المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملف قصص ابراهيم درغوثي


محمد رشدي
23-12-2011, 06:56 AM
تفاح الجنة - قصة قصيرة لابراهيم درغوثي - تونس
29-11-2006, 01:02 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=8616


تفاح الجنة
ابراهيم درغوثي / تونس
عصفور يخرج من أنفي
لا تهتموا بي كثيرا . فأنا امرأة أخذت أكثر من حقها . عشت أربعين سنة بعد رحيل زوجي . ترقبت مدية ملك الموت وعريت لها الوريدين من الحد إلى الحد بلا خوف ولا وجل . قلت لعزرائيل في ليالي الشتاء الباردة وأنا أتوسد ذراعي : عندما تطأ أقدامك هذه الغرفة – فأنا متأكدة من أن لعزرائيل أكثر من قدمين – لا تمش على رؤوس أصابعك ، فأنا لا أخافك . حرك فوق رأسي جلجلا، أو فجر قنبلة إن شأت .أريد أن أراك وأنت تقبض روحي وتضعها في قفص صغير ، وتطير بها إلى حيث لا أدري .أريد يا سيدي أن أرى ذلك العصفور الصغير الذي قالوا انه يخرج من أنفي وأنا أفارق الحياة .
ثم أتدثر وأنام إلى الأبد .
وبقيت أترقب ، وأعري الوريدين كل ليلة .
ولكنه لم يأت .
قلت لكم قبل قليل لا تهتموا بي كثيرا أيها الأصدقاء ، فحكايتي لا تستحق منكم المتابعة لأنني في الحقيقة أحكيها لنفسي ، فقط لنفسي . ربما سيقول لكم الفاهم كلاما أقرب إلى الحقيقة مما قلته أنا ، وهذا شأنكم أنتم معه لأنني لن أحاكم أحدا هذه المرة ، ولن أطلب منكم أن تكونوا في صفي . فقط أرجوكم لا تقولوا إنني امرأة سكنها الخرف . فوالله إنني عاقلة ومظلومة ولا أستحق كل ما سلطه علي ابني الفاهم وكنتي منجية من عذاب . بالله عليكم لا تقولوا هذه عجوز مجنونة قبل أن تستمعوا إلى كل الحكاية ،ثم حكموا عقولكم وقلوبكم وانبشوا قبري وارموا بجثتي للكلاب إذا رأيتم أنني استحق ذلك ، أو أنصفوني من ابني وترحموا علي يرحمكم الله .

غزالة في الشرك
عندما تغضب أمي مريم مني ، تسب الساعة التي نبت فيها في أحشائها كانت تفعل ذلك وأنا صغير . ولما كبرت ، امتنعت عن السب جهارا ولكنها واصلته في سرها . أنا متأكد من أنها ظلت تسبني إلى آخر رمق في حياتها ، وستظل تسبني وهي ميتة لا محالة .
قالت لي مرة عندما سألتها عن أبي :
- أبوك اندقت عنقه قبل أن يترك لك صورة في قعر الذاكرة ، يا ابن ستين كلب . تركني وحدي لهذه الدنيا القحبة وذهب في حال سبيله .
فسكنت الأسواق ، عندما كانت المرأة تذبح إذا ضبطت وهي تنظر للشارع من وراء الأبواب . اشتريت الأقمشة الرخيصة وتاجرت فيها . بعتها للنساء المتحجبات داخل المنازل ، وغاليت في الأسعار . فأنا أقايض كرامتي بفرنكاتهن . وكنت لا أشبع .
- أقسم لك بالله ألعلي القدير أن هذه القطعة من حرير الهند .
- ولكن ثمنها مرتفع جدا يا مريم .
- خذيها وادفعي الثمن بالتقسيط .
- لا ، لن أقدر على ذلك ولو بالتقسيط ، فأنت تعرفين بخل زوجي وتقتيره علينا .
وتقول لها أمي : لا يهمك سأتدبر الأمر .
كنت أعرف ما تعنيه بسأتدبر الأمر ، ولكنني لم أكن لأهتم بذلك كثيرا .
أذهب إلى دكان العم الجيلاني لأقول له : أمي تقرؤك السلام وتخبرك بأن الغزالة وقعت في الشرك ، موعدنا الليلة بعد صلاة العشاء ، في سقيفة بني كلاب .
ويدفع عم الجيلاني للمرأة . وتدفع المرأة لأمي . وتدفع لي أمي ثمن الحلاوة الشامية . وتعود إلى الأسواق ، أسواق الرجال لتشتري زجاجات العطر الرخيصة ، والبخور ، وقراطيس الجاوي ، وقوارير العنبر ، والعلكة ، والسواك . وتطرق الأبواب ، أبواب الرجال الفحول والنساء الشريفات العفيفات . وأمي تبادلهن سلعها بسأتدبر الأمر . والموسرون لا يبخلون بالمال على اللحم الطري المدسوس وراء الأبواب المغلقة بسبعة مفاتيح . وأنا أفرق الحلاوة الشامية على أبناء النساء الموطوءات بتدبير أمي ؛ إلى أن صرت أفرق بين الحق والباطل فكفت أمي عن تكليفي بإيصال خبر الغزالة التي وقعت في الشرك إلى الرجال الذين يدفعون ويذهبون إلى السقائف بعد صلاة العشاء .

مريم تداوي العذارى
- كم ستدفعين يا أم العروس ؟
- مائة فرنك يا خالة ...
- مائة مقدما ومائة عندما يلعلع البارود .
وأقبض المائة . أدسها في الصندوق وأطلب من الزائرة أن تعود ليلا مع ابنتها .
ما أحلى هذه البنت . إنها تساوي وزنها ذهبا ولن أعذبها كالأخريات . فقط سأفتح مابين فخذيها برفق ، وأضع إصبعي الوسطى في الباب الحرام . باب الجنة والنار . سأقيس الفتحة وأقول لها : من ذاق من عسيلتك يا صغيرتي ؟ من هد جدارك يا مسكينتي وترك باب دارك مشرعا للريح ؟
يحمر التفاح على خدي البنت وتبكي .
- أطلب الستر يا عمتي . أنا يتيمة ، ووعدني بالزواج ، وأخلف الوعد .
وأفتعل الغضب ، فأحرك إصبعي في الفتحة الواسعة ، وأصرخ في وجهها :
- لماذا تركته يفعل بك هذه الأفاعيل يا كلبتي الصغيرة ؟
- وعدني خيرا يا عمتي . لحس عقلي . ذوبني في هواه ، وشربني . ولم يترك لي عنوانا .
ويجن جنون الأم فتضرب البنت المنهارة على فمها .تضربها على رأسها . تضربها على بطنها ، وتنتف لها شعرها ، وتدوس تفاح خديها . وتولول :
- يا خراب بيتك يا علجية ستصبحين مضغة في الأفواه ...
ويتراءى لها مشهد في أزقة القرية – ابنتها راكبة على ظهر حمار، ووجهها ملطخ بالسخام ، والأطفال يصيحون وراءها ، والنساء الشريفات العفيفات يرمينها بالحجارة من وراء الأبواب ، والرجال الكرام يتفلون على الشرف المهدور – إلى أن تصل إلى المنزل الذي غادرته في العشية على أنغام الطبلة والمزمار .
- أنا في عرضك يا أمي مريم ، استريني ، لا تكشفي حالي .
- لا تخافي يا ابنتي سأتدبر الأمر .
وأودعها مع أمها لأحضر لها دواء العذارى المفضوضات البكارة : مزيج من دم الغزال المتيبس ، ومسحوق من زهر عرائس الجن المجلوب من أقاصي الصحراء ، والفاسخ والفاسوخ .
وأمشي معها إلى دارها الجديدة . أجلس على الزربية وأركنها إلى الزاوية البعيدة عن الأنوار .
ونظل نترقب العريس .
يصل المسكين مرتبكا . يدخل برجله اليمنى . يبسمل ويفتح الحجاب الذي يغطي وجه العروس فينبهر بالوجه الحسن ،وبرائحة العنبر الفائح من ثيابها ، و بزخارف الحناء علي يديها ورجليها .
وقبل أن أغادر، أطلب منها ، كما اتفقنا في العشية أن تتمنع حين يحاول فتح رجليها ، وأن تطلبني للمساعدة .
- نادي أمي مريم يا سيدي لعلها تسكب في قلبي بعضا من بأسها .
ويمتثل الخائف من الفضيحة فيفتح الباب وينادني .
أدخل عليهما كرحمة السماء . وأنظر في عيني الرجل لأقول له :
- لا تخف يا ابني فالأمر أبسط مما تتوقع .
وأغمز للعروس أن اطلبي مساعدة اليدين المجربتين .
وتروق الفكرة للرجل فيدس عضوه – في العادة يكون نصف منتصب – بين فخذيها ، فأدس خلطتي السحرية معه . ويسيل دم الغزال . فأطلق زغاريدي ، و العروس تصيح من ألم الذبح المزعوم .
ويرمي العريس بقميص العفة للنساء المتحلقات أمام الباب ، فيختطفنه ليرقصن به في ساحة المنزل .
وتبكي أم العروس فرحا وهي تقبل القميص المضرج بالدم .
ويلعلع البارود فوق السطوح ، فأقبض مائة فرنك أخرى أدسها في صدري ، وأملا حضني بالحلوى وبالضحك المكتوم .

الجمر في سروالي
كنا صغارا . في الليل ، نجتمع في ساحة الحي . نجمع كدسا من الحطب لنشعل فيه النار. نشعل نارا عظيمة نرقص حولها ونحن نغني ، ثم عندما يهدأ اللهب نجلس قريبا من النار. يختلط الأولاد بالبنات والصغار بالكبار ليحكي لنا عزالدين عن الغيلان ، وعن أولاد السلاطين ، وعن الأعراس التي تدوم سبعة أيام وسبع ليال . وتحرض ياسمينة عائشة الصغيرة للذهاب إلى ركن مظلم في الساحة لتلحق بها بعد قليل لتعدها للعريس . تمشط شعرها وتسوي لها ضفيرتين ترمي بهما على صدرها الذي بدأ يعطي بواكيره ، وتبسط الرمل تحت ردفيها وتناديني أن تعال لتأكل من تفاح الجنة . وألبي النداء ، فتفتح لي زر سروالي وترقدني فوق عائشة على كدس الرمل . بعد قليل تضربني على مؤخرتي ، وتطلق زغرودة وتنادي عزالدين لينام مع العروس . وعزالدين مازال يحكي عن الغيلان و- لو لم يسبق سلامك كلامك لأكلت لحمك مع عظامك -، وعن علي بن السلطان الباحث عن التفاح الفواح الذي يعيد للشيوخ شبابهم . فترفض عائشة عزالدين . تخاف من غيلانه ومن أبناء سلاطينه لكن ياسمينة تهددها بفضح أمرها ، فتقبل العروس الصغيرة افتراء الشابة وتنام مع صاحب الغيلان وهي ترتجف .
وتصل أم العروس إلى الساحة . تراقب المشهد مدة ثم تنفخ في النار حتى تعيد لها الحياة . وتأخذ جمرتين . تضع واحدة داخل سروال عزالدين ، وواحدة داخل سروالي . ويهرب صاحب أبناء السلاطين من بين يديها ، وأقع أنا في قبضتها ، فتحك لي الفلفل الحار في عيني وتذهب لتشتكي ياسمينة لأمها وأنا في صياح مجنون :
- سامحيني يا عمتي ، لن أنام مرة أخرى مع ابنتك .
وتهدد الأم ياسمينة بإخبار والدها ، فتبكي بين يديها وتقول لها :
- كلمي أمي مريم لتبحث لي عن عريس . لقد تزوج كل أندادي ولم أجد سوى الصغار ألعب معهم لعبة الكبار .
ونكبر نحن الصغار كما يكبر أطفال الخرافة . ولا نقدر على النساء فالدفع في المواخير مقدما، وجيوبنا فارغة ، فنذهب للبراري نبحث عن الأتن السائبة نمارس معا الجنس شاهقين حد الانفجار .

لا ، ليس الآن يا عزرائيل
قالوا لي ابنك ينكح الأتن السائبة في البراري ، فضربت أخماسي في أسداسي ومكنته من زوجة صالحة . وطلبت منه أن يملأ الدار صبيانا وبنات .
جاءت البنت الأولى ... والثانية ... وجاءت الخامسة ... ولم يأت الولد .
وجاء الولد الأول ومات بالحصبة . وجاء الثاني ومات بجريان الجوف . وتواصل هطول البنات حتى امتلأت بهن ساحة البيت .. وصارت أمهن كالجرادة.
وعندما جاء الولد كنت قد كرهت الحياة ... صرت لا أقدر على الوقوف ولا على تدبير الرأس . كنت أترقب ابن الزنا هذا لأفرح به . كنت سأقيم له حفل ختان لم تر له البلدة مثيلا ، ولكنه تأخر كثيرا . عاند رغبتي وتأخر في المجيء .. ابن الكلب جاء وأنا أعري كل ليلة لملك الموت عنقي ، وأكشف له عن شراييني المتهتكة فماذا أفعل به ؟
كانت أمه قد أعطت هدايا لكل نساء القرية بمناسبة أفراح الختان ، بيضا وحليبا وشايا وسكرا ونقودا كثيرة سرقتها من خزانتي . كانت كل ليلة تحسب كم صار لها عند النساء من مكتسبات وماذا ستشتري بهذه المكاسب عندما تجمعها يوم الختان . وتحلم بالذهب في عنقها وفي يديها وبالتلفزيون الملون وبالثلاجة والمروحة الكهربائية .
ولكن عزرائيل الذي ترقبته من زمان ، ولم يأت خير أن يحل ركبه في دارنا ليلة الفرح . جاء عندما كنت عازفة عنه . جاء ، ولم يمهلني لحظة واحدة . هكذا كالجراح الماهر المتقن لعمله ، قبض روحي . رأيته يخرج العصفور الصغير من أنفي ويهم بوضعه في القفص ، فطلبت منه أن يمهلني أربعا وعشرين ساعة ، نهارا وليلة فقط لا غير . قلت له ، لا يهم الجسد . خذ روحي ولكن أترك القفص معلقا في سقف البيت . أريد أن أرى كيف ستبكيني العائلة . أحرجته بالإلحاح وببكاء الثكالى ، وبلثم أياديه الكثيرة ، فوافق على أن يعود في الغد .
وجاءت كنتي منجية . دخلت البيت تتفقد لحم الخروف المرصوص في قصعة في ركن من أركان البيت . ثم عن لها أن تكلمني ... نادتني فلم أرد على ندائها – بالطبع فأنا ميتة – وضعت يدها تتحسس جبيني فوجدته باردا ، ورأت عيني مشرعتين وجسمي يابسا . ضربت كفا بكف ، وخمشت خديها ، وعضت أصابعها ... ففرحت قلت المسكينة هزها موتي هزا شديدا. وامتلأت بالزهو والسرور لكن فرحتي لم تدم طويلا فقد سمعتها تقول :
- ابنة الكلاب ، لم تجد متى تموت سوى في هذا اليوم . ماذا سأفعل ياربي .ضعت وضاعت نقودي . ضاع كل ما أهديته للنساء بمناسبة ختان أولادهن . ضعت يا منجية . أضاعتك هذه القحبة .
تيبس جسمي أكثر وأنا أسمعها تتحدث عني بهذا الكلام . وخافت روحي . التصقت أكثر بجدار القفص وهي ترتجف . وجاءتني الخواطر كما كانت تجيء وأنا في الدار الفانية . العاهرة . ابنة العاهرة مفضوضة البكارة . داويتها بيدي .رششت بين فخذيها دم الغزال وسترت حالها . قلت أن يتزوج هذه الكلبة خير له من الجري وراء الأتن الجرباء . ضبطتها أكثر من مرة مرفوعة الرجلين في السقائف ، ولم أقل شيئا لذلك الأبله . أعرف أن البنات بناتها وأن لا عين لابني فيهن ولا أنف . كسوتها وكسوت جراءها من مال الرجال الذين يدفعون بعد صلاة العشاء . وها هي الآن تتحسر لأنني مت قبل أن تجمع أموال الزنا الذي فرقته على مومسات هذه القرية الموبوءة .
رأيت منجية تدور في البيت لا تعرف ماذا تفعل ... وكانت أصوات الطبلة والمزمار تصلها حادة ... وكان ضرب أرجل الراقصات على الأرض يستفزها أكثر ، فيزداد هيجانها .
دارت ودارت في البيت ، ثم جثمت فوقي . اقتربت بوجهها من أنفي تتحسس أنفاسي وهي تردد ربما أخذتها سنة من النوم . ربما هي تتناوم قحبة القحاب وستفيق بعد قليل . لكنني ظللت كالخشبة اليابسة ، فزادت مني اقترابا ، وبدأت تناديني بصوت نحاسي ، وتحركني من كتفي بعنف حتى ارتطم رأسي بالأرض أكثر من مرة . ولما تأكدت من موتي ، حركت إصبعها الوسطى في وجهي وقالت : طز فيك أيتها العجوز النجسة . لن أفسد عرس ابني بسبب قردة رائحة إلى جهنم وبئس المصير .
ثم أغلقت باب الدار ، وذهبت ترقص في الحلقة الضاجة بالنساء .

