:: منتديات من المحيط إلى الخليج :: البحث التسجيل التعليمـــات التقويم
 

العودة   :: منتديات من المحيط إلى الخليج :: > المنتديات الثقافية والسياسية > ركن "روايات"
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

تعاميم إدارية

آخر 10 مشاركات دورات فبراير 2018 || الجودة والانتاج (الكاتـب : نيرمين جلف - )           »          أسئلة الوجود في رواية " أديب في الجنة " رائد الحوا (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          دورات يناير 2018 || الزكاه والمصارف الإسلامية (الكاتـب : نيرمين جلف - )           »          عديقي اليهودي ! " رواية فكرية سياسية " (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          شبق (الكاتـب : مجدى الهوارى - )           »          عاجل الى الادارة (الكاتـب : الشهاب - )           »          القوميون العرب وظاهرة الاحياء الأموات... (الكاتـب : زياد هواش - )           »          دورة معالجة مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي وإختبا (الكاتـب : نيرمين جلف - )           »          دورة محطات الجهد العالي ( التشغيل, الصيانة , الترك (الكاتـب : نيرمين جلف - )           »          دورة السلامة المرورية في مناطق أعمال تنفيـذ وصيــا (الكاتـب : نيرمين جلف - )

رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 14-01-2018, 06:00 AM رقم المشاركة : 1
محمود شاهين
عضو مميز

الصورة الرمزية محمود شاهين
 





***

اخر مواضيعي
 

***
محمود شاهين متواجد حالياً

افتراضي عديقي اليهودي ! " رواية فكرية سياسية "

