:: منتديات من المحيط إلى الخليج :: البحث التسجيل التعليمـــات التقويم
 

العودة   :: منتديات من المحيط إلى الخليج :: > المنتديات الثقافية والسياسية > ركن "النقد والدراسات الأدبية"
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

تعاميم إدارية

آخر 10 مشاركات بالأسماء لا بالأرقام (الكاتـب : سنان المصطفى - )           »          إما أنت أو لا أحد !! (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          من نحن ؟ من الله ؟ وما هي الغاية من وجودنا ؟! (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          صفوكلات انتشاء ممهور (الكاتـب : يوسف المغاري - )           »          أوهام على رقعة الشطرنج .. (الكاتـب : زياد هواش - )           »          "الداعشي" وأخيه .. (الكاتـب : زياد هواش - )           »          الزعران الذين (الكاتـب : مصطفى مراد - آخر مشاركة : عمر علوي ناسنا - )           »          تجاعيد المساء الأخير (الكاتـب : لطفي العبيدي - آخر مشاركة : عمر علوي ناسنا - )           »          انا العاهرة واما بعد ,,,,, (الكاتـب : عبد الغني سهاد - آخر مشاركة : عمر علوي ناسنا - )           »          ترقب (الكاتـب : رامز النويصري - آخر مشاركة : عمر علوي ناسنا - )

رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 12-03-2008, 06:16 PM رقم المشاركة : 1
توفيقي بلعيد
عضو مميز

الصورة الرمزية توفيقي بلعيد
 





***

اخر مواضيعي
 

***
توفيقي بلعيد غير متواجد حالياً

افتراضي النص والنص الموازي:قراءة في"أفول الظلام"/قيس الهمامي

النص والنص الموازي
ثنائية الانسجام والتوتر






تحاول هذه القراءة أن تحاور وجها من وجوه العلاقات النصية متمثلا في النصوص الموازية "Les paratextes" وذلك من خلال النظر في نص "أفول الليل".1 يرى جيرار جينيت" G. Genette " أن هذه العلاقة "تتمثل في تداخل النص الأصلي مع مختلف العتبات الواردة قبله وبعده وحتى خلله "2 ، وأن أي قراءة لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار الإشارات المنضوية في خانة "النصوص الموازية" باعتبارها "تعد محددا أساسيا لفعل القراءة، بل قد توجهه وجهة لا تخلو من خلفية إيديولوجية "3. ولن نعتني بهذه الخلفية الإيديولوجية وأبعادها، وإنما نسعى إلى تبين الانعكاسات الفنية المنجرة على هذه الإشارات والقضايا التي يمكن أن تنبجس منها.
نشير في البداية إلى كوننا نقتصر في قراءتنا على المقدمة باعتبارها "نصا موازيا" وضعه الكاتب لكتابه قبل طباعته بشهر تقريبا4 ونحاول استجلاء الدلالات التي يبشر بها نص المقدمة أو يسعى إلى تكريسها، ونسائل مدى قدرته على اختزال النص والكشف عن أبعاده. وهي مسألة لا يمكن أن تكتسب شرعيتها وفاعليتها إلا بتأمل عالم النص واستكناه آلياته ومدلولاته التي تجعله منسجما و"النص الموازي". لكن، إذا كانت كل قراءة أحادية المنحى- وليست المقدمة في الحقيقة إلا قراءة في نص قد اكتمل- فإنه من الضروري توجيه البحث وجهة أخرى بتتبع مظاهر الخروقات التي يحدثها النص في علاقته مع النص الموازي، إذ الأكيد أن هناك مساحة توتر تسمح بالانفلات من عقال القراءة الواحدة الموجهة وتحيد بالنص عن توجهات ما هو معلن، ذلك أن ماهو منجز ينهل من رؤية كاتبه بلا ريب وفي ذات الوقت يمتح من تجربته التي قد تفرض تشكيله الفني، وبين هذا وذاك يحمل النص- قطعا- رؤية مؤلفه دون أن يتحدد بها أو يقتصر عليها، إنما هي واحدة من دلالته تتجلى في مختلف مستوياته.
1- النص الموازي: الدلالات والأبعاد
يضع "الطاهر محفوظي" مقدمة لنصه يناقض فيها ما تعودناه من الروائيين العرب، إذ جرت العادة في إشاراتهم أن الأحداث والشخصيات محض خيال وإن تقاطعت مع الواقع فذلك من قبيل الصدفة لا غير، فيتنصّلون من المرجع الخارجي حتى إن كان النص الروائي غارقا في الواقع منغمسا في تفاصيله.
نجد أسبابا عدة لتنصل الكتاب، منها ماهو فني ونراه سببا جوهريا يفسر التنكر للحقيقة التاريخية والإصرار على تمثيلها في آن. فلو أعلنوا كون الأحداث المروية حقيقية وأن الشخصيات النصية ما هي إلا الأشخاص الذين قاموا بالأحداث فعلا على أرض الواقع لخرج النص من الإنشاء إلى النقل، وعليه من الأدب إلى التاريخ. وتبعا لذلك تنتفي صفة الروائي عن الكتّاب. وكأن قدر الرواية أن تبقى بعيدة عن الواقع قريبة منه، قدرها لتكون رواية وتستحق تأشيرة الالتحاق بإمبراطورية الأدب أن تنشئ واقعها الخاص وتشاكل الواقع المعيش. فهي لا تكون كذلك إذا قالت الواقع كما هو بأمانة المؤرخ ونظرة العارف المشارك في أحداثه فـ"التصوير الدقيق لواقع راهن لا ينتج بالضرورة عملا أدبيا"5 و"المباشرة...تضعف الإبداع كذلك يضعفه التجريد"6 كذلك من غير المجدي أن نرهق الذاكرة في كتابة الرواية إذ يكفي التخييل كما يذهب إلى ذلك "دانييل هييه".7
هكذا نفهم أن الفكرة واحدة وإن كانت بطرق مختلفة، ورغم كونها وليدة شروط تاريخية، فإنها اكتسبت صفة الأزلية أو القدسية، وباتت معرفا للرواية وبطاقة هويتها. بل حدا فاصلا بين الخطاب الأدبي والخطاب التاريخي، فهل يعني هذا أننا نتناول نص "أفول الليل" في غير موقعه الذي يجب أن يكون فيه باعتبارنا نعالجه في إطار ندوة تهتم بالرواية في الوقت الذي يعلن فيه كاتبه "الطاهر محفوظي" أنه لم يكتب إلا ما حدث فعلا؟.
1-1- النص الموازي ومخالفة الشعائر
يحدد "الطاهر محفوظي" في مقدمته الإطارين التاريخي والجغرافي لنصه، فهو يروي أحداث ما عرف "بسنوات الرصاص" في المغرب الأقصى."حيث واجه الشعب وقواه الحية الاستبداد والظلم والقهر"،8 فكانت الاعتقالات على نطاق واسع. ضمن هذا الوضع العام يقتصر الكاتب على الأحداث المتصلة بـ"مجموعة 36 والتي ستغدو 42 يطلق عليها مجموعة بوغابة ومن معه أو قضية النقابة الوطنية للتلاميذ"9. قد نتساءل لماذا هذا الاستثناء؟، لماذا الاهتمام "بالنقابة الوطنية للتلاميذ" خاصة أنها لم تكن الجهة الوحيدة المناضلة أو الطرف الوحيد الذي شملته الاعتقالات وذاق ألوان التعذيب؟.
نجد الإجابة في نص المقدمة واضحة شفافة فـ"إذا كانت الكتابات المتعلقة بهذه الفترة العصيبة (سنوات الرصاص) نادرة فإن الحديث والتعريف بمجموعة 36 منعدمين تماما"10 لذلك يرمي الكاتب إلى إخراج المجموعة من العتمة إلى النور ويعيد إليها اعتبارا نسيه المؤرخون مما يجعل نص "أفول الليل" "محاولة متواضعة لرفع بعض الغموض عن العشرات من المناضلين الذين ناضلوا قي صمت... ولم يسمع بهم أحد"11
إنه الدّين الذي لا بد من تسديده وقد تكفل به "الطاهر محفوظي" ربما لأنه كاتب وكان واحدا ممن لحقهم الظلم والمهانة زمن التجربة، وممن وقعوا في دائرة الصمت والنسيان والتنكر الإعلامي.
نستشف من المقدمة قصدية الكاتب وقصدية النص وكلاهما يتجه إلى مرجع خارجي هو الأحداث التي وقعت فعلا في فترة تاريخية محددة وفي مكان معين، مما يجعل الأحداث الواقعية مرجعا مباشرا للنص، أولم يقل الكاتب عنه : إنه" شهادة صادقة على فترة عصيبة من تاريخ المغرب"12. ولزيادة التأكيد على طبيعة المرجع يقول: "لقد توخيت الصدق والدقة فإن أخطأت أو قصرت فلرفاق التجربة أن يصححوا أو يضيفوا".13 فنفهم من ذلك أن رفاق التجربة هم حجة الكاتب على ما يقول ويترك لهم تصحيح الأخطاء إن وجدت وتثبيت بعض الحقائق التي ربما غابت عنه. قد يحتاج المؤرخ إلى الاحتجاج على ما يقول في حين لا يحق للروائي البتة- ربما – ذلك. غير أن الكاتب من أجل قراءة مرجعية لنصه يقدم للقارئ ضمانا. وهو إن يسعى إلى إقناع القارئ بحقيقة ما كتب ويدفعه إلى إتباع إستراتيجية قرائية معينة إنما يقحمه في دوامة السؤال والمراجعة.
1-2- النص الموازي بين الخلخلة والبناء
كان يقال لنا دائما: إن الأدب لا يحتمل الصدق والكذب ومن السذاجة أن نسأل عن هذه القيم داخل النص الأدبي أو نقيمه من هذا الجانب، ذلك أنه حتى أكثر الدراسات التي حاولت الملاءمة بين السردين التاريخي والأدبي انتهت إلى التفريق بينهما على مستوى "مراجعهما المباشرة وهما الأحداث "الواقعية" "والخيالية"14 ففي عرف "بول ريكور" "الروائي ينتج أو يبدع المؤرخ يكتشف أو يكشف"15. بهذا المعنى يكون الانتماء إلى الخطاب الأدبي مشروطا بعكس ما قيل في المقدمة باعتبارها تقف في الجهة المقابلة لمفاهيم من قبيل التخييل والمغامرة والمتعة وإنشاء الجمال وتؤكد مفهوم الحقيقة والحدث الواقعي والشخصية التاريخية والمعرفة. وهي بهذا التحول تحطم "أفق توقع" القارئ، الطرف الرئيسي الذي يتوجه إليه نص المقدمة دون أن يذكره، إذ بتقديمه منهج الكتابة وقصديتها وتغليبه الصبغة الإعلامية أو الإخبارية على الصبغة التأثيرية الجمالية يدفع القارئ إلى انتهاج قراءة مرجعية بالأساس، مما يعني أن تحطيم "أفق التوقع" متصل بمفهوم الرواية جنسا أدبيا وبالأدب عموما، باعتباره "أحد أنماط الخيال الإبداعي بمعنى يتصور ويكذب ويخدع"16 فتكون هوية النص محل تساؤل، خاصة أن الكاتب لا يحدد الجنس الأدبي لنصه إنما يجعله في المطلق "هذا الكتاب"17
نعلم أن معرفة الجنس الأدبي محدد أساسي للقراءة ولتحليل الخصائص الفنية للنص، وحسب المعطيات الأولية التي يكشفها "النص الموازي" لا بد من قراءة "أفول الليل" خارج القوانين الروائية والأدبية المتداولة.
لكن، هل توجد قراءة بريئة؟ قراءة لا تنطلق من خلفية ما؟. إن المقدمة – في الحقيقة- هي رؤية للنص، فلماذا يريد الكاتب توجيهنا إلى القراءة المرجعية ويتغافل عن كل ما من شأنه أن يكون فنا؟.
إن العودة إلى الماضي التاريخي ضرورة ابستيمية، قد تكون متصلة بالكاتب عندما تكون الذات محورها. وقد تتصل بقضية اجتماعية سياسية عامة فيكون محور الاهتمام ما وقع فعلا في فترة محددة. لتكون مهمة الكتابة إعادة هذه الوقائع إلى التاريخ، وفي هذه الحالة يجب على القارئ أن ينظر إلى ما جاء في" الرواية" على أنه معرفة حقيقية لا مجرد إنتاج مخيلة مبدعة ويكون الدافع وراء الإلحاح على المرجعية الواقعية للأحداث خشية الكاتب من ضياع جهوده سدى بفعل السنن البالية في قراءة الرواية والأدب وخشيته بذلك من أن تقع "النقابة الوطنية للتلاميذ" ضحية العقل النقدي وما أورثنا إياه كما كانت ضحية الوضع التاريخي.
يلعب النص الموازي إذن دورا أساسيا في إعادة تشكيل الوعي النقدي بجعله في موضع مساءلة، والسؤال بداية معرفة جديدة فهل يمكن للرواية أن تقول الواقع بدل الإحالة عليه؟.
يقول" بول ريكور": "من سوء الحظ أن ظهور الماضي من خلال الأشكال التخييلية قد وقع تعتيمه فيما بعد عن طريق المناقشات الجمالية"18 ونستشف من هذا الطرح أن الماضي التاريخي قد ضاع في متاهات الجدل الجمالي في النقد الأدبي كما وقعت محاصرة الرواية وتقليص مجالها رغم أن "الفهم السردي يحمل قيمة تفسيرية تضاهي أو توازي التفسير التاريخي"19. قد تكون "القيمة التفسيرية" أو الإعلامية المتعلقة بالوقائع التاريخية هي المهيمنة في النص الروائي إن على مستوى التشكيل الفني وإن على المستوى التيمي مما يجعلنا نطرح سؤال ما الرواية؟ بين ماهو واقعي حقيقي وما هو متخيل، الذي يحيلنا بدوره إلى البحث عن علاقة الواقعي بالمتخيل داخل النص مع ضرورة وضع المفاهيم ذاتها موضع مساءلة وتمحيص.
هذا بعض ما يثيره النص الموازي، وإن هو يطرح مشكلة الهوية النصية فإنه في الحقيقة يجبر القارئ على التخلي عن معارفه السابقة أو على الأقل مراجعتها من خلال ممارسة النصوص.
2- النص والحقيقة
يذهب"بول ريكور"إلى أن مطلب الحقيقة هو الرهان النهائي لكل الآثار السردية20 وهي رؤية تجد سندا لها في النقد الأدبي وفي الخطاب الفلسفي على حد سواء، حيث يقع التفريق بين لغة الشعر ولغة النثر باعتبار الأولى تنشد ذاتها في حين تهدف الثانية إلى غاية خارج بنيتها ولهذا هي "لا توحي بل تحدد، وهي لا تعيش زمانا غير محدد كالشعر بل ترسم زمنا معينا21. يرى "جون لوك" أن النثر ينقل حقيقة الأشياء22 ويتفق" إيان واط" مع "فرديريك انجلس" في كون الرواية والتيار الواقعي عموما يضعاننا على اتصال مباشر مع الوقائع ومجريات تفاصيلها بجعل الشخصيات تعيش نفس الوضعيات التاريخية23 وهو ما يثير قضية أساسية تتعلق بالتشخيص وكيفياته. لكن قبل ذلك ما الواقع وهو موضوع التشخيص؟ وما الحقيقة؟.
إن مفهوم الواقع له من المرونة ما يجعله صعب التحديد قطعيا، فهل هو ما وقع أو يقع أم ما كان يمكن أن يقع وما هو ممكن الوقوع؟. وهل ينحصر الواقع في الوقائع المادية أم يتجاوزها إلى ماهو نفسي؟. قد يفضي تعدد الإمكانيات إلى نفي مقولة الواقع الواحد وإقرار المتعدد من جهة، ومن جهة أخرى، تتضح لنا دائرة أساسية يتحدد من خلالها مفهوم الواقع وهي دائرة الإمكان مما يجعله مرتبطا بالمعقول الذي ينشدّ إلى تصور الإنسان عن العالم.24
يتحدد مفهوم الواقع إذن، برؤية الإنسان للعالم وإدراك ظواهره. لكن، إن ما كان بالأمس واقعا لا ريب فيه قد نراه اليوم خيالا أسطوريا، وما نراه اليوم واقعا راسخا قد كان هلامي الوجود في الماضي، مما يعني أن الرؤية الإنسانية وثيقة الصلة بالصيرورة التاريخية والحضارية فيصبح مفهوم الواقع ،الذي هو من المفروض أن يكون ثابتا، خاضعا للتحولات ولا يمكن أن تكون الضحية في خضم هذه العلاقات إلا "الحقيقة" التي انتقل وجودها من عالم الأزل إلى التاريخ البشري، وبحلولها في الإنسان إنما تخضع للزمن الخاضع بدوره للحركة والتغير فينعكس ذلك مباشرة على "الحقيقة" التي لا يمكن أن تكون ثابتة كما كانت وهي تسكن عالم المثل، فلم يعد بالإمكان الحديث عن الحقيقة المطلقة بل عن "حقيقة/ حقائق" ذلك أن الوقائع التاريخية تخضع إلى جملة شروط ودوافع أدت إلى حدوث هذا ومنعت حدوث ذاك رغم أنه "لا يمكن أن يوجد تفسير علمي بمعنى قانون يفسر الظاهرة"25 التي حدثت أو التي كادت أن تحدث. مما يعني أن الوقائع التاريخية "تنطوي على ماهو ضمني" فإلى جانب ما وقع" هناك أيضا الإمكانات المجهضة"26 وقد اختص الخطاب التاريخي بما حدث فعلا في حين أن خطاب التخييل يهتم بما كان يمكن أن يكون أو بما يمكن أن يكون.
تعلن "أفول الليل" اهتمامها بما حدث فعلا مما يعرضها أن تكون خطابا تسجيليا. ولكي لا تكون الرواية كذلك، عليها أن تعتمد أساليب فنية متنوعة تمكنها من مقاربة الواقع دون أن تكون مرآة عاكسة، فلا بد لها من المفارقة بشرط أن تحدث نوعا من الاستيهام الواقعي. وقد اصطلح النقاد على هذه العملية مفهوم "التشخيص" " Représentation " أي "إعادة الإنتاج وبهذا المعنى يعيد الأدب إنتاج مرجعه بشكل من الأشكال".27وتعني إعادة الإنتاج بناء صورة متكاملة متجانسة توهم بالواقع دون أن تماثله وما نلاحظه كون الشكل القصصي يعتبر محددا أساسيا لآليات التشخيص.
2-1 أفول الليل: غياب الشكل القصصي
على شاكلة السيرة الذاتية أو الخطاب التاريخي، تنبني الحكاية في "أفول الليل" إذ أن طبيعة الأحداث هي التي تحدد نبرة السرد. ويعود هذا الأمر في اعتقادنا إلى التزام المؤلف في المقدمة التي تعتبر بمثابة العقد بينه وبين القارئ، يذكرنا بالعقد السير ذاتي أو بموضوعية المؤرخ وحياده فغاب الشكل القصصي عن العمل، ذلك أن غاية "الطاهر محفوظي" هي نقل التجربة التاريخية كما حدثت فعلا ولا يهتم لبناء الحبكة وتماسكها والعقدة وضرورة انفراجها. وليس من شأنه تكثيف أساليب التشويق وإثارة المتعة. ولا يدمج الشخصيات في شبكة علاقات فنية إنما يسميها بأسمائها الحقيقية ويقدم لنا بطاقة هويتها إن جاز التعبير.
تنبني "أفول الليل" على سبعة ومائة عنوان متوزعة على أربعين ومائتي صفحة تقريبا، مما يجعل أغلب العناوين متراوحة بين الصفحة والصفحتين وتتناول مواضيع مختلفة يمكن حصرها في أربعة مشاهد أو مراحل تغلب على العمل ككل ونوضحها في الجدول التالي.