تفاح الجنة
لم أدر بموت أمي إلا ليلا عندما طلبت من منجية أن تعطني عشاءها .
قالت :
- أمك ماتت ..
- ماذا قلت ؟ أمي ماتت ، متى كان ذلك ؟
- في القائلة ..
- ولماذا لم تخبريني بذلك ؟
- هل تريد أن تفسد عرس ابني لأجل موت أمك ؟
ولم أصدقها . جريت إلى بيتها فرأيتها نائمة على ظهرها ، وعيناها مفتوحتان ، والذباب الأخضر يحوم حولها .
من أخبر هذا الذباب اللعين بموت أمي . هششته عنها وبدأت أناديها :
- أمي .. أمي .. أفيقي يا أمي ..
فلم ترد على ندائي .
جلست على ركبتي ووضعت أذني فوق صدرها أتسمع دقات قلبها ، فلم أسمع شيئا . رفعت يدها الثمها ثم تركتها فسقطت على الأرض كقطعة من خشب . أقعيت كالكلب المضروب ، وانتفخ قلبي حتى صار كالكرة المبلولة ، وانفجرت باكيا . بكيت كما كنت أفعل عندما رأيت أول مرة رجلا يأكلها بنهم . يأكل من صدرها ومن وجنتيها . يأكل من فمها ومن فخديها. يلاطفها ويلاعبها . يهارشها ويعنفها . وهي تتأوه وتطلب المزيد . ثم سمعت نهنهتها وبكاءها تحت ثقله ، فوقعت فوق الرجل أضربه بيدي الاثنتين . وهو لا يلتفت لضربي ، فعضضته من كتفه حتى التقت أسناني بعضها بعضا ، وأنا أبكي وأصيح . خار الرجل كالثور وانهد فوق أمي لحظة ثم قام يرفسني برجليه ويسبني بأقذع الألفاظ . فسقطت فوق فخذي أمي المبعثرة فوق الفراش . رأيتها من وراء الدموع تقوم بسرعة لتدفع بالرجل خارج البيت ، ثم تعود لحتضنتني في صدرها مرددة :
- لماذا تبكي . اسكت لقد طردت الرجل من بيتنا ولن يعود هنا أبدا .
ولكن أمي ظلت تبكي تحت الرجال . وظللت أبكي في اليقضة والنوم .
بكيت وأنا صاح وبكيت في كوابيسي . وصارت نوبة البكاء تعاودني كلما رأيت صاحب أمي يدخل دارنا خفية مرة وفي وضح النهار مرات ... إلى أن اشترى سكوتي ذات ليلة بقطار من البلاستيك يجري فوق سكة حديد .
وكبرت ، فصرت أترك الدار لأمي وألتقي بعائشة وعزالدين الذي ظل يحكي لنا عن علي بن السلطان والتفاح الفواح والغيلان التي لا تشبع من لحم الآدميين . وعائشة تفتح أزرار سروالي وتقول :
- اترك علي بن السلطان يبحث عن التفاح وهاك كل التفاح من فوق صدري .
فآكل من تفاحها ، وأشرب من لبنها ، والحس العسل المصفى من بين فخذيها .
ولا أشبع أبدا .كنت كلما اعتليتها أرفض النزول على أرض الناس ولا أخجل من سوأتي المعروضة للهواء . وعلي بن السلطان يجوب الصحاري ويسلم على الغيلان .- وسلامه يسبق دائما كلامه -. ولماذا يا أمي تموتين الآن ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ وماذا أفعل بلا تقل لهما أف ؟ والجنة تحت أقدام الأمهات . وبالمناسبة هل سيدخل عم الجيلاني الجنة يا أمي ؟ وأنا لا أدري ماذا أفعل ؟
وجدتها ورب البيت ، وجدتها . سأخرج إلى الجميع . الرجال والنساء . النساء الراقصات والرجال السكارى وزوجتي بينهم .سأقول لهم :
- يا جماعة الخير ، دام فرحكم . نحن أصحاب العرس ، نشكر لكم تلبيتكم لدعوتنا . ومع السلامة الآن . سلموا على أهلكم . اتركونا وشكرا .
ولكن قد يعربد السكارى ، وترفض الراقصات ترك الحلبة ، وتتهجم زوجتي على تدخلي في شؤونها ، فماذا أفعل ؟
هل أترجاهم من جديد ؟ زوجتي وجوقتها . أناديها وحدها وأقول لها :
- أمي ماتت يا زوجتي العزيزة . والله العظيم ، أمي ماتت ، فلا تفضحيني أكثر في البلد .
ولكنني أعرف أنها بليدة ، ورأسها يابس كرأس البغل ، ولا تفهم بسهولة ، وكلبة ابنة كل كلاب العالم . فماذا أفعل إذا رفضت الانصياع لأمري ؟
آه . أشتكيها للبوليس ...
لكن البوليس سيقول هذه قضية عائلية ولا دخل لنا في هذه الأمور . سيتعلل بقضية عائلية ليرد لها بعضا من جمائلها التي لا تفتأ تقدمها لهم آناء الليل وأطراف النهار .
البوليس إذن قضية خاسرة ، سأشتكيها لأمها . أي والله ، سأشتكيها لأمها ...
ولكن حماتي تكره أمي كره المعافى للمرض . وستقول معها أنها ستخسر كل دراهمها التي دفعتها سلفا للنساء إذا تحول الفرح إلى مأتم .
آه ... أقول للمحتفلين : أمي ماتت والسلام .
كيف لم تخطر ببالي هذه الفكرة . من المؤكد أنهم سيتعاطفون معي .اللعنة .هكذا ننسى دائما الحلول السهلة ونتعب عقولنا بالعسير من الأمور.
ولكن الملعونة قد تقول لهن إنني سكرت وما عدت أعي ما أقول ، وتأمر بحبسي في إحدى الغرف . وستجد لا محالة من ينفذ أوامرها .
ماذا سأفعل يا أمي ؟ لقد ضاقت بي السبل .

عندما رفعت رأسي إلى السقف ، رأيت قفصا معلقا . كان في داخل القفص عصفور صغير لم أر له مثيلا من قبل . عصفور أكبر بقليل من النحلة . ألوانه لا تحصى ولا تعد .ألوان تعشي الأبصار وهي تتحول في كل آن وحين . مددت يدي أهم بالعصفور فلم أجده . وعدت أجلس على الأرض فعاد العصفور إلى مكانه في القفص المعلق قريبا من السقف . فارتبكت وظننت بنفسي الظنون إلى أن انفتح الباب ، فدخل عم الجيلاني يجر وراءه برنسه الحريري ويعطر يديه بماء الورد .
قلت : عم الجيلاني ...
وصرت أرتعش . لقد شاركت في دفن الرجل منذ سنوات خلت . اقترب مني تسبقه لحيته الحمراء المصبوغة بالحناء . كان كلما خطا خطوة نزل بي العمر عشر سنوات إلى أن صرت طفلا يلعب بقطار . ربت الرجل على شعري وقال :
- قم يا ولدي . اذهب لتلعب بقطارك مع أصحابك في الشارع .
وضعت القطار تحت إبطي وخرجت ..
عندما التفت وأنا أغادر الدار رأيته يمد يده إلى القفص ، فيخرج منه العصفور الصغير . ورأيته يدس العصفور في أنف أمي . وأظلمت الدنيا في ناظري فما عدت أرى شيئا . صفقت الباب ورائي وهممت بالاندفاع خارج البيت إلا أن زوجتي أمسكتني من تلابيبي . وسمعتها تقول :
- ماذا سنفعل الآن بأمك ؟
لم أرد على سؤالها فواصلت :
- سوف تسكت حتى ننتهي من الأفراح ، فالوقت شتاء ، وجثتها لن تتعفن .
- وأنت متى ستنتهين من جمع نقودك السائبة عند النساء ؟
- غدا صباحا بأذن الله .
- سأذهب أحفر القبر . سأحفره وحدي فلا تشغلي بالك بي .
وذهبت إلى الجبانة .
حفرت قبرا لأمي وقبرا لقطار عم الجيلاني . وحفرت قبرا ثالثا دفنت فيه ثيابي .
وهمت في الخلاء ... عريانا ...


dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/

محمد رشدي
23-12-2011, 07:11 AM
الجدار العالي ( قصة قصيرة ) - ابراهيم درغوثي - تونس
13-12-2006, 08:30 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9334


[size=18:d1874ee083][color=red:d1874ee083]الجدار العالي
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس

السلامه
إذا أردت السلامة
وخشيت الانفراد
فقل كما قيل
وانتظر طلوع الشمس

الندامة
وإن خشيت الندامة
وأحببت القلوب البيضاء
فلا تقل كما قيل
واطلع مكان الشمس .

صالح القرمادي
من ديوان : اللحمة الحية

إهداء : إلى صالح القرمادي وغزالدين المدني .

ركن السيارة الفارهة في الظلّ الممدود تحت الجدار العالي وأسكت المحرك بعصبية ظهرت في حركات أصابعه وفي التقطيبة بين الحاجبين ثم دس المفتاح في حافظة جلدية أخرجها من جيبه ، ومد يده إلى قارورة صغيرة من العطر الفاخر( في الظاهرفقط ، أما في الحقيقة فهو مغشوش/ فالصو لأنه مصنوع- سو ليسنس - في إحدى البلدان العربية ) . رشّ من العطر على يديه وتحت إبطيه وخبّأ القارورة في جيب جمازته القطنية ونزل من السيارة متثاقلا . ظل مدة واقفا بجانب السيارة ثم أغلق الباب ومشى في الساحة الوسيعة بخطوات عسكرية. ( هكذا تظهر لمن لا يعرفه ، أما بالنسبة لمن يدقق النظر فإنه يرى خطوات الرجل مرتبكة ، شديدة الارتباك ) .

هذه بداية عادية جدا لنص قصصي ككل القصص التي يمكن لك أن تقرأها في صحيفة أو مجلة أدبية أو كتاب يدعي صاحبه أنه مجموعة قصصية . ولكنني أرغب في كتابة نص مختلف . هي مجرد رغبة قابلة للتحقيق ، كما هي قابلة للفشل أي أن سبيل نجاحي في تحقيق هذه الرغبة محفوفة بالمخاطر، كأن يتوقف قارئ هذا النص عن قراءته انتقاما من ادعائي قائلا ( هذا كاتب دعوة هاو بالحرام ما قريت قصته ) ويرمي بالمجلة المسكينة عرض الحائط .
لست أدري إن لاحظتم ذلك أم لا فأنا أرجعت فشلي إلى القارئ منذ البداية ولم أقل إنني سبب هذا الفشل ، أي أن إفشال خطتي في الإتيان بما لم يستطعه الأوائل يتحمل وزره المتقبل وليس الكاتب .
هنا أرجو أن أعود بكم إلى بضع سنين خلت يعني بداية تسعينات القرن الماضي . أيامها كنت (أحبو الكلمات ) على رأي الشاعر الكبير منور صمادح فقد طلبت من سارد روايتي الدراويش يعودون إلى المنفى أن يعفيني من مواصلة الكتابة لأنني لا أصلح لهذا الفن ولأنني مجرد كاتب هاو لا يتقن أساليب السرد وفنون القتال العصرية . ( أنظروا الفرق بين الأمس واليوم ، مسكنة واستعطاف يقابلها تعال ونرجسية ، وعين الشمس كما هو معروف للقاصي والداني لا يمكن أن تغطيها ثقوب الغربال ) . وبالمناسبة فإن تصرف القارئ الذي تنبأت قبل قليل بأنه سيرمي بالمجلة التي بها قصتي عرض الحائط يصبح منطقيا لأن الكاتب الذي يتعامل معه كاتب دعي بشهادته عن نفسه الأمارة بالسوء ، خرج من جلده وصار يظن أنه وحيد زمانه وقطب أركان دولة الأدب . ( يا دين السماء وين ماشي بينا هالمجنون )
وبما أنني واع بهذا الأمر فسأظل أمشي بحذر في هذه السبيل الوعرة المزروعة بالألغام ( أولا باش ما ناكلش راسي ونضحك على روحي الخلق ، وثانيا باش انكذب إدعاءات الذين في قلوبهم مرض عافانا وعافاكم الله من شر الأمراض الظاهرة والمختبئة في ريش الطير وفي قعر البير ) .
وتوه هاو الصحيح . سأقص عليكم أجمل القصص ( أنا كاتب هذا النص : إبراهيم بن الرحومين محمد بن خليفة الدرغوثي السدادي من جهة وابن محبوبة بنت أحمد بن صالح ( مشو أحمد بن صالح صاحب الوزارات المتعددة زمن المجاهد الأكبر الجبيب بورقيبة الله إيجيرنا منو ومن تعاضدو . جدي من أمي أحمد بن صالح بن جلول لكريزي الجريدي ) وسيتناوب معي القص تابعي وراوي حكاياتي السارد المحترم الذي سأسميه إبراهيم الكاتب ، فأنا أعرف هذا الشخص الذي بدأ سارد هذا النص في الحديث عنه في الأسطر الأولى من القصة معرفة شخصية ولكنني ( عامل روحي مانيش داري ) حتى أترك له حرية تخريج القصة على هواه . ولكنني، مع ذلك لن أترك له الحرية كاملة بل سأظل وراءه كظله أراقب حديثه مراقبة صارمة ( تحت حس مس ) . سأسكن تحت لسانه يا سادتي الكرام ولن أترك له فرصة اللعب بكم. هكذا قررت ولن أتراجع في قراري أبدا ولو تقاول عني النقاد ووصفوا هذه الكتابة بالفجاجة والتسطح....
اقترب الرجل ، صاحب السيارة الفارهة من الباب الكبير فأحس بالاضطراب والخوف ( قلتلكمش راهي الحكاية فيها إن ) وبدقات قلبه تزداد في تسارعها ( علاش يالله ) ، لكنه تماسك وواصل السير إلى أن اعترضته لافتة كبيرة معلقة فوق الباب ( إهنا باش نتسائل، أولا علاش يقول باب بركة ، باب مهمل ، باب واش ياسي خوي ، باب اشكون ياسيدي، الله ورسوله أعلم كيفاش يزي ماتبرويط يزي مالكذب عديها على غافل أما أوخيك الكاتب إبراهيم راهو يعرف رواندك كاشف ألاعيبك ياسي السارد ماكش حاب اتقول باب واش علخاطر راك خايف قول راني خايف وكفى الله المؤمنين شرالقتال /. ثانيا علاش ما قلتناش إن اللافتة مصنوعة من البلار وأن الضو شاعل فيها الليل والنهار ما يطفاش على مر الأيام وكر الأدهار- يعني الدهور بفصيح العبارة أما آنا راني اخترت الأدهار حتى يستقيم الوزن وتروق القافية في لغتنا العربية الأنيقة الشفافة ، أليست لغة خير أمة أخرجت للناس ، لا يقربها الخناس ولا يلعب بها الوسواس الدساس ) . مسح رجل قارورة العطر الفاخر اللافتة سريعا بعينيه وواصل التقدم ، إلا أنّ الدق داخل صدره ازداد حتّى كاد قلبه ينخلع من مكانه. وبدأ عرق غزير ينزّ من بدنه . عرق لزج نتانته ( قبل قليل كان إبراهيم الكاتب يتحدث عن قارورة عطر فاخر رش منها هذا الرجل تحت إبطيه ، فلماذا تفوح النتانة من هذا الرجل الأنيق هذا ما سكت عنه السارد حتى هذه الساعة ) ملأت الفضاء الواسع ، يعني النتانة ، وانتشرت في الجوّ انتشار النّار في الهشيم . ( بلاغة قديمة مقصودة جاءت بعد تدخل سافر من الكاتب إبراهيم الذي الجم إبراهيم الكاتب ولم يترك له حتى فرصة إكمال جملته) .
شمّ الرجل الرّائحة فارتبك وكاد يعود على عقبيه ( يعني يرجع امنين جا ) . شم الرائحة ولاحظ أن فتحتي أنفه صارتا واسعتين كفتحتي أنف القوريل ( والقوريل يا سادة هو مخلوق ينحدر من جنس القرود التي عاشرت إنسان النياندرتال منذ أكثر من ثلاثة ملايين سنة حسب تقويم علماء الأنتروبولوجيا الكفار الذين خالفوا ما جاء في توراة بني إسرائيل التي تتحدث عن خلق آدم أب البشر أجمعين وتعود به إلى خمسة آلاف سنة فقط . فمن نصدق يا ترى خمسة آلاف سنة أم ثلاثة ملايين .لا أريد التعليق فقط ذكرت هذه الإضافة التي سكت عنها السارد إن سهوا أو عمدا . والظاهر أنه سكت عنها عمدا لأنني أعرف أن هذا الراوي جبان وما يحبش جبدان البلا . وقد قال لي مرة حين أغلظت له القول وجرحته وشرحته : أنت يا سيدي تنسى لأنك من جنس بني الإنسان والإنسان مبني عن النسيان ، أما أنا فلا أنسى لأنني أولا شخصية ورقية ورثت التطريس عن جلد البقر يعني راسي كاسح كيف راس الثور وثانيا وبما أن ذاكرتك سريعة التلف فإنني أريد أن أذكرك بكتابك القصصي : الخبز المر فهل تذكر الخبز المر يا صاحبي . فبهت الذي كفر . سقط في يدي كما تقول البلاغة العربية القديمة . وجمت وكدت أكف عن التعاليق لولا رحمة من رب العالمين ألهمتني نسيان ما ذكر هذا السارد المتعالم ، ومسحت كلامه من ذاكرتي كما يمسح الإيمان الكفر ، فواصلت التعليق بحذر متهيبا خبثه الباذخ . ) تحسس الرجل الفتحتين العظيمتين بأصابعه فخيل إليه أنه صار قردا . قرد بذنب يتدلى وراء ظهره وأنياب حادة وعينين صغيرتين حادتين فوق الجبهة . قرد يتقافز فوق السيارات وبين الرجال المحترمين الذاهبين إلى البناية المحترمة . تخيل الرجل أنه صار قردا بن أم القردة فحاول النكوص على عقبيه ( صرتم تعرفون الآن معنى هذه العبارة فلا داعي إذن لتكرار الشرح ) . لكنّه أحسّ وكأنّ يدا خفيّة تدفع به إلى الأمام ( فانتسطيك ياعيني ) . يد جبارة قاسية كالصلب المسبوك تمسك به من تلابيبه وتدفع به إلى أن وصل قرب صفّ طويل من الرّجال المحترمين . لاحظ الصمت المخيم على المكان ورأى الوجوم على الوجوه فحاذى الواقفين وتسمر في مكانه . ( مجبورعلى الوقوف ما هواش ابشهوته ) . استدار نحوه من كان يقف أمامه وقاسه بنظرة اشمئزاز وقرف . هل حقيقة أنا قرد قال في نفسه . وعاد إلى أنفه يتحسسه بأصابع يديه الاثنتين. و عاد الرجل الواقف أمامه إلى التأفف . فهم بالعودة من حيث جاء، لكن اليد الجبارة، يد الصلب المسبوك، سمرته في مكانه. وسمع صوتا محايدا لا يشبه أصوات البشر ، صوت معدني من سيليكون ونحاس يطلب منه أن يظل في مكانه حتى لا يتعرض للمساءلة قبل الأوان . واستمر الترديد داخل أذنيه حتى كادتا تنفجران . فنسي معنى الهروب وتسمر في مكانه كتمثال من البرونز. ظل واقفا أكثر من دهر إلى أن بدأ الصف الطويل في التقدم نحو الباب .
كان كلما اقترب أحد الرجال من المدخل ( مدخل بناية الجدار العالي الذي ذكره السارد في بداية القصة ولكنه سكت عن التفاصيل ) رأى وكأن رمحين متقاطعين يسدانه ، ثم وكان يدا تندس داخل جوفه ، ( يعني جوف الرجل الذي تقدم ناحية الرمحين )، تخرج منه قلبه ، تنظر فيه مليا ، ( نسي السارد مرة أخرى أن يقو ل لكم أن هذه اليد تغسل القلب بالثلج والماء البارد الممزوج بالعطور أو ترمي به في سطل مليء بالقطران والزفت المحمى ) ثم تدسه من جديد داخل الصدر.
وينفرج الرمحان تارة ، فيدخل الرجل . ( وأنا أي ابراهيم بن محمد بن خليفة الدرغوثي بلحمه وشحمه ، أراقب المشهد من بعيد ، رأيت أن عد د الداخلين إلى بناية الجدار العالي المذكور آنفا قليل جدا مقارنة بعدد الواقفين في الصف الطويل طول يوم القيامة ) .
وتنقدح نارعند تقاطع الرمحين تارة أخرى . نار خافته ( كيف التريسيتي ) تكاد لاترى بالعين المجردة ، فتهوي على قفا الرجل ( رجل الصف لا رجل السيارة الفارهة ) يد غليظة ( هاك الفنتاسطيك اللي حكيت عليه قبل إشوي )، فيسقط على وجهه سقطة لا يعلم طولها إلا الله ( قالك ساعتها يكون سي خونا شاف مكانه في النار. وأنا أقصد هنا نار الدنيا الفانية لا نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ) لأن الرجل حين يقف من سقطته تكون ملامحه قد تبدلت كثيرا اسود وجهه وشاب شعر رأسه ، وهو الرجل الشاب الأبيض الأملس قبل الضربة . ويعود إلى الوقوف مرعوبا ، لتباغته ضربة رجل (زكور كيف ما انقولو في الجنوب التونسي أو شلوت على رأي إخواننا في المحروسة مصر) على مؤخرته فيهوي من جديد على وجهه ويتكدس فوق من سبقه من الرجال المفزوعين . ( هنا درجات الفزع متنوعة فمن بين الرجال من يعول كالثكالى ومنهم من يولول ولولة الصبيان ، ومنهم من يكثر من النهنهة ، ومنهم من يكتفي بإظهار الخوف والجزع دون أن يعبر عنه بصريح العبارة ) .
ويواصل الصف تقدمه نحو الباب . ويتواصل الذبح والسلخ وشي اللحم و العياط والشياط والبكاء والنهنهه وصيحات الانتصار والفوز المبين . وهذا الإنسان الصفر لا يدري ما يفعل به . ( عرفتو توة علاش اهديت قصتي لعزالدين المدني ، أما سبب الإهداء لصالح القرمادي فأتركه لنباهة النابهين فقط ) .
ويتواصل فزع الرجل ( الذي لم يذكر لكم السارد حتى الآن سبب مجيئه لساحة الحشر هذه ، هذا الرجل الذي جاء هناك بمحض إرادته ، قلت - ساحة الحشر- ، أستغفر الله العظيم وأتوب إليه ، ما كنت أقصد ولكنه الشيطان الرجيم رمى في قلبي بهذا الكلام فالتبس علي الأمر، لأن تلك الساحة لا يعلمها إلا الله ، وإنما كنت أقصد الساحة المجاورة للجدار العالي والمؤدية للبناية الكبيرة ، الجهمة) ، فتصطك أسنانه ،( أي أسنان رجل السيارة ) ويسيل على وجهه عرق بارد ويسيل بين فخذيه البول...