كان في مقدوري أن أقتل عدوي، غير أنني لم أفعل. وآمل أن لا يقدم على قتلي ذات يوم . كنت أمارس رياضة المشي شبه اليومية في بطاح برّيّة القدس التي شهدت طفولتي، وراحت مستوطنات الغزاة تقضمها شيئا فشيئا ، على مرأى من أنظارنا وأنظار العالم ، دون أن تفلح احتجاجاتنا في الحد منها أو التوقف عن بنائها .. كنت سائرا في منعطفات وادي الدكاكين الذي شهد الكثير من وقائع طفولتي الرعوية ، حين رأيت على مسافة أمتار أمامي قدمين بنعلين رياضيين تبرزان من جانب حائط صخري . توقفت "لا شك أنه الصياد الذي اعتاد أن يأتي من المستوطنة القريبة. سمعت بعض طلقاته هذا اليوم خلال تجوالي" وقد اعتاد الصيد في هذه المنطقة منذ أكثر من عام، ورغم تجوالي الكثيرفيها لم أحاول أن ألتقي به، لتخوفي من اقدامه على قتلي. لذلك كنت حريصا على الإبتعاد قدرالإمكان عن المنطقة التي يصطاد فيها ، فلا أريد أن أكون صيدا ثمينا على قائمة طرائده . هذا اليوم جرى معي ما لم أعتده ، فقد اقتربت أكثر من أي يوم آخر من منطقة صيده ، دون أن افكر في أنني سألتقيه .
بقيت مترددا للحظات بين متابعة سيري أو التراجع . ولا أعرف كيف واتتني الشجاعة لأن أتقدم ببطء متحاشيا أن تطأ قدماي حصباء الوادي حتى لا أحدث صوتا. دنوت بضع خطوات ..انكشفت ساقا الرجل أمامي وإلى جانبهما بدت سبطانتا بندقية الصيد " يبدو أنه نائم، وقد تمدد إلى جانب الحائط بالطول لأن ظله كان طوليا أكثر منه عرضي. تقدمت ببطء شديد . انكشفت قامة الرجل كلها أمامي، وقد وضح لي أنه يغط في نوم عميق بعد عناء السعي خلف الطرائد . ثمة بعض طيورالحجل إلى جانب جثة ثعلب مما اصطاده . اقتربت ببطء إلى أن أصبحت البندقية في متناول يدي. مددت يدي بهدوء وأخذتها . جلست على حجرصغير على مسافة تقل عن المترين منه . تأملت البندقية . إنها من النوع القديم ذي السبطانتين الذي يمكنني استخدامه . لم تراودني فكرة قتله، لأنني ضد القتل من حيث المبدأ، وربما لإحساسي أن قتله لن يحل المشكلة ، فهي مشكلة وطن بكامله، وليست مشكلة شخصية معي، ولو كان الأمر كذلك لربما قتلته وانتهى الأمر. عالجت سبطانتي البندقية لأتأكد من أنها محشوة .كانت كذلك .أحدثت العملية صوتا أيقظه .. شقشق عينية قليلا ونظر نحوي لينتفض جالسا بنصف قامته على مؤخرته وساقيه . هيّأت البندقية ووجهت وضع سبطانتيها نحوه وأنا أضع اصبعين على الزنادين. هتفت بالعبرية :
- لا تخف ! لكن أية حركة غير عادية سأضطر إلى اطلاق النار عليك .
راح يستعيد وعيه كما يبدو في محاولة لمعرفة ماذا يجري، وما لبث أن هتف بالعربية:
- من أنت ؟
- أنا عدوك، ومن يشاركك التجوال في هذه البطاح !
- لماذا لم تقتلني؟
- لو أعرف أن قتلك يحل المشكلة لقتلتك ! وقد أقتلك يوما ما حين أصبح على يقين مطلق من أن مشكلتي كفلسطيني لن تحل دون قتلك !
- ولم تصل بعد إلى هذا اليقين ؟
- الظروف هي من حوّلني وحوّل قومي عن هذا اليقين بعد أن كان قائما ولو بحدود لبضعة عقود .
بدا لي أنه يفهم أبعاد كلامي جيدا . هتف:
- وهل تعتقد أن هذا اليقين سيعود إليكم ؟
- أفعالكم كمحتلين لا تشير إلا إلى ذلك رغم اوسلو وكل ما وقعتم عليه من اتفاقيات . أنتم تدفعوننا إلى اتخاذ القرار الصعب ، إما وجودكم وإما وجودنا ! لا مجال لوجودين حسب ما يجري على أرض الواقع من قبلكم . لقد تنازل الفلسطينيون لكم عمّا هو أكثرمن الممكن من وطنهم ، ومع ذلك لم تقبلوا ، وجعلتم من اوسلو مجرد قاعدة وهمية لإدارة صراع لا لإنهائه .
- أعتقد أن كلامك صحيح ، فنحن ندير صراعا بالحد الأدنى من الخسائر. فمن يدير صراعا على قاعدة السلام ليس كمن يدير صراعا على قاعدة الحرب. لكن إذا ما تطلب الأمر أن نبيدكم عن آخركم يوما ما فلن نتوانى عن ذلك ، رغم أن موقفي الشخصي قد لا يتفق مع هذا الطرح الإسرائيلي العام !
- لكن إن أبدتمونا فلن تستطيعوا إبادة العرب والمسلمين وأحرار العالم ، وستبقون معزولين ومحتقرين أمام البشرية جمعاء . فهل ترضى أن يعيش أبناؤك وأحفادك تحت وطأة هذا الكره الشديد لهم . أقول هذا دون التطرق إلى ما يمكن أن نوقعه نحن بكم قبل إبادتنا. فلسنا على هذا القدر من ليونة العظام كما تعلم ،وليس من السهل كسر عظامنا، وستعانون الأمرين قبل أن تبيدونا !
راح عدوي يضحك وما لبث أن توقف فجأة عن الضحك ليهتف وكأنني لامست بعض ما هو دفين في دخيلته عن المستقبل .
- ما الحل حسب رأيك ؟
- على المدى البعيد هناك حل واحد لا غير، دولة ديمقراطية علمانية للجميع ، فشعب جنوب افريقيا ليس أكثر تحضّرا وتطورا منا ومنكم . لقد سبق لي وأن خاطبت مثقفيكم وجنرالتكم وقياداتكم بذلك ، في رسالة نشرتها في مواقع كثيرة على الشبكة العنكبوتية . مسألة قتلكم أو رميكم في البحر لم تعد مطروقة . ولو فكرتم بجديّة وبعقليّة مسالمة لقبّلتم أيدي من سعى إلى إقامة سلام معكم ، بدءا من ياسر عرفات وأبي مازن إلى أصغر قائد فلسطيني .
هتف بعد برهة تفكير في ما قلته :
- وماذا عن المدى القريب ؟
- لا بد من إقامة دولة فلسطينية على أراضي ما قبل الرابع من حزيران 1967.
عاد عدوي إلى الضحك لكن باستهزاء وسخرية هذه المرة .
- هذه أرضنا وأرض أجدادنا منذ ثلاثة آلاف عام ونيف ، وليس فيها متسع إلا لنا ، ولنا وحدنا ، إنها الأرض التي منحها الله لنا ، وستظل لنا مدى الحياة .
أنا من ابتسم بسخرية هذه المرّة وأنا أتساءل:
- أي إله هذا الذي يمنح أرضا لشعب دون غيره من شعوب الأرض ؟
- إلهنا العظيم يهوه !
- ألا ترى أن إلهك هذا إله عنصري، إذا ما افترضنا وجوده وحقيقة ما وهبه لكم ؟ أنتم لستم أكثر من كيان غريب قرر المستعمرون زرعه في المنطقة العربية منذ أوائل القرن الماضي للإبقاء على حالة توتر دائمة فيها حتى لا تنهض وتسير بركب الحضارة الإنسانية ، فهي تسيطر بأراضيها الشاسعة على أهم السواحل في العالم وعلى أهم شرايين الكرة الأرضية من مضيق باب المندب وقناة السويس إلى مضيق جبل طارق..
- ما يهمني هو منح الأرض لنا ، ولا يهمني أمر عنصرية الله إن كان عنصريا ، كما لا يهمني أمر وجود آلهة ودول أخرى ساعدت على قيام دولتنا . ما يهمني هو أمرنا وإلهنا ومنحه الأرض لنا ، وإذا لم يكن له وجود، سأظل مؤمنا بوجوده لهذا السبب دون غيره ، فأمر تفضيلي على البشرية أمر يستحق الإيمان بهذا الإله حتى لو لم يكن له أي وجود !
- إذن أنت غير متدين ؟!
- إلى حد ما غير متدين ، فأنا لا آبه بالطقوس والصلوات ..
خطر لي أن أسأله عن أصله ، فلغته العربية تبدو جيدة:
- من أي بلاد هاجرت اسرتك إلى هنا .
لم أفاجأ حين هتف قائلا :
- من العراق ، ومن بغداد تحديدا، وقد حرص أبي على أن يعلّمنا اللغة العربية بناء على رغبة أبيه، كل أفراد اسرتنا يجيدون العربية .
- إذن أنتم من أتباع الإله مردوخ قديما ، وترك أجدادك عبادته ليتبعوا فيما بعد عبادة إله متوهم أسموه يهوه، فصّلوه على مقاسهم، وعزوا قصة الخلق البابلية إليه بسرقتها كما هي إلى حد كبير ! يا رجل هل هناك انسان عاقل يتخلى عن عبادة مردوخ العظيم ليتبع عبادة يهوه ؟ يهوه الذي لم يسلم حتى اليهود من شرّه ، ولا يكاد يمر عام دون أن ينزل بهم المصائب ، رغم أنهم شعبه المختار حسبما تقول التوراة .
بدا أن الرجل تفاجأ بما لم يفهمه من كلامي .
- من هو مردوخ هذا الذي فاجأتني به . أذكر أن أبي كان يتفاخر بكونه عراقيا ينتمي إلى حضارة ضاربة الجذور في أعماق التاريخ أكثر مما ينتمي إلى حضارة يهووية وهمية مختلقه وإله لم يقتنع يوما بوجوده ؟!
- كان أبوك على حق ، فمردوخ هوكبير الآلهة البابليين، الذي خلق السموات والأرض بأن أقدم على شطر جسد جدته الإلهة تيامات إلى نصفين ، جعل من النصف العلوي سماء ومن النصف السفلي أرضا ، ثم أقدم على خلق الإنسان من التراب بأن عجنه بدمه . فأنا وأنت والبشرية كلها تجري فيها دماء مردوخ الذي خلقها بدمه ! فأين يهوه من هذا الخالق العظيم الذي يخلق الإنسان بدمه .
- بدا الرجل في غاية الدهشة لما سمعه مني! تساءل فيما كنت أرفع اصبعي الوسطى عن الزناد الثاني وأبقي على السبابة على الزناد الأول. تنبه للأمر.
- هل بدأت تطمئن إلى أنني لن أقدم على شيء ، طالما أنت متمسك ببندقيتي؟
- لا لم أطمئن ، وليس ثمة فرق كبير لدي بين أن أقتلك بطلقة أو بطلقتين . ورفع اصبعي عن أحد الزنادين لا يعني أنني لن أستخدم الآخر إذا ما دعت الضرورة .
- هل تخبرني كيف سرق الأجداد اليهود قصة الخلق البابلية وعزوها إلى إلههم يهوة ؟
- هل لديك استعداد لأن تسمعني جيدا ؟
- أكيد لدي وإلا لما طلبت منك .
