاب السري ، والاقتراع العام ، وحرية الرأي والتعبير والاجتماع والكتابة والنشر وتكوين الجمعيات والأحزاب والمظاهرات والاضراب وحرية الثورة أيضاً . الغاية الأساسية لكل هذه الأساليب متكافلة ، أو ما يسمونه " الديموقراطية " أن يقوم " النظام " في الدولة ويبقى مقبولاً من الناس .
أما علاج مشكلة عدم قبول أفراد - قلوا أو كثروا - لبعض قواعد النظام العامة فهو ترجيح رأي الأغلبية . ليس لأن ماتراه الأغلبية هو الرأي الصحيح . فهذا غير صحيح . إذ الأمر من الصحة والخطأ هو كما قال العالم العربي ابن الهيثم : " كل مذهبين مختلفين إما أن يكون أحدهما صادقاً والآخر كاذباً . وإما أن يكونا جميعاً كاذبين ، وإما أن يكونا جميعاً يؤديان إلى معنى واحد ، وهو الحقيقة . فإذا تحقق في البحث وأتعم في النظر ظهر الاتفاق وانتهى الخلاف " . الصحيح إذن هو مايطابق الحقيقة . والحقيقة ذات وجود موضوعي غير متوقف على وعي الناس وإن ظن كل واحد منهم أن قد وعاها . فإن اختلفوا في أمرها وجب الحوار عليهم جميعاً ليكمل وعي بعضهم وعي البعض الآخر . فإن لم يتفقوا تبقى الحقيقة غير معروفة على وجه اليقين . فلا وعي الأغلبية ولاوعي الأقلية دليل بذاته على صحة آرائهم . وفي هذا يستوون . إنما يرجح رأي الأغلبية بحكم المساواة بين البشر ، والحفاظ على وحدة المجتمع . ذلك لأن الأغلبية لاتتعدد وقد تتعدد الأقليات في مجتمع واحد . حينئذ لن يكون بين الأقليات مرجع فلا تبقى ملتئمة إلا مكرهة ، وهي حرب تمزق المجتمع الواحد . ثم انه بحكم المساواة بين البشر والحفاظ على وحدة المجتمع الذي يبرر ترجيح رأي الأغلبية تبقى للاقلية حرية المعارضة والنقد والدعوة إلى رأيها ، وإقناع الناس بصحته بأدلة قد تستقيها من آثار ممارسة رأي الأغلبية ... إلى أن تحصل لرأيها على الأغلبية فيصبح الحكم لها بعد أن كان عليها .
أما عن علاج مشكلة عدم قبول أفراد - قلوا أو كثروا - لبعض قواعد النظام المجردة فإفساح مجال كبير وغالب من النظام لتلك القواعد المسماة " مكملة " أي التي تبيح للناس أن ينظموا العلاقات فيما بينهم على مايختارون غيرمكرهين فيصبح ما اتفقوا عليه جزءاًمن النظام تحرسه السلطة وتفرض نفاذه على من اتفقوا عليه ولو بالاكراه ، وذلك هو مجال العقود . ثم الاباحة لكل ماهو غير ممنوع بقاعدة صريحة من قواعد النظام وهو مجال أكثر اتساعاً من مجال العقود .
أما عن علاج مشكلة عدم قبول أفراد - قلوا أو كثروا - لبعض قواعد النظام الملزمة لمجرد أن من سبقوهم قد قبلوها فبالاحتفاظ للناس - أو أغلبيتهم - بحرية إلغاء أو تعديل القواعد التي لم تعد مقبولة أو اضافة قواعد جديدة يقبلونها .
وهكذا يحتفظ المجتمع بوحدته منظما ، ويحتفظ النظام باستمراره قائما ومشروعا بدون أن يقف عائقا في سبيل التطور في الزمان والمكان . ولكن إلى أي حد ؟ . نعني هل توجد في النظام - أي نظام - حدود لايسمح النظام - أي نظام - للناس بحرية تجاوزها أو الاتفاق على تجاوزها ؟ نعم
78 - ليس الجواب من عندنا ، وليس نقلا عن أي مجيب في العصر الحديث أو العصور السحيقة . إنه جواب البشرية منذ أن وجد بشر على الأرض . إذ لم يحدث قط في تاريخ البشر أن وجد " فرد " بدون مجتمع ولو كان المجتمع أمه وأباه . هكذا كان الأمر من الأسرة إلى العشيرة ، إلى القبيلة ، إلى الشعب ، إلى الأمة ، إلى الدول ، منذ أن وجدت الدول . تختلف تلك الحدود من مجتمع إلى مجتمع في الزمان وفي المكان ، ويختلف الجزاء على خرقها تبعا لصلاحيته في الحفاظ عليها ، وهو أمر لايستوي زمانا أو مكاناً ولكن لم يوجد، ولايوجد ، ولايمكن أن يوجد مجتمع بشري بغير نظام ؛ ولم يوجد ، ولايوجد ، ولايمكن أن يوجد، " نظام " بغير حدود . ذلك لأن الحدود هي الحل الوحيد للتناقض الأزلي بين وحدة المجتمع وتعدد الأفراد فيه . وحدة المجتمع تتطلب وحدة النظام ؛ وتعدد الأفراد - والناس مختلفون سنا وجنسا وفكرا ورغبات ومقدرة على العمل ، أو متميزون - يتطلب حرية كل واحد في اختيار النظام الذي يرتضيه ، أي تعدد النظم . فكان الحل منذ البداية وحتى الآن ، هو الابقاء على وحدة المجتمع ، وبالتالي وحدة النظام ، متمثلة في قاعدة أو مجموعة من قواعد النظام ذاته - قليلة عادة - لها ذات خصائص القواعد الأخرى ، فهي عامة ومجردة وملزمة للكافة ، إنما تتميز بأنه غير مباح مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها . وبالتالي صلح مميزاً للنظام عن غيره . ويحمل كل نظام عادة اسم مصدره الفكري أو الفلسفي أو العقائدي . فيقال نظام ليبرالي ، أو ديموقراطي ، أو اشتراكي ، أو ماركسي ، بمعنى أن تلك المذاهب أو العقائد هي مصدر تلك " القواعد - الحدود " التي لاتباح مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها في كلَ من تلك النظم . وهكذا نجد أن كل النظم ، أياً كان مضمونها ، أو اختلافها أو حتى تناقضها ، في كل الدول ، أياً كان مواقعها من الأرض ، تتضمن تلك " القواعد - الحدود " التي يسمونها في علم القانون " قواعد النظام العام " . وكل المجتمعات منذ بدء الخليقة كانت منظمة على وجه أو على آخر نظما تتضمن تلك القواعد أو الحدود . الخلاف الوحيد بين المجتمعات على مدى الزمان ، أو بين الدول على الأرض ، هو في مضمون تلك القواعد .
ولأن هذه القواعد مستقرة وثابتة فإنَ الناس لايشعرون بها عادة . إنهم يلائمون - بمضي زمن الممارسة - بين مايريدون وبين أحكامها ، أو - بمعنى آخر - بين مصالحهم ومصلحة مجتمعهم ، وما يزالون حتى تتحول تلك الملاءمة إلى ضوابط اجتماعية للسلوك قد لايعرف أحد من أين جاءت ، يسمونها العرف أو التقاليد أو الآداب ، يستنكر الناس الخروج عليها ، فتدخل في نسيج التكوين الحضاري للمجتمع ، ويكون ذلك كافياً لاستقرارها واستمرارها منظما للسلوك والعلاقات . من هنا لم يكن غريبا أن تساوي بعض التشريعات الحديثة بين قوة إلزام قواعد النظام العام وقواعد الآداب ، وتعتدَ بالعرف أو التقاليد منظمين للعلاقات بين الاشخاص في حالة غياب قاعدة تشريعية . هذا هو " النظام " باختصار شديد . فهل يمكن أن تقوم دولة " نظامها " إسلامي ؟
79 - يمكن أن يقوم نظام إسلامي في أية دولة يقبله شعبها . وهو يقبله إما بالاجماع وإما بالأغلبية . ليس ثمة صعوبة فنية في هذا . فهكذا تقوم النظم المشروعة في كل الدول . وسيكون مصدر مشروعيته كنظام للدولة هو قبول الناس له . وليس ثمة أية غرابة في هذا . فالقبول العام ( إجماعاً أو أغلبية ) هو مصدر مشروعية كل النظم المشروعة .
80 - اما أن يكون الناس قد قبلوه بالاجماع أو بالأغلبية لأنهم " يؤمنون " بقدسيته فإن الايمان باعث على القبول ، وليس قبولا أو بديلا عنه . وهو من طبائع البشر كل البشر . كل إنسان يقبل نظاماً لأن قواعده تصوغ العلاقات بين الأشخاص صيغة تتفق وفكرة أو فلسفة أو عقيدة " يؤمن " هذا الشخص بها . إن النظم الليبرالية القائمة في كثير من دول العالم المعاصر تقبل فتعتبر مشروعة مع أن الباعث على قبولها " إيمان " راسخ بالحرية الفردية التي منحها للانسان " القانون الطبيعي " الأزلي الخالد الذي لايجوز إنكار وجوده أو تكذيب وعوده . وهذه هي الايديولوجية الليبرالية ، أو هذا هو جوهرها . وكثير من دول العالم المعاصر ذوات نظم مقبولة فمشروعة مع أن الباعث على قبولها " إيمان " صمدي بقدرة " وسائل إنتاج الحياة المادية " المحرك الازلي الخالد لارادة الانسان ، والتي لايجوز إنكار قدرتها أو تكذيب وعودها . وهذه هي الايدلوجية الماركسية أو هذا هو جوهرها . ومن قبل هذا كان الايمان بأن الله قد اختار الملوك بعنايته هو الباعث على قبول النظام الملكي . ومن قبل كان الايمان بان بابا الكنيسة الكاثوليكية هو قائم مقام الله في الأرض هو الباعث على قبول كل النظم في اوروبا على مدى قرون طويلة . وكان الايمان بحكمة كونفوشيوس في الصين وقدسية بوذا في الهند ، وألوهية فرعون في مصر ، بواعث على قبول النظم السائدة . ثم إن الايمان بالمصدر العقائدي للنظام ، أيَ نظام ، هو الدليل القطعي على أن قبول الناس له هو قبول حر لاإكراه فيه . إذ لايكره انسان على قبول مايؤمن به . ومن هنا يجاهد كل مجتمع في كل دولة بالنفس والمال لتأصيل ايديولوجيته وتجميلها ، وتطويرها ، ونشرها ، والدفاع عنها . ولقد كان الناس - منذ بداية التاريخ - يقاتلون حتى الموت دفاعا عن النظم التي قبلوها لأن قواعدها تعبَر عما يؤمنون به ، كما أن الدول المعاصرة تتقاتل ، بوحشية لم يعرفها التاريخ ، دفاعا عن الايديولوجيات التي صيغت في قواعد نظمها . ليس هذا - إذن - جديدا على البشرية . وليس جديداً أيضاً أن نقول إن من " يؤمن " بفكرة أو فلسفة أو عقيدة أو ايديولوجية هو " كافر " بما يخالفها من أفكار أو فلسفات أو عقائد أو ايديولوجيات . ولما كان من المحال التحقق من مضمون الايمان بدون التعبير عنه ، وكان من المحال التحقق من صدق هذا التعبير ، فإنه يلزم ويكفي القبول مصدراً لمشروعية النظم بدون تفتيش عما في الصدور من بواعث .
81 - مايصدق بالنسبة إلى كل النظم يصدق بالنسبة إلى النظام الاسلامي . فيكفي لقيامه مشروعاً أن يقبله الناس أو أن تقبله أغلبية الناس . وليس لكائن من كان أن يبتدع في النظم بدعة عدم الاعتداد بالقبول العام لأن الباعث عليه ايمان بعقيدة الاسلام .. إنه لغو قبيح لأنه لايبتدع بدعته هذه إلا ليستبدل بالايمان بعقيدة الاسلام ايماناً بعقيدة أخرى إذ لامفر من أن يكون الباعث على القبول ايمانا . وليس لكائن من كان أن يبتدع بدعة في الاسلام نظاما فيقيمه على الايمان ولايعتد بالقبول به .
وهي بدعة لأن الله تعالى قد قال : ( لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) { البقرة : 256 } . وللفظ الدين كما ورد في القرآن دلالات متعددة . وهي في هذة الآية تدل على الاسلام نظاما ، إذ أن الاكراه في العقيدة محال . ولقد قبل الأعراب الاسلام نظاماوقبلوا فيه ، فلما زعموا أن الباعث على قبولهم ايمانهم قال الله تعالى : ( قالت الاعراب آمنَا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولَما يدخل الايمان في قلوبكم ، وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم من أعمالكم شيئا ، إن الله غفور رحيم ) { الحجرات : 14 } ، ( ولايلتكم من أعمالكم ) أي لاينقصكم من ثواب أعمالكم . وهو واضح الدلالة على أنَ العبرة في مشروعية الالزام بقواعد النظام الاسلامي قبوله ، وليس بالباعث على قبوله .
وفي يوم فتح مكة دخل الكافرون المنهزمون في الاسلام أفواجا فور الهزيمة فأصبحوا مسلمين . أي قبلوا الاسلام نظاماً ، وقبلوا فيه . ولم يتوقف أحد ليفتش عن الايمان في الصدور ليكتشف كيف يتحول الناس أفواجا من الكفر إلى الايمان في بضع ساعات وبمجرد أن ينهزموا وهم يقاتلون المؤمنين ! ولكن هذا هو الاسلام نظاماً . إحدى قواعده المميزة قبول من يشهد على نفسه علناً بأنه يقبله بصيغة الشهادة المعروفة فيعامله بأحكامه ويترك مافي السرائر إلى عالم السرائر ، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء . ومن السنَة الفعلية المتواترة ماذكرناه من قبل من أمر " الصحيفة " التي اقامت نظاما للعلاقات فيما بين المسلمين وغير المسلمين في المدينة ، يتولى الرسول صلى الله عليه وسلم القيام على نفاذ قواعدها ، ولو بالاكراه ، على من قبلوها ( فقرة 28 وما بعدها ) .
82 - ليس ثمة أية صعوبة فنية أيضا في معرفة متى يكون النظام اسلاميا . ونحن نفضل أن يكون حديثنا عن النظام الاسلامي وليس عن الشريعة الاسلامية . لأن تعبير الشريعة الاسلامية أصبح يطلق على مايشمل الآراء والمذاهب الفقهية المختلفة . ويسيء البعض استعماله فيعتبر أن رأيه أو مذهبه هو الشريعة الاسلامية ويكاد أن يفرضه بالقوة ، مع أنَ كل الآراء والمذاهب التي يشملها تعبير الشريعة الاسلامية ليست إسلامية بذاتها ، وليس أصحابها رسلاً بعد الرسول ، إنما تستمد هذه النسبة من أنها اجتهادات تدور في نطاق مالا يجوز الاجتهاد فيه ، لاتتجاوزه . مناط التمييز إذن هو تلك القواعد التي لااجتهاد فيها . وليس لهذه القواعد مصدر في الاسلام إلا القرآن والأحاديث المتواترة . وقد أرشد علم أصول الفقه من لايريد أن يضل إلى مناط التمييز بين مالا تباح مخالفته أو الاتفاق على مخالفته من أحكام الاسلام وبين مايرد فيه الخلاف اجتهاداً بدون إثم . فنقول أنه أرشد من لايريد أن يضلَ إلى مناط تمييز " قواعد النظام العام " التي يتميز بها النظام ، فيصحَ أن يقال إنه نظام إسلامي . إنها كل قاعدة سلوك عامة ( تخاطب الكافة ) مجردة ( لاتنصبَ على واقعة معينة بذاتها زماناً أو مكاناً أو أشخاصا) ملزمة ( آمرة أو ناهية ) يقينية الورود ( من عند الله أو الرسول ) قطعيَة الدلالة ( لاتحتمل التأويل ) .
القرآن كله يقيني الورود من عند الله . هذا مسلَم لدى المسلمين كافة ( نتجاهل فئة تافهة أنكرت نسبة سورة يوسف إليه ) ، أما الدلالة فقد قال الله تعالى : ( هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَ أم الكتاب وأخر متشابهات ) { آل عمران : 7 } . الآيات المحكمات هنَ وحدهن قطعيَات الدلالة . أما المتشابهات فقابلات للتأويل . وفي تأويلهن اختلف المسلمون ويختلفون بدون إثم . من أخطأ فهو مثوب ومن اصاب فهو مثوب مرتين . قد يرجع الخلاف إلى دلالة اللفظة على معنيين ، وقد يرجع إلى المفاضلة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي .. إلى آخر أسباب هذا الخلاف المعروفة في فقه القرآن . المهم أن كل قاعدة تجيء عن طريق التأويل هي قاعدة " وضعية " وليست " الهية " ، فهي ليست من قواعد النظام العام الاسلامي .
أما بالنسبة إلى السنَة ، ونعني بها ماصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته رسولا عليه البلاغ المبين فمنها ماورد بطريق التواتر ومنها ماورد بطريق الآحاد . والتواتر أن ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع ثم ينقل عنهم جمع مثلهم ، وهكذا يصل إلينا ، وأن يبلغ الناقلون من كل طبقة حداً من الكثرة يستحيل معه التواطؤ على الكذب . أو هو كما يقال نقل الكافة عن الكافة . ومع ملاحظة أن دلالة " الكثرة " و "الاستحالة " و " الكافة " مسألة يرد فيها الخلاف ، فإن التواتر ثابت للسنَة الفعلية في أداء فروض العبادات . اما السنَة القولية فالمتواتر منها غير موجود في الأحاديث المروية في الكتب المدونة على مايرى بعض العلماء أما الذين يرون أنه موجود في الكتب المدونة فيشترطون لأخذه مأخذ التواتر أن تخرجه كتب الحيث جميعاً ، وأن تتعدد طرق إخراجه كي لايكون بعضهم مكرراً ماقال البعض الآخر ، وأن يثبت هذا التعدد في طرق الاخراج في أول الرواية ووسطها وآخرها . إن وجد هذا الحديث فهو يقيني الورود من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكن يقين وروده لايعني بالضرورة أنه قطعي الدَلالة . فقد يكون قابلاً للتأويل ولو كان متواترا .
وفي تأويله اختلف المسلمون ويختلفون بدون إثم لأسباب كثيرة معروفة في فقه السنَة . المهم أن كل قاعدة تستند إلى حديث غير متواتر ، أو تجيء عن طريق تأويل حديث متواتر ، هي قاعدة " وضعية " وليست " بيانا " ، فهي ليست من قواعد النظام العام الاسلامي .
83 - كل قاعدة سلوك عامة مجردة آمرة أو ناهية بالمعنى الذي أشرنا اليه من قبل جاءت بها آية من آيات القرآن محكمة أو حديث متواتر قطعَي الدلالة ، هي قاعدة ملزمة للكافة ، لايجوز لأحد أن يخالفها ، وليس مباحاً الاتفاق على مخالفتها . ليس هذا محل خلاف ولااجتهاد . وبالتالي يكون نظام الدولة إسلاميا ويتميز بأنه إسلامي إذا تضمنت قواعد النظام العام فيه تلك القواعد كلها غير منقوصة . نقول تضمنت لأنه مباح للناس أن يضيفوا إليها مايرون ، لأسباب تتصل بظروفهم المتغيرة في المكان ، المتطورة في الزمان ، قواعد وضعية يرفعونها عن مخاطر الخلاف إلى مرتبة قواعد النظام العام .
84 - كلَ ماعدا هذا مما يقال إنه من مصادر الشريعة الاسلامية هو من عند البشر فهو موضوع ، وكل ماجاء من قواعد بناء عليه جاء بها البشر ، فهي موضوعة . الاستنباط موضوع ، والقياس موضوع ، والاستحسان موضوع ، والاستصحاب موضوع ، والضرورة موضوعة ، والمصالح المرسلة موضوعة والاجماع موضوع . .الخ . وكل مابني عليه من فقه ومذاهب موضوع . وكل موضوع ينسب إلى من اجتهد فوضعه ، أو من اجتهدوا فوضعوه ، لايحتج به على الاسلام بل الاسلام حجة عليه . فلا يحتجَ به على المسلمين إلا إذا قبلوه ، وفي حدود مايقبلون منه ، فإن يكرهوا عليه يصبح غير مشروع .
85 - لايعني هذا أنه مرفوض ولكن يعني تماماً أنه غير مفروض . والواقع من الأمر أن أجيال المسلمين الذين وضعوه ، أو وضعوا أصوله ، كانوا أكثر منا فهماً لدلالة لغة القرآن ، وأقرب منا زماناً بمن نقلوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأكثر منا اهتماماببناء حياة إسلامية ، واكثر منا تحرراً من تأثير النظم غير الاسلامية ، فكانوا اكثر منا كفاءةً ذاتية في الاجتهاد ووضع المذاهب ، بحيث يكاد ماتركوه لنا أن يكون مجرد إعادة النظر في بعض القواعد الفرعية ، أو استحداث قواعد جديدة ملائمة لتنظيم علاقات الناس في أزمنة وأمكنة ومجالات لم تكن لتخطر لهم على بال . ومع ذلك فهي قواعد ومذاهب غير مفروضة ، وليست من النظام العام الاسلامي . يحول دون هذا ، ذلك الحد الفاصل بين الايمان والكفر : التوحيد . إن شهادة أن " لاإله إلا الله " تعني على سبيل القطع أن ليس مقدَساً إلا كلام الله ، وليس ملزماً للمسلمين كافة إلا أوامره ونواهيه . كل ماعدا ذلك ليس مقدَسا وغير ملزم للمسلمين إلا إذا حولوه إلى نظام ارتضوه فالتزموه . وإذا كان أئمة السلف قد وضعوا تلك المذاهب العبقرية في زمانهم فإنَ زماننا يتيح مالم يكن متاحاً لهم موضوعياً . فنحن نقرأ القرآن محفوظاً في مصاحف متاحة بيسر لمن أراد ، ونعيد قراءته كلما أردنا ، وكان أسلافنا يفتشون في أطراف الأرض عن مسلم يحفظ القرآن ليستمعوا إليه . ونحن نحصل بيسر على مادونوه ، مطبوعا في كتب في متناول أيدينا ، وكانوا يجهدون أنفسهم سفرأً وإقامة لاستنساخ كتاب منسوخ . ونحن نستمع إلى التفسير والشروح ونتلقَى الدروس مذاعة أو مسجلة ، مقروءة أو مسموعة ، ونحن جلوس في بيوتنا ، أما هم فكانوا يقطعون الفيافي والقفار ويعبرون الجبال والأنهار إلى العواصم القليلة لعلهم يجدون مكاناً من حلقة في مسجد حول عالم يلقي درسا . وكان علمهم بالطبيعة المادية والطبيعة البشرية محدوداً فأصبح علمنا بهما يكاد يكون غير محدود . أهم من هذا كله أنَ أياً منهم ماكان ليستطيع أن يعرف إلاَ ماقاله غيره ممن سبقوه ، ولكنَا نستطيع أن نضيف إلى معرفتنا ماقاله هو ومن سبقوه مالم يكن يعرفه أي منهم : ماقاله من جاء من بعده . وماكان يجتمع منهم أثنان فيتحاوران إلا نادرا ، أما نحن فنستطيع أن نجمعهم جميعا في مكان واحد لنقرأ حوارهم ونحاورهم ، ونرد كل خلاف إلى كتاب الله ، هو كتابنا كما هو كتابهم . وهكذا نستطيع في نطاق الالتزام بقواعد النظام العام الاسلامي ، أن نستنبط كما استنبطوا ، ونقيس كما قاسوا ، ونستحسن كما استحسنوا ، ونستصحب كما استصحبوا ، ونرعى مصالحنا المرسلة كما رعوا ، ونجمع إن كانوا قد أجمعوا ، فإن اختلفنا كما اختلفوا يرجح مذهب الأغلبية منا ، لالأن الاغلبية هي مناط الصحة والخطأ ، ولكن للأسباب التي أوردناها من قبل ( فقرة 76 ) ، لأننا نؤمن كما آمنوا بأن الاسلام دين المساواة . وكل ماقد ننشئه من قواعد دستورية أو قانونية أو ادارية ، آمرة أو ناهية أو مكملة ، .. ، وكل مانلغيه منها أو نعدَله أو نضيفه سيكون جزءا من النظام الاسلامي مادام دائرا في نطاق قواعد النظام العام الاسلامي ملتزما حدوده .
86 -ليس ثمة - إذن - أية صعوبة فنية في قيام نظام إسلامي في أية دولة يقبله شعبها ، أو اغلبيته ، قبولا حرا مطهرا من الاكراه ( يمكن أن يقال ديموقراطيا) . ولكن هناك صعوبات واقعية لاتتصل بإمكانية إقامة النظام الاسلامي بل بتحقيق شرط قبوله . ماهي ؟ . إنني اريد أن اترك الجواب للسيد " أبو الأعلى المودودي " الذي قد يختلف معه كثيرون في بعض أفكاره ؟ ونحن نختلف معه في بعضها ، ولكن لايمكن لأحد أن يتهم بحق ، إخلاصه في دعوته إلى النظام الاسلامي . قال في محاضرته التي أشرنا إليها من قبل :
" لقد أصبح تعبير الدولة الاسلامية في أيامنا هذه مثل لعبة أطفال . لقد سيطرت الفكرة على خيال بعض الناس ، وذهب بعضهم إلى حد تبنيها كهدف واقعي . ولكن تلك الأساليب الغريبة المقترحة لتحقيقها تجعلها غاية مستحيلة كما هو مستحيل الوصول إلى أمريكا ( من الهند ) بالسيارة . يرجع هذا التفكير الخاطيء إلى واقع أن أسبابا تاريخية وسياسية معينة قد فجرت الرغبة في دولة مثل أعلى يمكن أن يطلق عليها اسم دولة إسلامية غير أنه لم تحدث أية محاولة لتحديد طبيعة هذه الدولة بطريقة علمية ، أو دراسة كيفية إقامتها . اهذا فقد تضاعفت ضرورة تناول هذه المشكلة تناولاً علمياً . إنني في غير حاجة ، في هذا الجمع من المثقفين ( كانت المحاضرة في الجامعة الاسلامية ) إلى أن اضيع وقتا طويلا في بيان أن الدولة أيا كانت طبيعتها ، لاتقوم بأساليب مصطنعة ، إنها ليست جهازاً صناعياً تركَب أجزاؤه في مكان ، ثم ينقل لاقامته في مكان آخر ، حسب هوى الناس . بالعكس . إن الدولة ناتج طبيعي لتفاعل عوامل معنوية ونفسية وثقافية وتاريخية ذات وجود سابق في مكان معين .. إنه من غير القابل للانكار في علم الاجتماع أن الدولة ليست إلا محصلة طبيعية لظروف متحققة من قبل مجتمع معين " . ( المرجع السابق - صفحة 5 و 6 ) وفي محاضرته اللاحقة التي ألقاها في كراتشي بعد قيام دولة باكستان ، يعدَد المودودي الصعوبات الواقعية التي تعترض محاولة وضع دستور اسلامي ، فيذكر منها الجهل العام باللغة العربية ، وبدلالة ألفاظ القرآن والحديث والفقه ، والأسلوب غير المألوف الذي دونت به المذاهب ، والعيب الدامغ لنظام التعليم ، حيث يتخصص البعض في دراسة القرآن والحديث والفقه ويبقون جهلة جهلاً يكاد يكون مطبقاً بالعلوم الحديثة مثل العلوم السياسية والاقتصادية والدستورية ، اما الذين يتخصصون في دراسة هذه العلوم فلا يكادون يعرفون شيئا عن التراث الاسلامي العظيم ( المباديء الأساسية للدولة الاسلامية - المرجع السابق - صفحة 6 وما بعدها ) .
كان أبو الأعلى المودودي يتحدث عن الصعوبات الواقعية التي تعترض محاولة وضع دستور إسلامي في باكستان ( استمر الحوار حول الدستور عشر سنوات بعد محاضرته فلم يوضع إلا اول آذار / مارس 1962 )
ومن هنا كانت وقفته الصلبة ضد إقامة دولة اسلامية قبل أن توفر الثورة الاسلامية العوامل المعنوية والنفسية والثقافية والتاريخية لقيامها . فهل يصدق هذا على الأمة العربية ؟
87 - إلى حد محدود . فالجهل بدلالة ألفاظ القرآن والحديث والفقه عام في الأمة العربية . ولكن اللغة العربية هي لغة هذه الأمة ، لغتها القومية ، وبالتالي فإن عامة شعبها قابلون بيسر لفهم دلالة ألفاظ القرآن والحديث ، إذا أوفى من يفهمونها من العلماء ، وهم كثر ، بواجبهم ، بأن قدموا هذه الدلالات إلى الناس مصوغة بلفة يفهمها العامة بدلاً من مجابهتهم بآيات عربية ولكنهم لايفهمون دلالة ألفاظها كما كانت عند النزول منذ أكثر من أربعة عشر قرنا . فيبتزون ايمانهم بقدسيتها حتى لايتساءلوا ، ويضفون من قدسيتها قدسية على مذاهبهم فيسيطرون . كذلك الأمر بالنسبة إلى كتب التراث واسلوب تدوينها ودلالة ألفاظها . إن اكثر العرب لايفهمونها إلا بجهد جهيد لايقدر على بذله إلا الدارسون . ولكن معرفة اللغة الأصيلة للمدونات قادرة على إدراك الناس ماقاله السلف ، بعيداً عن مخاطر الترجمة ، لو قدمت اليهم بصيغ مألوفة وتبويب مما يألفون . والفارق بين اليسر والعسر في كل من الأمة العربية والهند أو أي مجتمع غير عربي واضح في مشكلة التخصص . إذ لايوجد في الأمة العربية فصل قطعي بين التخصص في العلوم الاسلامية والتخصص في العلوم الحديثة لوحدة لغة المعرفة في المجالين . يوجد تفاوت يمكن أن يزول بالاجتهاد الذاتي والجهد الجماعي ، وهو يسير . والواقع من أمر الأمة العربية أنها منذ مطلع القرن الحالي - على الأقل - وهي تتهيأ ثقافيا لقبول النظام الاسلامي ، بفضل الجامعات المتخصصة في العلوم الاسلامية المنتشرة في الوطن العربي ، ومعاهدها العديدة ومدارسها التي لاحصر لها ، وحركة التجديد التي بدأها الامام محمد عبده ، وما تزال نامية ، والجمع بين دراسة التراث والعلوم الحديثة في أغلب الجامعات وعلى رأسها الجامعة الأزهرية العتيدة ، مما أضعف من فارق التخصص إلى حد أن الفقه أصبح مجالاً مفتوحا للحوار في الصحف العامة !
نقول تتهيأ ثقافياً ولم نقل تتهيأ معنوياً ونفسياً . افتقاد العوامل المعنوية والنفسية اللازمة لاقامة دولة إسلامية صعوبة كأداء عرفها المودودي في الهند ويعرفها كل داعية في أي مجتمع غير عربي ، اما في الأمة العربية فلا وجود لها أصلاً ، ذلك لأن مصدر العوامل المعنوية والنفسية في مجتمع مَا ، حضارته . ولقد عرفنا من قبل ( فقرة 40 وما بعدها ) كيف أن الحضارة العربية هي حضارة إسلامية ، وضربنا هناك أمثلة من شواهدها . نضيف هنا من حياة العامة من العرب ، مسلمين وغير مسلمين ، أمثلة من المعايير القيمية الحضارية التي تفرق بين ماهو مقبول اجتماعيا وماهو مرفوض ، المعترف - علمياً - بأنها شواهد ومميزات الانتماء الحضاري .
88 - في أنفسنا نرى أن أيَ إنسان عربي ، مسلماً أو غير مسلم ، لايكاد يكفَ طوال يومه عن الحكم بمقاييس حضارته على مالا حصر له من الأحداث الصغيرة ، أي التي يحكم في أمرها تلقائيا معبراً عن مكنون شخصيته . فالكذب " حرام " حتى لو كان أبيض . والقسوة " حرام " حتى على الحيوانات ، والسخرية " حرام" حتى ممن يثيرها ، والحكم التلقائي على بؤس مخلوق بائس هو " حرام " ، ويؤكد بأنه " والله حرام " .. والظلم " حرام " . والحصول على أموال الغير بدون حق ، حتى برضاء هذا الغير " خدعوه والله ده حرام ". وعدم النكافؤ بين الزوجين سنَاً " والله حرام " ، والشفقة بصبية مشغولين بعمل شاقَ عليهم يعبر عنها العربي بقوله التلقائي " والله حرام " .. وما يقال تلقائيا ، نصحاً أو عتابا أو احتجاجا ، على المستعلين أو المغرورين أو المفترين أو المستبدين هو " ياناس حرام عليكم " .. واذا اعترض شخص من لايعرفه ، يمازحه ، فاضطرب الغريب ، قيل له تلقائيا : " ياشيخ سيبه ، حرام عليك " .. وإن فقدت الأم ابنها " فياحرام " .. إلى آخر عشرات الألوف بل ربما الملايين من الأحداث الصغيرة التي لاتكفَ عن المرور بحياة العربي يقيمها حين لايقبلها ، وقبل أن يعرف أسبابها ، وبدون أن تكون له صلة مباشرة بها ، وحتى لو كان حادثاً مرحاً .. بأنها
"حرام " . ثم يفصح عن المصدر الاسلامي لذلك المعيار القيمي حين يقول مؤكدا مذكرا : " والله حرام " . ولايعلق بهذا ابدا على الاحداث التي يقبلها لأن إحدى قيمنا الحضارية ايضا هي أن كل ماليس حرام مباح
يستوي في هذه الأحكام العربي المسلم وغير المسلم ، الشاب والكهل والشيخ ، ساكن المدن والمقيم في القرى والجائل في الصحارى ، الرجال والنساء ، اخترناها - أولاً - لأن الانسان العربي يرددها بدون أن يختارها مذهبا، وثانيا: لأنها أحكام تصدر بدون تحضير أو دراسة أو رجوع إلى المراجع ؛ تصدر على السجية . وثالثاً : لأنها أحكام لاتصدر ضد أحد ولايرجى منها أن تكون ملزمة لأحد ، ولكنها تعبير تلقائي عن الشخصية العربية في مواجهة موقف ليست هي طرفاً فيه . رابعا : لأنها أحكام سابقة على أية قواعد سلوك وضعية ، وقائمة فوق أية قواعد سلوك وضعية ، وباقية بعد أية قواعد سلوك وضعية ، يضمرها في ذاته حتى الذي يخالفها جهراً . خامسا لأنها معايير حضارة المجتمع العربي تعبر عن ذاتها من خلال ماينطق به الأفراد من أحكام .
وماالجديد في هذا ؟ .. إن لكل حضارة ضوابط سلوك تعبر عن ذاتها من خلال ماينطق به تلقائيا الأفراد من أحكام . لكل حضارة ذلك التعبير المتداول في كتب الاجتماع الغربية : " تابو " أي ضابط تحريم ! هو كذلك ، فنحن لانأتي بجديد . إنما نريد أن نؤكد من جديد مالم نكفَ عن تأييده على مدى ربع قرن أو يزيد من " أن الاسلام هو الهيكل الأساسي للحضارة العربية " .
لقد كانت تلك المعايير القيمية في أول عهد العرب بالاسلام من قواعد النظام العام المفروضة يلقى من يخالفها جزاءه . وشغل ردها إلى مصدرها الاسلامي ، وشرحها ، مكاناً ملحوظا في المذاهب وآراء المجتهدين . ومازال العرب مسلمين وغير مسلمين يلائمون بين أحكامها وما يريدون حتى تحوّلت خلال تلك الملاءمة إلى ضوابط اجتماعية للسلوك ، بالرغم من أن قد كف الجزاء وقفل باب الاجتهاد منذ قرون . فيستنكر الناس الخروج عليهم بقولهم " حرام " أو " والله حرام " معبرين بدون وعي عن أصلها الاسلامي . فنقول أنها قد دخلت في نسيج التكوين الحضاري العربي فهي الآن عرف أو تقاليد أو آداب نسميها إسلامية إن شئنا ، أو عربية إن شئنا ، لأنهما بالنسبة إلى الحضارة العربية مترادفان . وعلى الذين يبحثون عن التراث في كتب صاغها أسلافنا أن ينتبهوا إليه في أنفسهم . فالماضي لايعود ولايمكن إعادته : ( لكل أجل كتاب ) { الرعد : 38 } إنما تحمل الحضارة التراث ، وليس ماكتب عنه ، من جيل إلى جيل : فتراث أية أمة هو مابقي صالحاً للحياة منذ سالف الزمان ، وليس كل ماكتبه عن حياتها السلف الصالح . إذن ، لاتحتاج الأمة العربية الى تهيئة معنوية أو نفسية لقبول النظام الاسلامي إذ هي مهيأة حضارياً .
89 - وهكذا نرى بوضوح أنه ، إذا صدقت الدعوة وحسنت النية ، وقيل للدعاة الصادقين إلى دولة إسلامية ، إن إقامة النظام ممكنة بلا ريب ، ولكن على أي أرض تقوم ؟ إذ لابد لكل دولة من أرض محددة ، وماهو الشعب الذي سيقيمها ؟ إذ لابد لكل دولة من شعب معين ، فلن يجد الصادقون أمة من أرض محددة وشعب معين مهيأة لقبولها أكثر من الأمة العربية .
فإن عقدوا العزم على إقامتها لاتواجههم إلا صعوبة تاريخية وهي صعوبة جدّية ولكنها غير مستعصية . إن الشعب العربي معتدىً عليه من خارجه اغتصاباً واحتلالاً وهيمنة وتبعية . ومعتدى عليه من داخله قهراً وظلماً وإذلالاً واستغلالاً . إنه يعاني من تناقض أساسي بين واقعه وحاجته يتمثل في أن ليس لكل ماهو متاح في أمته من أسباب التحرر والتقدم متاحاً له ليتحرر ويتقدم ، لأن العدوان الخارجي يسلبه إمكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته ، فيحول دون أن يطوّر حياته بماهو ممكن ومتاح لاأكثر ولا أقلّ
ولأن العدوان الداخليّ يسلبه القدر الأكبر مما أفلت من العدوان الخارجي فيستأثر به من دونه احتكاراً واستغلالاً ، ثم يفرض عليه تلك القسمة الضيزى بالقهر والظلم والاذلال ، ويحول دون ثورته بما يبقيه عليه من جهل وفقر ومرض فيبقيه عاجزاً عن استرداد إمكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته فلا يستطيع أن يطوّر حياته بما هو ممكن ومتاح لاأكثر ولاأقل . وأن العدوان الخارجي والعدوان الداخلي حليفان عليه يحقق كل منهما بعدوانه مايمكّن الآخر من العدوان ولو لم يكونا متحالفين . وأن العصر ليلقي عليه كل يوم دروساً صارمة . اليقين فيها أن لاأمل ، لاأمل على الاطلاق ، في أن يتقدم حرية ورخاء بقدر ماهو متاح في أمته إلا بأن يجاهد أعداءه جميعاً فيسترد حريته ، ويقيم وحدته القومية . وأنه ليتعلم كل يوم أن البشرية قد دخلت عصر الانتاج الكبير والدول العملاقة ، وأن مصير الدول العربية التي تجسد تجزئة الأمة أن تحتمي ، راغبة أو كارهة ، بمظلة التبعية السياسية ، لدفع خطر العدوان والتبعية الاقتصادية لدفع غائلة الجوع وأن تدفع من حرية أوطانها أثماناً باهظة لمن يحميها أو يغذيها . يحميها ولو من بطشه ذاته ، ويغذيها ولو من ثروتها ذاتها . وإن المعتدين لمعروفون بأسمائهم ودولهم ونظمهم ...
إذن ليس الشعب العربي في حاجة - في هذه المرحلة من تاريخه - إلى غير حديث صادق ودعوة حارة إلى الثورة العربية التى تحرره شعباً ووطناً ليقيم دولته ، حينئذ - وليس قبل ذلك - يكتمل تهيؤ الأمة العربية معنوياً ونفسياً وثقافياً وتاريخياً لتلقي وقبول الدعوة الى أن يكون نظام دولة الوحدة إسلامياً . ولسنا نشك لحظة في أنها ستقبله ، لأن الأمة العربية هي أمة الاسلام ، وإنجاز ثورته ، وحاضنة حضارته ، وحاملة رسالته ، إلى كل شعب يقبلها بدون إكراه في أية دولة من دول الأرض .
وهذا مافطنت إليه جماعة الاخوان المسلمين بإرشاد قائدها الشهيد حسن البنا . فبعد أن كان قانون " الاخوان المسلمين " الاول ، يتضمن هدف " تقوية روابط التعارف والاخاء بين الشعوب الاسلامية كافة بالتأليف بين قلوبهم والعمل الدائب على إزالة أسباب الفرقة والانقسام من صفوف المسلمين " عاد الاخوان المسلمون بعد تسع عشرة سنة ( 1948 ) من النمو والخبرة ، فأضافوا إلى قانونهم هدفاً محدداً هو : " تحرير وادي النيل والبلاد العربية جميعاً ، والوطن الاسلامي بكل أجزائه من كل سلطان أجنبي ، ومساعدة الاقليات الاسلامية في كل مكان ، وتأييد الوحدة العربية تأييداً كاملاً ، والسير إلى الوحدة الاسلامية " .

الهـــروب إلــى الماضــي

90 - في الوطن العربي حركة قومية تتحدث إلى الشعب العربي حديثاً صادقاً عن وحدته القومية وتدعوه دعوة حارة إلى الثورة العربية ضد أعدائه جميعاً ليتحرر شعباً ووطناً ويقيم دولته الواحدة ، وتحاول أن تستخدم كل أسلحة العصر من علم ومناهج ونظريات ومنظمات وخطط وأدوات لحشد الشعب العربي وتنظيمه وانتصاره في معركة ضارية ضد أعداء متعددين يستعملون في قهرها الاسلحة ذاتها ، وماهو أكثر منها أثراً .
وما تزال الحركة القومية متعثرة ، ما ان تنتصر حتى تهزم ، وما أن تتقدم حتى تتراجع ، ولكنها لم تهرب أبداً من ميدان الصراع ، لأنها تعلم تماماً أن تلك معارك مؤقتة وجزئية في حرب طويلة وشاملة لابديل فيها عن النصر العربي ...
فيترحم بعض الظالمين على المناضلين من أجل تحرير أمتهم ووحدتها الذين فقدوا جذورهم وراحوا يلتمسون أسباب القوة عند الغرب ويستوردون منه أفكارهم وأساليبهم وينسون أن الأوروبيين هم الذين استعمروا بلادهم وأذلوا قومهم وحطموا حضارتهم عامدين ، وأن مفكري الغرب قد أضلوهم أولاً ، ويضللونهم اليوم ، ولن يكفوا عن تضليلهم إلى يوم يبعثون ، لأنهم بهذا التضليل سادوا وبهذا التضليل يسودون وأن السادة لايصدقون مع العبيد أبداً . ونواجه بدعوة عاطفة حيناً ، عاصفة حيناً آخر ، غاضبة في كل حين : أن عودوا إلى تراثكم تعرفوا كل شيء ، فقد سبق أسلافكم الغرب إلى معرفة ماتحاولون معرفته لو كنتم تعقلون ..
لبيكم إن كنتم صادقين عطفاً .
ولنتفق ، أولاً ، على أننا راغبون في أن نعود إلى تراثنا ، لا لنعرفه فقط بل لننميه ، وهل يستطيع أحد ، حتى لو رغب ، أن يجتث جذوره ، وينسلخ من تراثه ؟ قد يغالط نفسه ، ولكن تراثه يبقى فيه . إن بقاء التراث في الانسان هيكلاً لشخصيته ومصدر استوائها ومنبع قوتها ، هو أحد أسباب اهتمام القوميين بدراسة الأمة ، والدفاع عن وحدتها ، وهو الضوء الذي أثار مداركهم فعرفوا مايرددون : إن وحدة تاريخ الأمة يحدد وحدة مصيرها ، لو كنتم تعلمون .
ولنتفق ثانياً ، على أن الأوروبيين المستعمرين الذين قضوا قروناً طويلة في " عز " السيادة على العالم سيحتاجون إلى وقت طويل ، وإلى دروس صارمة ، ليتعلموا المساواة بين البشر . إن التحرر من الاستعمار الأوروبي ، واسترداد سيادة الشعب العربي على وطنه ، هو الذي يعدّ له القوميون ما استطاعوا من قوة تلقنهم دروساً صارمة ، ليتعلموا أننا وهم ، في البشرية متساوون .
ولنتفق ، أخيراً على أن بعض القضايا العلمية والفكرية التي ينقلها عنهم القوميون قد طرحها وناقشها أسلافنا من الأئمة والعلماء والمتكلمين على أوسع نطاق قبل بداية الألف الميلادية الثانية . وكانت لهم فيها مذاهب ومدارس وصراعات وصلت إلى حد القتل والقتال انتصاراً للفكرة . ونعرف أن كثيراً من أسلافنا قد سبقوا كثيراً من مفكري أوروبا إلى كثير من الأفكار والنظريات . نعرف أن محيي الدين بن عربي قد سبق اكهارت إلى معرفة " وحدة الوجود " . وأن الغزالي سبق ديفيد هيوم إلى معرفة " السببية " . وأن ابن رشد سبق وليم جتنر إلى معرفة " المنفعة " . وأن جبير الاندلسي سبق سبينوزا إلى معرفة " وحدة المادة والروح " . وأن الفارابي سبق داروين إلى معرفة " التطور " . وأن ابن سينا سبق ديكارت إلى معرفة " الآنية " . وأن ابن خلدون سبق ماركس إلى معرفة " المادية التاريخية " ... الخ . ونعرف أنه منذ القرن التاسع الميلادي ، وقبل أن يسجن الأوروبيون غاليليو بسبعة قرون ، كان كل من ابن خرداذبة ، وابن رسته ، والمسعودي قد اكتشف أن الأرض كروية ، واستنبط ابن سينا فكرة عن الجاذبية ، وتولّى البيروني قياس محيط الأرض هندسياً ...الخ
ونعرف أن أسلافنا قد اخترعوا الرقّاص ، ورسموا الخرائط ، وأنشأوا صناعة الطب والصيدلة ، وابتكروا الصفر ،وعلّموا الناس الجبر واللوغرتمات ( ماتزال في اسمها اللاتيني ، الذي نكتبه بحروف عربية ، تنبيء بمبتكرها ومعلمها الأول الخوارزمي ) ... الخ . بل نعرف أن إخوان الصفا كانوا في دراساتهم الفلكية قد أسموا يوم الأحد " يوم الشمس " ويوم الاثنين " يوم القمر " ويوم الثلاثاء " يوم المريخ " ويوم الاربعاء " يوم عطارد " ويوم الخميس " يوم المشتري " ويوم الجمعة " يوم الزهرة " ويوم السبت " يوم زحل " فترجمها الأوروبيون وأطلقوها أسماء لأيام الاسبوع ، ولم تزل .
كل هذا نعرفه جيداً ويعرفه بعض الأوروبيين ويعترفون به .
ولكن المسألة كلها ليست هنا . إنما المسألة هي أننا كما حملنا بذور المعرفة عمن سبقونا ، ونّميناها ، ثم نقلناها إلى أوروبا ، تلقاها الأوروبيون فنمّوها ، فإذا بنا نلتقي بها مرة أخرى متطورة ، مصقولة ، مبلورة ، مرتبة ، مبوبة ، أغنى في المضمون ، وأتقن في الصنعة . نحن إذن لاننهل من مورد للمعرفة متطفلين عليه ، بل نحن ، مثل كل الأمم التي أسهمت في التقدم الحضاري ، شركاء في التراث الانساني ، ومن حقنا أن نستفيد منه إذا أردنا أن نعود إلى تراثنا لننميه ، ثم نقدم إلى البشرية مرة أخرى إضافة إلى مايقدمه الآخرون .
هذا من ناحية
ومن ناحية أخرى فإن العودة إلى تراثنا ليست كلمة تقال ، بل جهداً يبذل في معركة ضارية نخوضها ضد الذين يريدون أن يقطعوا جذورنا وأن يسلخونا من ذلك التراث . والعبرة هنا ليست بالمقدرة على اجترار التراث ولكن بالمقدرة على إنمائه . وتلك معركة لن ننتصر فيها إلا بذات الأسلحة متقنة الصنع ماضية الأثر التي تدور بها معارك العصر . إن إعجابنا ببطولة المبارزين يلتحمون في قتال مباشر لايعني أن نواجه طائرات الفانتوم بالخناجر . كذلك إذا كنا نريد أن نحافظ على تراثنا وننميه ، فإننا لانستطيع هذا بالهروب إلى مخازن السلف الصالح ، بل نستطيعه فقط عندما نقبل التحدي الحضاري ونخوض صراعاته بأدواته .
مثلاً :
قال الله تعالى : ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) { الانفال : 60 } فهل إعداد القوة المستطاعة هو الأمر الملزم ، أو رباط الخيل ؟ لقد كان رباط الخيل أقوى نماذج طاعة أمر الله في الاعداد للقوة ، فهل مايزال كما كان ؟ وهل يرهب عدواً اليوم ؟ أو أن طاعة أمر الله لاتتم - اليوم - إلا بأقوى مانستطيع من أسباب القوة الرهيبة ، الفكرية والبشرية والتنظيمية والبرية والبحرية والجوية ... الخ ؟ وهل نعد الآن القادة العلماء بأسلحة الحرب الالكترونية ، أم يكفينا ماقاله الامام ابن تيمية وهو يحرض ويقود الجند المتطوعين دفاعاً عن سورية " العربية " ضد غزو التتار " المسلمين " ؟
ثم إن تراثنا جميعا خال مما يشبه مانحن فيه : فمنذ القرن الثامن عشر - على نطاق واسع أوجد الأوروبيون الرأسماليون صيفة لاستعباد الشعوب والأمم . الغزو حرباً أو الهيمنة بدون حرب ، لنزح ثروات المستعمرات ونقلها إلى دولهم في صورة مواد خام أو بضائع أو أموال أو أرباح ، وتسخير قوة العمل في الشعوب المستعمرة لخدمة التقدم في بلاد الغالبين . ونعاصر - اليوم - فرض التبعية عن طريق مؤسسات علمية وثقافية وصناعية وتجارية ومالية بدون حرب .. بل في بعض الأوقات بناء على طلب نفر من التابعين .. فما الحل ؟ .. وهل له سابقة في التراث ؟
ثم ألا يتذكرون ؟
لقد بعدنا عن تراثنا يوم أن تستر الاستبداد بالدين ، وأصبح للأحاديث الموضوعية وللاجماع المصطنع ، وللقياس الخاطيء وللمذاهب الخاصة ، قدسية النص القرآني . وأطلقت الأحكام من حدودها في الزمان والمكان ، وتحولت دولة المسلمين إلى دولة " كهانة " يسوسها نفر من العجزة يسمونهم الخلفاء أو أمراء المؤمنين ، يلقّنهم نفر من الجهلة يقال لهم " رجال الدين " مايضفي الشرعية على مايريد نفر من القادة المستبدين يستخدمون الأولين والاخيرين ، فتجمّدت المذاهب في الشريعة على مضامين كسبتها في مراحل تاريخية سابقة فأصبحت قاصرة عن أن توفي بالحلول الصحيحة لمشكلات الحياة في مراحل تالية ، فقام جمودها عائقاً في سبيل التطور الذي هو حصيلة حرية فاعلة .
اجتهد كهنة الاستبداد فقالوا لايجوز الاجتهاد . لو صحت المقدمة لبطلت النهاية . ولو صحت النهاية لبطلت المقدمة . وحين أرادوا أن يفرضوا على المسلمين مذهباً ناقضوا أنفسهم ، فقد اختاروا المذهب الذي ينسب إلى الامام أبي حنيفة من بين أحد عشر مذهباً ( الحنفي ، والمالكي ، والشافعي ، والحنبلي ، والزيدي ، والجعفري
والأوزاعي ، والثوري ، والليثي ، والظاهري ، والطبري ) . ويتميز المذهب الحنفي عن المذاهب الأخرى بالتوسع في الأخذ بالرأي ( الاجتهاد ) ، وبأنه مذهب لم يضعه أبو حنيفة ، بل وضعه معه ومن بعده جماعة من تلاميذه أشهرهم أبو يوسف ومحمد وزفر ، ثم بأنه قد وضع نتيجة حوار بين عديدين يجلسون إلى الامام ويناقشون ما يعنّ لهم من مسائل ، حتى إذا ماانتهوا إلى رأي في مسألة دوّنها أحدهم ، ثم جمعت المدونات فيما بعد . فكأنهم حين اختاروا مذهباً وفرضوه استبداداً بالرأي ، اختاروا المذهب الذي يرفض الاستبداد بالرأي . فلو طبق عليهم المذهب الحنفي لبطل رأيهم . وكل استبداد ينطوي بالضرورة على تناقض مفضوح .
ومازالوا يستبدون بنا حتى أوهنوا قوانا الفكرية وأضعفوا إرادتنا الفعلية ، ودربونا على الضعف ، فأصبحنا مستضعفين . فانقضت علينا شعوب متحررة الفكر ، نافذة الارادة ، طاغية القوة ، باغية القصد ، فلم نستطع لهم دفعاً ! فاستولوا علينا أرضاً وبشراً ، وأقاموا بيننا وبين العودة إلى تراثنا حاجزاً من نظامهم الربوي العدواني ، فهل يتركون لنا حرية العودة إليه أم أن علينا أن نحطم ماأقاموه حائلاً بيننا وبينه ويكون التحرر هو البداية ؟
هل يصح قول آخر ؟ هل يصح القول إن شعباً عربياً مسلماً يقيم وهو متحرر صرحاً حضارياً ثم يتخلى عنه بدون إكراه . أليس هذا ظلماً بيّناً للتراث ؟
91 - لاجدوى ، إذن ، من الهروب إلى الماضي ، فهو محال . ومن ضروب الهروب إلى الماضي المحال أفكار الأمة العربية وجوداً ، والعودة إلى الروابط الشعوبية أو القبلية الدارسة ، ومنها استنكار القومية انتماء والعودة إلى أنماط الدول البائدة . وهو مايفعله الذين يناهضون العروبة بالاسلام ، فيستعدون الشعب العربي المسلم ، ويختلفون تناقضاً من عندهم بين أمة العرب وأمة المسلمين ، ويحرفون الكلم ، فلا يفعلون إلا أن يظلموا الشعب العربي فيصدوه عن دعوتهم ، ويظلموا أنفسهم كمسلمين بما يفترون كذباً ، فلا يصدقهم أحد ، ولا يثق بهم أحد ، فيحيلون الدعوة إلى الدولة الاسلامية الممكنة دعوة إلى دولة مستحيلة . ( ومن أظلم ممن أفترى على الله كذباً أو كذّب بالحق لّما جاءه ) { العنكبوت : 68 } . صدق الله العظيم .
ولكن لماذا ؟
الجواب آت .


الـفـصـل الـثـانـي

الـمـنـافــقــون ؟


لماذا المنافقون ؟
92 - المنافقون ، في لغة القرآن ، هم الذين يخادعون الله والناس ويتظاهرون بالاسلام . قال تعالى في كتابه الكريم : ( ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلا . مذبذبين بين ذلك لاإلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا )
{ النساء : 142 ، 143 } . وقال ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) { المنافقون : 1 } . في هذه الآية الأخيرة يعلمنا القرآن أن النفاق ليس متوقفاً على صدق أو كذب الاخبار عن الغير بل هو كذب الاخبار عن النفس . فلقد شهد المنافقون أن محمداً رسول الله ، وهو صدق ، ولكنهم كذبوا فيما اخبرت به شهادتهم عن أنفسهم إذ لم يكونوا مصدقين ، وبه شهد الله تعالى . وفي الآية الأولى يعلمنا القرآن أن مطلق الكذب في الاخبار عن النفس ليس نفاقاً ، وإنما يصبح نفاقاً حين يقصد به خداع الناس وتضليلهم . وتخصص الآية فتضيف إلى كذب الاخبار عن النفس بقصد خداع الناس أن يكون الخداع المقصود منصّباً على موقف صاحبه من قضية يهم الناس معرفة حقيقة موقفه منها .
بناء على هذا الذي يعلمنا القرآن إياه نستطيع أن نقول ان المنافقين عامة هم اولئك الذين يجهرون بما يرضي الناس يبغون مرضاتهم وهم يخفون غير ما يجهرون به ، يبغون خداع الناس بإخفاء مواقفهم من قضية للناس مصلحة في معرفة مواقفهم منها ، فيبقون مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .
جمع الله المنافقين والكافرين في حكم الدين فقال تعالى : ( إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) { النساء : 140 } . ومع ذلك ، لو تصورنا الجحيم هاوية من طبقات ، كل منها أسفل الأخرى وأشد سعيراً لكان مصير اعداء الله من الكافرين إلى الطابق " قبل الأسفل " من الهاوية . أما الطابق الأخير ، الأسفل ، الأشد سعيراً ، فإليه مصير أعداء الناس من المنافقين . قال الله تعالى في محكم آياته : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) { النساء : 145 } .
كيف يكون النفاق أشد من الكفر ؟ .. لذات الحكمة التي كانت بها الفتنة أشد من القتل ( البقرة : 191 ) . وهي حكمة متصلة بصلاح الأفراد للحياة وصلاح الحياة في المجتمعات . ذلك لأن الله قد قال : ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) { ابراهيم : 8 } . وقال ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ) { العنكبوت : 6 } . وقال ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضلّ عليها ) { يونس : 108 } وقال : ( من عمل صالحاً فلنفسه ، ومن أساء فعليها ، ثم إلى ربكم ترجعون ) { الجاثية : 15 } . وقال : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) { الاسراء : 7 } مع كل هذا ، ومثله كثير في القرآن ، لايبقى مجال لالتماس حكم الاحكام إلا فيما تصلح به حياة البشر فرادى ومجتمعين .
ولقد تختلف مصالح البشر من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ولكن تبقى للبشر في كل زمان ومكان مصلحة ثابتة لاتتبدل : مقدرتهم على أن يعرفوا معرفة صحيحة مصالحهم ليستطيعوا أن يعملوا صالحاً .من هنا نستطيع أن نتبين ، كما نرجو ، فارق الجسامة بين الجرم يصيب مصلحة في زمانها ومكانها فيتلفها وبين الجرم يصيب مقدرة الناس على معرفة مصالحهم معرفة صحيحة فيعوقها أو يعطلها . وطبيعي أن إعاقة مقدرة الناس على معرفة مصالحهم معرفة صحيحة أو تعطيلها سيؤدي إلى إعاقة وإتلاف مصالح كثيرة غيرقابلة للتقدير أو التعيين . وبالتالي ، فإن الجرم الذي يعوق أو يعطل مقدرة الناس أشد جسامة بما يؤدي إليه من إعاقة وإتلاف مصالح كثيرة وإن لم تكن متعينة أو مقدرة لأنه يشملها ويزيد . فالفتنة تؤدي إلى القتل وغيره من المفاسد .
والنفاق يشجع على الكفر وغيره من الكبائر . وبينما يكون المجني عليه في القتل فردا معينا ، ويكون المجني عليه في الكفر هو الكافرنفسه ، تكون الفتنة والنفاق جنايتين على كل الناس ، على المجتمع ، لايعرف أحد مقدّما من وكم من الناس سيكونون ضحاياها ، وهل سيكون الضحايا من الأبرياء أو ممن يستحقون ما أصابهم لهذا يقول الله تعالى : ( واتقوا فتنة لاتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) { الأنفال : 25 } .
على أي وجه يكون النفاق جناية على المجتمع ؟ وإلى أي مدى ؟
93 -على مدى أكثر من ربع قرن كنّا نجتهد في الكشف عن قوانين تطور المجتمعات . ونضرب لها الأمثال فنصيب أو نخطيء ، ولكنّا - في الحالتين - كنا نحاول أن نضع بين أيدي ابناء هذه الأمة مانعتقد أنه يفيدهم في أن يأخذوا أمرهم بأيديهم وألا يتركوا مصير أمتهم للصدفة . صدفة الانتصار أو صدفة الهزيمة ؛ أو على الأقل مايوفر عليهم مايهدر من وقت وجهد في محاولات التجريب ، وما يصاحب التجريب في حياة البشر من عذاب وتعذيب . وكان من بين ماطرحناه وكررنا طرحه مانعود إليه لنؤكده :
إن المجتمع ، أي مجتمع ، هو مجموعة من الناس مختلفوا الأعمار والذكاء والمعرفة والمقدرة على العمل ، يعيشون معاً في ظروف خاصة بهم ، مشتركة فيما بينهم . ( إن يكن مجتمع دولة فوطنه قاصرعليه ، مشترك فيما بين افراده ، وهي الصورة المعاصرة الغالبة ) . وأن بكلّ من أولئك الناس حاجات إلى مايحفظ النفس من مأكل ومشرب ومسكن وعلاج ، وماينميّ موهبته من علم ومهارة ، ومايكمل به حياته ويجملها من روابط وعواطف وقيم روحية وفنية . وأن الناس في كل هذا مختلفون ايضا . وأن المجتمع ، أي مجتمع ، لايملك ، بدون عدوان على مجتمع غيره ، مصدراً لاشباع حاجات الناس فيه إلا موارده المتاحة للناس فيه . موارده المادية وموارده البشرية . الأولى يسمونها الثروات الطبيعية . والثانية يسمونها قوة العمل . من ناتج التفاعل بينهما ، وبقدر هذا الناتج ، تتاح للناس فرص حقيقية لاشباع حاجاتهم . ولما كانت تلك الحاجات متجددة دائماً ما أن تشبع حاجة حتى تقوم حاجة أخرى ، بالاضافة إلى الحاجة الدائمة إلى مايحفظ النفس من مأكل ومشرب ومسكن ، فإن حاجات الناس في المجتمع ، أي مجتمع ، تزيد على ماهو متاح لاشباعها في زمان معين . وهو مايعني أن الاشباع الكامل والنهائي لحاجات الناس في المجتمع ، أي مجتمع ، مستحيل . فلا يكون للناس في أي مجتمع سبيل إلى اطّراد اشباع حاجاتهم المتجددة أبداً إلا اطّراد زيادة انتاجهم بالعمل الذي لايتوقف أبداً . وهذا هو التطور الاجتماعي ، أو مايقال له التقدم . التقدم من الفقر إلى الغنى . من عبودية الحاجة إلى حرية الاشباع . من الارادة غير متحققة المضمون إلى الارادة متحققة في مضمونها .
مصير كل مجتمع إذن متوقف على مقدرته على التطور . ولكن التطور الاجتماعي لايتم اعتباطا . ولايأتي ثمرة لكل جهد مبذول بل يأتي ويطرد بقدر مايتفق الجهد البشري مع قانونه . نعني قانون التطور الاجتماعي وقانونه ثلاثي الحركة :
أولا : إدراك المشكلات الاجتماعية ( احتياجات الناس ) كما هي بدون إخفاء أو تزييف كما يحسها الناس أنفسهم ، ثانيا : معرفة حل تلك المشكلات حلا صحيحا ، وذلك بمشاركة كلّ فرد في طرح رأيه فيما يعتبره حلاً صحيحا والأخذ برأي الأغلبية . ثالثا : مساهمة كل فرد قادر ، بالعمل في تنفيذ هذا الحل ، لانتاج مايشبع حاجات الناس من الموارد المتاحة .
المشكل فالحل فالعمل . هذا هو القانون . أما شروط فاعليته في المجتمع فهو صدق إخبار كل فرد عن مشكلته صدق رأي كل فرد في كيفية حلها . عمل كل فرد في حل كل المشكلات الاجتماعية .
لهذا قلنا ، ونعيد لنؤكد ، ان اشتراك الناس في معرفة المشكلات الاجتماعية بدون حدود ، واشتراكهم بالرأي في حل تلك المشكلات بدون قيود ، واستراكهم بالعمل حلا لتلك المشكلات بدون قعود ، هي ثلاث حركات لقانون واحد اسميناه قانون " الجدل الاجتماعي " . وأن أي عائق لهذا القانون جملة ، أو لحلركة من حركاته ، سيعوق تطور المجتمع ذاته ويبقي على مشكلات الحياة فيه بدون حل بكل مايصاحب المشكلات من ألم وصراع ومعاناة . وإنه لمما يعوق فعالية هذا القانون ، قانون التطور الاجتماعي ، إخفاء الحقائق وكبت الآراء والبطالة من العمل . وضربنا أمثلة من اشغال الناس بمشكلات مصطنعة ، أو استنفاذ جهودهم في العمل على تحقق حلول خاطئة ، أو شيوع التواكل والسلبية والهروب والبطالة فلا تجد حتى الحلول الصحيحة كاقة العمل الذي يحولها إلى واقع .
وهذا على وجه التحديد ما يفعله المنافقون في كل مجتمع .
94 - أنهم يزيفون الواقع الاجتماعي ومشكلاته بما يكذبون في الاخبار عن معرفتهم ، ويزورون الحلول الممكنة لتلك المشكلات بما يكذبون في الاخبار عن آرائهم ؛ ويربكون العمل الاجتماعي بما يكذبون في الاخبار عن مقدرتهم على العمل الذي يحسنونه . وما أن يبدأ البناء الاجتماعي على أسس داخلتها أكاذيبهم حتى يتصدع أو ينهار ، مهدراً معه جهود الصادقين ، ليبدأ المجتمع تطوره من نقطة متخلفة كان قد ظن أنه تجاوزها إلى التقدم .هذا هو مايفعله المنافقون . وهذه هي جرثومة النفاق التي يدسونها في نسيج المجتمع الحي فلا تلبث أن تهلكه . وهكذا يعوق المنافقون تطور المجتمع بقدر مايزيفون الواقع ، ويزورون الآراء ، ويهربون من العمل الاجتماعي المفيد ، فيصيبون مقدرة المجتمع على التطور في الصميم . ومن أراد أن يلتمس مثلا ، أو أمثلة ، فلينظر إلى حيث يشيع النفاق في المجتمعات التي يحكمها الطغاة والمستبدون . ذلك لأن دولة الاستبداد هي النموذج الكامل لدولة المنافقين . فهناك حيث لايستمع المستبدّ إلا إلى مايرضيه ، وحيث يشلّ الخوف مقدرة الناس على الجهر بالصدق خشية البطش ، يفشو النفاق ويتصدّر المنافقون . فترى أغلب موارد الدولة من ثروات وقوة عمل مهدرة في تنفيذ ما صاغه المنافقون نظريات وأفكاراً وبرامج وسياسات على مايهوى سادتهم . يزعمون أنها حلول علمية مدروسة لمشكلات هم أدرى بها من أصحابها . وما يزالون سادرين إلى أن يفيقوا على واحدة من الكوارث التي لابد أن تصيب دولة المنافقين . فإذا بطاقة المجتمع قد استنفدت ، أو كادت ، في تنفيذ حلول خاطئة لمشكلات مصطنعة ، وأن مشكلات الناس لم تزل باقية كما كانت أو أشد حدّة . ولعلهم - بعد ذلك - أن يعقدوا مؤتمراً لدراسة ظاهرة النفاق يكون المجال فيه متاحاً إمّا للنكران وإما للاتقان . وإن كانت مؤتمرات الدنيا كلها لن تعفي حياة الناس من أعباء البداية من جديد .
95 - وإن من المنافقين من أبناء أمتنا العربية من يناهضون الاسلام باسم العروبة فيستفزون الشعب العربي المسلم إلى درجة يصبح معها في حاجة إلى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام . وإنهم لمنافقون لأنهم إذ يصدقون في الاخبار عن غيرهم حينما يشهدون جهاراً أن الشعب العربي شعب مسلم يبغون مرضاته ، ربما ليقبلهم في مواقع القيادة منه ، يكذبون في الاخبار عن أنفسهم إذ يخفون مواقفهم من الاسلام تحت ستار من الشعارات والآراء .ز والأفكار التي تنتهي جميعا إلى استبعاد الاسلام من حياة الشعب العربي حتى لو بقي مناسك وعبادات .
96 - ولسنا قادرين ، في حديث محدود ، على تتبع كل صور النفاق الذي يخفي مناهضة الاسلام بالعروبة . وإن من أشكاله ماهو ظاهر السذاجة بحيث لايستحق أن نتتبعه . من ذلك - مثلاً - الاستعلاء على الاسلام بالعروبة ، والاستعلاء انفصال يمهد للاستغناء . يفاخر بعض العرب بأن قد كان الرسول منهم ، وكان القرآن بلغتهم ، وبأن في ذلك آيتين على أن الاسلام دين العرب ، وفضلهم على الناس كافة ، وأنهم قد استحقوا أن توضع فيهم الرسالة فوضعت . انهم ينافقون الشعب العربي يبغون مرضاته ربما ليقبلهم في موقع القيادة منه ، ولكنهم يجعلون من الاسلام ثمرة من ثمار حضارة ينسبونها إلى أمة عربية لم توجد قط . كأن العروبة هي الأصل ، وما كان الاسلام إلا فرعا . ونشهد أننا لم نقرأ ولم نسمع شيئا اكثر جهالة من هذا الذي اختاره بعض العرب أسلوبا لمناهضة الاسلام باسم العروبة . وذلك لأن الأمر عندنا عكس مايتوهّمون . إن الله يعلم حيث يجعل رسالته . هذا حق . ومن الحق أيضا أن الله قد أرسل الرسول إلى حيث كان الناس في أشد الحاجة إليه .
نقول إلى أكثر الجماعات تخلّفا . وحتى الذين يعدّونه منهم بطلا تاريخيا عربيا يعرفون أن الأبطال يظهرون حيث يكون الناس في أشد الحاجة إليهم . نظرة واحدة تعود بنا إلى الخيطة البشرية في زمان اللرسالة تكشف لنا أن كل المجتمعات القبلية حول الجزيرة العربية وفي أطرافها كانت قد ارتقت نسبيا إلى مايجاوز العلاقات القبلية المتخلفة لتندمج القبائل في شعوب مستقرة أو شبه مستقرة . والشعوب أكثر تحضرا من القبائل . كان الناس في مصر ومايليها غربا جاوزوا المرحلة القبلية وأصبحوا شعوبا مستقرين على أرض ينظمون العلاقات فيما بينهم على وجه جماعي لاتكاد تظهر على سطحه نتوءات العلاقات القبلية المتحللة . كذلك كان الأمر في الشمال حيث كانت الامبراطورية الرومانية قد قضت علىالتمرد القبلي وفرضت على الناس " التعايش " في ظل سيادتها لينتقلوا بذلك من الطور القبلي إلى الطور الشعوبي .
وكانت الامبراطورية الفارسية قد فعلت الشيء ذاته فيما يلي الجزيرة شرقا . بل أن المجتمعات القبلية في أطراف الجزيرة المجاورة للحبشة وفارس في الجنوب ، والمجاورة للفرس في الشرق ، وللرومان في الشمال ، كانت قد سرت إليها العدوى الحضارية من خلال التعامل ، فاستقرت ودخلت مرحلة التطور من القبلية إلى الشعوبية . وقد سبق أن تحدثنا في هذا تفصيلا .
المهم أنه من بين كل البشر المعروفين الذين عاشوا عصر ماقبل البعثة لم يكن قد بقي متخلفا عند الطور القبلي بكل علاقاته الوثنية ( تعدد الآلهه رمزا لتعدد القبائل ) والعرقية والعصبية إلا في الحجاز ومايليه ويحيط به من البدو ( الأعراب ) . فاستحقوا بحاجتهم إلى التطور أن يكون منهم وفيهم الرسول الذي لم يلبث أن حرر المؤمنين من التخلف القبلي وارتقى بهم إلى أن يكونوا في المدينة شعبا سيصنع منه التاريخ أمة .
وآتاه الله كتابا عربيا . ( انا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) { يوسف : 2 } . فيقولون لأن أولئك الأعراب كانوا فرسان البلاغة . وإنا لنقول غير مايقولون . لقد كان اولئك الأعراب يعرفون حروف لغتهم وكلماتها ويغترّون بما ظنوا أنهم فيه متفوقون . فجاء القرآن بلغتهم يتحداهم : ( قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) { يونس : 38 } . فكانت المعجزة التي كشفت عجزهم عما يمكن أن تؤديه الحروف ذاتها ، الكلمات ذاتها ، من صيغ بلاغية لم تخطر لهم على بال . فجرّدهم من السبب الوحيد لغرورهم الجاهلي . وما أصابوا من بعد ، مما لايزالون يفاخرون به من حضارة قومية اسهموا بها في تقدم الناس كافة ، إلا بعد أن أمدهم الاسلام باسباب التقدم الحضاري . وما كانوا أمة عربية إلا به بعد أن كانوا أعرابا . إن الاستعلاء على الاسلام بالعروبة مناهضة " وأركسة " والأركسة من أركس أي قلب إدراكه . ثلاثية ركسه يركسه أي ردّه مقلوبا وقلب اوله على آخره فارتكس . وصدق الله العظيم حين قال في المنافقين : ( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ، أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) { النساء : 88 } .
97 -ومن أشكال مناهضة الاسلام بالعروبة ، نفاقا ، تفضيل بعضهم " الاسلام المستنير " والاشادة به والدعوة إليه . كأن ثمة إسلامين أحدهما مستنير يشهرونه والآخر مظلم لايشيرون إليه . أما مصدر الضوء الذي وقع في ظنهم أن قد وقع على " إسلام " فاستنار واحتجب عن " إسلام " فأظلم ، فهو أفكارهم وما يشتهون . فخلاصة موقفهم من الاسلام أن تحل أفكارهم محله في حياة الأمة العربية . ولو أنصفوا أنفسهم لتحدثوا عن الاستنارة والاظلام في المذاهب والآراء واجتنبوا الاسناد إلى الاسلام . وأن يكونوا مسلمين على مذهب يرونه مستنيراً فعليهم أن يقدموه مذهبا على مسؤوليتهم في الصواب والخطأ ، ولا يقدموه على أنه الاسلام المستنير بما يترك مجالا للظن بأن ثمة إسلاما غير مستنير . إلا أن يكونوا من المنافقين الذين يفضّلون أن يبقوا مذبذبين في ذلك لاإلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .
98 - غير أن من أشكال النفاق الذي يناهض الاسلام بالعروبة ماهو أكثر إتقانا ، وبالتالي اكثر خطورة . هو أكثر إتقانا لأنه مصوغ في قوالب فكرية جادة ، أو تبدو جادة ، في البحث عن حلول صحيحة امشكلات الحياة الواقعية في أمتنا العربية والجدية الفكرية تستدعي الاحترام . وهي تقدّم إلى الناس في وطننا العربي ما يغريهم طريقا إلى مستقبل أفضل ، والمستقبل الأفضل يستدعي القبول . وهي لاتعرض للاسلام إنكارا أو قبولا ، وهو ماقد يرضي عامة المسلمين الذين لايرضيهم الجدل حول مااستقروا عليه من عقيدة . إنها أشكال واضحة العطف على العروبة غامضة الموقف من الاسلام . وهنا في هذا الغموض ، قد يكون عش النفاق : إذ مادامت علاقة الاسلام بالحياة الافضل مطروحة للحديث ، فإن ترشيح طرق أفضل للحياة ، ثم الصمت عن الاسلام هو - في نهاية المطاف - ايهام الشعب العربي بالثقة في إمكان تحقيق مستقبل أفضل بدون حاجة إلى الاسلام .
اخطر تلك الاشكال ، واكثرها اتقانا ، مايقال له " العلمانية " .