المشهد العنوان الأمثلة
الاعتقال - السفر البعيد
- نحو المعاريف وسط الهتاف
- الاعتقال الأول 1972
- الاعتقال الثاني... - سمعنا عن اعتقالات فاس...لكني لم أكن أتوقع في هذا المقر السري ص13
- مرت السيارة قرب محطة
"القطار- المسافرين"...هنا تأكدت أننا نقصد مفوضية المعاريف ص15...
التحقيق - ركوب الطائرة بالمجان
- انتزاع الروح أو الاعترافات
- التحقيق ندا لند دون تعليق ولا تعلاق
- بين الحكومة والدولة والقصر
- إما هو أوهم... - لك خيار واحد: ينتزعوا منك روحك أو اعترافات ص21
- إذن أنتم ضد القصر؟!
- إننا ضد الحكومة ولا علاقة لنا بالقصر
السجن - الحلاق/ الصونا
طبيب الأسنان/ التغذية
قطاني وحشرات/ لائحة الممنوعات... - تفتح الزنازن تبقى مشرعة إلى حين...في الحادية والربع تبتدئ طقوس الغذاء ص114
- قبل الخروج إلى الزيارة ورؤية العائلة نمر من نفس الطقس، حلق الدقون...ص48
- هذا العمل النضالي السريع تسبب لي بعزلة قاتلة بزنزانة منفردة لمدة فاقت الأسبوع ص61
ذكريات الطفولة - آيت أكراط وكروان
- ابن الطاهر أبو الطاهر
- من المرحلة السحرية إلى اللائكية
- المطعم المدرسي
- صلاة الاستسقاء - تتوالى الفصول في القرية...نتبارى في سباق للجري كما نلعب بالخذروف ص135
- كنت أقتن بجوار المدرسة وأحرص بالمجان الدراجات الهوائية للتلاميذ القاطعين المسافات ص101
- كنت أمشي وراء الحارث أرمي حبات الحمص...ص91