- في الحقيقة إنّ التوراة مأخوذة من تراث المنطقة كلّه وليس البابلي وحده. حسب ملحمة الخلق البابلية ( الإينوما إيلتش) التي تعتبر بدورها تطورا لملاحم الخلق السومرية، التي يخلق فيها الإنسان من جسد إلهي ، ثمة تطابق شبه تام في أيام التكوين البابلية ونظيرتها التوراتية ، ففي اليوم الأول في الإينوما إيلتش، يكون العماء الأول " تعامة أو تيامات " الماء المالح، وزوجها( ابسو) الماء الحلو، يحيط بهما ظلام . وفي سفر التكوين التوراتي يغلف الظلام المياه الأولى وروح الرب يرف فوق المياه. ولا يختلف الأمر في الأيام اللاحقة لعملية الخلق حيث يتم خلق السماء والأرض والكواكب ، إلى أن يتم خلق الإنسان في اليوم السادس .في اليوم السابع ، مردوخ ينتهي من الخلق والآلهة تحتفل به في التكوين البابلي ، ويهوه يستريح من الخلق في التكوين التوراتي. فما الجديد الذي جاء به كتبة التوراة من عزرا إلى أخر كاتب توراتي ؟! وهذا النص يسبق النص التوراتي بما يقرب من ثلاثمئة وألف عام . ويسبق ولادة النبي موسى نفسه بما يقرب من خمسة قرون. وقد حدد الباحثون زمن كتابته في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، ورأوا أن أصوله تعود إلى مصادر موغلة في القدم تشير إلى بدايات الحضارة السومرية حوالي أربعة آلاف عام قبل الميلاد ، بينما لم تكتب التوراة إلا في وقت متأخربعد عودة اليهود من السبي البابلي ( 586 قبل الميلاد) على يد الفارسي قورش الذي هزم بابل وأعاد اليهود إلى اورشليم . أي بعد حوالي 1300 سنة من كتابة الإينوما إيلتش. وقد كتبت في حقب متفاوتة تجاوزت ثلاثة قرون ، وطرأ تغييرات عليها في قرون وعهود لاحقة . والسبي البابلي حسب الأبحاث الحديثة حدث في اليمن وليس في فلسطين ، وعودة اليهود من هذا السبي كانت إلى اورشليم اليمنية ،إذ لم يكن هناك اورشليم في فلسطين، كان هناك مدينة اسمها يبوس أصبحت فيما بعد اورسالم أي مدينة السلام ، وطرأ عليها أسماء أخرى حسب العهود التي عاصرتها، وكان اسمها إيلياء عند الفتح الإسلامي. فاليهودية نشأت في اليمن وليس في فلسطين حسب معظم الأبحاث والحفريات الآثارية الحديثة التي لم تعثر على أي تراث لليهود في فلسطين بما في ذلك مملكتي داود وسليمان والهيكل المزعوم . وإذا كنت لا تصدق ابحث عمّا قاله علماء الآثار لديكم، بدءا من كبيرهم اسرائيل فلنكشتاين مرورا بزائيف هرتسوغ وانتهاء بمائير بن دوف!
بدا الرجل غير مصدق لما قلته له . تساءل :
- لكن كيف عرف أجدادنا اللغة البابلية ونقلوا قصة التكوين ؟
- يرى الباحثون أن اللغة البابلية انتشرت غربا حتى الساحل السوري وشمالا حتى آسيا الوسطى ، وجرى نقل بعض مدوناتها إلى لغات لا حقة كالآرامية . وليس من الضروري أن يكون النقل وحتى التأثر قد جاء مباشرة عن نص كُتب بالبابلية .
أطرق الرجل متفكرا للحظات ، ثم طلب إلي أن أسمح له بإشعال سيجارة من علبة سجاير كانت مطروحة إلى جانبه . سمحت له ، وأنا أرقب حركاته بحذر. سألني إن كنت أرغب في سيجاره . شكرته مشيرا إلى أنني أحاول أن لا أدخن خلال تجوالي ، وأحاول أن أقلل من التدخين في شيخوختي .
أشعل سيجارة وسحب منها نفسا عميقا ، فيما كان أحدنا يتأمل وجه الآخر، بدا لي أنه في عمري ، أي في حدود الثالثة والستين أو أكثر قليلا ، غيرأنه كان محافظا على لياقته البدنية أكثر مني . تساءل وهو ينفث دخان النفس الثاني من فمه ومنخريه:
- هل تهتم بالتاريخ ؟
- أجل أنا كاتب وأهتم بالتاريخ ، وبشكل خاص تاريخ العقائد والديانات والأساطير وتطورها .
- أمر مؤسف أنني لا أهتم، وإن كنت أرغب في ذلك غير أنني لم أسعَ إليه، حتى انني لم أقرأ إلا بعض فصول التوراة دون التعمق فيها ، والأمر نفسه ينطبق على التلمود. أمضيت عمري في العمل في التمديدات الصحية والكهربائية إلى أن تقاعدت . يمكنني القول أن ثقافتي محدودة في ما هو خارج عملي . نشأت على أن هذه الأرض أرضي منذ القدم ، وهذا ما ننشيء أجيالنا عليه، بحيث يتبعوننا دون أن يفكروا في الأمر وتاريختيه ومدى صدقه وحقيقته أوخرافيته !
رحت أضحك وأنا أهتف :
- قصتكم تشبه قصة القرود الخمسة التي لم يجد لاحقها إلا أن يقلد سابقها دون أن يدري لماذا يفعل ذلك !
- وما هي هذه القصة ؟
- هي قصة تتعلق بتجارب علماء الإجتماع لمعرفة واقع المجتمعات البشرية . أحضر أحدهم خمسة قرود ووضعها في قفص ، وعلّق في القفص قطفا من الموز وضع تحته سلّما ، وحين يصعد أحد القرود السلم ويقترب من قطف الموز ليلامسه، ينهمر رشاش من الماء البارد على الأربعة الباقين لإرعابهم . وحين يحاول قرد آخر الصعود إلى قطف الموز تتكرر العملية برش الماء البارد على الباقين . وبعد تكرار العملية من قرد ثالث ، يلجأ القردة إلى منع أي قرد من صعود السلم إلى الموز . وحين تم إخراج أحد القرود ووضع قردا بدلا منه لم ير عملية الرش من قبل ، وحاول أن يصعد السلم وجد القردة تهب لمنعه دون أن يعرف لماذا، وحين حاول ثانية ، انهال الآخرون عليه بالضرب ، وحين أخرج للمرة الثانية قرد ثان من القردة التي تعرف عقاب الصعود وجيء بجديد ، حاول أن يصعد السلم فانهال الأربعة الآخرون عليه بما فيهم القرد الدخيل الأول الذي لا يعرف السر وراء مسألة الصعود إلى قطف الموز . تتكرر المسألة مع قرد ثالث ورابع وخامس ، ليصبح هناك خمسة قرود من الجيل الثاني لا تعرف سر الخوف من وراء صعود السلم إلى قطف الموز ، وإذا ما دخل وافد جديد وحاول كالآخرين، انهال الآخرون عليه بالضرب، حتى أصبح الأمر تقليدا تتبعه القرود كلها دون أن تعرف السر !
ضحك عدوي الذي لم يصبح عديقا بعد وهو يتساءل :
- وهل نحن الآن قطف الموز الذي تهاب القرود الصعود إليه ؟!
- أجل ! قطف الموز هو كيانكم الذي يمنع مسّه بسوء أو الإقتراب منه ، وما أنتم إلا الجيل الثاني من القرود الذي يتصدى لكل من لا يعترف بهذا الكيان ،ولا يعترف بأي وجود تاريخي لبني اسرائيل في فلسطين، ولا بأية حقوق لهم فيها ! جيل يحارب ويقتل ويشرد شعبا استنادا إلى وهم لا يعرف حقيقته . وهم أقيم على اكبر كذبة في التاريخ لا تريدون أن تعرفوها . مع أن الغاية من إقامة كيانكم لا تمت بأية صلة لهذه الكذبة ولا لأي خرافات وأساطير دينية !
- لكن حتى لوكانت كذبه فهي كذبة جميلة أوجدت لنا وطنا جميلا بعد أن كنّا مشردين ومضطهدين ومكروهين في معظم أنحاء العالم . وتستحق أن نحيلها إلى حقيقة قابلة للتصديق!
- لستم وحدكم من أنجح الكذبة ، الذي أنجحها هو من أراد أن يتخلص من وجودكم من ناحية ويجعل منكم بؤرة للتوتر والهيمنة من ناحية أخرى، فوعدكم بالمساعدة لإقامة وطن قومي لكم في فلسطين ، وسهل لكم الهجرة إليها من بلدان العالم، قبل أن تتمكنوا بوسائلكم من استجلاب اليهود بعد أن أصبحتم أقوياء ومتمكنين .
- رغم اعتقادي بحقيقة ما تقوله يا ..
- عارف ! اسمي عارف نذيرالحق !
- أنا اسمي يعقوب سليمان، أقول، رغم اعتقادي إلى حد ما بحقيقة ما تقوله يا عارف، إلا أنني لست مستعدا لأن أتخلى عن كذبة أوجدت لي وطنا ، حتى لو كانت هذه الكذبة، كذبة فعلا، ولا تحمل أي قدرمهما كان من الحقيقة !
- إذن ما الفائدة من عقد المؤتمرات والإتفاقات والتشدّق بالسلام ؟
- أنت قلتها بنفسك " إدارة الصراع على قاعدة السلام " وكما ترى نحن لم نتوقف عن أهدافنا منذ أن بدأت اتفاقيات السلام حتى اليوم . أي منذ قرابة ربع قرن . وها نحن نتوج جهودنا بتوسيع نفوذنا بضم القدس وضواحيها وكل المستوطنات المحيطة بها إلى اسرائيل ، بعد أن اعترف ترامب الغالي بالقدس عاصمة لدولتنا ، وكل مناوشاتكم وتظاهراتكم وتظاهرات العالم وعدم اعترافه بقرار ترامب لن تجدي أمام اصرارنا ، وحتى ما فعلته وتفعله معي هذا اليوم سترى أنّه ليس أكثر من هراء لا يسمن ولا يغني من جوع !
- لا تحاول أن تستفزني يا يعقوب وبندقيتك موجهة إلى صدرك !
- أنا أقول الحقيقة مقابل ما ترى أنت أنه حقيقة مناقضة . وإن شئت الحق في ما يتعلق بوجودي أمامك وتحت ما تعتقد أنه رحمتك ، فأنا أظن أنك مخطئ تماما، فأنت لست قادرا على قتلي رغم وجود سلاحي بين يديك !
ولم أجد نفسي إلا وأنا أصرخ به ( يع..قوب ) ثم أبطأت صوتي إلى الحدود الدنيا وقلت بكل ثقة في نفسي :
- قلت لك لا تحاول أن تستفزني وإلا .. وأقسم بشرفي أنني سأخردق جسدك بكل ما تحمله معك من طلقات خرطوش! لا تحاول أن تجعل من مشكلتك معي قضية شخصية تتعلق بي وبك فقط .
- لم أقل إلا الحقيقة حول سياستنا ..
- لكن ابتعد عن وضعنا الحالي ولا تحمّله أكثر مما يحتمل، قلت لك من البداية أنني لا أنوي قتلك ،ولو أدرك أنك لن تقتلني لأعدت بندقيتك إليك . فلقائي بك هذا اليوم كان صدفة ،وكنت دائما أتجنب ملاقاتك . وما فعلته هذا اليوم ليس لاختبار مدى شجاعتي أو جبني وإن كنت أظن ولو قليلا انني أميل إلى الحد الأدنى من الشجاعة أكثر مما أميل إلى الحد الأعلى من الجبن ! وعندنا مثل يقول من لا يخاف لا يخوّف.
- هل هذا يعني أنك ستظل محتفظاً ببندقيتي.
- أجل ! إلى أن يأتي يوم أشعر فيه أنني قادر على الوثوق بك .
- ومتى يمكن أن يأتي هذا اليوم ؟
- ممكن أن يأتي قريبا ونكون عديقين !!
ضحك للكلمة التي لم يسمع بها من قبل . تساءل مستوضحا :
- ماذا تقصد بالضبط؟
- أقصد أن نكون عدوين في جلد صديقين أو العكس !
راح يضحك وهو يلمس أن الكلمة مشتقة من مفردتي العدو والصديق.
- على أية حال هذا أفضل من أن نكون أعداء فقط ، وهذه حال قد تشملنا جميعا كإسرائيليين وفلسطينيين . فنحن فعلا أعدقاء أو أننا نتظاهر بذلك ! أهلا يا عديقي عارف !