قـصة " العلمانيـة "

99 - " العلمانية " نزعة ترى ، أو تعمل على ، مايقال له " الفصل بين الدين والدولة " . ولما كانت كلمة الدين غيرذات دلالة محددة على دين معين ، بل تطلق تجريداً على كل ماهو دين ، أو كل ما أسماه اصحابه أو منكروه ديناً ، بلا تفرقة ، ولما كانت كلمة " الدولة " قد اختلفت دلالتها على مدى العصور فأطلقت على الأسر الحاكمة ، وأطلقت على الحكم ذاته ، ثم هي في العصر الحديث تطلق على مجموعة من العناصر المادية والمعنوية والبشرية ، تؤلف معاً واقعاً معترفاً به ( سنعني بها السلطة في هذا الجزء من الحديث إلى أن نعودإليها تفصيلاً ) ، فليس ثمة غرابة في ان تكون كلمة " العلمانية " من أكثر الكلمات غموضاً . ومع ذلك فهي كلمة رائجة رواجاً كبيراً في الأدب السياسي . أما على مستوى الكلام المرسل أو الدعائي فقد يكون استعمالها من لوازم الاستعراض الذي يريد به بعض المثقفين الايحاء بأنهم عالمون أو علماء ، أو أنهم ينتهجون العلم في التفكير أو التدبير أو الحركة ، أو من لوازم " الاستعباط " الذي يريد به بعض الهاربين من المشكلات الايحاء بأن حركة الهرب تكتيك محسوب ( الهروب من فلسطين عربية إلى فلسطين علمانية ) .
ولعل مرجع الظن بأن كلمة " علمانية " قادرة على الايحاء بما يرضي غرور مستعمليها أو احلامهم ما يدخل في تركيبها من حروف كلمة " العلم " حتى لتكاد تنبيء بأنها مشتقة منها ، أو ذات صلة وثيقة بالعلم ، وهي ليست كذلك . لاعلاقة البتًة بين " العلمانية " نزعة وبين " العلم " منهاجاً . والأصل اللاتيني للترجمة العربية ينفي مثل هذه الصلة .
أكثر من هذا غرابة ومدعاة لغموض دلالة كلمة العلمانية ما يوحي به استعمالها للتعبير عن نزعة " الفصل بين الدين والدولة" من أنها معارضة أو مناقضة للدين . وقد ساعد على شيوع وهم التناقض بين العلمانية والدين انها كانت ثمرة التيار الفكري العقائدي الجارف الذي أخرج أوروبا من ظلمات قرونها الوسطى وعرف باسم حركة التنوير . وقادته الفكريين كانوا ملحدين : هوجو جروتيوس ( 1583 -1645 ) وتومس هوبز ( 1588 -1679)وجون لوك ( 1632 - 1704 ) وديفيد هيوم ( 1711 - 1776 ) وجان جاك روسو ( 1712 - 1778 ) وجيرمي بنتام ( 1748 - 1832 ) وستيوارت مل ( 1806 - 1873 ) وهربرت سبنسر ( 1820 - 1903 ). . . الخ .
هذا في حين أن جوهر حركة التنوير الأوروبي هو الثقة في مقدرة العقل على ادراك الحقيقة . وهو جوهر نثرت بذوره في أوروبا جماعة من الدارسين يسمونهم جملة " المدرسة الرشيدية " نسبة الى الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد ( 1126 - 1198 ) الذي نقلوا عنه فعرف الأوروبيون عن طريقه الفيلسوف الاغريقي أرسطو ، وفلسفته وشرحها . ( ترجم الاسكتلندي ميخائيل سكوت ( 1175 - 1234 ) اغلب اعمال ابن رشد إلى اللاتينية في الفترة مابين ( 1217 و1230 ) . وإذا كان الأوروبيون قد شاءوا - لأسباب لاعلاقة لها بالايمان أوالكفر أو الفلسفة - أن ينكروا ابن رشد حامل مشكاة النور إلى اوروبا المظلمة فإنه من غير المنكور أن من بين فلاسفة التنوير وقادته الفكريين فلاسفة عباقرة دافعوا عن الدين بسلاح العقل وآمنوا ، ليستطيعوا أن يفهموا كما قال من قبل سان انسلم ( 1033 - 1109 ) . منهم ديكارت ( 1596 - 1650 ) وليبنز ( 1646 -1716) وجورج باركلي ( 1685 - 1753 ) وجوزيف بتلر ( 1692 - 1752 ) وكانت ( 1724 - 1804)
وهيغل ( 1770 - 1831 ) وهيرمان لوتز ( 1817 - 1881 ) . . . الخ .
والواقع أن حركة التنوير ذاتها لم تكن إلا امتداداً لما يسمى في تاريخ أوروبا ثورة الاصلاح الديني التي اندلعت في أوائل القرن السادس عشر وقادها مارتن لوثر الألماني الذي بدأ دعوته عام 1520 ، وجان كالفن السويسري الذي بدأ دعوته عام 1536 . ولقد كان الاصلاح الديني ثورة ضد احتكار الكنيسة في روما تفسير الانجيل ومدّ قدسيته إلى المذهب الكاثوليكي ، ليصبح المذهب هو الدين . ولم يلبث الاصلاح الديني أن تطور ليصبح ثورة ضد تكبيل العقل بقيود الوحي كما يصوغه مذهب الكنيسة فيما سمّي بحركة التنوير ، ولم تلبث حركة التنوير أن تطورت إلى ثورة سياسية ضد استبداد الكنيسة بالسلطة ، فكانت العلمانية .
لقد كانت كلّها مراحل حركة ثورية واحدة استمرت أكثر من قرنين ضد مؤسسة تحتكر العلم والفهم والحكم دون الناس أجمعين ، وتفرض علمها وفهمها وحكمها على الناس باسم الدين . فكانت هي الدين حين يكفر الناس بالدين أو يعارضونه أو يناقضونه ، ولم يكن الدين هو المسيحية . وقد تجسّد هذا الموقف في المذهب " الرّباني "
الذي روّج له فولتير ( 1694 - 1778 ) فراج في أوروبا وانتشر . والمذهب الرباني يؤمن بالله وينكر الوحي ويثق بالعقل . بل ان تلك الكنيسة قد كانت سبباً في شيوع الهرطقة على مدى ثلاثة قرون سابقة على الثورة الفرنسية . وإذا كان كبير الماديين الملحدين البارون دي هلباخ ( 1723 - 1789 ) قد قال ان الدين هو السبب الأساسي للتعاسة ، فإنه كان يردد ماقاله من قبله أحد كبار كهنة الكنيسة ذاتها . قال الكردينال ريجيتا لدبول في مجلس الكرادلة الذي انعقد عام 1546 ، اننا نحن المسؤولون عن التعاسة التي حلت من انتشار الهرطقة وانحدار الأخلاق المسيحية ، لأننا فشلنا في أن نزرع الحقل الذي سلم الينا ، اننا كالملح الذي فقد طعمه .
يخطيء اذن الذين يظنّون أن العلمانية مذهب فكري مضاد للدين ، ويخطيء الذين يظنون أن العلمانية قد وفدت إلينا دعوة إلى الالحاد لتنتزع من قلوبنا الايمان . ولقد أضل هذا الخطأ كثيرين ، فرموها ، إذ رموها ، حيث ظنّوا موضع الخطورة فيها على الدين . نقول " خطأ " ونقول " ظنا " لأننا لانريد أن نسبق أسباب اليقين . وقد نعلم حينئذ أن ثمة عدواناً منظماً قد أراد أن يلهي ضحاياه عن دفع خطر واقعيّ يهدد حياتهم فلفتهم إلى خطر وهمي يهدد ايمانهم فأوحى إليهم بأن العلمانية نزعة إلحادية معارضة أو مناقضة للدين عامة فغاب عن الادراك العام مافي العلمانية من مناقضة ومناهضة للاسلام خاصة . ولن ندرك ماغاب بدون معرفة كاملة بحقيقة العلمانية . سنجتهد مااستطعنا في كشف حقيقتها لمن لايعرفون ، ونرجو ألاّ يندهش أحد منهم حينما يدرك أن أصل العلمانية بمعنى الفصل بين الدين والدولة التي يوحى إلينا بأنها مناقضة للدين ، مذهب ديني في المسيحية نشأ معها ، فرضاً من فروضها ، ثم استمر ركناً من أركانها ، وجزءاً من تراثها اللاهوتي . لم يدخل العقل البشري إلا بها ، إذ لم يكن معروفاً في أي دين من قبل ، ولم ينتقل منها إلى أيّ دين من بعد



في اليهـوديـة

100 - فمن قبل كان اليهود مجتمعاً قبلياً جائلاً في الأرض ، لاأرض له، إلا مايقيم عليهاحتى ينزع عنها ، مثلهم في ذلك مثل كل المجتمعات القبلية التي كانت تجوب الأرض إلى ماقبل عصر الشعوب ثم القوميات ، وما يزال بعضها جائلاً في الأرض حتى الآن . فنرى فيما كتبه اليهود عن تاريخهم في أسفار التكوين والخروج والتثنية والملوك من كتابهم المسمى " توراة " أن قد كانت بدايتهم عشيرة إبراهيم عليه السلام في مدينة أور جنوبي مدينة بابل ( العراق ) . ومنها بدأت جولتهم القبلية الطويلة ، إلى حاران ، ثم كنعان ( فلسطين ) ، ثم مصر ، ثم حبرون ( فلسطين ) ، تحت قيادة ابراهيم ، ثم إلى مصر مرة أخرى بدعوة من يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ثم إلى سيناء تحت قيادة موسى عليه السلام لمدة جيلين ، ثم إلى فلسكين تحت قيادة يوشع بن نون ، ثم إلى العراق أسرى على دفعتين : دفعة ساقها ملك اشور ، ودفعة ساقها ملك بابل . وابتداء من 539 ق.م . استولى دارا ، ملك فارس ، على كل الأرض التي كانوا يجولون فيها ، ثم من بعد الفرس استولى عليها اليونانيون بقيادة الاسكندر الاكبر عام 332 ق.م . ثم استولى عليها الرومان عام 58 ق.م . طوال تلك الفترة التي بدأت بالاستيلاء الفارسي حتى نهاية الاستيلاء الروماني لم يكن لليهود ارض خاصة بهم ولو كانوا مقيمين فيها باذن من صاحبها الغالب . ثم انتهى تاريخهم عام 70 بعد الميلاد حين أبادهم الرومان جملة ، ودكّوا مواقع إقامتهم ، وأحالوا هيكلهم المقدس رماداً .
وليست الهجرة في الأرض بحثاً عن الرزق أو الأمن هي المييز الوحيد للمجتمع القبلي ، بل من مميزاته أيضاً وحدة مصدر السلطة في إدارة شؤون القبيلة . ولقد كان ذاك المصدر الوحيد في كل المجتمعات القبلية هو الدين سواء كان وثنياً أم سماوياً . وسواء كان الاله الوثني واحداً أم متعدداً . ومع أن الطريق إلى مركز القيادة في القبيلة ، أيّ قبيلة ، لم يكن دينياً دائماً ، ولا كان سلمياً في كل الحالات ، إلا أن الوصول اليه كان دائماً دليلاً مقبولاً على اختيار الآلهة من انتصر فوصل . وكثيراً ماكانت الطقوس الدينية التي تلي النصر شهادة لرئيس القبيلة الجديد بأنه الاله أو ممثل الاله . وكان الكهنة أوالسحرة هم الشهود على تلك الصلة بين السلطة ومصدرها الديني ، أي على شرعية السلطة . ولما كانت السلطة في كل قبيلة مقصورة على أفرادها الذين ينتسبون عادة إلى جدّ واحد ، حقيقي أو مزعوم ، فقد كان لكل قبيلة دينها وإلهها أو آلهتها المقصورون عليها . وكان كل ذلك "معترفاً به " لكل قبيلة في المجتمعات القبلية ، معترفاً به من القبيلة المعنية ومن القبائل الأخرى .
ولم يكن اليهود إلا قبيلة لها إلهها الخاص " يهوه " فحرّمت عليهم النصوص القبلية الموضوعة في التوراة أن يعقدوا أيّ حلف مع آلهة القبائل الأخرى . فيقولون على لسان إلههم " يهوه " : " إنّي أدفع إلى أيديكم سكان الأرض فتطردهم من أمامك . لاتقطع معهم ولامع الهتهم عهداً " ( سفر الخروج ، اصحاح 23 آية : 32 ،33 )
وهو مايعني " الاعتراف " القبلي بآلهة القبائل الأخرى . على أي حال فإن تاريخ اليهود نموذج يكاد أن يكون كاملاً للدين كمصدر وحيد للسلطة في كل العصور السابقة على ظهور المسيحية ، وبالتالي على غياب فكرة "العلمانية " عن العقل البشري في تلك العصور .
101 - فعلى مستوى القيادة القائمة بالسلطة توارث قيادتهم ابراهيم ثم اسحق ثم يعقوب ثم يوسف ثم موسى ثم مجموعة من رجال الدين يسمون " القضاة " آخرهم صموئيل النبي لمدة 450 عاماً . ثم من بعدهم داود ثم سليمان نحو عام 1000 قبل الميلاد . وكان كل اولئك القادة القبليون " أنبياء " في الوقت ذاته . وكان قادتهم القبليون في ظل السيطرة الفارسية واليونانية والرومانية " كهنة " يختارهم الفرس واليونانيون والرومانيون إبقاء على نسبة السلطة القبلية إلى الدين ولو كان مصدرها الواقعي لايهودياً
102 - أما على مستوى النظام القبلي الداخلي بكل علاقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقد عاش اليهود طوال تاريخهم يحكمهم نظام " الشريعة " . والشريعة مدونة في مرجعين . الأول ، كتاب يقدسونه اسمه التوراة ينطوي ، بجوار الوصايا العشر المعترف بها رسالة موسى عليه السلام إلى قومه ، على مجموعة كثيفة من كليات وتفاصيل أحكام العبادات ( الطقوس ) ، والمعاملات المدنية والجزائية ( الجرائم وعقوبتها ) ، والمالية (الاملاك والعشور والنذور ) ، والاجتماعية ( إذا مات والد عن غير ولد كان لأخيه أن يتزوج أرملته على أن ينسب الابن البكر الذي ينجبه منها إلى أخيه الذي مات ( التثنية : اصحاح 25 آية : 5 -7 ) .
أما المرجع الثاني فهو التلمود وهو قسمان : " المشنة " أي صورة الشريعة " والجمارة " أي ملحق الشريعة .
وكلاهما تفاسير وشروح للأحكام دينية الأصل ، وإن كانت قد تكاثرت وتشعبت حتى أصبحت عند بعض اليهود هي المرجع دون التوراة ( طائفة البروشيم ) ..
وهكذا لم يعرف تاريخ اليهود مايمكن أن يقال له " قانون وضعي " ولو على مستوى السلوك اليومي . وكل ماوضعوه فعلاً وضعه الكهنة وردّوه إلى الدين ليكتسب قوة الالزام ، وهي قوة لامصدر لها في اليهودية غير الدين .
103 - أما على مستوى تنظيم ممارسة السلطة ، بالاضافة إلى الأنبياء القادة أو الأنبياء الملوك كان يوجد "السنهديم " وهو هيئة كهنوتية ذات سلطة عليا . يرأسه رئيس الكهنة وينتخب أعضاؤه من الكهنة والكتبة (علماء الشريعة ) واللاويين ( سبط لاوي بن يعقوب ) ، الذين اختارهم " يهوه " لخدمته ، المختصون بالوظائف الكهنوتية المالية مثل تلّقي العشور والنذور وأوائل القطاف وباكورة الأثمار وأبكار الأنعام وفدية البكر من البنين
. . الخ وكان " السنهديم " يهيمن على حياة اليهود هيمنة كاملة شاملة ، ويقوم بممارسة السلطة بكل فروعها المعروفة اليوم : التشريعية والتنفيذية والقضائية . فقد كان هو الذي يفتش في دفاتر الشريعة عن النصوص ويقرر أنها ملزمة ، وهو الذي يضبط المخالفات والجرائم ، وهو الذي يصدر الأحكام وينفذها بالاضافة إلى رقابة السلوك اليومي لكلّ فرد للتأكد من اتفاقه مع الطقوس الدينية بدءاً من طقوس غسل الأيدي حتى الامتناع عن العمل يوم السبت . وكان هو الذي يعين فروعه وممثليه في كل موقع ليمارسوا السلطة نيابة عنه . ولقد كانت تلك الهيئة الكهنوتية تملك توقيع العقوبة " القبلية " : الطرد من القبيلة ، التي تعني التكفير والتهجير معاً أو مايقابل - مع بعض الفروق - عقوبة الحرمان من النظام الكنسي . ولقد كانت تلك العقوبة - كشأنها في كل المجتمعات القبلية - أداة حاسمة لاخضاع كل يهودي لسيطرة " السنهديم " .
104 - هكذا كانت اليهودية وكان اليهود قبل ظهور المسيحية . وكذلك كانت لكل المجتمعات القبلية . لم تكن فكرة ( ولا نقول نظاماً ) ازدواج السلطة ، في المجتمع الواحد قد خطرت للعقل البشري . لم يكن في تاريخ البشرية قبل المسيحية ما يسمح بنشوء لفظ يعبّر عما تعبّر عنه " العلمانية " الآن من فصل الدين عن الدولة .




ازدواج السـلطة

105 - ثم جاء السيد المسيح عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل تسبقه وتمهد له وتبشر بمجيئه عشرات النبوءات الواردة في كتبهم . قالوا ، وكتبوا ، قبل مجيء المسيح ان النبي اشعياء قد قال ان المسيح سيولد من عذراء . وأن النبي ميخا قد قال بأنه سيولد في " بيت لحم " . وان النبي هوشع قد قال انه سيلجأ إلى مصر في طفولته . وأن النبي زكريا قد قال انه سيدخل القدس يوم الأحد السابق على عيد الفصح . وان النبي داود قد قال ان احد تلاميذ المسيح سيخونه ويسلمه الى اعدائه . .. الخ . وتواترت الاناجيل الاربعة على أن قد جاء المسيح على ماقال انبياء بني اسرائيل في كتبهم . بالرغم من ذلك لم يصدقه اليهود . ولم تفلح كل المعجزات التي وردت في الأناجيل ووقعت بين اليهود وتحت سمعهم وبصرهم من أول إحياء الموتى إلى إطعام خمسة آلاف من الجوعى من بعض سمكات ولقيمات . . .الخ ، لم تفلح في إقناع اليهود الذين عاشوا دهراً ينتظرون المسيح ، بأن المسيح هو عيسى بني مريم الناصري الذي عاش بينهم . وهو أمر تصدم غرابته قارىء الانجيل ، إذ يبدو فيه إنكار اليهود للمسيح صاحب كل تلك المعجزات المرئية والملموسة ، مجرداً من أي مبرر معقول . ولكنه في الحق لم يكن غريباً . كان وراءه سبب بسيط . وهو بعد سبب وحيد : ان عيسى بن مريم قد جاء اليهم نبياً ورسولاً ولم يأت ملكاً أو قائداً . ولم تكن اليهودية كما صاغ أحكامها الكهنة ، وما كان اليهود كما صاغهم التاريخ قبيلة ، بقادرين على فهم أو قبول فكرة ( مجرد فكرة ) الفصل بين النبوة والملك . أو كما يقال الآن فكرة الفصل بين الدين " والدولة " أو فكرة " العلمانية " .
وكان لابد من اختبار السيد المسيح لكشف موقفه من تلك الفكرة الغريبة . فأرسل اليه الفرّيسيون ، وهم طائفة الفقهاء من اليهود ، بعض الهيرودسّيين ، وهم طائفة من اليهود عملاء الامبراطورية الرومانية ، ليختبروه " قائلين : يامعلم ، نحن نعلم انك صادق وتعلّم طريق الله بالحق ولاتبالي بأحد لأنك لاتنظر إلى وجوه الناس فقل لنا ماذا تظن . أيجوز أن تعطي الجزية لقيصر أم لا ؟ فعلم يسوع خبثهم وقال : لماذا تجربونني يامراؤون أروني معاملة الجزية . فقدموا له ديناراً . فقال لهم : لمن هذه الصورة والكتابة فقالوا له : لقيصر . فقال لهم : " أعطوا إذاً مالقيصر لقيصر والله لله " ( متى 21 : 17 ) .
106 - بتلك الكلمات المقدسة مسيحياً ، ولدت فكرة ازدواج السلطة في العقل البشري . وهي لم تولد فكرة مجردة ، بل صيغت أمراً ونظاماً للحياة في مجتمع حي . وهما أمر ونظام لايستمدان قوتهما الملزمة من معقوليتهما ذاتهما ، ولا من ملاءمتهما لحاجة من وضعا لهم يتبعونهما إن شاءوا ويتركونهما إن أرادوا غير آثمين . لا ، بل هما أمر ونظام يستمدان قوتهما الملزمة من مصدر الالزام في الدين كله : الايمان بالمسيح وقدسية تعاليمه . وهكذا لم يكن نظام الفصل بين الدين " والدولة " أو العلمانية نزعة خارج الدين او موقفاً منكراً له أو مضاداً ، بل هي - أي العلمانية - فرض ديني وركن من أركان الديانة المسيحية .
وهو ركن لايقوم على مجرد القول : " أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله " بل يقوم على هذا المبدأ وعلى تطبيقاته المتكررة في آيات الانجيل . ذلك أن الفصل بين ما لقيصر وما لله ، قد تم فصلاً مابين الدين والدنيا ،
ووضع السيد المسيح المؤمنين به في موقف خيار حاسم بين ملكوت السماء وبين زينة الحياة الدنيا من المال والبنين . قال عن المال : " لايقدر أحد أن يخدم سيدين . لانّه إما أن يبغض واحداً ويحب الآخر وإما أن يلازم واحداً ويحتقر الآخر . لاتقدرون أن تخدموا الله والمال " ( متى : اصحاح 6 آية 24 ) وقال عن البنين :
" لاتظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض . ماجئت لألقي سلاماً بل سيفاً . فإني جئت لأفرق الانسان ضدّ أبيه والأبنة ضد أمها والكنّة ضد حماتها . وأعداء الانسان أهل بيته . من أحب أباً أو أماً اكثر مني فلا يستحقني ومن أحب ابناً أو ابنةً اكثر مني فلا يستحقني ومن لايأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني " ( متى : 10 آية 34 - 37 ) . واضح من هذين النصين فصل العلاقات الدنيوية الأسرية والاقتصادية عن العلاقة الدينية بعد أن كان نص من قبلهما قد فصل بينهما وبين العلاقات السياسية . وهو فصل للتناقض وليس فصلاً للتمييز بما يعني منع الجمع بين الدين وبين كل تلك العلاقات . وصيغة القول : " لايقدر أحد أن يخدم سيدين " واضحة الدلالة في تقرير الاستحالة المسيحية للجمع بين الدين والدنيا .
ومن تطبيقات المبدأ ذاته أسلوب اختيار السيد المسيح لتلاميذه أو أسلوب اتّباعهم له . فهو اسلوب قاطع الدلالة على منع الجمع بين الدين والدنيا . كانت صيغته في كل مرة الترك من أجل الأخذ . ترك شواغل الدنيا لأخذ المركز الديني . قص الانجيل انه " وإذ كان يسوع ماشياً عند بحر الجليل رأى أخوين سمعان الذي يقال له بطرس واندراوس أخاه يلقيان شبكة في البحر فإنهما كانا صيادين . فقال لهما : هلمّ ورائي فاجعلكما صيّادي الناس . فللوقت تركا شباكهما وتبعاه . ثم اجتاز من هناك فرأى اخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في السفينة مع زبدي ابيهما يصلحان شباكهما فدعاهما فللوقت تركا السفينة وأباهما وتبعاه " ( متى 4 : 18 - 22 )
" وفيما يسوع مجتاز من هناك رأي إنساناً جالساً عند مكان الجباية اسمه متّى فقال له : اتبعني . فقام وتبعه "
( متى 9 : 9 ) . إن العناية بإبراز الاستجابة الفورية للأمر المقترن بالتّرك الفوري للعمل هو إبراز لحدّية الفصل بين الدّين والدنيا ومنع أيّ شك في أنه لايمكن الجمع بينهما ولو لفترة زمانية قد يقتضيها الانتقال من موقع العمل الدنيوي إلى موقع العمل الديني . ولولا قدسية المبدأ لما كان ثمة مايحول دون أن يكون بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا ومتّى تلاميذ للسيد المسيح وعاملين بالصيد أو بغيره .
107 - قام الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية إذن على مستوى العقيدة ولم يبق إلاّ تجسيد هذا الفصل في ممارستها . أما سلطة قيصر فقد كان يمارسها قيصر وأعوانه ، فمن ذا الذي يمارس السلطة الدينية ؟ إنهم تلامذة السيد المسيح الذين اختارهم ليتبعوه . لم يخترهم ليعلمهم أو ليخصّهم بالعلم دون العامة من الناس ، فقد كان عليه السلام يعلّم الكافة ويسعى إليهم حيث يكونون بدون تخصيص . ولكنه اختارهم ليمنحهم ، وحدهم دون الباقين ، ماكان يتمتع به هو من قوة روحية ، وليخولهم سلطة الدين ، وليجعل منهم رسلاً ، ولتكون لهم وحدهم الكلمات الأخيرة في كل شؤون الدين ، ولتكون طاعتهم عنوان الايمان به . يقص الانجيل أن السيد المسيح قد
" دعا تلاميذه الاثنى عشر وأعطاهم سلطاناً على أرواح نجسة حتى يطردوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف "
( متى 10 : 1 ) ثم أعلن لهم وللكافة : " من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي ارسلني " ( متى 10 : 40 ).
" وأنا أقول لك انت يابطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها . وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات . فكل ماتربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات ، وكل ما تحلّه على الأرض يكون محلولاً في السماوات " ( متى 16 : 18 - 20 ) .
108 - لم يكن تلاميذ المسيح ( وخلفاؤهم ) اذن مجرد مسيحيين بل كانوا " رجال الدين " . ويستحق هذا التعبير الأخير انتباها خاصا . ذلك لأنه يطلق في مرسل الحديث في مجتمعنا العربي المسلم على الذين ينسب اليهم أو ينسبون إلى انفسهم معرفة أوسع أو أعمق أو أكثر تخصصا بعلوم العبادات والفقه والمعاملات في الشريعة الاسلامية . وهم يحظون على هذا الوجه بقدر من التوقير الذي يستحقه العلماء المتخصصون ، وبقدر من الثقة التي يوحي بها كل من اشتهر بأنه عالم فيما أحاط به علماً ، أو تخصص فيه . ثم إنهم قد استحقوا احترام التاريخ كلما تولوا الدفاع عن الاسلام بالحجة ضد مناهضيه خاصة في مراحل تاريخية سادها الجهل والانحطاط ففتحا في جدار الحصانة الدينية ثغرات تسربت منها الدعوات المناهضة . ولقد كان الأزهر قلعة ذاك الدفاع على مدى قرون ، فأصبح لقب " رجل دين " ، يطلق على المتخرجين من ذلك المعهد العظيم أو المنتسبين إليه . ولقد يطلق العامة لقب " رجل دين " مجاملة ، على الذين يجودون قراءة القرآن أو الذين مايزالون محتفظين لأنفسهم بذلك الزي الذي كان يلبسه الكافة ( الجبة والعمامة ) لأنه الزي الغالب لطلبة وخريجي الجامعات التي كانت للكافة ، ثم أصبحت مقصورة على العلوم الدينية . ولكن " رجال الدين " أولئك ، كما نسميهم في مجتمعنا العربي المسلم ، لايستمدون من علمهم أو تاريخهم أو زيهم سلطات أو حقوقا أو امتيازات على غيرهم من المسلمين ، لا في شؤون الدين ولافي شؤون الدنيا . وليس ثمة أكثر بلاغة في التعبير عن هذا مما قاله الامام محمد عبده حين قال : " ليس في الاسلام سلطة دينية سوى الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر . وهي سلطة خوّلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف اعلاهم كما خولّها لأعلاهم يتناول بها أدناهم " .
ليس هكذا دلالة تعبير " رجال الدين " في المسيحية . انهم خلفاء الرسل المتفرغون لأداء وظائف الرسالة ، الذين ينتمون إلى مجتمع خاص بهم ، مغلق عليهم ، لايقبل فيه أيّ فرد إلا على درجات من الطقوس والاختبارات تنتهي بقبوله . ولاينتسب إليه من خارجه أحد ولو كان عبقري العلم بالدين المسيحي . وتتدرج علاقاته الرئاسية
طبقات فوق طبقات فوقهم قمم من الرجال قد يبلغ بعضهم مراتب " القديسين " . ثم إن لهم على الناس سلطاناً لاتستقيم حياة الناس بغير طاعته . فلا يصبح المسيحي مسيحياً بمولده ، ولايكفي ايمانه ، بل ينتمي إلى دينه على أيديهم " بالتعميد " . ولاينعقد زواج بين مسيحيين إلا إذا عقدوه هم . ولاينفصل زوجان إلا بقرار منهم . ثم إن لهم - أو كانت لهم - سلطة التشريع للناس كافة في أوروبا حتى القرن السادس عشر ، أي قبل عودة أوروبا إلى القانون الروماني . وكانت لهم سلطة القضاء لأنهم هم الأولياء على تفسير وتطبيق ومراقبة تنفيذ أحكام الدين . ولقد كانت " محاكم التفتيش " التي ذهبت مثلاً في تاريخ التعذيب المجنون ، وبلغت شأو شراستها على عهد البابا إنوسنت الثالث ( 1160 - 1216 ) محاكم رجال الدين التي تحكم بما يفتون وهم فيها المحققون والمدعون والقضاة . وكان لرجال الدين حق التربية والتعليم بحكم انهم كانوا القلة المتعلمة الذين تدخل في وظائفهم مهمة هداية الجهلة والاميين في عصور لم تكن التربية أو التعليم مما يستحق اهتمام الاباطرة والملوك والأمراء . باختصار ، رجال الدين في المسيحية نفر لهم على الناس سلطان . السلطان الذي صاغه السيد المسيح في قوله لبطرس الرسول : " فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات وكل ماتحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات " . فهم المرجع فيما هو مباح للناس وماهو محرم عليهم في حياتهم .

109 - كل هذا سواء كان " رجال الدين " أعلم الناس بالديانة المسيحية وأكثر ورعاً أم لم يكونوا " المفترض " ألايكون من " رجال الدين " إلا عالم بالدين أو على قدر متميز من العلم به . ألا يفترض في كل ذي مهنة العلم بمهنته ؟ ولكن هذا الافتراض لم يكن متحققا في مراحل تاريخية طويلة . فعلى مدى تاريخ الامبراطورية البيزنطية ، ومنذ أن دخلتها المسيحية على يد الامبراطور قسطنطين الأكبر ثم أصبحت دينها " الرسمي " في أواخر القرن الرابع ، كان الأباطرة هم الذين يختارون البطاركة ( رؤساء الكنيسة الشرقية ) ، وهم الذين يدعون رجال الدين إلى الاجتماعات ، ويرأسون مجالسهم ، ويشتركون في المناقشات ، ويدلون بأصواتهم ، ويكون رأي الامبراطور مرجحاً عند تساوي الأصوات ، حتى لو كان موضوع المناقشة موضوعا لاهوتيا صرفا . في عام 638 م خطر للامبراطور هرقل أن يحسم الخلاف القائم بين رجال الدين حول طبيعة السيد المسيح فألف ونشر رسالة بعنوان " تقرير عن الايمان " أثارت فتنة مروّعة عمت الامبراطورية ، ولم تنج منها الا الكنيسة القبطية مما حمل الامبراطور كونستانس على اصدار أمر بالكف عن المناقشة في الموضوع ( عام 648 ) . المهم أن اختيار الامبراطور لرجال الدين وتعيينهم وقراراته في الشؤون الدينية لم تكن بعيدة دائما عن أهواء الأباطرة واهدافهم السياسية التي لم تكن تتفق ، في كثير من الحالات ، مع مايفترض في رجال الدين من علم وتقوى واستقامة . ولم يكن الأمر في الامبراطورية الرومانية الغربية ( الكاثوليكية ) أفضل من هذا . ففي عهد شارلمان ( عام 800 م ) ثم بعده على مدى قرون كان الامبراطور هو الذي يعيّن رجال الدين ويراقبهم ويتخذ من بينهم مستشارين تابعين له تبعية مباشرة فكان ممكنا في ظل تلك التبعية أن يتولى رجال محدودو الثقافة الدينية - والمدنية ايضا - مراكز دينية رئاسية من خلال علاقاتهم السياسية بالامبراطور وبطانته . ولما شاع ذلك ، ضعف الايمان الديني وانحطت القيم الخلقية لدى رجال الدين ، مما أدى بالبابا غيغوري السابع إلى الاحتجاج حتى الثورة على هنري الرابع . وهي ثورة انتهت بنفي البابا الذي أراد " لرجال الدين " أن يكونوا رجالاً على دين ، بعيدين عما يشك في علمهم ولا يتفق مع روح المسيحية ، ولا مع سلطانهم على أرواح المسيحيين .
اذن فلقب " رجال الدين " في المسيحية لايعني - بالضرورة - أن حامله اكثر علما بالدين من غيره ، أو اكثر التزاما بأحكام الدين من الآخرين ، وإن كان كل ذلك مفترضا. وهذا يعني أن علمهم لم يكن هو مصدر قوة سلطانهم ، بل كان لسلطانهم مصدر قوة آخر سنعرفه .
110 - وقد يكون مفيداً ، لاكمال فكرتنا عن دلالة " رجال الدين " في المسيحية ، أن نتحرر من القياس على
" الراهب " العابد الزاهد المنعزل عن الدنيا وما فيها من مغريات مادية وغير مادية . لم يكن " رجال الدين " الذين نتحدث عنهم رهبانا ولا مترهبين بل كانوا موظفين ، وفي مقابل أجور أيضا . ولقد كانوا يأكلون ويشربون ويلبسون ويسكنون أفضل مما كان متاحا للعامة من الناس ، وكانوا يقيمون الكنائس الشامخة ويستأجرون لتزيينها أعظم الفنانين . وكانوا يعقدون الاجتماعات وينتقلون بين المدن والممالك ويكتبون وينشرون ثم - في مرحلة تاريخية طويلة - يجندون الجند ويعدّون الجيوش ويدفعون اثمان عتادها وخيلها وسفنها ورواتب جندها الكثيف . وكان لابد لكل ذلك من مصادر تمويل كافية ومستقرة الكفاية . وبدأت المصادر بتبرعات المؤمنين . ومن المؤمنين ملوك وأمراء ونبلاء واقطاعيون أسخياء في التبرع لمن يملك حق الاباحة والتحريم ويزدادون سخاء لو كانوا منافقين . ثم امتدت المصادر تبعا لما قرره رجال الدين من انهم اصحاب حق في أن يحصلوا من الأموال والعقارات على ما يقدّرونه لازماً وكافياً لأداء خدماتهم " الروحية " وحماية الدين من الهرطقة ، واستطاعوا فعلاً أن يكونوا أوسع الناس ملكية للأراضي وأغناهم أموالا وأن يحصنوا أملاكهم ورعاياهم ضد أية ضرائب أو مكوس مما تتقاضاه السلطة المدنية ، بل وأن يمتلكوا الممالك ذاتها ثم يردوها إلى الملوك اقطاعيات من عندهم مقابل إتاوات باهظة ، كما فعلوا مع فريدريك الثاني ملك ايطاليا ، ومع بدرو الثاني ملك أراغون ، ومع ملك انكلترا الذي استحق لقب " جان عديم الارض " بعد أن أجبره رجال الدين على التنازل عن ارض انكلترا كلها للبابا .
111 - في اطار العناصر السابقة مجتمعة ( الناس والأرض والسلطة ) نستطيع أن نعرف أنّ " رجال الدين " في المسيحية لم يكونوا إلا العنصر البشري من مؤسسة هائلة ذات سلطة ومال تشملهم وتوظفهم في مباشرة سلطات دينية وتشريعية وقضائية وادارية ومالية وعسكرية ، وتحفظ بهم لنفسها وتستثمر مناطق جغرافية شاسعة وأموالاً منقولة وعقارات ثابتة تمتلكها ملكية خاصة . كل ذلك تحت قيادة مركزية واحدة تتبعها أجهزة مختلفة الوظائف يؤديها رجال الدين . تلك المؤسسة هي " الكنيسة " . وكما أن الكنيسة بهذا المعنى ليست هي مكان العبادة المعروف ، بل هي المؤسسة التي يتبعها " رجال الدين " فإن " رجال الدين " ليسوا هم العلماء بالدين المعروفين ، بل هم رجال الكنيسة المؤسسة التي يستمدون من قوة سلطانها قوة سلطانهم . هكذا تجسد في الواقع الاجتماعي مبدأ : " اعطوا مالقيصر لقيصر وما لله لله " الذي أوصى به السيد المسيح عليه السلام فهو " اعطوا ماللدولة للدولة وماللكنيسة للكنيسة " . اي الفصل بين نشاط الكنيسة وبين نشاط " الدولة " وهو المدلول الصحيح لمبدأ " العلمانية " .

الصراع

112 - إن تاريخ المبدأ " العلماني " ( الفصل بين الكنيسة والدولة ) في أوروبا المسيحية حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تاريخ الصراع بين الكنيسة " والدولة " وهو صراع لم يهدأ إلا في الفترات التي سيطرت فيها احدى المؤسستين على الأخرى ، أي فترات هزيمة المبدأ ذاته في الواقع بالرغم من بقائه على المستوى النظري كلمات ذات قدسية غير منكورة .
فلقد بدأ نشاط الكنيسة التي اسسها السيد المسيح عليه السلام على ايدي الرسل من تلاميذه في ظل سيادة دولة طاغية هي الامبراطورية الرومانية ، يحكمها أباطرة طغاة من امثال كليجولا وكلوديوس ونيرون . ولما كان الفصل بين الكنيسة والدولة يفرض على رجال الدين أن يتركوا ما لقيصر لقيصر فقد اتجهت تعاليمهم إلى احترام وطاعة السلطة الحاكمة حتى حينما يكون الحكم جائرا . كذلك قال بولس ان من يقاوم السلطة يقاوم ارادة الله ويستحق إدانة الكنيسة . وحينما سجنه الامبراطور سيزاريا لم يدافع عن نفسه إلا بقوله : " إلهي فلتكن مشيئتك "
إن هذا الموقف سيتغير فيما بعد . لا لأن المسيحيين سيغيرون عقيدتهم ولكن لأن موازين القوى ستتغير . ولقد كان المسيحيون على عهد الرسل مجردين من أية قوة تحميهم من بطش الاباطرة الطغاة فذهبت أجيال منهم ضحايا السجون والتعذيب الوحشي والقتل الجماعي . لقد أعطوا ما لقيصر التزاما بموقفهم الديني في الفصل بين الكنيسة والدولة ؛ ولكن " الفصل " أو " الاستقلال " علاقة ذات طرفين لايتوقف نفاذه على إرادة طرف واحد . وإذا كان المسيحيون الاوائل قد التزموه واعطوا مالقيصر لقيصر فإن القياصرة قد نقضوه فلم يعطوا ما لله لله بل أبادوا كلّ من استطاعوا أن يبيدوه من الدعاة للدين المؤمنين بالله . فانهزم المبدأ وأصبح الخيار الوحيد المتاح للمسيحيين الاوائل ليس بين الكنيسة والدولة ولكن بين الكفر والايمان . فاختاروا الايمان واستشهدوا في سبيله وشهد لهم التاريخ ، واشاد ببطولاتهم في مواجهة الموت . وكان حقاً ما قاله الاب المسيحي لويجي تاباريللي:
" اننا نؤكد أن المسيحيين في ظل القياصرة كانوا يموتون لأنه كان واجبا دينيا عليهم أن يموتوا " .
113 - نقول تغيرت المواقف بعد ذلك حين أصبحت المسيحية هي دين الامبراطورية في عصر البابوات
( رؤساء الكنيسة الكاثوليكية ) . تغيرت ولكن مع الابقاء - على المستوى النظري - على المبدأ ( العلماني ): فصل الكنيسة عن الدولة . وتبادلت المؤسستان ، من خلال الصراع بينهما ، موقع الصدارة والسيطرة وإن كان الاتجاه العام لنمّو القوة في صالح الكنيسة حتى القرن السادس عشر . ولقد أشرنا من قبل إلى فترات تاريخية طويلة كان ميزان القوة لصالح الاباطرة في الامبراطورية البيزنطية والرومانية كلتيهما ( فقرة 109 ) وإلى فترات أخرى كان البابوات فيها اصحاب الغلبة على الملوك والممالك ( فقرة 110 ) .
وانعكس ذلك الصراع على التيار الفكري الذي صاحبه وغذّاه .
114 - ففي القرن الخامس بدأ البابا جيلاسيوس الأول بتذكير الامبراطور بأن ثمة سلطتين تحكمان العالم : السلطة المدنية والسلطة الدينية ، وأن السلطة الدينية تتحمل مسؤولية أثقل ، إذ انها تعنى بالجانب الخالد من الانسان وهو الروح . والخلود مصير الانسان . وما الحياة الدنيا إلا مرحلة اختيار وتحضير للحياة الآخرة . وبالتالي فان القانون الالهي أسمى من أي قرار أو أمر يصدره إنسان . وأبدعت الكنيسة تفسيراً لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم " نظرية الحق الالهي " . أو( مذهب آباء الكنيسة ) . مؤداها أن الحكم لله وحده
وأنه يختار لادائه في الارض من يشاء ، فيصبح حاكماً بأمر الله . والمميز لها أن الاختيار يتم مباشرة لشخص
بعينه على وجه يجعله قريباً من معنى " الانتقاء " . ومن هنا جاءت كلمة " سيادة " في اللغات ذات الاصل اللاتيني إذ أنها تعني في أصلها " المختار من الله " لم تدخل هذه الكلمة لغة القانون إلا في القرن السادس عشر .
وقد قيض لهذه النظرية رجل عبقري حاول أن يصوغها على وجه يوفق بين مضمونها اللاهوتي ووظيفتها في مساندة السلطة البابوية . ذلك هو القديس توما الاكويني الذي كان مستشاراً فكرياً للبابا .
يقسم توما الاكويني مصدر السلطة الى ثلاثة أنواع : النوع الاول ، هو الارادة الالهية المحيطة بكل شيء ، والنوع الثاني ، هو القانون الطبيعي الذي أودعته الارادة الالهية في ضمائر البشر فيجعلهم يميزون بين الطيب والخبيث ، وأخيرا ، النوع الوضعي أو البشري ، وهو تلك القواعد التي يضعها الناس في المجالات الخاصة . بالبناء على هذا التقويم يعود توما الاكويني فيفرق بين ثلاثة أوجه للسلطة : أولها ، الجوهر أو المبدأ ، وهو ارادة الله وتؤديه الكنيسة ؛ والثاني الشكل أو الاسلوب ( ملكية أو ارستقراطية أو ديوقراطية ) ، وهذه يميز بينها ويختارها الحكام ؛ والثالث الممارسة أو التنفيذ ، وهذه يؤديها البشر . هكذا أراد توما الاكويني أن يلائم بين الحق الالهي - مصدر سلطة الكنيسة - وبين صور ممارسة السلطة وأشكال الحكم ، مع الاحتفاظ بمصدر الحق في الحكم وسند شرعيته ، أو جوهر السلطة ومبدئها ، للارادة الالهية ، لتبقى اليد العليا للكنيسة . بعد توما الاكويني يأتي جيل الروماني الذي كان تلميذاً له في جامعة باريس ، واستحق من بعده لقب " أكثر المفكرين عمقا " ( 1245 - 1316 ) ليكون اكثر صراحة فينطلق من أن الله موجود في كل شيء بما في ذلك عقل الانسان وحواسه لينتهي إلى القول بأن للبابا - ممثل الله في الأرض - حق السلطة على كل واحد وكل شيء في الأرض .
115 - على الجبهة الأخرى من الميدان الفكري الذي يعكس ويغذي الصراع بين الكنيسة " والدولة " يبدع أنصار الملوك نظرية " العناية الالهية " ( او نظرية الملكية المقدسة ) التي تبقي على السماء مصدراً للسلطة ، ولكنها تنكر احتكار البابا للقيام على إرادة الله في الأرض لتفسح مكاناً للملوك . فتذهب نظرية العناية الالهية إلى أن إرادة الله توجه شؤون الناس وعقولهم وإرادتهم على وجه غير مباشر إلى أن تصبح السلطة في يد واحد منهم
فهو لايكسبها بجهده ولايستحقها لأمر خاص به ، ولايتلقاها من أحد من الناس ، ولا من الله ايضا ، ولكن عناية الله هي التي وضعته في موضعه . مادام الملك ملكاً فليس من حق أحد أن يحد من سلطته لأن ذلك سيكون تحديا لارادة السماء حتى لو لم يعرف أحد كيف أدت عناية السماء إلى هذه النتيجة . وفي هذا يقول جان دي باري في كتابه السلطة الملكية والسلطة البابوية ( 1302 ) ان الحياة تنقسم إلى قسمين متميزين ومنفصلين ، قسم مادي وقسم روحي ، وإن اله يختار لكل منهما من يتولاه ، فاختار الكنيسة للحكم الدنيوي ، فالملك قد تلقى سلطته بدون وساطة من الكنيسة .
116 - فلما جاءت مرحلة الاصلاح الديني الذي بدأ دعوته الالماني مارتن لوثر عام 1520 والسويسري جان كالفن عام 1536 كان تمرداً على احتكار البابا السلطة الدينية ووضع أحكامها ، وانتصاراً لحرية الكنائس
" الوطنية " في الاجتهاد . وكان طبيعيا أن تكتسب " الدولة " في البلاد الكاثوليكية والبروتستنتية جميعا من القوة النسبية بقدر ما أضعفت حركة الاصلاح من السلطة البابوية نسبيا . غير أن الصراع بين الكنيسة "الوطنية "
" والدولة " لم ينته ،أولم يهدأ ، إلا بسيطرة إحداهما على الأخرى . لقد كان مارتن لوثر وجان كالفن ، كلاهما ، من أشد القائلين بالطاعة المطلقة للحكام المدنيين ( الملوك والأمراء ) حتى ولو كانوا طغاة . ولكن كل منهما عالج العلاقة بين الكنيسة والدولة علاجاً مختلفاً . أما مارتن لوثر فقد أثمرت دعوته تبعية الكنيسة " للدولة " .
وفي ظل سيادة مذهبه ( البروتستنتية ) في انكلترا استطاع هنري الثامن أن يقطع علاقة الكنيسة الانكليزية مع البابا ، وأن يعلن نفسه ، وهو ملك ، رأساً للكنيسة ( 1534) . وأما جان كالفن فقد اثمرت دعوته تبعية " الدولة" للكنيسة ، حتى قيل إنه لم يحدث أن وصل أيّ بابا في القرون الوسطى ، لانظريا ولاعمليا ، إلى تأكيد سيادة الكنيسة كما فعل كالفن .
117 -وقد استمر ذلك الصراع وانتقل إلى أمريكا ، حيث دار هناك بين كنائس المهاجرين وبين الدولة الناشئة .
وهناك - في أمريكا - سيتضح بجلاء أن الصراع لم يكن يدور حول المبدأ المسيحي العلماني : الفصل بين نشاط الكنيسة ونشاط " الدولة " ولكن بين أطماع المؤسستين كل منهما يريد أن تسود الأخرى متجاوزة بذلك حدودها . فقد كان المذهب البروتستنتي سائداً في انكلترا كما ذكرنا ، وكان من شأن ذلك أن يسيطر الملوك على الكنيسة . وقد حدث في عهد الملكة اليزابيت الأولى - وهي رأس الكنيسة في انكلترا - أن فرضت على رعاياها البروتستنت فروضاً دينية اعتبرها الجميع بدّعاً لاأساس لها من الدين ( عام 1558 ) ، فرضي من رضي ، وتمرد القادرون الذين نصّبوا من أنفسهم دعاة لتطهير الدين من البدع فعرفوا باسم المتطهرين ( البيورتان ) وأشهروا في وجه " الدولة " المبدأ : فصل الكنيسة عن " الدولة " . وما زالوا يحرّضون الناس على تبنّي موقفهم حتى كاد يعقد لهم النصر . فلما أن ظنوا أنهم منتصرون بدأوا في " تناسي " مبدأهم والتدبير للاستيلاء على "الدولة" ووضعها موضع التبعية للكنيسة فلما لم يفلح تدبيرهم استحقوا اضطهاد الدولة " الأقوى " مما دفع بجموع منهم إلى الهجرة إلى أمريكا خلال القرن السابع عشر حيث استقروا في نيوانجلند . وهناك كانوا قوة غالبة بالنسبة إلى السلطة المدنية ففرضوا مذهبهم " بالقوة " وسيطرت كنيستهم على كل سلطة في بليموث وخليج ماساشوستس وفي كل المستعمرات ماعدا رود ايلند وبنسلفانيا .
وظل الأمر كذلك إلى أن جاء عام 1840 يحمل إلى أمريكا أفواجا كثيفة من المهاجرين " الكاثوليك " الفارّين
بدورهم - من الاضطهاد في القارة الاوروبية . فخاف رؤساء الكنيسة البروتستنتية من أن تشاركهم الكنيسة الكاثوليكية امتيازاتهم وسلطاتهم في مواجهة الدولة ، فعادوا إلى مبدأ الفصل بين الكنيسة " والدولة " يرفعون راياته - هذه المرة - في مواجهة المنافسين الجدد الكاثوليك تساندهم مجموعة من المفكرين مازالوا يعملون جميعاحتى أدخلوا مبدأ الفصل بين الكنيسة " والدولة " في صلب الدستور الأمريكي . ولكن أي فصل ؟ …إنه الفصل الذي يحرم على " الدولة " أن تتدخل في شؤون الدين . فلما قويت شوكة " الدولة " في القرن العشرين أخذت بيدها زمام تطبيق المبدأ على الوجه الذي يتفق مع موازين القوة الجديدة ، يحرم على الكنيسة أن تتدخل في شؤون الدولة . وبناء عليه حرم القضاء الامريكي التعليم الديني في المدارس الخاصة والعامة معا . وما يزال الكاثوليك والبروتستنت جميعا يعتقدون أن هذا التأويل للنص الدستوري مقصود به الكيد للدين عامة لمصلحة تيارات لادينية نامية في الولايات المتحدة الأمريكية . ذلك لأن التعديل الدستوري الرابع عشر
- كما يقولون - كان مقصوداً به حماية الدين من الدولة وليس حماية الدولة من الدين . وهو صحيح .


النهـايـة

118 - لم يكن من الممكن أن ينتهي الصراع الذي ثار حول الحدود بين سلطة الكنيسة وسلطة " الدولة " الا بتجريد كل من السلطتين - الكنيسة والدولة - من المقدرة على تجاوز المبدأ ذاته . أي إلا بتأكيد المبدأ ذاته في مواجهة الطرفين وهذا ما أنجزته الثورة الفرنسية ، الطرف الثالث المتدخل بالعنف الثوري في مجرى تاريخ الصراع .
119 - اما عن الكنيسة فقد كان الصراع بينها وبين " الدولة " على مدى القرنين السابقين على الثورة يدور في واقع تاريخي تجاوزت فيه الكنيسة حدود " مالله " وأصبحت فاعلاً مؤثرا وشريكاً في ممارسة ما " لقيصر " من السلطة . كان رجال الدين قوة مستقلة وموازية لقوة النبلاء في برلمانات انكلترا إلى أن انعقد البرلمان
" النموذجي " ( هكذا اسمه في التاريخ ) عام 1295 حيث أضيف إلى القوتين ممثلون عن البرجوازية الصاعدة .
وكانوا كذلك في الجمعية الوطنية الفرنسية التي توقفت جلستها عام 1614 - كانت الجمعية مكونة من ممثلي ثلاث طوائف مستقلة ومنفصلة : رجال الدين والنبلاء والعامة . مستقلة الرأي لكل منها صوت . ومنفصلة في مكان الاجتماع . ومتساوية العدد لكل منها 300 مندوب . كان ممثلو الكنيسة 300 بينما كان رجال الدين في فرنسا كلهم لايتجاوزون 160000 ، وكان ممثلو العامة ( أو الطائفة الثالثة كما كانوا يسمونها ) 300 أيضاً ،
بينما كان عدد من يمثلونهم نحو 26 مليونا . وكان الفرق بين عدد القواعد يعكس الفرق بين قوة القمم . ولقد زيد ممثلوا العامة فأصبحوا 600 عام 1788 قبل أن تدعى الجمعية إلى الانعقاد بناء على طلب الملك لويس السادس عشر في كانون الثاني / يناير 1789 . فأصر ممثلو العامة على ضرورة الانعقاد في مكان واحد ، وأن يكون لكل مندوب صوت وتكون القرارت بأغلبية الحاضرين . وكانت تلك هي إرهاصة الثورة الأولى التي تحولت بها الجمعية الوطنية إلى جمعية تأسيسية أخذت على عاتقها وضع دستور لفرنسا بالاضافة إلى علاج الأزمة الاقتصادية التي دعيت أصلا لمناقشتها .
وقد كان البحث عن حل للأزمة الاقتصادية مدخلاً مناسباً إلى حل الأزمة الدستورية . وكان حل الأزمة الدستورية مدخلاً مناسباً لحسم الصراع التاريخي بين الكنيسة والدولة لمصلحة مبدأ الفصل بين الكنيسة "والدولة" ليبقى مالقيصر لقيصر وما لله لله .
كان الوزير الفرنسي الشهير نيكر قد جرّب كل الأساليب لتفادي إفلاس فرنسا ، بما فيها القروض ذات الفوائد الباهظة . فلما أن تصدرت الجمعية للأزمة لم يكن قد بقي إلاّ حل واحد وكان ذلك الحل يضرب عصفورين بحجر صائب . يحلّ أو يخفف الأزمة الاقتصادية من ناحية ، ويجرد الكنيسة من قوتها التي مكنتها من التدخلفي شؤون "الدولة " من ناحية أخرى . فلم تتردد الجمعية في اتخاذه تحت شعار رفعته : " الكنيسة داخل الدولة وليست الدولة داخل الكنيسة " . وهكذا أصدرت يوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1789 مرسوما بأن " تؤول كل ممتلكات الكنيسة إلى الأمة " . وتتولى خزانة الدولة دفع مرتبات لرجال الدين . كما تنتقل إلى الدولة كل أنواع النشاط غير الديني الذي كانت الكنيسة تقوم به ، ومؤسساته ، مثل المدارس والمستشفيات . وفي 12 تموز / يوليو 1790 أصدرت الجمعية ما عرف في تاريخ فرنسا باسم " الدستور المدني لرجال الدين " . تلك التسمية التي تفصح عن مصدر القوة التي أصدرته . كان أهم ماجاء في ذلك الدستور ، بالاضافة إلى تأكيد مبادىء مرسوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1789 أن يكون تولّي المناصب الدينية بالانتخاب ، كما هو الحال بالنسبة إلى القضاة ، ثم تحريم النشاط السياسي على الكنيسة ؛ وأخيرا أن على رجال الدين أن يقسموا يمين الولاء لهذا الدستور . ولقد أيد صغار رجال الدين الفقراء تلك الاجراءات . والواقع أنهم كانوا قد طالبوا بأن يتحولوا إلى موظفين ذوي رواتب ثابتة حتى قبل أن يصدر مرسوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1789 ( في 4 آب / اغسطس 1789 ) . اما كبار رجال الدين ، الا قلة من بينهم ، فقد ترددوا في القسم إلى أن يفتي البابا في شأن الدستور والقسم كليهما . وقد جاءت فتوى البابا بيوس السادس متأخرة ( 10 آذار / مارس 1791 ) برفض الدستور وتحريم القسم على الولاء له . أما الذين استمعوا إلى البابا فقد جردوا من سلطتهم وما يملكون ، وأما الذين أقسموا على طاعة الدستور فقد بقوا " رجال الدين " في كنيسة مختلفة السلطة عن الكنيسة السابقة . هكذا ردّت الثورة الكنيسة إلى حدها من المبدأ العلماني : مالله لله . بقي أن تردّ الدولة إلى حدها من المبدأ ذاته : مالقيصر لقيصر . وإذا كانت الثورة لم تجد عناءً كبيراً في ردّ الكنيسة إلى حدها فإن الأمر لم يكن بمثل تلك السهولة مع "الدولة" . لقد سفكت في سبيله دماء غزيرة ، وطارت رقاب كثيرة ، واشتعلت حروب ضارية امتدّت إلى أطراف أوروبا وغيّرت وجه الحياة فيها ثم في العالم أجمع . ذلك لأن الثورة الفرنسية قد أبدعت " الدولة " كما نعرفها اليوم إبداعاً وأقامتها على أنقاض كل " أنواع " الدولة بالمعنى الذي كان لها من قبل . ولمّا كانت "الدولة" - كما ابدعتها الثورة الفرنسية - هي التي تعتبر طرفاً في أية علاقة مع الدين مما يدور حوله الحديث في عصرنا هذا ، فانها تستحق - هاهنا - أن نعرف من خصائصها ما يهمنا . وما كان يهمنا أن نعرف تلك الخصائص قبل أن نلتقي بالثورة الفرنسية ، فاكتفينا فيما سبق من حديث بالتعبير " بالدولة " عن السلطة ، كانت ولكنها لم تصبح . فلنعرف كيف أصبحت .


الدولة ، ما الدولة ؟

120 - لقد كانت كلمة الدولة ، تلك الكلمة التي ابتكرها مكيافيلي تطلق - قبل الثورة الفرنسية - على السلطة أو الحكم أو الحاكمين . بهذا المعنى الاخير اطلقت في تاريخنا العربي على الأسر الحاكمة فقيل : " دولة " الأمويين و " دولة " العباسيين و " دولة " الفاطميين و " دولة " المماليك . . الخ . وكاد المستعمرون أن يعلمونا -ونحن نتلقى العلم في ظل سيادتهم أن وطننا العربي كان على مدى تاريخه ميتعبداً لمجموعة متتابعة من" الدول"
.. ليستقر في عقولنا - ونحن صغار - أن الاستعمار جزء من طبيعة مجتمعنا العربي ، وأنه لم يعرف الحرية قط . ثم شببنا فعرفنا أن تلك كانت أسراً من الحاكمين الذين خاض بعضهم اروع معارك الدفاع عن استقلال الوطن العربي ووحدته . ألم يكن صلاح الدين واحداً من " دولة " الايوبيين ؟ . ثم هانت " الدولة " فاصبحت لقبا في مصر - وغيرها - لمن يلي رئاسة الوزارة . فكان يقال : " دولة " صدقي باشا مثلا .
أياً ماكان الأمر عندنا ، فقد كان الملوك في أوروبا يرددون ماقاله لويس الرابع عشر " الدولة هي أنا " . وما قاله لويس الخامس عشر عام 1770 : " إن حق إصدار القوانين التي يخضع لها ويحكم بها رعايانا هو حقنا نحن بدون قيد وبدون شريك " ، وما قاله عام 1766 : " إن النظام العام كله ينبع مني ، وكل حقوق ومصالح الأمة التي يحاولون جعلها شيئاً منفصلاً عن الملك هي بالضرورة متحدة مع حقوقي ومصالحي وليس لها مكان إلا بين يدي " . فكانت الدولة هي " المملكة " بكل ماتعنيه كلمة " الملكية " من حق الملك والمالك في الاستعمال والاستغلال والتصرف في " دولته " .
بينما كان الملوك يرددون هذه الأقوال وأمثالها ، كانت موجة من الأفكار الثورية تغزو أوروبا وتحاول أن تقتلع هذا المفهوم من أساسه . ففي عام 1690 ينشر جون لوك في انكلترا كتابه " رسالتان في الحكم " يقول فيه : " إن حرية الانسان الطبيعية هي الا يكون خاضعاً لأية قوة عليا على الأرض ، وألا يقع تحت إرادته أي إنسان أو سلطة تشريعية ، ولايكون لديه سوى قانون الطبيعة قاعدة يعمل بها " ( الفصل الرابع فقرة 22 ) " ولما كان الانسان قد ولد - كما اثبتنا من قبل - وله حق كامل في الحرية وفي التمتع بلا قيود بجميع حقوق ومزايا قانون الطبيعة ، في مساواة مع أي شخص آخر ، أو أي عدد من الاشخاص في العالم ، فإنه له بالطبيعة الحق ، ليس في المحافظة على مايملكه ، أي حياته وحريته وممتلكاته ، ضد اعتداء الآخرين أو محاولتهم العدوانية فحسب ، بل له أيضاً الحق في أن يحاكم الآخرين على خرقهم هذا القانون ومعاقبتهم بما يعتقد أن جريمتهم تستحقه من عقاب حتى الموت ذاته " ( الفصل السابع فقرة 87 ) . " ولكن لأن ثمة أموراً لاتتوفر في حالة الطبيعة ، فلا يوجد قانون قائم ومستقر ومعروف يحظى بالقبول العام بوصفه معيار الصواب والخطأ " . ( الفصل التاسع فقرة 124 ) " ولايوجد في الطبيعة قاض معروف غير متحيز له سلطة الحكم في جميع الخلافات طبقاً للقانون المقرر " ( الفصل التاسع فقرة 125 ) " ولاتوجد في حالة الطبيعة القوة التي تدعم الحكم وتؤيده عندما يكون سليماً وتعمل على تنفيذه كما يجب " ( الفصل التاسع فقرة 126 ) ، فأنه بالرغم من كل المميزات التي يتمتع بها الجنس البشري في حالة الطبيعة " سرعان ما ينساق الناس الى تكوين المجتمعات لأن وضعهم يبقى سيئاً طالما استمروا في الحالة الأولى " ( الفصل التاسع فقرة 126 ) . و " لأن المجتمع السياسي لايمكن أن يقوم أو يقيض له البقاء إلا إذا كان لديه في ذاته سلطة المحافظة على الملكية ، ولهذا الغرض تكون لديه سلطة عقاب الجرائم التي يرتكبها أي فرد في المجتمع ، فهنا - وهنا فقط - يوجد المجتمع السياسي حيث تنازل كل فرد فيه عن سلطته الطبيعية وسلمها للمجتمع " ( الفصل الرابع فقرة 87 ) . " ان السلطة العامة للمجتمع كله فوق كل انسان يضمه هذا المجتمع . والغرض الرئيسي من هذه السلطة هو سن القوانين لكل من يعيشون في ظلّه ، وهي قوانين يجب علينا في هذه الحالة أن نطيعها " ( هامش الفقرة 87 ) .
هذه الأفكار سيلتقطها مونتسكيو خلال إقامته في انكلترا ويعود فيعبر عنها ويروّجها فتروج من خلال كتابين نشرهما في فرنسا عام 1748 أحدهما عن النظام الدستوري الانكليزي والثاني كتاب روح القوانين الذي اشتهر به .
121 - على أرض فرنسا يلتقي هذا الفكر الوافد من انكلترا بما بشر به وأذاعه ونثره " بذوراً للثورة " فنان وأديب وفيلسوف وثائر وعبقري وافد من سويسرا هو جان جاك روسو في عدة كتب أكثرها شهرة وأصالة كتابه العقد الاجتماعي ( نشر عام 1762 ) .
يقول روسو ان " النظام الاجتماعي حق مقدس ، وهو بمثابة الأساس لكل الحقوق الأخرى . بيد أنه لما كان هذا الحق لايستمد من الطبيعة فلا بد أنه قام على اتفاقات " . ( الفصل الأول - الكتاب الأول ) . " برغم انها قد لاتكون أعلنت رسمياً فهي لابد أن تكون واحدة في كل مكان وأن يكون قد تم قبولها ضمناً " ( الفصل السادس - الكتاب الأول ) . " ففي مثل هذه الحالة من السكوت العام يجب أن يؤخذ ذلك السكوت على أنه موافقة من جانب الشعب " ( الفصل الأول - الكتاب الثاني ) . و " إني افترض جدلاً ان الناس قد وصلوا إلى حد تغلبت فيه العقبات التي تحول دون الاستمرار في حالة الطبيعة على القوة التي يستطيع كل فرد أن يبذلها من أجل الاستمرار في هذه الحالة ، ومن ثم لم يعد استمرار حالة الطبيعة الصلية ممكناً . . . ولما كان الناس لايستطيعون بأي حال خلق قوة جديدة ، بل أن كل ما يستطيعونه هو أن يتحدوا ويسيطروا على تلك القوة التي لديهم ، فإنه لاتوجد وسيلة يستطيعون بها الابقاء على أنفسهم سوى الانضمام بعضهم إلى بعض ، وتوحيد قواهم بيد أن المحافظة على الذات بالنسبة إلى كل فرد إنما تستمد أساساً من قوته الشخصية وحريته ، فكيف إذن يقيدها بدون أن يؤذي نفسه ويهمل تلك العناية الواجبة عليه نحو شؤونه الخاصة في الوقت ذاته ؟ . . . لابد من ايجاد نوع من الاتحاد في شأن استخدام قوة المجتمع كلها من أجل حماية كل عضو من أعضائه وممتلكاته ، وذلك بطريقة تجعل كل فرد ، إذ يتحد مع أقرانه ، إنما يطيع إرادته ويبقى حراً كما كان من قبل . هذه هي المشكلة الأساسية " ( الفصل السادس - الكتاب الأول ) .
أما الحل فهو : " كل واحد منا يسهم في المجموع بشخصه وبكل مالديه من قدرة تحت التوجيه الأعلى للارادة العامة وهكذا يلتقي في المجموع كل عضو بصفته جزءاً لايتجزأ من الكل . وبمجرد أن يتم هذا يتولد جسد معنوي وجماعي بدلاً من الاشخاص المستقلين وهو جسد مكون من الأعضاء بقدر ما يضمه من أصوات ، كان هذا الشخص العام الذي يتكون بهذه الصورة من اتحاد جميع الاشخاص يسمى في الماضي " مدينة " ولكنه يسمى الآن " جمهورية " ( كانت كلمة جمهورية تعني المجتمع المنظم اطلاقاً وليس بمعناها الحالي كنظام للحكم غير ملكي ) . . ويسميه اعضاؤه " دولة " عندما يكون سلبياً ، ويسمونه سيداً عندما يتصرف ايجابياً ، أما بالنسبة إلى الأفراد المجتمعين فيه فهم الشعب " ( الفصل السادس - الكتاب الأول ) . " فالشعب الذي له السيادة لاوجود له خارج الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع " ( الفصل السابع - الكتاب الأول ) . " وبمجرد أن يوجد للشعب سيد يفقد الشعب سيادته " ( الفصل الأول - الكتاب الثاني ) .
122 - لم تكن الافكار احلاماً مقطوعة الصلة بالواقع ، والواقع أن الافكار التي لاصلة لها بالواقع لاوجود لها ، بل كانت تعبر عن مشروعات مقترحة "لدولة " تتفق مع مصالح الطبقة الوسطى ( البرجوازية ) الصاعدة . فقد كانت الطبقة الوسطى هي التي اسهمت بالدور الأساسي في التقدم الاقتصادي في فرنسا وحوّلتها بالتدريج إلى دولة تجارية وصناعية ، وكانت في حاجة إلى أكبر قدر من حرية الانتقال ( الأفراد والبضائع ) وحرية العمل ، وأقل قدر من تدخل السلطة والضرائب . فأنجبت مدرسة اقتصادية تولت إبراز المضمون الاقتصادي لأفكار الفلاسفة . إنها مدرسة " الفيزيوكرات " الشهيرة ( كيزني ، موريس دي ريفيير ، دي يتمور . . الخ ) .
واضح مما سبق أن " مشروع الدولة " التي كانت تبحث عنها أوروبا يميزها بأن تكون " مؤسسة " تضم كل الافراد في المجتمع ولكنها تبقى مستقلة عن أي فرد أو مجموعة من الأفراد منهم . وأن تكون " السيادة " فيها للشعب بمجموعه ، وأن تتولى الممارسة الفعلية لتلك السيادة حكومة ملتزمة بحدود ترسمها قواعد عامة ومجردة تعبر عن الشروط التي صاغها الفلاسفة والمفكرون وزعموا أنها كانت شروط التقاء الناس في مجتمع أو شروط "العقد الاجتماعي " .
ولقد جاءت الثورة الفرنسية فانشأت تلك الدولة . فقد بدأت الجمعية الوطنية بإعلان حقوق الانسان والمواطن . أصدرته يوم 26 آب / اغسطس 1789 ثم أصدرت مجموعة من القوانين الدستورية المتفرقة ، أعادت جمعها وصاغتها معاً في دستور ، وتلي الدستور يوم 5 آب / اغسطس 1791 وبدأت مناقشته يوم 8 آب / اغسطس وتمت الموافقة عليه يوم 3 / ايلول / سبتمبر وتم القسم على احترام الدستور يوم 14 أيلول / سبتمبر وأنفضت الجمعية يوم 30 أيلول / سبتمبر 1791 .
وقد تضمن الدستور صياغة " الدولة " وأقامها على قاعدتين أساسيتين نص عليهما في المادتين الأولى والثانية من القسم الثالث منه . تقول الأولى " السيادة واحدة ، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الاكتساب بالتقادم ، وهي تخص الأمة ، وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد يدّعي ممارستها " وتقول الثانية : " ان الأمة التي تنبع منها كل السلطات لايمكن أن تمارسها الا بواسطة مفوضين " .
ونعرف من التاريخ أن مبادىء الثورة الفرنسية قد حكمت حياة أوروبا والغرب وشعوباً كثيرة في العالم منذ انتصارها ، ولم تزل . وهكذا يمكن أن نعرف ، بدون حاجة إلى تفصيل ، أن نموذج " الدولة " التي انشأتها الثورة الفرنسية سيكون هو " الدولة " في أغلب اقطار العالم فيما بعد ، وحتى الآن . ستتغير وتختلف الدساتير المتتابعة في فرنسا وغيرها من الدول وستتغير نظم الحكم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً داخل الدولة وفي كل دولة ، ولكن سيتوحد مفهوم " الدولة " في العالم على ضرورة أن تتوفر لها وفيها العناصر الأساسية التي بدأت بها في عهد الثورة . وسيتولى فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية تأصيل وتعميق وتفسير تلك العناصر حتى تصبح مسلّمة .
124 - لايتوقف فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية كثيراً عند تلك النظريات التي ابتكرها الفلاسفة حول نشأة الدولة . ولكنهم يعنون عناية فائقة بما يجب أن يتوفر " للدولة " من عناصر ليقال إنها " دولة " وهم متفقون على ثلاثة عناصر : ( 1 ) شعب و (2 ) أرض و ( 3 ) سيادة شاملة الشعب والأرض جميعاً . ويضيف بعضهم "الاعتراف " كعنصر رابع يعنون به " اعتراف " دول أخرى بقيام " الدولة " موضع الاعتراف . ولكن هذا العنصر محل خلاف كبير يدور حول ما إذا كان هذا الاعتراف لازماً لتوجد الدولة ، أم للاقرار بوجودها أم للأمرين معاً ، ثم يأخذ فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية في شرح الدلالات والآثار القانونية ( الحقوقية ) المترتبة عليها . وينصّب أكثر جهدهم على شرح دلالة وآثار العنصر الثالث : " السيادة " . في كثير من كتب القانون تتداول كلمتا " السيادة " و " السلطة " كما لو كانتا ذواتي مدلول واحد . غير أنه من المهم بالنسبة إلى حديثنا أن نفرق بين مفهوم السيادة ومفهموم السلطة . فالسيادة أشمل من السلطة ، إذ "السلطة" هي ممارسة السيادة ( يطلق البعض على السيادة صفة السلطة العليا ) أو أن حق السيادة هو مصدر حق السلطة .
وكلمة " سيادة " اصطلاح قانوني يترجم كلمة فرنسية مشتقة من أصل لاتيني تعبر عن صفة لمن له السلطة لايستمدها من غير ذاته ولا يشاركه فيها غيره . بهذه الدلالة كان يستعملها بعض ملوك فرنسا القدامى للتعبير عن استقلالهم بالسلطة عن البابوية والأباطرة في الخارج ، وسمو سلطتهم على أمراء الاقطاع في الداخل ، وبهذه الدلالة كانت تبريراً لمشروعية السلطة ينتحله كل صاحب سلطة أو طالبها . فكانت مضموناً لصراع فكري ومذهبي صاحب الصراع على السلطة .
ولقد عرفنا من قبل كيف أبدعت الكنيسة تبريراً لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم " نظرية الحق الالهي"
أو" مذهب آباء الكنيسة " ( فقرة 114 ) . ولم تكن تلك إلا نظرية في " السيادة " كما عرفنا نظرية " العناية الالهية " ( فقرة 115 ) ؛ وكانت هي أيضاً نظرية في " السيادة " . وهما نظريتان لم تكونا مقصورتين على تبرير الاستبداد بالسلطة في أوروبا وحدها ، ولاهما مقصورتان على تبريره في القرون الأوروبية الوسطى .
فقد انتحل المنصور العباسي ( 714 - 775 ) مذهب " آباء الكنيسة " حينما خطب في مكة المكرمة فقال :
" أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه " . وانتحلها أباطرة الصين قديماً ، فكان الامبراطور هو ابن السماء وانتحلها أباطرة اليابان ، فكان الامبراطور من أصل إلهي . . وانتحل معاوية بن أبي سفيان الأموي ( 602 - 680 ) نظرية العناية الاهية لتبرير استبداده بالسلطة دون الخليفة المنتخب حين قال : لو لم يرني ربي أهلاً لهذا الأمر ( الولاية ) ما تركني وإياه ، ولو كره الله مانحن فيه ، لغيّره .
وانتحل " نظرية الحق الالهي " في العصر الحديث غليوم الثاني امبراطور ألمانيا حينما قال في عام 1910 إن الله هو الذي ولاّه الملك . وانتحل نظرية العناية الالهية هتلر ديكتاتور ألمانيا قبيل أن يبدأ الحرب الأوروبية الثانية حين وجه الشكر إلى العناية الالهية التي اختارته زعيماً لألمانيا ( 28 نيسان / أبريل 1939 ) . وانتحلها ديكتاتور اسبانيا فرانكو ، وفرض تداولها ، حين أمر في عام 1947 بصكّ عملة تحمل كتابة تقول " فرانكو القائد بعناية الله " . .. وما يزال ينتحلها كثيرون من الحكّام مسلمين وغير مسلمين ، عرباً وغير عرب ، لتبرير استبدادهم بالسلطة …
في مواجهة هاتين النظريتين استمدت الثورة نظرية حركة التنوير في السيادة فأسندتها إلى الشعب وصاغتها في المادة الأولى من دستور 1791 التي ذكرناها ( فقرة 123 ) . نعيد النص للأهمية : السيادة واحدة ، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الكسب بالتقادم وهي تخص الأمة ، وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد أن يدّعي ممارستها .
ماذا يعني هذا على وجه التحديد ؟
يعني أن الثورة ، بعد أن جرّدت المؤسسة الكنيسة والارستقراطية من السيادة ، لم تسندها إلى أحد على الاطلاق أسندها الفقهاء تباعاً إلى شخوص معنوّية مجرّدة : الأمة أو الشعب أو الدولة أو المؤسسات ، وكل منها ذو وجود متعينّ يمكن التحقق منه ، ولكن أياً منها لايستطيع أن يمارس السيادة المسندة إليه بذاته لأنها ذات اعتبارية وليست ذاتاً طبيعية . ثم جاءت المادة الثانية وانتزعت من الشعب سلطة ممارستها ، صياغة النظام الاجتماعي باسمها ، وأسندت تلك السلطة إلى نواب عنه . وهي حيلة أو احتيال . يقول موريس ديفرجيه في كتابه "المؤسسات السياسية في القانون الدستوري" إن البرجوازية الليبرالية قد اخترعت هذه النظرية في السيادة لتمارس هي السلطة ضدّ الارستقراطية من جهة ، وضد الشعب من جهة أخرى . ويقول الفقيه الكبير كاريه دي ملبرج انه نتيجة احتيال ظاهر انقلبت سيادة الشعب ضد الشعب ( مجلة القانون العام الفرنسي - 1931 ) . نكتفي نحن بملاحظة ماسيتضح بعد قليل . لم يكن فلاسفة البرجوازية الصاعدة في أوروبا مهتمين بالسيادة فكرة أو نظاماً إنما كان اهتمامهم منصباً على السلطة ونظام ممارستها على الوجه الذي يحقق مصالح طبقتهم . " إذا حاولت أي من السلطتين التنفيذية أو التشريعية ، بعد أن تستولي على السلطة في يدها ، أن تعمل على استعباد الشعب أو دماره فليس أمام الشعب من علاج في هذه الحالة ، كما في الحالات التي لايجد فيها قاضياً يلجأ إليه في الأرض سوى الاتجاه إلى السماء " . هكذا قال فيلسوف العلمانية جون لوك . لم يتذكر الله إلا لعزاء المقهورين في الحرية ، أو إلهاء القادرين عن الثورة ( الفصل 14 فقرة 168 من كتابه رسالتان في الحكم ) . أما فيلسوف البرجوازية موريس دي رفيير فقد قال ان " الاستبداد الذي تقوده السيادة الجماعية أكثر احكاماً وأكثر دواماً من الاستبداد الفردي ، أما الديموقراطية فهي وحش مفترس وليست سيادة الأمة إلا دولة حاكمة بدون دولة محكومة " ( باستيد : موجز القانون الدستوري ) .
أياً ما كانت غايات البورجوازية ، فقد كان عليها أن تقدم جواباً عن مصدر السيادة التي أسندتها إلى الشعب ،
ثم أسندت سلطة ممارستها إلى نواب عنه . يقولون ما خلاصته إنه " القانون الطبيعي " الذي لقن الانسان قواعد السلوك الأساسية في المجتمع . وهي قواعد خالدة في الضمير الانساني .
وهكذا ، قبل أن يكون المجتمع منظماً بقواعد وقوانين وضعية يوجد نظام قانوني طبيعي للمجتمع ، يجسد حقيقته على أفضل وضع في الحرية وبالحرية . وليس القانون الوضعي ذاته إلا ترجمة للقانون الطبيعي يؤدي غايته ، فيصبح مشروعاً بقدر ما يكون متفقاً مع الأصل الذي يترجمه . إذ القانون الطبيعي ذو قوة إلزام في ذاته لايستمدها من خارجه ، وهو - بالتالي - فوق كل نظام وأسمى من كل قانون . إنه ذو سيادة غير مقيدة بما يضعه البشر من قوانين إذ هو أسمى منها جميعاً لأنه قانون الحياة ( العلمانية ) . ومن القانون الطبيعي استمد كل فرد حقوقاً مساوية لحقوق أي فرد آخر ، فهي سابقة على وجود المجتمع ، وخالدة ، ومقدّسة لايجوز لأي نظام أو قانون أن يمسّها ( الفردية ) . بل ان مبرر وجود المجتمع وتأسيس الدولة وإقامة النظام هو حراية وتأمين هذه الحقوق ضد أي اعتداء عليها من الأفراد أو الجماعات أو الدولة ذاتها ( الليبرالية ) . فالانسان الفرد هو القيمة الأولى ، وهو موّلد القيم ، وهو الغاية أسمى الغايات ، وهو الأقدر على معرفة مصالحه ، ومن خلال تحقيق كل فرد مصلحته تتحقق مصالح المجموع ، وبالتالي لايجوز فرض أية قيود على حريته في السعي إلى تحقيق مصلحته بالطريقة التي يختارها ، والوسائل التي يرى أنها مؤدية إليها ( المنافسة الحرة ) ، وذلك في كل المجالات وخاصة في مجال الملكية ( الرأسمالية ) ، إذ " الحرية مرتبطة بالملكية ولايمكن فصلهما " كما قال موريس دي رفيير . وعلى الذين يحقدون على الاغنياء ، أو يفتقدون الحرية لأنهم فقراء أن ينفذوا وصية فرانسوا جيزو ( 1787 - 1874 ) قائد حزب " رابطة ساعد نفسك يساعدك الله " أول حزب ليبرالي في فرنسا حين قال لهم " اغتنوا اذن " . كيف ؟ لايهم فطبقاً للمنافسة الحرة التي هي القانون الطبيعي لتوزيع الثروات بين الأفراد ، الخطأ هو خطأ مالي والجزاء جزاء مالي ، يصيب من يكسب مالياً ويخطىء من يخسر مالياً . ( شومبيتر الرأسمالية والديموقراطية - ريجين رينود أصول البورجوازية جاك دروز تاريخ المذاهب السياسية
باستيد القانون الدستوري - اميل ميرو فلسفة الليبرالية - بوردو موسوعة العلوم السياسية جزء 5
ايسمان شرح القانون الدستوري - لافيير القانون الدستوري - كاريه دي ملبرج النظرية العامة في الدولة
جورج جوسدورف المفهوم الانساني للحرية - موريس ديفرجيه المؤسسات السياسية في القانون الدستوري
. . . الخ ) . ولكن ، هل " القانون الطبيعي " الواحد ، السائد ، الواعد ، موجود ؟
هذه مسألة " إيمان " ، وقد قلنا من قبل إن العبرة في مشروعية النظم بالقبول العام ( عكسه الاكراه العام ) وليس بالايمان ( الذي تخفيه السرائر ) ( فقرة 76 ) ، وإن كان كل نظام يتضمن قواعد عامة مجردة ملزمة للكافة لاتجوز مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها تستمد قوة الزامها من الايمان بمصدرها ( فقرة 80 ) . ثم عرفنا العلمانية نزعة ذات أصل ديني في المسيحية ، تحولت إلى تيار فكري مناهض لاستبداد الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا الاقطاعية ، تحول الى ثورة ضد تدخل الكنيسة في الحكم في أوروبا البرجوازية ، انتهت إلى اقامة نظام علماني في موقفه من الدين ، فردي في موقفه من المجتمع ، ليبرالي في موقفه من الدولة ، رأسمالي في موقفه من الاقتصاد . فنعرف منه أن العلمانية ليست دعوة إلى الكفر بالدين ، بل هي ركن في نظام شامل متكامل للحياة الدنيا ، كان محصلة عوامل نفسية وثقافية وتاريخية وحضارية سادت أوروبا على مدى نحو سبعة قرون
125 - وقد أصبح هذا النظام شائعاً في كثير من دول العالم مع بقاء المؤسسات الكنسية في كل الدول التي شاع فيها بدون استثناء واحد ، إنما تختلف الدول في نوع العلاقة بين الكنيسة والحكومة . نقول الحكومة التي تمارس السلطة ولانقول الدولة التي هي شخص اعتباري ، إذ الكنيسة ماتزال قائمة في الدولة . فالكنيسة مؤسسة رسمية في الدولة كما هو الحال في انكلترا والسويد والنرويج والدانمارك . وهي تتعاون مع الحكومة في الحفاظ على استقلالها ، كما هو الحال في اسبانيا . وهي تحظى باعتراف رسمي " شرفي " ، كما في ايرلندا . وقد تقف الحكومة على الحياد السلبي بين الكنائس المتعددة كما في الولايات المتحدة الامريكية . وقد يفصل فصلاً حاسماً ما بين الكنيسة والحكومة كما هو الحال في فرنسا التي ترد إلى الذهن كلما دار الحديث عن العلمانية .