تعتبر هذه المشاهد الأربعة المحاور الأساسية المكونة لنص "أفول الليل" ولئن جاءت أغلب العناوين منضوية في إطارها، فإن بعض العناوين الأخرى تخرج عن هذه المشاهد على غرار (أيها المناضلون/ رفاق النضال،رفاق الألم/ مذكرة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية للملك...). كما أننا لا نعثر على ترتيب للعناوين حسب هذه المشاهد التي تأتي متداخلة لا تحكمها بنية زمنية، رغم أنها تمثل مراحل تاريخية بالدرجة الأولى، أو بنية قصصية الأمر الذي يجعل إخضاعها إلى نظام المقاطع السردية يكاد يكون مستحيلا وذلك حتى عند التعامل مع كل نص على حدة فكيف يمكن أن يخضع نص بعنوان "مصطلحات سجنية" لنظام المقاطع وهو عبارة على جدول بياني لبعض الألفاظ المتداولة داخل السجن وكذا الشأن مع منطوق الحكم ونص "أيها المناضلون" والبيان النقابي وبعض المقطوعات الشعرية الواردة في العمل. وإن نحن أعدنا تنظيمها وفق ترتيب معين ومن خلال مشاهد تبدو مترابطة سببيا ومنطقيا مما قد يوحي بشكل روائي حديث يقوم على التشويش الزمني وتداخل الأحداث عبر خلخلة الحبكة وفك العقدة، فإننا لا نذهب هذا المذهب في القراءة لاعتبار أساسي وهو أن بنية النص تفند هذه الرؤية ذلك أن ترتيبنا للأحداث وفق خط يمتد من الطفولة البائسة إلى مرحلة الاعتقال ثم التحقيق فالسجن فإطلاق السراح والحكم بالبراءة،وباعتبار أن المتكلم هو الكاتب والتجربة هي تجربته التاريخية، نكون حينئذ إزاء سيرة ذاتية لا تغفل الوضع العام وهي قضية تنكشف في إبانها. أما إذا نظرنا إلى طبيعة الخطاب فسنلفيه تسجيليا يوثق الأحداث وتشكله آليات تنقل الواقع وما حدث كما هو دون السقوط في بناء صورة نصية للواقع توازي الواقع التاريخي لأن"أفول الليل" لا تؤسس عالما ممكنا بقدر ما ترصد واقعا وتستعيد أحداثا ميزت فترة تاريخية هامة من تاريخ المغرب.