أنهى السارد القصة عند هذا المشهد بعد أن شطب في آ خر لحظة وصفا مهينا لكرامة هذا الرجل قال فيه إنه ضراط أو كما قال بالضبط: يا ضراط ، لأنه رأى أنه كان يتطاوس قبل النزول من السيارة المرسيدس- بنز، وأنه كان يقول بالصوت العالي وهو في طريقه إلى بناية الجدار العالي : ( إش يا ذبانة ما ثمة في الدنيا كان آنا ) ، لكنني شخصيا أنا الكاتب إبراهيم بن محمد بن خليفة الدر غوثي ، سيد هذا المتكلم باسمي،( على الأقل حسب ظني واعتقادي وإن كان بعض السادة النقاد لا يشاركونني هذا الظن وهذا الاعتقاد) ، لم أقتنع بهذه النهاية رغم ما خوفني به السارد من وقائع صحيحة وأدلة ثابتة تناسيتها لكنه لم ينسها . هذه النهاية التي بدت لي متسرعة ، خائفة ، لا تشفي غليل المتلقي الذي يود أن لا تختلط عليه أمور الدنيا والآخرة ، وأن نعطي لله مالله ولقيصر ما لقيصر ( هذه الجملة الأخيرة زائدة – حشو كما يقول النحاة ولكنني أردت أن أزين بها هذه الخطبة حتى يقال عني أنني فطحل أعرف كثيرا من علوم الكلام وفنون القول ) . هذا المتلقي الذي يريد أن يفهم أكثر لأن في كلام السارد الذي شاركني القص كثير من الغموض والتورية و التبهنيس أيضا .
dargouthibahi@yahoo.fr[/color:d1874ee083][/size:d1874ee083]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:14 AM
صاحب الحمار - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي - تونس
15-12-2006, 05:08 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9411


[size=18:fe63eb6803][color=red:fe63eb6803]صاحب الحمار
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس
إلى زكريا تامر

سار الحمار يشق شوارع مدينة المهدية وئيدا ، فقد كان راكبه يشد على اللجام بين الفينة والأخرى ليكبح جماحه .

هو حمار أشهب شبيه بالبغل إلا أنه أقصر منه بقليل . وكان الرجل الراكب على ظهره قد قارب الخمسين .كان يابس جبة من الصوف ، على اللحم ، ويغطي رأسه بلحاف أبيض ، ويحمل في يده عصا غليظة قدت من غصن شجرة زيتون . وكان يحمل بارودة أم طلقتين من النوع الذي تراه معلقا على جدران البيوت التركية في متحف باردو في تونس العاصمة .
جال الحمار مدة طويلة براكبه . زار الجامع الكبير ، ووقف أمام السور ذاهلا . رأى البنائين وهم يصلحون الحجارة القديمة ، ويضعون الملاط في الشقوق التي حفرتها السنون . ثم وقف طويلا أمام أحد أبواب السور .
قال : ها هنا دققت بعصايا ذات يوم . وهاهنا علق جنود الخليفة الفاطمي جلدي المحشو تبنا بعدما رموا لحمي لكلاب جوعوها مدة سبعة أيام .
ثم عاد أدراجه إلى سوق المدينة العتيقة . أوقف الحمار قرب مقهى ، وذهب يجلس في ركن قصي بعيدا عن الرواد الذين تركوا أوراق اللعب وحجر الديمنو ، وراحوا يحملقون في وجهه باستغراب .
كان إذا قام يعرج قليلا . وكانت بندقيته تكاد تلامس الأرض كلما حرك رجله اليسرى . الرجل الأقصر قليلا من أختها .
ظل الرجل ساكتا إلى أن جاء النادل ، فمسح الطاولة ، وسأله إن كان يريد مشروبا .
قال انه عطشان وانه يود لو يعطيه شربة ماء باردة في كوز . جاءه بالماء وبقارورة كوكاكولا . وجلس بقربه . ترقبه حتى أنهى شربه ، وحمد الله وأثنى على نبيه ، ثم سأله عن أحواله :
قال : الدنيا تغيرت كثيرا منذ أن غادرتها
وسكت ...إلى أن جاءه ثلاثة من الجند يتمنطقون السيوف ، ويحملون في أيديهم الرماح . اقترب قائدهم من الرجل ، وطلب منه أوراق هويته . أعطاه بطاقة تعريفه الوطنية ، فقرأ :
- مخلد بن كيد .
وردد الضابط وراءه : مخلد بن كيداد ؟
فقال له الرجل : ألم تقرأ في المدرسة عن ثورة صاحب الحمار ؟
أنا صاحب الحمار .
ابتسم الضابط وقال له :
- تعال معي إلى مركز الشرطة . أنت مطلوب للعدالة .
سأله صاحب الحمار :
- وماذا فعلت لكم يا ابن أخي ؟
- هي شكاية من المواطنين القاطنين قرب السور . لقد ادعوا أن الكلاب التي أكلت من لحم جثتك أصابها سعار شديد فصارت تعض كل من اعترض طريقها ، ولم ينفع الذين عضتهم مصل باستور ، فأصيبوا بداء الكلب .
وتوارث الأحفاد عن الأجداد الداء إلى هذا اليوم .
قال صاحب الحمار :
- وما ذنبي أنا يا سيدي ؟ فتلك قصة قديمة . ألم ينسها التاريخ ؟
رد الضابط :
- أنا عبد مأمور يا شيخي . تعال معي أجب دعوة القاضي ، فربما تجد تفسيرا لديه .
وأخرج له من جيب معطفه بطاقة جلب مدموغة بطابع الأمير .
اتكأ صاحب الحمار على عصاه ، وذهب يعرج باتجاه حماره الأشهب الشبيه بالبغل ، وهو يردد بينه وبين نفسه :
- لقد ظننت أن التاريخ نسيني بعد هذه المدة الطويلة .
... بعد ثلاثة أشهر من الأيقاف التحفظي ، حكمت المحكمة حضوريا على المدعو مخلد بن كيداد والملفب بصاحب الحمار بالنباح مع الكلاب المسعورة التي أكات من لحمه منذ ألف عام ، فاستأنف محاميه الحكم ، وطلب من المحكمة الموقرة مراعاة سن الرجل ، وتمكينه من ظروف التخفيف القصوى .
والى ذلك الحين ، سينبح صاحب الحمار ، وسيجري مع الكلاب المسعورة في ظلام ليل الأبدية ... الطويل .[/color:fe63eb6803][/size:fe63eb6803]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:18 AM
الحدأة والصياد ( قصة قصيرة ) لابراهيم درغوثي - تونس
17-12-2006, 10:13 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9468


[size=18:b57b1fb061][color=red]الحدأة والصياد
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

( 1 )

دفعت الممرضة الباب ، وتقدمت نحو سريري تسبقها ابتسامتها الآسرة .
قالت وفرح الدنيا يقفز قفزا من عينيها :
- الحمد لله . أخيرا استيقظت . عندما جئتك بالغذاء منذ ربع ساعة كنت تغط في نوم عميق .
قلت وأنا أبحث في كل الاتجاهات :
- أين ذهب جاري ؟
ردت منفعلة :
- من ؟ جارك ؟
قلت ضاغطا على الحروف :
- نعم جاري . صاحب السرير المقابل للباب .
قالت وهي تضحك وتربت عن ظهري :
- آه . الصياد ...
ونظرت مباشرة في عيني وابتسمت .
ثم ، وهي تخرج ، أضافت :
- سأعود بعد قليل . لا أحب أن أجدك نائما ، وإلا فلن تتغدى هذا اليوم .

( 2 )

لست أدري لماذا تبتسم هذه المرأة كلما سألتها عن جاري ، وتتهرب من نظراتي وتغادر الغرفة كمن تجري وراءه العفاريت . وقد كانت – في أيامي الأولى – تهوى الجلوس إلى جانب سريري لتحادثني طويلا عن تونس العتيقة ، عن روائح أسواقها ، وعن جامع الزيتونة ، وعن جامع سيدي محرز الذي شربت من مائه وتمنت أن تزوجها بركته واحدا من الأمراء ، يخطفها من أمام هذه المصحة الذي تعمل فيها ، وعن شواطئ الحمامات التي رمالها كالدر ، وعن الألمان الذين جنوا بها ، فغازلوها بين موجة وموجة ، ورغبوا فيها هي السمراء طويلة القد أسيلة الخد ، بارزة النهد ، وعن غابات عين دراهم وعن طبرقة الخانسة تحت الجبل كعروس مغناجة . كانت تحدثني عن رحلة الصائفة الفارطة التي زارت فيها تونس ولا تمل . وتتهرب من عملها في باقي الغرف . وتحتمل من أجل ذلك توبيخ رؤسائها ونظرات الريبة والشك من زميلاتها ووشوشاتهن عن هذه الممرضة التي تعشق مريضها حد التوله . ثم تغيرت فجأة . ولم يبق من حدبها علي واعتنائها بشؤوني وشوقها إلى لقائي سوى تلك البسمة الممزوجة بالحنان واللطف .
ولم أدر أن سبب هذا الفتور في علاقتنا هو جاري في الغرفة . جاري الصياد ...

( 3 )

جاري الصياد ، جاء إلى هذه الغرفة بعد وصولي إلى المصحة بأسبوعين . كنت قبل مجيئه قد خضعت لعملية جراحية كادت تذهب بحياتي ، فقد صدمتني سيارة رجل مهم . رجل من أهل البلاد ، فتكفل بمداواتي في هذه المصحة الراقية وبدفع أتعابي والسهر على سلامتي .
قال حتى تخرج إلى الدنيا رجلا جديدا .
تعبت كثيرا خلال الأيام الأولى ، لكن أحوالي تحسنت عندما عرفت مليكة التي دسها الرجل المهم في المصحة لتعينني على الجلوس ، وعلى الأكل ، وعلى الذهاب إلى دورة المياه ، وعلى نسيان الألم والغربة .
وذات يوم ، وقد دنوت من الشفاء حتى صرت أرى أبواب الخروج قاب قوسين أو أدنى مني ، جاء جاري إلى الغرفة . جاء تقوده ممرضة . تمسك به بيد ، وتضع يدها الأخرى وراء ظهره . انتبهت إلى العصابة التي تطوق رأسه . كانت عصابة مبقعة بالأحمر القاني . ولم أعرف إن كانت هذه البقع بقايا دم أم دواء .
قالت لي الممرضة المرافقة له :
- سلم على جارك وشجعه ، ستجرى على عينيه عملية جراحية بعد أيام .
سلمت عليه ، وقدمت له نفسي بكل أدب وتهيب ، فحرك رأسه يمنة ويسرة وقال :
- هل ما زالت الحدأة تحلق في سماء المدينة ؟
قلت ، وأنا أحاول اكتشاف ما وراء الشباك :
- لا أرى حدأة ولا زرزورا .
فرد منفعلا :
- كفى مسخرة أيها القرد . اغلق الشباك فأنا لا أطيق جريان الهواء في الغرفة .
اغلقه جيدا حتى لا تعود الحدأة التي أكلت عيني إلى سمائي .

( 4 )

جاري الصياد رجل في الأربعين من عمره . له وجه شديد السمرة ، تطوقه لحية كثة ويتوسطه أنف قد من حجر وفم يفتر عن أسنان تشبه أسنان الحصان . عندما تمدد على السرير بدأ في الشخير ، و ظهرت بطنه الكبيرة كالجبل . رأيت داخلها خرفانا ترعى ورعاة يغنون وكلابا تجري هنا وهناك . وشممت رائحة اللحم المشوي . وسمعت ذئابا تعوي وهي تلعق من دماء فرائسها .
وعاد جاري إلى الشخير ، فامتلأت الغرفة برائحة فسائه وضراطه . وظل يشخر ويضرط إلى أن كدت أختنق فأحدثت ضجة مفتعلة جعلته يتململ في مكانه ، ثم يفز مذعورا ، صائحا :
- هل أحكمت إغلاق الشباك يا مغربي ؟
فقلت كالمتشفي :
- أظن ذلك يا مولاي .
فقال بهدوء هذه المرة :
- قم وتأكد من إغلاقه يا يرحمك الله .
وعاد إلى الشخير ...

- 5 –

جاءت مليكة بالغداء . وضعته فوق طاولة صغيرة قرب سريري وخرجت . رفعت الغطاء عن الصحون فوجدت كدسا من الأرز الأبيض ولحما مشويا وسلطة وتفاحا وموزا
فقربت الطاولة من السرير . ووضعت مخدة كبيرة وراء ظهري . وبدأت في الأكل وأنا أحمد الله على السلامة . كنت مشغولا بالأكل حين جاءني صوته المؤنب :
- قل باسم الله قبل الشروع في الأكل يا مغربي .
فرددت عليه كالمتسائل :
- هل أقولها جهرا أم سرا ؟
فرد :
- كما تشاء ، ولكن قلها حتى لا تأكل معك الشياطين .
واستدرك بعد هنيهة :
- ويستحسن أن تقولها جهرا حتى تسمعك الملائكة وتكتبها في دفتر حسناتك الذي بيمينك .
حين رفعت اللقمة إلى فمي رأيت حدأة ترفرف بجناحيها وراء زجاج النافذة . بقيت اللقمة معلقة في الفضاء ، والحدأة تضرب الشباك بكل ما تملك من قوة ، بجناحينها والمنقار . وتعول عويلا مزعجا .
وجاري الصياد يصيح :
- لا تفتح الشباك يا مغربي وإلا أكلتني الحدأة .