عودة إلى الوطن

126 -كل مافات كان معقولاً ، أو كان ذا منطق يمكن فهمه . دين يفرض على المؤمنين به الفصل بين الدين
و "الدولة " . وينشىء للقيام على شؤون الدين مؤسسة دينية ( الكنيسة ) يتبعها ويديرها نفر من المؤمنين خصّهم الدين ذاته بسلطان ديني على الناس ( رجال الدين ) فتصبح تلك المؤسسة ذات قوة منفصلة ومستقلة عن مؤسسة أخرى ذات قوة منفصلة ومستقلة ( الدولة ) في المجتمع الواحد ، فيثير هذا الازدواج في ممارسة السلطة خلافاً أو صراعاً بين طرفيه تكون الغلبة لمن هو أقوى في زمانه ومكانه . وتضيق حياة الشعوب باستبداد المتصارعين وبآثار الصراع إلى أن تقوم ثورة تجرد كلاً منهما من " القوة " التي سمحت لكل منهما - يوماً - بأن تتجاوز حدود المبدأ الديني الأصيل : " مالقيصر لقيصر وما لله لله " . وترد كلاً منهما إلى حدوده . فينتهي الصراع وتبقى المؤسسة الدينية ورجالها قائمين على أمور الدين . وتبقى " الدولة " ورجالها قائمين على أمور الدنيا . كل هذا والدين باق كما هو بدون انكار أو الغاء . " والدولة " باقية بدون إيمان أو كفر . فيقال هذه هي "العلمانية " التي أبدعتها اوروبا القرن الثامن عشر ، والتي أعفت الشعوب من عبء التضحيات الجسيمة التي كانت تدفعها في الصراع بين الكنيسة و " الدولة " فهيأت لها مقدرة أوفر على التقدم العلمي والحضاري فنقول نعم هذه هي " العلمانية " حقاً وتلك بعض آثارها ، ولكن من حيث وضع العلاقة بين الكنيسة و " الدولة " في موضعها الصحيح " مسيحياً " منذ أن قال السيد المسيح " اعطوا مالقيصر لقيصر وما لله لله " أو ردّها اليه .
وكان ذلك نصراً عظيماً للشعوب المسيحية انتصر الدين ، وانتصرت به الشعوب ، كلاهما .
كل هذا مفهوم أو قابل للفهم .
ولكن هل يمكن أن يكون لدعوة " العلمانية " معنى مجرد عن أصلها الديني وظروفها التاريخية ؟ هل يمكن أن يكون لها معنى في مجتمع بلا دين مثلاً ؟ . . أو في مجتمع كهنوتي كهانة شاملة مثلما كان في اليهودية ، مثلاً آخر ؟ . أو في مجتمع يفصل دينه بين الدين " والدولة " ولكنه لاينشىء للدين مؤسسة خاصة تقوم على شؤونه ، مثلاً ثالثاً ؟ . هل يمكن أن يكون " للعلمانية " معنى في مجتمع غير مسيحي ، أخيراً ؟ أما عندنا فدعوة العلمانية
في أي من هذه المجتمعات " كلام فارغ " لانعدام مضمونه . إلا أن تكون دعوة تحمل أعلام النصر الذي حققته " العلمانية " في المجتمعات المسيحية لتستر بها أهدافاً تخفيها في مجتمع لامجال فيه " للعلمانية " .
127 - ليس وطننا العربي واحداً من تلك المجتمعات " النموذجية " التي اشرنا اليها بقصد كشف عبث دعوة " " "العلمانية "بعيداً عن أصلها الديني وظروفهاالتاريخية . والواقع انها مجتمعات افتراضية لاوجود لها ، إذ لاوجود لمجتمع بلا دين أياً كان المجتمع ، وأياً كان الدين . وليس ثمة أكثر" تدّيناً " بل نقول " تعصبا دينيا " من مجتمع الملحدين ذاته ، إذ ليس " الالحاد " إلا دين الملحدين يقوم فيهم بوظيقة أي دين . على أي حال فإن وطننا العربي مجتمع تتعدد فيه الأديان ، وتتعدد فيه المذاهب من كل دين ؛ وبالتالي فإن ترويج دعوة " العلمانية " فيه لايكون عابثاً في كل الأحوال . بل يتوقف حاله من العبث والجد على المخاطبين بها من ابناء أمتنا العربية .
128 - فكثير من ابناء أمتنا العربية يدينون بالمسيحية . ويتفرقون انتماء إلى مذاهبها المتعددة . ولكل مذهب "رجال دين " ومؤسسة دينية " كنيسة " ، وبالتالي فإن " للعلمانية " في وطننا العربي مجالاً ، تطرح فيه دعوة ، وتقام فيه حدود ، لتظل الكنائس جميعاً ملتزمة المبدأ المسيحي الذي قامت عليه " العلمانية " : " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " . ولكن متى ؟ . . . إذا حاول رجال الدين من أية كنيسة أن يعرّضوا مجتمعنا العربي إلى مثل الصراع بين الكنيسة الكاثوليكية وبين الأباطرة والملوك والأمراء . أو إذا ما حاول الذين يحلمون بأن يكونوا أباطرة أو قياصرة أن يمدوا أصابع ساطاتهم إلى داخل الكنائس افتئاتا من أي قيصر على ما لله . إن هذا يعني تماما - وأرجو ألا يخطىء أحد فهم مانقول أو يستهين به - إن أيا من الطرفين يشق طرقه الشائك إلى حيث تردّه إلى حدوده " ثورة شعبية " لايعلم أحد من الآن أين تقف حدودها . انه ليس لعباً بالنار فقط بل هو إشعال فتنة لن " تشوي " إلا من أشعلها . ولست اعتقد أن هناك رجل دين مسيحي على أقل قدر من " العقل " يعتقد أن جزاء مخالفة تعاليم السيد المسيح ستكون نار جهنم فقط . أو أن هناك حاكماً على أقل قدر من العقل يعتقد أن ضمائر المسيحيين وكنائسهم متاحة ليمد إليها أصابعه بدون أن تقطع أصلبعه على الأقل . أو أن هناك شعباً ، أي شعب ، يقبل أن تقوم في دولته مؤسستان متوازيتان متنافستان على ممارسة السلطة ، باسم الدين أو باسم الدنيا ، بعد كل ما تعلمته الشعوب من تاريخ الصراع بين الكنيسة و " الدولة " .
لانؤمن بما يسمى " الحظّ " ومع ذلك فلنقل مع القائلين إن من حسن حظ هذه الأمة العربية التي ننتمي اليها أن اغلبية المسيحيين من أبنائها يتبعون الكنيسة الاورثوذكسية ، وهي كنيسة تميزت منذ نشأتها بصرامة التزامها تعاليم السيد المسيح وصلابة موقفها ضد الاضافات البابوية . ولقد قاومت الكنيسة القبطية الاورثوذكسية بالذات مقاومة باسلة ، ما أراده لها باباوات روما من آراء مبتكرة في المسيحية . وقدمت فداءً لايمانها مئات الشهداء ، يساندها شعب مصر فيما اعتبر في التاريخ حركة تحرر وطني حينما كانت مصر تابعة ز أو مملوكة ملكية خاصة ، لقياصرة روما . وفي ظل التبعية للامبراطورية البيزنطية استطاع موقفها المبدئي الثابت أن يحفظ للكنيسة الاورثوذكسية عامة التزامها الديني بإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله بالرغم مما كان بعض الأباطرة يرتكبونه من استفزاز . فخلا تاريخها من صراع يذكر بين الكنيسة و " الدولة " . انها ليست مجرد تقاليد ، ولكنها تقوى . ولو كانت مجرد تقاليد مستقرة لكان من شأن الناس في ظلها أن يتساءلوا : فيم الترويج
-إذن - لدعوة العلمانية في مجتمع كانت كنيسته الرئيسية على مدى تاريخها حارسة مبدأ الفصل بين الكنيسة
" والدولة " ولم تزل ؟

وفي الاسلام

129 - من قبل قال جمال الدين الافغاني : " ليس الاسلام كدين ( براهما ) الذي قسم الناس إلى أربعة اقسام وقرر لكلّ منزلة من كمال الفطرة لايجاوزها ، ولاهو كاليهودية التي تخاطب شعب اسرائيل بالكرامة والاجلال وتذكر غيرهم بالتحقير والاهانة ، ولاهو كالمسيحية التي تذهب إلى أن رؤساء الدين أقرب إلى الله من سائر البشر ، وان كل نفس وإن بلغت من الكمال مابلغت ، ليس فيها ما يؤهلها إلى التقرب إلى الله بغير وساطة الرئيس الديني " ( الرد على الدهريين ) . ومن بعد قال الامام محمد عبده : " من أصول الاسلام _ وما أجله من أصل - قلب السلطة الدينية والاتيان عليها من أساسها . هدم الاسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها ، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم . لم يدع الاسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد ، ولاسيطرة على ايمانه ، على أن الرسول عليه السلام كان مبلغاً ومذكراً ، لامهيمناً ولا مسيطراً . قال الله تعالى
( فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر ) { الغاشية : 22 } . ولم يجعل لأحد من أهله أن يحل ولا أن يربط لافي الأرض ولا في السماء ، بل الايمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه ، فما بينه وبين الله سوى الله وحده ، يرفع عنه كل رق إلا العبودية لله وحده . وليس لمسلم مهما علا كعبه في السماء ، على آخر ، مهما انحطت منزلته فيه ، إلا حق النصيحة والارشاد . قال تعالى في وصف المفلحين : ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) { العصر : 3 } . وقال : ( ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) { آل عمران : 104 } . وقال : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) . { التوبة : 122 } . فالمسلمون يتناصحون ، ثم هم يقيمون امة تدعو إلى الخير - وهم المراقبون عليها - يردّونها إلى السبيل السةي إذا انحرفت عنه . وتلك الأمة ليس لها عليهم إلا الدعوة والتذكير والانذار ، ولايجوز لها ولا لأحد من الناس أن يتتبع عورة أحد ، ولا يسوغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسس على عقيدة أحد ، وليس يجب على مسلم أن يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول مايعمل به عن أحد إلا عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم " .
" لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله ، وعن رسوله من كلام رسوله ، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف ، وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم ، كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها ، وأحوال العرب خاصة في زمان البعثة ، وما كان الناس عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي ، وشيء من الناسخ والمنسوخ من الآثار . فإن لم تسمح له حاله بالوصول إلى مايعده لفهم الصواب من السنة والكتاب فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما . وله - بل عليه - أن يطالب المجيب بالدليل على مايجيب به سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد أو في حكم عمل من الأعمال ، فليس من الاسلام مايسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه " ( من رسائله إلى رشيد رضا عام 1902 ) .
لماذا ، إذن ، الترويج للعلمانية ؟


النفاق

130 - لأن للعلمانية نظاماً ، وللاسلام نظاماً ، وهما لايتفقان في أكثر من وجه . ولما كان مصدر مشروعية أي نظام هو القبول العام ، وكان أغلب الشعب العربي مسلمين ، فإن قبولهم نظام العلمانية لايتحقق - بدون إكراه- إلا بلابقاء على الاسلام ديناً " لله " واستبعاده نظاماً للحياة في الوطن الذي هو " للجميع " لتخلو الحياة العربية لنظام لايتفق في أكثر من وجه مع الاسلام نظاماً . وهذا هو النفاق طبقاً لمعايير الصدق والكذب في مخاطبة شعب عربي مسلم .
نضرب مثلاً من مصر .
ولسنا نريد أن نذكّر أحداً بقائد حملة الاحتلال الفرنسي عام 1793 نابليون " حامي حمى الاسلام " ، ولا بخليفته المنافق الجنرال " عبد الله " مينو ، فإن الاحتلال الانكليزي لم يلبث أن داهم مصر عام 1882 وفرض بالقوة على الشعب العربي المسلم نظاماً بديلاً عن نظام إسلامي كان قد عاش في ظله راضياً أكثر من ثلاثة عشر قرناً. كان نوبار باشا " الارمني " رئيساً للوزراء ، وكان قد استخدم أميناً على سره ( سكرتيراً ) فرنسياً كان يعمل محامياً في الاسكندرية اسمه الاستاذ مانوري . فكلّفه بأن يضع لشعب مصر قوانين جديدة ، فلم يضع شيئاً من عنده إلا قليلاً ، بل نقل من الفرنسية إلى الفرنسية مجموعة القوانين الفرنسية المسماة " قانون نابليون " . وهكذا أعاد الانكليز إلى مصر نابليون نظاماً بعد أن كانوا قد أخرجوه منها حطاماً ، لأن العداء بينهما لم يكن أصلاً بسبب النظام المفروض ، بل كان رغبة كل منهما بأن يفرضه ليحقق به مصالحه . صدرت القوانين باللغة الفرنسية ، ثم ترجمت إلى العربية ، ثم نفذت في عام 1883 .
وقانون نابليون يعرف الحق ، اقراراً به ، ( الحق في الحرية ، الحق في المساواة ، الحق في التملك . . . الخ ) سواء توفر لصاحبه مضمون الحق فعلياً أم لا . والنظام الاسلامي لايعرف الحق إلا على مضمون عينيّ يمارسه صاحبه فعلاً . وقانون نابليون يطلق تملك الأرض بدون حدود ، والنظام الاسلامي يقصر ملكية الأرض على الانتفاع دون الرقبة . وقانون نابليون يطلق حرية استعمال الحقوق بدون قيود ولو اتلفها الاستعمال أما استعمال الحقوق في النظام الاسلامي فمحدود بصالح المجتمع . وقانون نابليون يحمّل مرتكب الفعل الضار
( الفاعل المباشر ) وحده مسؤولية تعويض المضرور ، والنظام الاسلامي يزيد فيحمل المتسبب في الضرر
( الفاعل غير المباشر ) مسؤولية التعويض ( الضمان ) مع الفاعل المباشر ، وفي بعض الحالات ، دونه . وقانون نابليون " لايحمي المغفلين " ، والنظام الاسلامي يحمي ذا الغفلة المغبون أو ضحية الغش والتدليس . . . ثم إن قانون نابليون يحل " الربا " والاسلام يحرمه تحريماً قطعياً ، كما حرمته كل الأديان .
كان الربا محرماً " عقلاً " منذ أن قال أرسطو إن النقود لاتلد ثم حرم " قبلياً " منذ أن حرمه اليهود فيما بينهم وأجازوه في اقراض غيرهم اتساقاً مع القاعدة القبلية : عداء الغير بدون حدّ أو قيد . ثم عاد محرماً في المسيحية وبقي كذلك إلى منتصف القرن الثالث عشر ، حين تحول البابا إنوسنت الرابع إلى منظم جيوش وقائد حروب لاتنقطع ضد الامبراطور فريدريك الثاني ، الذي نفاه من روما ، فلجأ إلى ليون ، فأفلست الكنيسة . لجأ البابا إلى التجّار " الشطّار " مستديناً ديوناً فادحة في مقابل فتوى بإباحة الربا . فأفتى بالتفرقة بين ما إذا كان الاقراض بفائدة من أجل الاستهلاك الشخصي وبين ماإذا كان " لتمويل " عمليات تجارية أو صناعية ( استثمار)
فحرم الأولى وأحل الثانية . . ( ريجين برنود " أصول البرجوازية " - وجاك دروز" تاريخ المذاهب السياسية"
ولقد جاءت حركة التنوير والنهضة والعلمانية بعد ذلك فاستغنت عن الكنيسة وكل ماصدر عنها إلا هذه الفتوى ، فهي ماتزال عندها مقدسة . فهي - على وجه - جوهر نظام العلمانية الفردي الربوي أو حجر الاساس فيه ، وما يزال المنافقون في الاقطار العربية يرفعون على دولهم راية الاسلام ، ويدسّون في دساتيرهم أن الاسلام دين الدولة ، أو أن الشريعة الاسلامية مصدر التشريع " رئاء الناس " ثم يبيحون الربا ويرددون فتوى البابا انوسنت الرابع .
إزاء هذا التعارض بين قانون نابليون والنظام الاسلامي احتال المستعمرون على الشعب العربي المسلم بأن تركوا له نظامه الاسلامي في " الاحوال الشخصية " مع أن قانون نابليون ينظم الاحوال الشخصية أيضاً .
وهكذا عرف الشعب العربي المسلم - لأول مرة في تاريخه الطويل منذ الفتح العربي - ازدواج السلطة القضائية حين عرف القضاء " الأهلي " والقضاء " الشرعي " .
أما في مجال الجرائم والعقوبات فقد كان النفاق اكثر فجراً . أراد المستعمرون أن يوهموا الشعب بأن قانون العقوبات الذي استعاروه من نابليون يمثل إرادة " ولي الأمر " الشرعي ، فيما هو مباح له شرعاً من تحديد عقوبات " التعذير " ، على مايقول بعض المجتهدين . فقدموا قانونهم إلى الشعب في مصر بما جاء في المادة الأولى من قانون الاصدار . تقول المادة : " من خصائص الحكومة ان تعاقب على الجرائم التي تقع على أفراد الناس بسبب ما يترتب عليها من تكدير الراحة العمومية ، وكذلك على الجرائم التي تحصل ضد الحكومة مباشرة وبناء على ذلك قد تعينت في هذا القانون درجات العقوبة التي لأولياء الأمر شرعاً تقريرها وهذا بدون إخلال بأي حال من الأحوال بالحقوق المقررة لكل شخص بمقتضى الشريعة الاسلامية " . ويعلق أستاذنا د . السعيد مصطفى السعيد فيقول إنهم كانوا " يخشون الفشل في تطبيق القانون الجديد لاختلاف ظروف المجتمع المصري في ذلك العهد عن المجتمع الأوروبي اختلافاً كبيراً ، ولأنه حل محل قوانين ترجع في أساسها لحد كبير إلى أحكام الشريعة الاسلامية مما دعا الشارع إلى أن يبرر اصداره في المادة الأولى " . ( شرح قانون العقوبات ) وهكذا أصبح الزنا مباحاً ، والخمر مباحاً ، والميسر مباحاً ، والكذب مباحاً . . . في مجتمع أغلبيته من المسلمين بالرغم من أنها محرمات عليهم في النظام الاسلامي .
فلنتأمل وليتأمل معنا من يريد .
العلمانية الثائرة ضد استبداد الكنيسة بتنظيم العلاقات بين الناس ، التي اتخذت من قبول الناس مصدراً لمشروعية أيّ نظام ، التي ألغت ازدواجية السلطة ، وفدت إلينا فاستبدت بنا شعباً وأرضاً ، وفرضت علينا نظامها فرضاً ،
وخلقت الازدواج في السلطة فنقضت مبادئها نقضاً ، فلماذا ؟ لأن العلمانية ليست مع الدين أو ضد الدين بل هي بوابة نظام فردي ( ليبرالي ) ربوي ( رأسمالي ) . وما كان يهم العلمانيين ، ولايهمهم الآن ، أن نؤمن جميعاً أو نكفر جميعاً ، أن نبني المسجد والكنائس أو نهدمها ، ان تتعدد الزوجات أو لاتتعدد ، أن تكبر العمائم أو تصغر ، أن تطول اللحى أو تقصر ، أن يشيع الفسق أو تشيع التقوى ، أن يتحجب النساء أو يسفرن . . الخ ، كل هذا مباح في العلمانية لمن يختاره ، مادام الاسلام كنظام للحياة قد استبعد فأفسح مكاناً لنظامهم . كفاهم عن كل حلال وحرام في كل دين أن أباحوا الربا وجعلوه نظاماً فرضوه . ولقد بدأوا فحددوا لما أسموه " الفائدة " سعراً عالياً ،
وأجازوا استحقاق فوائد على الفوائد ولو تجاوزت أصل رأس المال . ولكن هذا لم يكفهم . فاستصدروا في 24 كانون الثاني / ديسمبر 1900 " أمراً عالياً " بلستثناء " البيوتات المالية المشتغلة بتسليف النقد على رهونات "
( البنوك ) من قيد الحد الأقصى للفائدة ، فارتهنوا مصر أرضاً واذلوها شعباً ، وهم يبذرون فيها بذور العلمانية
ويستنبتون من أبنائها علمانيين ، ولما كان من المحال مخادعة كل الناس كل الوقت ، فقد كان لابد ، لكي يقبل الناس نظامهم ، من اقناعهم بأن الاسلام دين " لله " ، وليس نظاماً للحياة في " الوطن " وذلك عن طريق دعوة فكرية يقوم بها " دعاة " من العرب المسلمين . وحبذا لو كان الداعية من علماء الدين الاسلامي الذين اعتاد عامة المسلمين أن يستمعوا اليهم ويثقوا في صحة ما يقولون ، ليكون " إمام " المذهب العلماني .
وقد كان .






الاسلام واصول الحكم

131 - في منتصف عام 1925 نشر في مصر كتاب ، أو على الأصح كتيب ، من تأليف الشيخ علي عبد الرازق - القاضي حينئذ - في محكوة المنصورة الابتدائية الشرعية . يحمل الكتاب عنوان : " الاسلام وأصول الحكم - بحث في الخلافة والحكومة في الاسلام " . أثار الكتاب فور نشره زوبعة من الجدل جرفت إليها كثيراً من أصحاب الرأي في مصر وخارج مصر ، وجرّت صاحبها إلى ساحة المحكمة التأديبية حيث صدر قرار بفصله من عمله ( 17 أيلول / سبتمبر 1925 ) ، بعد أن كانت هيئة كبار العلماء بالأزهر قد حاكمته وأدانت ماذهب إليه في كتابه فقضت بإجماع خمسة وعشرين عالماً من بينهم شيخ الازهر بإخراج المؤلف من " زمرة العلماء " ( 12 آب / اغسطس 1925 ) ، مع أنه لم يكن في الأزهر ، وطبقاً لنظامه ، جماعة أو زمرة من العلماء غير هيئة كبار العلماء التي لم يكن الشيخ علي عبد الرازق عضوا فيها . أيا ماكان من أمر ذاك الحكم ، فقد كان الكتاب وصاحبه ، وما يزالان ، حتى اليوم موضوعين للدراسة والجدل في الوطن العربي وخارجه . ولعله من المفيد أن نعرف شيئاً عن الأسباب التي أدت إلى أن يكون هذا الكتاب ، ويبقى ، واحداً من أكثر الكتب التي نشرت في موضوعه باللغة العربية ، إثارة وجذباً للانتباه عند أي حديث عن العروبة والاسلام .
132 - نستطيع أن نقطع واثقين بأن مرجع الاهتمام به لم يكن منذ البداية وحتى الآن أصالة مادته أو عمق بحثه أو سلامة منهجه . الكتاب متاح الآن لمن يريد أن يرجع إليه . ومن يرجع إليه تدهشه ، لاشك تدهشه ، ضآلة الأصالة الفكرية فيه وضحالة المادة التي عرضها ، وغياب منهج البحث إلىحدّ العدم . فهو ، من حيث المضمون العلمي أو الفقهي " أفرغ من فؤاد أم موسى " كما شاء أن يصفه استاذنا الفقيه الدستوري عبد الحميد متولّي في كتابه " الشريعة الاسلامية كمصدر أساسي للدستور " مشيرا إلى الآية الكريمة : ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ) { القصص : 10 } .
ولعل مرجع القصور في الكتاب إلى أن مؤلفه قد شغل نفسه بموضوعه وهو مشهود له بأنه من العلماء في الدين بحصوله على إجازة " العالمية " من الجامع الأزهر ( عام 1911 ) . وهي إجازة قد تزكّي الالتفات إلى مايجتهد فيه من أمور الدين التي درسها . ولكّنه - في مقابل هذا - كان حين شغل نفسه بموضوع كتابه مايزال عند مستوى الطلبة المبتدئين في دراسة " أصول الحكم " . ذلك لأنه ما ان تخرج في الأزهر حتى سافرإلى انكلترا
( عام 1912 ) وهناك قضى عاما كاملا منقطعا لدراسة اللغة الانكليزية ليتمكن بما يحصله منها من الالتحاق بجامعة اكسفورد . في العام التالي التحق بجامعة اكسفورد طالبا مبتدئا في دراسة " الاقتصاد والعلوم السياسية ".
وبعد نحو عام اضطر إلى قطع دراسته والعودة إلى مصر بسبب نشوب الحرب الأوروبية الأولى ( عام1914 )
فعين بعد عودته قاضيا بمحكمة الاسكندرية الشرعية ، ثم في الأقاليم . قال في مقدمة كتابه : " وليت القضاء بمحاكم مصر الشرعية منذ سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة وألف هجرية ( 1915 م ) فحفزني ذلك إلى البحث عن تاريخ القضاء الشرعي . والقضاء بجميع أنواعه فرع من فروع الحكومة . وتاريخه يتصل بتاريخها اتصالا كبيرا . وكذلك القضاء الشرعي ركن من اركان الحكومة الاسلامية ، وشعبة من شعبها ، فلا بد حينئذ لمن يدرس تاريخ ذلك القضاء أن يبدأ بدراسة ركنه الاول أعني الحكومة في الاسلام " .
إن صح ماقال فكأنه قد شغل نفسه بموضوعه العميق المعقد يوم ان لم يكن قد تجاوز السابعة والعشرين من عمره إذ هو من مواليد عام 1888 . وهو عمر أقصر من أن يتيح لصاحبه تحصيل الحد الادنى من المعارف العلمية والنضج الفكري اللازم للمجتهدين ، إلا أن يكون عبقريا ، ولم يصدر عن الشيخ علي عبد الرازق قبل كتابه ذاك أو بعده فكر مذكور أو بحث منشور حتى نهاية عمره ينبىء بأنه كان من العباقرة المبرزين .
على أي حال نعتقد أن المرجع الاساسي للخلل الجسيم في البناء الفكري للكتاب هو جهل الشيخ علي عبد الرازق جهلا يكاد يكون تاما بأصول الحكم . فلما أراد أن يقيس السوابق التي يعرفها عن التراث الاسلامي إلى مقياس أصول الحكم المفتقد ، اختلّ القياس وذهب به إلى أحكام لم يقل بها أحد من البشر إلا هو . من امثلته الفاضحة ماقاله وهو يجادل فيما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ملكاً ( يعني حاكما ) أم لا ؟ . قال : ونحن نريد أن نسأل ، هل كان له صلى الله عليه وسلم صفة غير صفة الرسالة ، بها يصح أن يقال انه أسس فعلا أو شرع في تأسيس وحدة سياسية أم لا ؟ فالملك في استعمالنا هنا ، ولاحرج إن سميته خليفة أو سلطانا أو اميرا أو ماشئت فسمه ، معناه الحاكم على أمة ذات وحدة سياسية ومدنية " . . .
ثم انطلق من قوله هذا ينكر دولة المدينة على عهد الرسول لأنها " لم يكن لها ميزانية تقيد ارادتها ومصروفاتها
( أو ) دواوين يضبط مختلف شؤونها الداخلية والخارجية " ولأن " غير القضاء أيضا من أعمال الحكومات ووظائفها الاساسية لم يكن في أيام الرسالة موجودا على وجه واضح لالبس فيه " و " إذا نحن تجاوزنا عمل القضاء والولاية إلى غيها من الأعمال التي لايكمل معنى الدولة إلا بها كالعمالات التي تتصل بالأموال ومصارفها ( المالية ) ، وحراسة الأنفس والأموال ( البوليس ) ، وغير ذلك مما لاتقوم بدونه أقل الحكومات وأعرقها في البساطة ، فمن المؤكد أننا لانجد فيماوصل الينا من ذلك عن زمن الرسالة شيئا واضحا ، يمكننا ونحن مقتنعون ومطمئنون أن نقول إنه كان نظام الحكومة النبوية " . ليس في أي شيء مما قاله الشيخ ما يدخل في " أصول الحكم " . فالميزانية التي تقيد الايرادات والمصروفات والدواوين التي تضبط الشؤون الداخلية والخارجية والمالية وحراسة الأنفس والأموال ( البوليس ) ، جميعها مما يدخل في النظم الادارية وليس في النظم السياسية .
ويبدو أن الشيخ علي عبد الرازق لم يكن يعرف أن مقياسه الرئيسي ، الذي أسماه " أمة ذات وحدة سياسية ومدنية " ، لم تعرفه البشرية نظاما قبل القرن الثامن عشر ، ولم تعرفه فكرا قبل القرن السادس عشر . وان كلمة " الدولة " التي استعملها بلفظها اللاتيني قد اخترعها اختراعا ميكيافيللي في القرن السادس عشر . وان الدواوين التي تضبط مختلف الشؤون الداخلية والخارجية والمالية ، لم تنشأ إلا في القرن الثامن عشر ، ( ابتداء من 1789 في الولايات المتحدة الامريكية ومن 1782 في انكلترا ) وأن تنظيم القضاء لم يسبق مولد القانون . وأنه طوال القرن الرابع عشر وما بعده بقرنين كانت أوروبا ماتزال تناقش ما إذا كان ثمة ضرورة للقانون أم تكفي حكمة الملك أو الأمير أو فتاوى رجال الدين . وقطعا لم يكن يعرف أن أول تنظيم لديوان يحرس الأموال والأنفس ( بوليس ) في أوروبا ، كان بمرسوم أصدره ملك فرنسا لويس الرابع عشر في 15 آذار / مارس 1667 . اما قبل ذلك فإن كل حكام الأرض ، أباطرة أو ملوكا أو أمراء أو كهنة كانوا يحكمون طبقا لأصل واحد من أصول الحكم عبر عنه لويس الرابع عشر حينما قال : " الدولة هي أنا " .
ولو كان الشيخ قد أحاط بالدروس الأولى من علم أصول الحكم ، وهو تاريخ النظم السياسية ، لكان قد عرف أن ما اعتبره من أصول الحكم لم يكن قد دخل العقل البشري فكرا ، ولا دخل حياة البشرية نظاماً ، قبل عهد النبوة ولابعده إلا بقرون طويلة . نحو عشرة قرون .
إن انعدام منهج البحث هو الذي أدّى - على الارجح - إلى أن يلغي في ذهن الشيخ علي البعد الزماني للأحداث التاريخية ، فيحجب عن معرفته ظاهرة التطور التي صاحبت تاريخ النظم السياسية وكل نظم على الاطلاق . فراح يقيس أصول الحكم في القرن السابع الميلادي على أصول الحكم في القرن التاسع عشر ، فيرى في الأولى قصوراً . ولقد سبق أن عرفنا كيف ان الامبراطورية التي انشأها الفتح الاسلامي لم تكن في أصول حكمها وفي نظام إدارتها وفي أسلوب قيادتها وفي طرق اختيار أولئك القادة إلا نموذجا لأصول الحكم ونظام الادارة وأسلوب القيادة وطرق اختيار القادة في عصر الامبراطوريات ( فقرة 62 ) .
نقول على الأرجح ولا نقطع ، إذ يبدو لنا من كتاب " الاسلام وأصول الحكم " أنه قد أنشىء من أجل الوصول إلى غاية محددة من قبل ، ولم يكن اجتهاداً فقهياً أو علمياً مجرداً من بواعث مؤلفه الخاصة فراح ينتقي ما يتفق مع قصده المبيّت ويتجاهل ما كان مفروضا عليه ألايتجاهله لو كان يسعى إلى مجرد الحقيقة .
مثال ذلك أن حديثه قد ساقه سوقاً إلى مواجهة عدة مبادىء هي من أركان أصول الحكم في العصر الحديث ، بل هي أهم أركانه . وهي بعد مبادىء سبق إليها المسلمون عالمهم ، فشغلت علماءهم قبل أن تخطر على بال أي عالم في الأرض بقرون طويلة . أولئك العلماء الذين أخذ عليهم الشيخ علي عبد الرازق أنه " كان واجبا عليهم إذ أفاضوا على الخليفة تلك القوة ورفعوه إلى ذلك المقام وخصّوه بكل هذا السلطان أن يذكروا لنا تلك القوة التي زعموها أنّى جاءته ؟ ومن الذي حباه بها وأفاضها عليه ؟ ولكنهم اهملوا ذلك البحث شأنهم في أمثاله من مباحث السياسة الأخرى " .
نسب إليهم الاهمال ثم قال إن لهم في ذلك مذهبين . المذهب الأول أن الخليفة يستمد ساطاته من سلطان الله تعالى وقوته . والمذهب الثاني أن الخليفة إنما يستمد سلطانه من الأمة فهي مصدر قوته ، وهي التي تختاره لهذا المقام وتعزله . ولعله أن يكون قد تذكّر حين قال هذا ان المذهب الثاني هو مذهب الخلفاء الراشدين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولقد كانت دراسة هذا المذهب الثاني قمينة بأن تنبه الشيخ علي عبد الرازق إلى أنه امام أهم معضلات علم السياسة وأخطر مبادىء أصول الحكم ، وأن أصحابها لم يكونوا مهملين ، بل كانوا مبدعين ، سابقين إلى الابداع كما كانت دراسة هذا المذهب الثاني قمينة بأن تفتح أمام الشيخ علي عبد الرازق أبوابا واسعة إلى معرفة أن خضوع دولة المسلمين على عهد النبوة وما بعده لقواعد عامة مجرّدة وملزمة سابقة على الحكم ( القرآن ) ، هو سبق إلى ما يسمى الآن " دولة القانون " ، وهو أصل من أصول الحكم . وأنّ المساواة بين الأفراد حاكمين ومحكومين في الالتزام بتلك القواعد ، هو سبق إلى مايسمى الآن " سيادة القانون " ، وهو أصل من اصول الحكم . وأن إسناد سلطات الخليفة ( الحاكم ) إلى سلطان الأمة هو سبق إلى مايقال له الآن " الأمة مصدر السلطات " وهو أصل من أصول الحكم .
لو درس لعرف ، ولكنه لم يدرس ، بل ترك هذا المذهب الأقرب إلى موضوع كتابه ، وانطلق ينقد المذهب الأول ، وخصص جلّ كتابه لهذا النقد . المذهب الأول الذي يقول إن الخليفة يستمد سلطاته من سلطان الله تعالى وقوته . أو كما زعم فقال في موضع آخر : إن ولاية الخليفة كولاية الله تعالى ( صفحة 4 ) . وهو قول لم يقله أحد ، من أهل السنّة على الاقل . ولم يدلل الشيخ على قوله إلا بأبيات من شعر المدائح المبالغ في نفاقه ، كما كان الشعراء يفعلون . ولم يقل به -على الأقل - السيد محمد رشيد رضا في كتابه " الخلافة أو الامامة العظمى"
الذي يبدو أن الشيخ علي عبد الرزاق كان معنياً بالردّ عليه ونقض دعوته . يبدو هذا من تكرار الاشارة إليه في المتن وفي الهوامش ، ذلك لأن محمد رشيد رضا كان يدعو في كتابه إلى الخلافة على المذهب الثاني الذي تجاهله مؤلف " الاسلام وأصول الحكم " ولم يدرسه .

على أيّ حال ، إذا كان الشيخ علي عبد الرازق قد خص المذهب الأول بنقده فقد أفلح . افلح باحثاً في الميدان الذي أفلح فيه دارسا . فاستطاع حامل إجازة العالمية أن يثبت أن الخلافة ليست منصباً دينياً ، وأن الخلفاء لم يكونوا يستمدون سلطاتهم من سلطان الله تعالى وقدرته . فنقول إنه في عام 1925 نشر كتاباً أفلح به في نفي مالم يثبت قط ، وأدان نظاما للحكم كان التاريخ قد تخطاه ، وجرد الخلفاء من سلطات لم تكن لهم منذ القرن التاسع الميلادي .
إنها قصة ينبغي أن تروى لنعرف إلى أي مدى صدق الشيخ فيما روى .

الخليفة والسلطان

133 - في عام 1394 كان بيازيد الاول ( رابع قادة الترك من بني عثمان ) قد حقق انتصارات كاسحة ضد الروس والبلغار ، وفي المجر والنمسا واليونان ، وحاصر القسطنطينية عاصمة ماتبقى من الامبراطورية البيزنطية ثمانية أشهر حتى أرغم الامبراطور مانويل الثاني على دفع الجزية وإنشاء مسجد في القسطنطينية وتعيين قاض مسلم تكون له وحده ولاية الحكم في المنازعات التي تقوم بين المسلمين من سكانها طبقاً لقواعد الشريعة الاسلامية . أي فرض عليه " الامتيازات " التي ستسترد من السلاطين من بعده ثم تفرض عليهم فرضا لصالح غير المسلمين من الرعايا العثمانيين . ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) { آل عمران : 140} على أي حال أراد بيازيد أن يتوج تلك الانتصارات بلقب فخيم مثل الذي كان يحمله الحكام الفعليون أيام الخلفاء العباسيين
فأوفد إلى القاهرة من يلتمس من الخليفة العباسي أن يمنحه لقب " سلطان الروم " فمنحه إياه .
لم يكن ذاك الخليفة الذي تلتمس منه الالقاب ويمنحها إلا واحدا من الخلفاء "الدمى" الذين كان يختارهم ويعينّهم ويعولهم ويعزلهم أو يقتلهم ، حكام مصر من المماليك منذ أن خطر للظاهر بيبرس ، سلطان مصر ، أن يلتقط احد الفارين من بغداد بعد اجتياح المغول لها تحت قيادة هولاكو ومقتل الخليفة المعتصم ( عام 1358 ) فالتقطه وعينه " خليفة " تحت اسم المستنصر ( عام 1361 ) . لم يكن ذاك المستنصر يملك من السلطان الا لقبه وكان هو ولقبه ملكاً للسلطان ، يأمره فيأتمر مقابل أن يؤويه ويحميه ويعوله وكذلك كان خلفاء المستنصر في دولة المماليك .
كان منصب " الخلافة " قد انفصل تماماً عن منصب الحكم ( أو الملك كما يقال في التراث ) فلم يكن الخلفاء حكّاما بل كانوا محكومين . وهكذا لم يكن تلقي بيازيد الأول لقب " سلطان الروم " من الخليفة العباسي يعني إنشاء أو دعم أية علاقة بينهما ، لاعلاقة شخصية ولاعلاقة سياسية ولا علاقة اقتصادية .
والواقع من التاريخ أن الانفصال بين الخلافة والحكم كان قد بدأ منذ وقت قبل الغزو المغولي لبغداد . بدأ بعد ولاية المأمون بقليل . فقد تولى الخلافة بعد المأمون أخوه أبو اسحق الملقب بالمعتصم ( منعام 833 حتى عام 842 م ) وكان المعتصم قائداً فذاً وفاتحاً مقتدراً . وكان من بين ماورثه الحرس الخاص لأخيه المأمون المؤلف من جند خراسانيين . فلم يلبث المعتصم أن أضاف إليهم عدداً كبيراً من الأسرى والرقيق الترك ، وكوّن منهم جميعاً فرقة من الفرسان كانوا من خير أجناده .وما فتىء عددهم يزداد حتى زاحموا أهل بغداد وأصبحوا مصدر اضطراب فيها ، فانتقل بهم المعتصم إلى مدينة سامراء ( عام 835 ) التي أعدت لايواء الجند خاصة . ولم يكن يدري أنه بهذا الابتعاد عن الشعب قد أصبح تحت رحمة العسكر وأن امبراطورية العباسيين قد انتقلت بهذا الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة الانهيار ، وأن السلطة لن تعود كما كانت إلى أي خليفة عباسي بعد ذلك
وقد بلغ هوان الخلفاء بعد ذلك حد أن أصبح تعيينهم وعزلهم أو قتلهم لعبة قادة الجيوش أصحاب سلطة الحكم الفعلية . ولم يكن الاختيار يتبع دائماً قاعدة الارث ، وإن كان يتبع دائماً أهواء السلاطين . أما عن العزل أو القتل فيكفي أن نذكر أنه فيما بين عام 847 وعام 870 تولى الخلافة خمسة من العباسيين ، قتل قادة الجيوش أربعة منهم ( المتوكل والمستعين والمعتز والمهتدي ) ، ومات خامسهم ( المنتصر ) بعد ستة أشهر من ولايته ، يقال مسموماً . ومن آيات هوان الخليفة والخلفاء رموز ألقابهم . فحينما عين سلاطين بني بويه الفضل بن جعفر خليفة ( عام 946 ) اختاروا له لقب " المطيع " ، فلما قضى عينوا ابنه عبد الكريم ليكون خليفة من بعده ( عام 974 ) واختاروا له لقب " الطائع " .
ولقد عاصر المؤرخ العربي ابن خلدون ( 1332 - 1406 ) من مراحل الخلفاء الدمى فكتب في مقدمته :
" ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها وصار الأمر ملكاً بحتاً ، وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها ، واستعملت في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملاذّ ، وهكذا كان الأمر لولد عبد الملك ، ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس ، واسم الخلافة باقياً فيهم لبقاء عصبية العرب . والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضها ببعض ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب ، وفناء جيلهم ، وتلاشي أحوالهم ، وبقي الأمر ملكا بحتا كما كان الشأن في ملوك العجم بالمشرق يدينون بطاعة الخليفة تبركا ، والملك بجميع ألقابه ومناجيه لهم وليس للخليفة منه شيء " .
ثم لم يتغير وضع الخلافة على مدى أربعة قرون بعد وفاة ابن خلدون عما كان عليه على مدى أربعة قرون قبل وفاته . ففي العقد الثاني من القرن السادس عشر احتلت جيوش السلطان العثماني سليم الاول سورية وفصلتها عن مصر ، وقد كانتا من قبل موحدتين . ثم زحفت إلى مصر فاحتلت القاهرة عام 1517 .هناك عزل السلطان
سليم الأول الخليفة المتوكل الثالث آخر" دمية " من العباسيين وحمله معه إلى القسطنطينية ثم أطلقه ليعود فيموت في القاهرة . ولم يكن سليم الأول ، المنتصر ، في حاجة إلى" بركات" الخلافة ، واستند في كل فتوحاته إلى "حق الفتح " وذلك بالرغم من مشورة علماء القاهرة ومبادرة حاكم مكة إلى ارسال مفاتيح الكعبة إليه . ولايذكر التاريخ أن أحدا من سلاطين الامبراطورية العثمانية في فترات ازدهارها قد حرص على أن يستند إلى الخلافة لتبرير سلطته .
غير أن لقب " الخليفة " قد عاد إلى الظهور حينما دخلت الامبراطورية العثمانية مرحلة الانهيار نتيجة الحروب المتصلة التي شنّها ضدها "الحلف الاوروبي الصليبي" واستمرت نحو قرنين . نقول الحلف الأوروبي " الصليبي
لأنه تكّون ابتداء ، على أثر محاولة العثمانيين احتلال فيينا عام 1683 ، من روسيا والنمسا و البندقية ومالطة وتوسكاني ، ثم " البابا " وانضمت اليه خلال الحروب المجر وبلغاريا واليونان . وكان شعار حروبه الصليبية :
اخراج الكفار من اوروبا.وقد حدث عام 1774 اثناء ولاية السلطان عبد الحميد الاول أن انهزمت الامبراطورية
هزيمة نكراء فاملى عليها المنتصرون معاهدة كوشوك ( 21نيسان / ابريل 1774 ) وبها فرضت الحماية الاوروبية على المسيحيين من رعايا الدولة العثمانية ( المادة 7 من المعاهدة ) . ووصف فيها عبد الحميد الاول بأنه خليفة المسلمين تبريرا غير مباشر للمعنى الصليبي الذي اراد المنتصرون اشهاره لستر مطامعهم الاقليمية .
ومازالت الامبراطورية العثمانية تتدهور وتستقطع أجزاؤها حتى آلت الولاية إلى عبد الحميد الثاني ( 1876 -1909 ) . وفي عهده فرضت عليه أوروبا المتحالفة معاهدة سان ستيفانو ( 3 آذار / مارس 1878 ) التي اقتطعت من جسد الامبراطورية المريض أغلب الأقاليم الأوروبية ، ثم بدأت اقتطاع أجزاء من الأقاليم التي تدين أغلبية سكانها بالاسلام : احتلت فرنسا تونس ( عام 1881 ) . واحتلت انكلترا مصر ( عام 1882 ) ومسقط
( عام 1892 ) والكويت ( عام 1899 ) . ودخلت الامبراطورية مرحلة الاحتضار . وقد أدرك عبد الحميد الثاني منذ بدء ولايته مخاطر الاستعمار الأوروبي الفتّي الذي يهدد الامبراطورية وما وراءها من أقطار الشرق الآسيوي ، كما أدرك أن ماتبقى من دولته الامبراطورية عاجزة عن صد الغزو الاوروبي ، فأعلن فور تولّيه أنه " خليفة " وأوفد بذلك إلى مصر وتونس والهند وأفغانستان وأندونيسيا والصين . وكان أول سلطان عثماني يعلن ذلك رسميا ويدعو إلى مبايعته ، غير أنه من المهم ملاحظة أن دعوة عبد الحميد إلى مبايعته خليفة لم تكن قائمة على أنه عربي أو قرشي أو من بيت النبيّ أو فقيه في الدين ، كما لم تكن دعوة إلى وحدة المسلمين في دولة تحت رئاسته . وآية هذا أنه وجه دعوته إلى المسلمين في أقطار مثل اندونيسيا والصين . إنما كان عبد الحميد يستغيث بالمسلمين ويدعوهم إلى التضامن والتحالف ضد الخطر الأوروبي ، ورأى أن يجتمعوا تحت شعار " الخلافة " . فلم تكن الخلافة التي اعلنها إلا شعاراً لما عرف في التاريخ باسم " الجامعة الاسلامية " .
ولم تفلح دعوة عبد الحميد إلا في الهند ، حيث وجد المسلمون الهنود أن في نجاح دعوة الجامعة الاسلامية تحت شعار الخلافة دعماً لنضالهم ضد القهر المزدوج الذي يرزحون تحته : قهر الاحتلال الانكليزي وقهر الاستعلاء
الهندوكي ، فنشأت في الهند حركة وحدة اسلامية قوية متمردة على القهر المزدوج باسم " حركة الخلافة " . ستنتهي فيما بعد إلى استقلال المسلمين بدولة الباكستان .
على أي حال لم يفلح عبد الحميد ، وعزل عام 1909 وابتداء من ذلك التاريخ عاد الخلفاء العثمانيون ليلعبوا دور "الدمى" تحت سيطرة حزب " الاتحاد والترقي " الذي أسسه في سالونيكا ( اليونان ) طلعت بك ورحمي بك ثم انضم اليهما " بكوات " كثيرون كان من بينهم نيازي وأنور ومصطفى كمال وجمال ، وأشعلوا ثورة 1908 التي انتهت بعزل عبد الحميد . ولقد ادّعت جماعة " الاتحاد والترقي " أنهم من دعاة الجامعة الاسلامية ولكن ضد استبداد عبد الحميد : وبرز هذا الادّعاء بقيادة أنور بك في دعوتهم إلى الجهاد " المقدس " خلال الحرب الأوروبية الأولى ( 1914 - 1918 ) ولكن ما أن انهزموا حتى انقلبوا تركا طورانيين أشد عداوة للاسلام والعروبة من كل من سبقهم .
بعد عزل عبد الحميد تولّى محمد الخامس ( 1909 - 1918 ) ثم محمد السادس ( 1918 - 1922 ) ثم عبد المجيد ( 1922 -1924 ) ولم يكن أولئك الثلاثة الا " دمى " مجردين تماما من أية سلطة في ظل حكم حزب
" الاتحاد والترقي " . وآية ذلك أنه في أول تشرين الأول / اكتوبر 1922 صدر قرار من حكومة تركيا بإلغاء " السلطنة " ، وبقيت الخلافة لقباً يحمله محمد السادس . وآيته الأخرى أنه في 29 تشرين الأول / اكتوبر 1923
تحولت تركيا إلى جمهورية انتخب لرئاستها كمال أتاتورك ، وبقيت الخلافة لقبا يحمله عبد المجيد إلى أن طرد هو وأسرته والغي لقبه في 3 آذار / مارس 1924 .
وقد ظن الشريف حسين بن علي حاكم الحجاز ، وحليف الانكليز ضد تركيا ، وقائد الثورة العربية عام 1916 أنّ ثمة " خلافة " قابلة للبقاء ولو لقبا شرفيا ، فما أن سمع نبأ إلغائها من تركيا حتى أعلن نفسه " خليفة " في ذات الشهر الذي ألغيت فيه . ولكن عبد العزيز آل سعود وضع حداً لذاك الظن حين استولى على الحجاز وأسقط " الخليفة " الجديد قبل أن يمضي عام على " خلافته " .
134 - وهكذا نعرف من التاريخ أن كلّ الجدل الذي شغل المسلمين وأحزابهم ومذاهبهم في القرون الأولى حول
" الخلافة " وشروط تولّيها ، وأسلوب اختيار من يتولاها ، ومدى سلطانه على المسلمين ، وسند شرعية ذلك السلطان ، وعلاقتها بالدين والدنيا . . الخ ، كان قد فقد جدواه على مدى عشرة قرون تقريباً سابقة على القرن العشرين . وأنه على مدى تلك القرون الطويلة لم يكن الخليفة ، حيث وجد خليفة ، ولم تكن الخلافة ، حيث وجدت خلافة ، حاكماً . وإنما كان الحاكم هو الأقدر على القيادة ، وكان الحكم امبراطوريا له كل خصائص الامبراطوريات السابقة والمعاصرة على الوجه الذي تحدثنا عنه من قبل ( فقرة 62 ) .
طوال تلك القرون لم يكن لأي خليفة " وحده الأمر والنهي وبيده وحده زمام الأمة وتدبير ماجل من شؤونها وما صغر . كل ولاية دونه فهي مستمدة منه وكل وظيفة تحته فهي مندرجة في سلطانه . وكل خطة دينية أو دنيوية فهي متفرعة من منصبه " كما زعم الشيخ علي عبد الرازق في كتابه " الاسلام وأصول الحكم " . ولم يكن صحيحا مازعمه أيضا من أنه " ماكان لأمير المؤمنين محمد الخامس سلطان تركيا أن يسكن اليوم ( يوم ألف كتابه ) يلدز لولا تلك الجيوش التي تحرس قصره ، وتحمي عرشه ، وتفنى دون الدفاع عنه " . فحين كتب الشيخ كتابه كان محمد الخامس سجين قصره يلدز بكل معاني السجين بدون جيوش " تفنى دون الدفاع عنه " .

متـى ؟

135 - أراد الباحث المدقق د . محمد عمارة دراسة كتاب " الاسلام وأصول الحكم " فردّه إلى الملابسات السياسية لصدوره . وهذا منهج علمي صحيح . فليس ثمة أي شيء قابل للتقويم الصحيح بعيداً عن ظرفه التاريخي . ولقد استطاع الدكتور عمارة ، بدقته المعهودة ، أن يقدم لقراء دراسته مجموعة تكاد تكون وافية من الوثائق المتصلة " بالملابسات السياسية لصدور الكتاب " ، وأن يستخلص منها نتائج محكمة الصلة بتلك الوثائق انتهت إلى أن الشيخ علي عبد الرازق اتخذ من كتابه " الاسلام وأصول الحكم " سلاحا يناهض به النظام الملكي عامة ، والملك فؤاد ( ملك مصر في ذلك الوقت ) خاصة ، من خلال مناهضته للخلافة التي كان يطمح الملك في تولّيها ويرشحه الانكليز لولايتها . كما استطاع أن يلفت القارىء إلى سبب الاهتمام البالغ الذي صاحب وتلا صدور الكتاب ، وانتهى إلى أن تعرّض المؤلف للمحاكمة على رأي ابداه ، قد فجّر قضية حرية الفكر واستفز الليبراليين الذين لم يدافعوا عن آراء المؤلف ، بل دافعوا عن حريته في إبداء رأيه .
كل هذا يمكن أن يكون استنتاجا مقبولا إذا اقتصر البحث على السؤال : متى نشر الشيخ علي عبد الرازق كتابه ؟ ولكن السؤال الأهم بالنسبة إلى حديثنا على الأقل هو : متى كتب الشيخ علي عبد الرازق ذاك الكتاب ؟ ذلك لأن الباعث على كتابته لابد أن يكون متحققا قبل الكتابة أو اثناءها بصرف النظر عن تاريخ النشر . دراسة د . عمارة لم تتسع للاجابة عن هذا السؤال ، فلعله أن يعود إليه . ولعلّه حينئذ أن يولي بعضا من جهده مالاحظناه عن تاريخ نشر الكتاب أول مرة . فالمتداول ، ويكاد يكون مسلّما ، أن كتاب " الاسلام وأصول الحكم " قد نشر لأول مرة عام 1925 ( نيسان / ابريل - ايار / مايو 1925 ) ولم يعد نشره بعد تلك السنة إلا عام 1966 عن دار مكتبة الحياة في بيروت ، ثم في مجلة "الطليعة " القاهرية عام 1973 . لعلهم يعنون بذلك الطبعات العربية لأن ذلك الكتاب نشر باللغة الانكليزية في آب / أغسطس 1928 .
مع ذلك ، فقد لاحظنا أن الطبعة التي نشرت عام 1925 قد كتب على غلافها الأصيل أنها " الطبعة الثانية " .. وأن الكتاب في طبعته الثانية هذه قد تضمن حديثا عن السلطان محمد الخامس الذي تولّى السلطة العثمانية مابين عام 1909 وعام 1918 .وقد أضاف المؤلف في هامش الصفحة 25 حيث جاء ذاك الحديث قوله : " كتبنا ذلك يوم كانت الخلافة في تركيا وكان الخليفة محمد الخامس " . ولم تجر العادة على مثل هذه الاضافات في الطبعة الأولى من أي كتاب لانعدام ضرورة الاحتفاظ بأصل ماجاء في المتن مادام لم ينشر ، ولامكان تصحيحه . نضع هذه الملحوظة امام الباحثين وعلى رأسهم د . عمارة ، لأن الملابسات التي سبقت نشر الكتاب ، وخاصة الحرب الأوروبية الأولى التي نشبت عام 1914 وانتهت عام 1918 ، وكانت الخلافة العثمانية تقف فيها موقف العدو المقاتل ضد الانكليز وحلفائهم ، والثورة العربية التي اشتعلت عام 1916 ضد دولة الخلافة بتحريض من الانكليز وحلفائهم ، ومحاولات التمرد في الهند ضد الاشتراك في حرب ضد الخلافة ، والعلاقة الوثيقة التي كانت قائمة بين أسرة عبد الرازق والحزب الذي ينتمون اليه بالانكليز ، والشك في أن يكون الكتاب مناهضة للملك فؤاد الذي لم يصبح ملكا إلا في 15 آذار / مارس 1922 ، ووقوف الزعيم سعد زغلول قائد ثورة 1919 التحررية ، وبالتالي ، العدو ورمز العداء الوطني للانكليز والملك فؤاد ضد الكتاب وصاحبه ، وما هو معروف من استخدام الأسلحة الفكرية في الحروب انتصارا لأهداف المتحاربين ، وما قاله الشيخ علي عبد الرازق في كتابه من أنه كتبه مجزأً وعلى فترات متباعدة في ظروف صعبة . . . كل هذا مجتمعاً يوحي إلينا بأن بعض الفصول حادّة النبرة ، المناهضة للخلافة ، وبيان انعدام اساسها الديني ، وقطع علاقتها بالاسلام ، وإرجاع كل مأصاب الشعوب من هزائم وتخلف إليها ، ربما يكون قد كتب لخدمة المجهود الحربي للانكليز وحلفائهم في ميدان الدعاية . إن صح هذا الايحاء فلا بد أن تكون فصول هذا الكتاب قد نشرت بلغة غير اللغة العربية بين المسلمين في بلاد كان يهم الانكليز ارضاء ضمائرهم الدينية وهم يقدمونهم وقوداً في حرب ضد دولة الخلافة العثمانية . ونقتقد - غير جازمين - أن الشيخ علي عبد الرازق كان يعرف أن بعض ماكتبه من فصول في كتاب " الاسلام وأصول الحكم " قد سبق نشرها ، فكان لابد له من أن يسمي طبعة 1925 الطبعة الثانية ، وأن يحتفظ بأصل النص الذي نشر بدون تغيير ثم يضيف إليه ما ينبّه إلى أنه كلام قديم .
نقول بعض الفصول لأن الكتاب قد تضمن إشارات إلى كتاب " الخلافة أوالامامة العظمى " للسيد محمد رشيد رضا وقد نشر عام 1922 ، وإلى " رسالة الخلافة وسلطة الأمة " التي وضعها المجلس الوطني التركي ونشرت باللغة العربية عام 1924 ، وإلى كتاب السير توماس آرنولد عن " الخلافة " الذي صدر عام 1924 ، أيضا ، ممايدل على أن ثمة ماأضيف إلى ماكان قد كتب أو نشر أولاً . . .
ونختم هذه الملحوظة بمثل ماكان يختم به اسلافنا ما يقولون فنقول : " والله أعلم " .
136 - سواء أثبت المزيد عن البحث صحة مالاحظناه أو لم يثبت ، فإن الثابت لدينا بدون حاجة الى مزيد من البحث أننا إذا استبدلنا بالملابسات السياسية في مصر الملابسات السياسية في أقطار المسلمين ، أو أقطار الشرق عامة ، ورددنا كتاب " الاسلام وأصول الحكم " إلى تلك الملابسات العريضة والتي شملت مصر ضمن اقطار أخرى فإننا نستطيع أن نقول باطمئنان إن الكتاب كان إعلانا لموقف معاد لحركة التحرر من الاستعمار الأوروبي التي عمت دول الشرق واقطار المسلمين ، وغذاها بأفكاره وحركته الثائر العظيم جمال الدين الأفغاني وتلاميذه من بعده . وهو موقف كان - موضوعيا - في خدمة الاستعمار الأوروبي بصرف النظر عن نوايا صاحبه . وإن كان انتماء أسرة الشيخ علي عبد الرازق إلى مدرسة حزب الأمة الذي نشأ في مصر عام 1907 لتأييد الاحتلال والتعاون مع الموظفين الانكليز لايقدم مبررات لترجيح حسن نوايا الشيخ علي ( كان حسن باشا عبد الرازق والد الشيخ علي وكيلاً لحزب الأمة عند انشائه ) .