2-1-1 تطابق أعوان السرد
عادة ما تفصل الرواية بين أعوان السرد وتعمل خاصة على تبعيد الكاتب عن منطق السرد ولا يعني هذا أن الرواية واضحة المعالم من هذا الجانب لكن لا نجد في كل الأحوال تطابقا بين الكاتب/ السارد/ الشخصية، فهذه المقولة تعتبر محددا أجناسيا فتطابق أعوان السرد الثلاثة في نص معناه أنه سيرة ذاتية لأن التطابق لا يكون إلا في هذا الجنس فهو قانون نوعي يميزه وما يهمّنا هنا هو الانتقال من المرجعية التخييلية للأحداث إلى المرجعية الواقعية، والمتأمل في سارد "أفول الليل" يجده متطابقا مع "الطاهر محفوظي" كاتب "أفول الليل" وذلك من خلال عديد المؤشرات النصية.
يهيمن ضمير المتكلم مفردا وجمعا على العملية السردية من قبيل أخذت بضع دراهم/ في الثانية استمعت.../ بعد الخطاب توجهت... أو كنا مسالمين.../ كنا في وضعية.../ كنت واحمد فكاك ومحمد تريدا وعبد الحفيظ الحجامي نستجدي... .
نلاحظ من خلال الضمير أن السارد مشارك في الأحداث والحكاية تخصه إذ هو واحد ممن طالته يد الاعتقال وانهالت عليه سياط التعذيب يقول: كنا جلوسا ولم نبد حراكا ولا مقاومة !وضعوا الأصفاد في أيدينا (ص15) وهي ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها فقد كانت الأولى سنة 1972 وفي أواخرها أعتقل مرة ثانية، يقول السارد عنها: دخل علي في مكتب ضابط الاستعلامات العامة شقيقي مسعود وهو يحمل الأكل (ص142). ويذكر في موضع آخر أسماء أشقائه فهم مباركة مسعود فطومة...(ص73) ويرسل السارد عديد الرسائل إلى شقيقه"مسعود" وإلى زوجته. و"مسعود" هو الاسم الذي ورد في الإهداء.
بعد وفاة والد السارد يوم ثاني فبراير 1960(ص91) قرر في صيف العام ذاته دخول المدرسة وفعلا دخلت إلى قسم التحضيري وعمري عشر سنوات (ص92) وعليه يكون السارد من مواليد 1950 وهو نفس تاريخ ميلاد الكاتب الذي "تعرض للاعتقال بتاريخ 03/03/1973 وقضى عامين وشهرين بين مفوضية الشرطة بالمعاريف وسجن أغبيلة بالبيضاء فيما عرف بملف النقابة الوطنية للتلاميذ " كما هو مبين على غلاف الكتاب. ويذكر السارد اسمه في متن النص عند ولادتي أطلق على والدي اسم أبيه...ولم يكن يناديني إلا بالسي الطاهر(ص73).
تشير كل الدلائل إلى تطابق الكاتب والسارد والشخصية واستغناء الروائي عن السارد يلغي تلك المسافة بينه وبين ما يقول أولا، وبينه وبين القارئ ثانيا ويصبح الحديث عن مقام سردي مستقل عن المؤلف من باب الفرضيات المسقطة التي تحيد بالتحليل عن أهدافه، ذلك أن السارد في"أفول الليل" هو "الطاهر محفوظي" الشخص التاريخي وهي العلامة الأولى على واقعية النص أو تاريخية الأحداث، فالتحقق من هوية السارد ومن كيانه الدلالي التاريخي يجعل قوله محفوفا عند التلقي بسؤال الصدق والكذب إذ أن الرسالة موجهة من شخص له وجوده العيني. وهي لهذا إما أن تكون رؤيته للواقع وتأويله وهو ما لا ينفي واقعية النص باعتبار أن الواقع في إحدى معانيه هو الرؤية التي تشكله والحقيقة ذاتية ليتعرف القارئ إلى رؤية قد تكون مختلفة عن رؤيته أو متوافقة معها ولا تخرجنا هذه الوضعية من مجال الأدب. وإما أن تكون الرسالة خالية أو تكاد من رؤية صاحبها وناقلة لأحداث تاريخية يجهلها القارئ أو يكاد بأسلوب تقريري جاف ومدعمة بوثائق بالإمكان التثبت من صحتها وفي هذه الحالة قد نخرج من الخطاب الروائي والأدب عامة (بمعنى ما) لنكون إزاء خطاب تاريخي. ما نلاحظه في الحالتين أنهما يشتركان في تغييب مفهوم الواقع الموازي والاستعاضة عن الصورة المشابهة لما حدث ببنية إخبارية ترصده مباشرة أو تحليلية تفسيرية لملابساته.
2-1-2 الحكاية:
كل حدث سواء أكان تاريخيا أم خياليا لا بد له من أشخاص أو فواعل يقومون به وينسجون خيوطه. بإمكان الرواية أن تعتمد شخصيات تاريخية دون أن يضير روائيتها في شيء، بيد أن ذلك يجب أن يكون في حدث عارض أو ضمن أحداث تؤطر القصة، أما متى كانت جل شخصيات الرواية تاريخية قد وجدت فعلا فعلى الروائي أن يشحنها بدلالات جديدة تخرجها من العينية إلى الرمزية وذلك بإدخالها في شبكة علاقات فنية تخلقها من جديد كيانات نصية وهو ما لا نعثر عليه في نص "أفول الليل" بل لا توجد أي شخصية خيالية ضمنه.
نلفي شخصيات "أفول الليل" كيانات دلالية ثابتة لها وجودها العيني ولا يتم التعامل معها فنيا، بل تذكر أدوارها التاريخية وخاصة وظائف بعض الشخصيات داخل منظمة "النقابة الوطنية للتلاميذ " "فعائشة مفتوح" كانت مثلي طالبة بالسنة الأولى علوم سياسية...كانت مكلفة بثانوية شوقي... (ص114) وبنفس الكيفية يتعامل مع"محمد تريدا " و "أحمد فكاك" (انظر ص ص 116-120) .
يذكر السارد أنهم كانوا خمسة مسؤولين على النقابة الوطنية للتلاميذ بالدار البيضاء...كان تريدا يدير النقاش وكان يحضر كل اللقاءات: عائشة مفتوح، أحمد فكاك الطاهر محفوظي. (ص117) والسبب واضح في اكتفائه بتعريف الأشخاص الثلاثة دون غيرهم وإفراده عنوان لكل شخص وفي المقابل نجد حديثه عن بقية المناضلين عرضيا وكلما سنحت الفرصة فمثلا يذكر أسماء أكثر من عشرين شخصا تحت عنوان "بداية الاعتقالات بفاس" (ص 30) أو يورد جدولا مفصلا يعرف فيه بالمناضلين "مرتبين حسب منطوق الحكم" (ص232) ونجد في هذا الجدول الاسم واللقب/ تاريخ الولادة ومكانها/ العنوان/ المحامي المكلف بالقضية. ونرى فيه تعريفا بهؤلاء وتذكيرا بأسماء نسيها التاريخ رغم أن مقصلة جلاديه تذكرهم جيدا وقد كانوا اثنين وأربعين شخصا فيطابق الجدول منطوق الحكم ويطابق الاثنان ما جاء على لسان السارد في معرض حديثه عن "عائشة مفتوح" كانت الفتاة الوحيدة من بين 42 معتقلا (ص114). بل إن إمعان "الطاهر محفوظي" في التأكيد على تاريخية الشخصيات يصل حد الهوامش إذ يتحدث عن أستاذه في مادة التاريخ ويذكر اسمه "كي مارتيني Guy Martinet" في نهاية النص المخصص له وعنوانه "أستاذي الرائع، صديقي الوفي"(ص 95) ويضع هامشا يوضح فيه بعض المعطيات التاريخية فقد توفي في ماي 2003 بفرنسا وطلب أن يدفن في المقبرة المسيحية بالعنق بالدار البيضاء( ص 96) وكذا الشأن مع "المعلم" الذي كان يحنو عليه ويدخله إلى "المطعم المدرسي" إذ يذكر في الهامش اسمه ووظيفته والمدينة التي أتى منها عبد الغني الوزاني معلم العربية القادم من آسفي (ص 102). هل تحتاج الرواية للتعريف بشخصياتها في هوامش؟.
إن الحديث عن شخصيات تاريخية دون إدماجها في بنية قصصية تعيد إنتاجها تضع الشكل القصصي في الأعمال التخييلية يفقد ركنا أساسيا خاصة أن التعامل معها في هذه الحالة يجعل زمن الأحداث زمنا خارجيا بالأساس.
لكل حكاية زمنان: زمن حدوثها وزمن روايتها، وإن كان للروائي الحق في التلاعب بالأزمنة والمراوحة بين الماضي والحاضر والمستقبل، فإن المقوم الأساسي للسرد التاريخي هو الزمن الماضي الذي يأتي بسيطا مسترسلا فلا "أحد كتب تاريخ الحاضر"28 ذلك أن الخطاب التاريخي يهتم بالماضي سواء أكان قريبا أم بعيدا وينتقي المؤرخ فترة زمنية لمجتمع ما يدرس أحداثها مما يؤدي إلى تطابق زمن الحدث وزمن سرده ومحور التناغم بينهما هو الزمن الفيزيائي أي التعاقبات المقيسة في الواقع المعيش.
نلفي هذه الصيغة في "أفول الليل" باعتبارها ترتكز على الماضي أساسا للحكي ومحورها الزمن الخارجي الذي يضبط باليوم والشهر والسنة على غرار يوم الاعتقال إذ كان اليوم 3 مارس 1973 (ص 13) ويتم تحديد المكان بدقة بذكر المنزل الذي تم فيه الحدث وكان رقم 7 وقيل 10 ملتقى زنقة سان سنس Saint saeins ومنيل مونتان Menil- Montant (ص 13). وإذ تم في التاريخ والمكان المذكورين اعتقال "الطاهر محفوظي" و"أحمد فكاك" و"محمد تريدا" و"عائشة مفتوح"، فإنه بالإمكان التحقق من هذه الواقعة بالعودة إلى منشور وزعه" تنظيم ب"خلال شهر مارس 1973" (ص164).
نجد في متن النص عديد التواريخ العامة التي يمكن التحقق منها خارج النص سواء بمقارنتها مع مؤلفات تاريخية أو بما جاء في "المقدمة" وباعتبار أننا لا نسعى إلى محاججة "أفول الليل" من خارجها إلا بما تضمنته من وثائق رسمية فإننا نكتفي بالمراوحة بين ما جاء في المقدمة وما نلفيه في النص.
يذكر "الطاهر المحفوظي" في المقدمة أن الاعتقالات بدأت "في فاس في غرة فبراير 1973...وفي أبريل 1975 منح السراح المؤقت للمعتقلين الطلبة والتلاميذ...وحوكم الجميع صيف1976 بالبراءة" وتطابق هذه التواريخ ما ورد في النص (ص30/ص171/ص240 وما يليها). بيد أن ما ورد مجملا في المقدمة وقع تفصيله في النص بدقة متناهية من خلال خطاب تقريري يعين ولا ينشئ مما يدعونا إلى النظر في بنية الخطاب.
2-1-3 الخطاب
نكتفي في هذا المقام بدراسة السرد والوصف في علاقتهما بمفهوم التشخيص من ناحية ومفهوم الإخبار من ناحية أخرى.
-السرد: إن المتأمل في "أفول الليل" لا يجد تنويعا سرديا فما يميزها هو السرد اللاحق الذي يوهم بالواقعية أو لنقل بالمعقولية في الحكايات التاريخية فعملية الحكي لاحقة بالضرورة للحدث وما يهمنا هنا هو نوعية الجملة. من البديهي أن الجملة العربية تنقسم إلى نوعين: إنشائية وخبرية وإن كانت الجملة الإنشائية لا تخضع للصدق والكذب فإن الخبرية واقعة بين هاتين القيمتين وقد اعتدنا النظر إلى هذه الخاصية من خلال الصدق الفني ومدى قدرة البنية على الإيحاء به بتماسك نسيجها.
لكن هذه الرؤية مرهونة بالسرد الذي يشكل مشهدا فنيا وإن كان بتفاصيل واقعية وتفقد مشروعيتها في السرد الإعلامي باعتباره يسعى إلى الإخبار، لتخضع الحقيقة فيه للواقع الخارجي فحسب.
ينشئ "الطاهر محفوظي" سرده، في المجمل، على طريقة الخطاب الصحفي، جمل خبرية تقريرية وهذه سمة نوعية مهيمنة في "أفول الليل" ذلك أن غاية الكاتب مرتكزة على نقل ما حدث وليس على التمثل يقول بعد حل الإتحاد الوطني لطلبة المغرب بتاريخ 23 يناير 1973 احتد الصراع...في فاتح فبراير 1973 ثم اعتقال عبد العزيز مطالعة...جاء دور محمد بوغابة ثم عبد الله اعكيب يوم 2 فبراير وامتدت اللائحة لتضم بلقايد والأخوين زغبوش بتاريخ 3 فبراير (ص30) فهل نحن إزاء مؤرخ يؤرخ لما حدث؟!.
يعين السرد إذن، الحدث وتاريخه والأسماء بطريقة أقرب إلى البيانات الإعلامية منها إلى الفن الروائي إذ أن الكاتب يواصل ذكر أسماء المعتقلين من ثانوية "ابن خلدون- الشراردة" وعندما يستوفي خبر الاعتقال يقول بعد ذلك اخذ جميع التلاميذ وبرشيد- وكان طالبا بالسنة الأولى فلسفة إلى صفرو...وبقي الجميع هناك إلى حدود 23/02/1973 . والجملة الاعتراضية واضحة في تمييزها أحد المعتقلين التزاما بالحقيقة التاريخية في توضيح الصفة. وإذ يعين السرد الحدث والتاريخ فلا يغفل المكان "صفرو" أو مدينة "فاس" لما سلّم المعتقلون للشرطة القضائية "بفاس" ورحلوا إلى مفوضية الشرطة بالمعاريف بالبيضاء بتاريخ 29/03/1973 ( ص31). والأمكنة التي يعينها السرد كثيرة منها المنزل الذي تم فيه اعتقال بعض الرفاق أو المدارس والمعاهد أو السجن فمن شروط الكتابة الواقعية "وضع الإنسان ككل داخل محيطه الفيزيائي"29 على حد عبارة آلان تايت. ولمزيد التوضيح يمكن القول باستحالة الحديث عن الفضاء/ فضاءات روائية في "أفول الليل".