- 6 –

قال لي ذات ليلة جاري الصياد وقد جافاه النوم سأقص عليك قصتي ، ولكن انسها حالما انتهي من القص . والله لو سمعتك ترددها ولو في قلبك لقطعت لسانك ورميت به للقطط الجائعة . هل سمعت يا مغربي ؟
فقلت : السمع والطاعة يا مولاي ،فقال :
دكاني في السوق كبير . أكبر من كل دكاكين المدينة . يعمل فيه خدم من الهند والسند ، فأنا لا أثق في العرب . جربتهم ، ولكنهم سرقوني . فقررت الاستغناء عن خدماتهم
وأولادي ما فلحوا إلا في تبديد أموالي في اللهو وفي معصية رب العالمين ، فقررت طردهم من رحمتي . وعولت على نفسي .
كنت أشرف على الدكان بعيني صقر عندما دخلت قلبي . داسته بأحذيتها هي وصويحباتها وقد جعلني شموخها أنتبه إليها . قامة مديدة كغصن البان ، وأرداف ثقيلة ، ووجه سبحان الخالق الباري .
التقطت قطعة من القماش الرخيص المستورد من الصين الوطنية ، وجاءت تدفع الثمن . عندما تكلمت عرفت في لهجتها أهل الشام . فقلت وأنا أفتح لها اليدين :
- مرحبا ... يا هلا بعروس الشام ...
باغتها كلامي فاحمر وجهها خجلا . ظلت واقفة لحظة ثم دفعت الثمن ، وخرجت يسبقها ارتباكها وحشمتها .
عندما ابتلعها زقاق جانبي ، ندمت كثيرا لأنني تركتها تمشي دون أن أعرف عنها شيئا . وما فرطت قبلها في امرأة تشهيتها .
ولكنها عادت بعد ثلاثة أيام .
جاءت هذه المرة مصحوبة بأولادها ، فقد سمعت بالتخفيض الكبير الذي أعلنته الجرائد والذي يخص ثياب الأطفال والنساء ، فجاءت تستغل الفرصة . ما كانت تعلم أنني أعلنت هذا الصولد لأجل عينيها ، وأنني قد أخسر بسببها الملايين .
كانت منهمكة في اختيار ما يلائم أطفالها ، عندما اقتربت منهم ، وسألت أحد الصغار :
- من أي بلاد الشام أنتم يا ولدي ؟
قال : من فلسطين
- من أين بالضبط ؟
- من يافا .
وجاءت بكدس الثياب . وضعته أمامي وتأخرت خطوتين .
قلت منفعلا ، والعرق ينز من جبهتي ومن تحت إبطي :
- يا هلا ... يا ميت هلا بعروس يافا .
فردت على اندفاعي بعبوس :
كمكم أدفع ؟ من فضلك كم تساوي هذه الثياب ؟
رددت عليها ريالاتها بلطف هامسا :
- لا تدفعي شيئا . هذه هدية من صاحب الدكان إكراما لفلسطين الحبيبة .
وأردت مواصلة الحديث لكنها لم تترك لي فرصة للكلام ، فقد فتحت حقيبة يدها ، عدت كمية من الريالات وضعتها فوق الطاولة ، وخرجت ...
فخرجت روحي وراءها . ولزمني هم وغم طول ذلك اليوم . فامتنعت عن الأكل . وأقمت صلاتي في غير أوقاتها . ونهرت من لم أنهره من قبل . ونمت نوم المجانين . أعلن عن شيء في المساء ، وأعمل بنقيضة في الصباح . وأولادي يكيدون لي كيدا مع أمهم وأعمامهم وأخوالهم حتى أعود إلى الرشد . ولكنني واصلت المشي في الغي . فقد كان الدكان يخسر كل يوم أكثر ، وأنا لا أنفك عن إعلان التخفيضات .
وكانت تجيء دائما إلى الدكان ، فأتغزل بها ، ولا أشبع . وهي ترفض الرد على غزلي ، ولا تلتفت لعذب الكلام ، إلى أن ضرب اليهود مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس .
جاءت يومها وحدها .
قلت في نفسي : هي فرصتك يا بن الكلب . فرحبت وسلمت كأحسن ما يكون الترحيب والتسليم :
- يا هلا ... ياميت هلا بيافا وبعروس يافا ...
فردت على كل هذه البشاشة والاندفاع باقتضاب شديد :
- ماذا تريد مني يا سيد ؟
قلت وقد انفتحت في وجهي أبواب السماوات والأرضين :
- وصالك يا روحي .
ردت ، وابتسامة لم أقدر حتى الساعة معناها :
- اليوم تطلب وصالي ؟ ألم تسمع بما فعل الصهاينة ؟
قلت ، وأنا أرى الأبواب تنغلق في وجهي الواحد تلو الآخر في فرقعة تصم الآذان :
- وماذا فعلوا ؟ هل أحرقوا قبر النبي ؟
سنبني لكم مقرا آخر لمنظمتكم الشهيدة يا سيدتي . أقسم لك أنه سيكون أفخم من السابق وأبهى .
وحدثتها عن حبي لفلسطين وكيف كنا نجمع القروش للمهجرين من ديارهم ، ونتبرع بالدم للمجاهدين . وكيف فرحنا بعائلاتهم التي جاءت إلى قريتنا للسكنى والاستقرار المؤقت حتى تحرير فلسطين ، كل فلسطين .
وتكلمت............................................ .................................................. .................................................. .................................................. .................................................. .................................................. ......................... إلى أن هزني الضحك وأنا أروي لها كيف كنا نتخاصم مع جيراننا أطفال فلسطين ، فنعيرهم كلما اعتدوا على أحدنا بالضرب :
- روح من بلدنا يا ...... فلسطيزي .
رأيتها ترفع يدها أن كفى . ثم تستجيب لطلبي باندفاع محموم :
- هيا بنا إلى حيث تريد ، فأنا الآن ملك يمينك . افعل بي ما تشاء .
باغتي ردها الإيجابي فارتبكت . ولم أعرف بماذا أجيب . فقالت :
- ما لك ؟ هل ندمت ؟
قلت ، وأنا أغطس في عرقي :
- ترقبي ساعة حتى أصلي المغرب وأغلق الدكان .
ترقبيني أمام باب المسجد الكبير .
ووجدتها أمام الباب في عباءتها السوداء ، فركبنا سيارتي الكاديلاك التي طوت بنا المسافة طيا بين السوق وعمارتي الجديدة التي خصصتها لأحبابي . وكنت في مسيرتي قد أحرقت كل الأضواء المعرقلة للعدو . ولم ألتفت إلى علامات المرور . وكدت أدهس شرطيا جاء يعترض طريقي . ووصلت وأنا ألهث كعداء المسافات الطويلة . نزالت قبلها ، وذهبت أفتح لها باب الرحمة :
- ادخلي برجلك اليمنى ، واذكري اسم الله وأنت تلجين الدار يا أميرتي .
ثم ذهبت إلى الحمام ، فاغتسلت وتنشفت وتعطرت وخرجت لها عريسا في ليلته الأولى . سبحان الخلاق . فخاصرتها وأنا أقودها إلى الحمام وأطلب منها أن تلتحق بي في بيت النوم .
تركت الجميلة في شغلها وشغلت جهاز التلفزيون ، ثم تكومت تحت الغطاء أترقب عودتها .
جاءت بعد وقت قصير .وجاءت معها صور العمارات المدمرة ، واللحم الآدمي المحروق ، والرؤوس المهشمة تحت الحجارة ، وصياح سيارات الإسعاف المزعج . والدم في كل مكان . فوق الإسفلت ، وعلى الجدران والحجارة .
أوقفت البث بضغطة عصبية ، ولعنت جد من اخترع التلفزيون .
عندما رفعت عيني في اتجاهها ، رأيت العجب العجاب . هل تصدق يا مغربي ؟
كانت امرأة يكسوها الريش تنظر نحوي بعينين صفراوين مدورتين . امرأة لها مخالب من الصلب ومنقار معقوف مخيف . رأيت يا مغربي امرأة كالحدأة ، أو حدأة في صورة امرأة . شيء مرعب يا مغربي . فماذا أنت فاعل لو كنت مكاني ، وامرأة كالحدأة ترتمي على وجهك . تأكل عينك اليمنى ، فاليسرى ، ثم تهجم على رأسك لتشرب من مخك ؟
قل لي بربك يا مغربي ماذا تراك فاعل ؟
حين هممت بالرد على سؤاله ، رفع في وجهي سبابة مهددة . وأمرني بالسكوت ، فرميت الغطاء على وجهي ونمت حتى الصباح ...

- 7 –

قلت لمليكة وهي ترفع الصحون وتمسح الطاولة :
- أين ذهب جاري الصياد وميعاد العملية الجراحية لم يحن بعد ؟
قالت كالمستغيثة :
- إذا كنت ترغب في الذهاب إلى مستشفى المجانين ، فاسألني مرة أخرى عن جارك الصياد ، يا مغربي .
وتركتني للحيرة والتسآل .
ولكنها تركت لي كعادته في كل مرة طيف ابتسامتها العذبة مرسوما على زجاج شباك غرفتي المطلة على حديقة المصحة ...



dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/





































[/color:b57b1fb061][/size:b57b1fb061]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:21 AM
متاهات قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي - تونس
21-12-2006, 09:21 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9654


[size=18:156b6dedef][color=red:156b6dedef]متاهات
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

تنبيه :

قبل أن تبدأ في قراءة هذه القصة ، أريد أن أعرض عليك حكاية هذه الحكاية ، حتى لا تختلط عليك الأمور، وتتشابك في رأسك الأزمان والأمكنة . لأنك واجد فيها حضور لافت لشهرزاد وشهريار وهما كما يعرف الناس جميعا ، تقريبا ، شخصيتان أثثتا حكايات : ألف ليلة وليلة . الأولي ، بنت وزير جمعت بين النباهة و الحكمة ، فحمت بنات جنسها من الاغتصاب و القتل بدم بارد . والثاني ملك مخدوع في رجولته، ملك ككل الملوك الأشاوس ، اكتشف بعينيه الاثنتين زوجته وقد تفخذها واحد من عبيده السودان ، فثار لرجولته وقرر إفناء بنات حواء من الوجود . ولكن شهرزاد اللبيبة شدته بحكاياتها فأرجأت عمليات القتل إلى أن استولدها فلذات أكباده ، ففازت بروحها وبأرواح صويحباتها .
وبما أنه من حقك أن تتساءل عن سبب وجود هذا الملك المخدوع وجاريته الحسناء في نص قصصي حديث ، فإنني أردت أن أعفيك من طرح هذا السؤال ، أو التفكير في طرحه ، لأنني سأشرح لك الأمر بكل بساطة . ولك أن تقبل هذا الشرح أو ترفضه .
لك أن تسخر مني ، أوتطنب في مدحي والثناء على عبقريتي التي لن يجود الدهر بمثلها مرة أخرى .
كل هذا متروك لنباهتك وفطنتك فقط .
أما أنا فسأقول كلمتي وأمضي إلى المجهول . لأن هذا النص الذي ستأقرأه بعد قليل لا ناقة لي فيه ولا جمل كما يقول المثل العربي القديم . فكل ما في الأمر أنني اشتريت من بائع كتب قديمة معروضة على قارعة الطريق في نهج من أنهج تونس العتيقة ، نسخة من كتاب ألف ليلة وليلة .
لم تكن النسخة في حالة جيدة لذلك لم يطلب مني البائع ثمنا مشطا ، وإنما طلب بضع دنانير فقط .
عندما كنت بصدد تصفح الكتاب ، جلبت انتباهي كتابة بخط اليد على مدى الصفحات الأخيرة . ( قد أكون مسبوقا لهذه الحيلة في سرد أحداث هذه القصة ولكنني لم أجد غيرها فاغتنمت غفلة بعض القراء ومررتها ،على أمل أن أنجح فيما أخفق فيه من سبقني في هذا الباب – والله ولي التوفيق ) .
قلت في نفسي ، هي تعاليق قارئ على هذا النص ، وهي عادة كثيرا ما استعملها القراء ، ربما قتلا للوقت ، أو للتنفيس عن هم مكبوت ، أو لاستعراض معلوماتهم ، أو لسب الكاتب والتهجم على أخلاقه ، وغير ذلك مما تجود به النفس البشرية الأمارة بالسوء . وأغلقت الكتاب .ولم أعد إليه إلا هذه الأيام . فقد انشغلت بأخبار الحروب والكوارث الطبيعية التي ضربت الدنيا في كل مكان ، ودأبت على مشاهدة التلفزيون إلى أن كل بصري وتضعضعت أحوالي ، وضاقت بي الدنيا حتى صارت أصغر من خرم إبرة .
كنت عندما أصاب بهذا المرض ، مرض الكآبة ، أعود إلى المكتبة أقتل فيها الوقت مع أصدقاء لا يملون صحبتي أبدا .
هل هي الصدفة التي قادت خطاي إلى رف كتب التراث وإلى تلك النسخة من كتاب ألف ليلة ولية التي اشتريتها منذ شهور ، ونسيتها ، ربما .
فقد عدت إلى الكتاب أتصفحه ، فوجدت هذه الحكاية المكتوبة بخط اليد . حكاية تملأ الصفحات الأخيرة من الكتاب مع تعليق من صاحبها يقول فيه أنه أنجز هذا النص ليشارك بقية الكتبة الذين تداولوا على تأليف هذه المدونة منذ مئات السنين . وأنه يرجو ممن يفكر في إعادة طبع كتاب ألف ليلة وليلة أن لا يسقط هذه الحكاية من الطبعة الجديدة . ويعد بكتابة حكايات أخرى .
وقال كلاما كثيرا أسقطته حتى لا أثقل عليكم أولا ولأنني وجدت فيه ثرثرة لا طائل من ورائها .
إذا أقنعتك عزيزي القارئ هذه المقدمة فما عليك إلا أن تواصل القراءة ، وإذا ظهرت لك تفاهة هذا الكلام فذره لمن خلقه ولا تلتفت إليه ، وأنا متأكد أنك لن تندم على ذلك .


أم المتاهات :
أو ليلة كليلة القدر :


ماذا لو أفاق أحدكم ذات صباح وهو يملك رصيدا ماليا يساوي مليارين ونصف المليار من ملاليمنا التونسية . نعم يا سادتي الكرام ، ملياران ونيف . وحتى أقرب الرقم لمن لا يحسن تحويل الملاليم التونسية إلى دولارات أمريكية ، من قراء لغة القرآن ، أقول إن هذه الثروة تساوي بفلوس العم سام اثنان من ملايين الدولارات . أي نعم ورب الكعبة ، مليوني دولار . و ما على صاحب هذا الرصيد المالي إلا إن يبدأ بالعد .
و لكن وحتى لا أذهب بطمع الطامعين بعيدا أقول لكم إنني صاحب الحظ السعيد . فأنا من انفتحت في وجهه كوى وشبابيك وأبواب ليلة القدر في غير موعدها . ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر . ليلة هي عندي أغلى من الدنيا وما فيها : من ناطحات السحاب الأمريكية ، إلى البنوك السويسرية ، ومن آبار النفط السعودية إلى مناجم الذهب في إفريقيا الجنوبية . ليلة خير من ألف ليلة وليلة التي غنتها سيدة الطرب الأصيل أم كلثوم بردت أمطار الربيع ثراها ، وشنف الله آذانكم بصوتها ومغناها .


المتاهة الثانية :
أو ماذا يحصل لك حين تتغول عليك زوجتك

أبدأ الحديث بذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبدا لله ، فأنا مواطن يؤمن بالقدر ، خيره وشره ، ولا يجادل فيما قدره الله لعباده من أرزاق في اللوح المحفوظ في عليين منذ أن قذفوا في الأرحام نطفا لا حول لها ولا قوة . مواطن مما كان يعرف سابقا ببلاد إفريقية التي غزاها في قديم الزمان وسالف العصر والأوان عبادلة الله السبعة ، ففتحوها وأدخلوا أهلها دين الله الحنيف بالحكمة والموعظة الحسنة . وصارت تعرف لاحقا بتونس الخضراء ، زينة البلدان وعروس المدائن . أنا ياسادة يا مادة ايدلنا ويدلكم على طريق الخير والشهادة مواطن من الشعب الكريم لا علاقة لي إطلاقا بما صار يعرف في هذه الأيام بالوسائط الحديثة للاتصالات ، أي بعالم الكمبيوتر والأنترنات ووسائل الاتصال عن بعد وغيرها من هذه الخزعبلات . فأنا تعلمت في كتاب القرية. أكتب ما تيسر من المعارف الدينية والدنيوية على لوح خشبي مبارك ، مصقول بطبقة من الطين الازب أخط عليه بقلم من القصب بعد أن أغمسه في السماق . والسماق لمن لا يعرف ، هو مداد مصنوع مما علق بمؤخرات الكباش ، يخلط بالماء ويوضع على نار حامية حتى يتخثر ويصير كالحبر الصيني .
وكبرنا فتركنا القصب والسماق ، وصرنا نكتب بالقلم الجاف على الأوراق البيضاء ، ونتفنن في الرسم وفي نقش الحروف ولا نمل ، إلى أن جاءتنا هذه الاكتشافات الحديثة فقلبت دنيانا الهادئة رأسا على عقب .
امتلأت منازل المدينة بهذه الآلات الإليكترونية العجيبة ، فتصدرت المجالس كما كان الحال في بداية ستينات القرن الماضي عندما اكتشف العالم أجهزة الراديوهات العملاقة . وكنت أجدف ضد التيار، فقد امتنعت عن الحديث في هذا الموضوع امتناعا تاما ولم أترك لأحد من الأهل فرصة طرح إمكانية شراء جهاز إعلامية وإدخاله إلى بيتي ، إلى أن حرك الأولاد أمهم ضد هذا الموقف المتطرف من رجل مثلي يدعي أمام العالم المتحضر أنه من أنصار العلم ، ويؤمن بأن الأمريكان نزلوا على سطح القمر ، وبأن الإنسان قرد ناطق بالكلام المبين ، وبأن هذه الأرض عجوز شمطاء عمرها يقاس بمليارات السنين . وحرضوها بالهمز واللمز ، فاشتد عزمها على النزال . ورغبوها في صندوق العجب ، هذا الذي يحوي العالم بين جنباته . وطلبوا منها أن تناصبني العداء إن أنا امتنعت عن قبوله في بيتنا . فتهربت من عينيها في أول الأمر ، ومن غمزاتها فيما بعد ، ومن إلحاحها على تنفيذ أوامر أكبادنا التي تمشي على الأرض . وماطلت ، وتناسيت ، وادعيت ضيق ذات اليد إلى أن هجرتني وتركتني أنام وحيدا في فراش ليالي الشتاء الباردة ، فرضخت للأمر ولسان حالي يقول : لست أول من تغولت عليه ربة بيته يا رجل ، ففز بدفئها ونفذ أوامرها وأمرك لله .
وكان ما كان . بعد أيام ، تصدر قاعة الجلوس في بيتنا العامر، جهاز كمبيوتر بتوابعه وزوابعه أغنانا عن التلفزيون ، وأدخلنا عالما آخر لم أكن أعرف أنه موجود .

وتلك حكاية أخرى لم تدر بها شهرزاد .

وشهرزاد هذه ليست تلك التي قد يكون الواحد منكم سمع بعضا من حكاياتها أو قرأ شيئا منها في كتاب ألف ليلة وليلة ، وإنما هي زوجتي المصون ، أنا ، شهريار بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن ألخ بن سام بن نوح بن ألخ بن آدم عليه الصلاة والتسليم . وقد قررت بمحض إرادتي أن أقص عليكم بنفسي حكايتي هذه . أولا لأنها تختلف بعض الشيء عما تعودتم عليه من قص شهرزاد العجوز لشهريار الآخر ، شهريار الحكاية القديمة ، تلك التي تخرج من جعبتها كلما أعجزتها الحيلة ، جنا وغيلانا وشياطين طائرة ، وهذه أشياء لم تعد تقنع في هذا العصر . وثانيا لأنها لا تعرف عن قصتي الشيء الكثير، فهي تجهل هذه العوالم الجديدة ولا تفقه في دنيا القص الحديث شيئا يذكر . هكذا بكل بساطة ، حتى لا تذهب بكم الظنون مذاهب أخرى ، ولا تتأولوا هذه الكتابة تأويلا آخر .