137 -لو أقتصر أمر الشيخ علي عبد الرازق وكتابه " الاسلام وأصول الحكم " على ماقدمنا لأمكن الاستغناءعنه وعن الحديث عن كتابه في حديثنا عن العلمانية والنفاق العلماني . ولكنّ الكتاب قد انطوى على ماهو أكثر خطورة من مناهضة الخلافة . بل إن الأقرب الى التقويم الصحيح أن يقال إن صخب الحديث عن الخلافة في كتاب " الاسلام وأصول الحكم " كان فرصة اصطنعها مؤلفه ليدسّ فيه أفكاراً مناهضة للاسلام ذاته وهذا سبب احتفاظ الكتاب ومؤلفه باهتمام الكثيرين حتى الآن . فهذا رجل يحمل إجازة العالمية من أعرق الجامعات الدينية ( الأزهر ) ، ويتولى منصب القضاء الشرعي حيث يحتكم إليه في أمور من الأحوال الشخصية للمسلمين ، فيقضي فيها طبقا لمبادىء وقواعد الشريعة الاسلامية ، فمن ذا الذي سيشك في علمه بالدين ؟ . إنه غطاء كثيف ، مثالي الكثافة ، لستر الأفكار المناهضة للاسلام . وليس على الذين يريدون أن يناهضوا للاسلام باسم " العلمانية " إلا أن يشيدوا بالشيخ وأن يتخذوا من كتابه مرجعاً وهم آمنون من االاتهام بالنفاق .
ماذا قال الشيخ ؟ . . لابشأن الخلافة ولكن بشأن الاسلام .
138 - تعرض الشيخ علي عبد الرازق في كتابه " الاسلام وأصول الحكم " لثلاثة موضوعات . الموضوع الأول ، هو الخلافة وعلاقتها بالاسلام . ولقد خصص لهذا الموضوع الكتاب الأول وانتهى فيه إلى أن الخلافة ملك وليست وظيفة دينية . ولقد كان هذا كافيا لو أنه لم يرد غاية أبعد من نفي علاقة الخلافة بالاسلام . ولكننا نراه يمهد في نهاية حديثه عن هذا الموضوع للحديث عن موضوع ثان . فيقول : " معاذ الله ، لايريد الله جل شأنه لهذا الدين الذي كفل له القاء أن يجعل عزه وذله منوطين بنوع من الحكومة ولابصنف من الأمراء "
(ص 38) ، مؤكدا المعنى الذي عبر عنه قبل قوله هذا حين قال : " إن يكن الفقهاء أرادوا بالامامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة ، كان صحيحا ما يقولون من أن اقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة ، في أي صورة كانت الحكومة ، ومن أي نوع : مطلقة أو مقيدة ، فردية أو جمهورية ، استبدادية أو دستورية أو شورية ، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية " ( ص 35 ) .
المسألة إذن ليست مسألة نفي العلاقة بين الخلافة والاسلام ، ولكن المسألة التي كان يريد الشيخ علي عبد الرازق أن ينفيها هي مسألة العلاقة بين الاسلام والحكم مطلقا ، بصرف النظر عن نوع الحكومة وصنف الحاكمين ونظام الحكم . ولم يكن حديثه الصاخب عن الخلافة إلا تمهيدا لهذا النفي . غير أنه لكي يستطيع أن ينفي العلاقة بين الاسلام والحكم ، كان لابد له أن يواجه مرحلة تاريخية كان الرسول صلى الله عليه وسلم حاكماً فيها . فكانت هذه المواجهة هي الموضوع الثاني الذي خصص له الكتاب الثاني وتعرض له تحت عنوان " الحكومة والاسلام " .
في هذا الكتاب الثاني يقرّ الشيخ علي عبد الرازق بأن قد كان الرسول يمارس بعض مايمارسه الحكام ، ويضرب لذلك أمثلة من الجهاد والغزو وما يتعلق " بالشؤون المالية من حيث الايرادات والمصروفات ، ومن حيث جمع المال من جهاته العديدة ( الزكاة والجزية والغنائم الخ ) ومن حيث توزيع ذلك كله بين مصارفه " وتعيين الأمراء على الأمصار والفصل في المنازعات . . . ويضيف ان كل هذا قد حمل ابن خلدون على القول بأن الاسلام شرع تبليغي وتطبيقي ثم يعقب قائلا : " لانرى لذلك القول دعامة ولانجد له سندا ، وهو على ذلك ينافي معنى الرسالة ولا يتلاءم مع ما تقضي به طبيعة الدعوة الدينية " ( ص 57 ) .
ويقدم لرأيه بما لاحظه من قصور في دولة المدينة فيقول : " فلماذا خلت دولته إذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم ؟ ولماذا لم يعرف نظامه تعيين القضاة ؟ ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟ ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه ؟ ولماذا ولماذا ؟ !
نريد أن نعرف منشأ ذلك الذي يبدو للناظر كأنه إبهام أو اضطراب أو نقص ، أو ماشئت فسمّه ، في بناء الحكومة أيام النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان ذلك وما سرّه ؟ " ( ص 57 ) .
وبما قرره من أن الرسالة " تستلزم لصاحبها نوعا من الكمال الحسي " و " التميز الاجتماعي " و " نوعا من القوة التي تعده لأن يكون نافذ القول " و " سلطانا أوسع مما يكون بين الحاكم والمحكومين بل أوسع مما قد يكون بين الأب وابنائه " وانه " يتصل بالأرواح التي في الاجساد وينزع الحجب ليطلع على القلوب التي في الصدور" و " حق الاتصال بكل نفس اتصال رعاية وتدبير وحق التعريف لكل قلب تعريفا غير محدود " . . . وان كل هذا واكثر منه قد اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم ، لينتهي الى القول :" من أجل ذلك كان سلطان النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى رسالته سلطانا عاما ، وأمره في المسلمين مطاعا ، وحكمه شاملا، فلا شيء مما تمتد اليه يد الحاكم إلا وقد شمله سلطان النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا نوعا مما يتصور من الرياسة والسلطان إلا وهو داخل تحت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم ، ولانوع مما يتصور من الرياسة والسلطان إلا وهو داخل تحت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم ، على المؤمنين . وإذا كان العقل يجوّز أن تتفاوت درجات السلطان الذي يكون للرسول على أمته فقد رأيت أن محمداً صلى الله عليه وسلم أحق الرسل عليهم السلام بأن يكون له على أمته أقصى مايمكن من السلطان ونفوذ القول . قوة النبوة وسلطان الرسالة ونفوذ الدعوة الصادقة قدر الله تعالى أن تعلو على دعوة الباطل وأن تمكث في الأرض " ( ص 68 ) .
أذن فقد " كانت ولاية محمد صلى الله عليه وسلم على المؤمنين ولاية الرسالة غير مشوبة بشيء من الحكم "
( ص 8 ) . أو أنه عليه السلام كان " زعيما " كما قال .
وماذا بعد أن مات محمد ؟
139 - هنا يصل الشيخ علي عبد الرازق إلى الموضوع الثالث الذي طال تمهيده للوصول إليه وهو علاقة الاسلام بالحكم ، وقد انقضى عهد الرسالة وانقطع تاريخ الخلافة . وهو بعد الذي يهم المسلمين في حاضرهم ومستقبلهم .
قال " الاسلام دعوة دينية إلى الله تعالى ، ومذهب من مذاهب الاصلاح لهذا النوع البشري وهدايته ، إلى مايدنيه
من الله جل شأنه ويفتح له سبيل السعادة الابدية التي أعدها الله لعباده الصالحين " ( ص 76 ) . أما الأغراض الدنيوية فقد " خلى الله سبحاته وتعالى بينها وبين عقولنا ، وترك الناس أحرارا في تدبيرها على ما تهديهم إليه عقولهم وعلومهم ومصالحهم واهواؤهم ونزعاتهم " ( ص 79 ) .
" وربما أمكن أن يقال إن تلك القواعد والآداب والشرائع التي جاء بها النبي عليه السلام للأمم العربية ولغير الأمم العربية أيضا كانت كثيرة ، وكان فيها مايمس إلى حد كبير أكثر مظاهر الحياة في الأمم فكان فيها بعض أنظمة العقوبات ، والجيش ، والجهاد ، والبيع ، والمداينة ، والرهن ، وآداب الجلوس ، والمشي ، والحديث ، وغير ذلك . . . ولكنك إذا تأملت وجدت أن كل ما شرعه الاسلام وأخذ به النبي المسلمين من أنظمة وقواعد وآداب لم يكن في شيء كثير ولاقليل من أساليب الحكم السياسي ، ولا من أنظمة الدولة المدنية ، وهو بعد إذا جمعته لم يبلغ أن يكون جزءاً يسيراً مما يلزم لدولة مدنية من اصول سياسية وقوانين .
إن كل ماجاء به الاسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات فإنما هو شرع ديني خالص لله تعالى، ولمصلحة البشر الدينية لاغير . وسيّان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية أم تخفى علينا ، وسيّان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية أم لا ، فذلك مالا ينظر الشرع السماوي اليه ولاينظر اليه الرسول " ( ص 84 - 85 ) .
إن " الدنيا من أولها لآخرها وجميع مافيها من اغراض وغايات أهون عند الله من أن يقيم على تدبيرها غير ماركب فينا من عقول ، وحبانا من عواطف وشهوات ، وعلّمنا من أسماء ومسميات . هي أهون عند الله تعالى من أن يبعث لها رسولا وأهون عند رسل الله تعالى من أن يشتغلوا بها وينصبوا لتدبيرها " ( ص 79 ) .
140 - هذا ماقاله او اراد ان يقوله الشيخ علي عبد الرازق في كتابه " الاسلام وأصول الحكم " ولقد انكرنا عليه من قبل علمه بأصول الحكم . ومن قبلنا انكر عليه سعد زغلول علمه بالاسلام . نقل الينا د . محمد عمارة عن مصدره ماقاله سعد زغلول حينما سئل عن رأيه في الكتاب انه قال : " لقد قرأته بإمعان لأعرف مبلغ الحملات عليه من الخطأ والصواب فعجبت أولا كيف يكتب عالم ديني بهذا الاسلوب في مثل هذا الموضوع . وقد قرأت كثيرا للمستشرقين ولسواهم فما وجدت ممن طعن منهم في الاسلام حدّة كهذه الحدّة في التعبير على نحو ما كتب الشيخ علي عبد الرازق . . . لقد عرفت أنه جاهل بقواعد دينه بل بالبسيط من نظرياته ، وإلا فكيف يدّعي أن الاسلام ليس مدنيا ، ولا هو بنظام يصلح للحكم ؟ فأية ناحية من نواحي الحياة لم ينص عليها الاسلام ؟ هل البيع والاجارة أو الهبة أو أي نوع آخر من المعاملات ؟ أم يدرس شيئاً من هذا في الأزهر ؟ أولم يقرأ أن أمماً كثيرة حكمت بقواعد الاسلام فقط عهودا طويلة كانت أنضر العصور ؟ وان امما لاتزال تحكم بهذه القواعد وهي آمنة مطمئنة ؟ فكيف لايكون الاسلام ديناً مدنياً ودين حكم ؟ وأعجب من هذا ماذكره في كتابه عن الزكاة ؛ فأين كان هذا الشيخ من الدراسة الدينية الأزهرية ؟ " .
ثم أضاف سعد زغلول : " . . . والذي يؤلمني حقاً أن كثيراً من الشبان الذين لم تقو مداركهم في العلم القومي ، والذين تحملهم ثقافتهم الغربية على الاعجاب بكل جديد ، سيتحيزون لمثل هذه الافكار ، خطأ كانت أو صواباً ، دون تمحيص ولا درس ، ويجدون تشجيعا على هذا التحيز فيما تكتبه جريدة (السياسة) وأمثالهامن الثناء العظيم على الشيخ علي عبد الرازق ومن تسميتها له بالعالم المدقق والمصلح الاسلامي والاستاذ الكبير . . . الخ . وكم وددت أن يفرق المدافعون عن الشيخ بين حرية الرأي وبين قواعد الاسلام الراسخة التي تصدى كتابه لهدمها . ."
هكذا تكلم سعد زغلول قائد ثورة 1919 التحررية ، والمستشار في القضاء العالي ، ورجل القانون ، المحامي الضليع ، وإن لنا تعقيباً .

ديـن للدنيـا

141 - إن الفكرة الاساسية التي أنشأ علي عبد الرازق كتابه من أجل بثّها ( بعد أن كتب ماكتب عن الخلافة ) هي أن الاسلام شرع تبليغي وليس شرعا تطبيقيا . وكل ماجاء في الكتاب غير هذا هو محاولات لمساندة هذه الفكرة وإثباتها . من هنا يكون القول الفصل في موقف مؤلف كتاب " الاسلام وأصول الحكم " غير متوقف على حجم الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام . هذا مردود بأن الاسلام لم يأت بجميع الشرائع والقواعد والآداب اللازمة لتنظيم كل أوجه الحياة البشرية في زمان معين في مجتمع معين . ذلك لأن الاسلام كماهو
( بدون مذاهب ) ، قد جاء للبشر في كل زمان ومكان . ( قل ياأيها الناس إني رسول الله اليكم جميعا )
{ الأعراف : 158 } . ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) { سبأ : 28 } . . وما كان له أن يكون كذلك لو لم يكن ما جاء به من شرائع وقواعد وآداب مقصوراً على أصول ما يحقق مصالح الناس من حيث هم ناس بدون قيد من الزمان والمكان . أما مادون ذلك من شرائع وقواعد وآداب تقتضيها مصالح الناس المتغيرة المتطورة تبعا للتغير في المكان والتطور في الزمان ، فقد تركها الاسلام لأصحاب المصلحة فيها يضعونها على الوجه الذي يتفق مع مصالحهم المتغيرة المتطورة على هدى ما جاء به الاسلام في القرآن ؛ فإن جاءت محققة لمصلحة الجماعة أصبحت جزءاً من شرائع الاسلام في هذه الجماعة . قال تعالى : ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ، لكل أجل كتاب ) { الرعد : 38 } أي لكل زمان أحكام . وقال تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) { المائدة : 48 } أي لوّحد شرائعكم وقواعدكم وآدابكم . وقال تعالى ( ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين ) { البقرة : 1 } أي أن ماجاء في القرآن من شرائع وقواعد وآداب ملزمة تهدي الناس إلى أفضل الشرائع والقواعد والآداب التي يحتاجون إلى وضعها ولم ترد فيه نصاً . ومن هنا كان الاجتهاد المذهبي مشروعا إسلامياً في حدود عدم المساس بما جاء في القرآن محكما . وقد تحدثنا عن هذا تفصيلا حين تحدثنا عن النظام الاسلامي ( فقرة 76 ) لايتوقف القول الفصل في موقف مؤلف كتاب " الاسلام وأصول الحكم " إذن ، على حجم الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام ونسبتها إلى الشرائع والقواعد والآداب السائدة في المجتمعات الحديثة ؛ إنما يتوقف القول الفصل في موقف الشيخ علي عبد الرازق على ماإذا كان يرى أن ماجاء به الاسلام من شرائع وقواعد وآداب ملزم للمسلمين في ممارسة حياتهم الدنيا أم غير ملزم .
وماهو مصدر الالزام ، ، إن وجد . نقول ملزماً ونعني الدلالة القانونية ( الحقوقية ) لكلمة الالزام أي نفاذها في حياة المسلمين بدون توقف على إرادتهم وإيقاع جزاء دنيوي أيضا على مخالفتها . إن يكن ملزما فالاسلام قد وضع للحياة في الدنيا قواعد سلوك يتميز بها عن غيره من الأديان ويميز بها حياة المسلمين دون غيرهم ، فهو " دين للدنيا " ، إن صح هذا التعبير . أما إذا لم يكن ملزما فالاسلام دعوة روحية تصوغ العلاقة بين الله وعباده
من اتبعها كسب ثواب الآخرة ، ومن خالفها نال جزاءه في الآخرة ولاشأن لها بحياة المسلمين .
ولقد أجاب الشيخ علي عبد الرازق في كتابه " الاسلام وأصول الحكم " بما يعني صراحة أن ماجاء به الاسلام من شرائع وقواعد وآداب غير ملزم للمسلمين في ممارسة حياتهم ( بالمعنى الذي حددناه لكلمة الالزام ) . مع ملاحظة أنه يكفر بالله ولم يجحد رسالة محمد ولم ينكر أن الاسلام قد جاء بشرائع وقواعد وآداب ، قلّت أو كثرت . اجاب بأنها غير ملزمة على ثلاثة أوجه :
الوجه الأول ، بإخراج الحياة وأغراضها وسبل ممارستها من دائرة العناية الالهية . وذلك بما قاله من أن
" الدنيا من أولها لآخرها ، وجميع مافيها من أغراض وغايات . . . هي أهون عند الله تعالى من أن يبعث لها رسولا ، وأهون عند رسل الله تعالى من أن يشغلوا بها وينصبوا لتدبيرها " ( ص 79 ) . وهو مايعني صراحة أن الله سبحاته وتعالى لم يشأ أن تكون الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام ملزمة للمسلمين في شؤون حياتهم الدنيا . ولم يرسل الرسل الى الناس من أجل هذا . وبالتالي فإن الناس أحرارا في ان يلتزموا في حياتهم ما أبلغهم الرسل أو لايلتزموا بدون جزاء في الدنيا في الحالتين . وذلك واضح من إنكاره على ابن خلدون قوله إن الاسلام تبليغي وتطبيقي معا .
الوجه الثاني ، بما قاله من أن مصدر التزام المسلمين بتلك الشرائع والقواعد والآداب في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان كماله الحسي وقوته الروحية وهيبته وسلطته على النفوس . أي أن المسلمين في عهده عليه السلام كانوا يلتزمونها خضوعا لزعامته وطاعة لشخصه ، وليس لأنها ملزمة في حدّ ذاتها . وهو يعني أنها ، بعد وفاة الرسول وتمام الرسالة ، لم تعد ملزمة لهم لانقضاء مصدر قوة الالزام فيها .
الوجه الثالث ، بما قاله من أن الله تعالى قد خلّى بين الحياة الدنيا وبين الناس " وترك الناس أحراراً في تدبيرها على ما تهديهم إليه عقولهم وعلومهم ومصالحهم وأهواؤهم ونزعاتهم " لأنها " أهون عند الله تعالى من أن يقيم على تدبيرها غير ما ركب فينا من عقول وحبانا من عواطف وشهوات " . وهو يعني أن المسلمين غير ملزمين في ممارسة حياتهم إلا بما تهديهم إليه عقولهم ومصالحهم واهواؤهم ونزعاتهم وعواطفهم وشهواتهم ، سواء اتفق مع ما جاء به الاسلام من شرائع وقواعد وآداب أم لم يتفق .
142 - لقد قال الشيخ علي عبد الرازق شططا ، وأخطأ فيما قال على كل وجه ساند به مذهبه .
أما عن الوجه الأول ، فقد ادعى على الله سبحانه وتعالى ، بما ليس به علم ، أعني هوان الدنيا بمن فيها من بشر وما فيها من حياة . ادعى الهوان وادعى مدى الهوان . وهو مدخل مفتوح إنكار الخلق والأديان جميعا ، ولانزيد
ولقد قرأ الشيخ علي قوله تعالى : ( واعلموا أن الله غني حميد ) { البقرة : 267 } و ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) { آل عمران : 97 } و ( ان تكفروا انتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد )
{ ابراهيم : 8 } و( له مافي السموات ومافي الأرض ، وإن الله لهو الغني الحميد ) { الحج : 64 } و ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ، إن الله لغنيّ عن العالمين ) { العنكبوت : 6 } و ( ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد)
{ الحديد : 24 } . . . الخ .
ويبدو أنه قد أراد أن يفهم من هذه الآيات أن استغناء الله تعالى عن الدنيا ومن فيها وما فيها يعني أنها اهون عنده سبحانه من أن يرسل إليها رسلا ، واهون عند رسله من أن يشغلوا بتدبير أغراضها . وهو فهم غير بريء من الخطأ الجسيم المتعمّد أو غير المتعمّد .
ذلك لأن الشيخ علي عبد الرازق قد قرأ أيضا قوله تعالى الذي لايكتفي بالايمان إلا مقرونا بالعمل الصالح في نحو سبعين آية من آيات القرآن تردّد فيها جميعا معنى قوله تعالى ( من آمن بالله واليوم الآخر وعمل عملا صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ) { البقرة : 62 } . وقرأ نحو ثمانين آية من آيات القرآن تدل على عناية الله بما يعمل البشر ، وتكرر إبلاغهم بمعنى ما جاء في قوله تعالى : ( وما الله بغافل عما تعملون ) { البقرة : 74 } .
لاشك في أن مؤلف " الاسلام وأصول الحكم " قد قرأ تلك الآيات وأكثر منها بحكم أنه ماكان له أن ينتسب إلى الجامعة الأزهرية بغير حفظ للقرآن . كما لايمكن أن ينسب إليه الجهل بأن مجال العمل الصالح وغير الصالح هو الحياة الدنيا . فلا نعرف كيف فاته أن استغناء الله سبحانه وتعالى عن ايمان الناس أو كفرهم وعن أعمالهم ، وعن الحياة الدنيا جميعا ، مع عدم اكتفائه بالايمان بديلا عن العمل الصالح في الدنيا ، وتحذير المسلمين بأنه يراقب أعمالهم ولايغفل عنها . كل هذا معاً ، يعني أن كل الأديان والرسل وما جاؤوا به من شرائع وقواعد وآداب إنما هو لصالح الناس في حياتهم الدنيا ، وهو ما يناقض وينقض ما زعمه المؤلف عن هوان الدنيا عند الله وعند رسله .
أما عن الوجه الثاني فإن كل ماسطره الشيخ علي عبد الرازق من صيغ بلاغية في تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل ما أقر به لشخصه الكريم من كمال حسّي وقوة روحية وسلطان على نفوس المسلمين لتبرير التزامهم في حياته بما " أخذ به النبي المسلمين " ( تأمل التعبير ! ! ) لايخفي تجاهله الاجابة عن سؤال حاسم : هل كانت الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام ملزمة للرسول نفسه ، مثله في هذا مثل باقي المسلمين أم لا ؟ . . . إن المصدر الاساسي للشرائع والقواعد والاداب التي جاء بها الاسلام هو القرآن . فهل كان النبي مع المسلمين جميعا ، مأخوذين بما جاء في القرآن من شرائع وقواعد وآداب ، أم أن النبي هو الذي أخذ بها المسلمين كما اختار ان يقول الشيخ علي عبد الرازق ؟
لاشك في أن مؤلف كتاب " الاسلام وأصول الحكم " قد قرأ قوله تعالى ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) { الأنعام : 14 } وقوله تعالى ( قل ياأيها الناس إني رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لاإله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) {
{ الاعراف : 158 } كما قرأ قوله تعالى : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ) { آل عمران : 79 } . وقوله تعالى : ( وما كان لنبي أن يغلّ ، ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة ، ثم توفّى كل نفس بما كسبت وهم لايظلمون ) { آل عمران : 161 } . وقوله تعالى :
( ياأيها النبي اتق الله ولاتطع الكافرين والمنافقين ، إن الله كان عليما حكيما . واتبع ما يوحى اليك من ربك )
{ الأحزاب : 1،2 } وقوله تعالى : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لايعلمون)
{ الجاثية : 18 } . فكيف لم يدرك الشيخ حامل إجازة العالمية من الأزهر أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأخذ المسلمين بالشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام ، بل كان هو ، وهم جميعا ، مأخوذين بها ، وبالتالي فإن مصدر قوة الالزام فيها لم يكن شخصه وطاعة المسلمين له ، بل قوة فوق شخصه وأشخاصهم هي قوة الله الذي به يؤمنون . وإن طاعتهم الرسول كانت التزاما بأمر الله بطاعة الرسول . كيف لم يدرك الشيخ أن الرسول مبلّغ رسالة ، وأن مصدر القوة الملزمة في الرسالة ليس من يبلّغها ولكن من يرسلها ؟
أما عن الوجه الثالث ، وهو حرية الناس في أن يتبعوا ما تهديهم اليه عقولهم وعلومهم ومصالحهم واهواؤهم ونزعاتهم وعواطفهم وشهواتهم فهو قول لم يسبق إليه أحد من البشر إلا الكاتب الألماني " الفوضوي " ماكس شتينر " في كتابه " الانسان الأحد " الذي نشره في منتصف القرن التاسع عشر . ولو كان الشيخ علي عبد الرازق قد قرأ حقا ماكتبه المفكران الانكليزيان هوبز ولوك اللذان اشار اليهما في كتابه ، لكان قد عرف أن حرية الناس في أن يتبعوا ماتهديهم إليه عقولهم وعلومهم ومصالحهم وأهواؤهم . . . الخ ، تؤدي إلى صراع الأفراد مما يستوجب أن يتنازل كل فرد عن بعض حريته ليعيش الناس في سلام ، وقد تنازلوا فنشأت الشرائع كما قال هوبز في كتابه " العملاق " ( عام 1651 ) ، وأنه بالرغم من كل مميزات تلك الحرية فإن الجنس البشري قد تنازل عنها حتى لايحتكم الناس فيه الى القوة ، واستبدلوا بها الاحتكام الى الشرائع والقوانين كما قال لوك في كتابه " رسالتان في الحكم " ( عام 1690 ) ولو كان قد قرأ أي كتاب ولو من كتب المبتدئين في دراسة " أصول الحكم " ، لعرف انه لم يحدث في تاريخ البشرية أن وجد مجتمع يتبع الناس فيه ما تهديهم اليه عقولهم وعلومهم ومصالحهم وأهواؤهم . . . الخ بدون شرائع أو قواعد أو آداب . أو لعله قد قرأ ، ولكنه لم يشأ أن يضعف حجته فلم يذكر .
143 - ذلك لأن الواقع من امر هذه الحياة الدنيا أن الناس يعيشون فيها جماعات جماعات . أسراً أو عشائر أو قبائل أو شعوباً أو امما . وهو واقع ثابت في الزمان والمكان . لم يحدث قط أن وجد انسان مقطوع الصلة بغيره
لم يوجد قط ، ولايمكن أن يوجد ، ذلك الفرد المفرد المتفرد بحياته .
والافراد في المجتمع ، أي مجتمع ، مختلفون في " عقولهم وعلومهم ومصالحهم وأهوائهم ونزعاتهم وعواطفهم وشهواتهم " بل أن منهم أطفالاً ليس لهم عقول ولا علوم ولا مصالح ولا أهواء ولا نزعات ولا عواطف ولا شهوات يهتدون بها . هذا الاختلاف لايسمح باتساق أو تطابق ما يريده كل الناس في أي مجتمع بدون اكراه بعضهم بعضاً . فإن أخلي بينهم وبين ما تهديهم إليه عقولهم ومصالحهم . . . الخ ، تنازعوا فتصارعوا فاقتتلوا فكان هلاك بعضهم أو هلاكهم جميعاً . من أجل حفظ الناس من مخاطر هذا الهلاك كانت الشرائع والقواعد والآداب التي تفرض على سلوك الأفراد في أي مجتمع قواعد ملزمة لايجوز خرقها ، وتوقيع جزاء على هذا الخرق ، أو محاولته ، يبقيها نافذة أبداً .
من الذي يضع هذه الشرائع والقواعد والآداب ؟ لم يقدم تاريخ البشرية جواباً واحداً عن هذا السؤال . فقد عرفت البشرية المسرّع رب الأسرة ، والمشرّع شيخ العشيرة ، والمشرّع رئيس القبيلة ، والمشرع الملك ، والمشرع الكاهن ، والمشرع أقلية الشعب ، والمشرع أغلبيته ، كما عرفت الشرائع الدينية . وإنما قدم تاريخ البشرية جواباً واحداً عن السؤال : هل لابد لكل مجتمع من شرائع وقواعد وآداب ؟ فقال : نعم .
الشرائع والقواعد والآداب إذن ضرورة اجتماعية . ضرورة بمعنى أن الاستغناء عنها محال . واجتماعية بمعنى أنها ترد على العلاقات بين الأفراد وليست تنظيماً لسلوك فرد بدون علاقة مع غيره وهو محال أيضاً .
إن هذه البهية على أكبر قدر من الهمية بالنسبة إلى فهم الموقف العلماني من الاسلام فهماً صحيحاً . ذلك لأن الدعوة العلمانية مطروحة على المسلمين كما لو كانت دعوة إلى الاختيار بين الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام وبين حريّة المسلمين في أن يتبعوا ماتهديهم إليه عقولهم ومصالحهم . . . الخ . وهو طرح مغالط او مغلوط . لأن أول ما سيهتدي إليه المسلمون ، حين يتركون " أحراراً في تدبير حياتهم على ماتهديهم إليه عقولهم ومصالحهم " ، هو أن يضعوا لأنفسهم شرائع وقواعد وآداب ملزمة لهم جميعاً .
جوهر الدعوة العلمانية في مجتمع من المسلمين كما نراه هو أن تستبدل بالشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام شرائع وقواعد وآداب وضعية . فإذا لاحظنا أن الاسلام قد ترك المسلمين أحراراً في ان يضعوا لأنفسهم ما تهديهم إليه عقولهم من شرائع وقواعد وآداب في تلك المجالات الواسعة المتغيرة المتطورة التي لم يلزمهم الاسلام فيها بقاعدة وردت في نص محكم فإنا نعرف بسهولة أن المقصود من الدعوة العلمانية في مجتمع من المسلمين هو أن نستبدل بالشرائع والقواعد والآداب التي جاءت بها آيات محكمات في القرآن شرائع وقواعد
وآداب وضعية . أي في جملة واحدة : تعطيل الشرائع والقواعد والآداب الاسلامية واستبعادها من حياة المسلمين . لايقول كثير من أصحاب دعوة العلمانية في الوطن العربي كل هذا قولاً صريحاً كما فعل الشيخ علي عبد الرازق ، ولكنهم يحتالون للوصول إليه احتيالاً ، رئاء المسلمين ، ولهذا أسميناه نفاقاً .
144 - ومع هذا فإن قولنا هذا لايكون صادقاً إلا إذا كان الاسلام قد جاء بشرائع وقواعد وآداب ملزمة . ولقد عرفنا أن أول مميز للشرائع والقواعد والآداب أن تكون واردة على علاقات بين الأفراد وليست تنظيماً لسلوك فرد بدون علاقة . فهل جاء الاسلام بتلك الشرائع ؟
لقد درج الفقهاء على تقسيم الأحكام الاسلامية إلى عبادات ومعاملات . ولا تثير أحكام المعاملات أية صعوبة في التعرف على طبيعتها التشريعية ، أي أنها والردة على علاقات بين الافراد . إنما الذي قد يثير صعوبة في معرفة صلته بالعلاقات بين الأفراد هو أحكام العبادات ، فعندما يقول واحد من أعظم الفقهاء المحدثين علماً بالدين والدنيا وأحكمهم منطقاً مثل الامام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الأسبق ، في كتابه
" الاسلام عقيدة وشريعة " ، إن العبادات هي " العمل الذي يتقرب به المسلمون إلى ربهم ويستحضرون به عظمته ويكون عنواناً على صدقهم في الايمان به ومراقبته والتوجه إليه " ، وأن المقصود من العبادات هو " تطهير القلب وتزكية النفس وقوة مراقبة الله التي تبعث على امتثال أوامره " ، تبدو أحكام العبادات كما لو كانت واردة على علاقة كل مسلم بربه ومقصورة على هذه العلاقة أمراً وأثراً . ويصعب علينا أن نذهب إلى غير ماذهب إليه إمام جليل كان بمثابة أستاذ اضاءت أفكاره النيّرة لجيلنا مدارج الفهم الصحيح للاسلام .
ولكنا تعلمنا من القرآن أن الله غني حميد ، وأنه سبحانه ( رب الناس ، ملك الناس ، إله الناس ) جملة وجمعاً .
ولم نهتد في القرآن إلى خطاب آمر أو ناه موجه إلى فرد إلا ماكان خطاباً للرسول عليه الصلاة والسلام ، أو ما جاء في قصص القرآن . أما غير هذا الخطاب الآمر أو الناهي موجه إلى جمع بصيغ الجمع أو المفرد النكرة الذي يفيد الجمع . فهم المؤمنون والمؤمنات ، أو هم من آمن بالله واليوم الآخر . ففهمنا اجتهاداً أن كل الأحكام التي جاء بها الاسلام واردة على علاقات جماعية بين الأفراد وليس على علاقة فرد بربه ، بما فيها أحكام العبادات .
هذا بدون إنكار لما عدّده الامام الأكبر من حكم العبادات حين قال إن المقصود بها تطهير القلوب وتزكية النفوس وقوة مراقبة الله التي تبعث على امتثال أوامره . إذ عندما تكون أوامره سبحانه وتعالى ونواهيه غير المتعلقة بالعبادات ، واردة على علاقات بين الأفراد ، فإن أحكام العبادات ذاتها تكون " إعداداً " للفرد ليكون " صالحاً " في علاقاته مع الآخرين امتثالاً لأوامر الله .
ثم نتامل العبادات وأحكامها . أما العبادات فهي مايعرف بأركان الاسلام الخمسة : شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، والصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والحج . وهي جميعاً فروض ملزمة لكل مسلم متى توفرت في المسلم شروط التكليف بها . أما عن الشهادة فهي شهادة على النفس دون الغير . وأما الصلاة فهي صلاة بالنفس دون الغير . أما الزكاة فتخرج من مال النفس دون الغير ، أما الحج فهو عند استطاعة النفس دون الغير . انها جميعاً عبادات لايتوقف أداؤها إلا على المكلف بها فتبدو أعمالاً " فردية " أو " خاصة " غير ذات علاقة بالمسلمين الآخرين .
ولكنا نعتقد أن الأمر على غير هذا ، وأن تلك العبادات تنشىء وتدعم علاقات اجتماعية بين كل مسلم وباقي المسلمين ، تترتب عليها آثار ملزمة في حياتهم .
فشهادة ألاّ إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ليست مجرد تعبير عن الايمان بالله ورسوله الذي يمكن أن يتحقق بدون التعبير عنه ، وإنما هي إعلان من الشاهد بقبول انتمائه إلى النظام الاسلامي بكل ما يترتب على هذا الانتماء من حقوق وواجبات ، والتزام بالشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام . لهذا لابد من الجهر بالشهادة . أما الشهادة المكتوبة فلا تكفي لثبوت الاسلام . ( قالوا أقررنا ، قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين )
{ آل عمران : 81 } أما الصلاة فلا تصح إلا إذا ولّى المسلم وجهه شطر القبلة التي يولّي باقي المسلمين المصلين وجوههم شطرها . ( وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره ) { البقرة : 144 } . يصلي المسلمون فرادى وجماعات ، وتختلف أركان الأرض توقيتا، ولكن صلاة كل منهم لاتصح إلا بالتقائها مع صلاة الآخرين في الاتجاه إلى بقعة واحدة من الأرض . أما عن الصوم فلو كان فرضاً فردياً أو " خاصاً " بعلاقة المسلم بربه لجاز ان يختار كل مسلم شهر صومه دون ان ينتقص ذلك من آثار الصيام في تطهير القلب وتزكية النفس وصحة البدن . ولكن الاسلام قد فرض على كل مسلم أن يصوم الشهر ذاته الذي يصومه باقي المسلمين ، وعيّنه بأنه شهر رمضان . فهو عبادة " جماعية " . أما الزكاة فليست مجرد تطهير وتزكية للمسلم ( خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم ) { التوبة : 103 } . ليست مجرد أخذ من مال المسلم ، ولكنها أخذ من المسلم لاعطاء الآخرين ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله ، والله عليم حكيم ) { التوبة : 60 } . والأمر من الحج أظهر . فهو ليس زيارة إلى بيت الله الحرام يقوم بها المسلم القادر ويتم مناسكها ، فتلك " العمرة " ، ولكنه فرض على كل مسلم استطاع إليه سبيلاً أن يجتمع مع باقي المسلمين في مكان واحد في وقت واحد ليشتركوا جميعاً في أداء مناسك واحدة .
وهكذا يتضح ، كما نعتقد ، أن كل العبادات في الاسلام " جماعية " لابمعنى أنها مفروضة على الجميع ، ولكن بمعنى أن أداءها يتم جماعياً : فهي لاتصح من المسلم إن فقدت ركن الجماعية فيها . أن يشهد بينه وبين نفسه . أن يصلي في أي اتجاه . أن يصوم في أي شهر . أن يخرج من أمواله الزكاة ولايعطيها لأحد ( يهلكها مثلاً ) .
أن يحج في غير الوقت المحدد لاجتماع المسلمين ( يعتمر مثلاً ) .
الفروض ملزمة لكل مسلم مكلف سواء عرف الحكمة من فرضها أم لا . والحكمة هي الأثر الذي أراد الله تعالى له أن يتحقق بأداء الفرض . وحيث لايأتي النص مبيناً الحكمة يجتهد في بيانها المجتهدون ويختلفون في اجتهادهم ولكن كثيراً منهم يذهبون بشكل عام إلى التمييز بين الآثار الدينية والآثار الدنيوية . فتكون الحكمة من كل فرض تحقيق مصلحة دينية أو مصلحة دنيوية . والدارج أن الحكمة م العبادات تحقيق مصالح دينية ولهذا أسميت عبادات . أما وقد رأينا كيف أنها عبادات جماعية فإننا نعتقد أنه من المصالح ، أو الحكم المقصود تحقيقها بأداء الفروض مصلحة أو مصالح دنيوية ، والله غني عن عباده وما يعملون .
إن تكن العبادات تطهيراً للقلوب وتزكيةً للنفوس فحكمتها إصلاح الانسان حتى يبقى صالحاً للعمل الصالح في الدنيا كما قلنا من قبل . ثم يأتي الركن الجماعي للعبادات ليكشف عن حكمة نراها لازمة لصلاح كا مسلم وفلاح المسلمين معاً . أولئك المسلمون الذين يتوزعون مكاناً في أركان الأرض ويفترقون مصالح ويختلفون عقولاً وأهواء وشهوات وينتمون إلى جماعات من أسر أو عشائر أو قبائل أو شعوب أو أمم متفرقة ومتمايزة ، ولكنهم حيث يكونون لاتصلح حياتهم إلا حيث يكونون قابلين قادرين على العمل الجماعي بحكم أن الناس جماعات ،
وكبح جماح النزوع الفردي بحكم أن الفرد من غير جماعة محال . فجاءت العبادات في الاسلام تهذيباً للنزوع الفردي " الغريزي " ، وتدريباً لكل مسلم على قبول وممارسة العمل الجماعي : بأن يشهد " للناس " بألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ؛ بأن يصلي مع " الناس " جماعة ما أمكن ذلك ، ولكن في كل الحالات أن يتجه إلى القبلة التي يتجه إليها " الناس " ؛ بأن يصوم الشهر الذي يصومه " الناس " وأن يفطر معهم ؛ بأن يخرج من اماله زكاة لمن يستحقها من " الناس " ؛ بأن يحج في الوقت الذي يحج فيه " الناس " ، وإلى المكان الذي يحج إليه " الناس " . بأن يشترك مع " الناس " في كل هذه العبادات سواء كان يعرفهم أو لايعرفهم ، له مع أحد منهم ، أو مع بعضهم ، مصلحة أو ليس له ، ينتمي إليهم أسرياً أو عشائرياً أو قبلياً أو شعوبياً أو قومياً أو لاينتمي .
ذلك لأن الواقع من أمر هذه الحياة الدنيا أنه يعيش مع الناس ولايستطيع إلا أن يعيش معهم ، فله مصلحة دنيوية متحققة يقينا في أن يربي نفسه على أسلوب الحياة الدنيا : أسلوب العمل الجماعي ، " لاغير " .
والله أعلم .
145 -كان ذلك عن العبادات وأولى به أن يقال عن الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام لتنظيم المعاملات . فالمعاملات علاقات دنيوية بين الأفراد بدون شبهة . ومع ذلك يقول الشيخ علي عبد الرازق في كتابه " الاسلام واصول الحكم " :
" إن كل ماجاء به الاسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقةبات فإنما هي شرع ديني خالص لله تعالى ولمصلحة البشر الدينية لاغير . وسيّان أن يكون فيها للبشر مصلحة مدنية أم لا ، فذلك مالا ينظر الشرع السماوي إليه ولاينظر الرسول " ( ص 85 ) .
وهو قول نراه غريباً مريباً . فلنختبر صدقه .





قـصة حيـاة مسلـم

حينما يدور الحديث المرسل عما جاء به الاسلام من شرائع يلتفت المتدحثون إلى نماذج العقوبات التي وردت في القرآن جزاء على خرق قواعد الحدود . يلفت إليها أن بعضها ، مثل الجلد والرجم وقطع اليد ، لم تعد اليوم من بين العقوبات التي تفرضها القوانين الوضعية . لسنا نريد أن نخوض في هذا الأن لأنه يطول ، ثم يتوقف على أية نظرية تقوم مشروعية الجزاء ، وهي . نظريات متعددة . يكفي أن ننبه إلى أن نظرية الجزاء في الاسلام لاتقوم على أساس الانتقام قال تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) { البقرة : 179 } ( الاحتفاظ للجرم بجزاء شخصي في الآخرة ، واستبدال الدية بالعقوبة والتوبة ، والعفو ) بل هي ، مثل كل أحكام الاسلام ، قائمة على مايحقق مصالح البشر ، أو حماية المصالح كما يقال في فقه القانون الجزائي ، وذلك بالزجر الكافي والمناسب اجتماعياً للمحافظة على قوة الالزام في القواعد الآمرة أو الناهية وهي " الحدود " أي الفوارق بين الحلال والحرام ، وإن كان قد جرى إطلاق كلمة الحدود مجازاً على العقوبات . وإذا كان " لااجتهاد في الحدود " فليس لأحد أن يبيح ماهو محرم فإن تقدير الجزاء الكافي والمناسب على خرق الحدود قابل للاجتهاد ، وفيما يؤكد نفاذ القواعد ويحمي المصالح فيكل الظروف المتغيرة . من هنا فليس دقيقاً فيما نرى ، أن يقال إن عمر بن الخطاب قد عطل حدّ السرقة عام المجاعة . فما كان له أو لغيره أن يبيح ما حرّم الله . ولكنه رأى في ظروف معينّة أن جزاء قطع اليد لايؤدي غايته في الزّجر وحماية المال . ويدخل في هذا كل ما اجتهد الأئمة في اشتراطه للمسؤولية عن الجرائم فهي شروط متعلقة بإيقاع الجزاء وليس بشرعية الفعل . هذا يكفي الآن حتى لايغيب عن الانتباه أن الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام ليست مقصورة على الجرائم والمجرمين بل هي تنظيم لعلاقات الناس وهم يمارسون حياتهم العادية السوية ، فتربط بينهم وتحيلهم إلى مجتمع إسلامي .
لنأخذ مثلا من حياة مسلم سويّ
147 - كان صاحبنا يتبع مايهديه إليه "عقله ومصلحته وهواه وشهوته " ثم شهد بألاّ إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فأصبح مسلماً : له على المسلمين حقوق المسلم وعليه للمسلمين واجبات المسلم . إنه منذئذ لايستطيع أن يتبع ما يهديه إليه " عقله ومصلحته وهواه وشهوته " وإنما عليه أن يتبع " الشرائع والقواعد والآداب " التي جاء بها الاسلام . فإن لم يفعل ردّه المسلمون إلى مايتفق مع الاسلام وأوقعوا به الجزاء الذي يردع غيره .
كيف ؟
هداه " عقله ومصلحته وهواه وشهوته " إلى أن " يعاشر " امرأة معينة وارتضت هي معاشرته على هدى عقلها ومصلحتها وهواها وشهوتها . لو تركا لما اهتديا إليه لتعاشرا . فيقول الاسلام لهما : لا . تعاشرا زواجاً وليس سفاحاً . ( محصنين غير مسافحين ) { النساء : 24 } . فيقبلان الزواج . ولكن قبل أن يشرعا فيه يقدم لهما الاسلام قائمة بنساء موصوفات ليرى صاحبنا ما إذا كانت المرأة التي اختارها من بينهن أم لا . فإن كانت من بينهن فلا زواج ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ، إنه كان فاحشة ومقتاً ، وساء سبيلاً . حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ، إن الله كان غفوراً رحيماً . والمحصنات من النساء ) { النساء : 22 - 24 } .
ولقد يتحقق صاحبنا من أن المرأة التي اختارها وارتضته زوجاً ليست من بين قائمة المحرّمات ، لأنه هو نفسه كان قد تزوجها هي نفسها من قبل وطلّقها ثلاث طلقات . وقد هداه " عقله ومصلحته وهواه وشهوته " إلى أن يتزوجها مرة أخرى وقبلت هي . الاسلام يقول : لا . ( فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) { البقرة : 230 } . فلا يتزوجها صاحبنا بصرف النظر عن عقله ومصلحته وهواه وشهوته .
ولقد يضيق صاحبنا بالانتظار فيختار امرأة أخرى وترتضيه هي زوجاً بعد أن يعرف من أمرها أنها كانت إلى عهد قريب زوجاً لغيره . فيتعجل الزواج فيقول له الاسلام لا . لاتتعجل . إن كانت مطلقة فعليك أن تتأكد أولاً من أنها غير حامل من زوجها السابق ، ثم تتأكد ثانياً من أنه انقضت على طلاقها ثلاثة أشهر وتعدّ الأيام عدّاً
( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، ولايحل لهن أنيكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) { البقرة : 228 }
فتأخذ صاحبنا الفرحة إذ أن من اختارها لم تكن مطلقة وإنما توفّي عنها زوجها منذ أربعة أشهر ويهم بالزواج قيقول له الاسلام : لا . ليس قبل عشرة أيام أخر . ( والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ) { البقرة : 234 } .
وينتظر صاحبنا عشرة أيام لاتنقص يوماً واحداً . ثم قد يهم بها وتهم به ، فيقول لهما الاسلام : ليس قبل العقد ، لأن الزواج ليس فعلاً بل هو عقد وميثاق غليظ . ( واخذن منكم ميثاقاً غليظاً ) { النساء : 21} . وقد يسر لصاحبنا " عقله ومصلحته وهواه وشهوته " بتساؤل : وما الفرق ؟ إن الفرق الآن أنّ العقد لاينعقد إلاّ برضاكما
نحن راضيان . لا . لابدّ من أن يشهر العقد ليعلم الناس أنكما راضيان . ثم إن عليك أن تدفع لها مهراً .
( وآتوهن أجورهن بالمعروف ) { النساء : 25 } . كم ؟ . . لايهم . إنه رمز الالتزام وليس ثمن بضاعة تشترى ثم إن العقد يلزمك أنت بالنفقة ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) { النساء : 34 } من مالك أنت ، وليس من مالها هي . ( فلا تأخذوا منه شيئاً ) النساء : 20 } . إلا إذا رضيت هي . ( فإن طبن لكم عن شيء منه فكلوه هنيئاً مريئاً ) { النساء : 4 } ثم انه قد تكون بينكما شروط غير ممنوعة . مثل ؟ . مثل أن تحتفظ هي لنفسها بحقّ فسخ الزواج . أما الفروق الأخرى فستعرفها في مستقبل حياتكما الزوجية إن شاء الله .
وينعقد العقد ويفرح العروسان ويشهران زواجهما بأن يدعوا الأهل والأصحاب إلى وليمة عامرة بكل طعام وشراب اهتديا إلى أنه يسر المدعوين " عقلاً ومصلحة وهوى وشهوة " فلا يتركهما الاسلام إلى ما اهتديا .
إذ يراهما يكادان يسرفان إنفاقاً فيأمرهما بعدم التبذير . ( إن المبذّرين كانوا إخوان الشياطين ) { الاسراء :27 }
أو يكادان يقتران فينّبههما الاسلام إلى أن منع التبذير لايعني إباحة التقتير : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) { الفرقان : 67 } ؛ ( ولاتجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط )
{ الاسراء : 29 } . فيهتديان ويولمان .
ويراجع الاسلام قائمة الطعام والشراب خشية أن يكون " العقل والمصلحة والهوى والشهوة " قد دسّت في الشراب خمراً ( أو مخدّرات ) ( يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) { المائدة : 90 } أو دسّت في الطعام مما حرّم على المسلمين ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ) { المائدة : 3 } .
148 - وتجري الحياة بالزوجين على قاعدة المساواة بينهما . ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) { البقرة : 228 } . والتعاون على مافيه حفظ المودة والرحمة بينهما ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) { الروم : 21 } . ( هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهن ) { البقرة : 187 } ، بدون عدوان ، ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) { المائدة : 2 } . ويترك لهما بعد ذلك أن يدبّرا حياتهما معاً على ما يرضيهما بدون شذوذ عما تجري به أفضل التقاليد في مجتمعهم ( وعاشروهن بالمعروف ) { النساء : 19 } . ويحذّر صاحبنا خاصة من نزوات " هواه وشهوته " . ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ) { النساء : 19 } . فإن اختلفا حتى كادا يفترقان فعلى أهلهما التدخل لانهاء الخلاف صلحاً : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ، إن الله كان عليماً خبيراً ) { النساء : 35 } ؛ ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً ، والصلح خير ) { النساء : 128 } . ويحذر الاسلام الزوجة خاصة من أن تبالغ فيما تحمّل زوجها من نفقات نزقاً أو تظاهراً بثراء غير متحقق ، إذ ليس عليه إلا ( رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، لاتكلف نفس إلا وسعها ) { البقرة : 233 } . ثم يأمرهما معاً بألا يصلا فيما ينفقانه إلى حد التبذير : ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ، وكان الشيطان لربه كفوراً ) { الاسراء : 27 } . وفي هذه الحدود ( لينفق ذو سعة من سعته ) { الطلاق : 7 } .
149 - فإذا لم يستطيعا بعد كل هذا أن يعيشا معاً فلا إكراه في الزواج كما لا إكراه في الدين . ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) { البقرة : 229 } . ويأمرالاسلام بالثقة في صدق أسباب الافتراق إذا كانت الزوجة هي التي أرادته فيكون الفراق بائناً . ولكنه يحتاط ضد نزوات هوى الرجل فيأمر بأن ( الطلاق مرتان)
{ البقرة : 229 } فإذا اعاد إليه مرة ثالثة ( فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) { البقرة : 230 } . وللزوجة دائماً حق انهاء العلاقة الزوجية بالخلع ، أو إذا احتفظت به في العقد ، أو إذا كان استمرار الزواج يسبب لها ضرراً ( فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ، ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ) { البقرة : 231 } .
150 - ولكن صاحبنا لاينفصل عن زوجته لأنه لايتبع مجرد ماهداه إليه " عقله ومصلحته وهواه وشهوته " حينما يتعارض مع الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام منظمة للزواج وفيما بين الزوجين ، بل يستمر وينجب بنين وبنات يتأدبون بآداب الاسلام التي قرنت بين الايمان بالله وعدم الشرك به وبين الاحسان بالوالدين . ( لاتعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ) { البقرة : 83 } . ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ) { النساء : 36 } . ( قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ) { الانعام : 151 } . ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ، اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربيّاني صغيراً ) { الاسراء : 23 ، 24 } . ولكن في حدود الايمان بالله : ( ووصينا الانسان بوالديه حسناً . وإن جاهداك لتشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما) { العنكبوت : 8 } .
ولقد تشبّ لصاحبنا ابنة ويجيء إليه من يخطبها ، فتقبل ، ولكنه حين يتشاور مع زوجته يتفقان على إرجاء الزواج . فيقول هو حتى تكمل تعليمها ، وتقول هي : ولتبقى تساعدني في المنزل في غير أوقات الدراسة . ويتّبعان ماهداهما إليه عقلهما ومصلحتهما ، وتغيب عنهما نواميس الحياة التي يحجبها الحياء ، فيردّهما الاسلام إلى ماغاب عنهما . ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً ) { النور : 33 } فيفهم الزوجان ما أراد الله أن ينبّه إليه . فيأذن الوالد وينعقد العقد ويبدأ تكوين أسرة جديدة طبقاً لذات الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام وحكمت حياة أسرة صاحبنا .
151 - غير انه ماتكاد الأسرة الجديدة تتكون حتى ينهدم ركن أسرة سابقة . فقد يجيء الخبر بوفاة والد صاحبنا ويحزن صاحبنا هو وأقاربه ثم يجتمعون ليروا ماذا يفعلون بما ترك المتوفي من مال . ويكادون يقتسمونه على ما تهديهم إليه عقولهم ومصالحهم وأهواؤهم ، ويدّعي كل واحد بأنه قد أبرّ المتوفي أكثر من غيره ، أو أن المتوفي كان يبرّه أكثر من الآخرين ، ويحتج بعضهم بأنهم أشد حاجة إلى المال من غيرهم ، ويتساءل أحد الحاضرين عما يكون من أمر الصغير اليتيم ابن المتوفي . ويكادون يتنازعون . فلا يتركهم الاسلام لعقولهم ومصالحهم وأهوائهم بل يقول لهم : أولاً : لايرث أحدكم شيئاً قبل أن يستوفي غير الوارثين حقوقهم . إذ لاميراث إلا ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) { النساء : 12 } ثانياً : أما بعد ذلك فدعكم الآن من عقولكم ومصالحكم وأهوائكم التي لاتتفق أبداً ، واقتسموا المال الموروث طبقاً لما يلي : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كنّ نساءّ فوق اثنتين فلهن ثلثا ماترك وإن كانت واحدة فلها النصف ، ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ، فإن كان له إخوة فلأمه السدس ، من بعد وصية يوصي بها أو دين ، آباؤكم وأبناؤكم ، لاتدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله ، إن الله كان عليماً حكيماً ) { النساء : 11 } . ( ولكم نصف ماترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن ، من بعد وصية يوصين بها او دين ، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ، وإن كان رجل يورث كلالة ، أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ، من بعد وصية يوصي بها أو دين غيرمضار ، وصية من الله ، والله عليم حليم ) { النساء : 12 } . ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ، إن امروء هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ماترك ، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ، وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذّكر مثل حظ الانثيين ، يبين الله لكم أن تضلوا ، والله بكل شيء عليم ) { النساء : 176 } فيأخذ كل صاحب حق حقه . ويمر ذلك الحدث بسلام دون أن يكون سبباً في الخلف أو الفرقة او النزاع بين الاقرباء . فحتى الذين لايصيبون من مال المتوفي شيئاً لايتهمون من يصيبون منه بأن قد ظلموهم . ذلك لأن تلك شرائع الاسلام لايضعها أحد منهم طبقاً لما يهديه إليه " عقله ومصلحته وهواه " ولا يفرضها على غيره . ولو يتركون لعقولهم ومصالحهم واهوائهم بتّهم بعضهم بعضاً . ولو يستبدلون بهذا النظام نظاماً موضوعاً يضعه الأقوى ويفرضه على الآخرين ، قد يبدلّون فيه من حين إلى حين تبعاً لتقلّب مصالحهم وأهوائهم وقوتهم .
152 - ثم أن الاقرباء الذين لايصيبون من التركة ميراثاً لايحرمون منها إن كانوا محتاجين ، لاهم ولا أولئك الذين لايخفى عليهم ما راب في ثروة صاحبنا من بعد الميراث بحكم الجيرة . فصاحبنا مسلم وقد أمر بما أمر به المسلمون . ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ايمانكم ، إن الله لايحب من كان مختالاً فخوراً .
الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ) { النساء : 36 ، 37 } . ذلك لأن في مال المسلم القادر حقاً لمن حرم منه وسأله ، حتى لو لم يكن من ذوي القربي ( وفي أمولهم حق معلوم للسائل والمحروم ) { الذاريات : 19 } . على أي حال فإن ذوي القربى الذين لايصيبون شيئاً من التركة ميراثاً ويحضرون قسمتها فيما بين الورثة يصيبون منها ما يرضيهم قلّ أو كثر ، نفاذاً للشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام . ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر ، نصيباً مفروضاً . وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفا ً )
{ النساء : 7 : 8 } .
153- ويخرج كل هذا من نصيب صاحبنا . أما نصيب أخيه القاصر اليتيم الذي وضع تحت وصايته فقد حرمت عليه الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام المساس به قلّ أو كثر . بل عليه أن يديره لحساب
صاحبه أحسن ما تكون الادارة وأن يرده إليه حينما يبلغ الرشد كاملاً غير منقوص . ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ، وأوفوا بالعهد ، إن العهد كان مسؤولاً ) { الاسراء : 34 } ، بعد أن يقدم إليه حساباً عن كيف تسلّم المال ، وكيف أداره وكيف تطور زيادة أو نقصاً بين يديه وما إذا كان قد اقتطع منه اجر إدارة أم لا . ذلك لأن شرائع وقواعد وآداب الاسلام لاتكافيء مدير مال اليتيم بأجر إلا أن يكون فقيراً .
(وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولاتأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ، ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ، فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ، وكفى بالله حسيباً ) { النساء : 6 } .
154 - ذلك مايكون من أمر صاحبنا في علاقاته بزوجه وبنيه وأقاربه وما يتداول فيما بينهم من مال ، مهراً أو ميراثاً أو وصية أو احساناً ، أي علاقاته بأفراد أسرته والأقربين منه قرابة عصب أو قرابة رحم أو قرابة جيرة .
أما العلاقة مع الآخرين ، مع الناس ، فهي علاقة عقود ( اتفاقات إرادية بين الراشدين بدون إكراه أو غش ) .
ماهو محل أو موضوع أو مضمون تلك العقود ؟ يختلف الأمر في الزمان والمكان ، فلانستطيع أن نتابع علاقات صاحبنا مع غيره إلا أن نعرف في أيّ مجتمع يعيش وفي أيّ زمان كان مجتمعه . ولما كانت الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام غير مقصورة على مجتمع معين أو زمان معين فإنها لم تأت مفصلة الأحكام ، ولكنها - مع ذلك - لم تترك الناس لما تهديهم إليه عقولهم ومصالحهم واهواؤهم وشهواتهم ، بل فرضت قواعد من النظام العام يكون على صاحبنا أن يلتزمها أيّان كان .
فمصدر الرزق هو الطبيعة : الأرض والسماء والبحار والأنهار والأنعام . . . الخ ( هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعاً ) { البقرة : 29 } . ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) { لقمان : 20 } . ( يأيها الذين آمنوا كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ) { البقرة : 168 } . ( ولقد مكّناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ) { الأعراف : 10 } . . . الخ .
أما سبب الرزق فهو وحده العمل . ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ) { النجم : 39 } . ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) { التوبة : 105 } . ولقد حرم الاسلام ثلاثة أنواع من الكسب تأتي جميعاً بدون أن يخالطها عمل . الأول الربا : ( أحل الله البيع وحرّم الربا ) { البقرة : 275 } . والثاني المقامرة . ( يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيكان فاجتنبوه ) { المائدة : 90 } والثالث المال غير المستحق بصرف النظر عن سبب عدم استحقاقه . ( ولاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) {البقرة : 188 } . أما الميراث فهو فائض تراكم عمل المتوفي بعد وفاته يؤول إلى من كان يعلم أنه آيل اليهم فكان - على وجه - يعمل لهم .
على صاحبنا بعد ذلك أن يرتزق بعمله ما يشاء . عمله الحالي ، أو الناتج المتراكم من عمله السابق ، وأن يتملكه . ولما لم يكن صاحبنا ولا غيره بقادر على أن ينتج وحده كل ما يحتاج الى استهلاكه ، فإنه يتبادل الخدمات والمنتجات مع غيره من العاملين والمنتجين . وكل تبادل عقد . وكل وعد بالتبادل عقد . وكل تبرع عقد . وكل فسخ للعقد هو عقد . وكل وفاء بعقد هو عقد . وهكذا يكتشف صاحبنا أن حياته كلها بكل مافيها من علاقات مع الآخرين هي سلسلة لانهائية من العقود المتجددة أبداً وأنها ليست إلا حلقة من سلسلة العلاقات الاجتماعية التي تشد الناس بعضهم إلى بعض حتى تحيلهم مجتمعاًبعد أن كانوا أفراداً ، وتقيد - في الوقت ذاته - بعضهم لحساب بعض ، فتحيا علاقاتهم نظاماً بعد أن كانت أهواء . وتجعل حياة كل واحد منهم متوقفة على حياة الآخرين ، فتحول دون " الفردية " التي تريد أن تخلي بين الفرد وبين مايهديه إليه" عقله ومصلحته وأهواؤه ونزواته " .
يتذكر صاحبنا كلّ هذا كلّما قضم لقمة من خبز حصل عليه وفاء بعقد ؛ من تاجر أعد له مكاناً للبيع وفاء بعقد ؛ حمله إليه حامل وفاء بعقد ؛ وطحنه طحّان وفاءً بعقد ؛ في مطحنة يعمل فيها كل عامل وفاء بعقد ، ويديرها مدير وفاء بعقد ، ويحصّل أجورالطحن فيها صرّاف بعقد ، ويحمل الحب اليها ناقل وفاء بعقد ، تسلمه ممن حصده وفاء بعقد ، بعد أن كان رواه راو وفاء بعقد ، وزرعه زارع وفاء بعقد ، وحرسه حارس وفاء بعقد ، في أرض استغلها وفاء بعقد ، ليحصل من وراء ذلك على مال يوفي منه عقد شراء لقمة من خبز يقضمها .
وما كان للأول أو للأخير أن يقضم لقمة من خبز حين يجوع ، أو يشرب شربة ماء حين يعطش ، أو يلبس ، أو يسكن ، أو يطبب أو يداوي ، أو يعلّم أو يتعلّم ، أو يخترع أو يصنع ، أو يستهلك ، أو حتى ينام آمناً ، لو لم يكن مئات الألوف من الناس الذين لايعرفهم كافة قد أوفوا بعقود قد عقدوها . فتكتفي الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام بأن تأمر بالمحافظة على سلامة هذه السلسلة اللانهائية من العلاقات الاجتماعية التي تنظم الافراد فتحيلهم مجتمعا منظماً فتأمر المؤمنين جميعا أمراً : ( يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) { المائدة :1 } .
وتزيد فتأمر بما يحول دون إعاقة الوفاء من نسيان أو مماطلة أو جشع فتأمر بالكتابة في الديون المؤجلة : ( إذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه ) { البقرة : 282 } . وتأمر بالرهن الحيازي في المنقول لضمان الوفاء في حالة غياب المدين ( وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ) { البقرة : 283 } وتأمر بأن يكون البيع مشهودا : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) { البقرة : 282 } .
155 - نكتفي بما تقدم من حياة مسلم ، تجري هادئة بدون أن يتعرض للعقوبات الجزائية . ولو شئنا لتتبعنا حتى يقضي توجهه مجموعة كثيفة من الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام . ولكن هذا يطول . ولقد رأينا كيف أن كل ما ضربناه مثلاً من الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الاسلام قد جاءت في صيغ آمرة أو ناهية أو مكملة . نعني بالمكملة ما تنظم أمراً إذا وقع بإرادة صاحبه ، ولكنها تترك أمر وقوعه أو عدم وقوعه لاختيار المسلمين . كما رأينا أن كل الشرائع والقواعد والآداب واردة على علاقة اجتماعية ، ثنائية أو جماعية ، وبالتالي فإن أمر التزامها أو اهدارها ليس متروكا لاختيار أحد أطرافها ، فرداً كان أو جماعة على ما تهديهمإليه إليه " عقولهم ومصالحهم وأهوائهم ونزعاتهم " . كلا . ان يلتزموها يستوفهم شركاؤهم فيها إلى التزامها ولو قتالاً . فتبثق " السلطة العامة " كضرورة اجتماعية لحراسة النظام وفرض نفاذ قواعده ولو بالاكراه . من هنا تعرف أن التكليف الصريح بإقامة سلطة عامة تزيّد غير بليغ مادام الأمر قد جاء بأسبابها الموضوعية .
اما كيف تقوم هذه السلطة العامة ، فيتوقف جوابه على ماهية كل مجتمع وظروف الناس فيه المختلفة مكاناً ، المتطورة زماناً . فيكتفي الاسلام بما هو صالح للمحافظة على قاعدة المساواة بين الناس في أي مجتمع ، في أي مكان ، وفي أي زمان : الشورى: ( وأمرهم شورى بينهم ) { الشورى : 38 } . والعدل ( واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) { النساء : 58 } . وكلاهما " نظام " ، لهذا جاء التكليف به خطاباً للجماعة .

فالشورى نظام إجرائي لاتخاذ متعددين متساويين قرارت موحّدة . فهي غير مقصورة على تبادل العلم بمشكلة مشتركة ، ولا على تبادل المعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها ، ولكن هي في النهاية تعيين القرار الذي يرى كل مشارك أنه الحل الصحيح للمشكلة المعروضة وذلك " بالاشارة " به على الآخرين . والأمر بالشورى قطعي الدلالة على تحريم الاستبداد من ناحية ، ووجوب الشورى من ناحية أخرى ، في كل أمر ، أيا كان مضمونه ، يخص جماعة ، أيا كان عددهم . فيصبح إسناده إليهم فهو " أمرهم " جميعا وليس أمر أحد غيرهم .
أما القرار الذي تسفر عنه الشورى فهو ملزم لكافة الشركاء في الأمر ، للأسباب التي تحدثنا عنها من قبل
( فقرة 77 ) . فإن كان القرار مما لاينهض به كل أصحابه ، دخل اختيار من يتولى القيام على تنفيذه في نطاق الشورى ، فإن اختاروه ، ثم قبل ، أصبح وليّ ذاك الأمر تفويضاً من أصحابه ملزماً بقرارهم وذلك من ناحيتين
الأولى ، أن مصدر شرعية ولايته تفويض محدد المضمون بالقرار ذاته ، فإن خالفه فقد شرعية الولاية .
الثانية ، ان مخالفة مأسفرت عنه الشورى رجوع الى الاستبداد المحرّم أصلاً . فإن التزم حدود التفويض ، وما دام ملتزماً ، وجبت طاعنه : ( اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) { النساء : 59 } . إذن هي طاعة الجماعة ، وإلا كان للجماعة أن تخلعه . أما كيف ؟ ومتى ؟ وأين ؟ ولماذا يتشاورون ؟ فمتروك لهم ، يلتمسون أصلح أسبابه في زمانهم ومكانهم مع جواز التفويض السابق والاجازة اللاحقة ، وفي هذا يكون أمرهم شورى بينهم أيضاً . إن الالتفات الى جواز التفويض السابق والاجازة اللاحقة يسهل فهم كيف كانت الشورى تتم على درجتين أو أكثر في الأمور المشتركة بين التجمعات القبلية إلى أن تصل إلى متحدث باسم القبيلة ، وكيف كانت تتم بين عدد محدود في مرحلتها الاخيرة وكيف كانت الثقة في القائد ، والمبادرة الى تنفيذ رأيه تفويضاً سابقاً أو إجازة لاحقة .
والعدل نظام اجرائي لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه طبقا للقواعد المنظّمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف وذلك بما يسمى الحكم " القضاء " ، ثم تنفيذ الأثر الذي ترتبه تلك القواعد في محلّه ولو بالاكراه . وبدهي أن كل هذا ، شورى وعدلا ، يجري ويدور في الحياة الدنيا . فالناس لا يتشاورون إلا في أمور الحياة . والناس لايحكمون بين الناس إلا في الحياة . فكلاهما ، الشورى والعدل ، نظام للحياة الدنيا . ثم إنهما محددان بقواعد النظام العام الاسلامي ، فإن اختلف الناس فيما إذا كانا ، شكلاً أو موضوعاً - يتفقان أو لايتفقان - وقواعد النظام الاسلامي كان فرضاً عليهم أجمعين أن يرجعوا إلى تلك القواعد في القرآن فثمة حكم الله : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) { الشورى : 10 } والناس لايختلفون في شيء ‘لا في الحياة الدنيا .
فما الذي يمكن أن يقال دفاعاً عن شيخ العلمانية .
على أي حال ، وبغير حاجة إلى مزيد من الحديث عن الشيخ علي عبد الرازق ، ومن اجل الاجهاز على مماحكات الذين يتقنون صياغة قوالب فكرية جادة ، أو تبدو جادة ، في البحث عن حلول صحيحة امشكلات الحياة الواقعية في أمتنا العربية ، ويوهمون الشعب العربي بالثقة في إمكان تحقيق مستقبل أفضل بدون حاجة إلى الاسلام ، سنثبت فيما يلي أن تلك الحلول الصحيحة لمشكلات الحياة الواقعية في أمتنا العربية ممكنة التحقيق ، ولكنها إذ تقترن بمناهضة الاسلام تصبح مستحيلة ، وبالتالي ، ان مناهضة الاسلام فكراً باسم مستقبل عربي أفضل ، هي في واقع الأمر مناهضة للمستقبل العربي الأفضل عملاً .