ينهض السرد مشبعا بحمولة واقعية، يقصد الإخبار عما حدث لذلك فالواقع هو قاعدته الأساسية التي لا يمكن النظر إليه إلا من خلالها ذلك أن ظاهرة التكرار(سرد حدث أكثر من مرة على غرار حدث الاعتقال ص13/ص15/ص47/ص143...أو التهمة ص28/ص53...أو تكرار حدث وفاة الوالدين ص66/ص91/ص108...) تلعب دورا أساسيا في التأكيد على واقعية الحدث وحقيقته خاصة أنه يستوفي شروط الإخبار. أما الظاهرة الثانية فيمكن أن نسمها بالتكثيف ونستشفها من خلال" الربط بين وحدات منفصلة تنتمي لنفس الحدث"30. وهي مقوم أساسي في الأدب الواقعي كما يذهب إلى ذلك"فيليب هامون" إذ تساعد على رسم مشهد متكامل يحدث الإقناع بصحته لدى القارئ من ذلك حدث التعذيب المنتشر في العمل ككل (ص17/ص19/ص21...) أو تعريف القارئ بالوضع العام في السجن وهي ظاهرة يسهم الوصف بكثافة في تشكيلها.
- الوصف: رغم ضآلته مقارنة بسرد الوقائع، يسهم الوصف في تشكيل بعض الصور في العمل ونحاول أن نتبين الغائية من ورائه، هل هي جمالية أم مرجعية؟ وهل يسعى من خلاله الكاتب إلى التأثير أم الإقناع؟.
يصف الكاتب الزنزانة في مدينة "صفرو " فهي بعرض متر ونصف وطول مترين و20 وعلو 1.80 متر (ص31). ويصف أخرى قائلا: كانت خضراء اللون واسعة بعض الشيء وحتى السقف لم يكن قريبا وأرضيتها كانت من الاسمنت الصلب...في أعلى الحائط كان هناك مصباح كهربائي مشتعل ليل نهار...اما أسفل الحائط وتحت المصباح مباشرة فكانت هناك كوة ينساب الماء منها بدون انقطاع (ص38). واضح هنا أن اللغة لا تقصد إنشاء الجمالية فلا يمكن فهم الصورة من خلال القواعد الخطابية للغة إنما بالعودة إلى المرجع الواقعي فليست "قواعد الخطاب النوعية هي التي تصنع القانون"31بل الزنزانة في واقع التاريخ.
يتكرر الشأن ذاته مع مشهد التعذيب المتعدد الأشكال إذ يعذبك الشرطي،يعذبك الحلاق(بموساه القديمة المتآكلة) والحمام( بمائه البارد وانقطاعاته المتكررة) (ص48) والتعذيب"فن" احترفته أجهزة الأمن كشفت "شرق المتوسط" أساليبه ونقل لنا "الطاهر محفوظي" ما ذاق من ألوانه فـاليدان مغلولتان، متشابكتان مع الرجلين كديك أو خروف معد للشّي وجسمك بين السماء والأرض...ولزيادة الألم يأخذ الشرطي خرقة قذرة يملأها بماء أقذر منها ويضعه على الفم، يصير التنفس صعبا، بل مستحيلا (ص19) ويعيد الكاتب وصف هذه الوضعية بنفس الطريقة بمحافظتة على الحيثيات ذاتها (أنظر ص21) فأية جمالية لمثل هذا الوصف والغاية المعرفية تتجلى في مفرداته قبل صوره؟ مما يدعونا إلى القول: إن الوصف ينهض بوظيفة سردية مادام يتأسس على قاعدة نقل وقائع التعذيب وأشكاله حتى إن أصر البعض على الغاية الجمالية في رسم المشهد فإنها هنا"ممتزجة تماما بمقتضيات "واقعية" كما لو كانت صحة المرجع تبرر وحدها على ما يبدو وصفه"32 فـ"الطاهر محفوظي" لا يصف حفلا فولكلوريا شاهده ذات مرة أو مشهد من صنع خياله يكثف جزئياته الواقعية ليوهم بحقائقيته، بل يستعيد واقعا أليما عاشه ليقول على هذه الشاكلة رحبوا بنا.
لقد تعودنا أن الوصف يرسم القبيح جميلا ويخرج الجميل أجمل، وتعودنا أن يثير فينا الخيال فنسرح في عوالمه السحرية، لكنه هنا يقدم لنا معرفة بواقع تاريخي يتصل بأوضاع المعتقلين السياسيين غايته تثبيت الوضعية لغة حتى لا يتناساها التاريخ وحتى تعود إلى الذاكرة الجماعية ذاكرتها. إن كان لوصف معاناة الشعوب وبشاعة الألم جمال في عرف البلاغيين، فلا يمكن فهم هذه الجمالية أو الإحساس بها بعيدا عن الظروف التاريخية التي أنتجتها. وليس "علينا أن ندين هذه القراءة المرجعية بحجة السذاجة لأن النقد الذي غالبا ما يدعي العلمية سيتنكر لنفسه".33
هكذا تشير كل الدلائل النصية إلى مطابقة النص للنص الموازي سعيا إلى كشف الحقائق ونقلها وتذكير التاريخ بوقائعه التي أغفلها الخطاب التاريخي الرسمي فالواقع وقبل العمل على تشخيصه هو في حاجة إلى التعريف به كما هو. إن التشخيص فن ونحن في حاجة إلى معرفة ما كنا كي يمكننا فهم الصورة بعد ذلك، وكأن لسان حال الكاتب يقول:"الكاتب الأصيل ليس الذي يقولب التجربة الإنسانية بحسب نمط ما وإنما هو الذي يسميها بأسمائها"34وهو ما سعت إليه الحكاية في "أفول الليل"، نقلت الحدث بفاعليه الأصليين وفي ظرفه التاريخي تشكلها آليات خطاب سمتها التعيين والإخبار ما دام الواقع قانونها الأساسي. لكن للحقيقة التاريخية شروطا تؤكدها، وللإحالة في الخطاب التاريخي وثائق وآثارا تثبتها وهو ما لم يغفل عنه "الطاهر محفوظي" ما دامت الحقيقة غايته لذلك أورد الوثائق التي تؤكد أقواله.
2-2 الوثائق:
يحتاج المؤرخ الوثائق ليؤكد بها تحليله للأحداث ونقلها. وتمارس الوثائق سلطة مزدوجة: على القارئ أولا، فتجعله يصدق ما قيل. وعلى المؤرخ ثانيا، تردعه حين يحيد عما كان فعلا، إذ هي التي تجعل من الرؤية المشكّلة للماضي مطابقة للأحداث أو مفارقة لها، وهي بمثابة حجة المؤرخ وبرهانه على ما يقول. والملاحظ أنها برهان خارج- نصي من جهة، وليست من إنتاج المؤرخ من جهة أخرى مما يضفي عليها نوعا من الموضوعية التي لا يحتاجها الروائي لأنه لا يهتم إن صدقه القراء أم لا وليس معنيا بالاحتجاج على ما يقول ومدى تطابقه ووقائع التاريخ، وإن كان لابد من براهين فيكفيه تماسك نصه وانسجام مكوناته. بيد أن "الطاهر محفوظي" قد أعلن منذ البداية أنه توخى الصدق والأمانة في نقل ما وقع وأن الواقع غايته لا الفن، ولإقناعنا أورد مجموعة من الوثائق منها الشخصي ومنها العام فهل إن وظيفة الروائي في العرف الأدبي الإقناع أم الإمتاع؟.
2-2-1- الوثائق الشخصية:
يورد الكاتب جملة من الرسائل كان السارد المعتقل "الطاهر محفوظي" قد أرسلها إلى بعض الأصدقاء ونحن نعلم أن "الرسالة في القصة لا تفترق عن الرسالة في الواقع"35 خاصة إذا حافظت على مقومات جنسها: البعد المكاني والزماني ومرسل ومرسل إليه معلومين وهي خاصية ميزت الرسائل في "أفول الليل". إن كان مكان إرسالها واحدا هو "السجن المدني بالدار البيضاء" فإن تواريخها مختلفة تمتد بين سنتي 1974 و1975 وكذا المرسل إليه الذي نجده مرة "مسعود" شقيق المعتقل ومرة أخرى "حياة" زوجة "مسعود" أو صديق.
إن الرسائل المرسلة من السجون تمر من خلال إدارة السجن مما يجعلها وثيقة رسمية، ذلك أنها لا تمر من هذه القنوات إلا إذا ذكر المعتقل اسمه ولقبه وخاصة رقم اعتقاله 257 وهو رقم المعتقل "الطاهر محفوظي" الذي لم تخل رسالة منه.
إن "منحت الواقعية شبه الوثائقية لأسلوب الرسائل الروائيين سلطة لم يسبق لها مثيل على قرائهم"36بإيهامهم بالواقعية رغم أن الرسائل مفتعلة، فكيف الحال ورسائل "المحفوظي" موثقة من إدارة السجن؟ وما يعنينا منها أنها تؤكد حدث الاعتقال ومدته ومكانه علاوة على أنها منفصلة تركيبيا عن بنية السرد. وقد طلب المرسل من "حياة" في إحداها الاحتفاظ بالرسائل حتى تكون ذكرى في احد الأيام (ص213). ولما كان الكاتب حريصا على إدراجها كما هي احتاج في بعضها هوامش توضيحا لبعض الأمور التي لم يكن بالإمكان توضيحها أثناء كتابة الرسائل في السجن لأسباب أمنية أساسا. وهذه الهوامش هي الإضافة الوحيدة التي أدخلت على الرسائل ووضعها في هوامش منفصلة على متن الرسالة يؤكد عدم التصرف في المحتوى الأصلي فقد طلب المعتقل من أخيه في إحدى رسائله (ص 222) أن يجمع "المقطوعات" الشعرية التي أرسلها إلى "حياة" ويرسل نسخا منها إلى أخته "نفيسة" ويقصد مجلة "أنفاس" وتصدر في باريس ولأنه لا يستطيع أن يقول ذلك في الرسالة فإنه يوضحه للقارئ في هامش أسفل الرسالة.
2-2-2 الوثائق العامة:
لا تتصل هذه الوثائق بشخص مفرد معلوم بل بدوائر حكومية أو حزبية أو منظمات، وهي موثقة في السجلات الرسمية على غرار "منطوق الحكم" (ص ص 240-246) الموثق في وزارة العدل ويورده الكاتب بكل تفاصيله بدءا من الجهة الصادر عنها" محكمة الاستئناف بالبيضاء/ غرفة الجنايات" وعدد القضية (75/586) ورقم الحكم(270) مرورا بالتهمة والمتهمين وفصول القانون وصولا إلى ذكر القاضي ومعاونيه.
لما كان "منطوق الحكم" موثقا يمكننا محاججة ما جاء في النص عن التهمة ومدة الاعتقال وأسماء المعتقلين مما يضفي مصداقية على ما ذكره السارد.
ثمة أيضا وثيقة رسمية أخرى صادرة عن "اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية" (ص ص 247-253) وهي عبارة عن مذكرة أرسلتها المنظمة إلى "الملك" آنذاك وفيها تقرير مفصل عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحلول الممكنة تفاديا لتردي الأوضاع أكثر. والمذكرة مؤرخة بتاريخ 14 جوان 1972 وكأن ما تضمنته الوثيقة من استقرائها للوضع المتردي للشعب يمثل تبريرا لتحركات منظمات الطلبة والتلاميذ. كما نجد وثيقة أخرى صادرة عن"النقابة الوطنية للتلاميذ" (ص ص 235-239) منشورة بمجلة "أنفاس" بباريس عدد 3 ديسمبر 1972 وفيها مراجعة عامة للحركة النضالية بإيجابياتها وسلبياتها.
تكشف الوثيقتان أمرين على الأقل: تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتطلعات قوى الشعب وأملها في التغيير. ويكشف "منطوق الحكم" تعامل أجهزة الدولة مع الحقوق المشروعة إذ كانت التهمة التآمر على القصر الملكي وتغيير نظام الحكم وهي تهمة مناقضة للحقيقة فمطالب المناضلين نقابية أساسا متمحورة حول مراجعة دور الحكومة والحد من سلطاتها المطلقة وتحسين الأوضاع. والنص تفصيل لتعامل أجهزة الأمن مع النخب الشعبية، لينكشف مصدر التزوير والمؤامرة وتسطع الحقيقة: الحكومة والقصر يتآمران على الشعب ويحتكران وسائل التركيع.
لا تصلح هذه الوثائق للنقد الأدبي فمن السخرية أن نبحث فيها عن جمالية أو نتحدث من خلالها عن تخييل أو نقطعها إلى مقاطع سردية فمجالها علم الاجتماع أو الخطاب التاريخي لتحليل علاقة السلطة بالشعب وتخلق الأنظمة والكيانات وفهم أسباب الثورات وآليات مجابهتها. لكن علماء الاجتماع منهمكون في النظريات الغربية والظواهر الاجتماعية منعزلة عن السياسي المنطقة "المحرمة". أما المؤرخون فنلفيهم منغمسين في تاريخ سقوط الدولة الأموية وعلاقة الخليفة بالجواري وإن كتبوا في التاريخ السياسي الحديث كانوا في أغلب الحالات تابعين للأنظمة متمسحين على أعتابها لتبقى الرواية العربية وحدها – ربما- "لا تخون التاريخ" بعبارة "فيصل دراج" تخبرنا ما وقع وتقول: هذه الحقيقة فهل تفقهون؟!.
بيد أن النقد الأدبي يصر على النظر إلي الرواية على أنها فن ينشد المتعة الجمالية لا غير. ولسنا في حاجة للتذكير من جديد كيف أن المعرفة المضمنة في "الخطاب التخييلي" قد ضاعت في متاهات المناقشات الجمالية التي قد تتذرع بذرائع لا ننكر وجودها في الرواية إذ لا يعلن الروائي الحياد والموضوعية مثل المؤرخ وهما قيمتان مشكوك فيهما بل يبرز ذاته في النص بأشكال مختلفة فيجد النقد الأدبي ما يرتكز عليه لنسف موضوعية المعرفة المقدمة وتبعا لذلك الحقيقة رغم أنه يرى في موطن آخر أن "عمل المؤرخ يتمحور حول بناء أنموذج أو "أيقونة" عبر البنية السردية للماضي قادرة على إظهاره"34 وعندما يقوم الروائي بمثل هذا العمل يقصر إنتاجه على الجمالية حتى إذا كان الواقع المرجع المباشر للأحداث.
ينقل لنا "الطاهر محفوظي" تجربة جماعية وشخصية في ذات الوقت فقد عاش أحداثها وكان طرفا فاعلا فيها مما يجعل الحياد مستحيلا والموضوعية تتلبس بالذاتية فهل يمكن أن تؤثر ذاتيته على ما أعلنه في المقدمة؟. وأين تتشكل الأبعاد الذاتية وما هي دلالتها؟.