ومد يدا مفتوحة ليصافحني ، غير أنني لم أمد يدي. أعاد يده إلى جسمه . وهو يتساءل :
- لماذا لم تمد يدك ؟
- لأننا لم نصبح عديقين بعد ، نحن ما نزال أعداء !
وبعد برهة صمت ،هتف :
- يا لفضيحتي إذا ما عرفت زوجتي أن عربيا استولى على بندقيتي!
- ليس من الضروري أن تخبرها .. يمكنك أن تقول لها أنك تركتها مخبأة في منطقة الصيد حتى لا تتعب بحملها عند قدومك للصيد.
- فكرة مقبولة وإن كنت أعتقد أن أحدا لن يصدقها لو سمع بها . آمل أن تصدق زوجتي ذلك.
*****
ألقيت نظرة على طيور الحجل القتيلة والثعلب المسكين وأنا أتساءل :
- ألا تشعر بالحزن لمقتل هذه الطيور الجميلة التي تزيّن بطاحنا ؟
فوجئ بسؤالي الذي لم يخطر بباله :
- الحزن ؟ بل أشعر بالمتعة كلما اصطدت طائرا أو أرنبا أو ثعلبا .. لحم هذه الطيور لذيذ جدا ، لم أصطد غير ثلاثة منها هذا اليوم ، لكنها تكفي لوجبة دسمة مع الأسرة في البيت . لأول مرة أصطاد الثعلب وآمل أن يكون لحمه شهيّاً ! ألا تحب الصيد أنت ؟
- بل أكرهه ! فأنا لا أتصوّر نفسي قاتلا لهذه الكائنات الجميلة ! ربما كنت كذلك في طفولتي وبعض شبابي ، حين لم أكن قادرا على التمييزالسليم بين ما هو فعل خيراني وآخر شرّاني !
- وكيف نميّت شعور الخير لديك بحيث غدوت ترى حتى في الصيد فعلا شرّانياً ؟
- فعل الخير لا ينمو إلا بثقافة إنسانية ومعرفة خيرانية، وهذا ما لم ترق إليه معظم المجتمعات البشرية حتى اليوم. اكتسبت الشعور الخيراني بعشقي للمعرفة والتأمّل في الوجود والغاية منه . وليس نتيجة لثقافة مجتمعية بدائية متخلّفة ، بحيث أصبح لدي فلسفتي الخاصة لفهم كل شيء والتصرّف إزاء كل شيء وفهمه .
- هل أفهم من هذا أنك لو اضطررت إلى قتلي لن تكون سعيدا بذلك ؟
- بل سأكون حزينا ، وربما حزينا جدا ! فأنا لا أتصور نفسي قاتلا مهما كان نوع ضحيّتي ! وكثيرا ما أتمنى بيني وبين نفسي أن أكون قتيلا لا قاتلا ،وأدعو إلهي أن تكون نهايتي كذلك إذا كان لا بدّ من ذلك !
ظلّ متفكرا للحظات في ما أقوله ، وقد أحسّ أنني أوغلت كثيرا في كشف أغوار نفسي له ، بما يتناقض مع انفعالي حين حاول أن يستفزني.
- لكنك بدوت عكس ذلك حين شعرت أنني أستفزك !
- ثمة ما هو دفين في دخيلتي من آلام وأحقاد تسببتم وتتسببون بها ، وإن أية محاولة مباشرة لإيقاظها قد تدفعني إلى ما أكرهه.. ألا ترى كم الأطفال والشباب الذين قتلتموهم أوجرحتموهم أو اعتقلتموهم منذ أن أعلن ترامب القدس عاصمة أبدية لإسرائيل ؟! ضع نفسك مكاني أو مكان أي فلسطيني ، ألا ترى أن البركان الخامد في دخيلة أي منّا سيثور في أية لحظة استفزازية ، فما بالك إذا كانت هذه اللحظة موغلة في القتل والعدوانية الفظيعة . هل هناك محتل عاقل يعتقل طفلا في حدود السادسة من عمره ؟ هل رأيت أو سمعت عن احتلال يفعل أفعالكم ؟ وكل هذا ليس إلا غيض من فيض ، فعمر هذا الصراع طويل جدا ، فالحديث منه ينتمي إلى وعد بلفور، أي مائة عام ، أمّا القديم فيبدأ من زمن غزو أريحا بقيادة يوشع بن نون عام 1186 قبل الميلاد حسب ما تذكره التوراة ، بغض النظر عن مدى صدق وتاريخية ما ترويه .
- يبدو لي أنك مُحق في كل ما تقوله يا عارف ، ويبدو لي أنني كنت في حاجة إلى رجل مثلك ليعرّفني بما لا أعرفه وليرشدني إلى ما أتجاهله أو لا أدركه . هل بإمكاني أن أشعل سيجارة أخرى .
- بإمكانك أن تدخن دون اذن مني وبإمكانك أن تصلح من وضع جلوسك إذا تريد .
شعر بقدر من الأمان معي . ثنى رجليه تحت فخذيه وأشعل سيجارة ، ثم وضع يديه على ركبتيه ، حدق بعيدا في السفح المقابل حيث كانت بعض الكهوف القديمة التي كان يستخدمها مواطنو بلدتنا للسكن أو لتخزين غلال الأرض. وشعرت بدوري أنّه لن يقدم على ما يدفعني إلى استخدام البندقية . أزحت سبطانتيها عن مواجهة صدره ومددتهما على عرض فخذيّ، مبعدا اصبعي عن الزناد، مبقيا يدي على مقربة منه .
شعر أنني بدأت اطمئن بعض الشي إليه . هتف وهو يحك عنقه :
- واضح أنك تحمل معرفة ثريّة أمضيت عمرك في تحصيلها ، مما أنتج لديك ثقافة انسانية واسعة الآفاق.
- آمل أن أكون كذلك . صحيح أنني أعرف عن هذه البلاد منذ أقدم عصور التاريخ حتى قطْن هذه الكهوف المواجهة لنا وحتى يومنا هذا ، لكن هذا لم يكن كافيا لإثراء معرفة وإنتاج ثقافة ، فكان لا بد من اللجوء إلى المعرفة والثقافة البشريتين بالقدر الذي أتاحه الزمن لي.
- هل تعتقد بوجود إله ؟
- أعتقد بوجود قائم بالخلق يكمن في المادة والطاقة !
- هذا يعني أنك ملحد .
- أبدا ! طالما اعتقد بوجود قائم بالخلق .
- لكنك لا تعترف بوجود خالق قبل وجود المادة والطاقة !
- صحيح فأنا لا أتصور وجود خالق كان في العدم ، فالعدم لا ماهية ولا جوهر له، فهل يعقل أن يكون هناك خالق دون ما هية وجوهر ؟
- وهل يتوفر هذان العنصران في المادة ؟
- بالتأكيد ! فالمادة تحتوي على عناصر الخلق الأربعة : الماء والهواء والتراب والنار .
- وماذا عن الطاقة ؟
- الطاقة هي ما ينتج عن هذه العناصر، وهي ما عبر عنه أفلاطون بمفردة الأثير في هندسته المقدسة !
- هل المادة والطاقة مختلفان حسب رأيك ؟
- مختلفان في الشكل فقط أما في المضمون فلا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى . فإذا كانت المادة هي الماهيّة فالطاقة هي جوهرها ، فليس هناك مادة إلا وينتج عنها طاقة وليس هناك طاقة إلا وينتج عنها مادة في أشكال مختلفة ومتنوعة . ولو أننا أمعنا النظر في اسطورة الخلق البابلية مثلا لوجدنا كل عناصر الخلق الرئيسية وما ينجم عنها . ولم يكن هناك عدم يوجد فيه آلهة سابقة على وجود المادة ، كانت الآلهة ( المادية) في الماء الموجود من قبل. والماء لا يستقرإلا على مكان ، والمكان يحتاج إلى حيز يشغله .. إلى آخر ما يمكن أن يتولّد عن ذلك من حقائق الخلق .. لنصل إلى نتيجة أن القائم بالخلق كان في الخلق نفسه أي في المادة ، وأن الوجود كله جاء من مادة هذا القائم ، الذي أطلقت عليه البشرية أسماء مختلفة بعد اختراع اللغات ، كالله أو يهوه ، أو الرب ! والغريب أن تعتمد العقائد السماوية اللاحقة قصة الخلق من الماء دون أن تقدّم مفهوماً لماهية الخالق ، وجعلته سابقا على الخلق والوجود، وقدّمت مفهوماً مبهماً له ، على أنّه ليس كمثله شيء ، حسب الفهم الإسلامي .
- ما هي رؤيتك للأديان ؟
- اجتهادات العقل البشري لمعرفة الوجود والغاية منه . وليس هناك أمة لم تفكر في هذا الأمر.
- وهل أنت معها أم ضدها ؟
- أنا معها كاجتهادات وأحترمها لذلك، وضد مفاهيمها كحقائق مطلقة مقدسة يجب التقيد بها وبتعاليمها وتشريعاتها حسب نظر المتدينيين .
- لكن كيف تكون مع وضد في الوقت نفسه ؟ كيف سيفهمك الناس؟ !
- لقد وضحت ذلك في إجابتي على تساؤلك !
- أريد أن أستوضح أكثر .
- احترامها يعني احترام اجتهادات عقول الأجداد، الذين فكّروا في الخلق، وبالتالي احترام تراث الأمم، ونقد هذه الإجتهادات يأتي من منطلق تطويرها لتواكب العصر الذي نعيش فيه ، وما أنتجه من مفاهيم مختلفة .
- لو أننا أخضعنا واقعنا لفهمك سنرى أننا وأنتم نتصارع حول القدس لأن كلاً منا يعتبرها رمزا لتراثه .
- صحيح مع ان الصراع ليس حول القدس وحدها بل حول الوطن نفسه . فالأوطان أساس تراث الشعوب وموئل أرواحها وتشكّل هويتها وبناء شخصيتها، حتى لو لم يكن فيها مدن مقدسة !
- ما الحل برأيك ؟
- أن تتخلوا عن عقليتكم العنصرية الفوقية وادعاء أن الأرض لكم وحدكم ، حتى التوراة كانت تعترف بوجود شعوب أخرى في المنطقة كالفلسطينيين والكنعانيين والأموريين والحثيين والفرزيين واليبوسيين وغيرهم .
- إن أردت الحقيقة ، أنت تشوقني لأن أستمع إليك وأعرف منك ، فأنا رغم تعصبي ليهوديتي، لا أجزم أن القوّة وحدها ستكون قادرة على حماية أحفادي إلى الأبد ، حتى وإن قدرت لن تكون قادرة على إزالة القلق من نفوسهم . لذلك لا بد من وجود حل ما ..
- كل الأقوام التي جاءت إلى هذه البلاد انتهت إلى غير رجعة ، بدءا من الأغريق مرورا بالفرس والرومان والصليبيين وانتهاء بالإنكليز، ولا أظن أنكم في حال أفضل منهم ، وأن مستقبلكم سيكون أفضل من مستقبلهم ، خاصة وأن الزمن تغير ولم يعد زمن استعمار إلا عندكم .
- كلامك صحيح .
لم أجب . بدأت أشعر بالتعب من جلوسي المتهيئ والمتحفز لإطلاق النار . خاطبته:
- في مقدورك الآن أن تذهب إلى أن نلتقي ثانية . سأعطيك رقم هاتفي.
نهض بعد أن نقلته رقم هاتفي . كنت قد وقفت بدوري متراجعا وأنا بكامل حذري ، واضعا سبابتي على زناد البندقية الأول ، موجها سبطانتيها نحوه . فك حزام الطلقات عن وسطه وألقى به على الأرض وهو يهتف "لن أحتاج إليه طالما البندقية معك" وشرع في وضع طيور الحجل والثعلب في جعبة ظهر كانت ملقاة إلى جانبه.
رفع يده قائلا " سلام " قبل أن يستدير وينصرف .
تنفست بعمق ومخيلتي تستعرض الزمن الذي أمضيته معه متحفزا .. لا بد من إراحة أعصابي بكأس من البابونج أو الزعتر البرّي! انطلقت عائدا إلى البيت المتواضع الذي أقطنه وحيدا على أطراف البلدة.
*****