المتاهة الثالثة :
أو قصة شهريار مع المليوني دولار:

كان يا ما كان ، في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ، كان يعيش في قرية من قرى بلاد العرب التي شملها الله برحمته ، رجل يدعى عبدالله ، رجل مستور الحال ، يتداين في بعض المرات من البنك الذي يملك فيه حسابا جاريا ينزل فيه راتبه في أواخر كل شهر، ولكنه كان يسدد ديونه ولا يتلكأ في التسديد ليعود إلى الاستلاف مرة أخرى ، وهكذا دواليك ، قوت على موت ، إلى أن فاجأه مرة جهاز كمبيوتر اشتراه منذ أيام بثروة لم يكن يحلم بها . تخيلوا معي مغارة علي بابا بما حوته من كنوز سرقها حراميو كل الدنيا ، من المافيا الإيطالية حتى مروجي المخدرات في مدن أمريكا العظمى : ذهب وألماس ، ودولارات وأورووات ، وتحف فنية ، ولوحات لرسامين من عصر النهضة حتى بيكاسو و... ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وما لا يخطر على بال، تيجان من الذهب الخالص كانت فيما مضى فوق رؤوس أطاحت بها وكالات المخابرات المركزية ، وعصي من الأبنوس كان جنرالات من دول العالم الثالث يزينون بها خطواتهم المنتظمة على وقع الأناشيد الرسمية فوق زرابي المخمل المفروشة في مطارات العالم ، وأقمشة من الحرير النفيس المزركش بخيوط الذهب و... شيء لا يمكن أن يحصيه إلا الله العلي القدير . هكذا قدرت ، أنا محدثكم ، عبد الله وصفيه ، قيمة الثروة التي كسبتها بعدما ترجم لي أحد أساتذة معهد القرية التي أسكن فيها نص البريد الإلكتروني الذي وصلني. رسالة مكتوبة بأنكليزية تضوي حروفها المباركة كنجوم السماء في ليلة صيف ، حولها لي الشاطر حسن إلى العربية ،فأغمي علي أولا ، ثم أفقت من الإغماءة ، فحولت منزلي إلى قاعة أفراح وليال ملاح وأنا أردد لكل من هنأني بهذه الرحمة التي نزلت علي من سماء أنجلترا العظيمة :
- رحم الله رجلا عرف قدر نفسه ، ها هي اللغة الأنجليزية تأتيني بما لم تقدر عليه لغة الصحراء المقدسة . فبالله ، و والله ، وتالله ، وبإذن الله ، الرازق العليم ، القادر الكريم ، الذي يعطي ولا يمن ، ويهب بدون حساب . أنه ، لو قدر لي حقا هذا الفوز المبين لجعلت كل أطفال كتاتيب عالم المسلمين يقرأ ون كلام الله بهذه اللغة الرائعة .
ونذرت للرحمان نذرا عظيما ، بأن أشتري بجزء كبير من هذا المال ، وا... عجبي، أجهزة كمبيوتر أفرقها على كل طالب علم ليفوز معي، ربما في مرة قادمة ، بهذا الرزق الحلال . فمما ورد في تذييل الجائزة ، أنها تفرق على الخلائق مرة كل سنة .
وبما أنني فزت بها هذه المرة ، فليس من الغريب أن تكون في العام القادم أيضا من نصيب واحد آخر من هذه البلاد التي اصطفاها الله وكرمها وجعل من أممها خير أمة أخرجت للناس . يأمر أهلها بالمعروف ، وينهون عن المنكر، ويتعاضدون عند الشدائد ، ويحبون لبعضهم ما يحبون لأنفسهم ، ولا يتركون للعدو موطئ قدم فوق أرضهم . شعوب وقبائل اختارها الله وكرمها بالبترول يا أخي ، فأرى الخلائق جنات نجد و دبي والكويت سيتي بالعين المجردة حتى يتأكد الجاحدون والكافرون والذين في قلوبهم مرض من أن رب العرب يملك في خزائنه أيضا جنات عدن ، تلك التي وعد بها المتقين من عباده الصالحين . جنات تجري من تحتها الأنهار ، وتغرد فوق أغصانها الأطيار.
وظللت أحلم بهذه الثروة ، لأنه ذهب في ظني ، بادئ ذي بدء أنه بمجرد الإعلان عن الفوز، وبكلمة سحرية مني ، كأن أقف أمام باب المغارة التي حدثتكم عنها قبل قليل ، و أهمس : افتح يا سمسم ، فتنفتح أمامي أبواب بنوك العالم لأغرف من خيراتها ما شاءت لي الأقدار واللغة الأنجليزية الكريمة . ولكن ظني ذهب أدراج الرياح . فقد استدعى الأمر أكثر مما تحسبت له .
كان علي أن أقطع سبعة بحور ، وأصعد سبعة جبال وأتوه في سبع صحار لأنال مال العيون الزرق .
وتلك حكاية أخرى لم تدر بها شهرزاد كما قلت لكم في المرة السابقة .


المتاهة الرابعة :
أوالشاطر حسن يذيع السر .

طلبت مني شهرزادي أن لا أكثر من الحديث حول موضوع هذا الكسب الذي خرج لنا من بلور جهاز الإعلامية الذي جهدت هي وأولادها في الحث على اقتنائه بينما كنت أعادي الفكرة . وذكرتني بأنها قاطعتني ، وهجرت الفراش الحلال حتى رضخت للأمر وجئتهم بتلك الآلة العجيبة التي ربحنا من ورائها هذه الثروة . وصارت تلحف بتذكيري بأن المشرفين على هذه المغامرة يؤكدون على الاحتفاظ بالسر، وبعدم البوح بالرقم الفائز في السلسلة . هذا الرقم الذي وقع اختياره من بين مائة ألف بريدي الكتروني .
وترفع يديها إلى السماء ، وتبوس كفيها ، وتتمتم : ما أرحمك ياالله ، بريدنا يفوز من بين مائة ألف بريد . ما أكرمك يا الله وما أسعدنا برحمتك الواسعة .
وبما أنها تعرف أن حبة الفول لا يمكن لها أن تبتل داخل فمي ، كناية على أنني ثرثار، مهذار ، فإنها نظرت في عيني نظرة أورثتني ألف حسرة ، ولم تزد على ذلك شيئا .
ولكن من أين للمسكينة ولي بالستر بعد أن ذاع الخبر في طول البلاد وعرضها منذ أن فارق الشاطر حسن باب دارنا . فقد تهاطلت علينا التهاني من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم . تهاني بواسطة التلفون العادي ، وبأخيه المحمول ، وأخرى بالبريد العادي ، وبالبريد السريع . واتصالات بالإيمايلات ، وغيرها بالبطاقات البريدية الرائعة . ولكن أهمها جميعا تلك الزيارات الفردية والجماعية التي صارت تحصل لنا في عقر دارنا آناء الليل وأطراف النهار . زيارات لم نكن نحسب أنها يمكن أن تقع لنا لولا تلك الجائزة السعيدة التي قلبت حياتنا وحولتنا من حال إلى حال ، وسبحانه تعالى مغير الأحوال . سبحانه أعبده وأنوب إليه ، فلولاه ما حصل الذي حصل .
زارنا رجال سياسة من كل ألوان الطيف . جنتلمانات ، أجسامهم الفخمة مدسوسة داخل بذلات فاخرة ، تزينها ربطات عنق تعبق منها روائح العطور الفاتنة . جاءوا يطلبون الود والصحبة وقضاء شؤوننا الخاصة متى أشرنا بذلك . قالوا لنا : اكتفوا بالإشارة ولا يهمكم شيء بعد ذلك .ودخل بيتنا لأول مرة رجال أعمال كبار وصغار يقطر الشحم تحت خطاهم . شحم لزج ، متخثر، نتن كالفساء . كان الصغار يرغبون في أن نشاركهم أرباحهم القادمة و كان الكبار يعرضون علينا أرباحهم الحالية . اطلبوا، قالوا لنا ، ولا تخجلوا ، فالمال كثير، ولا فرق بيننا وبينكم إلا بالصورة المرسومة على العملة .



المتاهة الخامسة :
أو - أنا الغني وأموالي المواعيد - .


حتى لا يقال أنني أسرق أشعار الغير وأنسبها لنفسي ، أعلن لمن يعرف أن هذا عجز بيت شعر استلفته من صاحبي وخليلي أبي الطيب المتنبي برد الله ثراه .

يوم وصلنا الإيمايل الذي طلب مني فيه إرسال نسخة من
جواز سفري و رقم حسابي الجاري في واحد من البنوك التونسية التي تتعامل مع الخارج لتسهيل إرسال الأموال التي ربحتها ، وحتى يصلني هذا الخير إلى باب الدار – كما قالوا لي - كان أطول يوم في حياتي .فقد خرج الخبر للخاصة والعامة في لمح البصر، كيف خرج هذا الخبر وتناقلته الألسن بهذه السرعة ، لست أدري ، إذ بمجرد أن وضعت قدمي أمام باب الدار حتى هجم علي جمع غفير من البشر لا يعلم عدده إلا الله : رجال ونساء وأطفال ، وشيب وشباب . كانوا متبوعين بضاربي طبول ونافخي مزامير وحواة ، آكلي عقارب ، ومصارعين ، ومريدي زوايا وتكايا. التف الجمع حولي ، وصاروا يتصايحون ويتدافعون كل واحد منهم يريد الوصول ليدي ليلثمها ويتبرك بها . وأنا ، وقد أصابني الذعر خوفا من أن أموت مختنقا ، أنادي مستغيثا ، ولا مجيب إلى أن أغمي علي ، وظن أنني فارقت الحياة . حينها فقط تفرق الجمع من حولي . وبدأت الجوقة في النواح والصياح وفي لطم الوجوه والعويل والبكاء .وأنا أنظر بعين القلب لما حل بهذه الأمة التي - تحرث على البرق - .
بعد هذه الحادثة التي كادت تؤدي بحياتي ، ألزمتني زوجتي والأهل والأقارب والأصدقاء ومن زارنا في الأيام السابقة من ذوي الشأن بعدم مغادرة البيت . قالوا : لن نجعلك ضحية لهؤلاء المجانين ، وسنتكفل بمستلزمات حياتك ، فقر عينا ، ونم ملء جفونك عن الشاردة والواردة .
ونمت ، كما قالوا لي ، فامتلأت رفوف المطبخ بما لذ وطاب من لذائذ الدنيا . وامتلأت جيوبي بلفائف من ورق النقد .
ولكن ما نغص علي هذه الجنة أنني كنت حين أقف وراء شباك بيت الجلوس الكائن في الطابق الخامس من العمارة التي أقطنها ، أرى صفوفا من الخلائق متراصة قدام باب العمارة . صفوف طويلة ، تكاد لا تنتهي .
كانت الخلائق تنادي باسمي، وتطالب بحقها فيما كسبت من مال اللغة الأنجليزية الكريمة . وأنا من وراء شباكي ، أعجب لهؤلاء الناس ، ولحالي ، وألعن الساعة التي طاوعت فيها نفسي وأدخلت إلى البيت هذه الأعجوبة التي أربكت حياتي وحولتني بين عشية وضحاها ، وليل تلاها إلى معبود لكل هذه الجماهير الغفيرة والخلائق الكثيرة . وأندم بسرعة على هذا الكفر بالنعمة التي حرضنا ربنا على أن نحدث بها ، فأستغفر الله ، وأعد نفسي بأن أحمد ربي وإن داستني أقدام العامة، ونهشتني الأفاعي السامة وقروش الطامة .
ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز القدير الذي يفرق الأرزاق ولا يمل ولا يكل ، به أستعين ، وعليه أتوكل في حل صغائر الأمور وكبائرها . فهو من يرزق الخلق بغير حساب ، فلولا رحمته الواسعة لعميت عيون اللغة الأنجليزية عن رؤيتي ، ولتاه بريدي الإلكتروني في هذا البحر المتلاطم من بريد العالم الحر ، والعالم المتخلف ، وما بينهما بريد العالم البين بين .
كنت أقول لنفسي أنظري يا ابنة الكلب كم هي عظيمة رحمة ربك ، فلا تنسي ذلك وعضي على هذا الكلام بالنواجذ وإلا أكلتك ضباع الجبل وبالت عليك الثعالب .
وقد هان من بالت عليه الثعالب .


المتاهة السادسة
أوالهاتف الذي حذرني من الخناس


دسست بين هذه الجماهير الواقفة تحت سمائي من كان يهرب إلى البيت ، بين الفينة والأخرى من يحدثني عن سبب وقوفه في هذا الصف .
كانت إجابات بعضهم غريبة وعجيبة ، لو كتبت بالإبر على آما ق البصر لكانت عبرة لمن يعتبر .
هزني بعضها حد البكاء . وضحكت من البعض الآخر حد البكاء أيضا :
كان يا ما كان ... في قديم الزمان ... وسالف العصر والأوان ...
كان رجل فقير الحال ، رث الهندام ، يدعى لقمان.
وكان ....
وكانت امرأة جميلة ، طويلة القد رائقة الخد ، ولكنها لم تكن تملك من حطام الدنيا شيئا .
كانت هذه المرأة ...
وكان وكانت ...
وكانت وكان ...
وكنا وكانوا ...
وسيدي ، ينقصني ألف دينار لأزوج هذه اليتيمة .
وسيدي ، لم أقدر على دفع معلوم كراء البيت ، وصاحب البيت يهددني بالطرد . وأنا لا أملك عشا لفراخي .
وسيدي ، ماذا لو تدفع عني بلاء قرض هد كياني ، من البنك الفلاني ، والبنك العلاني ، والبنك الفلاني العلاني ، والبنك العلاني الفلاني .
وسيدي يا سيدي ...
وأنا أقول في نفسي و لنفسي : ها قد أصبحت سيدا يا ابن الكلب ، يا ابن الجوعانة والجوعان ، فما تراك فاعل بهذه السيادة ، وهذا الشعب الكريم ماثل بين يديك ، يرجو رحمتك ، ويطلب عطفك وحنانك .
يا حنان يا منان .
يا سيدي قضاي لحوايج .
إلى أن وصل الإيمايل الأخير الذي قلب كل الموازين رأسا على عقب . طلب مني أن أدفع ألف باوند لاستخراج الأوراق الخاصة بالربح وأن أرسلها في أسرع وقت على الحساب الجاري لبنك في أنجلترا ، أو أن أحضر بلحمي ودمي الحار إلى بلاد البرد و الضباب لأقوم بهذه الإجراءات وأعود سالما غانما بما كسبت من رزق حلال . وخيروني .
فقلت ، والحيرة تأكلني أكلا لما : الخير فيما اختاره الله .
ونمت ، أو على الأصح كنت كالنائم حين سمعت هاتفا يهتف بي :
- حذار يا ابن الناس من الخناس الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس .
- حذار يا ابن محبوبة ، ولا تكن كالثعلب الجائع الذي أطمعته ضخامة الطبل .
وسرد عن مسمعي أمثلة كثيرة تدين الطمع والطماعين أوردها من حكم الأولين والآخرين .
ولم يتركني إلا بعد أن تأكد من عودتي إلى عالم اليقظة .
أفقت مذعورا ، و صدى الصوت الذي كلمني في المنام يتردد في الغرفة صافيا كرنين الذهب ، وعرق بارد يسيل من كامل مسام بدني .
كان ثقل عظيم يحط بكلكله على جسمي ، وكل أوجاع الدنيا تضغط على رأسي وصدري وتقطع أنفاسي .
وبدأت أسقط في بئر بلا قرار .


المتاهة السابعة
أو متاهة المتاهات

هل تعتقد عزيزي القارئ أن حكاية كهذه ممكنة الوقوع
وأن اللغة الأنجليزية سخية مع العرب إلى هذا الحد
هل في مقدورك أن تصدق بعد الآن هلوسات القاصين وكذبهم وذهابهم إلى أساطير الأولين وخرافاتهم ليثبتوا بها حكايات اليوم
أنا ، صانع هذه الأكاذيب الحديثة أقول لك من جانبي صدق كل ما قرأت قبل قليل .
أقول لك ، غرائب هذا العالم الجديد لا تحصى ولا تعد ، فلماذا لا يربح مواطن صالح ثروة كثروة علي بابا وقد تواتر مثل هذا الربح في أخبار التلفزيون .
كل ما في الأمر أن الكاتب أوعز لسارده أن ينهي هذا النص بتلك النهاية حتى يقطع الطريق على الطماعين ، وما أكثرهم .
هل تصدق السارد أم تصدقني
اترك لك الخيار
سلام ...


dargouthibahi@yahoo.fr







[/color:156b6dedef][/size:156b6dedef]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:25 AM
سورة الخبز - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي - تونس
26-12-2006, 03:50 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9817


[size=18:1460cb0652][color=red:1460cb0652]سورة الخبز
" الخبز المر سابقا "
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس




يا لهذه القرية النابته فوق كف الجبل ... كم تبدو هادئة بمنازلها المبنية بحجر الدواميس الأسود المستخرج من قلب منجم الفوسفاط حجر هذا الجبل الراقد بمحاذاة المنازل كأنه جمل كبير ، جمل في حجم جبل .
أنظر أمامي وأنا قد اعتليه بعد مشقة وعناء ، فأرى القرية واسعة رحيبة . وأرى الدخان يتصاعد من قلبها نحو عنان السماء ، دخان مغاسل الفوسفاط المليء بهباءات تتساقط فوق سطوح المنازل وباحاتها وعلى وجوه المارة وفوق رؤوسهم وداخل العيون والأفواه . هباءات من حبات التراب الدقيقة تتطاير كالخفافيش في الظلام ، فلا تراها العين ولا تلمسها الأيدي وإنما يشمها القلب فيمتلئ ....
وأرهف السمع قليلا ، فيدوي في طبلة أذني زمجرة الآلات الصماء الجاثمة على أرض المغسلة كأنها وحوش أسطورية تقتات من التراب .
وأنظر بعيدا أحاول تحديد مساحة هذه القرية التي تمردت على تخطيط أعوان البلدية ، فجاءت في شكل غير محدد . تبعثرت مبانيها في كل مكان ، في السهل المنبسط أمامي ، وعل سفح الجبل ، وفي كل الأمكنة . وجاءت منازلها متساندة . وشوارعها متداخلة بمياهها العفة العطنة التي تفوح منها روائح بول البهائم وتطير فوقها الحشرات صيفا
شتاء ويلعب في منعطفاتها أطفال حفاة عراة . يتقاذفون بالحجارة ويسبون الدين ويلعنون أجدادهم وهم يتبولون في المجاري المكشوفة .
وأعود بعين القلب إلى هذه الأزقة ، فأراهم يتخبطون تخبط الأعمى في السراديب . أراهم ضائعين وسط الشوارع المتعرجة ، هائمين على وجوهم فلم تفدهم خوذاتهم . ولم تفدهم سيارات المصفحة بقنابلها المسيلة للدموع . ولم يفدهم رصاصهم الأعمى .
أراهم الآن من مكاني هذا وقد عادت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم وهم يتخبطون في كل الاتجاهات بعد أن حرنت دوابهم الحديدية . أراهم ، وأرى الحجارة تنزل عليهم مطرا غزيرا فيردون بزخات من بنادقهم الأوتوماتيكية . ويلعلع الرصاص أمام دواب الحديد الحرونة ، فتمتلئ الأزقة بالروائح العطنة وبزمجرة محركات سيارات مكافحة الشغب وبعياط منبهات الصوت .
وتتوغل الأزقة في عنادها فتوغل السيارات المتوحشة في اقتفاء أثر الأقدام الصغيرة . أقدام أطفال المدارس الذين أعجبتهم اللعبة فتفننوا في اختراع حيل الكر والفر والاختباء وراء الجدران ورمي الحجارة من جديد لجرح لحم هذا الوحش الأسود .
يختبئ الأطفال في ثقب في الجدار ،
في حفرة في الأرض الموحلة ،
تحت صخرة عالية ،
وراء ظل شجرة وارفة ،
ثم يتحينون الفرص من جديد للنيل من وحش الحديد ومن راكبيه وهم يطلقون صياحهم الشبيه بصياح الهنود الحمر مولولين صائتين كالعفاريت .
ويذوبون في الهواء ...
ويطيش الرصاص في كل الاتجاهات .
ويسقط أحمد ،
فتختبئ الشمس في خدرها خجلا .
وتبكي الحمامة في أيكها .
وترتعش الوردة الحالمة .
ويسقط أحمد ،
ويقوم ،
يتكئ على الجدار ويقوم ،
فيسقط من جديد .
ويبكي القمر .
وتبكي – تماضر – صخرا جديدا .
وتسفح دمع القرون الخوالي .
وتمسك رأس الشهيد بين يديها .
تقبله – من هنا مرت الطلقة الغادرة .