3- النص: مظاهر التمرد
نحاول في هذا المقام أن نتبين المواطن التي تمثل تمردا على ما أعلنه الكاتب في النص الموازي والأبعاد التي يمكن أن تنجر عليها في علاقتها بالرواية جنسا أدبيا من ناحية وعلى الحقيقة التاريخية من ناحية أخرى وأولى المظاهر البارزة في النص ما يمكن أن ندعوه آليات السيرة الذاتية.
3-1 السيرة الذاتية:
حدد الكاتب موضوع عمله في المقدمة بكل دقة فقد أعلن أنه سيتحدث عن سنوات الرصاص في المغرب الأقصى وأنه سيقتصر على الأحداث المتصلة بالنقابة الوطنية للتلاميذ. والمتأمل في نص"أفول الليل" يجد أحداثا متصلة مباشرة بالسارد دون أن تمت بصلة للفترة التاريخية والمنظمة المذكورة، وإخبار المرء عن الأحوال التي كان عليها يندرج في خانة السيرة الذاتية38 إذ يعرّف هذا الجنس عادة بكونه "قصة يحدث فيها المرء عن حياته في أخص مظاهرها"39. وما يجعلنا نقر بهذا الجنس تطابق أعوان السرد الثلاثة وطبيعة الأحداث المروية إضافة إلى البعد الزمني بين الحدث واسترجاعه. كما أن استكمال تجسد الشخصية وإمكانية تكوين صورة تاريخية مكتملة عن حياتها الاجتماعية والمادية والفكرية من أهم خاصيات السيرة الذاتية. والتجسد التام معناه أن الكاتب لا يبحث في ماضيه ليتعرف إلى ذاته ومن تكون إنما ليخبرنا عما كانه في مسيرته وصيرورته التاريخيتين.
نلفي في "أفول الليل" مواضع كثيرة يحدث فيها الكاتب عن حياته قبل الاعتقال يعود فيها إلى ذكريات الطفولة في القرية ويمكن أن نقسمها إلى مظهر اجتماعي وبعد ذاتي حميمي يتفرع بدوره إلى ماهو مادي وماهو فكري.
يحدد لنا الكاتب القرية حيث تقع...على بعد ثماني كيلومترات من هضاب صغيرة...قرب سفحها الغربي يمر القطار الحامل للفسفاط من كوكشكاط إلى ميناء آسفي (ص129) والقرية تضم مدرسة واحدة بها فصلين(ص97) وتتوفر على مطعم مدرسي (ص101) مخصصا للتلاميذ من غير أهل القرية، والبؤس سمتها فلم يكن هناك غاز ولا كهرباء ولا حتى ماء (ص125) إذ يعتمد أهل القرية على مواردهم الذاتية في توفير حاجياتهم الأساسية ولا يغفل الكاتب نظام العيش والعمل المرتبط بالفصول الفلاحية والمعتقدات السائدة فعند الجفاف يؤدون صلاة الاستسقاء في طقس خرافي طلبا للأمطار (ص 85) . ضمن هذا الإطار يخصص الكاتب مجالا للحديث عن العائلة في نص بعنوان "ابن الطاهر أبو الطاهر" (ص72-73) فيذكر والده وما كان يتميز به وإخوته وأسماءهم ثم ينتقل إلى التخصيص أكثر فيتحدث عن ذاته وينقسم حديثه بخصوص هذه الناحية إلى ماهو عملي وما هو فكري. يتصل البعد العملي في اضطراره إلى العمل بعد وفاة والده سنة 1960 ومتمثلا في رعي الأبقار مقابل 25 درهما في الشهر (ص91) كما تمتد عودته إلى ذكريات الطفولة وأنواع الألعاب التي مارسها (ص 135/ ص169...) وكذلك مساره الدراسي محددا التواريخ بدقة ففي نهاية السنة الدراسية 65/1966 حصلت على الشهادة الابتدائية كما يقول(ص67) ثم يذكر كيف انتقل إلى ثانوية "مولاي عبد الله " بالدار البيضاء نهاية السنة الدراسية 66-67 وأسباب الانتقال ولا يغفل الحديث عن الأساتذة وخاصة أستاذ الفلسفة "رامون" وكم كان يمقته عكس أستاذ التاريخ "كي مارتيني" الذي تخاله مغربيا وهو المولود في الجزائر والحامل للجنسية الفرنسية (ص96).
أما التحولات الفكرية فيجملها الكاتب تحت عنوان"من المرحلة السحرية إلى اللائكية" (ص 74-75) ويذكر كيف كان الوازع الديني لديه مقرونا بالسحر والشعوذة فقد كان يعقد التمائم من أجل استمالة الفتيات ثم تحول بعد ذلك إلى مرحلة التدين الخالص إلى أن جاء سلامة موسى بشكّه وديكارت بأسئلته فكانت الحيرة ومرحلة التكوين الحقيقي المتمثل في الانتقال من فكر قائم على مركزية الله مقابل تغييب الإنسان على فكر مركزه الإنسان دون نفي القدرة الإلهية يقول: ابتدأت ثورتي الشخصية الدينية والسياسية مع الثورة الثقافية في الصين وماي 1968 في فرنسا (ص75).
إذا أضفنا مرحلة الطفولة إلى مرحلة الاعتقال تكون لدينا صورة عن حياة السارد "الطاهر محفوظي" تمتد من أواسط الخمسينات إلى حدود 1976، وإذ نعتبرها مندرجة ضمن السيرة الذاتية فذلك لكون هذا الجنس لا يشترط سرد تفاصيل الحياة كاملة من الولادة إلى زمن الكتابة40إذ يمكن الاقتصار على فترة محددة أو أحداث يعتبرها الكاتب هامة في مساره التاريخي وقد جاء الحكي نثريا استعاديا يحدث فيه شخص تاريخي عن حياته وإن اختلط فيها العام بالخاص والاجتماعي بالفردي فذلك لكون الذات لا تعيش منفردة بل متصلة مع الآخرين مشاركة لهم.
إن مثلت الأحداث المتعلقة بذكريات الطفولة خرقا للفترة المصرح بها فإنها لا تثير إشكالا بخصوص علاقة النص بالتاريخ باعتبار أن السيرة الذاتية تهدف إلى مطابقة الواقع والقصدية فيها واقعية أو خارج- نصية وهو ما لا يتنافى وقصدية الكاتب المعلنة في النص الموازي لكنها تثير إشكالا يتعلق بالرواية ذلك أن "أفول الليل" من هذه الناحية قد تؤكد تهمة انشغال الرواية بهموم الذات مقابل نسيانها القضايا المصيرية وأن الروائيين لا يستطيعون إلا كتابة حياتهم الخاصة وكأن مخيلتهم عاجزة عن كتابة نصوص منفصلة عن تجاربهم ولهذا يكتفون بنص "لا يجيب عن الأسئلة الكبرى والمصيرية...ولا يتجاوز حدود السؤال الخاص لكل كاتب على حدة"41. وإن نحن نتجاوز إشكال تجنيس "أفول الليل" بين الرواية والسيرة الذاتية، فإننا نتساءل عن الأسباب الكامنة وراء العودة إلى الماضي التاريخي وهي سمة مشتركة بين الجنسين. وما يمكن التأكيد عليه منذ الوهلة الأولى هو أن السيرة في "أفول الليل" جماعية أكثر منها ذاتية فليست محنة الذات إلا أنموذجا لمحنة جماعية وهمومها من هموم المجتمع ككل.
تأخذ العودة إلى الماضي بعدين، إما ذاتية محضة وإما ابستيمولوجية عامة تكشف وضعا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وما يمكن أن يفرزه من صراعات. من هنا يكون من المنطقي جدا ألا يؤرخ "الطاهر محفوظي" لفترة زمنية معينة وأحداث مخصوصة دون أن يبحث عن جذورها التي أفرزتها وهي كامنة في ذكريات الطفولة ومرحلة الدراسة وأهم ما يميز الفترتين البؤس والخصاصة وتشكل الوعي بالظرف التاريخي وضرورة تغيير الأوضاع، فإذا التقى الفقر مع الوعي الفعلي لا يمكن أن ينتج عن اللقاء إلا الثورة وأمام قمع السلطة وامتلاكها وسائل القوة لا يمكن لمنظمات صغيرة إلا أن تكون رهن الاعتقال والتعذيب، وعليه تنكشف العودة إلى الماضي الذاتي ضرورة معرفية لاستكمال المشهد التاريخي العام خاصة مع غياب المنطق القصصي وترتيب الأحداث وهما من السمات النوعية للسيرة الذاتية42.
3-2 ذاتية الكتابة
كيف يمكن فصل الذات عن الموضوع المدروس في الخطابات التي تتخذ من الإنسان موضوعا لها؟. إن تحقيق الموضوعية بصرامة تعريفها (فصل الذات عن الموضوع) مثّل إشكالا أساسيا يشكك في مدى علمية العلوم الإنسانية والأدب خطاب إنساني بامتياز والرواية على وجه التحديد لا تتعامل إلا مع الإنسان في تجربته الزمنية، فكيف يمكن أن يقف الكاتب محايدا في رواية تجربة تتصل به كإنسان. يزداد الإشكال تعقدا عندما تكون التجربة المروية هي تجربة الكاتب فمن غير المعقول أن يخبرنا المريض عن مرضه دون أن يتخلل حسّه بالمرض حديثه كما أن السجين لا يمكن أن يروي لنا ظروف اعتقاله وسجنه ويأتي خطابه خاليا من آلامه وانفعالاته ومواقفه الشخصية فمن البديهي أن تتسامى لغته تدريجيا من التقرير إلى الإيحاء أو من المعنى إلى معنى المعنى الذي يدخل في باب المجاز. فهل نعتبر الدلالة اللفظية هي الدلالة بأسرها؟43 فلا بد من وجود "فائض معنى" في الأعمال الأدبية وحتى التاريخية.
نحاول إذن أن نتبين علاقة الواقعي بالمتخيل داخل نص "أفول الليل" بتمييز حدود المعنى التقريري وبداية تشكل المعنى المجازي وعلاقته بالواقع والحقيقة فقد جرت العادة أن نميز بإطلاق بين "المعنى الصريح والمعنى الضمني بوصفه التمييز بين اللغة الإدراكية واللغة الانفعالية"44.
يذهب "بول ريكور" إلى أن الماضي في أي خطاب يسعى إلى إعادة بنائه ما هو إلا الرؤيا التي تشكله، وتأخذ هذه الرؤية شكلين فهي مطابقة أو مفارقة ويرى هذا المفكر أن الاستعارة آلية تؤدي إلى تطابق الرؤيا مع الواقع باعتبار أن قرينتها المشابهة أو المناسبة في حين تعمل السخرية على التبعيد بين الواقع والرؤيا 45 ونجد في "أفول الليل" أسلوب السخرية كامنا في الصورة الاستعارية فهل بالإمكان الحديث عن مطابقة في المفارقة؟.
3-2-1 السخرية: رؤية للواقع
يشكل "الطاهر محفوظي" صورا ساخرة لوقائع تاريخية فعندما جرت أول انتخابات في المغرب للاستفتاء على أول دستور لم يكن الناخب يدلي بصوته بحرية ونزاهة بل كان العاملون على صناديق الاقتراع هم القائمون بالعملية في حقيقة الأمر فيضعون ورقة الانتخابات بلون مرشح الحكومة وتنتهي اللعبة الديمقراطية (ص43). لا يجد الكاتب صورة تعبر عن هذا المشهد إلا قول ناخبة قروية عندما تخرج وهي تقول "تنخّمت" وتقصد انتخبت (ص43) ذلك أن كلا الفعلين واحد، نجاسة أو قذارة لا بد من إخراجها. هكذا يستعير الكاتب لواقعة تاريخية (الانتخابات) واقعة طبيعية (التنخم) لا تحاكي المستعار له إنما تعبر عنه بنبرة ساخرة.
يعتبر الكاتب في موضع آخر العمل ميزة إنسانية وهو أنواع تختلف حسب المجالات إذ يذهب كل إلى عمله...والشرطي يذهب عند الجزار جزار يضع طلبية عند جزار بعد تقطيع الثيران احتفظ لي بالعصب (ص17) ليصنع منه كرباجا. والشرطي ليس جزارا بالمعنى الحقيقي لكن صورته وهو يؤدي عمله بتعذيب الإنسان قد يفوق بشاعة عمل الجزار وهو يقطع الخرفان التي حللها الله والأخرى محرمة من الشرائع والقوانين. أليست المفارقة هنا بين الجزار الحقيقي والجزار على المجاز من أجل مشاكلة واقع التعذيب. وسيعود الضباط بعد ذلك إلى منازلهم ويقولون قمنا بعملنا كان العمل شاقا (ص18) ولم يكن سوى تعليق جسد إنساني وضربه بكل قسوة مع وضع خرقة قذرة مبللة بسوائل أكثر منها قذارة بشكل يجعل التنفس مستحيلا فما بالك بالكلام ثم وياللمفارقة يطلبون من المعتقل أن يقترف أن يتكلم (ص 19). بين الوضعية والطلب مفارقة غير خافية وإذا قبل المعتقل الاعتراف فعليه أن يرفع إصبعه ويطلب الإذن لكنه ما إن يتلفظ ببضع كلمات حتى يعود إلى الوضعية المقيتة التي نرى فيها صورة لواقع عربي تضيّق فيه الأنظمة الخناق على الشعوب وتستغلهم وليس عليهم أن يتكلموا أو يعارضوا فإذا أرادوا التعبير عن مواقفهم فعليهم بترخيص من وزارة الداخلية التي إذا استساغت الموقف سمحت به وإذا لم يكن في صالحها قمعته ومنعته مثل الخرقة البالية ورفع الإصبع تماما فإذا رضي المحقق باعتراف المعتقل ربما كف عنه التعذيب الجسدي. وما دمنا في أشكال التعذيب لا ينسى الكاتب الأصفاد حول يديه خاصة أنها لازمته طويلا. ويميز بينها من خلال حجمها وفعلها فالفرنسية كبيرة نسبيا الأمر الذي يترك مساحة لحركة اليدين كأنها مستوحاة من الحرية والمساواة والأخوة (ص36) في حين أن الاسبانية صغيرة وفاشية فأية حركة معناها الألم الشديد كأنها مستوحاة من نظام فاشي لا يعترف بالآخر وبالاختلاف. يستنتج الكاتب النظام الفكري من خلال أشكال مادية فكل صناعة هي نتيجة وضع فكري سائد والكاتب لا يقول الأصفاد إنما يشبهها بالأساور في صورة استعارية وجه الشبه فيها الإحاطة بالمعصم. بيد أن الأساور مرغوب فيها على خلاف الأصفاد التي هي حليّ غالي الثمن لا يقدر عليه إلا المناضلون الشرفاء وهي إلى ذلك واقع مرير، أساور العروس من ذهب وأساور الحرية والكرامة أصفاد من حديد.