التقدم والعلم

156 - وراء كل ماتقد من حوار أو جدل حقيقة غير منكورة هي أن الشعوب ولأمم المتعاصرة زماناً في هذا العالم لاتستوي تقدّما ، حتى كاد يستقر أنّ البشر في هذا العصر ينتمون الى عالمين بينهما فجوة فارقة ماتزال تتسع بمرور السنين ، عالم المتقدمين وعالم المتخلفين . أما عالم المتقدمين فتنتمي اليه شعوب وأمم أوروبا وأمريكا الشمالية ، واليابان من أقصى الشرق . وأما عالم المتخلفين فتنتمي اليه بقية شعوب الأرض وأممها ومن بينها أمتنا العربية . ولكن ماهو التقدم ؟
إنه تطور يغادر به مجتمع معين واقعاً قاصراً عن إشباع حاجاته المادية والفكرية والروحية إلى مستقبل أفضل . مستقبل أكثر مقدرة على إشباع تلك الحاجات . ولما كانت تلك الحاجات متجددة أبدا ، فإن التقدم هوانتقال من أفضل إلى أفضل إلى مالانهاية نعرفها . وإن إدراك هذا لعلى أكبر قدر من الأهمية . ذلك لأنّ من بيننا نفراً يتخذون من الواقع المتقدم المعاصر في بعض المجتمعات " هدفا " يريدون أن يتقدموا إليه ليصبحوا متقدّمين . وهو عبث . إذ أن هذا الواقع المتقدم ، لن يلبث ، حين يدركون مثله ، أن يكون قد تطور متقدما عما يدركون . .
وهكذا في سباق عابث وخاسر معا . مهما تكن حرارة ، أو حمى ، الرغبة في التقدم فإن كل مجتمع سيتقدم من واقعه ولايستطيع إلا أن يتقدم من واقعه . والواقع المشهود أن المجتمعات مختلفة واقعا، فمن العبث الخاسر القفز بهلوانياً - لاندري كيف - فوق الواقع الاجتماعي لمجرد الرغبة في اللحاق بركب المتقدمين . . . المتقدم أبداً .
ثم أن المستقبل الأفضل لكل مجتمع هو ما يكون تطوراً نامياً لواقعه ، وليس - بالضرورة - ماهو أفضل بالنسبة إلى مجتمع آخر ، لاختلاف مضامين الحاجات المادية والفكرية والروحية ، أو تمايزها ، من مجتمع إلى مجتمع . نقول " ليس بالضرورة " لأن وحدة التكوين البشري في كل المجتمعات هي الانسان ، وللناس كافة حاجات متشلبهة مما يحفظ سلامة وجودهم المادي والعقلي والروحي . هذا بالاضافة إلى أن العزلة المادية والفكرية والروحية بين الشعوب والأمم كادت تذوي أو تذوب فأصبح كل منها أكثر تأثيرا وتأثرا بغيره فتقاربت إلى حد ما معايير المفاضلة بين الواقع والمستقبل .
وهكذا لم يعد التقدم تطوراً نحو غاية معينة المضمون بعيداً عن الواقع الاجتماعي . بل عاد ليكون منهجاً للتطور من أي واقع إلى أي مستقبل أفضل يسومنه المنهج العلمي . وتقدم تجربة التطور في أوروبا ، منذ القرن السلبع عشر دليلا مبهرا على مدى فاعلية المنهج العلمي في نقل مجموعة كثيفة من البشر من واقع اجتماعي بالغ الانحطاط والتخلف ، بالمقارنة بالشعوب والأمم التي كانت معاصرة لهم ، إلى واقع اجتماعي بالغ الرقي والتقدم بالمقارنة بالشعوب والأمم المعاصرة لهم ، في مجال كان مشتركاً ، وما يزال مشتركا ، هو مجال " الطبيعة " . ولنضرب مثلاً :
157 - في 22 كانون الثاني / يناير 1545 بدأ انتشار مرض الطاعون في مدينة جنيف بسويسرا فاعتبرته السلطة هناك نتيجة مؤامرة يقودها ساحر اسمه " لانتيل " واعوانه ، بأوامر صادرة إليه من قائده الأعلى
" الشيطان " . فقبض على الرجل وسحل في الشوارع قبل أن تحرق جثته علنا ، بدون محاكمة . وقبض على نحو أربعين من أعوانه وقدموا إلى " المحاكمة " وقضي بإعدامهم حرقا . فلما استفحل الداء وأصبح المرض وباء ، حتى بعد إعدام السحرة المتهمين ، لم يستطع أوروبي في جنيف أو غير جنيف أن يشك - مجرد شك كمقدمة للمعرفة - في أن السحر هو سبب الوباء ، فلم يخطر على بال أحد أن قد يكون للمرض سبب آخر سواء صح الخاطر أو لم يصحّ . ولم يفهموا من استمرار الوباء بالرغم من إعدام قائد المؤامرة وأعوانه إلا أن ثمة سحرة متآمرين لم تصل إليهم يد السلطة . فاقتحم " الشعب " بيوت كل الذين أشارت اليهم شبهات أو اتهمتهم شائعات : نهبوا البيوت أولا ، ثم حرقوها ، ثم حرقوا المشتبه بهم . أما خارج جنيف فقد أعدم السويسريون كل وافد إلى مدنهم من جنيف خوفاً من ان يكون ساحراً متآمرا هاربا . . .
أما الآن ، فإنهم ينتقون بذور الأجنة ويزرعونها في الأرحام ، وتلد النساء منهم بدون ألم ، ويحفظون لأطفالهم حياتهم حتى يشبوا حفظا معجزا فلا يموت من كل ألف طفل منهم أكثر من سبعة ، بينما يتعرض الشعب العربي المعاصر ، لعملية وأد جماعي عند المنبع البشري ، فيموت من كل ألف طفل عربي 200 في اليمن الشمالية ، و150 في الصومال ، و140 في اليمن الجنوبية ، و130 في عمان ، و120 في مصر ، و120 في السودان ، و110 في الجزائر ، و110 في السعودية ، و100 في ليبيا ، و100 في تونس ، و80 في العراق ، و70 في الأردن ، و60 في سوريا ، و50 في الامارات المتحدة ، و40 في لبنان ، و33 في الكويت ، أي بمتوسط يزيد على 100 طفل من كل ألف ( هيئة الأمم المتحدة - البنك الدولي - 1980 ) . وأنهم ليعرفون لكل داء دواء أو يكادون ، ثم انقلبوا " يرممون " الأجسام المتهالكة ، ويستبدلون الأجزاء الهالكة ، ويزرعون القلوب ، ويمدون الأبصار فيرون النمل وهو على بعد آلاف الامتار ، ويدون السمع فيسمعون دبيبة في أي قطر من الأقطار ، ويمدون اللمس حتى يلمسوا الاقمار ، ويمدون خطاهم فيعبرون البحار والقارات في دقائق أو ساعات وينتقلون مابين الأرض والسماوات . وحين ضاقت عقولهم بما يعملون أضافوا بالعلم إلى عقولهم عقولا صناعية . . . الخ . لقد سخروا الطبيعة تسخيرا . وما ضربنا من أمرهم إلا المثل الذي افادوا به انفسهم وافادوا به البشرية معهم . ولم نضرب لهم مثلا شابا منهم يقتل في ثوان 85000 ، ويشوه مئات الألوف من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال الآمنين ، وهو آمن . فهذه نهاية محتومة لبداية مسيرتهم في القرن السابع عشر وليست نتيجة خاتمة للتقدم العلمي . . .
ذلك لأنه لايهم الراغبين حقاً ، الجادين صدقاً ، في تغيير الواقع العربي وتطوره على طريق التقدم الى مستقبل أفضل ، من أين بدأ الأوروبيون وإلى أين انتهوا ، بل يهمهم ويكفيهم أن يعرفوا " كيف " استطاع بالغو التخلف تفيير واقعهم وتطويره فأصبحوا بالغي التقدم في نحو ثلاثة قرون أو أقل . بالغو التخلف عنّا في البداية ، وبالغو التقدم عنّا الآن ، وقد كنّا وهم ، دائماً متعاصرين .
158 -كيف ؟ . . . يقولون : بالعلم . ولكن ماهو العلم ؟ إن أفضل جواب عرفناه هو ماقاله الباقلاّني ( القاضي ابو بكر محمد ابن الطيب المتوفى عام 1013 م ) . قال : " العلم هو معرفة المعلوم على ماهو به " فنعرف منه أن العلم حصيلة " معرفة " ظاهرة أو شيء " على ماهو به " بدون إضافة أو نقص أو تزييف . يعني هذا أن للأشياء والظواهر وجوداً موضوعياً سابقاً على معرفتها ، وغير متوقف عليها ، وقابلا للمعرفة ، وترد هذه الحقيقة في الأدب الأوروبي تحت عنوان " المادية " بمدلولها الفلسفي ، وليس بمدلولها الفيزيائي . وهي أولى قواعد البحث العلمي التي قام عليها صرح التقدم في أوروبا ولم يزل ، ثم يرد سؤال : هل الأشياء والظواهر
" على ماهي به " قابلة للتطوير ؟ إنه سؤال لاتخفى خطورته ، إذ لو لم تكن قابلة للتطوير فإن أي حديث عن تطويرها لابدّ من أن ينقطع . حيث التطوير هو تغيير الواقع إلى ما يريده الانسان . وهو محال إلا إذا كانت حركة الأشياء والظواهرمنضبطة بقوانين حتمية ( إذا حدث كذا . . . حدث كذا ) . ذلك لأن مانريد أن نغيّر الواقع إليه ( نطوّره ) لن يتحقق إلا في المستقبل ، بعد الواقع ولو بلحظة من الزمان ، لابد منها لتتحول الفكرة في رؤوسنا إلى كلمة على ألسنتنا أو ماهو دون هذا زماناً . وتسمّى في الأدب الأوروبي الحتمية أو الضرورة ،
وتعتبر شرطاً أولياً لنفاذ إرادة الانسان في الأشياء والظواهر أو " الحرية " .
فالذين يعرفون قوانين الأشياء والظواهر ويحترمون حتميتها ، هم وحدهم الذين إذا أرادوا فعلوا أما الذين لايعرفونها ، أو لايحترمون حتميتها ، فيبذلون جهوداً عشوائية لتغيير واقعهم أو يستسلمون للفشل . يقول الامام محمد عبده : " إن لله في الأمم والأكوان سنناً لاتتبدل . والسنن الطرائق الثابتة التي تجري عليها الشؤون وعلى حسبها تكون الآثار ، وهي التي تسمى شرائع أو نواميس ، ويعبر عنها قوم بالقوانين . ما لنا ولاختلاف العبارات ؟ . . الذي ينادي به الكتاب أن نظام الجمعية البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لايتغير ولايتبدل وعلى من يطلب السعادة في هذا الاجتماع أن ينظر في اصول هذا النظام حتى يردّ إليها اعماله ويبني عليها مسيرته ، وما يأخذ به نفسه . فإن غفل عن ذلك غافل فلا ينتظر إلا الشفاء وإن ارتفع إلى الصالحين نسبه ، أو اتصل بالمقربين سببه " ( الاعمال الكاملة . تحقيق الدكتور محمد عمارة - الجزء الثالث ) .
كيف تمكن معرفة تلك القوانين أو السنن . يقال في الأدب الأوروبي بملاحظة مفرد الشيء أو الظاهرة ورصد حركته وما يؤثر فيها ويتأثر بها ، واعادة التجربة في ظروف متغيرة حتى استخلاص القاعدة التي تطّرد عليها حركته " فيقترض " ان هذه القاعدة هي قانونه النوعي العام ، ثم يعاد اختبار صحة هذا الفرض على مفردات من ذات النوع في ظروف أخرى ، فإن صدقت القاعدة اصبحت قانونا ، تعوّل إرادة الانسان على حتميته ، ويعمل على تحقيق ما يريد بتغيير شرط نفاذ القانون" اذا . . . " ليتغير الواقع على الوجه الذي اراده ( هذه خلاصة بالغة التركيز ) . وفي التراث الاسلامي تسمى هذه العملية ، عملية اكتشاف السنن ، " الاستقراء والتجربة " . يقول الامام محمد عبده : " هو ملاحظة الأثر في الجزئيات المتعددة في الأحوال المختلفة والازمان والامكنة المتباينة ، فإن هذا يصل اليقين بثبوت الحكم الكلي " ( المرجع السابق 2 ) .
هنا ، حيث يقف الانسان المريد في مواحهة الطبيعة التي اكتشف قوانين حركتها ، تفترق المذاهب الأوربية في الجواب عن السؤال : أيهما يلعب الدور الأساسي في تحديد ما يحققه الانسان من تغيير في واقعه . فمنهم من يرجح الطرف الفكري ( المثالية ) ، متأثرين في ذلك بافتراقهم " البيزنطي " في الجواب عن السؤال الأول : ايهما وجد أولاً المادة أم الفكر ؟ ولكن التقدم العلمي لايتوقف عند هذا الجدل الفلسفي ، بل يتقدم على أساس الثقة في عقل الانسان ومقدرته على أن يلائم بين ظروفه المادية وبين إرادته . فهو قائد عملية التطور لاريب بدون إخلال بقوانين أو سنن الطبيعة بل تسخيرها . فلا انضباط حركة الأشياء والظواهر بقوانين أو سنن حتمية تجبره على فعل مالايريد ، ولا هي تمنعه من أن يفعل ما يريد ، وإنما هي تعلق نجاحه في تحقيق ما يريد على ما يعمل مستخدماً لحتميتها في تحقيق ما اختاره . يقول الشهرستاني ( أبو الفتح محد بن أبي بكر ( 1086 -1153 م ) " إن الله تعالى أجرى سننه بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها أو معها الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له " وترد هذه العلاقة بين حتمية السنن التي لاتتبدل وبين حرية الانسان في الفعل ، في كتب التراث تحت عنوان " القضاء والقدر " . وفيها قال الامام علي بن أبي طالب في " نهج البلاغة " : " إن قضاء الله في الفعل الانساني ليس لازماً وقدره ليس حاتماً " وعلق الامام محمد عبده قائلاً : " القضاء علم الله السابق بحصول الأشياء على أحوالها في أوضاعها ، والقدر إيجاده لها عند وجود أسبابها ، ولا شيء منهما يضطر العبد لفعل من أفعاله " ( المرجع السابق 2 ) .
159 - من هذه القاعدة الاخيرة بدأ عصر النهضة الأوروبي بالتمرّد على " الجبرية " التي كانت تفرضها المؤسسة الكنسية على الناس ، ولهذا يقرن المؤرخون بين بداية عصرالنهضة وبين الكشوف الرياضية والفيزيائية التي قام بها إسحق نيوتن ( 1642 - 1727 ) . ولم تكن فكرة " القانون الطبيعي " إلا تجريدا ميتافيزيقيا لاضفاء القداسة على البحث العلمي عن " قوانين الطبيعة " الذي أصبح عبادة الأوروبيين منذ القرن السلبع عشر ، وفي معابده من المعاهد والمعامل عرفوا " كيف " يسخرون الطبيعة تسخيرا .
ولقد تعمدنا أن نشرك بعض الأئمة المسلمين في الحديث عن منهج البحث العلمي لنلفت من يريد أن يلتفت من العلمانيين إلى ماينبغي أن يعرضه على أقدم العلوم وأرسخها قدماً : علم المنطق وقوانينه الحتمية . فقد يرى ، حينئذ ، أن أولئك الأئمة المسلمين ما كانوا ليقولوا ما قالوا بأسلوبهم في التعبير ، لو ان الاسلام يكرهه لهم ، ولانقول يحرمه ، كما لم يكره لابن سينا ( 980 - 1037 ) أن يبحث فيكتشف فيقول إن للأمراض عللاً عضوية تداوى بالجراحة والعقاقير قبل محنة مدينة جنيف بأكثر من ستة قرون .
160 - والواقع من أمر الاسلام كما هو -بصرف النظر عن المذاهب الموضوعة والآراء المصنوعة - انه لايكره للمسلمين أن ينتهجوا البحث العلمي إلى المعرفة وأن يتوسلوا المعرفة إلى العلم ، وأن يستخدموا العلم في تسخير الطبيعة لما يريدون ، بل هو يحرّضهم عليه ، ويهديهم إليه بآيات صريحة في القرآن . والقرآن ليس كتاب علم من علوم التاريخ أو الفلك أو الرياضة أو الفيزياء أو الطب . . . الخ ، كما يحاول أن يزعم الذين اشتدت عليهم حمى منافسة الأوربيين . ولكنه كتاب هداية الناس الى كل ما يصلح لحياتهم ويصبحون به صالحين . ( ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين ) { البقرة : 2 } . ( طس ، تلك آيات القرآن وكتاب مبين . هدىً وبشرى للمؤمنين ) { النمل : 1 ، 2 } . ( الم . تلك آيات الكتاب الحكيم . هدى ورحمة للمحسنين )
{ لقمان : 1 -3 } . ومن بين مايهديهم إليه العلم ويرسم لهم من أجل ذلك منهاج البحث العلمي وأركانه كما ذكرنا من قبل .
161 - إن جانباً كبيراً من آيات القرآن يكاد يكون مقصوراً على تعليم الناس ، بصيغ شتّى ، أن الكون ومفرداته ذو وجود موضوعي مستقلّ عن معرفتهم وقابل للمعرفة بالحواس والعقل ويدعوهم إلى معرفته .
( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) { البقرة : 164 } . ( وفي الأرض آيات للموقنين . وفي أنفسكم )
{ الذاريات : 20 ، 21 } . ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) { فصلت : 53 } . ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) { البقرة : 242 } .
ثم يعلم الناس أن حركة هذا الكون منضبطة بسنن لاتتبدل : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذّبين ) { آل عمران : 137 } . ( سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ) { الاسراء : 77 } . ( فلن تجد لسنة الله تبديلاً ، ولن تجد لسنة الله تحويلاً ) { فاطر : 43 } ؛ وهو يأخذ من هذا دليلا على وحدانية خالق النظام الكوني فيقول : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) {الانبياء:22 }
وهو يعرض العلاقة بين حتمية السنن وحرية الارادة الانسانية . فمن آثار الحتمية : ( والله خلقكم وما تعملون ) { الصافات : 96 } . ( إن هو إلا ذكر للعالمين . لمن شاء منكم أن يستقيم . وما تشاؤون إلا أن يشاء الله )
{ التكوير : 27 ، 28 ، 29 } . ( إن هذه تذكرة ، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً . وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)
{ الانسان : 29 ، 30 } . ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ) { يونس : 99 } . ( ختم الله على قلوبهم ) { البقرة :7 } . . الخ . ومن آثار حرية الارادة الانسانية : ( وقل الحق من ربكم ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) { الكهف : 29 } . ( إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج ، نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً إنّا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا ) { الانسان : 2 ، 3 } . ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه
ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ) { الشورى : 20 } . ثم إن حسن الفعل أو سوءه يتوقف على مدى اتفاقه أو اختلافه وسنن الله . فما جاء حسناً ( نجح ) فالفضل فيه لله خالق السنن التي يتوقف نجاح الفعل على احترام حتميتها . أما إذا جاء سيئاً ( فشل ) فيرجع فشله إلى خطأ الانسان في معرفة تلك السنن واحترام حتميتها .
( مأصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) { النساء : 79 } . لهذا ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) { فاطر : 28 } .
وهكذا يعلمنا القرآن كيف نفهم حرية الارادة الانسانية في نطاق حتمية السنن أو القوانين أو فهم الحرية في نطاق الضرورة كما يقول المحدثون .
أما في نطاق التأثير المتبادل بين الانسان والطبيعة المادية ، فإن الانسان هو الفاعل الصانع المغيّر ( المطوّر )،
وليست الطبيعة إلا موضوع فعله . ويستعمل القرآن تعبير السخرة للدلالة على هذه العلاقة . ( ألم تر أن الله سخر لكم مافي الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ) { الحج : 65 } . ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً )
{ الملك : 15 } . ( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، وسخر لكم الأنهار ) { ابراهيم : 32 } .
( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ، وسخر لكم الليل والنهار ) { ابراهيم : 33 } . ( وسخر لكم مافي السماوات ومافي الأرض جميعاً ) { الجاثية : 13 } . . . الخ
وأخيراً ، ( كل أمرىء بما كسب رهين ) { الطور : 21 } . ( لايكلف الله نفساً إلا وسعها ، لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت ) { البقرة : 286 } . ( ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ) { يس : 54 } . وعلى الذين يتوقعون أن يغير الله الواقع العربي بدون أن يغيروه هم بالعلم والارادة والعمل أن يكفوا عن أوهامهم فقد سبقت كلمات الله :
( إن الله لايغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) { الرعد : 11 } .
162 -هذا هو الاسلام كما هو . لماذا فشل المسلمون - إذن - في مواصلة تقدمهم الاجتماعي ؟ نصحح السؤال أولاً لأن صيغته مضلّلة . إذ أن الحديث عن الفشل يبدو حيثاً مجرداً عن ظروفه التاريخية . فإلى نهاية القرن السادس عشر كانت المجتمعات التي دخلها الاسلام أكثر تقدماً من أي مجتمع آخر ؛ أو على الأقل لم تكن متخلفة عن غيرها من المجتمعات المعاصرة . فقبل ذلك التاريخ - مثلاً - كانت الحروب الصليبية في بواعثها وفي قواها وفي نظمها وفي أهدافها محكاً للتمايز الحضاري ، ولا نقول العسكري ، بين المعتدين والمدافعين .
وكانت تبدو موجة بربرية تحاول اجتياح مجتمع متحضر . وليس من المنكور أن تلك الحروب الصليبية كانت وساطة ، أو إحدى وسائط ، انتقال الحضارة من العرب إلى أوروبا . وهذا لاينفي أنه لم تمض بضعة قرون حتى عادت القوى الأوروبية ففرضت سيطرتها على العالم مسلمين وغير مسلمين . ونحن نعرف أن تلك موجة رأسمالية ( فردية ليبرالية ) . ومع ذلك لانريد أن نحاكمها ، بما لم نعرفه إلا بعد أكثر من قرون ، من أنها كانت من أشد الموجات التي اجتاحت العالم عداوة للانسان ، فقد استعبدت العالم بجيوش من عبيد الرأسمالية ، بل نقول إنها في نشأتها الأولى كانت ثمرة تقدم علمي لاشك فيه : ولاشك في أن التقدم العلمي تقدّم حضاري .
هنا بدأ التخلف ، وهنا فقط يصحّ طرح السؤال عن الفشل على أن تكون صيغته : لماذا فشل المسلمون في الدفاع عن مجتمعاتهم ؟
في حدود هذا الحديث نقول لم يفشل المسلمون . إن الذين فشلوا لم يفشلوا لأنهم مسلمون فقد كانوا على مدى قرون طويلة متقدمين وهم مسلمون . بل فشلوا لأنهم لم يوفوا بمسؤوليات ترك لهم الاسلام مسؤولية الوفاء بها . فقد هداهم الاسلام إلى أسس منهاج التقدم وترك لهم استكماله واستعماله . علمهم أن ثمة قوانين تضبط حركة الاشياء والظواهر حتما وترك لهم أمر اكتشافها ومعرفة شروط فاعليتها واستخدامها . وعلمهم أن كل ما في الأرض والسماء سخر لهم وترك لهم أمر اكتشاف عناصر الأرض والسماء وقواها وتسخيرها لارادتهم . وعلمهم أنهم قادرون ومسؤولون عن تطوير واقعهم وإمكانات تغييره وغاية هذا التغيير .
وقد نجح المسلمون في تطوير حياتهم الاجتماعية أينما كانوا طوال الفترة التي كانوا فيها محتفظين بحريتهم . يوم أن كان العلم عبادة ، والاجتهاد مثوباً ولو كان خاطئاً ، والحرية إرادة متحققة في مضمونها ، وللناس على الأرض سيادة مانعة رادعة ، وبقدر ما فقدوا من هذا جميعاً لم يتقدموا بمعدل السرعة الذي كانوا قد بدأوا به فسبقهم من هم أكثر منهم حرية . ثم انقض المتقدمون علماً ، اعداء البشرية نظاماً ، على المسلمين وغير المسلمين ، فاستعمروا الأرض ، واستعبدوا أهلها ، وأبقوهم متخلفين وما يزالون .
وهكذا نعرف أننا لم نتخلف لأننا مسلمون بل تخلفنا لأننا فقدنا حريتنا . ويكون التحرر هو بداية التقدم وليس قبول العبودية تحت راية استبداد جديد يخاطب المسلمين بقول منكر : " لادين في السياسة ولا سياسة في الدين " وهذا مايفعله المنافقون الذين يناهضون الاسلام باسم العروبة .

آيـة المنا هـضة

163 - على أيّ وجه يكون هذا النفاق مناهضة للاسلام خاصة ؟ . . ألايصح أن يكون موقفاً من الدين عامة ؟ . . لا . ليس الملحدون بأقل عداوة للاسلام من المنافقين ، ولكنهم أقل خطورة لأنهم أعداء ظاهرون . ولقد فشلت كل المذاهب الالحادية في أن تجد ثغرة في جدار الرفض العربي الحضاري تتسلل منها إلى أن تكسب قطراً أو تضل بشراً ، أما المنافقون فقد خادعوا الشعب العربي المسلم ، وانتشروا في الأرض ، وأضلوا كثيراً من البشر . وآية نفاقهم أنهم لايرفعون رايتهم " لادين في السياسة ولا سياسة في الدين " في مواجهة أوروبا العلمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر ، ولا يتهمون التدخل المسيحي الجماعي المنظّم في السياسة ، بل ادارته من موقع الحكم في الدول الأوروبية بأنه عاق التقدم على أي وجه . ومع ذلك ما ان يسمعوا أن جماعة ، أو جمعية ، أو حزباً أسمى نفسه اسماً ينسبه إلى الاسلام حتى ينفعلوا بالغيظ ، ويتهموا أصحابه بأنهم عقبة كأداء في سبيل التقدم . هذا في حين أنهم يعرفون كما نعرف أن أحزاباً سياسية " مسيحية " قد نشأت في أوروبا في القرن التاسع عشر في كلّ من بلجيكا وسويسرا وهولندا ، وكان منها حزبان " مسيحيان " في ألمانيا وحدها ، أحدهما بروتستنتي والآخر كاثوليكي . وأنه ابتداء من عام 1880 تكاثرت في أوروبا النقابات والمنظمات المهنية والشبابية والنسائية " المسيحية " .
ونعرف ، كما يعرفون ، أنه في عام 1919 تأسس في ايطاليا " الحزب الشعبي " المسيحي الذي حله موسوليني عام 1926 ثم عاد إلى الظهور عام 1944 باسم الحزب الديموقراطي المسيحي ، وما يزال قائماً . وأنه بعد الحرب الأوروبية الثانية ( 1939 - 1945 ) استطاعت الأحزاب المسيحية أن تحصل على الأغلبية ، أو مايقرب من الأغلبية ، في ألمانيا الغربية ، وايطاليا ، وهولندا ، وبلجيكا ، والنمسا ، وأصبحت ذوات نفوذ سياسي لايمكن تجاهله في فرنسا وسويسرا ولكسمبورج . وأنه في عام 1948 تأسس الاتحاد الدولي للشباب المسيحي الديموقراطي ، وهو منظمة سياسية . وفي عام 1949 أنشأت الأحزاب المسيحية في امريكا الجنوبية "منظمة أمريكا الديموقراطية المسيحية " . وأنه في عام 1956 انعقد أول مؤتمر دولي للحركات الديموقراطية المسيحية ، وانعقد المؤتمر الثاني في عام 1958 وتأسست فيه منظمة دولية " للديموقراطية المسيحية " .
أما بين صفوف الاشتراكيين ، فقد كان موريس شارلز كنجزلي ( 1819 - 1875 ) أحد كبار رجال الدين في انكلترا ، وأستاذ التاريخ في جامعة كمبردج ( عام 1860 ) ، ومؤلف كتاب " السياسة من اجل الشعب "
( 1848 ) ، وهو القائل : " إن الانجيل قد استعمل شيئاً كجرعة أفيون لابقاء المقهورين صابرين بالرغم من أنهم يحملون أكثر مما يطيقون ، وأصبح مجرد كتاب يتلى لاقناع الفقراء بقدسية الخضوع " وبذلك كان من أوائل الذين رفعوا راية الاشتراكية رجل من رجال الدين ، وأسفرت دعوته عن إنشاء الجمعيات التعاونية الانتاجية العمّالية . وفي عام 1877 أسس الزعيم الديني ستيوارد هولام منظمة اشتراكية باسم " رابطة القديس ماتيو " . وأسس بعض رجال الدين عام 1880 " الجامعة المسيحية الاشتراكية " ، وفي عام 1889 أسس بعضهم " الاتحاد المسيحي الاشتراكي " ، وفي عام 1891 تأسست منظمة اشتراكية باسم " الكنائس العاملة " ، وفي عام 1906 تأسست جامعة الكنيسة الاشتراكية التي أصبحت ابتداء من عام 1923 جامعة ملكوت الله . وفي أوروبا تنتشر منذ بداية القرن العشرين ثلاث حركات اشتراكية : الاشتراكية المسيحية - والاشتراكية البروتستنتية - والاشتراكية الكاثوليكية . . . الخ .
ولاأحد يقول في أوروبا إن منع المؤسسة الكنسية من التدخل في السياسة يعني لاسياسة في الدين ، ولا دين في السياسة . ولاأحد ينكرعلى أحد في أوروبا أن يحدد موقفه من الواقع الاجتماعي على هدي المبادىء الدينية التي يؤمن بصحتها ، ولا أحد يمنع المسيحيين في أوروبا من النشاط السياسي ، أو أن يحكموا دولهم ما داموا قادرين على كسب قبول الشعب . . ولا أحد من العلمانيين العرب ينكر هذا أو يستنكره ، ولم يستنكر أحد منهم ما يعرفونه ، ويعترف به أصحابه ، من أن الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر عليها منذ أن نشأت جماعة
" البيض الامريكيون السكسون البروتستنت " ( واسب ) ، فلما استطاع جون كينيدي " الكاثوليكي " الوصول إلى رئاسة الجمهورية قتل . . . . . فلماذا لاينكرون ولا يستنكرون إلا الانتساب إلى الاسلام ؟ أليست هذه مناهضة للاسلام بالذات ؟
إن لم تكن فهي مرض يسمّونه " مركب النقص " ورثه بعضنا عن عهود المذلة تحت السيطرة الاستعمارية . إن عقولهم ماتزال مكبلة بقيود الثقافة التي صاغها المستعمرون . فهم يتهمون تاريخهم الذي لايعرفون من أمره إلاّ ما علمهم سادتهم ، ويخجلون من تراثهم الذي لايعرفون منه شيئاً حتى لو كانوا قد عرفوا منه ماعلّمهم المستشرقون . ولا يقبلون الفكرة إلا مكتوبة بحروف لاتينية أو مترجمة عنها ، ويتخذون مما قاله المفكرون في أوروبا نموذجاً لما يقولون ، كأن القول ما قاله الأوروبيون ! إن التحرر هنا يبدو خرافة مضللة . إذ أن محاولتنا تغيير واقعنا الاجتماعي بذهنية العبيد سيؤدي بنا - بدون أن ندري - إلى أن نعد القيود لمن يستطيع أن يضعها في أيدينا ، وأن نجهّز عرش السيادة لمن يستطيع أن يفرض علينا إرادته ، ولن يغير من أمرنا شيئاً ، حينئذ ، أن تكون قيودنا من صنع أيدينا أو أن يكون سادتنا من بني أمتنا ؛ فسنظل عبيداً لأننا عبيد .
هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى ، فإن أقصى طموحنا من وراء تغيير واقعنا الاجتماعي أن ننضم إلى قافلة الحضارة الأوروبية ونصبح مجتمعاً أوروبياً فأولى بنا أن نعفي أنفسنا من عناء المحاولة ، ولنضع مصيرنا في أيديهم ، ولو استأجرنا من بينهم قادة نترك لهم أمر صياغة مجتمعنا كما صاغوا مجتمعاتهم ، فهم أكثر دراية بما يفعلون
وتبدو الحرية كذبة كبيرة . إن كفاحنا من أجل أن نغير " نحن " واقعنا الاجتماعي يعني أن قيامنا " نحن " دون غيرنا بهذا التغيير يتضمن شيئاً أكثر من عملية التغيير ذاتها ، وأكثر من تكرار التاريخ الأوروبي بكل إيجابياته وسلبياته في الوطن العربي . يتضمن استجابة تجسد ذواتنا كبشر لايستطيعون أن يكفّوا عن الخلق .
ويتضمن اختياراً لما نريد من بين ما أنجزوه ، ثم إضافة من عندنا ، على ما نريد . وذلك هو مبرر إصرارنا على أن نكون نحن المريدين البنائين لمصيرنا . وتتوقف تلك الاضافة ، قبل كل شيء ، على اقتناعنا بأن لدينا ما نضيفه إلى التقدم الانساني ، وإننا قادرون على على إضافته لو حطمنا قيود السيطرة والتخلف التي شلّت مقدرتنا زمناً طويلاً . وهو اقتناع يبدو مستحيلاً إذا أفرغنا تاريخنا من مضامينه الحضارية ، واجتثثنا جذورنا وتجاهلنا تراثنا أو جهلناه ، ثم بقينا معلّقين كالطفيليات بالذين ندّعي أننا نرفض أن نكون لهم تابعين .
164 -أما إذا صدقت الدعوة إلى التقدم ، وحسنت النية ، وصح العزم فإن الباحثين الجادّين عن حلول لمشكلات الحياة الواقعية في أمتنا العربية سيجدون بسهولة أنها ممكنة التحقق بالجهد الجماعي العلمي المنظّم ، والصبر على متاعب النمو ؛ ولن تواجههم عقبة من الاسلام ، بل ستواجههم عقبة " واقعية " . إن الشعب العربي معتدىً عليه من خارجه اغتصاباً واحتلالاً وهيمنةً وتبعية . ومعتدىً عليه من داخله قهراً وظلماً وإذلالاً واستغلالاً . إنه يعاني من تناقض أساسيّ بين واقعه وحاجته ، يتمثل في أنّ ليس كل ماهو متاح في أمته من أسباب التحرر والتقدم متاحاً له ليتحرر ويتقدم ، لأن العدوان الخارجي يسلبه إمكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته فيحولدون أن يطوّر حياته بما هو ممكن ومتاح لاأكثر ولا أقلّ ، ولأن العدوان الداخلي يسلبه القدر الأكبر مما أفلت من العدوان الخارجي ، فيستأثر به احتكاراً واستغلالاً ، ثم يفرض عليه تلك القسمة الضّيزى بالقهر والظلم والاذلال ، ويحول دون ثورته بما بيقيه عليه من جهل وفقر ومرض ، فيبقيه عاجزاً عن استرداد إمكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته ، فلا يستطيع أن يطور حياته إلاّ بما هو ممكن ومتاح لاأكثر ولا أقل . وان العدوان الخارجي والعدوان الداخلي حليفان عليه ، ويحقق كل منهما بعدوانه ما يمكّن الآخر من العدوان ، ولو لم يكونا متحالفين . وان العصر ليلقي عليه كل يوم دروساً صارمة . اليقين منها أن لاأمل ، لا أمل على الاطلاق ، في أن يتقدم حرية ورخاء بقدر ماهو في أمته إلا بأن يجاهد أعداءه جميعاً ، فيسترد حريته ، ويقيم وحدته القومية . وإنه ليتعلم كل يوم أن البشرية قد دخلت عصر الانتاج الكبير والدول العملاقة ، وأن مصير الدول العربية التي تجسد تجزئة الأمة أن تحتمي ، راغبةً أو كارهة ، بمظلة التبعية السياسية لدفع خطر العدوان ، والتبعية الاقتصادية لدفع غائلة الجوع ، وأن تدفع من حرية الوطن أثماناً باهظة لمن يحميها أو يغذيها . يحميها ولو من بطشه ذاته ، ويغذيها ولو من ثروتها ذاتها . وإن المعتدين لمعروفون بأسمائهم ودولهم ونظمهم .
إذن ليس الشعب العربي في حاجة - في هذه المرحلة من تاريخه - إلى غير حديث صادق ودعوة حارّة إلى الثورة العربية التي تحرره شعباً ووطناً ليقيم دولته ، حينئذ - وليس قبل ذلك - سيتوفر للشعب العربي من الامكانات العلمية والبشرية والمادية ما هو كفيل بأن يعوّض به مراحل التخلف ، ويواكب به حركة التقدم العلمي المعاصرة ، ويسبق فيها كثيرين من السلبقين .
165 - أما الذين يناهضون الاسلام بالعروبة يريدون أن يستبعدوه من حياة الشعب العربي ، أو يتجاهلونه ، ويتنطعون في علمانيتهم الغريبة على أمتنا الغاربة عن أمتها فإنهم يستفزون الشعب العربي المسلم ، ويستعدونه ، وهم يقدّمون له وعداً بمستقبل أفضل ، فلا يصدقهم أحد ، ولا يثق بوعودهم أحد ، ولن يتبعهم أحد ، ولن يجدوا الشعب الذي يقبل نظامهم ويضفي عليه مشروعيته ، وإن حاولوا فرضه فإنهم يستدعون مقاومتهم ، ولن يكون كل هذا إلاّ جزاء استحقوه يوم أن أسقطوا مما يحتجون به من علم أول أركان العلم : " معرفة المعلوم على ماهو به " وثاني أركان العلم : " اكتشاف السنن التي تضبط حركة الظواهر واحترام حتميتها " . والأمة ظاهرة اجتماعية إن كانوا يعلمون . والأمة العربية أمة الاسلام ، وإنجاز ثورته ، وحاضنة حضارته ، وحاملة رسالته إن كانوا لايعلمون . وبهذا الجهل بالعلاقة بين الاسلام والأمة العربية ، أو بتجاهل هذه العلاقة " الموضوعية " يحيلون دعوتهم للتقدّم إلى مستقبل عربي أفضل - وهو ممكن - دعوة إلى مستقبل مستحيل . . . إنهم يخذلون دعوتهم ذاتها إلى التقدم . ولن يفلح المنافقون .
ولكن لماذا ؟
الجواب آت .


الـفـصل الـثـالـث

الـجـواب

اغتصاب العقول

166 - كان جوزيف غوبلز ، وزير الدعاية في ألمانيا النازّية ، يحرّض المواطنين الألمان على فتح نوافذ المساكن والأماكن حتى آخر مداها ، ورفع أصوات المذياع حتى أقصى درجاته لكي تستطيع الافكار التي يبثها عن طريق الاذاعة الوصول إلى أذن كل ألماني واختراقها ، سواء أكان راغباً في الاستماع أم راغباً عنه . من الممكن تصور أن كثيراً من الناس في ألمانيا لم يكونوا يرون فيما يحرض عليه غوبلز إلا نوعاً من الازعاج الذي يؤذي السمع ويقلق الراحة . أما سيرجي تشاخوتين ، الكاتب التقدمي الألماني ، فقد كان يرى غير ما يراه الكثير من مواطنيه . فذهب يتابع ما يذاع ويرصده ويجمعه ويدرسه . ذلك لأنه التفت منذ البداية إلى أن غوبلز يصنع شيئا غير مسبوق في تاريخ البشرية بذلك الجهاز العبقري حديث النشأة : المذياع . كان يصنع ويصطنع ويصوغ مبادىء وأفكار وقيم أمة كاملة لتماثل مبادئه وأفكاره وقيمه ، ليضع أقدام الملايين من أبنائها على الطريق الذي حدّده حزبه ، لتندفع عليه متقدمة إلى الغاية التي أرادها . كل هذا بدون أن يعنى أقل عناية بالحوار المباشر مع أي فرد ، أو مجموعة من الأفراد ، من أولئك الملايين وبدون أن يقيم وزناً ، أي وزن ، لما يتفرد به كل منهم من مبادىء وأفكار وآمال بحكم تفرّد كل واحد منهم بملكاته الخاصة وبموقفه الاجتماعي الخاص ، وبدون أن يتوقف لحظة ليسألهم أو ليسأل أياً منهم عما يريدون . كان قد أراد " لهم " واختار ، وكانت مهمته أن يحملهم على أن يريدوا لأنفسهم ويختاروا ما أراده هو نفسه واختاره .
ولقد صاحب سيرجي تشاخوتين تلك التجربة التاريخية المثيرة ورأى كيف أفلح غوبلز وأعوانه في صياغة أو إعادة صياغة ، أفكار أمة كثيفة العدد ، عريقة التاريخ ، متقدمة الحضارة ، متفوقة العلم ، على ما يريد الحزب النازيّ لتندفع كتلة واحدة تحت قيادة أدولف هتلر على طريق الحرب التي انتهت بهزيمتها ودمارها وانتحار قائدها ، ويبدو أن غوبلز كان يدرك أن مسؤوليته عما أصاب الأمة الألمانية أكبر من مسؤولية قائدها ، فلم يكفه قتل نفسه ، بل قتل أطفاله الخمسة ثم قتلت زوجه نفسها قبل أن يقتل هو نفسه يوم أيار / مايو 1945 .
167 - في عام 1938 ، أي قبل أن تبدأ الحرب الأوروبية الثانية ( 1939 - 1945 ) ويشهد أهوالها كان سيرجي تشاخوتين قد أنشأ مما رصد وتابع وجمع ودرس كتاباً ( نشر عام 1939 خارج ألمانيا ) أعطاه عنواناً ذا دلالة مقزّزة : اغتصاب الجماهير ولايخفى ما في كلمة اغتصاب من دلالة الهتك القسري لحرمة العقل والتلويث لطهارة الفكر ، والاستغلال البهيمي لملكات الناس .
168 - لم يكن غوبلز يملك من وسائل القهر الدعائي إلا الصحف والمذياع ومع ذلك نجح في أن يقنع ثمانين مليوناً من الألمان بأن ألمانيا فوق الجميع ، وبأن الجنس الآري أرقى أجناس الأرض وبأن أوروبا الشرقية هي المجال الحيوي لدولة الرايخ الثالث ( الاسم الرسمي لألمانيا النازية ) وبأن أدولف هتلر قائد ملهم لايخطىء ، وبأن انتصار ألمانيا هو عين اليقين . وورث الغرب المنتصر بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية كل ثمار عبقرية الشعب الألماني المنهزم تحت قيادة النازية وكان من بين ماورثه علم صياغة عقول الجماهير وقوانينه الاساسية الذي أسمى علم " الدعاية " أو " الاعلام " . فلم يلبث أن تعمقت جذوره وامتدت فروعه وأينع وأزدهر وأثمر وأنشئت من أجله الجامعات والمعاهد المتخصصة وتفرغ لدراسته وتدريسه مئات الالوف من خلاصة الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس ، والمفكرين ، والكتّاب ، وأصبحت له في كل دولة وزارة أو إدارة ونظام أو منظمات . وزوده التقدم العلمي بأدوات بالغة الكلفة وبأسلحة خرافية المضاء . وزوده التقدم الفني بكل ذي جاذبية من أسباب الاغراء والاغواء ، فألغى المسافات ، ووحد اللغات واختصر الأزمنة حتى أحال الأرض إلى قرية على حد تعبير الماريشال ماك لوهان فيما كتبه عن " الاعلام " في كتابه قرية الأرض . وبدأت ظاهرة عالمية ليس للبشر بها عهد . ظاهرة مطاردة عقول البشر ، أيّان كانوا ، لاغتصابها بالكتب والنشرات والملصقات والمحاضرات والصحف والمجلات والاذاعة والتلفزيون ، ووسائل نقلها خرافية السرعة السلكية وغير السلكية ووسائطها العجيبة من الاقمار الصناعية . وحلت الجماعات والجمعيات والأحزاب التي تلبس ملابس وطنية محل بعثات التبشير التي انتشرت في الأرض خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بدون أن تخفي ملابسها الكهنوتية . وبلغ الأمر حداً قال فيه ج . درينكور في كتابه الدعاية قوة سياسية جديدة إن سيادة الدعاية في هذا العصر حقيقة واقعة . إنها مميز لحضارة جديدة . ان المؤرخين سيقولون في المستقبل ان القرن العشرين كان قرن الدعاية .

الامبريالية الحضارية

169 - حينما تحولت الدعاية إلى " قوة سياسية " في القرن العشرين تملكها بل احتكرها الأقوى ، واستخدمها لتثبيت قوته أو لينمّيها . والقرن العشرون هو قرن بلوغ الاستعمار ذروته الامبريالية وقرن مقاومة الاستعمار في الوقت ذاته ، فاستخدمت القوى الامبريالية السلاح الجديد لاحكام قبضتها على الشعوب وذلك عن طريق إضعاف مقدرتها على التحرر . وهكذا نشأ تعبير " الامبريالية الحضارية " الذي استعمله عالم الاجتماع الامريكي فيكتور بالدريج الاستاذ في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الامريكية في كتابه علم الاجتماع : دراسة نقدية في القوة والصراع والتغيير ( 1975 ) . يذهب هذا العالم الأمريكي إلى أن كل حضارة لها قيمها الخاصة وهي تساند هذه القيم حين تهاجم قيم المجتمعات الأخرى . إن هذا الهجوم قد يصل إلى أقصى مداه فيتحول إلى " امبريالية حضارية " أي محاولة من مجتمع ما لفرض قيمه على مجتمع آخر كما فرض كل من الأغريق والرومان حضارتهم بقوة السلاح على البلاد الشاسعة التي غزوها ففرضوا عليها حكامهم ودياناتهم ونظمهم الاقتصادية ، وكما فعلت أوروبا ابتداء من القرن الخامس عشر في المستعمرات فحاولت أن تفرض عليها الحضارة الأوروبية ، ولكنها لم تفعل بتلك المحاولة شيئاً أكثر من إشاعة الاضطراب في حضارات تلك المستعمرات. ويقول : " إن غزو الامبراطوريات الأوروبية للهند وأفريقيا وجنوب شرق آسيا قد كان مستتراً بستر شفّافة من البواعث المعقولة ، ولكنه في حقيقته لم يكن إلا اغتصاباً اقتصادياً وقحاً واسع النطاق . إن كثيراً ممن ينتقدون حرب فيتنام ، مثلاً ، لم يثقوا قط فيما كانت تعلنه فرنسا والولايات المتحدة الامريكية من أن غايتهما إنقاذ الفيتناميين من الخطر الشيوعي . بالعكس . إن كثيراً من الناس يعتقدون أن تلك الغاية كانت انقاذهم من أجل استغلالهم بمعرفة رجال الاعمال . من هذه الزاوية فإن اقحام الديموقراطية الامريكية والقيم الاقتصادية لم يكن إلاّ حالة تقليدية من الامبريالية الحضارية . أن تلك الأمة الخاضعة وأهلها من المدنيين الذين لاحول لهم ولاقوة قد فرضت عليهم قيم حضارية من قبل قوى دولية لها مصالح تقتضي حمايتها هذا التغيير . . . " .
170 - يعتمد هذا النشاط الاستعماري بشكل أساسي على البيانات التي يجمعها دارسوا الحضارات في فرع من العلوم انشأه المستعمرون وأسموه " علم الاجناس التطبيقي " ، وأنشأوا له معاهد متخصصة ، منها " الجامعة الاستعمارية " في بروكسل ( بلجيكا ) و " المدرسة الاستعمارية " في باريس ( فرنسا ) وجامعة كورنيل في نيويورك ( الولايات المتحدة الامريكية ) التابعة لوزارة الخارجية ، وأدخلوا مادة تدرس في قسم خاص في جامعات اكسفورد وكمبردج ولندن ( انكلترا ) ، وذلك لتخريج وتدريب اخصائيين يوفدون إلى أطراف الأرض يعاونهم من أبناء الأرض المستهدفة نخبة مختارة من الدارسين في مراكز البحوث ، وأساتذة الجامعات تمّ إعدادهم للتعاون ، تحت شعار البحث الاجتماعي أو العلمي بالمنح الدراسية ، والبعثات ، والمؤتمرات ، والندوات والمكافآت المغرية ، والنشر الواسع ، وبكل أجر مغر مادياً أو معنوياً . فينتشرون في " حملات مشتركة " في المدن والقرى لجمع البيانات ، واستنطاق البشر ، وتجميع الأجوبة ، ورصد الملاحظات فيما يسمى بالمسح الميداني أو المنهج الاحصائي أو الكشفي . ولما كانت الحضارة كنسق معرفي عقائدي مركب يتضمن المعتقدات والفنون والآداب والشرائع والعادات وأية سمة يكتسبها الانسان من انتمائه إلى مجتمع معين كما يقول تيلر ، فإن أنوف علماء علم الاجناس التطبيقي لاتترك مجالاً من مجالات الحياة الخاصة أو العامة بدون أن تندس فيه ، من أول أنواع المأكولات وأسلوب أكلها ومواعيده إلى المعتقدات الدينية والسياسية . ويذهب كل هذا إلى طالبيه ومموليه حيث يدرس بمناهج علمية غاية في التقدم والتعقيد ، ثم تقدم خلاصته إلى مراكز قيادة النشاط الاستعماري متضمنة أجوبة علمية مدروسة عن السؤال : كيف يتم التعامل مع شعب معيّن على الوجه الذي يضعف مقاومته للامبريالية . ولقد استشرى هذا الأسلوب الكشفي الاستعماري في بلاد العالم الثالث ، ومن مادته تزود أجهزة اغتصاب العقول . . وما على الذين يريدون أن يروه رأي العين إلا أن يلتفتوا إلى كل أولئك الكاترة والباحثين ورفاقهم من الأجانب الذين انتشروا في مدن وقرى وريف الوطن العربي منذ بضع سنين لجمع البيانات والمعلومات واستنطاق أهلنا ، حتى من الفلاحين والفلاحات ، وتوجيه اسئلة شفوية ، أو حتى مكتوبة ، وتجميع الاجابات بحجة إجراء دراسات اجتماعية من غير طلب من الدولة وفي غيبة رقابتها ، ثم ليسألوا : لحساب من كل هذا البحث ، ومن الذي يدفع تكلفته وإلى من يذهب في نهاية الأمر ، ولماذا ؟ .
لقد أفزع الاستغلال الاستعماري لهذا الاسلوب الكشفي حتى بعض العلماء في أوروبا . فأصدرت " جمعية علم الاجناس التطبيقي " في انكلترا عام 1951 ميثاق شرف علمي نشرته في كتاب تنبه فيه العلماء والباحثين والدارسين إلى التناقض بين الأمانة العلمية وبين تسخير ما تسفر عنه تلك الأبحاث في الدعاية لخدمة أهداف سياسية عدوانية ضد الشعوب .
وكان أكثر الناس فزعاً ، بطبيعة الحال ، دول العالم الثالث .

171 - يقول فرانسيس بال عميد المعهد الفرنسي للصحافة والأستاذ في جامعة باريس ، في دراسة كتبها للجمعية الفرنسية للقانون الدولي نشرت في مجلتها عام 1978 ، إنه منذ زمن طويل ودول العالم الثالث تشعر بالخطر المسلط على شعوبها من خلال وسائل الدعاية والاعلام التي تملكها وتوجهها القوى الاستعمارية بقصد الحفاظ على الهيمنة الامبريالية . وكان على رأس قائمة المخاطر تشويه حقيقة مجتمعات العالم الثالث وتفكيك مكوناتها الحضارية التاريخية وإعادة بناء ثقافتها وأفكارها وتقاليدها وقيمها لتكون على ما يتفق مع مصالح دول الغرب ، مستغلة عدم التكافؤ بين مقدرتها الاقتصادية والتكنولوجية على غزو عقول شعوب العالم الثالث وبين التخلف الاقتصادي والتكنولوجي الذي يحول بين دول تلك الشعوب وبين الدفاع الدعائي لتحصين عقول الشعوب أو لتحريرها .
والواقع أن فزع العالم الثالث من هذا الخطر الحديث قد عمّ فأصبح إدراكه جماعياً ولقد كان الوطن العربي مركز أول حشد لمقاومة هذا الخطر . ففي الجزائر انعقد المؤتمر الرابع لدول عدم الانحياز في أيلول / سبتمبر 1973
وكان خطر الغزو الغربي لعقول الشعوب أحد الموضوعات الأساسية التي ناقشها المؤتمر وأوصى في إعلانه الختامي بتعاون الدول غير المنحازة في ميدان النشاط الاعلامي " لوضع حد لمحاولة إهدار خصاءصهم الحضارية والثقافية " . وفي تونس انعقد عام 1976 مؤتمر من خبراء الاعلام العرب والأفارقة استجابة لدعوة مؤتمر وزراء خارجية دول عدم الانحياز الذي انعقد عام 1975 . وقد جاء في قرارات المؤتمر أن دول عدم الانحياز تعاني من هيمنة الدول المتقدمة على وسائل الاتصال بالجماهير بحكم احتكارها لأغلب وسائل الاتصال في العالم واستغلالها هذه الهيمنة للتدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية بقصد تحقيق أهداف النزوع الامبريالي والاستعماري الجديدة . وفي تموز / يوليو 1976 انعقد في نيودلهي بالهند مؤتمر وزراء الاعلام في الدول غير المنحازة ، وفيه عبرت السيدة أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند حينئذ ، عمّا تقوم به الدول الاحتكارية من تزييف حقيقة العالم الثالث عن طريق الدعاية والاعلام بالكلام والأقلام والأفلام ثم قالت بمرارة:
" اننا نريد أن نستمع إلى مايقوله الافريقيون عن الأحداث في أفريقيا وأن نقدم التفسير الهندي لما يحدث في الهند"
وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1976 انعقد المؤتمر العام لمنظمة " يونسكو " في نيروبي ، وفيه عبر ممثلو دول العالم الثالث عن إدانتهم لهيمنة الدول المتقدمة على مقدرات الدول النامية ومصائر شعوبها عن طريق الاعلام بقصد إحلال الثقافة الغربية محل الثقافة الوطنية . ويشهد فرانسيس بال في كتابه " الاعلام والمجتمع " أن قد تألق في حلبة الدفاع عن عقول الجماهير في الدول النامية ، خلال هذا المؤتمر الوزير العربي مصطفى سعودي الذي كان يمثل تونس العربية .
172 - بل ان الفزع قد ارتدّ إلى مصدريه : فنرى رئيس جمهورية فرنسا ، يصدر في 4 تشرين الثاني / نوفمبر 1974 قراراً جمهورياً بتكليف وزير الداخلية بأن : " يقترح على الحكومة في خلال مدة لاتزيد على ستة أشهر التدابير الكفيلة بضمان ألا يؤدي تقدم وسائل الاعلام في القطاع العام والمشترك والخاص إلى مايمس حرمة الحياة الخاصة ، والحريات الفردية العامة " . وقد شكّل وزير الداخلية لجنة برئاسة نائب رئيس مجلس الدولة تتبعها مجموعات عمل متخصصة وقدمت تقريرها في 27 حزيران / يونيو 1975 . خلاصة التقرير - فيما يعنينا - أن خطر اغتصاب عقول الجماهير الفرنسية لم يقع بعد ، ولكن مقدماته تنبىء بأنه وشيك الوقوع ، مما يقتضي أن تتخذ الدولة إجراءات وقائية تحول دون وقوعه . واقترحت اللجنة ما شاءت من إجراءات ملأت كتاباً ، نشر مستقلاً عام 1976 .
فمن أية قوة إمبريالية كانت تخشى فرنسا على عقول شعبها ؟ من قوة أكبر من مناعتها القومية . من الولايات المتحدة الأمريكية قائدة الامبريالية العالمية ، وأكثر الدول تقدّماً علمياً ومالياً ومقدرة تكنولوجية على اغتصاب العقول . ثم انها الدولة التي اكتشفت قبل أية دولة أخرى أحدث واخطر وأخفى وسائل الغزو الحضاري .

قادة الرأي العام

173 - ففي نطاق هذا التقدم المذهل في عالم الدعاية ، موضوعاً وأساليب ، اكتشف ثلاثة من الامريكيين هم لازار سفيلد ، وبريسلون ، وجوديت في دراستهم المشتركة " اختبار الشعب " ( 1940 ) اكتشفوا أعمق أساليب الدعاية أثراً في صياغة أفكار الشعوب ، وهم من أطلقوا عليهم اسم " قادة الرأي " وقادة الرأي هؤلاء هم أشخاص يتمتعون في محيطهم بمراكز اجتماعية دينية أو علمية أو مالية أو عشائرية تضفي عليهم مقدرة خاصة على التأثير في صياغة آراء وتحديد اتجاهات مواطنيهم ، إمّا عن طريق التوجيه أو عن طريق التقليد ( أضاف باتلر وستوكس الانكليزيان المركز الحزبي في كتابهما عن التحول السياسي في بريطانيا ( 1969 ) ) . إنهم إن يجمعوا على أن يقودوا الناس إلى حيث يريدون ينقاد لهم الناس طائعين . وقد تأكدت صحة وخطورة هذا الاسلوب في دراسات لاحقة ، أعوام 1948 ، 1955 قام بها لازار سفيلد أيضاً ومعه آخرون . كيف يجتمع هؤلاء ؟ ولماذا يجتمعون ؟ يقول لوي بوكيت في كتابه مقدمة علم النفس الاجتماعي ( 1977 ) إنهم يجمعون فوراء كل جماعة من " قادة الرأي " قد تكون جماعة أقل عدداً وأقل مقدرة على التأثير في الجماهير ولكن أكثر تصميماً على اغتصاب عقولها ، تقود " قادة الرأي " وتؤثر فيهم بوسائل قد لاتجدي مع الجماهير ذاتها . يستأجرونهم خفية في مقابل مادي أو معنوي ليقوموا ، بالنيابة عنهم ولحسابهم ، بعملية التلقيح . على هذا الكشف تأسست تلك الجماعات المفضوحة في الولايات المتحدة الأمريكية التي يسمونها " اللوبي " ، ولكنها غير مقصورة على الولايات المتحدة الامريكية ، بل هي أكثر انتشاراً في مجتمعات العالم الثالث تنشط تحت أسماء غير مفضوحة وترفع شعارات قد تصل في طهارتها اللفظية حد شعار الدين أو شعار الحرية .
وهي تتبع في أداء وظيفتها عدة قوانين يمكن بمراقبة التزامها في كل دعوة معرفة ما إذا كان قادة الرأي قائمين على دعوة أم قائمين على دعاية . إنها القوانين التي أسماها الكاتب الفرنسي جان ماري دوميناش في كتابه الدعاية السياسية ( 1959 ) " قوانين القهر الدعائي " .
174 - فقد استطاع دوميناش أن يستقرىء من كتاب سيرجي تشاخوتين الذي أشرنا إليه من قبل ، وما كتب بعده ، خمسة قوانين للقهر الدعائي . أولها التركيز على مقولة بسيطة : مبدأ أو شعار تبثه أجهزة الدعاية وتكرر بثه ، ويدعو له قادة الرأي ويركزون عليه بدون تثبيت انتباه الجماهير إلى فرعياته أو تطبيقاته أو آثاره حتى يصبح جزءاً لصيقاً بالعقل الواعي أو بالعقل الباطن بحيث أن مجرد ذكره يضع المتأثر به في وضع نفسي وعصبي وفسيولوجي معين يجعله قابلاً للتصرف المستهدف كما اكتشف بابولوف في نظريته عن الفعل المنعكس الشرطي . أما عن الفرعيات والتطبيقات والآثار التي لابد أن تتوقع الجماهير الواعية الحديث عنها فتنصّب - طبقاً للقانون الثاني - على المبادىء أو الشعارات المضادة . فيختار القهر الدعائي ، ويجسّم ، ويبالغ في إبراز ما لابد أن يكون فيها من قصور فكري ، أو ما صادفها من فشل تطبيقي ولو كان فشلاً آنياً أو مرحلياً أو جزئياً . وهكذا يبقى " المبدأ - الشعار " آمناً بعيداً عن أي حوار جماهيري ، وتنصرف ملكات الجماهير في الحوار إلى ماهو ضده . ولما كان الحوار ذاته يعني أن موضوعه ما يزال محل خلاف ، وبالتالي أنه ما يزال غير يقينيّ الثبوت أو الصحة فإن عوامل الشكّ تتجمع حوله وتنحسر في الوقت ذاته عن " الشعار - المبدأ " الذي أراد القهر الدعائي عن طريق إبعاده عن دائرة الحوار ، تحويله إلى مقولة مسلمة . ثم يأتي القانون الثالث ليحاصر عقول الجماهير ويحصرها في ثنائية " الشعار وضدّه " فلا يسمح لها ، بكل وسائل الإغواء الفكري والفني ، بأن تلتفت إلى قضايا أو مبادىء أو شعارات أو مشكلات أو حتى آمال أخرى قد يؤدي الالتفات إليها إلى الإفلات من الحصر أو الحصار الثنائي . ولما كانت المبادىء أو الأفكار المراد تلقيح عقول الجماهير بها لاتقذف في فراغ بل تردّ إلى رحم حضاري مليء بتراث تاريخي متراكم من المعتقدات والتقاليد والخبرات ، فإن جهد القهر الدعائي يجب أن يتجه - طبقاً للقانون الرابع - إلى تفكيك المكونات الحضارية بالتشكيك في صحة المعتقدات وملاءمة التقاليد وصدق الخبرات التي تسد نوافذ العقول دون الطارىء الجديد . وليس أسهل من قياس الواقع الماضي على الأمل المستقبل ، ليصبح كل ما مضى مديناً . وأخيراً يأتي القانون الخامس وهو توجيه الدعاية بدون التعرض - لاسلبياً ولا إيجابياً لما قد يكون بين الأفراد والجماعات من فروق روحية أو فكرية أو مادية أو اجتماعية لإخفاء واقع التمايز والتميز بين الأفراد والجماعات ، وما قد يثيره من خلاف أو صراع . إخفاؤه في جوف كتلة هائلة من أفراد نمطيين مجرّدين من واقعهم الاجتماعي فملتقين بالضرورة عندما يتوفر في كل منهم بالتساوي وهو الحد الأدنى من الوعي ، بالاضافة إلى مايصدق على كل منهم من أنه " إنسان " . حينئذ تبدو محاولات طرح المشكلات الاجتماعية الواقعية خروجاً على " الجماهير " يستحق الردع باسم " الجماهير " أو تنكراً مشيّأً لمبدأ مقدس .
وهذا هو على وجه التحديد ما يفعله في الوطن العربي الذين يناهضون العروبة بالإسلام والذين يناهضون الإسلام بالعروبة .
كيف ؟
الإنسان الهدف

175 - ليس ثمة اتفاق على دلالة كلمات الحضارة والمدنية والثقافة أو علىالفوارق بينها . وكثيراً ماتستعمل كمترادفات في الدراسات التاريخية . وقد اخترنا استعمال كلمة الحضارة في هذا الحديث للدلالة على نسق معرفي مركّب لاتساق هذه الدلالة مع منهجنا في أن المعرفة تسبق الفعل ، وأن الإنسان قائد مسيرة التطور الجدلي المتصلة من الواقع إلى الفكر إلى الواقع ، ولأنه الاستعمال الراجح في علم تاريخ الأجناس البشرية خاصة في عناصره العقلية التي هي موضوع حديثنا . وطبقاً له لاتكون الحضارة شخوصاً قائمة خارج الإنسان . إن ماهو خارج الإنسان من تراث فكري أو فني وصروح مادية ، هي آثار حضارته ودلائلها ورموزها . وهكذا يكون الإنسان من كل جيل حامل حضارته من الماضي ومنمّيها جدلياً ، فناقلها إلى جيل مقبل من هنا كانت " شخصية " الإنسان المجال الرئيسي لاكتشاف المكونات الأساسية لحضارة الأمة التي ينتمي إليها والميدان الرئيسي لغزو الامبريالية الحضارية ، كما رأينا من قبل ؛ إذ لايتم نقض المكونات الأساسية لحضارة أمة ما إلا من خلال تحطيم الهيكل الأساسي لشخصية المنتمين إليها . فما هي " الشخصية " وكيف تتكون على هيكلها وكيف تنقض ؟ هذي أسئلة لايمكن إدراك مدى خطورة الامبريالية الحضارية إلا إذا عرفنا الإجابات عنها . فلنحاول .
176 - يستعمل علماء النفس في حديثهم عن الشخصية لفظين متلازمين هما الوحدة والتفرد . يعنون بالوحدة جماع الشخص ، أي الشخص كلّه : بكل مكوناته الفسيولوجية والعقلية والاجتماعية . ويعنون بالتفرد ما يميز شخصاً عن آخر . ويكاد يجمع علماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء الاجناس البشرية ، والاخصائيون في فروع تلك العلوم ، على أن الهيكل الاساسي لبناء شخصية الانسان يكون قد اكتمل حين يبلغ السادسة عشرة . كل مايكتسبه بعد ذلك ويتميز به هو بناء حول هذا الهيكل لايقوم معتدلاً ومستقراً إلا بقدر اتفاقه نوعاً وكماً مع هيكله الأساسي . ففي تلك السن يبلغ الهيكل الفسيولوجي للشخصية أقصى معدلات سرعة نموّه ، ثم يبدأ في الهبوط حتى يتوقف تقريباً في سن الواحدة والعشرين ( أوليفر هوبلز ، الشباب -1937 ) ، إلا المخ فإنه يستمر في النمو وزناً حتى يصل إلى أقصى درجات نموّه في الفترة مابين الخامسة والعشرين والثلاثين ( مارتن البرت علم الاعصاب الاكلينيكي والشيخوخة -1984 ) . أما في مجال الذكاء ، الوجه الثاني لعملة الانسان ، فطبقاً لما لاحظه بياجيه من اختبارات الذكاء التي أوردها في كتابه أصل الذكاء عند الأطفال ( 1953 ) ، وما أورده غاستون فيو في كتابه الذكاء : تطوره وأشكاله ( 1951 ) ، وما جاء في كتاب علم النفس التمريضي ( 1971 ) تأليف جنيفر جارفي و جون جبسون ، وما هو وارد في الموسوعات المتخصصة ، يبقى الذكاء ملكة كامنةً في الطفل منذ ولادته ، ثم ينمو بسرعة كبيرة من سن الثالثة حتى السادسة ، ثم يتصاعد تدريجياً حتى نهاية سن الرابعة عشرة . ولاينمو بعد ذلك إلا بدرجة تافهة لايعتدّ بها . .
بقي الهيكل الحضاري . والهيكل الحضاري الأساسي للشخصية يتكوّن من مجموعة من الضوابط الذاتية أي الداخلة في تكوين الشخصية ذاتها ، التي تتحكم وتحدد لكل فرد موقفه واتجاهه وسلوكه في مواجهة الغير من الأشياء والظواهر والناس ، أي في المجتمع ذاته . من أين تأتي هذه الضوابط ؟ كيف تدخل في تكوين الشخصية
في البحث عن الجواب نعود إلى ماهو مجمع عليه من أن المجتمع هو مصدر تلك الضوابط . إنه يدس بذورها في نفس الطفل وهو بعد كائن بيولوجي لم يمّيز حتى ذاته . ثم يتابع الطفل في نموه الفسيولوجي والعقلي داسّاً في تكوينه بذور ضوابطه بذرة بذرة ، راعياً لها ومنميها . حتى إذا بلغ الطفل أشدّه واكتمل تكوينه ، كان ذلك الكائن الذي خلقه الله إنساناً ، قد خلقه المجتمع شخصية متميزة عن غيره من بني الإنسان .
أما مصنّع هذا الخلق الجديد ، أو أداة تشكيل الشخصية المتماسكة من شمع الإنسان اللّدن كما اختار أن يقول فيكتور بالدريدج ، فهو الأسرة . الأم أولاً ، ثم الأب معها ، ثم الأخوة والمرافقون الأقربون . هذه أيضاً حقيقة علمية لم ينكرها أحد منذ مطلع القرن العشرين . وقد تأكدت أولوية تأثير الأم في الخلق الاجتماعي من أن الطفل لايدرك ذاته منفصلةً عن ذات أمه بالولادة ، بل بعد ذلك بوقت طويل ، قد يمتد إلى عامين . خلال هذين العامين
أو أقل قليلاً ، يتأثر تأثراً قوياً وتلقائياً بها كمصدر إشباع حاجته البيولوجية ، كما تنتقل إليه على وجه يكاد يكون عضوياً أو ميكانيكياً ، آثار نبرات صوتها وتعبير وجهها ولمسات يدها . وينفعل انفعالاً مباشراً غير شعوري بانغعالاتها تجهّماً أو ابتساماً . ويحرّك شفتيه متمتماً ، أو يصدر أصواتاً ، أو يبكي ، في محاولة تكرار الشرط اللفظي ليحصل من أمه على لذة إشباع حاجته ، الشرط اللفظي الذي حدده سلوك الأم نفسها .
وحين تأتي الوثبة الكبرى في النمو في سن الثالثة يكون قد وعى ذاته وتعلم اللغة معاً . وعيه ذاته منفصلاً عن غيره ، يفسح مجاله النفسي لتلقّي ضوابط علاقته مع الغير : الضوابط الاجتماعية . وتعلّمه اللغة يمكنّه من إدراك تلك الضوابط مجردة عن الموقف الآني في رموزها اللغوية ، فيحتفظ بها في ذاكرته النامية ويسترجعها كلّما أراد أن يتصوّر أو يتوقع متعلماً من بين الماضي المذكور والمستقبل المتصوّر ، الملاءمة بين ما يرغب في وقوعه وما يمكن أن يقع في عملية متنامية يسمونها التكيّف . كل هذا ومجتمعه الذي يدسّ في شخصيته بذور الضوابط الاجتماعية في أسرته كمصدر أول وأساسي ، حتى بعد أن يضاف إليها المدرسة ورفاق الفصول . المهم أن الشخصية من خلق المجتمع وليست موروثة بيولوجياً ، وأنها تكتمل من خلال التفاعل مع الآخرين وهم أساساً أفراد الأسرة ، وأن هذا الاكتمال يتم في سن السادسة عشرة أو نحو ذلك . لاخلاف على محصلة هذه الخلاصة ، وإنما يختلف العلماء تبعاً لتركيز كل مدرسة منهم على أسلوب دس هذه الضوابط الاجتماعية في تكوين الشخصية .
فثمة مدرسة " المرآة " التي أسسها شارلز كولي في كتابه التنظيم الاجتماعي ( 1909 ) ، التي تقول إن كل إنسان يرى نفسه ويفهمها من خلال نظرات الآخرين إليه ويتعلم كيف يضبط سلوكه من خلال حكم الناس عليه ، وهكذا تنتقل الضوابط الاجتماعية إليه وهو يرى ويفهم ما يقبله الآخرون وما يرفضونه طبقاً لتلك الضوابط الاجتماعية ذاتها . وثمة مدرسة جورج ميد التي عرض نظريتها في كتابه العقل والنفس والمجتمع ( 1934 )،
التي يركز فيها على دور اللغة في انتقال الضوابط الاجتماعية إلى الطفل من خلال الأسرة . وثمة المدرسة السلوكية التي يمثلها روجر براون في كتابه علم النفس الاجتماعي ( 1966 ) والتي ترى أن عاملي العقاب والثواب هما الموّجهان للطفل حتى يتوافق سلوكه مع الضوابط الاجتماعية ، فيتعلم من الثواب وما يصاحبه من لذة ما هو مطلوب منه ، ويتعلم من العقاب وما يصاحبه من ألم ما هو ممنوع عليه وثمة - أخيراً وليس آخراً -
مدرسة التقليد التي شرحها باندورا وولترز في كتابهما التعلم الاجتماعي ونمو الشخصية ( 1963 ) والتي ترى أن الطفل يتمثل الضوابط الاجتماعية حتى تصبح جزءاً أساسياً في بناء شخصيته من خلال تقليده ، أو محاكاته تصرفات أفراد أسرته . . الخ .
هذه الخلافات لاتهمنا كثيراً في هذا الحديث . الذي يهمنا الآن معرفة ما هي هذه الضوابط .
177 - لايجدي حصر عددها ، ولايمكن . لايجدي لأنها مجموعة من المعارف تختلف كثيراً أوقليلاً وقد تتناقص من مجتمع إلى مجتمع . وبالتالي لاتكون محاولة حصرها مجدية - حتى إذا كانت ممكنة - إلا منسوبة إلى مجتمع معين .وحصرها غير ممكن لأنها ما لا حصر له من المعارف . أقصى ما يمكن أن يقال عنها إنها معرفة قواعد سلوك مميزة ما بين الصواب والخطأ في التعامل مع الأشياء والناس والوجود الشامل ، الأشياء والناس معاً . تنتمي إليها الأديان والمعتقدات والشرائع والتقاليد والآداب والقيم والمعايير الجمالية للفن والأدب والموسيقى والعمارة . . إنها كل تلك المعارف التي تسمى مجتمعة " حضارة " . والتي تتضمن المعايير الاجتماعية التي تحدد للانسان في كل مجتمع ما ينبغي أن يكون عليه موقفاً واتجاهاً ومسلكاً ، وما يتوقعه من الآخرين . وهي التي تفسّر وتبرر وتجمل تلك المعايير . وإنها تنتقل من جيل إلى جيل فيما يقال له تواصل الأجيال . وإن هذا الانتقال يتم من خلال تلقي الأطفال المعرفة الحضارية عن مجتمعهم بالترغيب أو التهديد أو التقليد . . لايهم ، المهم أنهم يتلقونها غير واعين ، من آباء وأمهات تلقوها حين كانوا أطفالاً غير واعين ، عن أجداد تلقوها غير واعين عن أسلاف كانوا يتلقونها أطفالاً غير واعين . وتلعب اللغة الدور الأساسي في حمل الحضارة من جيل إلى جيل وضمان استمرارها .
يقول وليم مكدوغال في كتابه علم النفس - دراسة في السلوك : " ينمو كل إنسان سويّ تحت التأثير المستمر للمجتمع الذي ولد فيه ، ويشكل المجتمع كل جزئية من تطوّره الذهني . فيصبح وارثاً لصرح من التقاليد الثقافية والخلقية قام بناؤه بطيئاً بإضافة لبنة إلى لبنة خلال الجهود التي بذلتها آلاف الأجيال . . إن اللغة هي أكثر أجزاء التقاليد الثقافية أهمية . إنها أداة وشرط أية مكتسبات لاحقة . إن الطفل من خلال تعلمه لغته القومية يستطيع أن يحصل من المعرفة أكثر مما يستطيعه الرجل البالغ من خلال تمكنه إجادة لغة أجنبية . إن هذا الأخير لايفعل إلا أن يعبر عن الشيء المألوف بألفاظ جديدة . أما الطفل فبتعلمه كيف يستعمل الكلمات يتعلم أيضاً كيف يحوّل كل العالم الذي حوله إلى أشياء ويكتشف مميزات كل منها والعلاقات فيما بينها وليست كل تلك الأشياء والمميزات والعلاقات إلا انتقاء من بين العدد اللاّنهائي الذي قد يكتشفه عقل كامل النضج . ولكن الطفل لاينتقي أساساً إلا ما يعتبر من أساسيات حضارة مجتمعه مقوداً في ذلك باللغة التي خلقها أسلافه الأقدمون للتعبير عن تلك الأوجه المنتقاة من العالم . ويرث الطفل السويّ من مجتمعه أيضاً عدداً كبيراً من المعتقدات المتعلقة بما انتهى إلى اكتشافه من أشياء . وسيبقى الطفل حاملاً تلك المعتقدات طوال حياته كلها بدون تساؤل عن صحتها ، أو حتى بحث عن كيف أصبحت معتقداته . . . " ويقول برغسون في كتابه التطور الخالق (1907 ) " اننا نرغب ونريد ونعمل بماضينا كله " .
ويصوغ عالم النفس السوفياتي ميخائيلوف المفاهيم ذاتها صياغة طريفة في نهاية كتابه الرائع لغز النفس (1980) فيصور إنساناً يحدث نفسه وهو على عتبة مدخل مرحلة الشباب فيقول : " الآن ، أنا قادر على أن أقوّم نفسي وسلوكها حتى في مواجهة أكثر المواقف تعقيداً ، إذ أنني ، بصفة أساسية ، الخلاصة الكلية لخبرة النشاط المعقد التاريخي الذي انتهى إليّ ويعيش داخلي كما تضمنته لغة أمتي فبالإضافة إلى أصدقائي وأولياء أمري ومعلمي وأساتذتي ، لي محاورون وموجهون ومساعدون في أولئك الذين واجهوا أصعب المشكلات وحلولها خلال القرون الماضية " .
إن هذه الصورة الشعرية قد تولّد وهماً بأن الحضارة كهيكل أساسي للشخصية منظّم احتياطي للسلوك يلجأ إليه الشخص أو لايلجأ . الواقع العلمي غير هذا . إن الإنسان يتلقاها بدون إرادة ، وهي تنظم وتضبط سلوكه بدون انتباه ، ويستجيب لها تلقائياً بدون جهد ، ويتبع توجيهها بسلاسة اتباع ما هو " فطري " لاشذوذ فيه ، لأنه حينئذ لايتبع إلا ذاته .
من هنا ، يبدأ كل إنسان مسيرته إلى المستقبل . فكيف يتصور هذا المستقبل ؟ إنه يتصوّره محدداً شكلاً ومضموناً بما لايتناقض مع المعايير الحضارية الكامنة في ذاته . إنه لايتصوره هكذا لأنه يريده ، ولكن لأنه لايستطيع تصوره إلا هكذا ، إذ هو التصور المنبثق من ذاته الّمتسق مع شخصيته . ومن هنا يصح القول بأن وحدة التاريخ ( صانع الحضارة ) تحدد وحدة المصير ( صنع الانسان ) . كما يصح القول بأن " المستقبل الأفضل " لأي مجتمع ذي حضارة متميزة هو ما لايتناقض شكلاً أو مضموناً مع المعايير الحضارية لهذا المجتمع . بل إنه المستقبل الأفضل " الممكن " لأنه " وحده الذي يحقق صانعوه من البشر ذواتهم به وفيه بجهد سلس لاشذوذ فيه .واخيراً قد يصح القول بأنه لايساوي قلامة ظفر كل ما كتبه الغربيون وغير الغربيين عن التفاضل بين الحضارات المختلفة للمجتمعات المتعاصرة . كما لم يكن يساوي تلك القلامة كل ما اصطنعه الغربيون من لاهوت وفلسفات وأفكار عن " رسالة الرجل الأبيض في نشر الحضارة " بين الشعوب المختلفة لتغطية الغزو الاستعماري . لقد انكشف الغطاء بعد حجب الحقيقة الاستعمارية وراء حجب التفاضل الحضاري .
وفهم حتى بعض الأوروبيين مدى الصدق فيما كان يقوله الصينيون القدامى بعد استماعهم إلى المبشرين يدعونهم إلى نور الحضارة الأوروبية . كانوا يتهامسون - في أدب جم - بأن أولئك الأوروبيين مخلوقات غريبة وبدائية وبربرية وأقل تحضراً من الخنازير لأنهم ، بالرغم من معرفتهم القراءة والكتابة ، لايستطيعون فهم تعاليم كونفوشيوس . كان الصينيون في ذلك الوقت مشغولين ببناء مستقبلهم على أسسهم الحضارية المتميزة برفع القيم الخلقية إلى مستوى أسمى من أية قيم اخرى ، وبتقدير يصل إلى حد التقديس للإنسان ، فحرموا تعاطي الأفيون (1729 ) الذي كان يزرعه المستعمرون الانكليز في الهند ويبيعونه في الصين . . ولكن التجار الأوروبيين "المتحضرين " من انكلترا وفرنسا وهولندة والولايات المتحدة الامريكية كانوا يحشدون سفنهم المحملة بالأفيون في ميناء " مكّاو " ، ويهربون بضاعتهم خلسة إلى داخل الصين . فلما حاولت حكومة الصين منع التهريب وضبط الأفيون شن الانكليز ضد الصين الحرب المعروفة في التاريخ باسم " حرب الأفيون " (1839-1844 )
وأرغمت الصين بالقوة على إباحة الأفيون تجارة وتعاطياً ، ثم بعد حرب أخرى استمرت أربع سنوات ( 1856 -1860 ) شنتها انكلترا وفرنسا معاً ، أرغمت الصين على إباحة زراعة شجر الأفيون في أرضها . يدمرون عقل الإنسان لكي يستولوا على ثروات الأوطان .
ولكن ذلك كان أيام الاستعمار المباشر والقهر العسكري السّافر ، أما في أيامنا هذه ، أيام الاستعمار الخفي ، وعصر الدعاية ، فإن اغتصاب العقول بالكلمات يغني عن تدميرها بالمخدرات . إنه ليس أقل تكلفة فقط ، بل انه أكثر جدوى بكثير . فباسم البحث العلمي تدرس حضارة المجتمع الضحية ( علم الأجناس وعلم الأجناس التطبيقي ، وعلم الحضارات المقارنة . . . الخ ) ، وبالعلم تكتشف عناصر الهيكل الأساسي لشخصية المنتمين إليه ( علم الاجتماع وعلم الأعصاب ، وعلم النفس . . . الخ ) فتدمّر تلك العناصر ( بالدعاية الموجّهة من الخارج ، وإعداد قادة الرأي في الداخل ) فتضعف مناعة المجتمع الحضارية ويتهيأ لاستقبال الغزو بدون مقاومة فيتم الاستيلاء على مستقبله بيسر قد يصل إلى حد استدعاء الغزاة ليغتصبوا - سلمياً - مجتمعاً هيأه لهم نفر من أبنائه ، كانت عقولهم قد اغتصبت من قبل .