وتقبله – ها هنا لم تزل بسمة آسرة .
وتقبله ،
وتعود إلى قبرها من جديد .
ها هناك ...
بعيدا ، بعيدا ،
وراء البعيد ...

*****
أمجد عاد منذ أيام من معتقل " رجيم معتوق " . اقتلعنه الأيدي ذات الأضافر الفولاذية من فوق طاولة الدرس ذات مساء خريفي . أغمض له رجال بدون ملامح عينيه وزرعوه في قلب الصحراء ، فقال لهم :
- أنا النخلة . عروقي تضرب في الأعماق ، ولن أعطش .
قسما بالنخلة لن أعطش .
ويسقط أمجد .
عندما فار الدم من كتفه ، غمس أصابعه في ثيابه المبتلة بالسائل الأحمر وكتب على الجدران البيضاء – لن يمروا - . كان الدم يسيل من كتفه غزيرا ، وكان يرمي بيده السليمة حجرا وراء حجر ويكتب على جدران المنازل – لن يمروا – إلى أن أمسك به أصحابه بعدما فقد الوعي وحملوه إلى المستشفى .

وتسقط فاطمة .
ويسقط علي .
وتطير الحمائم في الجو فزعة .
وتعوي السيارات عندما يوجعها الحجر .

*****
منذ أيام ، سلمت علينا مذيعة في التلفزيون وقالت من وراء ابتسامة بلا معنى :
- صار الخبز يرمى به في صناديق القمامة .
ارتعدنا وخفنا لعنة السماء وأمي تقول :
- استغفر الله العظيم . كيف ذلك والكبار عودونا على تقبيل قطعة الرغيف إذا سقطت على الأرض ؟
وهمهم أبي تحت شاربه الكث :
- نحن لا نملك صناديق قمامة ، فلن نخاف لعنة السماء ولكننا سنخاف لعنة الأرض يا امرأة .
وأصاب الناس سعار فاشتروا كل شيء وكأن الحرب على الأبواب . كدسوا مؤونة شهر في المنازل تحسبا للطوارئ : الدقيق والكسكسي والمعكرونة والسكر والزيت ... وصار أصحاب الدكاكين يماطلون المشترين ، فلا يبيعونهم إلا بمقدار لأن الأسعار سترتفع بجنون . وكثر الخصام واشتدت الأزمة على الجميع .
وعاد مذيع في التلفزيون يردد في كل نشرات الأخبار :
- صار عملة البلدية يجمعون في اليوم الواحد مقدار جبل من بقايا الخبز اليابس . وصارت الكسرة طعاما للخرفان والبقر .
وقلنا ونحن نلحس الشفاه وطعم الخبز اليابس المخلوط بالماء الممزوج بقليل من السكر :
تبا للبقر . ما أسعده وهو يأكل من خبزنا حد الشبع .
وتذكرت جارجتنا نعيمة التي تأكل مع بقرتها من كيس واحد . أينعم يا عباد الله ، كانت الجارة وأولادها والبقرة يأكلون من كيس واحد . فعندما يعود زوجها محملا بكيس " العلف المركب " ، تأخذ الغربال فتضع فيه مقدارا من ذلك الخليط ثم تغربله كما يغربل الدقيق فتأخذ منه نصيبا لها ولأولادها وتعطي للبقرة نصيبا .
وقالت نعيمة بعد أن ابتسم المذيع الأنيق وذاب وراء زجاج التلفاز :
- لهذا ما عدنا قادرين على الخبز بعدما صار البقر يأكل من البسكويت .
يا للبقر المحظوظ .
*****
إنني رأيته في تلك الأيام رأي العين ، فصدقوني ...
رأيت " الغول " الذي حدثتنا عنه الجدات يخرج من بين تلافيف الخرافة . غول مرغب في حجم جبل وقف في وسط ساحة القرية وهم بأسنانه يشحذها بمنشار كهربائي ، ثم أقعى على مؤخرته وظل يراقب المشهد دون أن يتكلم .
في تلك الأثناء قالت " حورية " لولدها " أمجد " :
- رح يا ولدي هات لنا كسرة خبز من دكان عمك أحمد .
فرد عليها الولد مغضبا :
- كسرة واحدة يا أمي ؟ ستكفي وما كانت كسرتان تقينا الجوع ؟
فردت الأم على احتجاجه بعد صمت طال دهرا :
- كسرة في الصباح وكسرة في المساء يا ولدي واحمدوا ربكم .
فزاد غضب الطفل وهو يغمغم :
- لقد صبرنا على اللحم والزبدة ، ولكن هل سنصبر على الخبز ؟
وذهب إلى الدكان .

هناك رآه واقفا عند الباب ، فسأل عنه أصحابه الأطفال الذين سكنهم الرعب :
- من هذا يا أحبابي ؟
وجاءه الجواب من الشيوخ :
- هذا هو الغول يا ولدي ... ألم تر كيف يمد يده إلى الخبزة فيأكلها في قضمة واحدة ؟
ورءاه يخرج من هذا الدكان ليدخل الدكان الآخر . يأكل الخبز والأطفال ولا يشبع ، فيلحس السماء .
ويمد يده إلى الشمس يهم بأكلها . وعندما لا يقدر عليها ، يعود إلى الرجال فيأكل منهم اللحم ويشرب الدم ثم يقعي على مؤخرته في الساحة التي هجرها الجميع .
عند منتصف نهار ذلك اليوم ، تحلقت النساء في الأزقة ورحن يندبن ويلطمن خدودهن ووجوههن .
وعندما عاد الرجال من الشغل وما وجدوا الغداء جاهزا ما ضربوا نساءهن هذه المرة .
وناموا بثياب العمل .
في العشية علا الصراخ في الشوارع .
صاح أولاد المدارس : " نموت ، نموت ويحيا الوطن "
وبدا الخلق في التجمع في ساحات القرية .
وخرج العمال من الورشات بثيابهم الملطخة بالتراب والزيت .
وتركت النساء المنازل ولم يخفن صولة الرجال .
وتقاطر الأطفال بمحافظهم الصغيرة وقلوبهم تكاد تنط من صدورهم وقد أعجبتهم اللعبة .
وصاح الشباب : إذا الشعب يوما أراد الحياة ...
واندس الجواسيس بين هذه الجموع الهادرة يبحلقون في الوجوه ويكتبون في ذاكرتهم الأسماء .

*****
" حورية ّ تسكن مع أولادها في غرفة واحدة . لا تعرف
" حورية " طعم النوم فوق السرير . تعمل طيلة اليوم وراء النول . تنسج الفرش البيضاء الصوفية المخططة بالأسود ثم تبيعها في أسواق المدينة لتشتري بثمنها من جديد صوفا من عند الجزارين وتعود بحملها إلى الدار لتصنع من هذا الصوف فرشا جديدة تبيعها وتشتري بثمنها صوفا آخر ....
" حورية ّ تقسم لجاراتها بأنها ما رمت أبدا قطع الخبز في القمامة . وتقول إن طعم الخبز اليابس المخلوط بالمرق الساخن لذيذ ويفتح النفس للأكل . ولا تدري لماذا يتهجم الناس في التلفزيون عليه ويهددون بقطعه عن أولادها .
قالت إنها ضربت مرة ابنتها الصغيرة التي رمت قطعة خبز على الأرض وإنها أرغمتها على أكلها مخلوطة بالتراب بعدما قبلنها ووضعتها على رأسها .
" حورية " لا ترمي الخبو في صناديق القمامة لأن لها صناديق أخرى لا تشبع ، تأكل الخبز السخن ولا تعافه يابسا .
*****

جاءوا في الليل البهيم . جاسوا بأحذيتهم الثقيلة فوق القبور ، فتناثر الحجر تحت أقدامهم وتناثرت شواهد القبور . حفروا بعجلة حفرة كبيرة رموا فيها جثة " أحمد " ثم واروه التراب ... وزمجرت محركات سياراتهم في الجبانة تقلق راحة الأموات الذين أفاقوا من رقادهم الأبدي فتثاءبوا وهم يتساءلون فيما بينهم :
- هل هي الحاقة يا أصحاب ؟
ولأنهم لم يسمعوا نفخا في السور ، فقد عادوا إلى النوم من جديد دون أن يعرفوا سبب هذه الجلبة .
في الصباح خط تلميذ صغير بإصبعه فوق تراب القبر المبلول برذاذ المطر :
" لن ننساك يا أحمد " .
*****
بتر الأطباء في المستشفى يد أمجد التي كتبت رسائل الحب المعطرة ورمت بالحجر ...
كان يومها كالشيطان يتنقل في كل الأزقة بخفة قرد ... يدفع بالبطاطا المقصوصة للمتظاهرين ويجمع الحجر ...
" كسرة واحدة لن تكفي خمسة أفواه ... يا أولاد الكلب ، ماذا سنأكل إذا حرمنا من الخبز " ؟
يختبئ وراء المباني ويخبر الرفاق عن تحركات سيارات جنود مكافحة الشغب .
" ثمن الخبز ارتفع والبطون لن تشبع بعد الآن ... "
يصب البترول فوق العجلات الكبيرة ويرمي فوقها بأعواد الكبريت الملتهبة ، فيرتفع الدخان الأسود وتشتعل النيران وسط الشوارع .
" نحن لا نملك صناديق قمامة ، فلماذا نحرم من الخبز ؟
لماذا نحرم من الخبز اليابس ؟
أيها الغول الذي لا يشبع ؟
لماذا ... ؟
لماذا أيها الغول ؟
يلتقط بيديه القنابل المسيلة للدموع ويرمي بها بعيدا عند كتلة الأجسام السوداء ...
" لماذا لم تحاسبوا من يرمي اللحم في صناديق القمامة ؟ "
يلتقط قطع الرصاص الخارج من أفواه البنادق – مازال سخنا – يدسه في جيبه تذكارا لإخوته الصغار .
" أصحاب صناديق القمامة الملأى من فضلات الكروش التي ترتفع كالجبال لن يرهبهم ثمن الخبز الجديد ، وسيرمون به في كل وقت في صناديق الزبالة ... "
يشعل النيران في العجلات المطاطية ويملا الشوارع بالحجارة الكبيرة ...
ويصفر الرصاص أمامه ، فيعري له صدره .
" ماذا سنأكل إذا ارتفع ثمن الخبز ؟
هل سنأكل البسكويت يا سادة ... ؟
ماذا سنأكل أيها الغيلان التي لا تشبع ؟
قولوا ماذا سنأكل .... " ؟
في الصباح ، عندما خرج مع عمران وأحمد وذهبوا إلى ساحة الاستقلال كان الجو متوترا ، وكانت سيارات حرس مكافحة الشغب رابضة هناك ، ملأى بالبنادق والهراوات .
وصلته أحاديث الرجال الواقفين في كوكبة كبيرة وسط الساحة . كان رجل يخطب بصوت أجش ... ثم سكت عندما فح مكبر صوت :
- تفرقوا ...
قال شاب لزميله :
- ماذا سنأكل إذا طار الخبز من أيدينا ؟
رد على تساؤله شاب واقف بالقرب منه :
- كل لحما يا أخي ... كل من لحم الخرفان السمينة .
قال آخر :
- بل كل حجرا ... حجرا حلوا كهذا
وانطلق الرصاص .
فقذف الرجال السيارات الرصاصية بالحجر .
وفح مكبر الصوت مرة أخرى
- تفرقووووووووووووووووووووووا .....
ثم نزل من السيارات رجال يحملون الموت :
- تفرقووووووووووووووووووووووووووووووا ...
فطار الحجر .
وحط الحجر قريبا من الرجال والبنادق ،
فطار الرصاص .
وطار الحمام .
وفار الدم .
وسال العرق .
" نموت نموت ويحيا الوطن . "
وطار الرصاص .
وسال الدم .
" إذا الشعب يوما أراد الحياة ... "
وطار الرصاص .
... فلا بد أن يستجيب القدر . "
وطار الحجر .
" ولا بد للظلم أن ينجلي ... "
وطار الرصاص .
وسال العرق
" ولا بد للقيد أن ينكسر "
وطار الرصاص وطار الحجر .
" ومن لا يحب صعود الجبال ... "
وسال الدم .
" يعش أبد الدهر بين الحفر ... "
وطار الرصاص .
وسال العرق .
وسال الدم .
وطار الرصاص .
وطار الرصاص .
وطار الرصاص ...
وسال الدم
وحط الرصاص .
وحط ال......ر.....صاااااااااااااااااااااص .
فحط الحجر .
*****
مسح أمجد دمه في حائط " قصر الشعب " .

*****
قال عمران :
وجدت نفسي محاصرا في وسط الشارع . حذرني الرفاق من أن كوكبة من حرس مكافحة الشغب اندفعت في اتجاهنا ، لكنني انهمكت في إشعال عجلة جرار كبيرة ولم أفق إلا والسناكي تلمع في أول الشارع ... قذفت بحجر في وجوه المهاجمين ووليت الأدبار ، فاصطدمت في الجهة الأخرى بالرصاص ... فوقفت مدة لا أدري ماذا أفعل ، ثم تصورت جدار منزل وسقطت في ساحته .كنت مازلت أنهج عندما تحطم باب المنزل وصفعتني الأيدي الغليظة والهراوات المطاطية ، ففقدت وعيي وترنحت ثم سقطت على وجهي . جروني من رجلي كما تجر الجيفة ، فاصطدم رأسي بالحجر المزروع في الشوارع ...ولم أفق إلا وأنا في مركز البوليس الذي تحول إلى معتقل .
رأيت وجوها كثيرة أعرفها .
ورأيت دما متخثرا .
ورأيت جراحا مازال الدم ينز منها .
وتحسست رأسي الذي انتفخ حتى صار أكبر من قلة المسجد الكبير .
ورأيت الغول .
ذلك الغول الذي كان يتنقل بين الدكاكين .
رأيته يلحس الدم السائل من الجراح ويمضغ الجماجم المهشمة ،فتكورت تحت جدار الزنزانة .
وقرأت سورة الخبز .
قرأتها منغمة كما ترتل آيات القرآن
فرأيت الزنزانة تتفتح كزهور الربيع
وتكبر
حتى صارت أوسع مما بين السماوات و الأرض
ورأيت الحقول تخضر
والقمح ينبت
والسنابل تتمايل
والحب يتكدس ذهبيا لماعا
والنساء تشعل النيران في الطوابين
والخبز ينضج
والأطفال يتخاطفون الخبز السخن
ويجرون ...
ويضحكون ...
ويضحكون ...
ويضحكون ...
والشمس تشرق بألف لون ....


ملاحظات للقارئ :

نشرت هذه القصة أول مرة بعنوان " الخبز المر " في مجموعتي القصصية : " الخبز المر" سنة .1990
صادرت الرقابة هذه المجموعة القصصية مباشرة بعد صدورها ومازلت ممنوعة من التداول حتى يوم الناس هذا .
العنوان الجديد " سورة الخبز " عنوان تعويضي للعنوان السابق .
بهذا وجب التنويه [/color:1460cb0652][/size:1460cb0652]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:27 AM
غيرة - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
27-12-2006, 07:26 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9877


[size=18:5da4ebd07c][color=red:5da4ebd07c] غيرة
قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي / تونس

هو يعشق الحمام كثيرا ويطرب لهديله حد الجنون ، ولكنه يكره أن يراه مسجونا في قفص ، وان كان أوسع من الدنيا . فقد كبر وهو يعايش بيوت الحمام المبنية فوق السطوح ، وتربى على خفقات أجنحة الفراخ وسقسقتها في الأعشاش حين منه أمهاتها لتزقها نسغ الحياة . وكان يتوله عندما يرى الذكور تغازل الإناث ذاك الغزل الرقيق الذي يعجز عن مثله العشاق من بني البشر .
ولكن ماذا يفعل ، وقد سكن المدينة ، واكترى شقة في عمارة . شقة أكبر بقليل من قفص .

البارحة حدث زوجته عن إمكانية تربية زوج حمام في البيت . شهقت ، وقالت : زوج حمام . ولم تزد .
وعاد إلى البيت محملا بقفص .
قالت : هذا قفص عصافير . هل سنربي كنالو عوضا عن الحمام ؟
قال : لا ، لقد أوصيت بائع طيور عن زوج حمام .
في المساء ، عاد إلى المنزل جذلا . وضع زوج الحمام في القفص ، وجثا أمامهما .
نظر إلى الجسم الرشيق الملفوف في ريش ناعم في لون البنفسج وقال : أكيد ، هذا هو الذكر .
وتفحص العينين السوداوين ، والمنقار الأنيق ، والذيل الراقص ، وقال : وهذه الأنثى . لا بد أن تكون مغناجا أكثر من اللزوم .
كانت زوجته تراقب المنظر عن قرب . وكانت تردد لنفسها : زوج حمام وفي هذه الشقة الصغيرة ...
ولم ينم إلا بعدما سمع الهديل .