تكمن السخرية كذلك في ما يمكن أن نعتبره "خطابا على الخطاب" إذ يورد الكاتب "لائحة الممنوعات" داخل السجن المقررة من وزارة العدل أو من إدارة السجون لكنه لا يوردها كما هي بل يعيد ترتيبها ويضيف إليها ويقوم بالتعليق عليها إلى الحد الذي لا نميز فيه بين ماهو مقرر رسميا وبين إضافات الكاتب يقول: لا يسوغ للمسجون أن يتابع دراسته/ لا يسوغ للمسجون أن يضحك أو لا يسوغ له أن يسب الحكومة أو يلعن الطبقة المعلومة (ص79) ويصل التهكم حده عندما يمنع المسجون من مصافحة أهله أو تقبيلهم مباشرة وإذا أرسل قبلة في الهواء ربما يحاكم بتوجيه إشارة سرية المقصود منها قلب النظام (ص79) وهذه الرؤية على سخريتها ليست مفارقة للتاريخ ووقائعه فقد كانت التهمة التآمر على الملك ومحاولة قلب النظام وكانت الأدلة التي قدمت للمحكمة بعض الكتب والمناشير و"حجرين" سلاحا فعالا لتجسيد الأفكار عثرت عليه الشرطة في محفظة أحد منتسبي "النقابة الوطنية للتلاميذ" أثناء اعتقاله فأدانوه من اجل "الحجرين". قد لا تحتاج وقائع التاريخ إلى صور مجازية، وقد لا يحتاج الأدب إنهاك المخيلة لإنتاج الصورة الملائمة فيكفيه أن ينقل الواقعة فهي مجازية بطبيعتها أو هي مجاز قائم في الحقيقة الواقعية.
في وطن لا يقرر نظامه إلا لوائح المنع قد يصبح الحب جريمة والإشارة إليه تهمة. وفي وطن يوقع نظامه الظلم على الشعب لا يحق للمعتقل أن يطعن في وزير العدل الموقر ولا وزارة العدل ولا محكمة العدل ولا سجن العدل (ص80).تختلف المسميات والصفة واحدة، لكنها لا تفهم في معناها المعجمي بل بنقيضها. لا يحتاج الكاتب من خلال قراءته للائحة الممنوعات أن يقول: تعذب وتقتل ويجب ألا تتألم. فهل هذا خيال أم واقع؟. ليس على الأديب- والواقع المعيش موغل في الغرابة- إلا أن يلتقط تفاصيله كما هي لأنها مثيرة لمخيلة المتلقي وموحية بدلالات عدة أكثر –ربما- من الصور البلاغية. والسخرية في هذا النص لا تبعد المعنى عن الواقع بقدر ما هي تقنية فعالة تكشفه وتفضح آلياته. وإن كانت موقفا ذاتيا من الوقائع فإنها تنقل لنا الحس الذاتي بهذه الوقائع الذي لا يفهم إلا من خلال طبيعة الواقعة ولأن المعنى المجازي أو "فائض المعنى" كامن في عديد المواطن الأخرى فإننا نكتفي بدراسته في ظاهرة العناوين.
3-2-2 العنوان بين الحقيقة والمجاز
عادة ما يعبر العنوان عن النص ككل ويختزنه ولهذا تجده مكتنز الدلالة لا يشير بمعنى إلا ويومئ بمعنى المعنى ولا تكون مفرداته إدراكية تواصلية إلا وكانت إيحائية، إنه مزدوج الدلالة في أبسط حالاته فيتشتت ذهن القارئ وتلتبس لديه الحقيقة من المجاز. فهل يمكن أن نقتنع بأن فائض المعنى لا علاقة له بالمعنى الإدراكي الذي تشترطه الحقيقة والفعل التواصلي؟.46
يستهل الكاتب "أفول الليل" بنص يروي فيه كيف اقترض بعض الأموال ليتسنى له أداء ثمن تذكرة الحافلة والالتحاق برفاقه في مقرهم السري وكيف دام سفره سنتين وشهرين(ص13). يضع الكاتب لهذا النص عنوان "السفر البعيد" والمعنى المعجمي للسفر هو الانتقال من مكان إلى آخر فإذا أضفنا الصفة البعيد يكون الانتقال من بلد إلى آخر ربما. السفر متعة أو عمل وهو بالأساس اختيار ذاتي حتى في ضرورته، لكنه بالنسبة إلى الكاتب كان إجباريا ولم يكن بعيدا إلا بمعنى الآلام التي عانى أثناءه. والسفر في النص هو الاعتقال والبعد طول مدته. أليس السفر والاعتقال وجهين لعملة واحدة، بعد عن الأحبة وغربة مريرة. وكما يأخذ السفر معناه المادي يتلبس بمعنى الرؤيا فيكون سفر الروح في خيالاتها، وسفر روح المعتقل في عذابه بين السوط والحنين، بين ما هو كائن وما كان يجب أن يكون. قد يستطيع السجان منع الجسد عن لقاء الأحبة ومعانقة الجمال لكنه يعجز عن أسر الروح التي تخترق جدران السجن وقيود السجان فهل السفر لزرقة البحر وقد أحكم السجان عليك الأبواب والقضبان انهزام(ص174) كما يتساءل الراوي في استنكار. فينكشف إلينا مسار السفر المزدوج من الخارج مجال الحرية إلى الداخل السجن جسدا ومن السجن حنينا للأحبة ورؤيا تعيش الحرية بيد أن كليهما موجع فأنت تحن ويرجع إليك الحنين صدى يضاعف الألم (174). قد نفهم من الدلالات المتعددة في اختلافها وائتلافها أن المعنى الحقيقي للسفر كامن في معناه المجازي، فحقائق الأشياء تبدو في أغلب الأحيان مغلفة بظواهر خداعة.
توجد وسائل نقل مختلفة نستقلها للسفر والطائرة إحداها، وقد استقلها "الطاهر محفوظي" ورفاقه في سفرهم نحو العذاب. وأورد لرحلته عبرها نصا بعنوان "ركوب الطائرة بالمجان" (ص19 ) وهو استعارة لشكل التعذيب ذلك أن ركوب الطائرة في معناه الحقيقي هو السفر جوا أي أن يكون المسافر بين السماء والأرض ولا يستطيع النزول متى شاء بل متى شاء الطيار وعندما تسمح الوضعية باستكمال شروط الهبوط. وقد كانت وضعية السارد مشابهة لوضعية راكب الطائرة. فقد كان معلقا لا يبلغ السماء ولا يستطيع ملامسة الأرض متى أراد بل متى سمح له جلاده الذي لا يستطيع السماح له إلا إذا انتهت حصة التعذيب المخصصة أو عند الاعتراف الكامل الذي يريدونه.
هكذا تتشابه الرحلتان، يشير العنوان إلى واحدة ويوحي بالأخرى وكلاهما إجبار وخضوع للضرورة. على هذه الشاكلة تنبني عديد العناوين في "أفول الليل" تقول معنى وتبطن آخر ينكشف تدريجيا في ثنايا النص وقد يبقيه غائما قائما في سؤال القارئ كما هو الشأن في النص المعنون ب"الرباع التونسي بين الثورة والقوادة" (ص109)، إذ يروي الكاتب أنه أثناء إقامة بطولة لألعاب القوى في المغرب إلتقى رباعا تونسيا وراح يفسر له المفاهيم الثورية والنضالية غير أن الرباع لا يولي اهتماما لهذه الأفكار إذ طلب فتاة فلم يكن همه سوى الجنس ولياقته البدنية. وإن نحن نتجاوز مدى حقيقة هذه الحادثة فإن السؤال يبقى يلح على الطرح، لماذا اختار رباعا تحديدا؟. ألا يمكن أن تكون هناك رمزية ما للرباع خاصة عند إضافة الاهتمام بالجنس لديه على حساب التفكير. قد تكون صورة الرباع الحامل للأثقال وفي عقمه الفكري، رمزا دالا على الحمار أو البغل في القدرة الهائلة لديه على حمل الأثقال وانتفاء العقل، بغل حرون رغم العقم، عقم ميز جل الثورات العربية وربما هو يميز المجتمعات العربية العاجزة عن دفع مظالم الأنظمة الحاكمة مما يجعلنا نقف حائرين في تحديد دلالة العنوان الأصلي للعمل "أفول الليل" الذي ورد متضمنا عنوانا فرعيا قد يفسره وقد يعتم الدلالة وهو "يوميات المعاريف وأغلبية" فهل أفل ليل السجن أم ليل الثورة على الاعتقالات التعسفية؟!.
يرد العنوان مركبا إضافيا واضح الدلالة يحددها مباشرة دون مواراة لقد أفل عذاب السجون والاعتقال واسترجع الكاتب- وربما غيره - حقوقه المدنية سنة 2002 (ص11) وقد يكون السماح بنشر هذا الكتاب وهو يفضح ممارسات السلطة القمعية نقلة نوعية في طريق الحرية.
يسير النص وفق حركتين متقابلتين، ثورة تحمل مطالب شعبية نقابية وقمع النظام الحاكم لها والليل وحدة قياسية زمنية ميزتها الظلمة يقابلها النهار النور. وبكل ما تعنيه الظلمة من معاني الظلم والقهر والغربة...والموت يكون انقشاعها عودة الحياة ومن هذا المنطلق لا يكون للمعنى المعجمي للعنوان قيمة في تحديد دلالاته النصية ما عدا كونها سبيلا لتقريب المعنى المجازي الذي يرتبط بالعلامة اللغوية في سياقها إذ يتحقق المعنى المجازي وفق شفرة تنظيمية للعلامة يتفق عليها الكاتب والقارئ عبر الرسالة، والصيغة الاتفاقية قد تجعل منه معنى تواصليا إدراكيا.
لكن، في الليل تنشط الأفكار، والثورة فكر يسعى إلى التحقق يتبلور ليلا وسرا حتى يكتمل فهل أفل ليل الثورة والأفكار في المغرب والوطن العربي ككل؟ سؤال يجيب عنه الواقع العربي الراهن بكل شفافية رغم سكوت نص "الطاهر محفوظي" عنه لأنه التزم ربما بالتوثيق بكل ما في الكلمة من معنى لمرحلة تاريخية محددة وتجربة حياتية عاشها بآمالها وآلامها وإن جمع في نصه تقرير المعنى ومجازيته وموضوعية الكتابة وذاتيتها ونقل الوقائع بدقة ولم يغفل عن انفعالاته بها ورؤاه لها فذلك لأن الحقيقة ظاهر وباطن لا يهتم الخطاب التاريخي إلا بظاهرها ولا يعترف إلا بالحقائق المادية ويغيّب الواقع النفسي للأفراد الفاعلين في الأحداث. لكن الحقيقة الجوهرية كامنة في تفاعل الذات مع الحدث، تفاعل الإنسان مع واقعه فالتجربة الإنسانية لا تفسّر فقط كما هو الشأن في الخطاب التاريخي وإنما تفهم كذلك وقد نجد التفسير والفهم بامتياز في الخطاب الأدبي شأن "أفول الليل" "للطاهر محفوظي".
4- على سبيل التركيب:
ما الذي يكشفه نص "أفول الليل" وهو في تمرده على التأريخ للوقائع إنما يتلبس بالحقيقة التاريخية في جوهرها؟ بينّا أن الذاتية في الكتابة ليست نفيا للحقيقة، بقدر ماهي إقرار لها وبها. فقد كان التوثيق للتجربة بكل ملابساتها المادية والنفسية مقصد الكاتب وواقع النص مما جعله يستعيض عن مفهوم التشخيص المتصل بالرواية لصالح مفهوم الإخبار عما جرى فعلا. وقد ساعده في ذلك منهج الخطاب التاريخي في دقته وموضوعيته من جهة وآليات "الرواية الواقعية" من جهة أخرى في إعادة إنتاجها للوعي المرتكز في "أفول الليل" على أحداث واقعية وشخصيات تاريخية قامت بها بتحديد تاريخي دقيق.
إن تعريف الرواية على أساس كونها سردا لأحداث خيالية توهم بواقعيتها لا ينطبق على "أفول الليل" لأنها سرد لأحداث واقعية أي مرجعها المباشر "الأحداث الواقعية" مما يجعلها تتفق مع الخطاب التاريخي في نقطة الاختلاف التي يراها" بول ريكور" أساسية وهي المرجع المباشر لكل خطاب لكننا نرى الاختلاف جوهريا في كونها لا تنقل الماضي في تعاقباته الزمنية وواقائعه المادية فحسب إنما تنقل الأفكار والرؤى والتطلعات فلا تكتفي بالسطح بل تنفذ إلى عمق التجربة في الزمان من أجل تحقيب الوعي ونظام الأفكار فتعيد للتاريخ جوهره الذي غفل عنه الخطاب التاريخي بحجة العلمية الواهية.
تطرح "أفول الليل" من هذا المنطلق إشكاليتين أساسيتين: تتصل الأولى بمفهوم الرواية عامة وتتصل الثانية بتاريخ الرواية العربية تحديدا
إذا لم ندرج "أفول الليل" ضمن الجنس الروائي خاصة أن "الطاهر محفوظي" لا يشير إلى أجناسيتها ويكتفي بالقول "هذا الكتاب" فإنه من الضروري البحث في تطور الشكل الروائي بين الأجناسية المقيدة والنصية المتداخلة والكتابة المطلقة.
أما إذا أدرجنا "أفول الليل" في خانة الجنس الروائي وهي المرتكزة على الأحداث الواقعية ومفهوم الإخبار فذلك يستوجب ضرورة مراجعة ما استقر في الذهن من مفاهيم متصلة بالرواية جنسا أدبيا على غرار التخييل والمتعة والمغامرة والقصة العجائبية... ومن ثمّ ضرورة مراجعة رؤيتنا للأدب. وهو إدراج يضع النقد العربي في مأزق تاريخي ومنهجي إذ أن هذا النقد يؤرخ للرواية من ظهور "زينب" ومن أواخر الثلاثينات في بعض الأحيان47 ويرفض أن يعتبر أعمال "جرجي زيدان" مثلا روايات لأنه اعتمد فيها التاريخ وحقائقه على حساب الشكل الفني وهو اعتماد يتجلى بوضوح سافر في "أفول الليل" وبعض الأعمال الأخرى التي تعد روايات.