اعتراض جانبي

178 -لولا أن الحديث ينبىء بأن قد يطول أكثر مما ينبغي لكان مما ينبغي أن نتحدث حديثاً وافياً عن المفهوم الماركسي للانتماء حتى نرّد مقدماً على ما قد يثيره بعض الماركسيين من اعتراضات على أساس أن انتماء كل إنسان إنما يكون إلى طبقته ، وأن شخصية كل إنسان هي شخصية طبقته بحكم أن اسلوب انتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي " حتماً " ، بدليل أن الشخصيات غير متجانسة في أي مجتمع طبقي . هذا الاعتراض مردود ووارد معاً . فقد عرفنا من قبل أن العلماء المتخصصين في دراسة الشخصية يستعملون في التعبير عنها لفظين متلازمين هما الوحدة والتفرد . يعنون بالوحدة جماع الشخص ، أي الشخص بكل مكوناته الفسيولوجية والعقلية والاجتماعية ، ويعنون بالتفرد ما يميز شخصاً عن آخر ( فقرة 177 ) . وحديثنا منصب على الهيكل الأساسي للشخصية فهو يتناول مكونات وحدة الشخصية المتجانسة بين كل الأفراد الذين ينتمون إلى
مصدر حضاري واحد . وهو ما كان يعنيه عالم النفس السوفياتي ميخائيلوف بقوله إن الإنسان هو الخلاصة الكلية لخبرة النشاط التاريخي المعقد الذي انتهى إليه ويعيش داخله ، كما تضمنته لغة أمته لغز النفس ( 1980 )
فالاعتراض مردود - أما عنصر التفرد في الشخصية فهو بناء مكتسب على هيكلها الأساسي من مصادر بيولوجية وفسيولوجية وفكرية واقتصادية وروحية أيضاً . فالاعتراض وارد ولكنه ليس داخلاً في نطاق الحديث
وسنقدم إلى من يخطر لهم الاعتراض المردود مثلاً من تجربة تاريخية طويلة ، رائعة ومروعة أيضاً ، جرت في الاتحاد السوفياتي ، تثبت أن التجانس الفكري والاقتصادي والسياسي في مجتمع اشتراكي ، لم يستطع أن يلغي عدم التجانس الحضاري بين أعضاء ، وقيادات الحزب الشيوعي السوفياتي نفسه ( فقرة 223 ) .
أما إذا كان ثمة من يريد أن يتخذ من الاعتراض فرصة ليعود إلى المقولة المادية المنهجية القديمة : إن اسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي حتماً فيكفينا أن نحيله إلى ما حمله إلينا د . مراد وهبة على صفحات كتابه محاورات فلسفية في موسكو ( 1974 ) من خلاصة ما اكتشفه زائراً الاتحاد السوفياتي لمدة عام ( تشرين الأول / اكتوبر 1968 - تشرين الأول / اكتوبر 1969 ) . وهي خلاصة بالغة الثراء ينقلها ماركسي بالغ الأمانة . خلاصة الخلاصة أن الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس في الاتحاد السوفياتي يراجعون " المادية الجدلية " ( المنهج الماركسي ) في اتجاه التشكيك في صحة الحتمية المادية والإقرار بأنه : في نطاق التأثير المتبادل بين الأشياء والظواهر يكون الإنسان هو قائد مسيرة التطور الجدلي ( جدل الإنسان ) .
وأن هناك اتجاهاً يمثله الينكيف رئيس قسم المنطق في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم في موسكو عرضه في كتاب صدر عام 1968 بعنوان عن الأصنام والمثل يقصر الجدل على الإنسان دون المادة ودون الفكر . وأن ثمة عالماً من أتباع مدرسته أنشأ كتاباً في هذا بعنوان ماهية الإنسان الفاعلة كمبدأ فلسفي ( 1968 ) .
وقد ظهر أثر هذا الاتجاه الذي نقله إلينا د . مراد وهبة فيما كتبه بعض علماء النفس في الاتحاد السوفياتي في السنين الأخيرة . ففي كتاب يحمل عنوان مشكلات النمو العقلي ( 1981 ) يبدأه مؤلفه أ . ن . ليونييف بقوله :
" حين يتأثر الكائن الحي على وجه أو على آخر بمؤثر خارجي فإنه يهضمه ويتمثله . ولايكفي من أجل هذا أن يبقى سلبياً متأثراً ، بل لابد له هو أن يفعل شيئاً في الوقت ذاته . هذا الفعل قد يأخذ شكل عملية داخلية أو حركة خارجية ولكن لابد من أن يحدث " . . . ثم يأخذ هذه القاعدة مطبقاً إياها باستفاضة مصحوبة بخلاصات التجارب وجداولها إلى أن يصل إلى آخر الكتاب لينفي صحة " وجهتي نظر " في كيفية عمل الإنسان المؤثر بما هو خارجه . أولاهما ترى أن في الانسان وظائف عقلية ونشاطاً معرفياً يعمل ذاتياً بمجرد التأثر بظاهرة خارجية ( وجهة نظر مثالية ) ، وترى الثانية أن الإنسان لايفعل حين يتأثر إلا أن يعيد ما اكتسبه بالمران والتكرار من خبراته السابقة ( وجهة نظر مادية ) لينتهي إلى أن الإنسان يعي تجاربه وما يصل إليه من تجارب تاريخية ، ويهضمها ويتمثلها لا ليكررها ولكن ليستخدمها في تغيير ظروفه .
مثل هذا الاتجاه واضح الظهور أيضاً في كتاب ف . ت . ميخائيلوف لغز النفس ( 1980 ) فبعد عرض مطوّل لما قاله هيغل وما قاله رسل ، يتبنى تعريفاً طريفاً للإنسان ، ينقله عن عالم سوفياتي آخر اسمه أموسوف
تشكيل الفكر والعقل ( 1965) ، فيقول إن الإنسان " كائن منظم قادر على إدراك المؤثرات الخارجية واستخراج معلومات منها ، وإدخال معلومات في قوالب ذات مستويات مختلفة ، والتأثير في محيطه الخارجي طبقاً لخططه ذاته على مستويات متعددة . فالإنسان في النهاية هو ضابط ذاتي لخططه " . ويضيف ميخائيلوف من عنده :
" حتى نستبعد أي مكان لسوء الفهم نقول إن الإنسان ضابط ذاتي طالما أن نشاطه مؤسس على خطة قائمة في داخل ذاته وليس خارجها على أي وجه " . . . الخ . . . وبعد ؟
وبعد ، فلنعد إلى موضوع حديثنا .

ذو الحدين

179 - يتحدد الهيكل الأساسي لشخصية الإنسان ، إذن ، بانتمائه إلى حضارة معينة . ومن خلال دراسة حضارته يتم كشف شخصيته ومعرفة كيفية التعامل معه عن طريق الإعلام والدعاية والرأي بأكبر قدر من فرص النجاح . النجاح في تطويره أو في تدميره . ذلك لأن سلاح الإعلام والدعاية والرأي ، ككل سلاح علمي ذو حدين . فكما تكون غايته الإجهاز على الضحية في القتال ، تكون غايته حمايتها بدفاع فعّال . وكما يصلح لاغتصاب العقول يصلح لتطهيرها . وإذا كنا قد بدأنا تاريخه كأداة اغتصاب فلأن تلك كانت بداية تاريخه كعلم.
ولكنه الآن أصبح سلاحاً في أيدي كل الشعوب ، لايختلف أداؤه إلا تبعاً لاختلاف القوى التي تستعمله والغايات التي تستهدفها .
ولن يكون غريباً أن يزعم كل داعية ، صاحب دعوة أو دعاية أو رأي ، أنه إنما يستهدف التطوير لا التدمير .
ولن يكون غريباً أن يتصدى له داعية ( صاحب دعوة أو دعاية أو رأي ) لينقض ما يزعم ، ثم يزعم أنه بمناقضته إنما يدافع عن التطور ضد الانحراف المدمّر . وكل هذا لن يكون أكثر من اختلاف في حقيقة الرأي أو رؤية الحقيقة ، إن دل على شيء فإنما يدل على أن ليس من بين المختلفين من يصلح حكماً فيما يختلفون فيه.
وتبقى الحقيقة الموضوعية هي الحكم الموثوق بدون ظلم أو نفاق . والبحث العلمي هو وحده الدليل إلى حيث توجد الحقيقة الموضوعية . إذ " العلم هو معرفة المعلوم على ماهو به " . من هنا فإن أية دعوة أو دعاية أو رأي موجه إلى الإنسان العربي ، لايتوقف تقويمه ، ومعرفة ما إذا كان مطهّراً أم مدمّراً ، على ما يقوله الذين يخالفونه دعوة أو دعاية أو رأياً ، بل على الآثار الموضوعية التي يحدثها في شخصية الإنسان العربي . وهذا ينطبق علينا ، ويلزمنا ونلتزم به . ففي الجزء الأول من هذا الحديث اختلفنا مع الذين يناهضون العروبة بالإسلام خلافاً قائماً على الأساس الإسلامي ذاته ، الذي يبنون عليه رأيهم ، حتى نحتج عليهم بما لايستطيعون ردّه ، إذ هم ونحن نحتكم إلى كتابنا : القرآن . واجتنبنا الاحتجاج بالأحاديث وأقوال الفقهاء لنتجنب مواطن الخلاف فيها ، وهي كثيرة . هذا بالرغم من علمنا أن الأحاديث الآحاد ، وإن كانت محل خلاف ، والمذاهب الفقهية ، وإن اختلفت ، قد طبقت في الوطن العربي قروناً طويلة وصاغت حياة الناس ، وتحول كثير من قواعدها إلى قيم وتقاليد وعادات وآداب دخلت في التكوين الحضاري للأمة العربية ، فأصبح الناس يلتزمونها بدون بحث عن أصلها التشريعي أو الفقهي . وهي بهذا قد غدت أكثر تأثيراً في حياة العربي - مسلماً كان أم غير مسلم - لأنها جزء من بناء هيكل شخصيته . وسنرى تجربة تاريخية واضحة الدلالة على صحة ما نقول. ومع ذلك لم نثرها في خلافنا مع الظالمين حتى لانحتكم إلى ما يقبل الخلاف .
كذلك كان موقفنا من الذين يناهضون الإسلام بالعروبة ، يزعمون التقدم غاية ؛ فاختلفنا معهم في الجزء الثاني من هذا الحديث خلافاً قائماً على الأساس العلمي ذاته الذي يبنون عليه رأيهم حتى نحتجّ عليهم بما لايستطيعون ردّه إذ هم ونحن نحتكم إلى العلم وأبحاثه . واجتنبنا الاحتجاج بالآراء والمذاهب المثالية أو الميتافيزيقية لنتجنب مواطن الخلاف فيها ، وهي كثيرة . هذا بالرغم من علمنا أنّ لتلك الآراء أنصاراً واتباعاً كثيرين في الوطن العربي ، وأنها تصوغ حياة قطاع كبير من الناس فيه منذ أكثر من قرن تحولت قواعدها إلى قيم وتقاليد وعادات وآداب ذات طبيعة حضارية ، وهي بهذا قد غدت مؤثراً قوياً في حياة كثير من العرب ( المتعلمون والمثقفون والأثرياء خاصة ) ، لأنها تخالط بناء هيكل شخصياتهم ، وإن لم تتحول إلى حضارة عربية . وسنرى تجربة تاريخية واضحة الدلالة على صحة ما نقول . ومع ذلك لم نثرها في خلافنا مع المنافقين حتى لانحتكم إلى ما يقبل الخلاف .
الآن ، في هذا الجزء الثالث والأخير من حديثنا جاء وقت الاحتكام لغير أطراف الخلاف جميعاً . تمهيداً لقبول هذا الاحتكام طرحنا فيما سبق ( فقرة 176 و 177 و178 ) ما قاله ويقوله ويكاد يجمع عليه علماء متخصصون عن " الشخصية " ، وهم بعد ليسوا أطرافاً في الخلاف موضوع هذا الحديث . وهذا أقصى ما نستطيع أن نقدمه من إنصاف إلى الذين نختلف معهم . فلنتقدم إذن إلى الإنسان العربي ، الهدف ، لنعرف أولاً شخصيته ، ولنعرف ثانياً ماذا يفعلون بها ، ثم لنعرف أخيراً لماذا يفعلون .

الشخصية العربية

180 - مالذي يعنيه ، على وجه الدقة ، وصف إنسان بأنه عربي ؟ إنه لايعني أنه ينتمي إلى دولة عربية ، فهو يحمل هويتها ويوصف بها ، ذلك لأن ليس في الوطن العربي قطر عربي متميز بهذا الوصف عن الأقطار الأخرى . في الوطن العربي بلدان تحمل أسماء جغرافية أو شعوبية أو عشائرية ، وتوصف جميعها بأنها بلدان " عربية " وصفاً غير منكور ، لافي داخلها ولا في خارجها ، ولافي أي مكان من العالم . فيرد السؤال ذاته بالنسبة إليها : مالذي يعنيه القول عن مجموعة محددة ومحدودة من البلدان مختلفة الأسماء والمواقع والنظم والحكام أنها بلدان " عربية " ؟ الجواب عن السؤال في الحالتين واحد . إن وصف إنسان بأنه عربيّ يعني تمييز انتمائه إلى شعب متميز بأنه عربيّ . ووصف دولة بأنها عربية يعني أن رعاياها ينتمون إلى شعب متميز بأنه عربي . هذا الجواب لايكفي لتحديد دلالة قطعية لكلمة " عربي " فهي كلمة أطلقت على مدى قرون طويلة على تجمعات بشرية أسرية وعشائرية وقبلية وشعوبية ، ولم تكن شاملة كل البشر الذين يوصفون الآن بأنهم عرب . وقد أدى تجاهل هذا فيما يسمى الفكر القومي إلى الحديث عن " العرب " بدون تفرقة في الزمان ، كما لو كان عرب اليوم هم سلالة عرقية لعرب الجاهلية . كما أدى تجاهله في الفكر اللاّقومي ( الأمي أو الاقليمي ) إلى الحديث عن شعوب عربية متعددة . بدون أن يقول لنا الأولون إلى أين إذن ذهبت الشعوب التي كانت تملأ الأقطار التي نصفها الآن بأنها عربية قبل الفتح العربي خاصة ، والتاريخ لم يذكر لنا أن العرب الفاتحين قد أبادوا تلك الشعوب ، وبدون أن يقول لنا الآخرون على أي وجه يصفون شعوباً متعددة بأنها عربية ؟ من أين جاء هذا الوصف المميز ؟ وما هو مضمون تميزه ؟ بدون معرفة الإجابات الصحيحة عن كل تلك الأسئلة سيبقى الوصف " عربي " بدون دلالة تسمح بالحديث عن " الشخصية العربية " .
181 - من المسلم أن التكوين البشري للمجتمعات في حركة تطور مستمرة من الأسرة إلى العشيرة ، القبيلة ، إلى الأمة . . . إلى ما لا ندري الآن كيف يكون التكوين في المستقبل غير المنظور . ما ندريه هو أن انتقال مجتمع من طور إلى طور لايتم إلا بعد أن يستنفذ الطور الذي قبله كل إمكاناته المادية والبشرية لإشباع احتياجات البشر المادية والفكرية والروحية المتجددة أبداً . وهو أمر قد يستغرق قروناً أو عشرات القرون تبعاً لظروف النشأة ومكانها والتأثير المتبادل بين المجتمعات المتعاصرة . ولكن ، كما يقول عالم الاجتماع أوستاس شيسر في كتابه الحياة الناجحة ( 1952 ) : إن الاتجاهات الاجتماعية كانت دائماً متطورة من الأسرة إلى القبيلة إلى الأمة . تماماً كما هو الحال في الحياة العضوية التي تبدأ بالخلية وتنتهي نامية إلى حيويات معقدة " .
وأكثر ماندريه أهميةً بالنسبة إلى هذا الحديث أن الانتقال من طور إلى طور لايتم إرادياً بقرار فردي أو جماعي
بل يتم تدريجياً على مدى القرون من خلال الكفاح الإنساني الطويل لإشباع حاجاته ، وما يصاحبه من صراع داخليّ وخارجيّ ضد الطبيعة وضد الناس . ومن خلال هذا التطور ذاته ، تتطور حضارة كل مجتمع ، مصاحبة تطوره ، لاتتقدم عليه ولا تتأخر عنه . فثمة حضارة عشائرية ، وثمة حضارة قبلية ، وثمة حضارة شعبوية ، وثمة حضارة قومية . . . إلى ما لاندري الآن كيف تكون عليه الحضارة في المستقبل غير المنظور
المهم أنه في زمان معين ، في مكان معين ، يكون لكل مجتمع معيّن ، في الزمان والمكان ، حضارته ، لاتتخلف عنه كما لاتتخلف خصائص المادة عن أي من عناصرها في حالة نقائه . فهي الحضارة الملازمة ، المناسبة ، الملائمة أفضل الحضارات بالنسبة إليه ، حتى بدون أن يعرف لماذا .

182 -ونحن نزعم - وكنا على مدى ربع قرن ثابتين على الزعم - بأن العرب أمة مكتملة التكوين . ماالذي يعنيه هذا من بين مايعني ، عن الشخصية العربية ؟ يعني كبداية أن الحضارة العربية حضارة قومية لاعشائرية ولا قبلية ولا شعبوية . لدينا وفينا كل ما نقلته إلينا لغتنا من تراث حضاري موروث من الأطوار العشائرية والقبلية والشعبوية قبل أن نكون أمة في طور التكوين إلى أن أصبحنا أمة . انتقل إلينا عبر الأجيال المتعاقبة في مسيرة تقودها اللغة من أطفال ، إلى أطفال ، إلى اطفال ، وتشكّلت به الشخصية العربية من جيل إلى جيل . ولكن لغتنا المتطورة أيضاً لم تنقل إلى أي طور مررنا به إلا ما يناسب اطّراد النمو إلى الطور الذي يليه . إن الاهرام الخالدة أدلة على حضارتنا البائدة ، ولكنها لاتعني شيئاً بالنسبة إلى حضارتنا السائدة .
وحين تم الفتح العربي الإسلامي فجمعنا في دولة ، ووفّر لنا الاستقرار على الأرض الخاصة ، والتفاعل فيما بيننا وبينها ، ودخلنا به طور التكوين القومي إلى أن أصبحنا أمة تمت حضارتنا وأينعت وأثمرت عقائد وتقاليد وعادات وقيماً وآداباً وفنوناً متطورة ، متميزة عمّا سبقها بتلك الإضافات التي تميز الحضارات القومية . أهم هذه الإضافات ما يدخل في عناصر التكوين القومي " الاختصاص بالأرض دون باقي البشر " . وطننا : نمجد تاريخه ، نطمئن فيه ، نغترب بعيداً عنه ، نحافظ عليه ، نفديه بالحياة ، نعيش من خيره ، نشترك معاً ، ودون غيرنا ، في التمجيد والاطمئنان والاغتراب والمحافظة والفداء والخير . وتعبر أجيالنا المتتابعة عن هذا الانتماء والولاء والوفاء فكراً وأدباً وفناً وغناء وموسيقى وأناشيد . . وأحزاناً ودموعاً أيضاً . إنه ليس أرضاً ولكنه تجسيد ماديّ لمفهموم دخل ، في خلال التفاعل معه ، إلى صميم تكوين شخصية كل عربي ، وأصبح جزءاً من هيكلها الأساسي الاجتماعي ، تحرسه ضوابط اجتماعية من التقاليد والعادات والقيم والآداب . . .
هكذا وبدون وعي ، أو بوعي ، يتجه الإنسان العربي السوي إلى المستقبل ، مقوداً بانتمائه إلى الوطن بدون أن يعرف كيف يقاد ، وإن كان يشعر أنه لايقود إلا نفسه . وتقاتل أجيال من أطراف الأرض العربية من أجل تحرير فلسطين السليبة بدون أن تعرف ، أو تسأل ، لماذا تقاتل . إلا أنه من مرارة الشعور بالهزيمة ومن أمل الفرحة بالنصر ، يشعر كلّ منهم في ذاته أنه يقاتل من أجل تحرير شخصيته ذاتها . . . الخ .
183 - ما هو الدليل على صحّة هذا الحديث عن العشائر والقبائل والشعوب ولأمم غير هذا الشعور بالانتماء الذي يقود البشر بوعي أو بدون وعي ؟ هل من المستبعد أن يكون كل هذا تصويراً ذهنياً لتاريخ لم يقع لمجرد مساندة رأي دسّته قوى في بعض العقول العربية التي اغتصبتها بالاعلام والدعاية وقادة الرأي ، خاصة بعد أن عرفنا مدى القدرة على اغتصاب العقول ؟ نريد أدلة من الواقع الموضوعي بدلاً من الصيغ الفكرية المجردة .
فليكن .
فيما يلي دليلان . الأول من بحث علمي في التاريخ . والثاني من تاريخ البحث العلمي .

مصر العربية

184 -لو شئنا لتناولنا تاريخ الشعب العربي في كل قطر منذ أن كان أسرة ، فعشيرة ، فقبيلة ، إلى أن أصبح جزءاً من الأمة العربية . ولكن هذا يطول . نكتفي لأسباب يمليها الواقع العربي الذي نحياه بأن نضرب مثلاً من مصر كيف كانت فرعونية وكيف أصبحت عربية . وما يصدق على مصر يصدق على كل قطر ، وإن اختلفت الوقائع والأسماء . وليعرف المفتونون " بشخصية مصر " أن كل إنسان من مصر ذو شخصية عربية إسلامية أعجبهم هذا أم لم يعجبهم . لا لأننا نتصور ذلك أونريده ، ولكن لأنه الواقع الموضوعي . وليعرف الشعب العربي في مصر ، وغير مصر ، لماذا نشطت حتى الضراوة ، دعوة مناهضة العروبة بالإسلام ومناهضة الاسلام بالعروبة ، في مصر ، في السنين الأخيرة .

عن الماضي الاقليمي

185 - قبل أن توجد أية دولة فيما يسمى الآن الوطن العربي ، بل قبل أن توجد الأمة العربية ، وقبل أن توجد الدول والأمم جميعاً ، كانت مصر موقعاً جغرافياً يسمى مصراييم . وكانت فيما بين الخليج والمحيط بمثابة واحة كبيرة من الأرض الخصيبة ذات المناخ المعتدل يجري فيها الجزء الشمالي من النيل بدون عوائق أو مساقط موفراً لها أكبر قدر من انتظام أسباب الري والزراعة والنقل والمواصلات . تطل على بحرين عند ملتقى قارتين ، فكانت ، مثل كثير من أودية الأنهار ، ولكن بدرجة أفضل ، موطناً نموذجياً للحياة المستقرة على يسر النماء الزراعي والبناء الحضاري والتبادل التجاري مع ما حولها من أقاليم . فكانت بهذا كله ذات قوة جذب هائلة للجماعات القبلية الجائلة فيما يليها ، شرقاً وغرباً وجنوباً ، تغزوها ، أو تحاول أن تفزوها ، لا لتنهبها ثم ترتد عنها ، شأن الغزاة في العصور القبلية بل لتستولي عليها ، وتستقر فيها .
حينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الشرق بقيادة من أطلق عليهم المصريون اسم " الملوك الأجانب " أو " حقا خاسوت " الذي حرف في اللغة الأغريقية إلى " هكسوس " عام 1675 ق . م استولوا عليها ، واستقروا فيها قرناً ( حتى عام 1567 ق . م ) . وكانت منهم أسرتان حاكمتان هما الأسرة الخامسة عشرة والأسرة السادسة عشرة ، وثلاثة عشر ملكاً فرعوناً ، أولهم شيش ، وآخرهم أبيبي الثالث .
حينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الغرب من نسل يوبو واوا الليبي عام 1950 قبل الميلاد استولوا عليها واستقروا فيها قرنين ( حتى عام 1730 ق . م ) ، وكانت منهم أسرتان حاكمتان هما الأسرة الثانية والعشرون والأسرة الثالثة والعشرون ، وأربعة عشر ملكاً فرعوناً أولهم شاشانق الأول وآخرهم أوسركون الرابع .
وحينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الجنوب عام 751 قبل الميلاد استولوا عليها واستقروا فيها قرناً ( حتى عام 656 قبل الميلاد ) وكانت منهم أسرة هي الأسرة الخامسة والعشرون ، وخمسة ملوك فراعنة : يغنجى وشاباكا وشهتاكا وطهرقا وتانون اماني .
وحينما غزتها التجمعات القبلية الوافدة من فارس تحت قيادة قمبيز عام 525 ق . م استولوا عليها واستقروا فيها أكثر من قرن ( حتى عام 414 ق . م ) ، وكانت منهم أسرة حاكمة هي الأسرة السابعة والعشرون ، وخمسة ملوك فراعنة أولهم قمبيز وآخرهم دارا الثاني . وبعد أن طردتهم ثورة قادها الفرعون آمون حر لم يلبثوا أن عادوا اليها قبل يمضي نصف قرن ، فغزوها عام 341 ق . م واستولوا عليها واستقّروا فيها قرناً آخر ( حتى عام 232 ق. م ) ، وكانت منهم أسرة حاكمة هي الأسرة الحادية والثلاثون ، وثلاثة ملوك فراعنة أولهم ارتخشاشا الثالث ، وآخرهم دارا الثالث .
ثم جاء البطالمة فاستقروا فيها ثلاثة قرون ، ثم الرومان فاستقروا فيها أربعة قرون ، ثم البيزنطيون فاستقروا فيها نحو قرنين ونصف قرن ، ثم العرب عام 640 ميلادية فاستقروا فيها وتعّربت جملة ، ولم تزل .
وهكذا فرضت جغرافية إقليم مصر على مصر مفهوماً مصرياً لأمن مصر ، أم وجودها وحدودها وأمن مبادلاتها ومواصلاتها . مؤداه : بما أن مصر - جغرافياً - ذات قوة جذب للغزاة من ناحية ، وبما أنها توفر لمن يغزوها أفضل أسباب الاستقرار فيها ، من ناحية ثانية ، فإن المواقع المناسبة للدفاع عن مصر تقع خارج حدودها الجغرافية في جميع الاتجاهات شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً . أو بصيغة أخرى إن خطوط الدفاع عن مصر تقع فيما يجاورها من أقاليم بعيداً عن حدودها . فيمكن القول ان جغرافية إقليم مصر وما يحيط بها من أقاليم قد فرضت على مصر أن تقوم ، فيما يحيط بها من أقاليم ، بدور دفاعي عن ذاتها .
186 -ويكاد تاريخ مصرالفرعونية أن يكون تاريخاً لهذا الدور . وأغلب ما عني ملوك مصر الفراعنة بتسجيله حفراً على جدران المعابد هو قصص خروجهم إلى جميع الاتجاهات لمواجهة التجمعات القبلية التي تجهّز نفسها لغزو مصر ، وضربها ضربات وقائية مبكرة قبل أن تقترب منها .
أما في الشمال فنقرأ على جدران معبد الكرنك بعد أن استطاع الفرعون أحمس الأول ( 1570 - 1546 ق.م )
طرد الهكسوس من مصر ، طردهم من جزيرة كريت ، وأراد أن يكرم جدته الملكة " أعج حوتب " للدور العظيم الذي قامت به في تعبئة الجيوش وتحريضها على القتال فيسميها ملكة كريت . ونقرأ على جدران معبد الرمسيوم في الأقصر ماأمر بحفره الفرعون رمسيس الثاني ( 1290 - 1223 ق . م ) ثبتاً للبلاد التابعة لمصر ، من بينها قبرص وكريت .
أما في الغرب ، فمنذ بداية التاريخ المكتوب تذكر الآثار أنّ فرعوناً من الأسرة الثانية اسمه خع سخم أو حورس،
لايعرف أحد تاريخ حكمه ، قد خرج من مصر لمقاتلة القبائل الليبية التي تهددها . وتحكي بردية سنوهي مأساة اغتيال الفرعون العظيم أمنمحات ( 1991 - 1961 ق . م ) فنقول إن أعداءه تمكنوا منه وقتلوه ، منتهزين فرصة غياب ابنه وولي عهده وقائد جيشه سنوسرت ، إذ كان قد أرسله قائداً لحملة للقضاء على التجمعات القبلية التي تجهّز نفسها لغزو مصر في قواعدها في ليبيا . وتحكي الآثار أن امنحوتب الأول فرعون مصر ( 1546 1526 ق. م ) قد أرسل جيشاً كبيراً بقيادة " أحمس آباتا " إلى ليبيا لتشتيت القبائل المتجمعة هناك تستعد للسير على مصر . وعلى جدران معبد الكرنك يسجل الفرعون سيتي الأول ( 1303 - 1290 ق . م ) قصة مثيرة عن خطر مزدوج المصدر من الشرق والغرب . فقد اجتاحت الشرق قبائل هندو - آرية فهاجرت قبائلها مطرودة بحراً ولجأت إلى شاطىء شمال أفريقيا . فلما أن تجمعوا هناك تعرّضوا لقوة جذب النماء والرخاء والاستقرار في مصر ، فاتجهوا إليها ، فخرج إليهم الفرعون سيتي الأول وطاردهم . وتشهد بقايا الأواني الفخارية التي اكتشفت في الخرطوم وغرب السودان وفي قريتي البداري في صعيد مصر ( أسيوط ) أن علاقة مصر بالجنوب ترجع إلى العصر النيوليتي ( العصر الحجري الحديث ) أي إلى ما قبل 4000 سنة ق . م . وعلى صخور جبل الشيخ سليمان على مقربة من بوهن ، أمام وادي حلفا ، نقرأ نبأ وصول جيوش مصر بقيادة الملك الفرعون اتىالثاني من ملوك الأسرة الأولى ، لتأمين طرق التجارة مع الجنوب . ويحكي لنا الرحالة الفرعوني حرخوف في تاريخ حياته المسطور على واجهة قبره في أسوان أنه صاحب حملة قادها أبوه إلى الجنوب ، وأنه قاد هو نفسه ثلاث حملات متتالية بأمر من الفرعون بيبى الأول ( 2402 - 2377 ق . م ) .
وبينما ذهبت الحملات إلى بلاد لم يعرفها أحد من قبل - كما قال - خصص قصة الحملة الثالثة التي تمت في عهد بيبى الثاني لنبأ عثوره على قزم حي وإبلاغه فرعون النبأ ، ويورد رسالة الفرعون إليه أن " تعال إلى الشمال . تعال سريعاً إلى القصر ، واحضر معك هذا القزم الذي جئت به من أرض الأرواح حياً سالماً وفي صحة جيدة ليرقص للإله " . ولم يكن ذاك غريباً ، فقد كان بيبي الثاني طفلاً . ولكن الفرعون الطفل قد أصبح فرعوناً شاباً فأدرك أن دور مصر في الجنوب ليس لهواً ولعباً بالأقزام ، بل مسألة حياة أو موت ، فمنه يجري شريان مصر ( النيل ) . فأرسل إلى الجنوب قائده بيبي لنخت ليؤدي دوراً آخر ذكره القائد في سجل تاريخ حياته المحفور فقال : " أرسلني جلالة مولاي لأؤدب بلاد أرثت فقمت بما جعل مولاي يثني عليّ ، وقتلت منهم عدداً كبيراً ، من بينهم أبناء الزعماء ورؤساء المحاربين واحضرت منهم أسؤى إلى القصر . كان عددهم عظيماً لأني كنت شجاعاً ومعي جيش كبير من الجنود الأشداء " . وحيث توجد كرمة في السودان أسس امنمحات الأول ( 1991 - 1961 ق. م ) مركزاً للتجارة تحرسه قوة مرابطة في حصن شيّده في سمنه جنوبي الشلال الثاني .
ثم توالت الحصون فأصبحت سبعة عشر حصناً ، ترابط فيها قوات تحرس النيل وتدافع عن مصر عند خطوط على بعد مئات الكيلومترات من حدودها . ومع ذلك فليست العبرة بالسّن دائماً ، فما أن تتعرض حصون مصر وخطوط تجارتها في الجنوب لخطر ناشىء حتى يخرج إلى حيث موقع الخطر الفرعون الصغير أمنحوتب الأول ( 1546 - 1526 ق . م ) ويعيد الأمن إلى مصر بمعارك ناجحة في السودان . أما الفرعون تحوتمس الأول
( 1525 - 1495 ق. م ) فقد مد حدود حكمه إلى السودان وعين حاكماً له فرعوناً أسماه " الأبن الملكي لكوش "
وأصبح محرماً على من هم جنوب تلك الحدود عبورها إلى الشمال . وحينما حاول أمراء قبائل كوش تحدي تلك الحدود هزموا ، واستقبل تحوتمس قادة جيوشه المنتصرة وكرّمهم في أسوان . ثم تحوتمس الثالث ( 1490 - 1436 ق . م ) ، الذي قاد بنفسه حملة إلى السودان وبقي هناك سبعة أشهر يقاتل القبائل التي تهدد مصر وتجارتها ، ولم يعهد بذلك إلى أحد قواده ، بالرغم من أنه كان قد قارب السبعين من عمره . أما الفرعون امنحوتب الثالث ( 1436 - 1411 ق . م ) فإن تمثاله في قرية النجعة ، على مقربة من شندي شمال الخرطوم شاهد على اين كان يدافع عن مصر و . . إلى آخر . .
أما عن الشرق فقد خرج إلى الشرق قائداً منتصراً وعائداً الملك الفرعون ساحورع من الأسرة الخامسة ( 2553 -2539 ق . م ) وبيبي الأول من الأسرة السادسة ( 2402 - 2277 ق . م ) الذي طاردت قواته بقيادة البطل العسكري " ونى " التجمعات القبلية ثم دحرتها عند جبال الكرمل . وامنمحات الأول ( 1991 - 1961 ق . م )
من الأسرة الثانية عشرة الذي أراد أن يحصن حدود مصر الشرقية نهائياً ، فبنى على طول الحدود سوراً فرعونياً عظيماً لم يصمد طويلاً فاضطر أحد خلفائه سنوسرت الثالث ( 1879 - 1841 ق . م ) إلى أن يطهّر كل شرقي البحر الأبيض المتوسط ، وأن يترك هناك فصائل تجوب الشواطىء وتراقب الطرقات وتنذر مبكراً بأي مشروعات غزو لمصر . وأحمس ( 1570 - 1546 ق. م ) يطرد الهكسوس من مصر ، ويتعلم من
الجغرافيا ، فيعلم أنهم لن يكونوا قد خرجوا من مصر إلاّ إذا خرجوا من فلسطين ، فيخرجهم منها .
فتعلم الجغرافية فراعنة مصر أن هذا البعد لايكفي فيأتي تحوتمس الثالث ( 1490 - 1436 ق . م ) وما ان يصل إليه نبأ وصول قوات قادش مدينة مجدّو في سورية ، حتى يعتبر ذلك اعتداء على حدود أمن مصر فيخرج إليهم ويقاتلهم ويدمرهم في مدينة نوخاخش الجاورة لمكان حلب الحالية .
ويواصل حملاته دفاعاً عن أمن مصر التي بلغت ست عشرة حملة مطاردة أوصلته إلى الفرات . ويفكر ذلك الفرعون العبقري فيما سيصنعه التاريخ بعده بعشرات القرون . إن التآخي وليس القهر هو الذي يحفظ أمن مصر
فيجمع أبناء ملوك القبائل التي قهرها وأولياء العهود فيها ويحملهم إلى مصر ويحشدهم مع أبنائه في قصوره ويؤاخي بينهم ليتعلموا جميعاً أن أمن مصر هو أمن جيرانها وأنها لاتغزوهم إلا مضطرة فإن تحالفوا على التعاون لردّ المخاطر عنهم جميعاً فهذا يكفي مصر أمناً . وقد كان : عاد أولياء العهود أخوة وأصبحوا ملوكاً وقادة ، وحالوا دون أن تكون مواطنهم مراكز تجمعات تهدّد مصر ، فنعمت مصر بفترة طويلة نسبياً من الأمن والهدوء والرخاء والتقدم الحضاري الذي تجاوز أمور الدنيا إلى أمور الدين ، فأنجبت امنحوتب الرابع ( 1370 - 1349 ق . م ) الذي أنهى عبادة امون وأشاد بعبادة آتون ( الشمس ) وحمل لقب أخناتون فكان أول الموحدين من فراعنة مصر . وفي عهده اكتمل مفهوم أمن مصر : فهو إدراك لمواطن الخطر عليها في مواقعه وليس عداءً لمواطني تلك المواقع .
فحين تجمع على حدود مصر الشرقية جلّ مواطني سورية وفلسطين يريدون دخولها ، وتبين القائد الفرعوني حورمحب أن جيوش ملكة خيتا قد غزت ديارهم وطردتهم وطاردتهم حتى حدود مصر ، فتح لهم الحدود ، وآوتهم مصر وعقدت معهم ما يمكن أن يسمى " معاهدة دفاع مشترك " فكونوا جيشاً مشتركاً خرج إلى حيث مواقع الخطر المشترك وقضى على جيوش خيتا . فلما تحررت سورية وفلسطين أمنت مصر . وكانت تجربة علمت الجميع ما يمكن أن نسميه المصير المشترك مدخرين تعبير وحدة المصير إلى مرحلة تاريخية لاحقة .كذلك حين عادت جيوش ملكة خيتا إلى الاستعداد لغزو مصر وجمعت له من استوردهم قائدهم المسمى موتللي من جند المرتزقة من سكان بحر ايجه ( اليونان ) وإمارات آسيا الصغرى ( تركيا ) ، وخرج إليهم رمسيس الثاني ( 1290 - 1223 ق. م ) كادت الدائرة تدور على جيش فرعون المصري وفرّ كثير من جنده ، وباتت الهزيمة وشيكة وأصبح مصير مصر ذاتها معلقاً على نجدة من الحلفاء ، فتقدم لنجدتها الوف من شباب فلسسطين مكونين تشكيلاً عسكرياً يطلق عليه في الآثار اسم " ثبارونا " ويعني " فرقة الشبيبة " ، وناصروا رمسيس الثاني فانتصر ، وأنقذت مصر وفلسطين وسورية معاً . وحينما بدأ الخطر الآشوري يدق أبواب سورية كرر المصريون والفلسطينيون التجربة الناجحة فشكلوا جيشاً مشتركاً بقيادة الفرعون المصري تفت نخت ( 730 - 720 ق . م ) وخرجوا معاً في هذه المرة للدفاع عن سورية ، دفاعاً عن فلسطين ومصر . . . وحين انهزموا استولى الأشوريون على سورية وفلسطين ومصر أيضاً .
187 - نستطيع ، بدون خسارة كبيرة ، أن نسقط من حديثنا قرون الحكم البطلمي والروماني والبيزنطي جميعاً فخلالها جميعاً أصبحت مصر مجرد أداة تؤدي الدور الذي يختاره لها من لهم السيطرة والحكم ، وقطعت هذه السيطرة نموها الحضاري مرة أخرى ، فأبقت سكان مصر شعباً لم يتطور أمة . وسيبقى كذلك إلى أن نصل إلى الفتح العربي عام 640 ميلادية .
188 - لم يكن غريباً أن يتم الفتح العربي لمصر بسهولة . ذلك لأن البيزنطيين لم يتعلموا من الجغرافية ما تعلمه الفراعنة . فقد تم الفتح العربي لسوريا عام 636 ميلادية . وهو الإنذار الذي ماكان أي فرعون مصري يسمعه حتى يعبىء قواته ويخرج من مصر إلى حيث تتجمع النذر لتؤدي مصر دور الدفاع عن ذاتها في المواقع التي حددتها الجغرافية . لم يفعل البيزنطيون هذا ، بل تحصنوا في بابليون جنوبي القاهرة ، وهم يسمعون نبأ دخول عمرو بن العاص على رأس أربعة آلاف مقاتل لاغير ، من العريش حتى الفرما (شرق بور سعيد حاليا)
حتى بلبس ؛ لتدور أول معركة بينهم في عين شمس ضاحية القاهرة . . فطلب عمرو بن العاص مدداً . وبينما عاد البيزنطيون إلى حصن بابليون اجتاح عمرو بن العاص على مرأى ومسمع منهم الدلتا واخترقها ، واستولى على الفيوم ، ثم عاد شرقاً ، فعبر النيل ليلتقي بالمدد الذي جاء وحاصر البيزنطيين في حصنهم ، واستولى عليه بعد سبعة أشهر قبل أن يتوجه إلى الاسكندرية ، العاصمة . فيعود البيزنطيون إلى الخطأ ذاته . خطأ تصور إمكان الدفاع عن مصر من داخل مصر ، أو ردّ الذين يتمكنون من دخولها فعلاً ، فيتحصنون في الاسكندرية فيتركهم عمرو بن العاص محاصرين ويوجه قواته إلى صعيد مصر فيفتحه . مات الامبراطور الغبي هرقل عام 641 م والاسكندرية محاصرة . وخلفه كونستانز الثاني ، الذي تبين أن قد تم الفتح العربي لمصر منذ أن تم الفتح العربي لسورية ، وسبق السيف العزل ، فطلب الصلح ، فأبرم معه عمرو بن العاص اتفاقاً منحه به فرصة عام للانسحاب من الاسكندرية . ولقد انسحب البيزنطيون في نهاية العام ( أيلول / سبتمبر 642م ) بعد أن حملوا معهم مابقي ، بعد الذي أخرجوه في سنة الهدنة ، ودخلها العرب بدون قتال . مهلة العام هذه تكذب تكذيباً قاطعاً ما قيل من أن العرب قد حرقوا مكتبة الاسكندرية . فالذين يحرقون عادة هم المنسحبون منها وليس المتقدمون اليها .
على أي حال ، من بداية الفتح العربي ، وعلى مدى ثلاثين عاماً فقط ، تؤدي مصر دور نقطة الانطلاق إلى شمال أفريقيا . أي حتى بنى عقبة بن نافع مدينة القيروان لتصبح هي مركز التجمع وقاعدة الانطلاق إلى ما يليها غرباً .

الانتماء القومي

189 -هنا يبدأ دور مصر في التطور ، فيتغير نوعياً ابتداء من الفتح العربي : فبعد ستين سنة فقط تصبح اللغة العربية هي لغة مصر . ابتداء من عام 706 م على وجه التحديد . ويدخل الناس في دين الله افواجاً . ويعفي التاريخ مصر مما فرضته الجغرافية فلن تدافع عن ذاتها بعد ذلك . لقد أصبحت جزءاً في موقع القلب من الامبراطورية العربية الاسلامية . تحيط بها أقطار بعدها أقطار ، تباعد بينها وبين مسارح المعارك الضارية التي لم تنقطع على حدود الامبراطورية شرقاً وشمالاً وغرباً . وطالما كانت القيادة المركزية في دمشق أو في بغداد قادرة على الدفاع عن حدود الامبراطورية التي انتقلت إليها حدود مصر ، كانت مصر تؤدي دور الشريك في الدفاع عن الدولة المشتركة . وقد بدأت في اداء هذا الدور منذ وقت مبكر في أول معركة حربية خاضها أسطول عربي ضد البيزنطي ، في عهد الخليفة عثمان بن عفان عام 655 م بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح ، المعروفة بمعركة ذات الصواري البحرية . إلا أنها قامت أساساً ، وعلى مدى قرون بدور الميتقر الآمن الذي يجذب إليه بناة الحضارة من الفقهاء والعلماء والصناع ، ودور القاعدة الآمنة التي تعبأ فيها الجيوش وتبنى فيها الأساطيل ، وتخزن فيها الإمدادات ، المؤهلة بهذا كله لتصبح عاصمة آمنة للدولة العربية الإسلامية وهو ما فطن إليه الفاطميون حين انطلقوا من أقصى الغرب يريدون الخلافة ، فما ان بلغوا مصر حتى شيّدوا القاهرة واتخذوها عاصمة ، وما اضطر إليه الخلفاء العباسيون بعد سقوط بغداد عام 1258 م ، فاتخذوا من مصر مقراً للرمز الباقي لوحدة الدولة .
أما حين تضعف السلطة المركزية فقد كانت مصر تعود إلى دورها الدفاعي ولكن بصيغة صنعتها الجغرافية والتاريخ معاً . فهي لم تقم بالدفاع عن ذاتها منفردة أبداً ، بل موحدة القوة مع أكثر من قطر عربي آخر ، ومع سورية على الدوام . وقد بدأ هذا الدور حينما غلب الترك الخلافة العباسية على أمرها .
استشعر أحمد بن طولون حاكم مصر الخطر ، فتجاهل الخليفة المعتمد ، ووحد مصر وسورية عام 877 م . وحين تسقط الأسرة الطولونية ستعود مصر وسورية إلى سلطة الخلافة ، ولكن موحدتين عام 905 م . وفيما عدا سنوات معدودات من الانفصال ، نتيجة انتقال الولاية من حاكم إلى حاكم ، ستبقى مصر وسورية موحدتين نحو ستة قرون ونصف قرن ، أي من عام 877 م حتى الغزو العثماني عام 1517 م . وستنضم الحجاز واليمن إلى هذه الوحدة تحت قيادة محمد بن طغج الإخشيد من عام 925 حتى عام 969 م . ثم سينضم المغرب العربي إلى مصر والشام والحجاز واليمن حين تصبح القاهرة عاصمة الخلافة الفاطمية لتبدأ من عام 969 م حتى عام 1171 أي لمدة قرنين . ويسقط حكم الأسرة الفاطمية وتعود الأسرة العباسية إلى ولاية الخلافة على كل تلك الأقطار موحدة ابتداء من حكم صلاح الدين ومن بعده ما يستحق الانتباه .
إننا نحن العرب نحب أن نتذكر صلاح الدين البطل العربي ويجدر بنا أن نعرف لماذا انتصر ولماذا هزم ، وما دور مصر في الحالتين . ونحن نعرف أن سورية قد انفصلت عن مصر على أثر وفاة السلطان نور الدين محمود . ولقد حاول صلاح الدين حاكم مصر ، بمصر وحدها ، أن يتحدى الصليبيين مرتين فانهزم في المرتين الأولى عام 1171 م والثانية 1173 م . هزمه أقل ملوك الصليبيين شأناً ، حاكم إمارة مونتريال الصليبية . وقد أدرك صلاح الدين أسباب الهزيمة فأدرك أسباب النصر ، فظلّ يجهز للنصر أسبابه أربع عشرة سنة . انطلق أولاً إلى دمشق ، وهناك هزم الملك الصالح بالقرب من حماة يوم 13 نيسان / ابريل 1175 وصفّى قلاع الحشاشين الطائفية المتناثرة في سورية وأعادها إلى الوحدة . بعد هذا ، وليس قبله ، استطاع أن يتحدى الصليبيين في معركة حطين بجيش عربي شاركت فيه مصر وقاده حاكمها صلاح الدين ، وليس بجيش مصري ولو كان بقيادة صلاح الدين ، فحرر القدس يوم 2 تشرين الثاني / اكتوبر 1187 م . ومن بعد صلاح الدين ، سيقود قطز ، حاكم مصر ، جيشاً عربياً يهزم المغول في معركة عين جالوت في أيلول / سبتمبر 1261 م .
وتصبح القاهرة ابتداء من العام التالي ، ولمدة ثلاثة قرون ، مقر الخلافة وعاصمة الدولة بعد أن سقطت بغداد عام 1258 م . وتؤدي مصر بكفاءة دور القاعدة والقائدة في تحرير الوطن العربي من بقايا الإمارات الصليبية فيحرر الجيش العربي بقيادة الظاهر بيبرس الكرك وقيسارية وأرسوف وصفد ويافا وأنطاكيا ، ويحرر الجيش العربي بقيادة قلاوون عكا وصور وحيفا وبيروت . فينتهي الاغتصاب الصليبي عام 1291 م .
190 - كل هذا يستحق الانتباه لأنه مؤشر إلى ما كان التاريخ يصنعه بمصر منذ الفتح العربي . لقد دخلت مصر بالفتح العربي طوراً جديداً من تاريخها الطويل ، فخلقت من جديد . بدأ هذا الخلق التاريخي العظيم جنيناً في مجتمع المدينة بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام . وفي مجتمع المدينة نبتت بذرة الأمة العربية . تحولت القبائل إلى شعب . وتحول الأعراب إلى عرب . واختصّوا دون غيرهم بمدينتهم فأصبحت لهم وطناً ؛ وانشأوا فيها دولتهم . أول حاكم لها محمد بن عبد الله وأول دستور لها " الصحيفة " التي أقامت نظاماً عاماً للعلاقات الداخلية والخارجية ملزماً لكل المواطنين فيها ، مسلمين وغير مسلمين ، على أساس وحدة الدفاع عن الوطن الواحد .
ثم انطلق العرب بالإسلام إلى ما يجاورهم فالتقوا واختلطوا بمجتمعات كانت قد تجاوزت الطورالقبلي واستقرت شعوباً متجاورة ، ولكن السيطرة الفارسية والرومانية عليها جميعاً ، قروناً عدة كانت قد أوقفت نموها فلم تتحول إلى أمم متجاورة . الحميريون في جنوب الجزيرة العربية تحت السيطرة الحبشية أم الفارسية منذ عام 575 م حتى ظهور الإسلام . الغساسنة في الجزء الشمالي الغربي وما يحيط بتدمر في سورية تحت السيطرة البيزنطية منذ القرن الثالث الميلادي حتى ظهور الإسلام . القبائل العربية من بني لخم في الجزء الشمالي الشرقي من الجزيرة فيما كان يعرف باسم " العراق العربي " تحت السيطرة الفارسية .
كلّ الشعوب فيما بقي من سورية وفلسطين ثم مصر غرباً ، حتى شاطىء المحيط الأطلسي مستقرة متجاورة على الأرض ، عبيداً فيها ، بمعنى الكلمة ، للرومان منذ قرون عديدة . . . .
فجاء الفتح العربي الإسلامي ليحررهم جميعاً ، ويرفع عنهم قيود العبودية أولاً ، ثم يلغي الحدود فيما بينهم ثانياً ثم يقدم لهم لغة مشتركة ثالثاً ثم يعرض عليهم عقيدة أرقى من عقائدهم ، رابعاً . ثم ينظم حياتهم جميعاً طبقاً لقواعد عامة واحدة ( الشريعة الإسلامية ) ، خامساً ؛ ثم يتركهم قروناً في حماية دولته ضد أي تهديد خارجي ،
فيتفاعلون تفاعلاً حرّاً فيما بينهم ، ومع الأرض المشتركة قروناً متصلةً بدون حدود أو سدود أو قيود على حرية الانتقال والمتاجرة والعمل والتعليم والتعلم ، سادساً . ثم يشركهم معاً في الدفاع عن حدود الدولة المشتركة ، وفي الجهاد من أجل العقيدة المشتركة ، حتى إذا ما اشتركت أربعة أجيال متعاقبة منهم في الدفاع ضد الغزو الصليبي الذي استمر قرابة خمسة قرون من الحياة المشتركة ، كان الشعب قد أصبح واحداً ، وأصبح الوطن واحداً وارتفع بناء الحضارة الواحدة ، وتاهت الأنساب ، واندثرت المواطن الأولى وانتشر البشر على اتساع الوطن الواحد ، فأصبحوا جميعاً أمة عربية واحدة ؛ ولم تعد مصر جارة للعالم العربي ، ولا حليفاً في الدفاع ضد الخطر المشترك ، ولا شريكاً في مصلحة عابرة ، بل أصبحت جزءاً من الأمة العربية التي صنعها التاريخ ولم يصنعها أحد على عينه ( راجع فقرة 22 وما بعدها ) .
191 - الأمة العربية وجود موضوعي غير متوقف وجوداً أو عدماً على إرادة أحد . فمصر جزء من الأمة العربية بدون توقف على إرادة أحد من مصر أو من غير مصر . كما أن العربي عربي ولو كره ذلك . هكذا تعلمنا من أساتذتنا الرواد . ثم أضفنا أن مجرد هذا الوجود القومي دليل موضوعي غير قابل للنقض ، على أن ثمة روابط وأسباباً موضوعية ، قد نعرفها ، وقد لانعرفها ، توحد مصير الأمة ، بحيث يكون من العبث الفاشل أن يحاول أي عربيّ ، أو جماعة عربية ، أو قطر عربيّ ، أن يفلت بمصيره الخاص من مصير أمته . سيفشل حتماً ولو في المدى الطويل . روابط وأسباب موضوعية قد نعرفها إذا درسنا تاريخنا وواقعنا لنكشفها لالنختلقها فإذا لم ندرس فإننا نكتسفها - بسهولة - في خلاصتها الحضارية . في ذلك الشعور بالانتماء القومي إلى الأمة العربية الذي ما يزال يحدد مواقف عشرات الملايين من العرب البسطاء ، الذين لم تتح لهم فرص التعليم والدراسة . ثم اننا نكتشفها كل يوم من مواقف غيرنا منّا . فنحن عندهم عرب بصرف النظر عن أقطارنا ، سواء كانوا أعداء لنا أم حلفاء وأصدقاء ، وسواء أعجب هذا الانتماء أحداً منا أم لم يعجبه .
192 - في قلب هذا الوجود القومي يعيش ثلث الشعب العربي في مصر ، وتختزن فيها أنضج عناصر الحضارة العربية الإسلامية من العلوم والآداب والفنون والخبرة المتراكمة اقتصادياً وسياسياً ، وتتمتع بأكبر قدر من التجانس الاجتماعي بفضل احتضان الأمة العربية لها وحمايتها من آثار التخريب العشائري والطائفي الذي أحدثته الاعتداءات الشعوبية على أطراف الأمة العربية . فهي القاعدة لأية تعبئة قومية . وهي القائدة لأية مسيرة قومية . وهي الرائدة لأية نهضة قومية . وهي كما وصفها بحق الأديب المؤرخ الفرنسي بنوا ميشان في كتابه الازدهار العربي بأنها " مخّ العرب " الذي يتلقى من كل أعضاء الجسم ما تحسه وتعانيه ، فيدرك ، ويوجّه اعضاء الجسم فيستجيب . اعجبني هذا التشبيه لأن المخّ بدون أعضاء في جسم واحد قطعة من اللحم الرخو سريع التلف . كما أن الأعضاء في جسم واحد تختل حركاتها وتطيش ، وقد تهلك ، إذا ما فقد المخ ملكة الإدراك السليم أو " غسله " أحد من تراثه وحشاه فكراً غريباً عن تكوين الأطراف .
193 - هكذا سيكون دور مصر في الوطن العربي منذ صلاح الدين حتى أواخر القرن التاسع عشر ، لن تتأثر كثيراً بتنازع الأسر على تولّي الخلافة . فقد بقيت تؤدي دورها كجزء من الأمة العربية ، وولاية الخلافةللأسرة الفاطمية ثم العباسية ، ثم العثمانية . انتهت ولاية الخلفاء الفاطميين في مصر ظهر يوم جمعة . سمع المصلون خطباء المساجد يدعون للخليفة العباسي بدلاً من الخليفة الفاطمي بأمر من صلاح الدين فأنتهى الأمر . وحين تولت الأسرة العثمانية الخلافة بعد هزيمة الجيش العربي في معركة برج دابق يوم 12 آب / اغسطس 1516 م ودخول مصر في كانون الثاني / يناير 1517 ، وعزل الخليفة العباسي لم يتغير شيء من مصر . اكتفى العثمانيون بأن يحصلوا على ربع حصيلة الضرائب ، وبأن يولوا الولاة لجبايتها . وبعد أربعة قرون لم يتركوا بها أثراً سوى مسجدين مفرطين في تواضع العمارة أحدهما مسجد السنانية في بولاق الذي بناه سنان باشا عام 1571 م والآخر مسجد " أبو الدهب " الذي انشىء عام 1774 م . ثم انهم فصلوا إدارة سورية عن إدارة مصر لأول مرة بعد ستة قرون ونصف قرن . ولكنهم لم يستطيعوا أن يعزلوا مصر عن الأمة العربية ، ولم يقبل الشعب العربي في مصر حتى الفواصل الإدارية . فما ان يتولى الأمر حاكم قادر حتى يلغي تلك الفواصل وينزع نزوعاً يكاد يكون غريزياً إلى الوحدة العربية . وما هي إلا استجابة لروابط موضوعية تشد أجزاء الأمة الواحدة بعضها إلى بعض . هكذا حاول أن يفعل محمد علي ابتداء من 1815 ، وهكذا ستكون مصر مأوى العرب الأحرار الهاربين إليها من القهر الطوراني حينما يستولي الترك على الدولة فيحولونها من دولة مشتركة ( امبراطورية ) إلى دولة مسيطرة ( استعمارية ) ، فيأتي رد الفعل العربي متدرجاً من طلب المساواة ، إلى طلب اللامركزية ، إلى طلب الانفصال ، إلى الوحدة العربية .
لقد كنا نقول هذا ونردده ونبشر به وندافع عنه على مدى ربع قرن في كتب منشورة ابتداء من عام 1965 . وما كان يجرؤ على إنكاره الا القليل يوم أن كانت مصر تؤدي دورها المنتصر كقاعدة ورائدة تحت راية عبد الناصر . ومن فوق قمة النصر في شباط / فبراير 1958 لم ينسب عبد الناصر النصر إلى مصر ، بل إلى الأمة العربية . سئل عما يتوقع أن يحدث للعرب لو أنه مات فقال لسائله : " هل تظن أنني أنا الذي خلقت القومية العربية ؟ . . أبداً . ان القومية العربية هي التي خلقتني . لست أنا الذي أثيرها بل هي التي تحملني . إنها قوة هائلة ولست أنا الا أداتها . ولو لم أكن موجوداً لأوجدت واحداً ، عشرة ، الفاً غيري ، يحلّون محلي .
ان القومية العربية لايمثلها رجل واحد أو مجموعة من الرجال ، انها لاتتوقف على جمال عبد الناصر ولا على الذين يعملون معه . إنها قوة كامنة في ملايين العرب الذين يحمل كل منهم شعلة القومية . إنها تيار جارف ، ولاتستطيع أية قوة في العالم ، ولن تستطيع ، تحطيمها طالما احتفظت بالثقة في ذاتها " .
نعم . " طالما احتفظت بالثقة في ذاتها " . هكذا قال عبد الناصر رحمه الله .
ولكن كثيرين كانوا لايثقون في القومية العربية بالرغم مما كان يقول أكثر حكام العرب في التاريخ تجربة وأغناهم خبرة بدور مصر في الوطن العربي . بل كانوا يرجعون الالتقاء تحت الراية المنتصرة إلى جاذبية النصر ذاته بدون أن يتوقفوا للرد على السؤال : ولماذا لايلتقي العرب تحت راية منتصرة إلاّ أن تكون راية عربية ، ومن حولهم أمم كثيرة انتصرت فلم يلتقوا تحت رايتها ؟ على أي حال لقد قدم التاريخ الدليل الحاسم على وحدة المصير من الردة فالقطيعة فالعزلة فالعداء بين مصر السادات والوطن العربي فما الذي جرى ؟ . لاأحد ينكر الآن ما جرى لا في مصر ولا في باقي الوطن العربي .
حينما تكف مصر عن دور الجزء من الأمة العربية تتقلص إلى حد الشلل مقدرة بقية الأجزاء عن أداء دورها ، فتتقلص إلى حد الشلل مقدرة مصر ذاتها على أن تؤدي الدور الذي اختارته ، فتكاد تنهار كل القوى في الوطن العربي بما فيها مصر . المسألة - إذن - ليست مسألة قيادة فذّة وقيادة شاذّة ، ولا مسألة انتصار أو انكسار ، بل هناك تحت جلد الوطن العربي شبكة من الروابط الموضوعية التاريخية التي تقاوم تجزئة الأمة الواحدة ، وتحافظ على وحدتها ، وتوحد مصيرها ، وتعلّم من لايريد أن يتعلّم أن غاية شرود الجزء من الكلّ الفشل والشلل للأجزاء جميعاً .
هذا من التاريخ ، فماذا من البحث العلمي ؟




اتجاهات الشباب العربي

194 - في عام 1953 تكونت في القاهرة " جماعة البحوث الحضارية المقارنة " بقصد القيام بدراسة مقارنة عن اتجاهات الشباب في كل من مصر ولبنان والعراق وسورية والأردن والولايات المتحدة الأمريكية . وكانت تضم مجموعة ممتازة من العلماء والخبراء والباحثين وأساتذة علم الاجتماع وعلم النفس المتخصصين ، من بينهم 13 من مصر ، و9 من لبنان و 3 من العراق و3 من سورية و14 من الولايات المتحدة الأمريكية . وضمت إليها من غير أعضائها هيئة استشارية من تسعة خبراء ثلاثة من مصر ، واثنين من لبنان ، وواحداً من العراق ، وثلاثة من الولايات المتحدة الأمريكية ، ثم ألحقت بها جماعة من المساعدين من كل دولة من الدول ميدان البحث .
بدأ جمع البيانات الرئيسية للبحث عام 1955 بتسهيلات كريمة من الحكومات والجامعات ومعاهد التعليم والاخصائيين في تلك الدول . واستعملت في جمعها وتحليلها واستنباط النتائج منها أرقى مناهج البحث الميداني والتحليل العلمي . وبعد جهد متصل استمر نحو ست سنوات نشرت الدراسة ونتائجها في القاهرة عام 1962 تحت إشراف د . محمد عثمان نجاتي ، عضو الجماعة وأستاذ علم النفس في جامعة القاهرة حينئذ ، كما سلمت نسخة منه إلى الفريق الأمريكي .
جاء في مقدمة الدراسة المنشورة عن منهجها الذي اسموه " النهج الحضاري المقارن " : " إن مشكلة استقلال الحالات التي يتناولها البحث الحضاري المقارن من المشكلات الهامة التي يجب أن يحتاط لها في تصميم البحوث الحضارية المقارنة . وهناك رأيان متطرفان في هذا الصدد رأي يذهب إلى أنه إذا كان هناك مجتمعان مستمدان من أصل واحد ، أو إذا أخذ أحدهما عن الآخر بكثرة ، فلا يجب اعتبارهما حالتين مختلفتين بل حالة واحدة . ورأي آخر يذهب إلى أنه مادام المجتمعان مستقلّين سياسياً فإنهما يعتبران مستقلين كأي فردين في مجتمع واحد . إن هذه المشكلة كما يقول هوايتنج مشكلة معقدة ولم تحل بعد حلاً كاملاً . وفيما يتعلق بالبلاد العربية التي تناولها البحث الحالي فإن كل شخص وثيق الصلة بهذه البلاد لابد أن يلاحظ أن الروابط التاريخية والجغرافية واللغوية والدينية بينها وثيقة جداً . ولكن بالرغم من هذه الروابط فإن هذه البلاد ليست متشابهة في جميع ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفي المشكلات السيكولوجية والاجتماعية التي تصادف الشباب في كل منها . فلا شك أن الاستقلال السياسي لهذه البلاد وتعرضها لبعض المؤثرات الداخلية والخارجية المختلفة قد أوجد فروقاً في بعض المتغيرات التي يقوم البحث بدراستها . ومثل هذه الفروق توجد عادة بين أفراد المجتمع الواحد . ولذلك فإننا نميل في هذا البحث إلى اعتبار هذه البلاد العربية المختلفة سياسياً وحدات حضارية مستقلة يمكن أن تعقد المقارنة بينها " .
واضح من هذا التقديم أن " جماعة البحوث الحضارية المقارنة " في اتجاهات الشباب لم تقطع برأي فيما إذا كانت الاقطار العربية الخمسة التي اختارتها تنتمي إلى أصل حضاري واحد ، بحكم ماهو ملحوظ من أن الروابط التاريخية والجغرافية واللغوية والدينية بينها وثيقة جداً ، أم أنّ كلاً منها يعتبر وحدة حضارية مستقلة عن الأخريات بحكم استقلالها السياسي وما ترتب عليه من فروق في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وفي المشكلات السيكولوجية والاجتماعية التي تصادف الشباب في كل منها .
لم تقطع برأي ولكنها " مالت " إلى اعتبار الاقطار العربية وحدات مستقلة .
على هذا الأساس " المائل " استمر جمع البيانات والبحث والدراسة والتحليل واستنباط النتائج الخاصة بكل قطر عربي على حدة بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية .وسجلت وثائق البحث في جداول كثيرة ومتننوعة أدق الفروق الفردية والتفصيلية بين اتجاهات الشباب من الذكور والنساء ، من المتعلمين والأميين ، من العاملين والعاطلين ، من سكان المدن وسكان الريف وسكان الصحارى من المسلمين والمسيحيين . . . باختصار لم تترك وجهاً للمقارنة إلاّ درسته . وكان المفروض ، اتساقاً مع الاختبار الثابت في المقدمة ، أن تتم مقارنة النتائج بين اتجاهات الشباب في ست دول . خمس عربيات وواحدة أمريكية . ولكن النتائج لم تقبل ميل الجماعة . النتائج الموضوعية لم تقبل الاختيار الذاتي . إذ انتهى البحث إلى أن يكون مقارنة ثنائية بين الأقطار الخمسة العربية من جانب والولايات المتحدة الأمريكية من جانب . وعللت الجماعة هذا في خاتمة بحثها تحت عنوان "استنتاجات عامة " بأن التشابه في اتجاهات الشباب في جميع الأسر العربية المسلمة والمسيحية في جميع البلاد العربية التي أجرى فيها البحث تشير إلى التشابه الحضاري في جميع هذه المجتمعات بالرغم من اختلاف درجة التأثر بالمدنية الغربية .
195 - وهكذا يثبت عن طريق دراسة تطور المجتمعات من أسر وعشائر ، إلى قبائل وشعوب وامم ، وعن طريق دراسة التطور التاريخي للمجتمعات منذ ظهور الإسلام في هذا الجزء من الأرض الذي نطلق عليه اسم الوطن العربي ، وعن طريق نموذج من التطور التاريخي لأكبر الأقطار العربية منذ عشرات القرون ( مصر ) ومن دراسة اتجاهات الشباب في عدة أقطار عربية منفصلة ، ومستقل بعضها عن بعض باعتبار أن الانتماء الحضاري في بداية مرحلة الشباب يكون أكثر نقاء مما يخالطه خلال رحلة الحياة بعد ذلك ، بالإضافة إلى مالا حصر له من دراسات منصبّة على إثبات وحدة المميزات الحضارية في الشعب العربي وعلى رأسها اللغة والشعور بالانتماء إلى أمة واحدة شعباً ووطناً بالإضافة إلى الإجماع العالمي في كل دراسة تاريخية أو فلسفية أو فنية أو سياسية على وصفنا ككل بأننا عرب ، ووصف كل واحد منا بأنه عربي ، ووصف البلدان المتعددة في وطننا بأنها بلدان عربية ، ووصف كل قطر على حدة بأنه قطر عربي ( رؤيتنا من الخارج ) . .
كل هذا يثبت أننا أمة مكتملة التكوين . أصبحنا هكذا بفعل قوانين التطور ، لم يصنعنا أحد وما اصطنعنا انفسنا فيثبت أولاً وقبل كل شيء أن حضارتنا حضارة قومية لاقبلية ولاشعوبية ولا عشائرية بدون إنكار أنها لم تصل إلى أن تكون حضارة قومية إلاّ بعد أن تطورت نامية من حضارات عشائرية متميزة ، إلى حضارات قبلية متصارعة ، إلى حضارات شعوبية متجاورة ، فهي المحصلة الحضارية الأرقى لتفاعل كل تلك الحضارات على مدى قرون طويلة . وقد عرفنا من قبل كيف كانت الثورة الحضارية الإسلامية هي محركة هذا التفاعل وحارسته وقائدته إلى تجاوز الطور القبلي إلى الطور الشعوبي إلى الطور القومي ( فقرة 22 وما بعدها ) ، فكانت حضارتنا القومية ذات مضمون إسلامي .
فإذا صح كل هذا ، وهو عندنا صحيح ، وكانت الحضارة هي صانعة الهيكل الأساسي للشخصية فيمكننا القول بأن الشخصية العربية السوية هي شخصية عربية إسلامية أياً كانت عقيدة صاحبها . مع التأكيد مرة أخرى وأخيرة على أنه لم يكتسب هذه الشخصية بإرادته ، بل انتقلت إليه عبر آلاف الاجيال قبل أن يصل إلى سن السادسة عشرة ، لاحيلة له في هذا ولا إرادة .



مشكلات الحياة

196 -نحن نتحدث عن الشخصية السوية وسنعرف فيما بعد مأصاب هذه الشخصية السوية من خلل وأسباب تلك المصائب . ذلك لأننا لانستطيع أن نعرف المنحرف إلا قياساً على المستقيم . يكفينا الآن أن نعرف أن كل إنسان عربي سوي قد تشكلت شخصيته على أساس حضاري عربي إسلامي معاً ، رويداً رويداً ، منذ ولادته بدون وعي منه . وإذا كان المثل يقول " إن السمكة لاتعرف الماء " - تعبيراً عن أنها إذ تعيش فيه ولاتعيش بغيره تفتقد تمييزه من غيره - فإن الإنسان العربي لايدرك شخصيته الحضارية إلا إذا صادف ما يتميز عنها من شخصيات حضارية . ويعرف كلّ منا من تجربته الخاصة أنه لايشعر بأنه عربي الانتماء إلا إذا غادر الوطن العربي فأحس بالغرب والحنين ، أو إذا رأى الحضارة الغربية تعرض على وعيه من خلال وسائط الثقافة والإعلام والدعاية ، أي إلا إذا رغب في المقارنة أو فرضت عليه . حينئذ يشعر بأنه مختلف عن " الغير" من حيث هو عربي والآخر " غير عربي " . فيما عدا تلك المناسبات العابرة في حياته فإن الإنسان العربي مشغول بأن يختار دوراً يلعبه في مجتمعه . وهو لن يختار - بدون اضطرار - إلا الدور الذي " يرتاح إليه " ، أي الدور الذي يؤديه مستجيباً تلقائياً لميوله بدون افتعال أو اضطراب . وسيكون ذاك هو الدور الذي لايتعارض مع " شخصيته " . ستصادفه خلال ادائه ، كل يوم أو كل ساعة أو كل لحظة ، مشكلات الحياة السوية : العمل على إشباع حاجاته المادية والفكرية والروحية المتجددة أبداً بما هو ممكن في ظروف الزمان والمكان الذي يعيش فيه ، ولكنه سيكون قادراً دائماً على حل تلك المشكلات لأن كل طاقاته المادية والفكرية والروحية أيضاً ستكون موجهة إلى حلّها بدون تشتت أو إحباط أو تردد . ولايكون الحل إلا تحقيقاً لذاته .
لن يدهشه أن يدرك أن أمته العربية ، مجتمعة ، أمة نامية ولكنها متخلفة . ان النمو هو النقيض الواقعي لحصيلة الماضي ، أما التخلف فالنقيض المتصور من خلال مقارنة مستقبل أمته بما حققته بعض المجتمعات المعاصرة
فلن يلبث - مادام سوياً - أن يدرك الحل الصحيح لهذه المشكلة : مضاعفة ما هو ممكن ، وليس القفز من فوق القرون اختزالاً غير واقعي للفرق بين ماهو واقع وما هو متصور . حينئذ يتعلم الإنسان العربي من تلك المجتمعات أساليب مضاعفة عائد الواقع المادي والبشري والفكري والروحي ، ويقتني أدوات هذه الأساليب إبداعاً أو صنعاً أو شراء ، ويتدرب على إتقان استعمالها ، ويستخدمها في مضاعفة عائد ما هو متاح له في مجتمعه من أسباب التنمية ، فيتضاعف ما هو ممكن ، وتزداد سرعة نمو أمته .
قد تصاحب عملية التنمية هذه إضافات من النظم أو العادات أو التقاليد أو القيم مثل إعادة تقويم العمل الاجتماعي أو الهجرة من الريف إلى المدن ، أو ازدحام المدن بالشباب الوافدين إليها بحثاً عن فرص عمل أفضل ، أو إبدال الأسرة الممتدة بأسرة صغيرة ، أو ارتفاع القيمة الاجتماعية للعمل على حساب قيمة الاستغناء عنه بالثروة ، أو استقلال الشباب مبكراً عن أسرهم . . . الخ . . وقد يتعب أو يفشل أو يضيق بعض الناس بهذه المستحدثات على حياتهم ولكنهم على مدى حياتهم ، وقبل أن تنقضي ، سيكتسبون تلك الخبرة بالحياة التي سبقهم إليها من كانوا من قبل قد صادفوا التعب والفشل والضيق ثم تجاوزوها أكثر نمواً ونضجاً . إنّ كل هذه لاتعتبر مشكلات إلاّ حين تنسب إلى جدل الحياة ، إلى التفاعل المحتوم بين الناس والطبيعة ومجتمعهم ، إلى قانون التطور ، حيث لايتم التطور إلا من خلال حل تلك المشكلات . . وليس من خلال أي شيء آخر .
كل هذه المشكلات ومتاعب حلها تهون أمام حهد الإنسان العربي علماً وفكراً وعملاً . وهي - بعد - مشكلات الحياة ومتاعب تطويرها كما يحياها كل الناس في كل زمان ومكان وان اختلفت مضامينها وأساليب حلها زماناً ومكاناً . وحين يواجهها الإنسان كما هو سويّ الشخصية لن تلبث حضارة أمته التي يحملها في ذاته دون أن يدري إلا أجيالاً معدودة حتى تهضم وتتمثل ، بدون أن تدري الأجيال ، مالا يناقض بنيتها وإن كان طارئاً عليها من مستحدثات وأساليب حل مشكلات الحياة علماً وفكراً وعملاً ، فتنمو به وتتطور ويصبح جزءاً منها مصوغاً صيغتها تعبر عنه بلغتها علماً وفكراً ومذاهب وتقاليد . . الخ . فلا يجد دارسوا تاريخ الحضارات عسراً في معرفة مصدر أي عنصر من عناصر تكوين الحضارة ومتى اتصل بها ، ومتى التحم ، ومتى تمثلته فأصبح جزءاً منها ، وما اصابه خلال ذلك من تطوير وصياغة ( المثال القريب منا اتصال بعض مقولات الفلسفة اليونانية بالحضارة الاسلامية ، وانتقاء ثم هضم وتمثيل ما لا يناقض الاسلام منها ثم صياغته فإذا هو جزء من الفلسفة العربية ) .
هكذا نشأت وتطورت كل الحضارات ذلك التطوير البطيء الذي لاتلحظه الأجيال . وهكذا نشأت وتطورت الآراء والمذاهب والنظم والتقاليد والآداب والفنون . . . إلى آخر مكونات الحضارة العربية الإسلامية . وهكذا نشأت وتطورت شخصية الإنسان الاعرابي ، والفرعوني ، والاشوري . . الخ حتى أصبحت شخصيته عربية ، ولم تزل قابلة للنمو والتطور الحضاري بما تضيفه الأجيال اليها ، قائماً على هيكلها الاساسي : العروبة والإسلام . وهكذا لم يكن هناك سبب من الحضارة العربية الإسلامية يعجز الإنسان العربي أو يعوقه عن التقدم العلمي والفكري والعملي لو كان الإنسان العربي قد ترك يمارس حياته بدون قهر خارجي وتخريب داخلي ، مهما كانت حدة المشكلات التي تواجهه على طريق التقدم ، ومهما كانت متاعب حلولها ، ما دام سويّ الشخصية ولكن الأمور لم تجر ، ولا تجري ، في الوطن العربي على هذا الاستواء .