هي : تزوجته منذ أكثر من سبعة أعوام . لم تكن تحبه . قالت لنفسها أكثر من مرة ، سيأتي الحب مع العشرة والألفة .
ولم يصل الحب . كان القلب هائما في مكان آخر ، ورفض دعوتها . ترك قفص القلب فارغا ، فعاشت بلا قلب .
البارحة ، طلقها النوم . كان زوجها يشخر .وكانت تستمع في سكون الليل ووحشته الى هديل الحمام الحزين . رأت على ضوء القمر الشاحب منقار الذكر وسط منقار أنثاه ، وسمعت أناته المخنوقة . رأت الضراعة في عينيه ، وراقبت دورانه حول الأنثى وهي تغنج وتطلب المزيد .
قالت : أنا لا أطيق غزل الحمام . هذا أكثر مما أحتمل .
وقامت تفتح باب القفص ...





dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/[/color:5da4ebd07c][/size:5da4ebd07c]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:32 AM
أمومة - قصة فصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
30-12-2006, 07:29 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9925


[size=18:4886a1daef][color=red:4886a1daef] أمومة
قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي / تونس

في المساء ،
رأيتها ممددة على جنبها الأيسر ، ترضع جراءها .
عيناها – لون العسل – مفتوحتان .
والجراء الخمسة ترضع الحليب من الضرع وتتناوش بالمخالب الصغيرة .
والكلبة نائمة على جنبها الأيسر .
كلبتنا التي لم تعرف اسما ، والتي تسبق كل يوم والدي إلى الحقل ، ولا تعود إلا في المساء .
تنبح على الغريب.
وتفرح بالصديق .
وتسهر قدام زريبة الحيوانات.
شتاء السنة وصيفها .

في الصباح
رأيتها ممدة على جنبها الأيسر ترضع جراءها .
ورأيت كدسا من الذباب الأخضر يحوم حولها .
اقتربت منها .
ورفعت جروا .
سال الحليب من بين شدقيه ، وهر.
تركته يسقط ، فعاد إلى الثدي يمتص منه الحليب .
وعدت أرفعه ، فعاد الحليب يسيل من بين شدقيه ...
وطن الذباب الخضر ،
وحط على الكلبة الميتة .


dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/[/color:4886a1daef][/size:4886a1daef]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:33 AM
الذبح في العراق - فصل من رواية - ابراهيم درغزثي - تونس
30-12-2006, 10:53 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9929


[size=18:1792cf6645][color=red:1792cf6645]هل ينسى القلب شكل المدية التي ذبحته ؟

من رواية " أسرار صاحب الستر "
لإبراهيم درغوثي

هذا فصل من روايتي :" أسرار صاحب الستر " وفيه حديث عن التضحية ببني آدم يوم العيد في العراق منذ العصر الأموي .
ألا تذكرنا هذه القصة بما يحدث الآن من إعدام للرئيس صدام حسين ؟
ها هو التاريخ يعيد نفسه على شكل مهزلة تتكرر على الدوام ...



أتذكر الليلة يا صاحب ستري مؤدبي " عبد الصمد بن عبد الأعلى " . هل تذكره أنت أيضا ؟
ولا يترقب جوابي ، فيواصل :
- كان ذلك الرجل قطعة من روحي ولست ّأدري إلى الآن كيف أطعت نفسي وسلمته إلى عمي " الأحول " كي يقتله بعد أن اتهمني وإياه باللواط والزندقة .
لقد قرأت القرآن على يدي الرجل ، وأنا ابن خمس سنين . وكبرت في حضنه توده أمي بالهدايا ، فيودني بعلمه .
علمني الفلسة وعلم الكلام ، حين كبرت ، وخضت وإياه في علوم الدنيا والدين . كان الرجل أكبر من فقهاء هشام ، فكرهوه وأوغروا قلب الأمير عليه . وكان يحبني ، فزاد في كرهه ورماه بالإلحاد .
ما أسهل أن تتهم إنسانا بالإلحاد يا أخي مع العلم أن الرب جلت قدرته جعلها من الكبائر لأنه وحده علام الغيوب .
سلمت يا صاحب ستري " عبد الصمد " إلى" هشام " لأنجو بنفسي من التهم ، فما أحقرني يا صاحبي وما أبشع هذه الفعلة التي اقترفتها أنا ابن الملوك وسليل الأمراء ، أسلم خليلي إلى عدوه ليبعث به إلى " يوسف بن عمر الثقفي " عامله على العراق ليقتله صبرا .
أخذ كلاب " هشام " الطريدة إلى الجزار ، وبقيت في الشام أتنسم الأخبار .
كنت أرجو أن يموت الخليفة قبل أن يصل عبد الصمد إلى العراق ، فقد وعد " يوسف الثقفي " هشاما بشي مؤدب الزنديق حيا .
ياااااااااااااااه ، ما أقسى قلبك يا وليد .
التقت نظراتنا وهو يغادر مجلسي آخر مرة . رأى في عيني دموع القهر ، فجاء يربت على كتفي ويمسح الدموع بكفه كما كان يفعل وأنا طفل .
قبلت الكف وأجهشت بالبكاء ، فضمني إلى حضنه ضما خفيفا مرة أولى ثم أبعدني وعاد يضمني من جديد .
وبقينا هكذا أكثر من سبع مرات إلى أن تدخل الحراس ، فوضعوا القيد في يديه وجروه من أمامي جرا .
هل يمكن أن أنسى يا صاحب ستري ؟
قل لي هل ينسى القلب شكل المدية التي ذبحته ؟


الوالي يذبح أضحيته في المسجد

حدثني " عبد الصمد " ذات ليلة عن بطش ولاتنا بالمسجونين حتى كدت أبكي إشفاقا عليه بعدما سلمته للقتل .
حكى لي عن " الجعد بن درهم " الذي كانت تربطه به علاقة صداقة حميمة أيام كان يقيم في " دمشق " ثم فرقت بينهما السبل .
قال لي إن الجعد ترك الكتاتيب وتعليم الصبيان الكتابة والقراءة والقرآن وصار يجادل الفقهاء في أمور الدنيا ، فاختلف معهم ، فاشتكوه إلى أمير المؤمنين متهمين إياه بتحريض الغوغاء عليهم ففر الرجل من " دمشق " إلى " الكوفة " وظل متخفيا هناك إلى أن ألقى عليه حرس الوالي القبض قبل أيام من عيد الأضحى .
خطرت للوالي فكرة لا تخطر على بال إبليس ، فقال سأنفذها وسيحفظ لي التاريخ حق الاكتشاف .
طلب من جنده الاحتفاظ بالأسير في زنزانة انفرادية بالسجن المركزي وأكد على التشديد في الحراسة لأنه قرر أن يفاجئ جمهور المصلين في مسجد الكوفة يوم عيد الأضحى بأمر جلل
وظل الجعد في الحبس والوالي يشحذ سكينه كل يوم ألف مرة إلى أن هل العيد واجتمع المسلمون للصلاة والسلام على بعضهم .
طلب الوالي أن يحضر إلى المسجد الجامع كل رجال الكوفة وأن لا يتخلف أحد ، فجاءوا من كل مكان . وجيء بالجعد بن درهم مكبلا بالأغلال .
تركوا الرجل جانبا إلى أن صلى الأمير بالرعية ، ثم عاد فاعتلى المنبر وخطب فيهم قائلا :
انصرفوا الآن وضحوا يقبل الله منكم . اذبحوا عجولكم وكباشكم وخرفانكم وجمالكم ومتعوا أطفالكم باللحم ، وتصدقوا على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل ، أما أنا فأريد أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم ، فإنه يقول :
" ما كلم الله موسى ولا اتخذ ابراهيم خليلا "
ونزل من فوق المنبر واستل سكينا من بين طيات ثيابه ، فذبح الجعد من الوريد إلى الوريد
ترك الرجل يتخبط فوق حصر المسجد إلى أن بردت جثته ، ثم أمر به فصلب على جذع نخلة في ساحة السوق .



dargouthibahi@yahoo.fr[/color:1792cf6645][/size:1792cf6645]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:35 AM
عربة الدرجة الممتازة قصة قصيرة لابراهيم درغوثي / تونس
01-01-2007, 10:11 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9964


[size=18:f6379e76f4][color=red:f6379e76f4]عربة الدرجة الممتازة
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس





ساحة المحطّة تعجّ بالمسافرين. وأمام شبّاك التّذاكر طوابير طويلة : طلبة وطالبات وعمال وجنود يتدافعون بالمرافق ويتقاذفون بالسبّاب واللّعنات. وعلى سكّة الحديد قطار طويل راقد على بطنه كالزّواحف الأسطورية الخارجة من ذاكرة التّاريخ.
في وسط السّاحة انتشر جمع من الشّباب ملأوا الدّنيا صياحا ولغطا وبذاءات ونداءات بأصوات مرتفعة.
ووصلت كوكبة من المجنّدين الجدد. مشوا كالطّواويس يتفاخرون بالكسوة العسكريّة وقعقعة الأحذية الغليظة على رصيف المحطّة.
وغير بعيد عن مرقد الوحش الأسطوري انتحى ثلاثة شبّان يضربون على طبلة ودَرْبُوكة وطارٍ ويغنّون أغان فاحشة ويتناوبون الشّرب من قارورة خمر.
رأيت صاحب الدّربوكة يخرج من جيب معطفه قارورة تشعّ بالنّور، يقرّبها من عينيه ويقبّلها ثمّ يفضّ بكارتها بإبهامه. يضغط بعنف على السّدادة فينفجر السّائل الأحمر في وجهه فيلحسه مقهقها ثمّ يعبّ من ثغر القارورة ويمرّرها إلى أصحابه فيتلهّون بها مدّة ثمّ يرميها أحدهم لترتطم على عربة من عربات قطار البضائع محدثة أنينا وتوجّعا.


ويتواصل الغناء والرّقص فيلتحق الجنود بالجوقة مصفّقين مهلّلين وتكبر الحلقة.
ويزداد البلاء.
ويرتفع صوت جرس المحطّة معلنا عن نهاية الحفل. فيندفع المسافرون إلى العربات.
اندفعوا وهم يقتحمون الأبواب من كلّ الجهات.
وتضاربوا وهم يصعدون الدّرج. وغصّت بهم الأبواب الضيّقة.
بعد دقائق كانت العربات قد أُتخمت بشرا وعرقا وكلاما نابيا.



بعد أن مرّ الطّوفان من أمامي حملت حقيبتي وقصدت العربة، عربة الدّرجة الممتازة. دفعت الباب بلطف ودلفت إلى الصّالون. الكراسي وثيرة بمساند للمرافق ومتكآت للرؤوس ومنافض سكائر ومناضد صغيرة للعشاء.
وهواء الصّالون دافئ.
وآلة تسجيل تبثّ من السّقف أغانٍ بصوت الفنّانة الرّقيقة فيروز. والمقاعد كثيرة. وعدد الرّكاب قليل.
كان عدد رفاق الرّحلة أربعة رجال وأربع نساء وطفلين.


جلست على مقربة منّي، على الكرسي المقابل لمقعدي .
اختارت مجلسها قريبا من الشبّاك.
واعتذرت بلطف حين داست قدمها على مقدّمة رجلي وهي تقف لتضع حقيبتها في رفّ العربة.
وكست حمرة الخجل وجهها الجميل لمّا قَبِلتُ اعتذارها بابتسامة خفيفة وبـ « شَيْ مَا صَاْر ».
واعتدلتْ في جلستها .
جذبت تنورتها إلى تحت الرّكبة ثمّ أخرجت من حقيبة يدها رواية وانهمكت في القراءة.



ساحة المحطّة مازلت ملأى بالمسافرين وباللّغط المكتوم .
والمارد استفاق من نومه. اشتعلت النّيران في جوفه فأفاق مرعوبا.
زمجر ونفث الدّخان من خياشيمه وَعَدَا يأكل سكّة الحديد أكلا لمّا. ويقطّع أوصال اللّيل تقطيعا.
في البعيد، لمعت أضواء المداشر والقرى اللاّبدة في حضن الجبال واشتعلت كعيون القطط البريّة.


وانساب صوت فيروز هامسا يُغازل الأحلام والبدْرَ ومليك الجنّ .



عرفتُ منها ونحن نتعشّى أنّها طالبة في سنتها النّهائيّة. وأنّها تَدْرُس في كليّة الآداب في سوسة .
وقالت إنّها مُغرمة بالأفلام التّونسيّة الحديثة: عصفور سْطحْ، وصفائح من ذهب، وبنِت فاميليا، وصمت القصور، وبموسيقى «الرّاي» وبالرّوايات الجميلة وبمحمّد الغزّي ومنصف الوهايبي ومحمود درويش .
قلت مازحا :
- أنت مُغْرَمَة بالشّعر أم بالشّعراء ؟
ردّت وورد الرّبيع يكسو وجنتيها :
- أنا أعشق الشّعر يا سيّدي أبحث عنه في رَسْمٍ دَارِس أو في كأس مُتْرعة بالحنان عند أبي نوّاس أو عند طرفة بن العبد !
وأضافت بعد قليل :
- أنهيت هذا الصّباح قراءة «ذاكرة الجسد» ولن تمرّ هذه اللّيلة قبل أن ألتهم «فوضى الحواس» .
لقد دفعتني الضجّة الإعلاميّة التّي افتعلتها الصّحافة لاكتشاف «أحلام مستغانمي» . هي رائعة يا سيّدي !

قلت لها إنّني قرأت الرّوايتين. وإنّني مُغرم مثلها بالشّعر والرّواية. فزاد انفعالها وقامت تُنـزل حقيبتها المركونة على الرفّ.
همستْ مازحة :
- لن أدوس على قدمك هذه المرّة !
ووضعت الحقيبة على ركبتيْها .
ظلّت دقائق تدقّ عليْها بالسّبابة والوسطى ثمّ قالت كمن يحدّث نفسه :
- لقد أنهيت كتابة روايتي الأولى يا سيّدي.
وأخرجت من الحقيبة مخطوطا عرضته عليّ.
قرأت العنوان فأغراني بتصفّح الكتاب.
وقامت.
أعادت الحقيبة إلى الرفّ.
وجلست وهي تجذب تنّورتها إلى تحت الرّكبة.



نام الصّبيان .
وخَفت ضجيج الرّجال الأربعة .
وتوسّدت النّساء أذرعهنّ ونمن .
وامتدّ اللّيل أمام القطار.
من بعيد، جاءني صوت. تبيّنته وهو يجدُّ في اقترابه.
قرْع على الطّبلة.
ودقّ باليدبن على الدّربوكة.
وخشخشةُ طار.
وتصفيق وتصفير.
ورويدا رويدا، كبُر اللّغط والهرج. وازداد الضّجيج ارتفاعا إلى أن اندفع جمع من الشبّان داخل عربة الدّرجة الممتازة.
فتيان بعيون شرسة انقضّوا على النّائمين فأيقظوهم عنوة وهم يصيحون :
- أفيقوا يا أولاد الكلب ! تنامون في الدّفء ونحن لا نكاد نجد موطئ قدم في العربات الأخرى!
ضجّ الطّفلان بالصّراخ.
وقامت النّساء مذعورات
وتفقّد الرّجال جيوبهم وهم يتثاءبون.
وعرَفْتُ الشّاب المكلّف بتكسير قوارير الخمر على عربات قطار البضائع.
كان شرسا وهو يهتف :
- لن تناموا دقيقة بعد الآن يا أبناء الزّواني !

ودقّ على الطّبلة بعنف فجاوبته خشخشة الطّار وهزيم الدّربوكة وعويل الطّفلين وصياح النّساء .
وظلّ الرّجال ذاهلين وكأنّ على رؤوسهم الطّير.



قبل وصولهم بقليل كانت الطّالبة قد غادرت مجلسها وذهبت إلى «التّواليت».
تمنّيت أن تبقى هناك وتغلق وراءها الباب حتّى تمر العاصفة ويهدأ الجوّ. لكنّها خرجت طريّة كوردة الصّباح. فهلّلوا لمرآها :
- هاهي بنت الأكابر ! يا مرحبا ! يا مرحبا !
فصاح فيهم كبيرهم :
- بَلْعُوا يَاكْلابْ !
وذهب لملاقاة الشّابة .
وضع يده على كتفها فنترت اليد الممدودة بغلظة متنمّرة :
- هبّطْ ايدَكْ يَا سَخْطَهْ !
انفجر الفتيةُ في ضحك هستيري مجنون وهم يشيرون إلى البنت وإلى القائد .
ضحكوا حتّى شبعوا ثمّ وضعوهما في حلقة وصاروا يدورون حولهما قافزين فوق الكراسي وفوق رؤوس الركّاب الجالسين هنا وهناك .
مدّ القائد يده مرّة أخرى إلى صدر البنت فنترتها بحركة أعنف من الأولى .
وعاد إلى النّحْر.
فعادت إلى النّْتر .
وعاد إلى الشّعر .
وعاد إلى الثّغر .
وعاد إلى الصدر
وعاد إلى الورد
وعاد إلى النهد
والبنت تقاوم .
والرّجال الجالسين على الأرائك الوثيرة يُراقبون المشهد بفضول إلى أن صاحت المرأة، أمّ الطّفلين :
- حَرَامْ عَلِيكْ ... ! هذا حَرَامْ !
فزجرها زوجها :
- اسْكتي ! مَالْنَا وَالمَشَاكِلْ !
فجأة، انقضّ القائد على البنت فطرحها أرضا وسط تصفيق أصدقائه وتشجيعهم.ومزّق صدرها فقفزت من الصّدر تُفّاحتان فوّاحتان . والبنت تخبط برجليها وتصيح وتلطم وجهه وصدره وتعضّ يديه.
والرّجل ينهش من التّفاحتين ويأكل من الجسد الفائر صحّة وعافية .



غطّت النّساء وجوههنّ بأيديهنّ.
ووقف الرّجال.
سوّوا بدلاتهم الأنيقة جدّا.
المكويّة جدّا.
وذهبوا يدخّنون السّيجار في«تواليت»ْ عربة الدّرجة الممتازة.




ووقفتُ بعدهم.
سوّيت النّظارة فوق أرنبة أنفي وقصدته.
حين اقتربت منه وقف يستقبلني.
بغتة، خبطني على قفاي فسقطت النّظارة على الأرض وتهشّمت.
أحدثت عند سقوطها خشخشة خفيفة فخمّنت مكان وقوعها.
بحثت عنها ورأسي يدور إلى أن وجدتها .
كان البلّور قد تشقّق وتفتّت إلى قطع صغيرة لكنّه ظلّ متماسكا.
لبست النّظارة وقمت واقفا فرأيت عجبا:
تقطّعت أوصال صاحب الدّربوكة .
تشظّى.
رأس هنا .
وجذع هناك .
صدر فوق الرّجلين .
وذراعان نابتتان على الورك .
صوته فقط ظلّ يدوّي وسط العربة .
اقترب منّي .
مدّ يده نحوي .
صارت اليد عشراتٍ من الأيدي ولم أدر أيّها يده الحقيقيّة .
مددت يدي كما اتّفق .
صادفت يدا ممدودة فعضضتها ودفعت برأسي بين فخذيْه.
فاجأته الضّربة .
فاجأه عنف الهجوم لكنّه صمد.
فأعدت الكرّة.
ضربته هذه المرّة بأمّ رأسي .
أحسست بجسده يرتخي وهو يتكوّر فوق كتفَيَّ ويسقط على أرضيّة العربة .
أمسكت برأسه وبدأت أخبط فجحظت عيناه واستطال ذقنه وبهت لون شاربيْه وبدأ يخور.
خَارَ كما تخور ثيران الأساطير. ثمّ همد واسْتَكَان.