1- الطاهر محفوظي، أفول الليل: يوميات المعاريف وأغلبية، دار القرويين، المغرب، ط1، أفريل 2004.
2- G. Genette, Palimpsestes: La littérature au seconde degrés, Ed, du seuil;coll, poétique, Paris 1982, p9
3- Ibid, p9
4- المقدمة مؤرخة في مارس 2004، أنظر أفول الليل.
5- إيان واط، الواقعية والشكل الروائي، ضمن الأدب والواقع، ترجمة عبد الجليل الأزدي/ محمد معتصم، تينمل للطباعة والنشر مراكش، ط1، 1992، ص33
6- نقلا عن فيصل دراج،...الثقافة والسياسة، حوار في العلاقات، النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط2 (دت) ص14
7- نقلا عن، بيار شارتييه، مدخل إلى نظريات الرواية، ترجمة عبد الكريم الشرقاوي. دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1994، ص64
8- انظر، أفول الليل، المقدمة، ص9
9- م . ن، ص9
10- م . ن، ص9
11- م . ن، ص10
12- م . ن، ص9
13- م . ن ص،10
14- هيدن وايت، الزمان والرمز، ضمن الوجود والزمان والسرد، ترجمة وتقديم سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء، ط1 1999، ص 192.
15- م . ن، ص 192
16- إنريك أندرسون إمبرت، القصة القصيرة: النظرية والتقنية، ترجمة علي ابراهيم منوفي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، (د.ت)، ص 6
17- أفول الليل، المقدمة، ص 9
18- P. Ricœur, Temps et Récit, T3, Ed, du seuil, Paris 1988, p277
19- P. Ricœur, Temps et Récit, L'intrigue et le recit historique, T1, Ed, du seuil, Paris 1983, p155
20- Ibid, p17
21- فيصل دراج، الثقافة والسياسة ، ص 27
22- انظر إيان واط، الواقعية والشكل الروائي، ص 31
23- انظر فيصل دراج، الثقافة والسياسة، ص 106
24- انظر، محمد القاضي، الخبر في الأدب العربي، منشورات كلية الآداب منوبة/ تونس/ دار المغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1998، ص 593
25 - P. Ricœur, Temps et Récit, T1, p305
26- بول ريكور ضمن الوجود والزمان والسرد، ص 246
27- محمد الباردي، إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة، مركز النشر الجامعي، تونس 2004 ص 6
28- P. Ricœur, Temps et Récit, T1, p262
29- نقلا عن إيان واط، الواقعية والشكل الروائي، ص28
30- فيليب هامون، خطاب مقيد، ضمن الأدب والواقع، ص 81
31- رولان بارت، أثر الواقع، ضمن الأدب والواقع، ص 40
32- م . ن، ص 41
33- إيمانويل فريس/ برنار موراليس، قضايا أدبية عامة، ترجمة لطيف زيتوني، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت فيفري 2004، ص 140
34- هاني الراهب، ضمن، فيصل دراج، الثقافة والسياسة، ص 32
35- ديفيد لودج، الفن الروائي، ترجمة ماهر بطوطي ، المجلس الأعلى للثقافة القاهرة ط1، 2002، ص 30
36- م . ن، ص 30
37- P. Ricœur. Temps et Récit, T3. p220
38- جورج ماي، السيرة الذاتية، ترجمة محمد القاضي/ عبد الله صولة، المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات، بيت الحكمة، تونس، ط1، 1992، ص 132
39- م . ن، ص 128
40- م . ن، ص 157
41- الرواية العربية: إشكالات التخلق ورهانات التحول، ندوة الآداب عدد 6/7، 1997، ص 7
42- جورج ماي، السيرة الذاتية، 164
43- بول ريكور، نظرية التأويل ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1، 2003، ص 83
44- م . ن، ص85
45- P. Ricœur, Temps et Récit, T3, p222
46- بول ريكور، نظرية التأويل، ص 83
47- راجع على سبيل المثال محسن جاسم الموسوي: الرواية العربية: النشأة والتحول، دار الآداب، بيروت، ط2، 1988، ص100.

قيس الهمامي














التوقيع - توفيقي بلعيد

http://adonis-taoufikbelaid.blogspot.com/



http://poetemarocain.jeeran.com/

لاتنظر لظلك على الحائط وتغتر إنه هبة شمعة

رد مع اقتباس
قديم 27-04-2008, 04:51 PM رقم المشاركة : 2
عمر علوي ناسنا
المديرالفني

الصورة الرمزية عمر علوي ناسنا
 






***

اخر مواضيعي
 

***
عمر علوي ناسنا غير متواجد حالياً

افتراضي

قراءة قيمة تستحق كل التنويه

أقصد هنا الأدوات النقدية المتوسلة


محبتي












التوقيع - عمر علوي ناسنا

ميزة الإنسان ليس في أنه يولد حرا ،
ميزته في قدرته على حماية حريته

البريد:
maoaloui@gmail.com

رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 01:08 AM
عدد الزوار اليومي : 815 ، عدد الزوار الأسبوعي : 9.827 ، عدد الزوار الكلي : 4.299.736
Powered by vBulletin® Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
©حقوق النشر والملكية الفكرية محفوظة©

 
Developed for 3.6.0 Gold By uaedeserts.com