التوقيع - محمود شاهين

وحين التقينا يا إلهي بعد كل هذا العناء من البحث عنك وجدت نفسي أمام نفسي !!

البوم بعض لوحاتي على الفيس بوك
http://www.facebook.com/profile.php?...8035&sk=photos

رد مع اقتباس
قديم 19-01-2018, 12:35 PM رقم المشاركة : 2
محمود شاهين
عضو مميز

الصورة الرمزية محمود شاهين
 





***

اخر مواضيعي
 

***
محمود شاهين متواجد حالياً

افتراضي

الفصل الثاني من رواية " عديقي اليهودي"
(2)
تساءلت راحيل بدهشة وهي تنتصب في مواجهتي، حين رأتني أدخل البيت دون بندقيتي :
- جاكوب! أين بندقيتك ؟
حاولت أن أبدو طبيعيا مع أنني لست كذلك !
- تعبت من حملها ، قلت أتركها مع الطلقات في مخبأ ما في المنطقة حتى لا أضطر إلى حملها كلما خرجت للصيد .
- إهيه! تعبت من حملها؟! ولم تفكر في أي عربي قذر قد يخرج عليك من مكان ما ويقتلك وأنت لا تحمل ما تدافع به عن نفسك ؟!
طرحت الجعبة عن ظهري وألقيت جسدي على أريكة متنفسّاً بهدوء.
- لك أن تصدقي أو لا تصدقي . حمل البندقية والطلقات مع الصيد ثقيل عليْ!
شرعت في فتح الجعبة لترى ما اصطدت ! فغرت فمها هاتفة وهي ترتعد لرؤية الثعلب:
- ثعلب؟ هل جننت لتصطاد ثعلبا ؟
- ما به الثعلب ؟ قد يكون لحمه أطيب من لحم الأرنب والحجل ؟
- لكنه محرم في ديننا كما الخنزير !
- أين قرأت أنه محرم ؟
- في التوراة والتلمود !
- ومنذ متى تهتمين بالحلال والحرام ، ألم تأكلي لحم الخنزير من قبل ؟ بل ولتعلني أن ضلعه طيب ولذيذ؟!
ويبدو أن راحيل تراجعت عن رأيها وراحت تتمنى أن يكون لحم الثعلب طيبا، قالت أنها ستسلخ جلده وجلد الطيور وتنظفها لتعدها للغداء والعشاء.
اقترحت أن تعد الثعلب لطعام الغداء وتترك الحجلات لطعام العشاء . وافقت ونهضت إلى العمل .
*****
اتصلت بصديقي " رافي " الذي يعمل في الشاباك لأطلعه على ما جرى معي وأطلب مساعدته .
التقينا بعد قرابة نصف ساعة . لم يصدّق أن عربياً قذرا استطاع أن يخلصني بندقيتي، لم يأبه بنومي لتقديم مبرر للحالة، مؤكداً أنه كان يجب أن أظل حذرا خلال صيدي في هذه المناطق ، فلا أحد يأمن جانب الأوباش العرب . وحين أخبرته أن الرجل مسالم ويبدو أنه مثقف كبير راح يتساءل :
- كيف عرفت أنّه مسالم ومثقف ؟
- مسالم بدليل أنه لم يقتلني بعد استيلائه على بندقيتي. ومثقف لأنه تطرق في حديثه إلى قصة الخلق التوراتية، وعلاقتها بأساطير الخلق القديمة، كالبابلية . وتطرق إلى تاريخ المنطقة القديم وحروب اليهود مع أمم قديمة حسب التوراة، وحتى إلى علماء الآثار الإسرائيليين وإلى تاريخ نشأة اليهودية في اليمن والسبي البابلي وغير ذلك..
- أف هل تطرق إلى كل هذه الوقائع التاريخية خلال لقائكم ؟
- أجل !
- ولماذا استولى على بندقيتك إذا لا يريد أن يقتلك؟
- كان متخوّفا من إقدامي أنا على قتله .
- اسمع ! هذا الرجل قد يهم أجهزتنا كثيرا لندرس من خلال عقله العقل المستقبلي الفلسطيني ، بل العقل العربي، لنرى في ماذا يفكر، وكيف يرى مستقبلنا معهم . لا تلتقيه ثانية قبل أن أزودك بكل تعليمات القيادة . اكتب تقريرا مفصلا عن كل ما جرى معك و عن كل ما تحدّث حوله.
افترقنا أنا ورافي على أمل اللقاء صباح اليوم التالي.
*****
كانت راحيل قد أعدت الثعلب لطعام الغداء ، ودعت سارة لتناول الغداء معنا . لم تصدّق سارة أيضا أنّني تركت بندقيتي مخبأة في الجبال. تساءلت باستغراب:
- هل يعقل باب أن تترك بندقيتك وتعود دونها؟
- هذا ما فعلته نظرا لحملي الثقيل مع الصيد.. صدقيني ساراي.. وأرجو عدم فتح الموضوع معي ثانية . ما أخبار شمعون ؟
- يقوم بقمع الأطفال الفلسطينيين من ضاربي الحجارة على أكمل وجه . ترباية أبيه وأمه !
- لم أره منذ قرابة شهرين .
- غارق في الحب والقمع !
- حب من ؟
- فتاة مصرية غير متدينة !
- هل هي جميلة ؟
- إلى حد ما !
- أجمل منكِ؟
- لا أظن ! قد يأتي لزيارتكم برفقتها . حائزة على الليسانس في الأدب الإنكليزي وهي الآن تخدم في العسكرية .
- وأنت ما تزالين على عملك في تدريس علم الإجتماع والفلسفة ؟
- لا أجيد عملا آخر.
- والحب؟
- تركت من أحب لأنه متعصب وأحمق !
- ماذا أبدى من تعصبه :
- استيقظت عليه ذات صباح وهو يتضرع إلى يهوه قائلا:
" أشكرك يا سيدي لأنك لم تخلقني امرأة أو حمارا أو خنزيرا أو عربياّ " نهضت غاضبة .. صفعته على وجهه وأنا أهتف "اخرج من بيتي ولا تدعني أراك ثانية أيها الأحمق ، تبا لك وليهوه ولكل الآلهة التي على شاكلته "
رحت أضحك وراحيل تقدم أطباق الطعام . قلت لسارة :
- آمل أن يكون شمعون على وفاق مع محبوبته المصرية .
- بل على خلاف فهي تحب مصر وتحن إليها بعد أن زارتها أكثر من مرة ، ولا تطيق اليهودية والمتعصبين إليها ، ما أبقاها على علا قة مع شيمون هو عدم تدينه وإن كانت تختلف معه حول القمع الذي يمارسه ، وتطلب إليه أن يخفف من قمعه للأطفال والفتيان الفلسطينيين .
*****
كان لحم الثعلب طيبا بعض الشيء وإن كان قاسيا قليلا . لم تصدّق سارة أنها تأكل لحم ثعلب . قالت بعد أن ابتلعت لقمة منه :
- باب ! أرغب في أن تصحبني يوما لأصطاد معك .
- سأصحبك باب لكن ليس هذه الأيام !
لم تسألني سارة لماذا ليس هذه الأيام، وهذا أمر جيد ، لم أكن أعرف ماذا سأقول لها .
*******
التقيت رافي في اليوم التالي لأسلمه التقرير الذي طلب كتابته عن لقائي بعارف نذير الحق . أمضيت قرابة ثلاث ساعات في كتابته . ابتهج رافي وهو يقلب صفحات التقرير .. غادرني على أمل أن نلتقي مساء أو في اليوم التالي .
التقينا صباحا .. اصطحبني إلى اورشليم لمقابلة مسؤول كبير . لم يقل رافي شيئا عن هذا المسؤول . في الغالب هو مسؤول في الشاباك أو الموساد ، أو في الجهازين. استغرق اللقاء قرابة نصف ساعة، عرفت خلالها أن المسؤول يهتم بالقضايا الإستراتيجية للدولة . كنت مجرد مستمع لما قاله :
" يهمنا أمر هذا العربي يا يعقوب ونأمل منك أن تقدم لدولتنا خدمة كبيرة في معرفة خفايا شخصيته وما يدور في عقله. نحن نتابع بعض كتاباته لكن ذلك غير كاف . في ماذا يفكر وكيف ؟ حاول أن تتقرب منه أكثر بإبداء الود تجاهه ودعوته إلى ولائم وحفلات .. حاول أن تبدو أمامه معارضا ولو لبعض سياسات دولة اسرائيل . اسأله كيف يفهم اليهود وما الذي يعرفه عن تاريخهم وتاريخ بني اسرائيل . اسأله عن التوراة والتلمود والكتب اليهودية الأخرى . أين نشأت اليهودية حسب رأيه ؟ كيف يفهم سفر التكوين ، اورشليم ، هيكل سليمان ، نشيد الأنشاد ، سفر أيوب ،مزامير داود .. ما رؤيته إلى العقائد البشرية ومستقبلها . ما علاقة الديانات الإبراهيمية ببعضها وبالعقائد البشرية .كيف يفهم الخلق والخالق والغاية من الوجود. إذا كان يؤمن بوجود خالق أو إله فما هو ، وكيف يفهمه ؟ كل هذه المسائل وغيرها تهمنا .. حتى متى ينام ومتى يستيقظ ومتى يفكر ومتى يتناول طعامه ، ما الأشياء التي يحبها وما الأشياء التي يكرهها . هواياته، قراءاته ، علاقاته، أصدقاؤه .. نقدر الجهود التي ستبذلها، لذلك خصصنا لك راتبا شهريا مقداره خمسة آلاف دولار . وأية مصاريف طارئة سنتكفل بها .. سنزودك بجهاز للتسجيل عبارة عن زر تزرر به كم قميصك، مصحوبا بزر وهمي للكم الآخر! إضافة إلى جهاز موبايل صغير ذي حساسية عالية للتصوير والتسجيل أيضا، قد تحتاج إليه . يمكن ان يكون مكشوفا له ، كهاتف جوّال ، لا مشكلة في ذلك . حين تحتاج إلى أية مساعدة خبرنا .. وفقك الله .
غادرت مكتب المسؤول الذي لم اعرف اسمه ، لأجد رافي في انتظاري .. لم يسألني شيئا عمّا قاله لي .. بدا أنّه يعرف كل شيْ.
******












التوقيع - محمود شاهين

وحين التقينا يا إلهي بعد كل هذا العناء من البحث عنك وجدت نفسي أمام نفسي !!