القهر المادي

197 - فمنذ بداية القرن التاسع عشر تعرضت الأمة العربية لموجة غزو بربريّ عنيف شنته القوى الرأسمالية في أوروبا ، وسخّرت لإتمامه كل ما أستطاعت أن تعدّه من قوة حتى شعوبها نفسها ، غايته الاستيلاء على الأرض ( الوطن ) بما هي ثروة ومصدر ثروات ، واستغلال الشعب كقوة عمل وكمستهلك لتغذية وتنمية وتطوير النظام الرأسمالي في أوروبا طبقاً لقوانينه الصمدي مثلّث القواعد : الفردية ، والمنافسة الحرة ، والربح ولقد تنافست في السباق إلى استعمارنا القوى الرأسمالية الأوروبية الى حد الاقتتال ( فرنسا وانكلترا على مصر)
وداهمونا فرادى ، ومتفقين ، وانتهى الأمر بأن استولت انكلترا وفرنسا واسبانيا وايطاليا على كامل الأمة العربية أرضاً وشعباً . واصطنعت كل دولة منها نظاماً للحكم والإدارة يحقق لها غايتها الاستعمارية ، وفرضته بالقوة الباطشة على الشعب العربي في كل قطر احتلته ، تحرسه قوة مسلحة من جند المستعمرين أو من جند المستعمرات مقيمة فيه . كان ذلك هو الاستعمار الرأسمالي الأوروبي السافر الوقح في ظل وحراسة احتلال عسكري قاهر و قادر . وكان - على وجهه الاستعماري والعسكري - صريحاً في الولاء لغايته . فلم يعن المستعمرون إلا بما يحقق تلك الغاية ويحفظها . وهكذا كان المستعمرون قلة إدارية تحرسها كثرة عسكرية ، منعزلة عن الشعب مستعلية عليه لايهمها من امره إلا ان يبقى قادراً على العمل ، ولايهمها من أفراده إلا من تختارهم ليؤدوا عنها مايلزم من وظائف الحكم والإدارة لحماية وجود الاستعمار وأمن جنده ، وذلك بالقدر الكافي ، كماً وكيفاً لأداء خدماتهم . وتركوا للناس ما عدا ذلك من شؤون حياتهم . وكان من بين ما تركوه بدون بدون تدخل الإسلام كعقيدة ومناسك بعد استبعاده - بحسم - كنظام للحياة العامة والمعاملات بين الناس ( ماعدا قواعد الأحوال الشخصية ) ثم إنهم قد تركوا لهم العادات والتقاليد والآداب على ألا تمس وجودهم ومصالحهم وأمن جندهم والترفيه عنهم أيضاً .
198 - لم تكن موجة الغزو البربري العنيف الذي شنته القوى الرأسمالية في أوروبا مقصوراً على الأمة العربية لقد اكتسحت العالم كله فتحول العالم كله إلى مستعمرات . ولأنه استعمار رأسمالي فإنه كان محكوماً في تعامله مع المستعمرات المتعددة بالقانون الرأسمالي : الربح ومزيد من الربح . والربح يزداد كلما زاد الطلب على السلع ثم يزداد كلما قلت تكلفة الانتاج ، ثم يزداد كلما زاد انتاج كل سلعة . . . باختصار ، يزداد الربح كلما اقترب المشروع الرأسمالي من الانتاج الكبير واتسع السوق وتوحد . فكان الرأسماليون منذ البداية سباقين الى توحيد الاقاليم ، واولها قيادة حركات الوحدة القومية في أوروبا المعاصرة للنمو الرأسمالي ، وهي الظاهرة التي أوحت الى الماركسيين بأن يستنتجوا من ملاحظة تزامن الوحدة القومية والنظام الرأسمالي في أوروبا ما ذهبوا إليه من أن الأمم صناعة بورجوازية . ( فقرة 48 ) . ولكن هذا الوحي لايلبث أن يصبح وهماً بعد ملاحظة أن التكوين القومي سابق على الوحدة القومية ( السياسية ) . ثم ان الوهم يتبدد حين يتحول النظام الرأسمالي الى نظام استعماري . فأينما ذهب الغزاة المستعمرون فاستولوا على الأرض والشعب وحّدوا المستعمرات المتجاورة وشعوبها المتنافرة واقاموا لها إدارة مركزية لتحقيق أفضل الظروف الاقتصادية اللاّزمة للربح ، ومزيد من الربح ، بصرف النظر عن التمايز أو الخلاف بين الأوطان والشعوب .
احتلت انكلترا القارة الهندية ولم تكن موحدة لاسياسيا ولا إدارياً ولا شعبياً ولا لغوياً ولا حضارياً ، فوحدتها تحت ادارة استعمارية مركزية واحدة وبقيت موحّدة إلى أن تحررت فانفصلت دولاً . واحتلت فرنسا جنوب شرق آسيا ( فييتنام وكمبوديا وتايلاند ولاوس ) ولم تكن موحدة من قبل لاسياسياً ولا إدارياً ولا شعبياً ولا لغوياً ولا حضارياً فوحّدتها تحت اسم الهند الصينية الفرنسية تحكمها ادارة استعمارية مركزية ، وبقيت موحدة إلى أن تحررت فانفصلت دولاً . واحتلت هولندا مئات الجزر المنفصلة بحراً ، ولم تكن موحدة لاسياسياً ولا إدارياً ولا شعبياً ولا لغوياً ( 17 لغة ) ولا حضارياً ، فوحّدتها واقامت فيها ادارة مركزية استعمارية واحدة وبقيت موحدة إلى ان تحررت ، وحاولت أن تبقى موحدة تحت اسم " الولايات المتحدة الاندونيسية " ( 1949 ) فلما فشلت الوحدة ، انفصلت غينيا الجديدة ( 1954 ) . واحتلت مجموعات استعمارية مهاجرة من دول أوروبية غير موحدة لاسياسياً ولا إدارياً ولا شعبياً ولا لغوياً ولا حضارياً ، شمال القارة الأمريكية ، وبعد إبادة شعبها أو شعوبها ، تنافس المستعمرون عليها واقتتلوا ولكنهم خضعوا أخيراً لحكم القانون الرأسمالي فتوحدوا تحت ادارة مركزية واحدة في كندا ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية . واحتل الايطاليون الحبشة واريتريا والصومال وجيبوتي ، ولم تكن موحدة لاسياسياً ولا إدارياً ولا سعبياً ولا لغوياً ولا حضارياً فوحّدوها تحت ادارة استعمارية مركزية واحدة وبقيت موحدة إلى ان تحررت فانفصلت دولاً . . . الخ .
كان كل هذا الاتجاه التوحيدي خضوعاً لقوانين النظام الرأسمالي ولم يرتكب الاستعمار الرأسمالي مخالفة أو جنحة أو جناية خروجاً عليها . . . إلا في الأمة العربية .
لماذا ؟
199 -لأن الاستعمار الأوروبي الرأسمالي للأمة العربية بدأ استقطاعاً ، جزءاً بعد جزء حتى الحرب الأوروبية الأولى ( 1914 - 1918 ) . وكل جزء سقط عزله المستعمرون عن باقي الأمة العربية . ثم إن القوى الاستعمارية التي استولت معاً على كامل الأمة العربية كانت متعددة ومتنافسة ، فتوزعت الأمة العربية أجزاء بين تلك القوى . ثم ان الوطن العربي كان مقسماً إدارياً إلى ولايات من قبل داخل الدولة المركزية الواحدة ، فسهل تحويل الخطوط الإدارية الى حدود سياسية . ولكن كل هذا وحده لم يكن ليحول دون أن توحّد كل دولة مستعمراتها المتجاورة خضوعاً لقوانين النظام الرأسمالي . فهو لايفسر مثلا لماذا لم توحّد فرنسا تونس والجزائر والمغرب كما فعلت في جنوب آسيا ؛ ولماذا لم توحد انكلترا السودان ومصر وفلسطين والعراق والخليج كما فعلت في الهند . ولماذا لم توحد اليمن الجنوبي وعمان .ولماذا لم تعترض على وحدة نجد والحجاز ، واعترضت على وحدتهما واليمن . ولماذا احتلت السودان باسم مصر ، ثم عزلتها عنها ، وهي تستعمر القطرين ولماذا أحبطت الدول الاستعمارية مشروع محمد علي ، العربي التوحيدي ، ثم ضغطت على الدولة العثمانية لإطلاق يده في مصر . . . الخ . اكثر من هذا ، لماذا جزأت فرنسا ما استعمرته من الشام وكان موحداً ؟ ولماذا جزأت انكلترا مااستعمرته في المشرق العربي ، وكان موحداً ؟ وقبل هذا وفوقه ، لماذا تواطأوا جميعاً على تجزئة الوطن العربي المجزأ بإقامة حاجز بشري غريب في فلسطين بفصل مشرقه عن مغربه ؟
200 - في عام 1937 نشر في فرنسا كتاب مترجم عن الألمانية يحمل عنوان الله أكبر يتضمن تقريراً كتبه عميل صهيوني اختار لنفسه اسماً مستعاراً " محمد أسعد بك " ، قدمه إلى أحد قادة الحركة الصهيونية المستشرق النمساوي د . فولفجانج ف . فايست ، يقول فيه : " إن خلاصة الاسباب الجديّة للكفاح من أجل الأرض المقدسة هو موقعها الاستراتيجي وتأثيره في المستقبل . فلو عادت فلسطين الى دولة وحدة عربية تشمل مصر لقامت هناك قوة من 25 مليوناً من المسلمين تتحكم في قناة السويس وفي الطريق الى الهند . أما إذا بقيت فلسطين مستقلة ، أو إذا أصبحت دولة يهودية ، فإنها ستكون عقبة في سبيل قيام تلك الدولة الكبرى ، حتى لو توحدت دول عربية أخرى . إن دولة صغيرة عازلة تقوم على 100,000 كيلومتر مربع على ضفتي نهر الأردن ستحول - من ناحية - بين كل دولة عربية وبين دولة عربية أخرى : ستحول بين سورية الفقيرة اقتصادياً وبين الاتحاد مع مصر ، وهو اتحاد لايمكن منعه بغير إقامة تلك الدولة العازلة . وستحول بين مصر المسالمة وبين مد الحركة الوهابية المقاتلة . إن التوازن حول قناة السويس يتوقف ، إذن ، على حياد فلسطين . يتوقف على فلسطين تكون مثل سويسرا عند نقطة اتصال ثلاث قارات . إن هذا الحياد سيكون موازياً لتطور الاستيطان اليهودي . ذلك لأن اليهود هم وحدهم أصحاب المصلحة في هذا الحياد ، وليس العرب أو المسلمون . فهؤلاء هم الدعاة المتحمسون للاندماج في دولة كبرى " - أورده بيتر ديستريا في كتابه من السويس الى العقبة( 1968 )
والواقع التاريخي أن إقامة دولة عازلة في فلسطين تحرس الشريان الملاحي الذي يجري من الأرض العربية من بور سعيد إلى السويس إلى باب المندب من ان تسترده دولة واحدة عربية قادرة على استرداده والتحكم فيه باعتباره طريقاً بحرياً داخلياً ، كان مشروعاً استعمارياً منذ أن حصلت فرنسا على امتياز حفر قناة السويس
( 30 تشرين الثاني / نوفمبر 1854 ) ، فاتجهت انكلترا ، المنافسة الاستعمارية لفرنسا ، إلى وضع مشروع شق قناة تبدأ من حيفا ، ثم تجري في منخفض الغور وتنتهي في العقبة ، تقوم على حراستها دولة عازلة في فلسطين من العرب الدروز تحشدهم فيها انكلترا . وفشل المشروع ، أو صرف النظر عنه " لأن العرب أو المسلمين هم الدعاة المتحمسون للاندماج في دولة كبرى " . واستطاعت انكلترا ان تستبدل به هيمنتها على قناة السويس .
وبينما كانت الدولة العازلة ، الحائلة دون قيام دولة الوحدة الكبرى ، مشروعاً استعمارياً معين المكان والأسباب كانت ثمة بدائل كثيرة عن فلسطين مطروحة لتنفيذ مشروع الاستيطان الصهيوني . كان من بينها ما يدخل في إطار الوطن العربي ( شمال غرب الجزيرة العربية أو " أرض مدين " ، سهل البقاع ، سيناء ، حوران ، الخليج العربي ، شرق الأردن ، ليبيا ) . وكان من بينها ماهو خارج الوطن العربي مثل الارجنتين وقبرص واوغنده
( راجع دراسة بالغة الجودة عن مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى تأليف الدكتور أمين عبد الله محمود - سلسلة عالم المعرفة - العدد 74 ) .
لم يكن المشروع الاستعماري والمشروع الصهيوني ، اذن ، مرتبطين نشأة واسبابا . ولكنهما اتفقا غاية عندما تحددت فلسطين العربية مكاناً لتنفيذ المشروع الصهيوني حيث تحول الدولة العازلة دون الأمة العربية ووحدة دولتها ، فتحمي المصالح الاستعمارية ، وحيث تمكن الصهيونية من اقامة دولة عنصرية يحميها الاستعمار . وطالما كانت انكلترا تحتل فلسطين كان وجودها يغني الاستعمار عن المشروع الصهيوني . ولكن الحرب الأوروبية الثانية قد اندلعت ( 1939 - 1945 ) وانتهت بتمير المانيا النازية وحلفائها المنهزمين تدميرا . ولكنها انتهت ايضا بإفلاس انكلترا وفرنسا المنتصرتين إفلاساً لم تعد أي منهما معه قادرة على الاستمرار في تحمل تكلفة إدارة المستعمرات وحراستها . فانسحبت انكلترا من المستعمرات بما فيها فلسطين وتولت الولايات المتحدة الامريكية ، قائدة انتصار الحلفاء ، والرابح الوحيد من الحرب ، قيادة المرحلة التالية من مراحل الاستعمار الذي أصبح امبريالياً . وبإعلان انكلترا أنها ستنسحب من فلسطين لم يعد ثمة مبرر لتأجيل المشروع الصهيوني ، وتولت الولايات المتحدة أمر إنشاء دولة عازلة صهيونية في فلسطين باسم " اسرائيل " واعترفت بها الولايات المتحدة الأمريكية فور إعلان قيامها عام 1948 ، وستبقى الولايات المتحدة الامريكية فيما يلي ذلك من سنين ، كفيلة بتأمين الوجود الصهيوني في فلسطين . وستبقى المؤسسة الصهيونية ( اسرائيل ) كفيلة بحراسة المصالح الاستعمارية . ففي عام 1948 أمدت الولايات المتحدة الامريكية العصابات الصهيونية بكل الأسباب المادية والعسكرية والسياسية ، والدبلوماسية العلنية والخفية لتهزم جيوش الدول العربية المتدخلة " لانقاذ فلسطين"
أو لتنهزم لها . فقامت الدولة الصهيونية الحارسة لدى الامبريالية الامريكية مصالحها في الوطن العربي . واعترفت الولايات المتحدة الامريكية بالدولة الحارسة فور اعلان قيامها وأفسحت لها مكاناً في هيئة الأمم المتحدة .
وفي عام 1956 اشتركت المؤسسة الصهيونية ( اسرائيل ) في العدوان الثلاثي على مصر الثورة لحساب الامبريالية الأمريكية على وجهين . الوجه الأول لردع مصر الثورة التي ماأن تحررت حتى راحت تشارك على اتساع الوطن العربي في معارك التحرير فتقود الجماهير العربية ضد المشروع الاستعماري ( مشروع ايزنهاور ) وتسقط مصيدة الامبريالية ( حلف بغداد ) وتستأنف دورها كمركز قيادة وإمداد فتصبح القاهرة مركز قيادة وإمداد الثورة التحررية في الجزائر ، ثم ترفض التبعية للإمبريالية الامريكية فتكسر احتكار السلاح وتتعامل مع المعسكر الاشتراكي ، وترد ثورياً على محاولة الولايات المتحدة الامريكية فرض تبعيتها في شكل شروط اقتصادية وسياسية ورقابية للمساهمة في بناء السد العالي ، وسحب الوعد بالمساهمة إثر رفض الشروط فتؤمم " مصر الثورة " قناة السويس وتشترك اسرائيل في العدوان الثلاثي ضد مصر لحساب الإمبريالية الأمريكية ، كان ذلك وجهاً ، أما الوجه الثاني ، فالاشتراك مع انكلترا وفرنسا في معركة استعمارية قد يؤدي الانتصار فيها الى عودة الدولتين الاستعماريتين إلى الوطن العربي ، وذلك لحساب الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً ، بالحيلولة دون عودتهما منافستين غير مرغوب فيهما . أدت دورها وأمرت بالانسحاب من سيناء ، فانسحبت بعد أن تم انسحاب القوات الانكليزية الفرنسية وليس قبل ذلك ، وقبضت الثمن المرور في مضيق تيران في حراسة قوات دولية .
في الذكرى الثانية لحرب 1956 ستعلن الصهيونية عن وظيفتها في تجزئة الوطن العربي وحماية تجزئته ، فتنشر مجلة " الأوبزرفاتير دي مويان أوريان " مقالاً في تلك المناسبة ( تشرين الثاني / نوفمبر 1958 ) تقول فيه إن التفوق الاسرائيلي قدم ضماناً لحماية الوضع القائم ضد المحاولات الوحدوية . لقد أصبح واضحاً أن حفظ التوازن فيما بين الأقطار العربية المجاورة لإسرائيل والاقطار العربية عامة مهمة يتولاها الاسرائيليون ، وتدخل في نطاق واجباتهم . إننا نقوم هنا على تنفيذ " مبدأ مونرو " خاص بالشرق الأوسط ، إذا صح التعبير .
إن القرار الذي اتخذناه بهذا الخصوص منذ عشر سنوات ( أي منذ 1948 ) قد أدى إلى الاستقرار والسلام بدلاً من الخوف . فنلاحظ أن قرار التجزئة وحراستها قد اتخذ منذ انشاء الدولة الصهيونية في عام 1948 . ونلاحظ من الحديث عن " التوازن بين الأقطار العربية المجاورة لاسرائيل " انه إعادة حرفية للصيغة التي مرت بنا من قبل في اقتراح الدولة العازلة التي تحول دون الوحدة العربية قبل أن تنشأ الدولة الصهيونية بسنين طويلة .
201 - وفي عام 1956 ، أيضاً ، دخلت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج معركة الدفاع عن مصر الثورة بكل سلاح متاح ، بما في ذلك قطع أنابيب النفط ، والاشتراك الايجابي في القتال ، فلما أسفرت الحرب عن فشل العدوان الثلاثي أدركت قيادة مصر الثورة أن الوطن العربي ليس مجرد دائرة حول مصر ، ولا مجالاً حيوياً لها ، بل الوطن القومي للأمة العربية ، التي ليست مصر إلا جزءاً منها . فتحولت الثورة التي بدأت مصرية إلى ثورة ذات اهداف قومية ، ووثّقت هذا التحول المادة الأولى من دستورها الأول ( 1956 ) .
وأصبح جمال عبد الناصر رئيس دولة مصر القائد المعترف به عربياً ودولياً للجماهير العربية . فلم تلبث أن فرضت الجماهير العربية الوحدة مع سورية ومصر ( 1958 ) . نفضل أن نقول ألغت الجماهير العربية التجزئة بين سورية ومصر . فلما اراد المستعمرون عرقلة المد الوحدويّ ، واصطنعوا لذلك اتحاداً عشائرياً
( هاشمياً ) بين حكام الأردن وحكام العراق ، أطاحت الجماهير الوحدوية بالحاكمين في العراق ( 1958 ) .
هنا توقف المد الوحدوي فلم يلتحق العراق بدولة الوحدة ، فبدأ الانحسار وتوالت الهزائم التي لعبت فيها التجزئة
دوراً أساسياً .
202 - كانت غاية تجزئة الأمة العربية ، منذ البداية ، الحيلولة - بالقهر المادي - بين الشعب العربي والوحدة العربية . والوحدة العربية تتجسد سياسياً في وحدة الدولة القومية على كامل تراب الوطن العربي ، وتتجسد نضالياً في وحدة قوى الثورة العربية من أجل التحرر . فكانت التجزئة بالرغم من عدم توافقها مع مقتضيات الاستعمار الرأسمالي أنسب الوسائل في واقع الأمة العربية القومي لتمكين الاستعمار ، إذ هي تجزئة لقوى مقاومته ، ثم لتأمينه ، إذ هي تجزئة لقوى الثورة عليه . اما انها تحد من مدى التزايد الممكن للأرباح الرأسمالية
فيمكن تعويضه من اتساع الوطن العربي وثرواته المتنوعة الموزعة على أقطاره . وإذا كان العرب ، وهم لم يكونوا عرباً إلا بوحدة انتمائهم الحضاري إلى أمة واحدة " سيكونون من الدعاة المتحمسين للاندماج في دولة عربية كبرى " واحدة ، فإنهم ، استجابة لوحدة الانتماء القومي هذه ، سيكونون من المتحمسين للمساهمة في ثورة عربية واحدة . ولقد كان المستعمرون يعرفون من تاريخهم القريب كيف وحّدت القومية قوى التحرر فهزمت المشروع الاستعماري البونابرتي في اوروبا ، وكيف وحدت قوى الشعب فأقامت دولاً قومية على أنقاض التجزئة الإقطاعية . وما كان كل ذلك ليصحّ إلا لأنهم كانوا يعرفون أنهم يواجهون أمة مكتملة التكوين . وهو طور من النمو الاجتماعي لم تصادفه الموجة الاستعمارية في المجتمعات القبلية والشعوبية التي استعمرتها فوجدتها خليطاً تحت إدارة مركزية واحدة .
203 -وقد أدت التجزئة دورها في تمكين الاستعمار من الأمة العربية وتأمين وجوده . فقد بدأت مقاومة الاستعمار في جميع الأقطار فور الاحتلال . فما أن احتلت فرنسا الجزائر عام 1930 حتى قامت الثورة التحررية الأولى عام 1932 . وفي ذات الليلة التي أجبرت فيها فرنسا السلطان عبد الحفيظ على توقيع وثيقة احتلال مراكش ، قامت الثورة التحررية الأولى ، وحاصر الشعب العاصمة ، فدكّتها المدفعية الفرنسية لتنقذ السفّاح الماريشال ليوتي . وعلى أثر احتلال تونس قامت ثورة التحرير بقيادة علي بن خليفة ، وفي مصر بدأت ثورة التحرير بقيادة أحمد عرابي فور الإنذار بالاحتلال وقبل أن تطأ الجيوش الانكليزية شاطىء الاسكندرية .
فلما انهزمت ثورة " أولاد العرب " - كما كانوا يسمونها في مصر - ثار العرب بقيادة المهدي في السودان .
وأنذر المهدي الخديوي توفيق ، الخائن ، بأنه قادم بجيشه لتحرير مصر من الغزاة . فلما مات قبل أن ينفّذ وعيده نفّذه خليفته التعايشي ، فأرسل حملة إلى مصر بقيادة النجومي عام 1885 . وما ان استأثر الأتراك الطورانيون بالسلطة في الدولة المشتركة وبدأوا محاولة " تتريك " العرب قهراً حتى بدأ الإعداد للثورة التحررية في المشرق تحت قيادة الشريف حسين لتحريره من القهر التركي . فلما افتقدت مساندة القوى الشعبية في المغرب العربي ، بفعل التجزئة التي فرضها المستعمرون ، قبلت مساندة المستعمرين فارضي التجزئة التي حرمتها من مساندة القوى الشعبية ولم تفطن قيادتها إلى التناقض الموضوعي في موقفها من أعدائها وكان في ذلك مقتلها . فلما انكشف هذا التناقض ونكثت القوى الاستعمارية عن الوفاء بوعود الاستقلال ، اندلعت ثورات التحرر في مصر ( 1919 ) وفي العراق وسورية ولبنان ( 1920 ) . ثم لم تتوقف الثورات التحررية أبداً على الأرض العربية . ما ان تنتهي ثورة في مكان ، ولو بالهزيمة الموئسة ، حتى تبدأ ثورة في مكان آخر كلّها أمل في النصر . وكان أمل النصر في كل ثورة أملاً عربياً في نصر عربي تهفو إليه وتتطلع جماهير الشعب العربي التي تحول التجزئة دون اشتراكها في تحقيقه . ويخاطر بعض الأفراد والجماعات باختراق الحواجز إلى حيث الثورة ليسهموا فيها أو ليحملوا إليها الامدادات ، ويستضيفوا اللاجئين إليهم بعد الهزيمة ، ويعانوا ما يعانون من مرارة الشعور بالهزيمة في انتظار جولة ثورية أخرى .
برغم هذا ، وبرغم البطولات الأسطورية والتضحيات الجسيمة لم يكن النصر حليفاً لأية ثورة عربية على مدى أكثر من قرن . لأن قوى الثورة كانت فصائل متفرقة بين الأجزاء المعزولة بالحدود التي فرضها المستعمرون فافتقد الثوار في كل الأجزاء وحدة الجماهير المساندة ، ووحدة القوى الثورية الرائدة ، ووحدة المنظمة القائدة ، فافتقدوا وحدة الخطة الثورية ، ووحدة الغاية الاستراتيجية ، ورحابة المناورة للتحركات التكتيكية ، فانهزم كل فصيل وهو يدافع عن امة واحدة . قاد عبد القادر الجزائري الثورة التحررية في الجزائر خمس عشرة سنة
( 1832 - 1847 ) ، ثم انهزمت الثورة في الوقت الذي كانت فيه الجيوش العربية في مصر كافية لردع فرنسا ذاتها . ففي تاريخ غير بعيد قبل هذا وبعده كان الجيش العربي من مصر ، يقاتل براً وبحراً في القرم (روسيا ) ، وفي المورة ( اليونان ) ، وفي اواسط أفريقيا وفي الحبشة ، وعبرت كتائبه مياه المحيط الاطلنطي لتحارب في المكسيك دفاعاً عن امبراطورها الالماني الأصل فرديناند ماكسيميليان ( 1832 - 1867 ) بناء على طلب من فرنسا . وفي عامين اثنين كانت الثورات التحررية قائمة على قدم وساق في المغرب وفي تونس وفي ليبيا وفي مصر وفي العراق وفي سورية وفي لبنان ، وانتهت جميعاً الى هزيمة كاملة ، أو إلى شيء يشبه - في أفضل الحالات - معاهدة 1936 بين مصر وانكلترا .
ولما توقف المد الوحدوي دون العراق عام 1958 فقدت دولة " الجمهورية العربية المتحدة " سمتها القومية وأصبحت دولة قائمة على التجزئة تلتزمها وتحميها بقوة الدولة فيها . فهزمت التجزئة كلاً من ثورة العراق ، ووحدة 1958 . اغتالت القوى الشعوبية ثورة العراق في حماية التجزئة ( 1959 ) . وانفصلت سورية عن مصر ( 1961 ) انفصالاً سهلاً لأن وحدة 1958 لم تقبل التجزئة ممثلة في حدودها الخارجية فقط ، بل أبقت عليها في نظامها الداخلي أيضاً . توحّد الإقليمان في : رئاسة الجمهورية ، وفي حكومة مركزية ، وفي مؤسسة تشريعية ، أي توحّدا حكّاماً ، ولكنهما بقيا مجزأين نظاماً ، لكل حكومة ، وجيش ، واقتصاد ، ومالية ، ونقد ، وتجارة واتفاقات دولية . وكانت الجماهير العربية الملتقية على هدف الوحدة تحت قيادة واحدة ما تزال مجزأة أفراداً وشللاً وجماعات ومنظمات وأحزاباً ، فأعجزتها التجزئة عن الدفاع عن الوحدة ضد حفنة من الانفصاليين فجاء الانفصال سهلاً . فلما ردّت مصر الثورة على المؤامرة الاستعمارية الانفصالية بالمساهمة الايجابية العسكرية دفاعاً عن ثورة اليمن الشمالي ( 1962 ) ثم مدت مساهمتها إلى اليمن الجنوبي ، وفجّرت فيه ثورة التحرر فتحرر ( 1964 ) ، ثم توقفت ثورات التحرير دون الوحدة : لم تتحقق حتى وحدة شطري اليمن لأن قوى الثورة فيهما كانت مجزأة . وفي عام 1963 اجتمع في القاهرة قادة مصر والعراق وسورية واتفقوا على ميثاق فكري واحد . ودستور واحد ، وإقامة دولة واحدة تضم الأقطار الثلاثة ، وحدّدوا لقيام الدولة موعداً قريباً كان فشل المشروع أقرب منه ، لأن القوى التي اجتمعت وتحاورت واتفقت على كل ما يلزم لقيام الوحدة كانت مجزأة منظمات ونظماً . ولم يلبثوا جميعاً أن تلقوا إنذار دولة الصهاينة ، حارسة التجزئة ، على لسان ليفي اشكول ، رئيس وزرائها ، في رسالة أذيعت في كانون الأول / ديسمبر 1966 : إن سياسة إسرائيل منذ 1958 ( أي منذ عام الوحدة بين مصر وسورية . . . ! ! ! ) أن تحول بالقوة دون أي تغيير يحدث في الوضع القائم للبلدان العربية . واستمعوا إلى تأكيد أبا ايبان وزير الخارجية الصهيوني في تصريح أدلى به في لندن في شباط / فبراير 1967 : يجب أن يكون واضحاً ( لمن . . . ؟ ! ) أن مصير المنطقة العربية لايمكن أن يكون في الوحدة . بالعكس انه في الاستقلال القائم على التجزئة .
كان ذلك إنذاراً مبكراً ، بان الولايات المتحدة الأمريكية تعد لتصفية النظام المتحرر من التبعية ، المتحول إلى الاشتراكية ، في مصر العربية التي لم تقبل على مدى تاريخها الجغرافي قبل الفتح العربي أن تنعزل داخل حدودها عما يحيط بها من أقطار ، ولم يحدث على مدى تاريخها القومي أن عزلت أو انعزلت عن الأمة العربية التي هي جزء منها إلى ان عزلها الاستعمار بالقوة الباطشة . فكانت حرب 1967 والهزيمة العسكرية القاسية .
ولقد حاولت كل من سورية والأردن والعراق أن تقفز فوق التجزئة في سلسلة اتفاقات دفاع مشترك انعقدت على عجل قبيل الحرب . وحاولت الأقطار العربية جمعاء أن تشترك في " العزاء " بعد الهزيمة في مؤتمر الخرطوم ( آب / اغسطس 1967 ) ، فدفع الأردن الثمن هزيمة في الضفة الغربية . ودفعت سورية الثمن هزيمة في الجولان . أما العراق فقد اعتذر عن عدم المشاركة بأن حدود التجزئة حالت دون وصول قواته في الوقت المناسب . . واكتفت البلدان النفطية بما دفعته ثمناً قليلاً من عائد النفط العربي . وكان كل هذا في منطق التاريخ القومي عدلاً . فقد دفعت مصر وسورية الثمن العادل لقبولهما الانفصال بعد الوحدة . ودفع الاردن الثمن العادل لموقفه من الوحدة ، ولم تكن اتفاقيات الدفاع المشترك قبل 1967 وبعد 1967 ، ولم يكن التضامن العربي قبل الخرطوم وبعد الخرطوم الا محاولات غير ذكية ليحصل حراس التجزئة العرب على وثائق تستر جريمة التجزئة وتوهم الشعب العربي ببراءتها من الهزائم .
قامت المؤسسة الصهيونية ( اسرائيل ) بدورها لحساب الامبريالية الأمريكية . فبدأ دور الولايات المتحدة الأمريكية فور الهزيمة . فاستصدرت من مجلس الأمن قراراً بإيقاف اطلاق النار غير متضمن انسحاب القوات المتحاربة إلى مواقعها قبل بدء القتال لأول وآخر مرة في تاريخ هيئة الأمم المتحدة . وأصبح واضحاً ، بل ومعلناً ، أن الولايات المتحدة الأمريكية قد احتفظت بسيناء وغزة والضفة والجولان رهينة تحت حراسة الصهيونية حتى تحقق الحرب الغاية التي قامت من أجلها : اسقاط عبد الناصر قائد الجماهير العربية ، وانعزال مصر عن الأمة العربية أو عزلتها ، قطع العلاقات الاقتصادية خاصة مع الاتحاد السوفياتي ، الارتداد إلى النظام الرأسمالي ، انهاء حالة الحرب مع المؤسسة الصهيونية والاعتراف باسرائيل . ولم تكن احلامهم لتصل إلى حد تطبيع العلاقات معها .
أما اسقاط عبد الناصر فقد كاد يتم حينما أعلن تنحيه عن موقع القيادة ، ولكن الجماهير العربية في مصر وخارج مصر ردته إلى مكانه ( 9 و 10 حزيران / يونيو 1967 ) . أما انعزال مصر عن الأمة العربية ، أو عزلها ، فقد طلبته الولايات المتحدة الأمريكية من عبد الناصر مقابل " فك رهن " سيناء وإعادتها كاملة السيادة لمصر فرفض عبد الناصر . أما قطع العلاقات الاقتصادية خاصة مع الاتحاد السوفياتي فكان يعني قطع الشريان الوحيد الباقي لإمداد مصر عسكرياً واقتصادياً ودولياً بما يلزم ، حتى لا تستسلم . أما الارتداد إلى النظام الرأسمالي فإنه لم يتم ، لأنه كان انتحاراً فقد تولى القطاع العام بعد الهزيمة الدفاع الفعلي والفعّال عن بقاء مصر دولة ، والإنفاق على إعادة بناء القوات اللازمة لتحرير سيناء . أما إنهاء حالة الحرب والاعتراف باسرائيل وتطبيع العلاقات معها ، فقد كان هو الاستسلام بعينه . ثم مات عبد الناصر ( 28 أيلول / سبتمبر 1970 ) وتولّى أنور السادات قيادة مصر العربية . . . وفي عام 1973 حشدت الاقطار العربية كل ماسمحت لها به التجزئة من قوة عسكرية واقتصادية ومالية ودبلوماسية ودعائية ، في مناخ دولي مؤات ، وخاضت مصر وسورية حرباً هجومية محدودة ، وحققتا نصراً عسكرياً محدوداً ، وانتهى إلى هزيمة عربية بلا حدود ، بدأت نذرها منذ بدأ كل شريك ومشارك في المعركة يجري حساباته على قواعد التجزئة ، وراح أنور السادات ، منفرداً ليوقع في الولايات المتحدة الأمريكية تحت إشراف رئيسها جيمي كارتر ، مع الصهيوني مناحيم بيغن اتفاقيات كامب دافيد ( 1979 ) التي قبل فيها كل ما كان يريد الحلف الأمريكي الصهيوني أن يحققه من حرب 1967 ، بما فيه الاعتراف بإسرائيل وأكثر ( لم يكونوا يحلمون بالتطبيع والتعاون والصداقة ) . وكان ما كان .
وقد أشرنا إليه من قبل ( فقرة 179 ) . وبلغت الهزيمة مداها حينما اعترف اغلب قادة العرب ، دولاً ودويلات ومنظمات وأحزاباً بإسرائيل . بعضهم اعترف بجسارة ، وبعضهم على استحياء . بعضهم علناً ، وبعضهم خفية بعضهم صراحة وبعضهم ضمناً ، يستوي الإجرام في الاستسلام ، ولا نهدر حبراً رخيصاً في التعليق على الاعتراف بأساليب أرخص .
204 - لم تكن تجزئة الأمة العربية لتلعب هذا الدور الأساسي في الهزائم العربية لو أنها مجرد فواصل سياسية بين دول متجاورة . هذه ملحوظة على أكبر قدر من الأهمية لفهم أسباب الهزائم العربية أمام المؤسسة الصهيونية ( اسرائيل ) . فالواقع أن كلاً من مصر وسورية تملك بشرياً ومادياً كل الامكانات الكافية ، وهي منفردة ، لمواجهة اسرائيل وهزيمتها . وكثير من الاقطار العربية قادرة وهي منفردة ، على مواجهة اسرائيل وهزيمتها أو ردعها على الأقل . وليس ثمة أي حائل جغرافي لايمكن التغلب عليه ليصل أي ذراع عربي إلى عنق الصهيونية في فلسطين المغتصبة أو خارجها . فقد أضعف التقدم التكنولوجي مقاومة الحائل الجغرافي . ضربت الصهيونية في صعيد مصر ، وفي العراق ، وفي تونس ، بل وفي عينتبي ( أوغندا ) . واستولت خلسة على زوارق الطوربيد من شمال فرنسا . وحين أرادت مصر أن تشن حرباً محدودة ضد الصهاينة عبرت القوات المصرية القناة ، أمنع الحواجز المائية على الاطلاق ، بدون خسائر تذكر وسحقت الصهاينة شرق القناة حتى الحدود المحددة للعمليات الحربية . وليس انفراد الشعب بالدفاع عن ارضه عقبة في سبيل التحرر . ففي لبنان استطاعت المقاومة الشعبية أن تهزم الغزو الصهيوني والتدخل الأمريكي معاً . ومن قبل استطاعت الثورة الشعبية أن تنتصر على الاحتلال الاستيطاني في الجزائر ، ومنذ خمس سنوات يقاتل الشعب العربي دفاعاً عن العراق ضد محاولات الغزو الإيراني بكفاءة مشهودة وبطولة فذة وعلم فائق بفنون الحرب الحديثة ، واستخدام ماهر لمعداتها المتطورة ويحقق كل يوم نصراً وهو يقاتل منفرداً . . . الخ .
ثم أن ثمة دولاً كبيرة في أمم عريقة موحدة غير مجزأة انهزمت مثل فرنسا والمانيا وايطاليا وبولندا واليابان . ليس النصر والهزيمة إذن متوقفين على الوحدة أو التجزئة وحدهما . إنما هي موازين قوى سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية ودولية أيضاً .
هذا صحيح لاشك فيه . فتجزئة الأمة العربية ليست وحدها السبب في الهزائم العربية في معارك التحرر أو التقدم انها سبب عجز الشعب العربي في كل الأقطار بأن يتحرر ويتقدم بالقدر المتكافىء مع إمكانات أمته لأن ماهو متاح في أمته من إمكانات غير متاح له بفعل التجزئة . هذا لو كانت التجزئة مجرد فواصل سياسية بين بلدان عربية متجاورة . ولكنها أكثر من ذلك بكثير . انها كجرثومة مرض " الإيدز " اللعين ، لاتقتل بذاتها ، ولكن تضعف مناعة الجسم الحي فتقتله أوهى الأسباب . ولهذا أسميناها السبب الأساسي . وله أسباب نذكرها .

التخريب والتغريب

205 - منذ أن بدأ الاستعمار الرأسمالي للأمة العربية ، بدأ تخريب حضارتها القومية . وحضارتها القومية إسلامية كما عرفنا من قبل ( فقرة 11 وما بعدها ) . كان التخريب خفياً حينما كان الاستعمار ظاهراً ، وأصبح التخريب ظاهراً حينما أصبح الاستعمار خفياً . اختلف الاسلوب في الحالتين ولكنه كان في الحالتين منصباً على الحضارة العربية من حيث هي حضارة قومية ( التخريب الاقليمي ) ومن حيث هي حضارة إسلامية ( التخريب العلماني ) .
1 - الاقليمية
206 - الأصل في الاقليم أنه تعبير عن مكان . وقد ينطوي على بعض التميّز الطبوغرافي أو الجغرافي ولكنه على أي حال لايتضمن في ذاته مفهوماً حضارياً . بل لعل استعمال كلمة اقليم للدلالة على مكان أن يتضمن نفياً لاختصاص المكان الذي نعنيه بحضارة خاصة .
في حدود هذا المفهوم لاينكر أحد أن الوطن العربي يضم أكثر من إقليم ، وأن بعض الأقاليم تتميز عن البعض الآخر طوبوغرافياً وجغرافياً ، وبما تنطوي عليه من مصادر الثروة الاقتصادية . كما لاينكر أحد أن ذلك التمايز أو التنوع على الأصح قد يقتضي تنوعاً في أساليب الادارة والانتاج اللازمة لتنظيم الحياة في الأقاليم على أفضل ما يناسبها . وسواء في دولة الوحدة أو بدونها ، لن يستوي نجد والعراق إدارة وتنظيماً ، كما أن الصحراء الغربية لاتخضع لكل النظم الادارية التي تحكم القاهرة مع أنهما جزآن من قطر واحد .
هذا امر مسلّم في كل الدول التي يشمل وطنها أكثر من إقليم ، ولم يكن هذا قط مشكلة دستورية أو إدارية أو اقتصادية لا في الوطن العربي إبان وحدته السياسية ولا في الأوطان الأخرى التي لم تنكب بالتجزئة .
غير أن للاقليم في الوطن العربي دلالة خاصة : فعندما نتكلم عن الأقاليم من الوطن العربي نعني تلك الأجزاء من الوطن العربي الواحد التي أرسى الاستعمار حدودها وأقام عليها دولاً فأصبحت وحدات سياسية مستقلاً بعضها عن بعض .
فالأقاليم في الوطن العربي هي الأقطار في أجزائه . وبعض تلك الدول لاتقوم حتى على " إقليم " بمعناه الأصيل
فإن أهواء المستعمرين لم تكن تتفق دائماً مع تضاريس الطبيعة فجاءت خطوط التجزئة مستقيمات هندسية رسمت على الخرائط فوق مكاتب المستعمرين . بهذا فقد " الأقليم " في الوطن العربي مضمونه الأصيل ؛ ولكنه بهذا أيضاً كسب مضامين جديدة سياسية واجتماعية وفكرية لايستهان بقوة تأثيرها على كثير من العرب حتى بعض الوحدويين منهم .
فقد حول المستعمرون ، وعملاؤهم ، والمستفيدون من ورائهم ، واليائسون من التحرر. . . حولوا دول التجزئة إلى مدارس ضخمة وحقول فسيحة للتخريب والتدريب السياسي والاجتماعي والفكري خلق كائنات حية من أشلاء أمة ممزقة . وحشد لها المستعمرون كل طاقاتهم المادية والاقتصادية والثقافية على وجه خاص . واصطنعوا لها عملاء وأساتذة ومعلمين وتلامذة ورصدوا حتى العروش مكافأة للمتفوقين منهم . وكانت غايتهم اختلاق مضمون حضاري ، غير عربي ، للاقليم وتنمية على حساب المضمون الحضاري للقومية العربية ليتحول الانتماء من الأمة إلى الشعب ، فيتحول الولاء من الوطن العربي إلى : مصر ، العراق ، سورية . . . الخ . ومع أن الولاء للوطن القومي يشملها إلاّ أن غاية المستعمرين كانت تجزئة الولاء حتى لاتتوحد قوى التحرير . وهكذا في مواجهة وحدة اللغة تحل اللغات الأوروبية محل اللغة العربية في بعض الأقاليم . وعندما يكون ذلك غير ممكن يدرس الشباب أرقى علومه بغير اللغة العربية .ثم إبراز اللهجات المحلية التي قد تختلف من قرية إلى قرية واتخاذ لهجة سكان العواصم أدوات للتعبير في الأدب والفن والصحافة والإعلام والإشادة بها " كلغة " أكثر واقعية ويسراً . وفي مواجهة وحدة الوطن القومي اختلاق نزاع على الحدود " الوطنية " بين دول التجزئة والزجّ بابناء الأمة الواحدة وأصحاب الوطن الواحد في معارك يدافع فيها كل منهم عما يتوهم أنه وطنه الخاص . وفي مواجهة وحدة التاريخ ، إعادة صياغة التاريخ العربي وتقسيم احداثه على الأقاليم ليبدو لكل دولة تاريخ خاص . ونبش الماضي البعيد ورفع تراب التاريخ عن العهود القبلية والشعوبية لاستخراج رفات أحداثها ومحاولة إلباسها ثوب التراث التاريخي الإقليمي المنفصل عن التراث القومي ، واختلاق أبطال قوميين لأمم موهومة ، تحت أسماء الأشورية والفينيقية والفرعونية . . . الخ .
وقد استطاع الاستعمار فعلاً أن يخلق على التجزئة ، ومنها ، صيغاً إقليمية للحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية ، وأن يربط مصير فئات كثيرة في الأقاليم بالتجزئة وجوداً وعدماً ، وأن يخلق للتجزئة رموزاً مميزة من الحكّام والأعلام والأناشيد والتقاليد ؛ وأن يحرك تياراً فكرياً على قدر من القوة يبرر الوجود الإقليمي المستقلّ ، ويستبدله بالوجود القومي ، ويجتهد في هذا فلسفةً أو سفسطةً . . وأدى كل هذا ، وغيره من مثله ، لدى قطاعات عريضة من العرب في كل إقليم إلى قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الإقليم هو القاعدة النفسية اللازمة لنمو الولاء القومي . . وهكذا لم يعد الانتماء إلى الأقاليم تحديداً لمواطن الإقامة ، بل أصبح "إقليمية " ، مضمونها الحضاري شعوبي مرتدّ إلى مرحلة الطور الاجتماعي السابق فهي نقيض الحضارة العربية ومحاولة لنقض التكوين القومي .
2 - الاغتراب
207 - عرفنا من قبل كيف أن العلمانية ليست ضد الدين ولا مع الدين ( فقرة 84 وما بعدها ) وعرفنا أن جوهر الدعوة العلمانية في مجتمع من المسلمين هو أن تستبدل بالشرائع والقواعد والاداب التي جاء بها الإسلام شرائع وقواعد وآداب وضعية ( فقرة 142 ) وأنها ركن من نظام شامل متكامل للحياة الدنيا ، علماني في موقفه من الدين ، فردي في موقفه من المجتمع ، ليبراليّ في موقفه من الدولة ، رأسمالي في موقفه من الاقتصاد كان محصلة عوامل نفسية وثقافية وتاريخية وحضارية سادت أوروبا على مدى نحو سبعة قرون ( فقرة 125 ) .
وقد بدأ الاستعمار القاهر الظاهر بفرض نظامه على الحياة العربية فاستبعد الإسلام نظاماً وتركه للناس عقيدة ومناسك وأحوالاً شخصية . وأقام له حارساً باطشاً من جنده المسلحين ، وترك له ان يغير ما بالناس من خلال اضطرار الناس إلى الملاءمة بين حياتهم اليومية وبين قواعد النظام المفروض بالقوة ، ثم اطّراد تلك الملاءمة خلال زمان غير قصير ليصبح النظام تقاليد وعادات وآداب يغذيها تيار فكري من " المشايخ " والاساتذة والمعلمين والتلامذة وخريجي جامعات أوروبا من الموفدين ، وعملاء الاستعمار من المبشرين الوافدين ، لتبرير استبعاد الإسلام نظاماً والاكتفاء به مناسك وعبادات ، ويرشون الشعب المتخلف بأوهام التقدم الأوروبي . . الخ
وأدى كل هذا ، وغيره من مثله ، إلى قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية ( يسمونه الاغتراب ) هو القاعدة النفسية اللازمة لنمو الولاء للنظام الفردي الليبرالي الرأسمالي على حساب الولاء للنظام الإسلامي . وهكذا لم تعد العلمانية دعوة ضد الدين عامة ، أو الإسلام خاصة بل أصبحت ذات مضمون حضاري فردي ليبرالي رأسمالي فهي نقيض للتكوين القومي الجماعي في جوهره ، ونقض للحضارة العربية الإسلامية في جوهرها .
أمثلة من التناقض والنقض :
208 -تقول دراسة وضعتها " لجنة المجتمعات الأوروبية " في بلجيكا عن الشباب الأوروبي ( 1985 ) أن علاقة الشاب بأسرته تنتهي عند سن السادسة عشرة ، وأنه يعتبر نشاطه الجنسي منذ بدايته مع سن المراهقة من شؤونه الخاصة التي لايجوز لأحد أن يتدخل فيها ، وأنه ابتداء من مرحلة الشباب لايهمه الا الخوف من البطالة وأن الشباب عديمو الاهتمام بما يدور في مجتمعاتهم . ويقول جيرالد باكمان الاستاذ في معهد الدراسات الاجتماعية في جامعة ميتشجان بالولايات المتحدة الامريكية في كتابه نظرة الشباب إلى المشكلات الوطنية (1971 ) إن الشباب لايعيرون المشكلات الوطنية أي اهتمام ، وحين يثار اهتمامهم لايجدون ما يقولون ، وإن كانوا مهتمين إلى أقصى درجة بحرب فييتنام يريدون أن تنتهي حتى لا يتعرضوا لمخاطر الموت فيها ، ولكن ليس لديهم أية فكرة عن كيفية إنهائها . وقد وصل عدم اهتمامهم بالشؤون الوطنية أن ثلث الطلاب في الجامعات ميدان البحث ، لم يعرف أي منهم اسم عضو مجلس الشيوخ في ولايته . وتقول نشرات هيئة الأمم المتحدة أنقد انعقد في مرسيليا ( فرنسا ) ما بين 24 و27 تشرين الأول / اكتوبر 1983 مؤتمر دولي لدراسة ظاهرة " ابناء الشوارع " . وابناء الشوارع هؤلاء ليسوا أبناء الريف في العالم الثالث الذين تسمح لهم التقاليد بأن يعيشوا أيامهم جائلين شاردين خارج الدور والمنازل ثم يعودون ، وليسوا يتامى أو ضالّين أو لقطاء ، ولو كانوا كذلك لهان الأمر ، ولكنهم دخلوا عالمهم من أبواب اليتم أو الضلال أو التخلي أو الشرود ثم تكيفوا مع البيئة التي تشكلها الشوارع والأزقة والأبنية المهجورة بما يسودها من قواعد التشرد وتقاليده وآدابه أيضاً ، وهي قريبة الشبه بما يذكره لنا التاريخ عن حياة الانسان البدائي قبل أن تعرف البشرية ضوابط السلوك الاجتماعية والدينية والخلقية والتشريعية . انه عالم اغتراب عدائي من مجتمع الآخرين ، اتخذ من الشوارع حدوداً عازلة بينه وبين مجتمع آخر يرفضه ويقاوم بأساليب " شوارعية " حقاً العودة إلى الاندماج فيه . لقد بلغ نمو عالم أبناء الشوارع في بعض مدن فرنسا حداً حمل السلطة الفرنسية على أن تعترف بوجوده ، وتتعامل معه وتسمح له بقدر من الاستقلال في تنظيم وإدارة شؤون رعاياه وأن يشكلوا من أنفسهم جماعة قيادية ، قريبة الشبه بالحكومة ، مقرها مدينة " بيسين " قريباً من مرسيليا ، تباشر سلطاتها بالتشاور مع ممثلي السلطة الرسمية .
أما في الولايات المتحدة الامريكية حيث تقاس كل الظواهر الاجتماعية بمقاييس مالية فتقول مارغريت جوردون في كتابها عن مشكلات الشباب ( 1979 ) أن 16 بالمائة من صغار البشر في نيويورك ينتمون إلى هذا العالم القائم خارج حدود المجتمع وقوانينه . وتنقل عن ستانلي فريدلاندر ما قاله عن دراسة ميدانية في ثلاثين مدينة أمريكية ، ما قلب رأساً على عقب كل ما يعرفه عالمنا من علاقة بين البطالة والجريمة . كان المستقر من المعرفة أن البطالة من أسباب الجنوح إلى الإجرام ، أما في الولايات المتحدة الامريكية فقد أصبح الإجرام أحد أسباب البطالة . ففي عالم أبناء الشوارع وجدت " المنظمات الإجرامية " أو " الجريمة المنظمة " جيشاً متزايد العدد من الذين يعرضون قوة عملهم في مقابل أجور أكثر ارتفاعاً من الأجور المتاحة في العمل المشروع ، بالاضافة إلى متعة الاعتداء على المجتمع الذي يرفضونه . وقد بلغت جملة ميزانيات منظمات الاجرام في الولايات المتحدة الأمريكية ، كما تقول مارغريت جوردون ، 25 مليار دولار سنوياً .
إنهم أبناء الاسر التي قال عنها فيكتور بالدريدج في كتابه علم الاجتماع المشار إليه من قبل ان جدار العفة فيها يتصدع تحت ثقل التقدم الرأسمالي الصناعي ، وان الإحصاءات المتحفظة تشير إلى أن 25 بالمائة من الزوجات لهن علاقات جنسية برجال غير أزواجهن ، وأن مابين 50 و 60 بالمائة من الرجال يمارسون الزنى ، وأن استطلاعات الرأي قد أثبتت أن هناك اتجاهاً عاماً نحو التسامح مع هذا " النشاط " ، ثم يرتب نتائج هذا " النشاط"
فيقول ، إن 25 بالمائة من حالات الزواج تنتهي بالطلاق سنوياً ، أما عن الأسر التي لاتنتهي بالطلاق فيقول فرديناند لوندبرج ، الامريكي ، في كتابه الثري والثري الفاحش ( 1968 ) " ان قانون المنافسة الحرة بين الأفراد في المجتمع الأمريكي قد أدى إلى نشوء عقيدة مدمرة هي عبادة النجاح الفردي ، خرّبت الحياة الاسرية حتى للناجحين " . وينقل عن كتاب كليفلاند أموري : من الذي قتل المجتمع ؟ قوله : " إنه طبقاً للدراسات التي قام بها علماء النفس والاطباء والباحثون الاجتماعيون في { شؤون الأسرة } ، تستهلك الشركات الرأسمالية الجانب الأكبر من وقت وجهد وحماس العاملين فيها ، فيتحولون إلى نفايات في منازلهم عاجزين عن أن يكونوا ازواجا أو آباء . وحين لايؤدي هذا إلى الطلاق تبقى علاقة الزوجية قائمة اسمياً بين زوجين متآكلين لايهتم أحدهما بالآخر ، يعانيان كل أنواع المشاعر المريضة بما فيها الشعور المزمن بالوحدة ، والإحباط الجنسي ، وادمان المخدرات والخمور " .
ويذكر فرديناند لوندبرج أن دراسة شاملة للزوجات في منطقة شيكاغو قد أثبتت انهن لاينظرن إلى شخصيات ازواجهن كأزواج بل " كممولين " لابد منهم لتكلفة الزواج والأبوة ، وأن قليلاً جداً منهن لديهن أية فكرة أو أي اهتمام بنوع العمل الذي يقوم به الأزواج ، وأن ثلث الزوجات في منطقة شيكاغو يعتبرن أن الزوج خارج تكوين الأسرة ، وأن الأسرة هي الأم وأولادها فقط ، أما الأب فهو العائل المالي من خارجها ، فهو لايقوم بوظيفة " الوالد " أصلا . . . الخ .
وليست هذه إلا امثلة اخترناها عامدين من آثار الحضارة " المادية الفردية الرأسمالية " في صياغة الشباب وتكوين الأسرة في الولايات المتحدة الامريكية . اخترنا الشباب مثلاً لأنه أصفى مراحل العمر للكشف عما يحمله الإنسان من حضارة قبل أن يكتسب ما قد يخالطها من مؤثرات خارجية ، هذا بإجماع الدارسين . واخترنا الأسرة لأن الأسرة هي حجر الأساس في التكوين الاجتماعي وأداة التواصل الحضاري بين الأجيال ( فقرة 175 ) . واخترنا الولايات المتحدة الامريكية لأنها تفتقد الوجود الاجتماعي أو الحضاري قبل نشأة النظام المادي الفردي الرأسمالي ، فليس وراء قيمها الحضارية السائدة تراث حضاري غير ما ولده هذا النظام . واخترنا كل هذا ، اخيراً ، حتى لايخفى على أحد التناقض بين تلك الحضارة الغربية وبين الحضارة العربية تناقضاً غير قابل للتوفيق أو للتلفيق أو للتزويق .

خلاصة

209 - كانت خلاصة ماتقدّم من تخريب وتغريب أن نشأت في كل قطر عربي طبقة قومية الانتماء إقليمية الولاء ، مادية الباطن اسلامية الظاهر ، فردية البواعث جمعية الغايات ، رأسمالية النشاط اجتماعية الأرباح ، تتعلق بها وتتغذى عليها شخوص من الفلاسفة والمفكرين والكتاب والأساتذة والتلاميذ . . في مقابل أن تخدم غايتها وتروج بضاعتها بما يغرزونه من مذاهب وأفكار وآراء . وهي طبقة نشأت مع الاستعمار وأحاطت به في عزلته واستعلائه على الشعب واحتقاره للجماهير ، لتؤدي بالنيابة عنه ، ولحسابه ، نقض الحضارة العربية من بناء شخصية الإنسان العربي ، ليسكت ، ثم يقبل ، ثم يرضى بالتعايش مع الاستعمار في الوطن العربي المجزأ تبعاً لدرجات التخريب والتغريب وتأثيرها في إضعاف هيكل شخصيته .

الاستعمار الجديد

210 - كانت أولى ضربات الاستعمار الجيد تمكين الصهاينة ، بالدعم المستور أو المنكور ، وليس بالعدوان الظاهر القاهر ، من اغتصاب فلسطين وإقامة دولة صهيونية عليها ( اسرائيل ) سنة 1948 وهي السنة التي يؤرخ بها لبداية تحول الاستعمار القديم إلى استعمار جديد . وهي السنة التي حلّت فيها الامبريالية الأمريكية محل الاستعمار الأوروبي . وهي السنة التي أصبح فيها علم الدعاية واغتصاب العقول علماً معترفاً به ذا أصول وفروع ، وهي السنة التي اكتمل فيه علم " السبرنيطيقا " ( التأثير غير المباشر ) بعد أن نجحت تجاربه الأولى نجاحاً فائقاً خلال الحرب الأوروبية الثانية . ومنذئذ ، ستبقى القوات المسلحة الامريكية " جاهزة " للتدخل عند الفشل ، ولكن في حدود ضيقة لايسمح بتجاوزها الخوف من اشتعال حرب ثالثة مع قوة دولية موازية ومعادية وقادرة هي الكتلة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي ، شريك الولايات المتحدة الامريكية في الحرب الأوروبية الثانية ، وفي الانتصار ، وفي النفوذ الكوني . وفي هذه الحدود ضربت الولايات المتحدة الامريكية عن طريق حارسة مصالحها إسرائيل ضربتها عام 1967 وأوقعت بمصر وسورية والأردن هزيمة مزلزلة .
211 - في الأمة العربية ، وفي غير الأمة العربية من الأمم والشعوب الحية ، كلما انهزم الشعب ، بدأت قوى الحياة فيه تتجمع للمقاومة . ويكون أول سؤال تطرحه المقاومة الحية هو : لماذا الهزيمة ؟ ومن قبل 1967 ، ومن قبل 1948 ، بل ومنذ دوهم العالم كلّه بالاستعمار الأجنبي ، طرح هذا السؤال وأختلفت الإجابات عنه . ونحن نعرف من تاريخ الشرق ( كان يطلق في القرن الماضي على كل ما أحتله الأوروبيون ) كيف كانت إجابة المسلمين كافة عن هذا السؤال . نعرفها من تاريخ حركات الاصلاح الديني : الوهابية والمهدية والسنوسية والقادرية . . الخ . ونعرفه من تاريخ حركة التجديد الاسلامي التي بدأها الغزالي ونماها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وابن باديس وحسن البنا . . الخ . كانت كلها تدفع بالإسلام الغزو الأجنبي وتدافع بالإسلام عن " الوطن القومي " فيقول جمال الدين الأفغاني في " العروة الوثقى " : " أنا لا أطلب أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصاً واحداً ، فإنّ هذا ربما يكون عسيراً ، ولكني أرجو أن يكون سلكان جميعهم القرآن ووجهة وحدتهم الدين ، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع فإنّ حياته بحياته وبقاءه ببقائه " . وحينما يذهب إلى روسيا ثم يعود يترك تلاميذه من قادة حركة التجديد الإسلامي : عبد الرشيد إبراهيم ، وعلي ماردن ، ويوسف اكتشورا ، وأحمد اغا اوغلو ، وعبد الله اناباي ، وشاكر محمدية ومائة آخرين ، ليؤسسوا حزب " اتفاق المسلمين " ( 1905 ) لقيادة معارك التحرر الوطني من الاحتلال الروسي .
( لم تسمح روسيا القيصرية بعقد مؤتمره التأسيسي ، فاستأجر المؤسسون سفينة بضائع حملتهم على نهر الفولجا وقبل أن تصل إلى حيث تفرغ البضائع كان من حملتهم قد فرغوا من تأسيس الحزب ) . ويذهب داعية الجامعة الإسلامية عبد الرحمن الكواكبي إلى اعتبار جبهة " الجامعة الإسلامية " رابطة دفاع وطني ضد تسلط الأتراك المسلمين . وما أن تبدأ محاولة اغتصاب فلسطين حتى يندفع " الإخوان المسلمون " من مصر ويقاتلوا قتالاً باسلاً دفاعاً عن فلسطين العربية ، ويستدركوا ما فات في وثائقهم فيضيفوا " الوحدة العربية " قبل الوحدة الإسلامية ، وفي الإتجاه إليها ، هدفاً من اهداف جماعتهم ( فقرة 104 ) . وفي المشرق العربي ، حيث التحرر العربي يواجه السيطرة التركية لم يلبث الوعي القومي أن يفلت من مرحلة التضاد الظاهري الذي خلقه تظاهر المسيطرين الترك بلإسلام ، فيجمع ابتداء من عام 1943 بين القومية والإسلام في علاقة " استقلال وتكامل " في سبيل البعث . . ( 1960 ) . ثم مايزال الوعي القومي على حقيقه العلاقة بين العروبة والاسلام ينمو من خلال التجربة ومن خلال العلم إلى ما تخوض فيه من حديث قريب مما يخوض فيه كثيرون من أبناء هذه الأمة العربية المسلمة ، بعضهم يجتهد في الإسلام وبعضهم يجتهد في العروبة ، وغاية كل اجتهاد أن يرد على حملة التخريب والتغريب التي شنّها على الأمة العربية الاستعمار الظاهر وطبقته العميلة . وقد بلغ الاجتهاد في الإسلام حدّاً احتضن فيه ، بالإضافة إلى هدف التحرر ، وهدف الوحدة ، هدف الاشتراكية ، وطالعتنا من صفوف العلماء بالدين ، و " الإخوان المسلمين " كتب وكتابلت ومواقف تساند حركة التقدم العربي بما تعرفه من الآيات والأحاديث وسوابق التراث . . .
وكان كل هذا مصدر قوة هائلة لحركة التحرر العربي . وكان مزيد منه لابد أن يؤدي إلى اجابة حاسمة ونهائية عن السؤال : لماذا كانت الهزيمة 1967 ، وما العمل ؟
ولكن . .
212 -ولكن قد حقق الاستعمار الامريكي اهدافه من حرب 1967 في اتفاقيات كامب دفيد ( 1979 ) ، واصبحت مهمته التالية " استقرار الوضع نهائياً " ، ولن يكون ذلك إلا بتدمير " الإنسان العربي " وليس بتخريبه فقط . لابد من تفريغ هذه الأمة من مصدر قوتها الحضاري . لاتكفي التجزئة . لابد من التفتيت . لقد قطعت التجزئة الاقليمية حبل الاعتصام القومي . واثبتت هزيمة 1967 أن حبل الوطنية الاقليمية أوهى من أن يعتصم به . فلاذ كل مذعور من الضياع بما يعصمه من علائق أدنى : الطائفية . ولم يكن غريباً أن تبدأ طائفة في لبنان الحرب الأهلية لتقسيم لبنان بعد أقل من شهرين من توقيع اتفاق فض الاشتباك الثاني بين حاكم مصر والصهاينه ( أول أيلول / سبتمبر 1975 ) وأن تبدأ بعدها محاولة انفصال طائفي بربري في المغرب ، وفي السودان ، وفي مصر . . . ولم لا ؟ !
منذ 1948 والصراع العربي الصهيوني دائر حول نقطة مركزية : لمن تكون أرض فلسطين ؟ وليس ثمة أيّ خلاف بين العرب والصهاينة حول هذه النقطة . يقول العرب ان فلسطين أرض مغتصبة من الشعب العربي . فلسطين ليست محتلة أرضاً وبشراً كما كان الوضع قبل 1948 ، بل فلسطين الأرض اغتصبت وأخليت من الشعب العربي إلا القليل واستوطنها الصهاينة الغاصبون ، وأقاموا عليها دولة أسموها اسرائيل . إن واقع أمرها قريب الشبه بالواقع الاسترالي والامريكي بعد ابادة البشر إلا القليل وإقامة مجتمعات ودول من المهاجرين عليها ينحصر الفرق في أن الشعب العربي لم يبد ولكنه يحيط بأرضه المغتصبة إحاطة كثيفة يريد استردادها .
هذا هو الواقع من وجهة نظر عربية . ولاتختلف الرؤية الصهيونية لهذا الواقع عن الرؤية العربية إلا في التقويم فعندهم فلسطين أرض اغتصبها العرب من الشعب اليهودي منذ الفتح الإسلامي . فلسطين لم تكن محتلة أرضاً وبشراً قبل 1948 ، بل فلسطين الأرض اغتصبت منذ أربعة عشر قرناً واخليت من الشعب اليهودي إلا القليل ،
واستوطنها العرب الغاصبون وضموها إلى دولة سموها دولة الخلافة إلى أن احتلها الانكليز . ان واقعها كان قريب الشبه بالواقع الاسترالي والامريكي بعد إبادة البشر واقامة مجتمعات ودول من المهاجرين إليها . ينحصر الفرق في أن الشعب اليهودي لم يبد ولكنه تشتت في أقطار الارض إلى أن قادته الحركة الصهيونية إلى فلسطين لاستردادها خالية من البشر فاستردها واقام عليها دولته اسرائيل .
بصيغة أخرى يرى العرب أن فلسطين قد تعربت أرضاً وبشراً منذ الفتح الإسلامي ، وهم لايستطيعون تفسير أو تبرير هذا التعريب إلا بقوانين تطور المجتمعات من القبائل إلى الشعوب إلى الأمم ، وتطور الحضارة من قبلية إلى شعبوية إلى قومية ، ودور الإسلام في البناء الحضاري العربي ، أي لايستطيعون تفسيره أو تبريره إلا بردّه إلى أصوله القومية ، حينئذ تكون فلسطين جزءاً من الأمة العربية ويكون تحريرها داخلاً في نطاق حركة التحرر القومي العربي .
وصيغة اخرى يرى الصهاينة أن الفتح الإسلامي ليس إلا غزواً وعدواناً غير مشروع ، مجرداً من الفاعلية الحضارية ، بل هو مثل كل الغزو العدواني معطل للتطور الحضاري ، وبالتالي فإن من حق اليهود أن يقاتلوا الغزاة ويطردوهم من الأرض ويستردوها ليستأنفوا مسيرتهم الحضارية . وهكذا أسموا حرب 1948 حرب التحرير . .
ومن هنا كانت قضية الصراع حول أرض فلسطين " لمن تكون ؟ " قضية المسلمين في جميع أنحاء الأرض . لأنه صراع يتصل بمشروعية الفتح الإسلامي وحق المسلمين في العيش في سلام على الأرض التي أسلموا فيها أو حملهم الإسلام لإليها منذ 14 قرناً . ولكنها من ناحية أخرى كانت قضية كل الشعوبيين الذين بقوا من سلالة الذين كانوا يقيمون في تلك الأرض قبل الفتح الإسلامي ، مثل الأشوريين في الشام ، والاقباط في مصر ، والبربر في المغرب . وكان انتباه كل الأطرف مشدوداً لمعرفة ما الذي سينتهي إليه الصراع . ولم يكن الصراع لينتهي بالانتصار في الحروب ، ولكن بإقرار أحد طرفي الصراع بحق الطرف الآخر في أرض فلسطين . إن أقر اليهود بأنها أرض عربية ينتهي الصراع وتبدأ مشكلة السكان وماذا يفعل العرب باليهود منهم . وإن انتهت بإقرار العرب بحق الصهاينة ، فقد اقروا في الوقت ذاته بحق كل بقايا الشعوب التي فتحها الإسلام بحقهم في تحرير أوطانهم من الغزو الإسلامي وتحريرها واستردادها كما فعل الصهاينة . . وكان كل طرف يحضر نفسه لمواجهة الموقف حين يثبت لمن الحق . وإذا بهم يشهدون في أول أيلول / سبتمبر 1975 أكبر دولة عربية إسلامية ، تقرر فجأة الاعتراف باسرائيل . الاعتراف بأن بقايا الشعب الذي كان في فلسطين يوم الفتح الإسلامي من حقّه أن يسترد أرضه ، وما يعنيه من الإقرار ضمناً بأن الفتح اإسلامي كان غزواً عدوانياً غير مشروع . . فدخل المسلون مرحلة الخطر الحالّ عليهم وعلى دينهم وأرضهم . . وكان المفروض والمتوقع من أي شخصية مسامة سوية تكثيف الجهود والتحامها على المستويات المادية والبشرية ، والفكرية والدعائية والقتالية ، دفاعاً عن العروبة باسم الاسلام .
213 -ومن ناحية أخرى كان القوميون يدركون ، منذ بداية وعيهم القومي ، أن فلسطين جزء كأي جزء من أمة عربية مكتملة التكوين ، وأن اغتصاب فلسطين هو اغتصاب واقع على جزء من الوطن العربي لابد أن يسترد بصرف النظر عن هوية أو جنس أو دين أو لغة أو لون المغتصبين .
وما كانوا يستطيعون تبرير هذا الموقف أو تفسيره إلا بردّه إلى وحدة التكوين القومي الحضاري الذي انشأ به الإسلام أمتهم بعد أن كانت قبائل وشعوباً ، فإذا بهم يشهدون في أول أيلول / سبتمبر 1975 اكبر دولة عربية إسلامية تقرر فجأة الاعتراف باسرائيل . الاعتراف بأن القبائل والشعوب ماتزال باقية كما كانت في مراحلها المتخلفة ، وأن أمتهم العربية لاوجود لها أو لاتستحق الوجود .
فدخل القوميون مرحلة الخطر الحال على أمتهم .
وكان المفروض والمتوقع من أي شخصية عربية سوية تكثيف الجهود والتحامها على المستويات المادية والبشرية ، الفكرية والدعائية والقتالية ، دفاعاً عن الإسلام باسم العروبة .
214 - كان هذا هو المفروض والمتوقع والممكن . ولو تحقق لكان قميناً إن عاجلاً وإن آجلاً بأن يحشد الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج تحت راية قومية واحدة ، رمزاً لوحدة وطنها العربي وحضارتها الإسلامية ، ولاستجاب لدعوته كلّ عربي سويّ الشخصية لأنه حينئذ لايستجيب إلا لنزوعه التلقائي على السجية ولاشتعلت الأرض العربية ثورةً تحرق حدود التجزئة ، وتطهّر فلسطين وتهزم الإمبريالية الأمريكية ، ولأسهم فيها كل عربي سويّ الشخصية ، لأنه حينئذ يثور دفاعاً عن ذاته .
ولاشك عندنا في ان الإمبريالية الأمريكية ، بما هو في حوزتها من إحصاءات ومعلومات ، وبما لديها من علماء وباحثين ودارسين ، وبما هي متقدمة فيه من علوم تاريخ الحضارات ، والحضارت المقارنة ، علم الحضارات التطبيقي ، وبما تملكه من تفوق في أدوات الإعلام والدعاية وغزو العقول ، كانت تتوقع هذا المفروض المتوقع ، وتعدّ العدّة حتى لايكون ممكناً . فسلطت وبطرق مباشرة وغير مباشرة ، على الشعب العربي جماعة سبق أن ضربتهم التجزئة وغرّبتهم ، فكانوا أوهن شخصية من أن يتمرّدوا على مايراد منهم أو ان يرفضوا ، وكوّنت منهم ، سواء عرفوا أو لم يعرفوا ، فرقة هدامة ، غايتها ، سواء قصدت أو لم تقصد ، الإجهاز على الأمة العربية ، بالاسلوب نفسه الذي عرفناه من قبل ، وقوانينه الخمسة المسمّاة قوانين القهر الدعائي ( فقرة 173 ) .
فهم أولاً بدون استثناء يتمتعون في محيطهم الاجتماعي العربي " بمراكز اجتماعية دينية ( فمنهم الائوة ، والمشايخ ، والمتخرجون من المعاهد الدينية وقادة الجماعات الاسلامية ، وأساتذة الشريعة في الجامعات ، وموظفوا الإفتاء في الدول ) ؛ أو علمية ( فمنهم الكاترة ، والأساتذة في الجامعات ، والكتّاب والمثقفون ) ؛ أو مالية ( فمنهم كل أصحاب الملايين من الرأسماليين ورجال الأعمال وأصحاب البنوك ومن قاربهم ثراء من " النفطيين " ) ؛ أو عشائرية ( فمنهم أمراء ورؤساء طوائف ، وقادة أقليات ) . . أي أن كلاً منهم ذو مركز يضفي عليه مقدرةً خاصة على التأثير في صياغة آراء وتحديد اتجاهات مواطنيهم إما عن طريق التوجيه أو عن طريق التقليد " ، وليس من بينهم - على امتداد الوطن العربي - شخص عربي واحد يمكن أن يقال إنه "عادي " . . فهم " لوبي " نموذجي
غاية هذا " اللوبي " ( الفرقة ) ، نقض البناء الحضاري العربي . ولما كان الذين يحركونهم مباشرة ، أو بطريق غير مباشر ، يعلمون علم اليقين من دراسة الحضارة العربية أنها قومية إسلامية ، فقد انشطرت الفرقة إلى فريقين . فريق لنقض المضمون الحضاري القومي الذي يتجسد في وحدة الوطن العربي ، وفريق لنقض المضمون الحضاري الإسلامي الذي يعبر عنه بالدين . ولكن هذا الانشطار لم يلغ وحدتهم كأداة ، ووحدة غايتهم كوظيفة . دلالة هذا أن كلاً منهم يبرر وجود الفريق الآخر ويدعمه ويغذيه . فالاجتهاد في الاسلام مباح ومرغوب . كان كذلك دائماً ، وما يزال كذلك ، سواء كان ثمة دعوة إلى العلمانية أو لم تكن . فيركز الفريق الأول على ما يسميه التيار العلماني ، ويجسم خطره ، ويسند إليه الكفر البواح ويحرض عليه المسلمين ليبرر وجود فريق علماني ويدعمه ويغذّيه . والفكر العلماني ( الفردي الليبرالي الرأسمالي ) كان موجوداً منذ وجود الاستعمار ، وقد تأثر به دعاة الإصلاح الديني والاجتماعي ممن اتصلوا بأوروبا وأعجبوا بنهضتها حتى قبل الاستعمار ومثالهم رفاعة الطهطاوي ؛ بل ان حركة التجديد الاسلامي كانت رداً على الموجة العلمانية الأوروبية تأثرت بها بما تنطوي عليه من اقرار بأن " التقليد " السلفي كان حائلاً بين المسلمين وبين مباراة الأوروبيين في التقدم ، ولكن الفريق الثاني من اللوبي يركز على ما يسمّيه التيار الإسلامي ، ويجسم خطره ويسند إليه الجمود الرجعي ، ويحرض عليه المتطلعين إلى التقدم ، ليبرر وجود فريق ديني ويدعمه ويغذيه . وهما ، الفريقان ، يتبادلان " الاعتراف " ليكون وجودهما مشروعاً . فمع أن كل دعاة العلمانية يعرفون أن ليس في الاسلام كهانة ولا رجال دين ولا مؤسسة دينية ، إلا أنهم يتحدثون عن الفريق الآخر بصفتهم " رجال الدين " ، وبهذه الصفة يميزون أنفسهم عنهم ويميزونهم ، ويمدونهم بأسباب الكهانة ويعترفون لهم بها ، فإذا بالكهنة يتخذون من الدعوة العلمانية وفريقها مبرراً ليحتكروا لأنفسهم الإسلام عنواناً وعقيدة وشريعة وتفسيراً وفقهاً واجتهاداً بحجة أنهم يردون عن الأمة مخاطر فريق العلمانيين . وهما معاً يثيران معركة فيما بينهما محرّكها من منهما أكثر مقدرةً على نقض التكوين الحضاري للأمة العربية . فباسم الإسلام يناهض فريق منهم القومية حتى يندسّ في العقول ، انه لاتوجد قومية ، فلا توجد أمة عربية ، فلا يوجد وطن عربي ، فلا يهم الإسلام من الصراع العربي الصهيوني إلا تحرير " بيت المقدس " أولى القبلتين وثالث الحرمين فيختصر الصراع على الوطن إلى صراع على مبنى . وباسم التقدم يناهض الفريق الآخر الإسلام نظاماً ، ليفسح مجالاً لقبول الناس نظاماً فردياً في ذات جوهره ، لتنفرط الأمة العربية أفراداً ، لكل واحد منهم انتماؤه إلى ذاته ، وولاؤه إلى مصلحته .
وليس ما يقوم به أي فريق منهما دعوة إسلامية أو علمانية ، بل هي " دعاية " صريحة " لاعلاقة لها بالاجتهاد الفكري في شؤون الدين أو في شؤون الدنيا .
215 - فكل فريق منهما يركز على مقولة بسيطة : مبدأ أو شعار " يبثه ويكرر بثه بدون تشتيت انتباه الجماهير إلى فرعياته أو تطبيقاته أو آثاره حتى يصبح لصيقاً بالعقل الواعي أو بالعقل الباطن ، بحيث أن مجرد ذكره يضع المتأثر به في وضع نفسي وعصبيّ وفسيولوجي معيّن يجعله قابلاً للتصرف المستهدف " ( قانون القهر الدعائي الأول - فقرة 159 ) .
فريق يرفع شعار " الشريعة الاسلامية " ويركز على أن الهدف الوحيد الأوحد الذي يجب أن تتجه إليه الجهود هو تطبيقها وفوراً ، ولكنه لايقول ماالذي يقصده على وجه التحديد بالشريعة الإسلامية ، هل هي شرع الله كما جاءت به الآيات المحكمات في القرآن ، أم هي المذاهب الفقهية ؟ وإذا كانت المذاهب الفقهية ، فهل هي مذاهب القرون الأولى بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ، أم هي مذاهب تقوم على أصول من القرآن حتى لو اجتهد فيها المعاصرون ؟ وإذا كانت المذاهب الفقهية السلفية فأي مذهب يعنيه بالشريعة الاسلامية ؟ وإذا اختار مذهباً ، وفي كل المذاهب آراء مختلفة وراجحة ومرجوحة ، فأي رأي يريد له أن يكون هو الشريعة الاسلامية؟
فإن كانت الشريعة الإسلامية هي انتقاء مايلائم مصالح المسلمين في هذا العصر ، فمن الذي ينتقي ويختار ؟ وإذا كان هو الذي ينتقى ويختار فما الذي انتقاه واختاره ؟ وإذا كان قد انتقى ، فما هي قواعد الشريعة الاسلامية التي يرى أنها ملاءمة لتنظيم وتحقيق مصالح المسلمين في هذا العصر ولم يكن لها سابقة في المذاهب؟ . . . . لو كان داعية لأجاب وكتب ونشر الصيغة التي يراها لعلاقات البشر في هذا العصر بما يحقق مصالح المسلمين ، كما فعل بعض الدعاة في الوطن العربي وخارج الوطن العربي . ولكنه ليس داعية ، إنه جهاز دعاية لاأكثر ولا أقل ، فيكتفي بالشعار ، المبدأ .
216 - أما فريق العلمانيين من " اللوبي " الموّحد فهو يرفع شعاراً أصبح " مودة " هو " حقوق الإنسان " . وقصة حقوق الإنسان هذه من أغرب قصص الفكر الليبرالي ومؤلفات عصر التنوير الأوروبي . لعلنا نقصها يوماً بالتفصيل . يكفينا الآن أن نعرف أن " حقوق الإنسان " عنوان أو شعار أو مبدأ مجرّد . وهي على مستواها هذا تعتبر نموذجاً مثالياً لإغواء العقول واغتصابها . وأين الإنسان الذي لايستهويه أن تكون له حقوق مقدسة سلبقة على مجتمعه ، وأسمى من أي نظام فيه ؟ ان العنوان وحده يكفيه ويرضيه ويغريه . أما ماهي هذه الحقوق ؟ وما هو مصدرها ؟ وكيف تتحقق في الواقع ؟ وفي أي مجتمع ؟ وفي أي زمان ؟ فلا أحد يقول ولا أحد يسأل إلا بعد أن تصبح " حقوق الإنسان - الشعار " لصيقة بالعقول الواعية وغير الواعية . حينئذ قد يعرف الضحية أن اغتصاب عقله أو تدمير حضارته يستحق الاستسلام ، لأنه ممارسة لحرية الرأي وحرية التعبير
" دون تقيد بقيمه الحضارية " فيستسلم . أما إذا سأل : ماهي هذه الحقوق ، فإن العدّ لاينتهي . فمنذ صدور ديتور ولاية فرجينيا الامريكية ( 12 حزيران / يونيو 1776 ) ثم صدور إعلان استقلال الولايات المتحدة الامريكية الذي صاغه جيفرسون ( 4 تموز / يوليو 1776 ) ثم إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية ( 27 آب / اغسطس 1789 ) ثم إعلان حقوق الشعب العامل الذي أصدرته الثورة الروسية (16 كانون الثاني / يناير 1918 ) حتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته هيئة الأمم المتحدة ( 10 كانون الأول / ديسمبر 1948 ) ، وحتى الآن ، صدر نحو خمسين إعلاناً وميثاقاً واتفاقاً دولياً حول حقوق الإنسان ، وقد يمتد العدّ راجعاً ليشمل العهد الكبير ( 1215 ) وبيان الحقوق ( 1627 ) وقائمة الحقوق (1668 ) التي صدرت في انكلترا واستقت منها اعلانات حقوق الانسان الامريكية كثيراً من مبادئها المعلنة . ولابد أن يمتد العد إلى ماتزال هيئة الأمم المتحدة مشغولة بصياغته من حقوق . ولن يفتقد هواة العد والاحصاء في أغلب الدول دستوراً أو وثيقة تعتبر بالنسبة إلى مصدريها بياناً أو إعلاناً لحقوق الإنسان . وحين يصل العدّ إلى دول امريكا الجنوبية حيث إعلانات حقوق الإنسان أكثر شمولاً وأكثر صرامة ، سيجد أن تلك الدول قد تقدمت منذ عام 1948 في جميع المجالات ، ولو تقدماً بطيئاً ، إلا في مجال احترام حقوق الإنسان فإنها تتخلف سنة بعد سنة كما قال جروس اسبيل الاستاذ في جامعة مونتفيديو ( أورغواي ) فيما نشرته منظمة يونسكو عام 1978 .
ولقد ظن أنور السادات الرئيس السلبق لجمهورية مصر العربية ، يوماً ، ان مصر العربية لم يعد ينقصها ، في ظلّ حكمه ، إلا أن تصدر إعلاناً لحقوق الإنسان ، فاستفتى الشعب في هذا الظن يوم 20 نيسان / ابريل 1979 ، ثم أعلن أنّ الشعب العربي في مصر قد وافق بأغلبية تتجاوز 99 بالمائة على إصدار " إعلان حقوق الإنسان المصري " .ولم يصدر الإعلان قط . ربما لأن القضاء العالي في مصر كان له رأي ىخر . فقد كانت المحكمة العليا منعقدة لتقضي في دستورية بعض القوانين ( الدعوى رقم 1 لسنة 36 قضائية ) فقضت يوم 5 نيسان / ابريل 1975 ، بأن الميثاق " الذي قدمه جمال عبد الناصر إلى المؤتمر الوطني للقوى الشعبية فأصدره يوم 30 يونيو 1962 هو بمثابة إعلان لحقوق الإنسان في مصر . . . "
إن واحداً من حقوق الانسان التي تبهر المثقفين والساسة ، ويضفون عليها القدسية ، ربما من أجله ، هو حق العمل الجماعي المنظم في صيغه المتعددة من أول الجمعيات الخيرية إلى النقابات المهنية إلى الأحزاب . لقد نصت المادة العشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقالت : " لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية " ومنذئذ أصبح عنواناً ثابتاً في برامج أغلب الأحزاب . ومن غرائب قصة حقوق الإنسان أن هذا الحق ذاته كان يعتبر في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية " اعتداء"
على حقوق الانسان المقدسة . إذ أن التزام الفرد المنتمي إلى جماعة بما تقرره الأغلبية هو إهدار لحريته الفردية المقدسة في أن يختار لنفسه ما يشاء . فأصدرت الثورة الفرنسية فيما بين 14 و17 حزيران / يونيو 1791 مجموعة من القوانين عرفت معاً باسم " قانون شابليير " تدين وتحرم تأسيس الجمعيات أو النقابات أو المنظمات الجماعية . . . الخ .
إن الطرح الليبرالي لشعار " حقوق الإنسان " مجرداً من مضمون محدد في زمان معين ومجتمع معروف ، قد استفز من قبل كثيراً من المفكرين في أوروبا ذاتها فأنكروا واستنكروا فكرة الحقوق المقدسة السابقة على وجود المجتمع ( اميل دوركهايم - جورج دافي - دي بونالد -جوزيفدي ميستير - هانس كيلس ) . . الخ : ( فلسفة الليبرالية تأليف اميل ميرو ( 1950 ) . أما في العالم الثالث الذي ننتمي إليه فيكفي أن نضرب مثلاً من المؤتمر الذي انعقد في كلبول عاصمة افغانستان ، مابين 12 و14 أيار / مايو 1964 لدراسة " حقوق الانسان في الدول النامية " حيث كاد الاجتماع أن ينعقد على أن المفهوم المجرد لحقوق الانسان يمثل على المستوى التطبيقي ترفاً قد تستطيع الدول المتقدمة تحقيقه ، أما الدول النامية فهي في حاجة إلى دولة " راعية " مسؤولة عن أن تحقق لرعاياها التنمية الكافية ليكون الإنسان إنساناً ، وهو لايكون إنساناً إذا أخضعه الفقر والمرض والجهل لما يخضع له البهائم من قوانين غريزية .
في يوم 22 تشرين الأول / اكتوبر 1984 نشرت جريدة الأهرام القاهرية مقالاً مضيئاً أنشأه الفيلسوف العربي ، شيخ الفلاسفة ، د . زكي نجيب محمود أطال الله بقاءه . كان المقال عن حرية التفكير . والتفكير عند الأستاذ الجليل هو : "عملية ذهنية ترسم خريطة ، أو خطة ، العمل المؤدي إلى تحقيق هدف ما " . والتفكير الحر هو الذي لايتدخل أحد ذو سلطان في طريقة رسم الخريطة . واستنكر د . زكي نجيب محمود هذا التدخل وأسماه قتلاً
لحرية التفكير ، ثم أراد أن يثبت الجريمة بأدلة علمية قائمة على " أرض في صلابة الحديد " كما قال . خلاصة تلك الأدلة أن الكلمة ليست هي الشيء الذي يعبر عنه ، بل هي رمز تنوب عن الشيء الذي اصطلح أصحابها على أن تنوب عنه .فتحول الفكرة إلى كلمة لايعني أن الكلمة قد حولت الفكرة إلى شيء ، إلى واقع .
ولكن إذا كانت الكلمة هي لاشيء ، فلماذا ، إذن ، لايقف المفكر عند حدود التفكير بل يتجاوزها - في بعض الأحيان - إلى التعبير ؟
إن المفكر لايكف ، الوقع أنه لايستطيع وهو يقظ أن يكف ، عن التفكير . أو بتعبير د . زكي نجيب محمود لايكف المفكر عن رسم خرائط وخطط عمل تؤدي إلى تحقيق أهداف معينة ، فيعبر عنها أي يعرضها على الغير . يصوغها مقالاً من لبكلمات مثلاً والغير هنا هم الناس . وهو لايعرضها على الناس تخلصاً منها كما لو كانت إفراز مخّه ولكنه يعرضها عليهم ليحدث فيهم أثراً هو إقناعهم بصحتها ، ثم ليحدث بهم أثراً هو تحويل "الفكرة - الخطة " إلى حركة ، وتحقيق الهدف في الواقع : واقعه وواقع الناس ، أي الواقع الاجتماعي المشترك.
ولقد قال د . زكي نجيب محمود إن حرية الفكر لاتبدأ من فراغ ، وهذا حق . وقال إن هناك طرفين لكل موقف فكري ، الواقع والتفسير . وهذا حق أيضاً . ولكن عندما يضاف التعبير إلى التفكير يصبح لكل موقف فكري أطراف ثلاثة : الواقع - الفكر - الواقع . إذن ، فإن اكتمال العملية الذهنية المسماة تفكيراً بالتعبير عنها يحوّلها من اختبار للذات إلى اختبار للغير ، وهذا لايمكن أن يخفى على شيخ الفلاسفة . وبالتالي تتحول العملية الذهنية إلى نشاط اجتماعي وتتحول حرية التفكير من حرية فردية ذاتية لاتهم أحداً ، إلى حرية اجتماعية تهم عارض الفكرة ومتلقيها . وهكذا نرى أن الكلمة التي ليست هي " الشيء " الذي ترمز إليه هي دعوة موجهة إلى الناس إلى تحقيق هذا الشيء في مجتمعهم .
نصل هنا إلى صلب الموضوع .
هل لأي إنسان حرية دعوة الناس إلى إحداث " أي شيء " ؟ . أجيب عنه إجابة أرجو أن ترضيه : نعم لأي إنسان حرية دعوة الناس إلى إحداث أي شيء في المجتمع . مصدر هذه الحرية ، أو الحق ، كما أفضل أن أسميها ، أنه شريك لهم ومعهم في واقع هذا المجتمع ومصيره . وهو المصدر ذاته الذي يخوّل كل إنسان آخر الحرية أو الحق في أن يدعو الناس إلى أفكار وخطط وأهداف تناقض أو تلغي ما دعا إليه الأول . وهكذا لا يملك أحد ، ولا السلطة ، حق التدخل في حرية التفكير مطلقاً ، ولا في حرية التعبير إلا في حالة واحدة : إلغاء المصدر المشترك لهذه الحرية . أعني المساس بوحدة المجتمع المشترك . المساس بوحدة المجتمع ، أو المساس باشتراك الناس فيه .
نضرب أمثلة للايضاح .
يولد الناس فيجدون أنفسهم منتمين ‘لى وطن معين لم يختاروه لأنفسهم . من هنا تصبح العلاقة بالوطن (الوطنية) علاقة المواطنين جميعاً بالوطن المشترك ، علاقة مشاركة تاريخية ، كما يقولون ، تعبيراً عن أنها ناتج تطور تاريخي طويل ، وليست من ‘نشاء إرادة منغردة وقتية . وهو ، أي الوطن ، مشترك بين أفراد كل جيل وفيما بين الأجيال المتعاقبة . وحدة الوطن المشترك هي ذاتها العامل الرئيسي ، أو أحد العوامل الرئيسية التي تحول الناس من أفراد إلى مجتمع . وقد لايتفق المواطنون في رسم خرائط أو خطط لما ينبغي أن يكون في المجتمع ، وفي هذا يمارسون حرية التفكير بلا حدود وحرية التعبير بلا قيود . وقد تنتهي حرية التفكير بأحدهم إلى رسم خطة هجرة ، وتنازل عن جنسيته . . الخ ولكن أحداً منهم لايملك حرية دعوة الناس إلى" أفكار - خطط " عمل ، لتحقيق هدف التنازل عن جزء من الوطن ، أو تقسيمه ، أو قبول اغتصاب جزء منه أو قبول تجزئته .
مثل آخر . من العوامل الرئيسية التي تحوّل الأفراد إلى مجتمع " النظام " . المجتمع هو أفراد منظمون بقواعد سلوك عامة ومعلنة تتدرج صاعدة من اللائحة إلى القانون إلى الدستور . وقد لايتفق المواطنون في مدى مطابقة خطة العمل المعلنة في قواعد هذا النظام لأفكارهم . وفي هذا يمارسون حرية التفكير بلا حدود وحرية التعبير بلا قيود . وقد يصل الأمر بهم أو ببعضهم إلى حد الدعوة إلى تغيير النظام جملة . ولكنّ أحداً منهم لايملك حرية دعوة الناس إلى " أفكار - خطط "عمل لتحقيق الفوضى .
لست أتوقع إنكاراً لما تقدم ، وعلى من يشك في صحته أن يراجع أي قانون عقوبات في أية دولة ، فسيرى أن عقوبة الإعدام وما يقاربها قسوة مدّخرة جزاءً على محاولة المساس بالتحريض ، أو بالاتفاق ، او بالمساعدة ، او بالفعل ، بسلامة الوطن ووحدته ، أو بالمبادىء الأساسية التي يقوم عليها النظام في المجتمع ( تعاقب المادة 78 أ من قانون العقوبات المصري بالاعدام كل من تدخّل لمصلحة العدو " لإضعاف روح الشعب المعنوية أو قوة المقاومة عنده " ) . فنسأل : أليس الاقليمي إنساناً ، أليس المستغل إنساناً ، أليس الخائن إنساناً ، أليس الظالم إنساناً ، أليس الصهيوني إنساناً كما أن العربي إنساناً ؟ فلماذا لايقول حملة شعار " حقوق الإنسان " من هو الانسان الذي يعنونه ؟ وما هي الحقوق التي يقصدونها في الوطن العربي ؟ ثم ، أليس من حق الإنسان العربي أن يختار وطنه ويختار النظام الذي بعيش في ظلّه اختياراً حراً بدون إكراه ؟ إذن فدعوه يختره حراً ، فإنه سيختار الوحدة العربية دولة والإسلام نظاماً لأنه - وهذا من سوء حظ الليبراليين العرب - شعب عربي جميعاً
مسلم الأغلبية ، فهل يقبلون ؟ إنهم لايقبلون ولا يرفضون لأنهم لايقولون ، لأنهم أصلاً ليسوا قائمين على دعوة
بل قائمين على دعاية . وإلا فليقل لنا واحد منهم ماهو على وجه التحديد الذي لايعجبه في الإسلام نظاماً ؟ ولماذا ؟ وماالذي يقترحه بدلاً منه ؟ وأرجو ألا يقول لنا أحد منهم : لااعتراض على الإسلام أو الشريعة الإسلامية لولا أن الذين يطبقونها بشر ، لأنه قد يسأل : أين الشريعة أو القانون أو المبدأ أو النظام . . . الذي لايطبقه بشر ، حتى لو كانت الليبرالية ؟
217 -وكل من فريقي " اللوبي " ينفذ على وجه صاخب ومنفعل القانون الثاني من قوانين القهر الدعائي . فليس همّ أي واحد منهما منصباً على إقناع الناس بشعاره وما ينطوي عليه من حلول لمشكلات الحياة ، بقدر ماهو منصب على تجسيم وإبراز القصور الفكري أو الفشل التطبيقي في " المبدأ - الشعار " الآخر . ليبقى " شعاره - مبدأه " بعيداً عن أي حوار جماهيري وتنصرف ملكات الجماهير في الحوار إلى ماهو ضده ، ويتحول هو إلى مقولة مسلّمة أو تبدو مسلّمة . وهما في هذا يثيران معركة نكراء لاهم لأحدهما إلا نقد الآخر .
218 - وفي هذه المعركة يحاصران انتباه الشعب ويصرانه في ثنائية الشعار وضده ( الشريعة الإسلامية والعلمانية ) ولا يسمحان للناس بأن يلتفتوا إلى قضايا أو مبادىء أو شعارات أو مشكلات أو حتى آمال أخرى .
مازال كل منهما يثير معركته ضد " مبدأ - شعار " دفاعاً عن " مبدأ - شعار " ، حتى كادا يلهيان الشعب عن الأرض المغتصبة ، والاستعمار المسيطر ، والديون الثقيلة ، والفقر المدقع ، والثراء الفاحش ، والفساد الإداري وعذاب الحياة اليومية الذي ينصب على رؤوس المعذبين في الأرض العربية . ذلك لأنهما ليسا أصحاب دعوة ، ولكنهما يقومان بالدعاية لحساب أصحابها ، فهما يلتزمان قانون الدعاية الثالث في الحصر الثنائي .
219 - وكل منهما لايكف عن اتهام الماضي وإدانته ويلتقط من بين أحداثه أحداتاً ، ومن بين مراحله مرحلة ، ومن بين أشخاصه أشخاصاً لبنسب إلى الماضي بكل أحداثه ومراحله وأشخاصه ، على مدى قرونه الطويلة ، الهزيمة والفشل والتخلف ، قياساً على مستقبل يصوغه من آماله وأحلامه التي لايعرف أحد كيف تتحقق ، وهي عند فريق آمال وأحلام أوروبية ولكن بدون أوروبا الأرض والبشر والتاريخ والحضارة . وهي عند فريق آمال وأحلام عصر الرسالة والخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، ويضيفون إليهم الأموي عمر بن عبد العزيز ، ولكن بدون خاتم الرسل ، وبدون مكة والمدينة والأعراب والردة والفتوح والفتنة ، وعصر ماقبل نشوء الأمم والدول ، وعلى وجه خاص عصر ما قبل نشوء النظام الرأسمالي الاستعماري الاستغلالي الذي هو مشكلة البشرية في هذا العصر . هذا بالرغم من أت كلاً من الفريقين يعرف تماماً أن لماضي لايعود ولايلغى ، وأنه غير قابل للاستعادة أو الإلغاء ، وأن مانحن عليه هو المحصلة النهائية لما لاحصر له من هزائم وانتصارات ، وما لاحصر له من التخلف والتقدم ، سواء أعجبنا مانحن عليه أم لم يعجبنا ، وأن البكاء على الأطلال لايغير الحال ، وتفاخر العبيد بالجدود لايحطم القيود ، وليس السلف الصالح مسؤولين عن تحقيق مالنا من مصالح . وقد يعلم الفريقان أن ذلك الماضي الذي يدينانه هو الذي خلقنا أمة أرقى تكويناً من كل القبائل والشعوب التي كان أسلافنا ينتمون إليها ، وحوّل الإسلام بنا وفينا من رسالة إلى حضارة . ولكنهما معاً يدينان الإنسان العربي القوي السوي الحضاري بما كان من امره يوم أن كان في براءة الطفل وعجزه . ذلك لأنهما غير قائمين على دعوة حضارية بل قائمين على دعاية ضد الحضارة العربية فهما يطبقان القانون الرابع من قوانين القهر الدعائي .


220 - وأخيراً فهما على التزام حديدي بالقانون الخامس من قوانين القهر الدعائي . فهما غير معنيين بالحديث عما بين الأفراد والجماعات من فروق روحية أو فكرية أو مادية أو اجتماعية ، وما تولده تلك الفروق من خلاف وتنافس وصراع وقهر ومذلة ، وآثار كل هذا في حياة الناس الواقعية . إنهم يخفون كل هذا " الواقع " في جوف كتلة هائلة من الأفراد النمطيين المجردين من واقعهم الاجتماعي ، يطلق عليهم فريق منهما لفظ " الإنسان"
ويطلق عليهم الفريق الآخر لفظ " المسلمون " حتى لايلتفت فيتمرد واحد من بني " الإنسان " على ما يعانيه في حياته من قهر ومذلة وفقر بفعل واحد آخر من بني " الانسان " . وحتى لايلتفت فيتمرد واحد من " المسلمين " على ما يعانيه في حياته من قهر ومذلة وفقر بفعل واحد آخر من " المسلمين " ( كما التفت الإمام ابن تيمية فحرّض العرب المسلمين على قتال التتارالمسلمين دفاعاً عن وطنهم أو ديارهم كما كان يسمى الوطن ) . ذلك لأن فريقي " اللوبي " العربي لايقومان على دعوة إلى مايصلح الحياة من المساواة والحرية والتقدم ، بل يقومان على دعاية تغلق عقول الناس دون إدراك واقع حياتهم لتبقى مفتوحة لما يدسه فيها " قادة الرأي " من دعاية حتى يفرغوها من الحضارة العربية ليسهل على " قادة الرأي " حشوها بحضارتهم الغربية الغريبة ، اغتصاباً للعقول.

فهل يفلحون ؟

221 - هذا سؤال له أهمية سنتبينها بعد قليل . نكتفي الآن بطرحه لنعرف من الجواب عنه مإذا كان الاستلاب الحضاري ممكناً ، بانتزاع شعب من حضارته أو انتزاع حضارته منه ، وإذابته في بوتقة حضارة الغزاة . والجواب : محال ، إلا بانقراض الشعب نفسه ، إما بالإبادة الجماعية أو بمحاصرته وعزله في ظروف مادية لاتسمح له بالنمو حتى ينقرض كما فعلوا بسكان استراليا الأصليين وبالهنود الحمر في أمريكا . والشعب العربي عصي على الإبادة والمحاصرة ، بالإضافة إلى الإبادة الجماعية أو الحصر حتى الإنقراض قد أصبح في هذا العصر محالاً . وقد أفاد الهنود الحمر وسكان استراليا الأصليون من هذه الاستحالة فبدأوا في التكاثر والنمو . لاتنقرض الحضارات ولكن تنمو نمواً بطيئاً يستغرق قروناً طويلة في الزمان وفي المكان . في الزمان بمواكبة النمو الحضاري لنمو التكوين الاجتماعي خلال التطور من الحضارة الأسرية الى الحضارة العشائرية إلى الحضارة القبلية إلى الحضارة القومية . هنا لايوجد استلاب بل حضارة تنمو ، أو روافد حضارية تتجمع ، لتكوّن حضارة اكثر نمواً . وفي المكان بالتأثير المتبادل بين الشعوب والأمم والحضارات المتعاصرة الذي أصبح ، مع اتساع نطاق ومجالات الاتصال ، يزود بكل حضارة بما يتفق وبنيتها من مصادر حضارية أخرى
تأخذه وتتمثله فيسهم في نموها بدون أن تفقد خصوصياتها المميزة . وإنما يرجع وهم انقراض الحضارات الى أن كل حضارة نامية تتغير بعض مظاهرها خلال عملية النمو ذاتها ، حتى إذا ما كثرت المتغيرات وتراكمت حتى أصبحت مميزة ، اعتبر بعض الدّارسين ، لمقتضيات فنية في دراسة الظواهر ، ان تلك حضارة جديدة ، وان ماسبقها قد انقرض ، وهو غير صحيح لثلاثة أسباب : ان التواصل الحضاري ليس فعلاً إرادياً . انه يتم في مرحلة الطفولة غير المدركة كما قلنا من قبل ( فقرة 177 ) وما دام الناس يتكاثرون بالميلاد فإن الاطفال سينقلون حضارتهم إلى من بعدهم من أطفال حتى يباد أو ينقرض المتكاثرون وليس بغير هذا .السبب الثاني هو أن الحضارة هي ناتج تفاعل جماعي بين الناس وفيما بينهم وبين الظروف البيئية التي يعيشون فيها رحلاً أو مستقرين . وما دامت الجماعة قائمة فإنها تحمل وتنمي حضارتها إلى ان تنقرض الجماعة أو تباد ، وليس بغير هذا . وما تزال بعض القبائل الأفريقية تحمل حضارتها القبلية بالرغم من أن أفرادها قد أصبحوا رعايا في دول تضم قبائل أخرى ويلعب هذا التمايز الحضاري دوراً أساسياً فيما تعانيه تلك الدول حديثة النشأة من صراع وحروب داخلية وانقلابات عسكرية ومذابح بشرية . وسيبقى هذا الصراع قائماً سنين طويلة إلى أن تنشأ ثم تنمو من خلال التفاعل السلمي وغير السلمي ، حضارة وطنية من روافد الحضارات القبلية . السبب الثالث ، الذي يهمنا أكثر من أي سبب آخر ، هو أن الحضارة القومية ، ييميز عن باقي الحضارات بأن الأرض المحددة الخاصة بالشعب المعين ثابتة في الزمان وفي المكان . وبالتالي فإن دورها في بناء الحضارة القومية ، من خلال تفاعل الشعب معها تأثراً وتأثيراً ، وما يسفر عنه من خصائص حضارية يتسم بما لها من ثبات واستمرار . فتتميز الحضارة القومية بثباتها واستمرارها في أفراد الشعب ( شخصياتهم ) ، حتى الذين يهاجرون منها اختياراً أو يغادرونها اضطراراً . وستبقى الحضارات القومية ثابتة في المكان مستمرة في الزمان ، إلى أن تتخطى البشرية مرحلة التكوين القومي إلى أنماط أوسع ، تنشيء حضارات أكثر نمواً ، تكون الحضارات القومية روافدها ، وهو احتمال يقع أبعد من المستقبل المنظور أو المتصور وبالتالي لايعنينا أن ننشغل به قبل أن يقع بقرون .
محال ، إذن ، على "اللوبي" العربي الذي يحاول نقض الحضارة العربية ، ومن هم وراء " اللوبي " من قوى إمبريالية ، أن يفلحوا في نقض الحضارة العربية . ولنا على هذه الاستحالة دليلان من تجربتين تاريخيتين معاصرتين . أولاهما بدأت منذ نحو قرنين ، وثانيتهما بدأت منذ قرن ونصف . اخترناهما لاتصالهما بموضوع هذا الحديث عن العروبة والإسلام . فالتجربة الأولى جرت في الولايات المتحدة الأمريكية بقصد استلاب مضامين حضارية قومية مختلفة ؛ والثانية جرت في اتحاد الجمهوريات السوفياتية بقصد استلاب مضامين حضارية إسلامية . والتجربتان تجريان الأن إلى ماتستحقانه من الفشل النهائي .
نبدأ بالتجربة الامريكية :

ثورة الشباب

222 - في أيار / مايو 1968 اندلعت في جامعة باريس ( السوربون ) ماسميت بثورة الطلاب حيث استولى الطلاب على الجامعة وتولوا ادارتها بما في ذلك اختيار المواد التي تدرس فيها ومناهج تدريسها . ولم يتم إخماد تلك الثورة الطلابية إلا بعد أن اقتحمت قوات الأمن الفرنسي حرم الجامعة العتيدة بالقوة العنيفة حركة المقاومة فيها ، وفضت اعتصام الطلاب ، وقبضت على مئات منهم وفرقت الآخرين . وقد روع الرأي العام الفرنسي أن تنتهك حرمة الجامعة أكثر مما روّعته ثورة الطلاب وضحايا العنف المتبادل بينهم وبين قوات الأمن . فقد كانت حرمة الجامعات وحضارتها قد تحولت على مدى قرون طويلة الى أن تكون إحدى التقاليد الحضارية المستقرة التي يجزع الناس كافة إذ تخترق أو تضطرب . ومن خلال الالتفات المتوتر إلى خطورة خرق هذه التقاليد الحضارية التفت الرأي العام إلى ماوراء ثورة الطلاب .
كان أول ماتبين أن ثورة الطلاب في جامعة باريس هي امتداد لثورة أكثر شمولاً تجتاح الولايات المتحدة الأمريكية يسمونها " الثورة الثقافية المضادة " ويرمزون لها باسم " الزهرة الطفلة " يقوم بها الشباب عامة ، وليس الطلاب خاصة ، ضد أغلب ضوابط السلوك التقليدية في مجتمع رأسمالي صناعي متقدم تكنولوجياً . كما تبين أن احد المحركات الاساسية لتلك الثورة الشبابية الممتدة عبر القارات كتاب من تأليف مفكر اسمه هربرت ماركوز عنوانه الانسان ذو البعد الواحد ( 1964 ) .
وأفكار ماركوز هي محاولة توفيق ، أو تلفيق ، مابين مذهب سيغموند فرويد في علم النفس ، وبين مذهب كارل ماركس في علم الاجتماع . كلاهما حاول أن يحدد العوامل الأساسية التي تتحكم في اتجاهات الفرد ومواقفه وسلوكه في المجتمع . فرويد يردّها إلى المحاولة الفردية الشعورية وغير الشعورية لحل التناقض بين الغريزة الجنسية كمحرك أساسي للفرد ، وبين الضوابط الاجتماعية التي تحول دون " حرية " إشباع تلك الغريزة . وماركس يردّها إلى المحاولة الطبقية الواعية لحل التناقض الكامن في أسلوب الإنتاج بين قوى الإنتاج وعلاقاته في المجتمع غير الاشتراكي . فيأتي ماركوز ويلاحظ أن مجتمع الوفرة الرأسمالي الصناعي المتقدم قد أذاب التناقض في أسلوب الإنتاج فأصبح الأفراد والطبقات الذين كانوا من قبل قوى معارضة متحدي الموقف مع الطبقة الرأسمالية بدون حاجة إلى إرهاب مكشوف ، وتحولوا إلى مساهمين في تدعيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي ، فلم يعد التغيير ممكناً من خلال الصراع الطبقي ولا أصبحت الطبقة العاملة ( البروليتاريا ) أداة تغيير المجتمع الرأسمالي الصناعي المتقدم ذي الإنتاج الوفير . فالتفت ماركوز إلى مالا يزال باقياً من ضوابط الغرائز الجنسية واعتبرها قهراً وإعداماً للحرية بالقدر الكافي لبدء عملية التغيير منها لتتحول بعد ذلك إلى التغيير السياسي . فاختار الشباب كقوة مرشحة للتغيير وقادرة عليه . فدعا الشباب دعوة حارة وملحة إلى الثورة . . . وكانت الثورة . وقال : إنني أرى في معارضة الشباب بالذات لمجتمع الوفرة اهمية تفوق أهمية النتائج المباشرة لهذه المعارضة . إن معارضة الشباب - وهذه هي الأهمية - أصبحت تربط بين الثورة الغرائزية وبين الثورة السياسية في نفس الوقت " .
وقد لخص ماركوز نظريته كلّها خلال حوار علني في " مسرح الأفكار " في نيويورك عام 1968 دار بينه وبين نورمان ميلر الشاعر الامريكي صاحب كتاب لماذا نحن في فييتنام ؟ وآرثر سلزنجر المؤرخ الامريكي واشترك فيه روبرت نويل الشاعر الامريكي الحاصل على جائزة بولتزر ( نشر ملخص وقائع الحوار في مجلة الهلال القاهرية في أول تشرين الأول / اكتوبر 1968 ) .
قال ماركوز وهو يتحدث عن المجتمع الامريكي : " إنني اعتبر المجتمع سوياً - أو غير معتوه - إذا كان يستخدم موارده التكتيكية والمادية والثقافية لا لزيادة الإسراف ، والتخريب ، والاستهلاك الكاذب ، ولكن لكي يقضي على الفقر ، والغربة ، والتعاسة . ففي مجتمعنا القائم لسنا نجد الأغلبية التي تتكون على أساس الوعي الحر والرأي الحر . ولسنا نجد هذه الأغلبية التي تتكون على أساس التعليم المتساوي بالنسبة إلى الجميع . ولا على أساس إتاحة الحرية المتساوية لمعرفة جميع الوقائع . إننا أمام أغلبية مصطنعة و " نمطية " يصنعها تعليم مصطنع ونمطي وإعلام مصطنع نمطي . بمعنى آخر ، لااظن هذه الأغلبية حرة مع أن روح الديمقراطية ذاتها هي أن يكون الشعب سيداً وحراً . كانت هذه فكرة جان جاك روسو وفكرة ستيوارت ميل . وهذه هي الفكرة التي دافع عنها كبار المدافعين عن الديمقراطية منذ البداية . ولم يكونوا يقصدون الشعب كمجموعة ، ولكن الشعب " كأفراد " حقاً يستطيعون التفكير لأنفسهم ، ويحسّون لأنفسهم ، ويكونون أفكارهم الخاصة دون أن يخضعوا للضغوط المرعية التي تمارسها القوى الخاصة والأحزاب السياسية وكل الأطر القائمة الآن " .
223 - ويقول فيكتور بالدريدج عالم الاجتماع الأمريكي في كتابه " علم الاجتماع " إن ثورة الشباب التي بدأت في الستينات في الولايات المتحدة الأمريكية قد انتشرت وانتصرت ، وأصبح كثير من الأمريكيين يتطلعون الى التغيير ويحاولونه على هدي مبادئها . وتبدو دلالة هذا الانتصار من تغير معايير الانتماء التي كانت سائدة من قبل . فمنذ سنين طويلة كان ثمة اعتقاد سائد في الولايات المتحدة الامريكية على أن كل فرد أن يلتزم قيماً ومعتقدات اجتماعية واحدة . ولما كان الشعب الامريكي يتكون من مهاجرين وافدين إليها من أمم أخرى يحملون في ذواتهم القيم والمعتقدات واللغات والتقاليد الخاصة بالأمم المهاجرين منها ، فقد سادت فكرة أن وضع كل أولئك البشر في " بوتقة صهر " تهيمن عليها وتحركها الطبقة الوسطى البيضاء البروتستانتية السائدة ، كفيل بأن تطرح كل فئة قيمها الخاصة وتذوب في تلك الطبقة الوسطى وتتمثل قيمها ومعتقداتها وتقاليدها . وكانت الطبقة الوسطى البيضاء البروتستانتية تعول تعويلاً حاسماً على برامج التعليم ووسائل الإعلام حيث تعرض خصائصها كمثل أعلى .
غير أنه ابتداء من الستينات رفضت كثير من الجماعات هذه النظرية وطالبت بأن تحتفظ بمميزاتها الحضارية وأن تكون تلك المميزات محلّ حماية واحترام . وبأن يسمح لكل جماعة أن تعيش حياتها الخاصة طبقاً لقيمها الحضارية الخاصّة ، وأن تتكلم لغتها ، وأن تكون لها مدارسها الخاصة ، وأن تتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى مجتمع من جماعات متميزة ومتعددة حضارياً ومتعايشة بدون قهر ، وقد أدى هذا إلى أن حلت فكرة قبول التمايز محل فكرة المجتمع المتجانس .
لقد أخطأ ماركوز خطأ جسيماً فيما نسبه إلى جان جاك روسو . ولكن هذا لايهم بالنسبة إلى موضوع حديثنا . المهم أن ماركوز قد كشف في الفقرة الأخيرة من حديثه أنه الابن الشرعي لذات الحضارة الفردية التي يحرض الشباب على الثورة ضد مراحل نضجها وإثمارها . فهو معني بالفرد وغرائزه وحريته وتفكيره وثورته ضد الضوابط الاجتماعية . فلنقل ضد المجتمع . انه يرى الانسان الفرد الحر اللامنتمي إلا لذاته ، ويتصور أن المجتمع الرأسمالي الصناعي المتقدم تكنولوجياً ذا الوفرة ، الذي يتحول الناس فيه إلى حيوانات استهلاكية غريبة أو مغتربة ، طارئاً على مجرى تطور الحضارة الفردية ، في حين أنها أقصى ماوصل إليه تطورها . . انه يراها تنهار فيحرض الشباب على الثورة ليبقيها قائمة . لقد فضحه مفهومه عن الاغتراب ، انه عنده الاغتراب عن " الذات " ، فالأصل عنده والبداية ان الانسان ينتمي لنفسه ، لغرائزه ، لمصلحته ، لقيمه ، لما يريد أن يحققه ووراء هذا المفهوم الخاطىء خطأ أكثر جسامة وهو اعتقاده أن الانتماء اختبار إرادي فهو يدعو إلى شحذ الإرادة لإلغائه أو استبداله .
فما الذي أسفرت عنه ثورة الشباب ؟ انتهت إلى لاشيء في فرنسا حيث الحضارة القومية تقاوم منذ قرون الاغتراب الفردي . أما في الولايات المتحدة ، حيث اجتمعت أخلاط من الجماعات الحضارية " الإثنية " المهاجرة فقد انتهت ثورة الشباب إلى الانتصار على محاولة تغريبها وصهرها في بوتقة الجماعة البروتستنتية سكسونية الأصل . وفشلت محاولة قرنين من التغريب . وأظهر حتى أطفال الذين استجلبوا بالقوة من افريقيا منذ قرنين ، أنهم ما يزالون يحملون في شخصياتهم بقايا من حطام الهياكل الحضارية التي حملها أجداد أجداد أجدادهم .

اسطورة الامام شامل

224 - التجربة التاريخية في الاتحاد السوفياتي أكثر ثراء من التجربة الامريكية بخبرة فشل محاولة انتزاع الانسان من حضارته أو انتزاع حضارته منه أو إحلال هيكل حضاري في شخصيته بدلاً من هيكل شخصيته الحضاري . كما أنها قاطعة الدلالة على عبث الدعوة العلمانية في مجتمع ذي حضارة إسلامية . ذلك لأن التجربة التاريخية لبعض شعوب الاتحاد السوفياتي تقدم نموذجاً فذاً لكيفية تحول الإسلام إلى حضارة ثم بقائه هيكلاً أساسياً لشخصية الإنسان ، ومقاومته كل محاولات الاستلاب أو الاغتراب بدعوى التقدم العلمي والاقتصادي والاجتماعي الذي لاشك فيه ، حتى بعد انحساره عقيدة ، واندثاره نظاماً . ففي الاتحاد السوفياتي، وعلى مدى قرن ، قبل أن يصبح اتحاداً سوفياتياً ، تغيرت " الدولة " من دوقية روسية إلى امبراطورية قيصرية إلى اتحاد جمهوريات سوفياتية ، وتغير أسلوب الانتاج من الزراعة إلى التجارة إلى الصناعة ، وتغيرت علاقاته من الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الاشتراكية ، وتغيّرت العقائد من وثنية إلى دينية إلى ماركسية ، وتوالت الأجيال ما بين أدنى مستويات التخلف إلى أرقى مستويات التقدم حتى انتهت إلى جيل سوفياتي العقيدة والانتماء والنظام ، ومع ذلك ، وعلى مدى الزمان الذي مضى ، لم تستطع الدولة ، ولا استطاع نظامها ، ولا استطاع رعاياها ، أن ينتزعوا من الإنسان في عديد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي الهيكل الحضاري الإسلامي لشخصيته . لانعني - طبعا - الإنسان السوفياتي المؤمن المسلم الذي يؤم المساجد ويؤدي المناسك على واحد من المذاهب السائدة هناك ( الحنفي والشافعي من المذاهب السنية ، والإمامي الاثني عشري والإسماعيلي من المذاهب الشيعية ) ، بل نعني على وجه التحديد الإنسان السوفياتي الملحد الماركسي الشيوعي العضو القيادي أو العضو القائد في الحزب الشيوعي نفسه . لأن الأول ليس حجة على صحة مانقول ، والأخير حجّة لا ترد .
ولقد كانت اسطورة الإمام شامل ، وأساطير وملاحم أخرى محكاً لتمايز الحضارات في شخصية الإنسان السوفياتي وميداناً لصراع لايمت بصلة قريبة للصراع الطبقي وعلاقات الإنتاج ووسائله بالرغم مما أهدرت خلاله من دماء المتصارعين .
225 -وليس الإمام شامل من خلق الأساطير ، بل هو محمد عبد القادر شامل إمام المسلمين في داغستان (القوقاز ) وخليفة الإمام غازي محمد الكمراوي في الإمامة وفي قيادة ثورة التحرر الوطني ضد الاحتلال الروسي على مدى أكثر من ربع قرن ( 1832 - 1859 ) ، وزائر مصر عام 1863 ( بور سعيد ) ، المتوفى بالمدينة المنورة عام 1871 . أما الاسطورة فتحكي في ملحمة شعرية غنائية مثيرة وقائع وبطولات شعب القوقاز في حربه ضد الروس منذ أن بدأ القتال تحت قيادة الإمام منصور ( 1785 ) حتى قيادة الإمام شامل التي حقق فيها من الانتصارات ما تعتبره الملحمة معجزات لاتتحقق لبشر . لقد كان الإمام شامل بطلاً وطنياً وقائداً عسكرياً مقتدراً بكل المعايير ، ولكن شامل الأسطورة هو البطل القومي المسلم الذي تسند اليه الملحمة أفعالاً وصفات تحوله إلى" الرمز " المجسّد لكل قيم وآمال شعبه . فهو المثل الأعلى والحلم الذي يتطلع إليه ويحلم به شعب مقهور . وهو حضارة هذا الشعب في حالة انتصاره ، وعزاؤه في حالة الهزيمة . ولم تكن أسطورة شامل كما هي مصوغة في الملحمة الشعرية إلا واحدة من عديد من الملاحم التي تلعب الدور الحضاري ذاته في الشعوب المسلمة الأخرى التي احتلتها روسيا القيصرية وضمتها إلى روسيا أرضاً وبشراً ، وانتزعت الخصيب من أراضيها ووزعتها على بطانة القياصرة من النبلاء والفرسان ( كان اكثر التوزيع اسرافاً ما وزعته الامبراطورة كاترين الثانية على عشّاقها العديدين ) .
ودارت الأيام على القيصرية والقيصر واندلعت ثورة تشرين الأول / اكتوبر 1917 الشيوعية فوجه لينين ، قائد الثورة ، نداء إلى الشعوب المسلمة المقهورة في 24 تشرين الثاني / نوفمبر 1917 يقول " يامسلمي روسيا . . ياأيها الذين هدمت مساجدكم ، ومعابدكم ، وكانت معتقداتكم وتقاليدكم موضع سخرية القياصرة والمستبدين الروس ، إن معتقداتكم وتقاليدكم ومؤسساتكم القومية والثقافية ستتحرر ولن تمسّ بعد اليوم . مارسوا حياتكم القومية ونظموها بحرية وبدون عقبات . إن هذا حقكم . ولتعلموا أن حقوقكم مثل حقوق كل شعوب روسيا ، محصنة بقوة الثورة وقواها . . . هيا اذن وساعدوا الثورة . . . أيدوا الثورة "

226 - فانضمت إلى الثورة وقاتلت خلال الحرب الأهلية ، جنباً إلى جنب الجيش الأحمر أغلب القوى الشعبية المنظمة من الشعوب المسلمة المقهورة ( حزب المساواة بقيادة أحمد أمين رسول زاده " 1884 - 1954 " الذي تولى رئاسة جمهورية أذربيجان السوفياتية بعد النصر ، اتحاد نقابات العمال المسلمين في كازان ، والقوى الوطنية في القوقاز الوسطى ، قادمين من صحراء تورجو التي طاردهم اليها القياصرة منضمين الى الجيش الأحمر بقيادة جانح الدين ، ومنظمة " الأوش جاز " من طشقند ، ومقاتلوا الطرقة الفيظية بقيادة عنان فيظي الذي قتل دفاعاً عن الثورة في شباط / فبراير 1918 ، وحزب الوحدة بقيادة عبد الله أباناي ، وحزب " مللي شورو " بقيادة محمد عياد اسحق أحد قادة حركة الاصلاح الديني ، واللجان الإسلامية ، ولجان الاشتراكية الاسلامية بقيادة نورباهي في حوض الفولجا ، والجماعات الاشتراكية الإسلامية بقيادة أمين محيي الدين ، وابراهيم فولي ، وشهاد جاد الدين ، وغالي مينولا ، وشاهد أحمد . . . الخ ) و . . .كان دورهم في انتصار الثورة غير منكور إلى درجة أن أحد قادتهم وهو سلطان غالي ( غالييف ) الاستاذ في جامعة شعوب الشرق ، وكان ذراع ستالين اليمنى ، وعضواً معه في اللجنة المصغرة في وزارة الشعوب والقوميات وصاحب نظرية "وحدة المقهورين " التي أنشأهامن واقع خبرته داخل " مطبخ القوميات الستاليني " عام 1918 التي أدان فيها محاولة صهر الحضارات القومية في البوتقة الروسية ، وقال فيها " إننا نرى أن استبدال ديكتاتورية طبقة أوروبية ( بورجوازية ) بديكتاتورية طبقة ضدها ( عمالية ) تحمل حضارة المجتمع الأوروبي ، ليس إجراء تقدمياً بالنسبة إلى الشعوب المستعمرة المقهورة ، وحتى إذا كان هذا تغييراً فإنه تغيير إلى الأسوأ وليس إلى الأفضل . . . " فقبض عليه ستالين عام 1923 ، ثم اعاد القبض عليه عام 1928 . . . كما قبض على ، وصفىّ أغلب حاملي الأسماء التي ذكرناها من رفاق السلاح المنتصرين للثورة في عهد ستالين وإن كان قد رد إليهم اعتبارهم بعد وفاته . . .
تلك على أي حال كانت " الستالينية " التي يدينها الجميع . فلنصل إلى ماهو قريب منا تاريخياً ، وبعيداً عن تاريخ ستالين ، لنضرب أمثلة لما نريد أن نقول .
227 - كان المسلمون في ظل الاحتلال الروسي يمارسون حياتهم طبقاً لقواعد مايمكن أن نسميه " الإسلام التطبيقي " لايعرفون اللغة العربية إلاقليلاً ، فغير قادرين على استنباط قواعده ، يمارسونه طبقاً لمذاهبه الفقهية التي ذكرناها من قبل ، وهي مذاهب لم تحط بواقعهم القبلي والشعوبي ولا بتراثهم الحضاري ، فأكملوا مالم يجدوه فيها بقواعد وطرق وتقاليد وآداب " سلوك " يومي تتفق مع روح الإسلام وقواعد مذاهبه ولكنها أكثر تفصيلاً وواقعية وأسهل إدراكاً ، يتبعها من " يريد " أن يتبعها كطريقة للتعامل مع غيره . فكانت الطريقة النقشبندية نسبة إلى أول واضع لمسالكها محمد بهاء الدين النقشبندي ، فانتشرت وأصبح لها مريدون من أغلبية الشعوب المسلمة التي احتلتها روسيا . وأدّى اطراد الحياة على مسالكها طبقاً لقيمها وصيغة آدابها إلى أن تكون لتلك الشعوب حضارة مشتركة إسلامية المضمون نقشبندية التقاليد والآداب ، قبل أن يداهمها الاحتلال الروسي فلمّا لم يصمد القادة من الخانات والأمراء وفرّوا أو استسلموا ، تولى أئمة المسلمين قيادة المريدين في حرب التحرير ، وكان من بينهم الإمام شامل الذي تحول إلى أسطورة تقصّها ملحمة شعرية غنائية . وبما ان شامل لم يكن البطل الإسلامي الوحيد ، فقد تعددت الملاحم الشعرية الغنائية التي تحكي قصص الحروب التي استمرت قروناً ضد البوذيين في الشرق وضد الروس المسيحيين في الغرب . ولما كانت الملاحم ذات شكل إسلامي ، فقد عمرت بالحديث عن وقائع قتال " المسلمين " ضد " الكفار " في الشرق والغرب ، وتمجيد الإسلام ، وقوة الإيمان ، وبطولات الأئمة الذين يأتون بما يشبه المعجزات بتوفيق الله الذي وعد المؤمنين بالنصر . . إلى آخر مانجده مردداً في كل الملاحم الشعرية ، السجلات الأولى ، لتاريخ كل الشعوب والأمم في جميع أنحاء الأرض ،
والتي ماتزال تتردد أغاني ، وطقوساً ، وأمثلة شعبية ، وذكريات مروية ، وروايات مسرحية ، وفنوناً . . . الخ في كل شعب . . .
نكمل حديثنا عن التجربة التاريخية مما أورده بننجسن ولميرسيية كلكيجاي ، الاستاذان في معهد الدراسات العليا في جامعة السوربون ( باريس ) في كتابهما " الموضوعي " عن الاسلام في الاتحاد السوفياتي ( 1968 ) أفضل ماوقعنا عليه من بين كتب دعائية ودعائية مضادة كثيرة .
228 - يمهد المؤلفان لما سنلخصه عنهما بقولهما إنه لاشك في أن الأغلبية العظمى من المثقفين المسلمين في الاتحاد السوفياتي اليوم يعتبرون أنفسهم ، بصدق وإخلاص ، ماركسيين واوروبيين . يحتقرون الماضي القريب لبلادهم ، ويقفون بحزم ضد العودة إلى النظم الاقطاعية والرأسمالية السلبقة على ثورة 1917 . فيبدون كما لو كانوا قد انسلخوا عن الماضي . وهو مايبدو مبرراً لآمال الحكومة السوفياتية في أن ترى أولئك المثقفين الذين شكلت شخصياتهم يقودون الجماهير المسلمة على طريق الاشتراكية . ولكن حقيقة الواقع أكثر تعقيداً من هذا . وقبل القطع بماإذا كان المثقفون المسلمون في الاتحاد السوفياتي قد قطعوا علاقاتهم بماضيهم ، لابد من اختبار مواقفهم من حضارة شعوبهم وتاريخها .
مثال نموذجي للاختبار ، سلوك القوميين من المثقفين المسلمين وردود أفعالهم الحادة فيما يتعلق بالدفاع عن تراثهم الحضاري ، قدمته الأزمة الطويلة التي واجه فيها المسلمون الهجوم الروسي على الملاحم القومية ، واستمرت من عام 1951 حتى عام 1954 . فقد شنت الحكومة السوفياتية حملة تطهير من التقاليد الموروثة لدى الشعوب المسلمة في كل عناصرها التي اعتبرتها غير متفقة مع العالم الاشتراكي الجديد . بدأت الحملة بهجوم شامل على الملاحم القومية التي تعرضت لنقد قاس ثم منعت باعتبارها عوائق في سبيل بناء الاشتراكية . ولما كانت تلك الملاحم هي صيغ لمضامين حضارية ، فإن دلالة الحملة لم تخف على المثقفين القوميين . إن الهدف الحقيقي من الحملة لم يكن إلا تدمير الحضارة القومية ليقوم بدلاً منها ما يسمّيه الكتّاب الروس الحضارة السوفياتية وهي في حقيقتها الحضارة الروسية في شكل اشتراكي . وقد جرى الهجوم طبقاً لخطة واحدة . تبدأ أولاً إحدى صحف موسكو : برافدا أو ليتراتورنايا جازيتا . ثم تتناوله اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الجمهورية المعنية ، ثم كل الأجهزة والمنظمات واللجان المحلية للحزب ، وتنتهي بإدانة الملاحم والمفكرين والكتاب المسلمين الذين أشادوا بتلك الأعمال غير المشروعة .
بدأت الحملة في 17 تموز / يوليو 1950 . كان باجيدوف سكرتير أول اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأذربيجان يلقي محاضرة على بعض المثقفين ، هاجم فيها الإسلام بشكل عام هجوماً عنيفاً ، وأدان بقسوة كل حركات مقاومة الروس في القرون الماضية ، واتخذ موضوعا للإدانة وسببا ملحمة " يدقرقوط " وهي سجل أسطوري شعري لتاريخ أسلاف الأتراك السّلجوق ، وقد وصف الملحمة بأنها عنصرية ، ومضادة للشعوب . ثم أدان بالقسوة نفسها ملحمة " شامل " وأعادت نشرها مجلة " البلشفيك " في موسكو ( العدد 9 ، تموز / يوليو 1950 ) ومجلة باكينسكي رابوتشي في باكو ( أذربيجان ) في ليوم التالي تحت عنوان : " طبيعة حركة المريدين وشامل " . وتلتها مقالة بقلم دانيالوف ، السكرتير الأول للجنة الإقليمية للحزب الشيوعي الداغستاني نشرتها مجلة فويروسي استوري في موسكو ( العدد 9 سنة 1950 ) ، ومقال فادييف في المجلة ذاتها ، وكتيّب من وضع سمير فوف بعنوان الطبيعة الرجعية لحركة المريدين وشامل في القوقاز نشر في موسكو .
وامتدت الحملة إلى ملحمة " المانا " ، أجمل الملاحم الشعرية التي تسجل تاريخ حروب المسلمين ضد المنغول في القرنين السابع عشر والثامن عشر . . ثم ملحمة " قرقوط عطا " التركمانية ، ثم ملحمة " الباميش " التي تحكي نضال القبائل المسلمة ضد البوذيين ، ثم ملحمة " ايرسين " وملحمة " شوراباتيل " . .. الخ . وكانت أسباب الادانة المتكررة لجميع الملاحم أنها ذات جوهر إقطاعي وايديولوجية رجعية وتعصب إسلامي وتمجيد للحروب العدوانية ، فهي عقبات في سبيل الصداقة بين الشعوب . .
وقد مرت الحملة بدون مقاومة ظاهرة في كل الجمهوريات إلا في جمهورية " القرغيز " الصغيرة . ذات الحضارة المدوّنة شعراً في ملحمة " المانا " الجميلة ، وآخر جمهورية وصلتها حملة التطهير . فما أن نشرت في موسكو أول مقالة - المقالة التمهيدية - ضد " المانا " وما تضمنته عن تمجيد جهاد المسلمين ضد الكفار حتى أثارت فوراً عاصفة مقاومة حقيقية في صحافة " قرغيز " ، شارك فيها المثقفون وأساتذة الجامعات والكتاب ؛ وقادها ، وهنا موضع الدلالة ، الحزب الشيوعي المحلي أو " الملحدون الماركسيون ، أعضاء وقيادة الحزب الشيوعي الذين لايمتّون إلى الإسلام إلا برابطة حضارية " . ولما كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي يصدر صحيفتين إحداهما " سوفيتسكايا " يكتب فيها الأعضاء الروس باللغة الروسية ، والثانية " ديكزيل " يكتب فيها الأعضاء الوطنيون باللغة القومية ، فقد انتقلت المعركة إلى الصحيفتين : الأولى تتّهم "امانا" بما تتهم به بقية الملاحم ، وتتهم المثقفين الوطنيين بالانحراف القومي والبورجوازية ، والثانية تدافع عن التراث القومي ، وتشنّ هجوماً مضاداً صاخباً تتهم فيه الروس باحتقار الاستقلال الحضاري لشعب قرغيز . . .
وانهزم الوطنيون إلى حين . . إلى حين أن مات ستالين . فبدأ المسلمون هجوماً مضاداً في كل الجمهوريات شاركت فيها وقادت بعضها الأحزاب الشيوعية للإفراج عن التراث القومي ، واحترام التمايز الحضاري ، والكف عن السلوك العدمي المعادي للقومية ، وعن عبادة الأشخاص . وانهزمت الحملة ، وعادت الملاحم يردد الشعب اغانيها ويفخر بالانتماء إلى ابطالها ويطلق اسماء اولئك الابطال على المواليد الجدد . . . .
وفي عام 1956 ، اعدم باجيدوف الذي بدأ الحملة ، وانعقد المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي الذي أعاد الاعتبار إلى كل الذين اعدمهم ستالين بتهمة الانحراف القومي والرجعية الإسلامية . فدعت المجلة نفسها التي بدأت الحملة " فوبروسي ارستوري " إلى مؤتمر حضره اكثر من 600 من المفكرين ، لوضع " منهج "جديد" للدراسات التاريخية ، وفيه عرض دانيالوف دراسة بعنوان " حركة الجبلين تحت قيادة شامل " أشاد فيها اشادة هائلة ببطولة شامل وكل حركات مقاومة المسلمين للغزو الروسي القيصري . فحركة المريدين القائمة على أساس الشريعة الإسلامية لم تكن حركة متعصبة ولكنها كانت ردّ الفعل الطبيعي ضد الاحتلال الروسي . أما شامل فقد كان رجل دولة مرموقاً ، وبطلاً قومياً ، وكل ماوجه إليه من اتهامات في مرحلة عبادة الأشخاص من أتصال بتركيا أو بانكلترا لاأساس له من الصحة . . الخ . إنه الدانيالوف نفسه الذي نشر في عام 1950 ، في المجلة " فوبروسي استوري " ذاتها ( العدد 9 ) يتهم فيها حركات مقاومة المسلمين للغزو الروسي بأنها حركات " قومية بورجوازية " . . . وفشلت محاولة تاريخية أخرى في انتزاع الحضارة من الإنسان ، أو انتزاع اإنسان من حضارته لإذابته في بوتقة حضارة غريبة . .
إذن ، لن يفلح " اللوبي " العربي فيما فشل فيه السكسون الأمريكيون والسوفيات الروس .



لماذا اذن ؟

229 - طائفة تناهض العروبة بالإسلام لو كانت حسنة النية في الدعوة إلى إقامة نظام إسلامي في الوطن العربي فإن مناهضتها العروبة تهزم غاية دعوتها ( الجزء الأول من الحديث ) وإن كانت سيئة النية تريد أن تنقض الحضارة العربية القومية فإنها ستفشل كما فشل البروتستنت في الولايات المتحدة الامريكية ( فقرة 221)
وطائفة تناهض الاسلام بالعروبة ، لو كانت حسنة النية في الدعوة إلى التقدم العربي حتى على الطريق الاوروبي فإن مناهضتها الاسلام بالعروبة تهزم غاية دعوتها ( الجزء الثاني من الحديث ) وإن كانت سيئة النية تريد أن تنقض الحضارة العربية الاسلامية فإنها ستفشل كما فشل الروس السوفييت في اتحاد الجمهوريات السوفياتية ( فقرة 228 ) . . فلماذا إذن كل هذه الدعوات والمنظمات والكتابات والمحاضرات والنشرات والسفه السفيه في الإنفاق ، والجهد الجهيد من أجل غاية فاشلة ؟ . . ولماذا يختار أصحابها ضياع اعمارهم في سبيل الفشل ؟
لامبرر للحديث عن الفشل . لأنهم لايجاهدون في سبيل الإسلام ، وإنما يستعملون اسمه نداء ليستمع إليهم شعب ربته حضارته على أن يلبي نداءه . ولا يناضلون في سبيل الوطن العربي ، وإنما يستعملون اسمه ادّعاء ليجتمع إليهم شعب تحمله حضارته على أن يجتمع حول وحدته وانتمائه . ولا يعملون في سبيل أنفسهم ، فثمة من يغنيهم عن العمل وعنائه ، و‘نما هم يكملون ما بدأه الاستعمار منذ قرون : جزّأ الأمة دولاً فخلق الإقليمية تخريباً ؛ وفرض نظاماً رأسمالياً فخلق الفردية تغريباً ، ثم جاء في عصر الإعلام والدعاية واغتصاب العقول ليدمّر الإنسان العربي في شخصيته . يحاول بفريق أن ينزع هيكلها الأساسي باسم الإسلام ؛ ويحاول بفريق ثان نزع هيكلها الأساسي باسم العروبة . ويتعاون الفربقان ليكوّنا فرقة غايتها أن يصبح الإنسان العربي حطاماً ، "فيستقر الوضع نهائياً " على حطام الأمة العربية بعد أن تحطم مصدر مناعتها ومقاومتها ، وأداة تحررها ووحدتها وتقدمها : الانسان العربي السويّ ‍‍‍‍ ‍‍‍!

هل يعرفون ؟

230 – خلال الحرب الأهلية في اسبانيا التي نشبت في ايلول / سبتمبر 1936 وانتهت في آذار/ مارس 1939 اقتحم الجنرال فرانكو مدينة مدريد بأربعة طوابير عسكرية ، فلما استولى عليها قال ، أو قيل ، ان الفضل في الاستيلاء على المدينة العاصمة يرجع أساساً إلى " الطابور الخامس " ، وكانوا يعنون به عملاء فرانكو داخل المدينة الذين اندسوا بين المدافعين وأشاعوا روح الهزيمة في نفوسهم ، وخربوا ما أعدّوه للدفاع عن المدينة ، فانهزموا . وإلى عهد قريب كان يطلق وصف " الطابور الخامس " على أولئك الذين يخدمون أغراض الغزاة من داخل الأرض المعرّضة لخطر الغزو كما فعل عملاء فرانكو . ولم يعد منكوراً ولا خفياً أنّ للولايات المتحدة الأمريكية " طابور خامس " في كل دولة من دول الأرض صديقة أو عدوة . فقد أصبحت الطوابير الخامسة أجهزة من نظم الحكم الحديثة . كل ما يفرق بين " الطابور الخامس " في عام 1939 ، و " الطابور الخامس " " بعد الحرب الاوروبية الثانية ( 1945 ) ، أنه لم يعد من الممكن القطع بأن المنتمين إليه عملاء مأجورون . قد يكونون وقد لايكونون . فإن التقدم العلمي في " تشكيل الطابور الخامس " لم يعد يشترط في جنده حتى معرفة أنهم مجندون .
************************************************** ************************************************** **************************************
د . عصمت سيف الدولة
آذار / مارس 1986
****************

الدكتور عصمت سيف الدولة
* مفكر عربي من مصر ، ولد في احدى قرى صعيد مصر عام 1923
*حاصل من جامعة القاهرة على ليسانس الحقوق عام 1946 ، ودبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي عام 1951 ، ودبلوم الدراسات العليا في القانون العام عام 1952 ؛ وحصل من جامعة باريس على دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص عام 1956 ، ودكتوراة الدولة في القانون عام 1957
يعمل محامياً منذ تخرجه إلى الآن
له سبعة عشر منشوراً في القانون والفلسفة والاجتماع والقومية والديموقراطية والوحدة والاشتراكية ،
منها :أسس الاشتراكية العربية ، نظرية الثورة العربية ، الطريق الى الوحدة ، الطريق الى الاشتراكية الطريق الى الديموقراطية ، وحدة القوى العربية التقدمية ، التقدم على الطربق المسدود ، رؤية قومية لمشكلة فلسطين ، وهذه المعاهدة .












التوقيع - ناصر الدجاني

لا أستجدي أحداً .

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2011, 09:06 PM رقم المشاركة : 2
عبد الغني سهاد
عضو مميز

الصورة الرمزية عبد الغني سهاد
 





***

اخر مواضيعي
 

***
عبد الغني سهاد غير متواجد حالياً

افتراضي

كلمة شكر قليلة في حقك استادي

بارك الله لك وفيك












التوقيع - عبد الغني سهاد

الجميع يفكر في تغيير العالم
ولا احد يفكر في تغيير نفسه

رد مع اقتباس
قديم 04-09-2011, 06:41 PM رقم المشاركة : 3
محمد ابو مالك النادي
عضو مميز

الصورة الرمزية محمد ابو مالك النادي
 





***

اخر مواضيعي
 

***
محمد ابو مالك النادي متواجد حالياً

افتراضي

تحيه لك اخي ناصر على هذا المجهود القيم
كل الود والاحترام






رد مع اقتباس
قديم 13-02-2012, 10:25 PM رقم المشاركة : 4
عبد السلام بن مسعود
عضو جديد
 





***

اخر مواضيعي
 

***
عبد السلام بن مسعود غير متواجد حالياً

افتراضي

شكرا على المجهود وبالتوفيق انشاء الله






رد مع اقتباس
قديم 16-02-2012, 11:53 PM رقم المشاركة : 5
سميرة بورزيق
أنا

الصورة الرمزية سميرة بورزيق
 





***

اخر مواضيعي
 

***
سميرة بورزيق غير متواجد حالياً

افتراضي

مشكور لك على المجهود القيم












التوقيع - سميرة بورزيق

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منزل،غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد لغزلي نساجا فكسرت مغزلي . (الغزالي)

رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 08:28 PM
عدد الزوار اليومي : 815 ، عدد الزوار الأسبوعي : 9.827 ، عدد الزوار الكلي : 4.299.736
Powered by vBulletin® Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
©حقوق النشر والملكية الفكرية محفوظة©

 
Developed for 3.6.0 Gold By uaedeserts.com