البوم بعض لوحاتي على الفيس بوك
http://www.facebook.com/profile.php?...8035&sk=photos

رد مع اقتباس
قديم 22-01-2018, 12:08 PM رقم المشاركة : 3
محمود شاهين
عضو مميز

الصورة الرمزية محمود شاهين
 





***

اخر مواضيعي
 

***
محمود شاهين متواجد حالياً

افتراضي

عديقي اليهودي 3
خابرني يعقوب. اتفقنا على أن نلتقي في المكان نفسه في اليوم التالي. فكرت كثيرا في أمر البندقية هل أحملها أم أتركها ؟ حملها لن ينقذني إن أراد هو قتلي أو إن أرادت سلطته.. ففي مقدوره قنصي من بعيد بسلاح أكثر فتكا لن يصعب الحصول عليه . لا شك أنه أخبر سلطته بما جرى له، ولو أنهم قرروا قتلي أو اعتقالي لفعلوا. وطالما لم يحدث ذلك فإن يعقوب قد كلّف بمتابعة حواراته معي لمعرفة كل ما يدور في دماغي. قد يسعون إلى معرفة عقل فلسطيني مختلف إن عرفوا عقلي .. وفي هذه الحال هل أكون حذراً في حواراتي معه أم أتحدث بصراحة .. لكن ماذا يفيد الحذر بعد أن أبديت ما أبديته في اللقاء الأول . أكيد سيحمل جهاز تسجيل مخفياً ، وربما يكتفي بالتسجيل على هاتفه الجوّال.
أقنعت نفسي بهذه الأفكار وانطلقت حاملا معي عصا معقوفة قد أحتاج إليها .. مررت بابن أخي (علي) يرعى قطيع أغنامه من المعز والنعاج في سفح جبل .. كان قد وعدني بخروف صغير للشواء يقدمه لي متى أردت. أراد ني أن أنتقي خروفا ليبقيه على ذمتي . رفضت قائلا:
- لا أحبذ ذلك يا عم فلا أريد أن أتذكر شكل الخروف الجميل كلما اقتطعت لقمة من الشواء!
فوجئ ابن أخي مع أنه يعرف عني بعض الأشياء .
*****
فكرت .. هل أصافح يعقوب هذه المرّة إذا ما مد يده ؟ لم أتخذ قرارا لكنّي صممت على أن لا أكون من يمد يده أولا !
سبقته إلى المكان . رأيته بعد لحظات ينحدر من السفح المواجه . كنت أقف إلى جانب الحائط . بقيت واقفا إلى أن وصل . تمهّل في سيره على بعد خطوات منّي. واضح أنّه يفكر في مدّ يده لمصافحتي.
توقف على ما يقرب من متر مني هاتفاً " سلام " متجنبا التحية ب " شلوم " وما لبث أن مدّ يده ببطء!
مددت يدي ببطء أيضاً. بدا وكأنّه ينتظر هذه اللحظة ، فسارع إلى مصافحة يدي . لم يضغط على يدي بقدر ما ضغطت أنا على يده خلال مدة قد لا تتجاوز الثانيتين .
جلسنا أحدنا في مواجهة الآخر. تساءل مبتسما :
- هل أصبحنا عديقين ؟
- ممكن ! ..عديقين سلودين !
قلت ذلك وأنا أبتسم . فاجأته المفردة الجديدة . تساءل بدهشة:
- سلودين ؟
- أجل !
- ماذا تعني ؟
- .. المسالمين اللدودين ! مفردة مشتقه من السلام واللّدد (الخصومة الشديدة )!
راح يضحك :
- لماذا لم تحمل البندقية ؟
- لن يفيدني حملها في شيء . ثم إنني لست من هوات الصيد وقتل الطيور والحيوانات .
- ألم تفكر في أننا قد نقدم على قتلك ؟
- بل فكرت كأي فلسطيني تحت احتلالكم ، في مقدوركم أن تقتلوه متى تريدون ، حتى لو كان لديه ما هو أهم من بندقية صيد !
تساءل بعد لحظات من الصمت:
- عن ماذا تحب أن نتحدث هذا اليوم ؟
- عمّا تريده أنت ؟
بدا وكأنّه حضّر للأمر من قبل ، فقد سارع إلى القول :
- ألا ترى أن أصل اليهود من هذه المنطقة المسمّاة عربية اليوم ؟
- لم أقل غير ذلك، وهذا ما لا تعترفون به أنتم، تريدون الأرض لكم وحدكم . فهذه الأرض التي تتحدث عنها والمسمّاة أيضا الشرق الأوسط أنتجت عشرات الديانات إن لم يكن مئات ،والديانات ليست أعراقا وقوميات ، فلا يصح أن نعتبر اليهودية أو المسيحية أو الإسلامية عرقا أو قومية ، فهؤلاء جميعا ينتمون إلى أقوام انتهوا إلى ما يعرف بالقومية العربية أو العرق العربي. أنتم عملتم من هذا الدين البائد قومية واعتبرتم أن الأرض كانت لكم وحدكم دون الآخرين.
- لماذا تقول انتهوا إلى ما يعرف ، ألم يكونوا عربا من قبل ؟
- على الأغلب لم يكن معظمهم ! فمفردة عربي تكرست بعد اختراع اللغة العربية وتطورها في زمن قد لا يتجاوز خمسمائة وألف عام ! فالفراعنة والبابليون والسومريون وحتى ما عرف بالكنعانيين والفنيقيين والهكسوس وغيرهم كثيرون لم يعرفوا كعرب في زمنهم . كان هناك مناطق تدعى أربيا في جنوب ما يعرف اليوم ببلاد الشام والعراق، ورد ذكرها في النقوش البابلية والأشورية التي تتحدث عن الغزوات إليها . ومعظم الناس في الأزمنة القديمة كانوا ينتمون إلى أقطارهم أو مناطق نفوذهم أوأسماء قبائلهم وأجدادهم ، والعرب حسب المؤرخين كانوا يقطنون بادية الشام التي كانت تشمل شبه جزيرة العرب ودعيت خلال الحقبة الإغريقية باسم العربية ، وباللاتينية أربيا . وإذا ما اعتبرنا أن اسم كل قطر أونسب كل جد يمكن أن يشكل قومية أوعرقأ فسيكون لدينا آلاف القوميات والأعراق . والأمم في هذا الزمن تنسب إلى أقطارها وحتى قاراتها وليس إلى أعراقها أو دياناتها .. الوحيدون بين البشر الذين حوّلوا دينهم إلى قومية هم أتباع الديانة اليهودية . المسيحية والإسلام كديانتين انتشرتا في العالم ومع ذلك ليس هناك بلد في العالم يطلق عليه اسم أي من الديانتين ، أوأي ديانة أخرى من ديانات البشرية ، وهي كثيرة كما تعلم وتعد بالآلاف . ولوكان منشأ الديانة يشكل قومية ووطنا لأصبح من حق المسلم الصيني أو الهندي أو الماليزي أن يطالب بحقه في شبه جزيرة العرب وفي مكّة !
- وماذا عن العرق السامي الذي يرى العرب أيضا أنهم ينتمون إليه ؟
رحت أضحك ..
- تقصد عرق سام بن نوح الذي ينسب الساميون إليه ؟
- أكيد .
- ليس هناك نص أو تدوين تاريخي مكتشف ومؤكد حتى اليوم،غير كتاب التوراة ، يذكرأنّه وجد في التاريخ انسان اسمه نوح، نجا وأبناؤه وزوجاتهم من طوفان أغرق العالم ، وأن البشرية تناسلت من أبنائه الثلاثة ، سام وحام ويافث ؟ هذه الوقائع هي أساطير متخيّل أدبي، وليس لها أية علاقة بالتاريخ والتأريخ ، إلا بقدر ما هي متخيل اسطوري حسب زمن ما . هل يمكن لعاقل أن يقتنع بأن العالم قد غرق بطوفان؟! لوأنزلت السماء كل ما تحمله غيومها من أمطار، وفاضت البحاروالمحيطات كلّها لما أغرقت الكرة الأرضية ، لأن المياه الهاطلة من السماء تشكلت من مياه تبخرت عن الأرض ، والمياه المتبخرة عن الأرض كانت تشغل حيزا محددا من مساحة الأرض ، وعند هطولها ثانية ، لن تشغل أكثر من الحيّز الذي كانت تشغله من قبل ... وهذه التسمية ( الساميون ) ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر استنادا إلى التوراة ، ليتم تداولها فيما بعد دون أن يأخذ بها معظم شعوب الأرض. أخذ بها بعض المستشرقين ممن يجهلون التاريخ أو ممن يهمهم تزوير التاريخ ليعزوه إلى اليهود.
- لكن ألا يمكن لله أن ينزل مطرا يغرق الأرض حتى لو لم يكن هناك تبخروغيم؟
- ألا يفترض وجود إله أوّلا وأنه قادرعلى أن يقول للأشياء كوني فتكون لكي تصبح الإمكانية قابلة للحدوث ؟
- أنت لا تعتقد بوجود إله كهذا ؟
- طبعا لا أعتقد !
- لماذا ؟
- لأن من أمضى 14 مليار سنة في خلق وجود لم يبلغ الكمال بعد، لن يكون قادرا على خلق ماء وإنزاله وإغراق الأرض بكلمة كن أو ليكن !
- هذا إله بمفهوم مختلف لديك !
- هذا قائم بالخلق كما أسلفت في لقائنا السابق وليس بالضرورة أن يكون إلها أو أنّه يعتبر نفسه كذلك !
- ماذا يمكن أن يكون ؟
- الطبيعة ممثلة في المادة والطاقة !
- دون أن تحمل صفة ألوهية؟ّ!
- البشرية هي من أعطتها صفة الألوهية بعد اختراع اللغات . وقبل ذلك لم يكن لها اسم أو صفة . وزمن اللغات لا يتجاوز بضعة آلاف من الأعوام لا تتجاوز الستة آلاف حسب أبعد تقدير .
- إذن أنت لا تؤمن بوجود إله خلق الوجود في ستة أيام ؟
- أكيد لا أؤمن وهذا الأمر واضح من كلامي، وخاصة بإله لم يوجد إلا في زمن تدجين المواشي واكتشاف الزراعة ! أي منذ قرابة عشرة آلاف عام على أبعد تقدير. وبعض الباحثين يحددون خلق آدم بما لا يزيد على ستة آلاف عام على الأكثر. ويحددون طوفان نوح بما لا يزيد على أربعة آلاف عام ! وإذا كانت البشرية قد انقرضت حسب الطوفان فإن عمرها لا يزيد على أربعة آلاف عام ، فهل يعقل هذا ؟
- كيف عرفت أنّ الله وجد في ذاك الزمن حسب التوراة؟
- ألم يقدم ابنا آدم قربانين له من ثمار الأرض وأبكار الغنم ، فقبل تقدمة هابيل وهي من أبكار الغنم ورفض تقدمة قابيل ( قايين ) وهي من ثمارالأرض ؟!
- أجل !
- فالزمن واضح هنا كزمن رعوي زراعي.
- ليس من الضرورة أن يكون الإله قد وجد في ذاك الزمن!
- وجود خالق مرهون بوجود خلقه ، وطالما أن خلقه لم يعرف قبل ذاك الزمن فهو لم يعرف بدوره .
- لكنّ عدم معرفته لا يعني عدم وجوده !
- هذا يعني أنه كان موجودا في العدم ، لأن عملية الخلق لم تكن قد بدأت ، فألا يحتاج الخالق إلى حيّز مكاني يشغله ؟
- قد لا يحتاج إذا كان روحاً أو عقلاً!
ضحكت :
- بغض النظر عن وجود روح أو عدم ذلك فهي تحتاج إلى حيّز مكاني حتى لو كان فراغاً! والأمر نفسه ينطبق على العقل ، وهذا الأخير سيحتاح أيضا إلى جسم مادي ينتجه ، والجسم يحتاج إلى حيّز يوجد فيه .
- يمكن أن تكون الأيام الستة ليست كأيامنا . يمكن أن يكون اليوم مليون عام مثلا!
ضحكت ثانية :
- هذا ما اجتهد بعض الكنسيين في قوله ، لكن حتى لو كانت الأيام كذلك فهي لن تكون أكثر من ستة ملايين عاما من أعوامنا ! وهذا رقم ضئيل جدا مقارنة بأربعة عشر مليار عام على بدء عملية الخلق. ثم إن الزمن محدد هنا حسب زمن اكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات ولا يمكن أن يحسب إلا بالزمن كما نعرفه وليس كما يريده هذا الإله المفترض أو كما يريده الكهنة !
أطرق قليلا ثم هتف:
- الحوار معك يقودنا إلى آفاق متعددة يحتاج كل منها إلى أيام وربما سنوات . وقد نضطر إلى الوقوف عند كل مسألة وحدها . سأعود إلى ما بدأناه .
- ليكن .
- إذن أنت ترى أننا ننتمي إلى المنطقة ، وخاصة اليهود القدامى الذين أنشأوا اليهودية ، لكن لا ترى أن لنا قوميتنا الخاصة وهي اليهودية أو الإسرائيلية أو بني اسرائيل !
قلت وأنا أضحك بسخرية :
- بنو اسرائيل حسب توراتكم هم نسل يعقوب أوأتباعه بعد أن تصارع يهوه معه ليلا بطوله وأطلق عليه اسم اسرائيل، أي عبد الله ! وإيل هو كبيرآلهة شعوب هذه المنطقة في ذلك الزمن . فماذا عن البشر الذين وجدوا قبل ذلك ، من آدم حتى نوح وأولاده ، ومن نوح حتى ابراهيم وإسحق وإسماعيل، ففي هذه الحال لماذا لا تكونون بني قنيقاع، أو بني النضير، أو بني قريظة مثلا، فستحصلون على أكثر من قومية، إذا كانت القوميات تنسب إلى القبائل والأديان ؟! فهذه القبائل من القبائل التي اعتنقت اليهودية وكانت موجودة في شبه الجزيرة العربية منذ القدم وحتى صدرالإسلام، وفي الإمكان بناء على ذلك أن تكون دولتكم دولة بني قنيقاع مثلا بدلا من دولة بني اسرائيل!! ثمّ قل لي بإلهك! إذا كانت البشرية كلها من نسل آدم ، وآدم من خلْق يهوه ، فكيف يتخلى يهوه عن البشرية التي خلقها ويختار بني يعقوب ( اسرائيل ) دون غيرهم ؟
- لأن السابقين فسقوا وفسدوا وضلّوا فأنزل عليهم الطوفان !
- يا سلام ! وكأنّ بني اسرائيل لم يفسدوا ويضلّوا فيما بعد ، حتى سليمان نفسه ضلّ واتبع عبادة الآلهة الأخرى في المنطقة . وماذا عن بني نوح حتى اسحق أب يعقوب فهم لم يضلوا ، فلماذا تخلى يهوه عنهم ولم تكن الدولة دولة بني نوح مثلا أو حتى بني ابراهيم ؟!
- أنت تحرجني وتضعني أمام أسئلة صعبة وحقائق أجهلها يا عارف! ماذا يكون أصلنا حسب رأيك ؟
- قلت لك . أنتم عرب يا عديقي، وأقصد يهود المنطقة القدامى وليس الإشكناز أو من هم من يهود الخزر الاوروبيين وأمثالهم ممن اعتنقوا اليهودية في أزمان لا حقة هروبا من صراعات وحروب كانت رحاها تدور في العالم بين امبراطورية اسلامية صاعدة وامبراطوريات أخرى تتهاوى . ومشكلتكم أنكم لا تريدون أن تروا ذلك ، ولا تريدون أن تعترفوا به !
- هل بإمكانك اثبات ذلك ؟
- طبعا بإمكاني وبأقصر الطرق !
كيف ؟
- لن أتبع منهج الباحثين الذين توصلوا إلى أن اليهود عرب وأنّ اليهودية ديانة عربية نشأت في الجزيرة العربية . سأتبع المنطق فقط حتى لا أطيل عليك :
يتفق جميع المؤرخين على أن قبائل يهودية وجدت في اليمن وجنوب الجزيرة ووسطها ، منذ ما قبل التاريخ ، وقد تطرقت النقوش الأشورية والبابلية إلى ذلك من ضمن تدوينها للغزوات والحروب . ومن هذه المناطق التي وجدوا فيها : بعض مناطق اليمن ويثرب وتيماء وخيبر ودوس واليمامة ونجران . ويرى المؤرخون أن هؤلاء كانوا ينحدرون من قبائل رئيسية كبني قنيقاع ، وبني اسماعيل كيهود غطفان وكنانة، ويهود من قبائل سبأ وحمير .
ويتفق المؤرخون على أنه كان هناك الكثير من القبائل اليهودية عند فجر الإسلام في شبه الجزيرة ، ومنهم : بنو عوف وبنو النجار وبنو الحارث وبنو ساعدة وبنو جشم وبنو الأوس وبنو ثعلبة وبنو قنيقاع وبنو النضير وبنو قريظة ويهود خيبر !
ويتفقون أيضا على أن الهجرات كانت تتم من الجزيرة العربية إلى خارجها وخاصة إلى بلاد الشام ، وليس العكس ، نظرا لصحراوية الجزيرة وانهيارات سد مأرب في الجنوب .
السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه :
هل هاجرت كل هذه القبائل من بلاد الشام الخصبة، إلى الجزيرة العربية الصحراوية لتنعم بصحراويتها، أم أن العكس هو الذي حدث حسب رؤية المؤرخين ؟
أكيد وكما يقول المنطق إن العكس هو الذي حدث .. وربما كان آخرالهجرات إلى بلاد الشام بعد الإنهيار الأخير لسد مأرب في حوالي 500 م .
وبناء عليه فاليهودية دين عربي نشأ في الجزيرة العربية وانتقل إلى بلاد الشام ، وعند تدوين التوراة ( المتخيّلة ) قام المدونون بنقل الوقائع من أراضي الجزيرة العربية إلى أراضي بلاد الشام ، وأطلقوا عليها بعض أسماء مدنهم وقراهم وممالكهم ، ليجعلوا منها موطنا لهم بدلا من الجزيرة الصحراوية . واختلقوا شخصيات اسطورية وأمم وقبائل لم توجد في التاريخ . وحتى الشخصيات التي يمكن أن يكون لها وجود تاريخي حولت إلى شخصيات خارقة أسطورية تتحكم حتى في الخلق كسليمان الذي تحكم بالجن والطيوروغيرهما !
- وماذا عن النقوش الأشورية ؟
- ألم تقتنع بما أوردته ؟
- أحتاج إلى التأكيد أكثر كي أقتنع . فربما هاجر هؤلاء مما كان يعرف بلاد الشام إلى الجزيرة واليمن نتيجة لحروب مع الأشوريين أو غيرهم واستقروا هناك .
أخرجت جوالي ورحت أبحث على جوجل وأنا أقول :
- ربما تعرف أن اسم القدس لم يرد في التوراة على الإطلاق . ما يرد هو مدينة تدعى اورشليم ، وليس هناك أي إشارة في التوراة إلى أن اورشليم هي القدس . وهذا الباحث فاضل الربيعي، وهو عربي عراقي، ألّف كتابا يحمل عنوان " القدس ليست اورشليم " يقول استنادا إلى نقوش أشورية:
" لقد سجلت هذه النقوش اسم "قدس- قدش" كاسم لجبل ضمن جغرافيا جبلية محددة، كما سجلت اسم أورشليم كمدينة دينية يهودية في جغرافيا أخرى مختلفة، وهذا يعني أننا أمام اسم جبل في مكان، وأمام اسم مدينة في مكان آخر؟ هذه النقوش تسجل أخبار الحملات الآشورية على اليمن وليس على فلسطين "
وهذا يعني أننا أمام جغرافيا يمنية ومدن يمنية . ويورد الربيعي نصاً ل آسور ناصر بال (883- ق. م.859) مترجما إلى الإنكليزية يتحدث عن جبل قدس في أرض ( بلاد ) قدش! لا يذكر أن هذا الجبل هو مدينة اورشليم . ويورد نصأ آخر منسوبا إلى نبوخذ نصر ( 599 ق.م.) يسجل الاسم نفسه " قدس – قدش) خلال حملة له جاء فيه أن نبوخذ نصر " سار بجيشه وسيطر على حمت وربلة وقدس ، وداهم الصحراء القريبة بحملات متتالية ونهب كثيرا من القبائل العربية " ويضيف معلّقا :
"هذه النقوش تؤكد بشكل قاطع أن الآشوريين هاجموا القبائل اليمنية في مكان يدعى "جبل قدس"، وهو اليوم بالاسم نفسه "جبل قدس" في مديرية سامع بمحافظة تعز (نحو ثمانين كلم غرب عدن)، وهذه المديرية ملاصقة وقريبة جدا من محافظة لحج، حيث خاض نبوخذ نصر معاركه ضد الكهنة اليهود، ثم قام فور انتهاء القتال بتنصيب كاهن موالٍ له يدعى في التوراة "شافان". وبالطبع، فإن نبوخذ نصر في نقوشه لا يقول إن قدس هي أورشليم، من قال ذلك هم اللاهوتيون الذين ترجموا اسم قدس، حيث ورد إلى "أورشليم" (Jerusalem)، وبذلك دمجوا المكانين في اسم واحد، ثم سردوا لنا تاريخا مزيفا"
"إن أورشليم التي سجلتها النقوش الآشورية هي مدينة دينية وليست جبلا، ويتأكد لنا ذلك حين نقوم بمقاربة جديدة بين نصوص التوراة وهذه النقوش، ولنأخذ مثلا نقوش سنحاريب (705-816 ق.م)، فبعد أن أزاح سنحاريب الكاهن اليهودي حزقيا أعطى جزءا من أراضيه لملك موالٍ له يدعى "الملك متنيا-متنية" ثم عين ابنه يهوقيم بدلا منه، ونقوش سنحاريب هذه تروي كيف أنه أغلق كل المنافذ على الكهنة اليهود حين هاجم أورشليم، وتمكن من إلقاء القبض على الفارين من المدينة المقدسة"
وفي نقوش أخرى تسجل حملات نبوخذ نصر، نجد أنه أخمد تمردا قبليا يمنيا في جبل قدس ، ثم اتجه في وقت لاحق من حملته صوب مدينة أورشليم لينصب هناك الكاهن جدلية بن شافان، وكيلا عليها " وثمة بلدة حسب الربيعي في محافظة لحج اليمنية تدعى حتى اليوم "قرية شافان "
يختتم الربيعي كلامه بالقول :
"إن التوراة في النص العبري لا تذكر ولا تسجل ولا تلمح حتى مجرد تلميح إلى أن القدس هي أورشليم كما يزعم اللاهوتيون والتوراتيون، هذه أكذوبة اختلقها الأوروبيون لتبرير اغتصاب فلسطين"
وأنا أضيف إلى هؤلاء الحركة الصهيونية !
أغلقت الجوال وشرعت في تعبئة البايب بالتبغ لأخذ قليل من الراحة ، فيما أخرج يعقوب علبة سجائرة وأشعل سيجارة . قال وهو ينفث الدخان :
- أنت تدخلنا في متاهات التاريخ !
قلت بعد أن اشعلت البايب وسحبت نفسا عميقا:
- بل ادخلك في حقائقه . آن الأوان لأن نخلص من هذه المهزلة التاريخية ، ونضع النقاط على الحروف ، الإبقاء على العداء بيننا وبينكم ليس في صالح الطرفين ، وسيظل التوتر قائما إلى ما لا نهاية له ، واعتقادكم أننا سننسى تاريخنا ونرضخ لكم ونعيش تحت احتلالكم إلى الأبد اعتقاد خاطئ!
- لنأخذ مثلا الهنود الحمر في أمريكا ،استكانوا وخنعوا !
- الهنود الحمر أبيدو بعشرات الملايين ولم يستكينوا ولم يخنعوا! وأنتم لن تستطيعوا إبادتنا وإبادة الملايين من العرب ومن يتعاطف معهم من المسلمين وحتى القوى المحبة للسلام .
أدرك يعقوب أنني عدت لأنكأ القلق الدفين في دخيلته .
- ما الحل إذن ؟
- قلته لك من قبل ولن أكرر ما قلته. لا بد من الإعتراف بحقوقنا كاملة .
- وحقوقنا ؟ هل نعود من جديد لنبحث عنها في اليمن والسعودية ؟
- من قال ذلك . العالم يتجه إلى الأنسنة والتقارب بين البشر، وقد يكون لكم علاقات مفيدة ومثمرة مع الأقطار العربية والعالم ، لن تتوفر لكم إذا ما بقيتم منعزلين ومحتلين لنا .
- ماذا تقصد بالأنسنة؟
- أقصد انسانية الإنسان دون قوميته أو عرقه ، انظر إلى أوروبا كيف توحدت بعد أن أنهكتها الحروب المدمرة . وهذا ما تسعى إليه الدول المتحضرة ..العداء بين الأمم لم يولّد إلا العدوانية والكوارث المدمرة ،والأمم في حاجة إلى التعاون لمواجهة تحديات المستقبل الطبيعية والإجتماعية والإقتصادية والإنسانية . لن يفتخر انسان المستقبل لكونه عربيا أو اوروبيا أو غير ذلك ، سيفتخر بكونه انسانا حقق انسانيته بانتمائه إلى الإنسانية . هذا ما قد يتحقق إذا ما تضافرت أمم الأرض لتصنع مستقبلا مشرقا لأجيالها .
- أحلام رومانسية يا عارف ليس ثمة إمكانية لتحقيقها.
- لا أظن أنها كذلك ، فتحقيقها أسهل من تحقيق أي حرب مهما صغرت .. لن يكون هناك دولة في المستقبل قادرة على أن تعيش في عزلة ولو محدودة عن العالم . انظر ماذا يجري اليوم ، ليس هناك دولة إلا وتسعى إلى اعتراف جميع دول العالم بها ، حتى اسرائيل نفسها تسعى إلى ذلك . ماذا لو صممت دول العالم على تنفيذ قراراتها المتعلقة بفلسطين وإسرائل ، هل ستحاربون العالم ؟ وفي المستقبل قد تتمكن دول العالم من تحقيق معجزات لم ولن تحققها الحروب إذا ما كان لديها تصميم على ذلك .
ألقى نظرة على زر كم القميص في يده اليمنى . تابعت نظراته ! توقعت أن يكون الزر جهاز تسجيل لغرابة شكله وحجمه. ابتسمت دون أن أبوح بما توقعته . لاحظ ابتسامتي دون أن يعرف لماذا ! تساءل :
- هل تعتقد أن البشرية في المستقبل ستتخلى عن معتقداتها وقومياتها؟
- المعتقدات ستنقرض كما انقرضت المعتقدات القديمة، فأين عبادة مردوخ ورع وزيوس وغيرهم من مئات الآلهة ؟ المعتقدات جميعها ستصبح مجرّد تراث للبشرية ، لتعرف كيف فكرأجدادها.. واليهودية ستكون من أول العقائد المنقرضة !!
- لماذا ؟
- لأنها من العقائد الأقدم وأتباعها قليلون في العالم.
- ألن يكون هناك دين في المستقبل ؟
- سيكون دين أقرب إلى العلم منه إلى الدين ، يمكن أن يسمى دين الإنسان . دين يقوم على فهم المادة والطاقة ودورهما في عملية الخلق. يمكن أن يكون الأقرب إلى وحدة الوجود الحديثة كما أفهمها أنا، أو كما طورتها بتعبيرأدق، تقوم على مبدأ قائم بالخلق ،استنادا إلى ما ذكرت .
- هل أنت فيلسوف ؟
- إذا لم أكن فيلسوفا ، فلدي فلسفة لا تخلو من تجديد وإفادة من فلسفات سابقة عليها، وخاصة مذهب وحدة الوجود!
- أرغب في معرفتها ، لكنها مسألة قد تحتاج إلى وقت قد لا يكون مناسبا الآن . ابنتي سارة درست الفلسفة وعلم الإجتماع وهي تدرسهما في كليّات ومعاهد خاصة ، وهي علمانية ، وقد تحب الإستماع إليك ..
- لعل علمانيتها مثل علمانيتك، علمانية عنصرية تعتقد بوجود خالق تقليدي!
- لا لا ! لا تعترف بوجود خالق على الإطلاق وخاصة حسب الأفكار الدينية المختلفة . وربما يكون فهمها أقرب إلى فهمك . ثم إنها تؤيد جماعة ( السلام الآن ) في اسرائيل ولها علاقات صداقة مع بعضهم .
- لكن فهمي يجتهد لأن يبتعد عن العلمانية الإلحادية، لاعتقادي بوجود قائم بالخلق قد يكون إلها ، أو يقبل أن يطلق عليه صفة الألوهية ، مع أنّه قد لا يرى ضرورة لذلك !
- قد تتفق معك إذا ما عرفت فلسفتك .
- آمل ذلك .
- طلبت أن ترافقني في رحلة صيد ذات يوم ، وعدتها بذلك !
- هل لديك مانع في أن تلتقي بك ؟
- لا ! ليس لدي مانع ، وقد يهمني أمرها بقدر ما يهمني أمرك !
- ألا ترى أننا نقوم بما يشبه مفاوضات سريّة بعد أن أوقف الفلسطينيون مفاوضاتهم العلنية معنا !
- ممكن ! وقد تكون مفاوضاتنا مجدية أكثر من مفاوضاتهم . فنحن نتفاوض دون شروط مسبقة مع أخذ مصالحنا في الإعتبار!
- صحيح !
أشعلت بايبي ثانية . شعرت بالجوع . أخبرت يعقوب :
- لم أتناول سوى كأس لبن وبضع حبات من التمرعلى فطوري . أشعر بالجوع لا بد من إنهاء اللقاء لهذا اليوم .
فاجأني يعقوب حين هتف قائلا:
- أدعوك لتناول الغداء معي .
رددت بعفوية " شكرا " ولم يلح هو في الأمر ، ربما لإدراكه أن الزمن ما يزال مبكّرا على مثل هكذا دعوة .












التوقيع - محمود شاهين

وحين التقينا يا إلهي بعد كل هذا العناء من البحث عنك وجدت نفسي أمام نفسي !!

البوم بعض لوحاتي على الفيس بوك
http://www.facebook.com/profile.php?...8035&sk=photos

رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 09:23 AM
عدد الزوار اليومي : 815 ، عدد الزوار الأسبوعي : 9.827 ، عدد الزوار الكلي : 4.299.736
Powered by vBulletin® Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
©حقوق النشر والملكية الفكرية محفوظة©

 
Developed for 3.6.0 Gold By uaedeserts.com