ونظرت من الشّباك فطالعتني أنوار الفجر وصكّ سمعي دقّ على الطّبلة في عربات الدّرجة الثّانية من قطار اللّيل .
dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/[/color:f6379e76f4][/size:f6379e76f4]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:39 AM
الكلب - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي - تونس
10-01-2007, 06:31 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=10207


[size=18:6ee11786b1][color=red:6ee11786b1]الكلب
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس
سمعت دقا خفيفا على الباب ، فخرجت من الدار استقبل القادم . رأيت رجلا يبتعد ، ورأيت تحت الباب رسالة ... تركت الرجل يذهب والتقطت الرسالة . قرأت سطورها فلم أفهم شيئا . أعدت قراءتها مرة ومرات ، فاستعصى علي فك رموزها . وضعتها فوق طاولة صغيرة بجانب السرير ، وخرجت من البيت ... قررت الذهاب إلى البحر . في منتصف الطريق عدت وأنا أكاد أجري . خفت أم يصل حامد قبلي إلى البيت ويقرأ الرسالة . وحامد صديقي . يقاسمني نفس البيت ، ولا أخفي عنه حتى خلجات قلبي . لكنني لا أريده أن يقرأ هذه الرسالة . هذه الرسالة جرح أريد أن أزرعه في قلبي ، ولن يشاركني ألمه أحد .

*****
عندما دفعت باب المنزل ، خبطتني رائحة القهوة التركية ، واستقبلني حامد بكأس يصاعد منها البخار . وضعت الكأس فوق الطاولة الصغيرة ، قرب السرير ومددت يدي نحو الرسالة .
قال حامد :
- مبروك . أخبار سارة إن شاء الله ؟
وضحك .
فوخزتني سكين حادة في قلبي .
قلت له :
- شكرا .
وخرجت .
قال :
- اشرب قهوتك .إنها ستبرد .
قلت :
- لا يهم . هل لديك وصية لأهلك ، رسالة أو نقود . إنني عائد إلى البلد .
قال :
- لا .
لا وخزتني كطرف السكين الحاد .
وقام يغلق في وجهي الأبواب .
قلت :
- اتركني يا حامد . فما عاد لي متسع من الوقت أضيعه
فقال :
- هل أخذت مستحقاتك من مؤجرك ؟
قلت :
- سأعود . لن أبقى طويلا في الوطن . سأقضي شأنا خاصا ، وسأعود بسرعة .
قال ، وهو يكاد يبكي :
- لن تعود .
قلت وأنا أطبطب على كتفه بحنان :
- مع السلامة يا صاحبي
قال ، وهو يمسح دمعة نزلت على خده
- لا تترك الرسالة تقتلك .
قلت ، وقد صار شكي يقينا :
- و هل قرأتها ؟
فقال :
- الرسائل لا تقرأ على الورق . إنها مكتوبة على جبينك يا صاحبي .
وخرجت .
فخرج ورائي .

*****

ذهبت إلى محطة سيارات الأجرة ... والرسالة في جيبي ... والكلب ينبح داخلها ... كنت أسمع نباحه الأجش ، فأرتعش ، وتصيبني رعدة . وأقول وصراخي يخرج من كهوف الروح :
من يوصلني إلى البلد فأدفع له مقابل السفرة روحي .
ولا مجيب . إلى أن جاء حامد إلى المحطة .ناولته الرسالة فردها إلى جيبي وهو يقول :
- عد معي الآن إلى البيت .
تركته يسوقني ، وأغلقت فمي بالمفتاح .
وعدنا ... ونباح الكلب لم يسكت . كان يهر ويشخر ويعصر قلبي عصرا .
عندما وصلنا إلى البيت ، قصدت المطبخ واخترت سكينا حادة وأخرجت الرسالة من جيبي وأخرجت حورية من بين سطور الرسالة ، فذبحتها .
ذبحتها من الوريد إلى الوريد

*****

هل تعرفون حورية ؟
سأحدثكم عنها قليلا ولن أخجل . هي ابنة عمي الكبرى . وها ابنة العم تخون الماء والملح وتعشق كلبا .
وها معشوقها يعقر قلبي ، ويستوطنني داء بين الضلوع .
رأيت الدم يقطر على الأرض . ورأيت الكلب – كلبها – يخرج من الورقة التي غطت بها سوأتها حين لدغتها السكين .
تشمم الكلب الدم المسكوب فوق البلاط ، وهر داخل قلبي . ضربته بالسكين بين عينيه ، وقلت لحامد وهو يدفع الباب بكتفيه دفعا قويا :
- لا تحاول ، فوراء الباب مزلاج كبير .
قال مستعطفا :
- وأنت ، لماذا لا تخرج ؟
قلت :
- حتى أنتهي من قتل حورية والكلب .
قال :
- وهل هانت عليك ابنة عمك إلى هذا الحد ؟
وابتعد عن الباب ...
فعادت حورية تسكن أسطر الرسالة . وعاد الكلب يهر داخل جيبي .

*****
هذا الكلب الذي يهر الآن داخل جيبي هذا الكلب الأبيض كالثلج – كلبها – وجدته ذات يوم في البرية . لقيته جروا أعمى ، تركته قافلة في طريقها ، وارتحلت إلى الشمال .
قافلة تسير * في بلاد الخير .
سيري أيتها القوافل ، ولا تتوقفي .
سيري أيتها القوافل ، قوافل الجمال وقوافل سيارات الأندروفر برجالك البيض السمان ، الملثمين بالكوفية العربية .
سيري أيتها القوافل ولا تتوقفي . واتركي لنا في طريقك مما شئت : بعر الجمال والعوازل الجنسية وحبوب منع الحمل ومرض الإيدز والكلاب .

*****

هذا الكلب السمين الذي يهر الآن في جيبي ربيته مع أولادي في البيت . نام معهم في فراش واحد . وأكل مما يأكلون . وكبر حتى صار كالأسد .
قلت لحورية وأنا أغادرها والبيت والأولاد والأحلام التي لم تتحقق ، وأقتفي أثر قوافل الجمال المحملة بالملح والخرز وجلود الخرفان المدبوغة :
- تركت لك رجلا يحرسك ، فلا تخافي .
وربت على ظهر الكلب .
ردت وكأنها تترقب إقراري هذا :
- لن نخاف مادام معنا بوبي
هكذا أسمت الكلب .
وراحت تثني على شمائله وكأنها تتغزل بحبيب ، وأنا أعد حقائب السفر .
وذهبت ، وبقي بوبي في الدار يحرس النعاج وقن الدجاج ، وينبح السحاب المار فوق سماء البيت ، وينام في الليل متوسدا ذراع الباب . حتى جاء الرجل الغريب ودفع بالرسالة تحت بابي . وذاب ...
هتك الغريب أسراري هناك ، وجاءني غماما أسود حط فوق القلب المثخن بالجراح :
زوجتك تخونك مع الكلب في بيت نومك .

*****

أغلقت أبواب السماوات السبع وفتحت باب المطبخ بهدوء حتى لا يسمعني حامد . ورجعت إلى سريري . ولم أشعل نور الكهرباء . تحسست بيدي الغطاء ، وتمددت على السرير . جعلت الرسالة تحت الحشية ، وتمددت بكامل ثيابي فوق الفراش البارد .
سمعت طرقا خفيفا على الباب . أغمضت عيني وقلت :
- ادخل يا حامد
قال الطارق :
- باسم الله مرساها
ولفحت وجهي نسمة خفيفة . وسمعت أزيزا وصريرا يشبه احتكاك عجلات طائرة بأرض المطار . وأصابتني رعدة شديدة ، فناديت :
- دثرني يا حامد ...
زملني يا حامد ...
فرد على استغاثتي صوت نسائي أعرفه جيدا :
أنا حورية يا أيها المزمل . قم وانظر في عيني إن استطعت .
ورميتها بالرسالة ، فقالت
- آه ... الكلب ؟ ألم توصني به خيرا وأنت تعد حقائب السفر ؟ .
ألم تقل إنه أحفظ للود من بني البشر ؟
فصحت :
- إذن فعلتها ؟
فقالت :
- ألم تقل إنه رجل البيت بعدك . فكيف لا أطيعه إذا دعاني ؟
وجلست على حافة السرير .
التفت يمنة ويسرة ، فرأيت أمامي صورة معلقة على الجدار . في الصورة ، فدائي يحمل رشاشا و ... ثورة ثورة ... حتى النصر . غمزته بعيني فأعطاني الرشاش ، فصوبت نحو رأس حورية وأطلقت النار .
رأيتها تتخبط في دمها . وجاء حامد يجري . قال :
- فعلتها ... ، إنها لن تموت بطلقة واحدة .
وخرج .
أرجعت للفدائي رشاشه ، فرفع في وجهي علامة النصر معكوسة إلى الأسفل . وأعدت صورته ّإلى الجدار فغطى وجهه بالكوفية ، وبكى نشيجا متواصلا ، لا ينتهي ...
قلت له : حطم بلور الصورة ، وتعال عندي أحررك وتحررني .
وسكت ، فسكت .

*****

ودفع حامد من جديد باب الدار ، ودخل ، فدخل وراءه كلب .
قلت : هذا كلبنا ، فمن جاء به إلى هنا ؟
رد حامد مرتبكا :
- وجدته في صندوق البريد مع الرسائل .
وتشمم الكلب حورية ، فأفاقت .
قال حامد ، وفي عينيه إصرار غريب على الانتصار :
- ألم أقل إنها لن تموت بطلقة واحدة .
وأقعى الكلب بجانب حورية ، فدست رأسها بين قائمتيه الخلفيتين ومصت ذكرة . فسال لعابه و عوى وحرك ذنبه يمنة ويسرة . أصابني القرف وهي تتعرى أمامي وتغازل الكلب ، تحت صورة الفدائي ، فهممت بهما لكن الكلب كشر عن أنيابه ونبح بصوت راعد . أخافني النباح ، فناديت حامدا لكنه قال لي :
- أنت وشأنك يا صاحبي . هذه قضية داخلية لا ناقة لي فيها ولا جمل .
فرددت عليه محزونا :
- دعنا من النوق والجمال يا أخي ، وتعال نتعاون على هذا الكلب الذي أكل المرأة وسيأكلنا بعدها لا محالة .
قال ، وهو يهز كتفيه :
- أكلها بإرادتها : والبندقية فوق رأسك .
بحثت عن الصورة ، وناديت الفدائي . قلت عله يساعدني في هذه الساعة العصيبة .
قال ، مستسلما لقدره :
أنا كما ترى يا سيدي ، صورة معلقة في الجدار للزينة
فقط للزينة لا غير ، فأغمضت له عينيه حتى لايرى المرأة والكلب .
وذهبت إلى المحطة . جلست في المقعد الخلفي في سيارة الأجرة الراجعة إلى البلد . دفعت لصاحب السيارة معلوم مقعدين ومددت رجلي محاولا النوم ، فدست على لحم سخن ، طري . كانت حورية بجانبي تجلس في المقعد الخالي ، وتتألم بصوت مرتفع جعل السائق يلتفت وراءه ويسألني إن كنت أحمل في داخلي إمرأة ؟
لم أرد على إهانته ، فشجعها سكوتي ، ومدت لي لسانها ، وعرت عن فخذ سمين .
قلت ، مستسلما لمشيئتها :
لماذا تتعهرين في هذا المكان العمومي ؟
ودست على فخذها بحذائي الملوث بالطين ، فكنت كمن يدوس على ظل .
وجاء الكلب وهي تتعطر . جلس بيني وبينها وجعل يتشممها ، ثم عضها من خصرها عضا لطيفا . وهم بها .
قلت : أرى الكلب يتغزل بك ؟
قالت : أتغار من كلب ؟
قلت : بعد العودة ، سأجعلك والكلب في خازوق واحد ، وأبيع صوركما إلى مجلة ( بلاي بوي ) لتجعلها حدث الموسم .
قالت : ستزيدني شهرة حتى لكأني بريجيت باردو ، ولن أخسر سوى سراويلك .
ووضعت كعبها في أسفل بطني وقالت :
- عقولكم هنا يا أولاد القحاب ، يا عرب آخر الزمان .
يااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا اااااااااااااااااااااااااااااااا .
وأفقت وسائق سيارة الأجرة يسب ويشتم سائق شاحنة كادت تدهسنا .
قلت : هل وصلنا ؟
رد بنرفزة : إلى جهنم وبئس المصير إن شاء الله .
وأوقف السيارة لإصلاح عجلة انفلق إطارها .
ونزلت أعاونه فقال : عد إلى مكانك يا رجل ، فأنت أكثر من نجاسة .
قلت " لماذا ؟
قال : لأن رائحة بول الكلاب ترشح من أثوابك .
فعدت إلى جوار حورية وكلبها فسألتني : لماذا عدت ولم تساعد الرجل ؟
قلت لها أنني نجس ، وتفوح مني رائحة بول الكلاب .
قالت : حقا لقد سكنك الكلب يا صاحبي .
قلت : أي من الكلاب تعنين فهم أكثر من العد .
قالت : أنا الآن أعني كلب الرسالة التي في جيبك . أما بقية الكلاب فلم تعد تعنيني .
ووضعت يدها في مكان القلب ، فسكت إلى أن عاد السائق
التفت الرجل إلى الوراء ورفع يده يسد بها أنفه وهو يردد :
ما أنتن هذه الرائحة .
فقال بقية الركاب الذين ظلوا صامتين طيلة الرحلة :
هي رائحة بول الكلاب .
ونزلوا من السيارة . وتركوني وحدي ، فأخرجت الكلب من جيبي ، وبدأنا في النباح .

*****

جاء حامد يجري . دفع باب الدار كالمجنون ، ووضع يده على فمي حتى كاد يقطع أنفاسي . هززت جسمي هزا عنيفا فوق السرير ، وفتحت عيني .
قال : مالك تنبح هكذا أيها المجنون هل تحولت إلى كلب ؟
أدرت وجهي جهة الحائط ، وعدت أنبح من جديد .
كنت يقضا هذه المرة .


dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/










[/color:6ee11786b1][/size:6ee11786b1]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:41 AM
تاكسي - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي - تونس
12-01-2007, 09:20 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=10245


تاكســــي
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس


وأنا اقترب من بحر « حلق الوادي » رأيت الشّمس تطلع من وسط الماء. شمس حمراء وكبيرة. نورها باهت لا يؤذي العين. حدّقت فيها مدّة. رأيتها تنفض عنها الماء العالق بها من كلّ الاتجاهات وتنتفض لترتفع رويدا رويدا في الفضاء ككرة من لهب.
شققت بسرعة كبيرة الطريق الرّاقدة فوق بحيرة «تونس» وأنا أطرد النّعاس عن أجفاني وأشعل سيجارتي الأولى.
واشتعلت في وجهي أضواء الشّوارع:
الأحمر.
والأخضر.
والبرتقالي.
وداس أصحاب السيّارات على الفرامل فدُست على فرامل سيّارتي بعنف. وأزّت العجلات فبدأت ألعن.
وتحرّر جسمي من سلطان النّوم.
***
شوارع المدينة مازالت خالية.
وشرطي المرور يحرّك يديْه في كلّ الإتجاهات.
والعربات تمرق من أمامه دون أن تلتفت إلى إشاراته. تحرّكت أقطع هذه الشوارع جيئة وذهابا ولم أتلقّ نداء الرّكاب. مررت من شارع «بورقيبة» فباب « الجزيرة » فباب « الجديد » فبـــاب « بنات ».
خبطتني روائح نفّاذة :
رائحة ماء الرّجال المسكوب عند ملتقى الأفخاذ.
وفُساء أطفال صغار.
وضراط العجائز وهنّ يغتسلن قبل مقابلة الرّب.
كانت الروائح تزداد حدّة كلّما توغلت أكثر في شوارع المدينة العتيقة.
ثمّ فجأة يقرع النّداء سمعي:
- تاكسي...
تاكسي ...
أضغط على الفرامل ببطء .
يجري كهل باتجاه السيّارة
يسبقه شاب فيفتح الباب ويرتمي على الكرسي الخلفي ويصيح :
- باب الخضراء ! « ياسيّد! »
أستمع إلى لعنات الكهل فلا أحفل بها.
ويزمجر المحرّك من جديد.
***

الحياة بدأت تدبّ في المدينة الخارجة لتوّها من سباتها.
نساء بجوارب مشدودة بعنف على ربلات السّيقان المكتنزة ينزلن من العمارات الكئيبة.
رجال يهرولون باتجاه محطّات الحافلات.
أطفال المدارس في كلّ مكان .
و...تاكسي نهج الباشا.
تاكسي ...باب سعدون
تاكسي ...منّـوبــة
تاكسي ...مونفلوري.
تاكسي ...أريانة
تاكسي ...ولا أتوقّف فهذا العجوز سيجعلني ألعن ككافر قبل أن يركب وأسبّ كلّ شياطين العالم حين هبوطه من السيّارة.
تاكسي ... مستشفى عزيزة عثمانة.
تاكسي ...Place Pasteur s’il vous plait monsieur
وتعاكسني الشمس. تنعكس أشعّتها على واجهات المغازات فأضع نظّارتي وأتفرّج على العالم بالأسود والأبيض...
تاكسي ...مقبرة الزلاّج. وتفتح باب السيارة الأمامي وتجلس بجانبي. شابة جميلة. تحمل بين يديها باقة أزهار.
البنت تحضن الباقة والباقة كبيرة. أزهارها رائعة وفوّاحة.


البنت تدسّ الباقة في صدرها وتضغطها فوق النّهدين.
النهدان يصرخان من شدّة الضّغط.
وأنا أراقب البنت. وجهها لا يوحي بشيء.
أحاول البحث عن الحزن في قسماته فلا أجده.
أشغّل مسجّل السيّارة. يقرأ عبد الباسط عبد الصمد من قصار السّور. الفاتحة والفلق والنّاس والكوثر و« يا أيّتها النّفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي».
يقرأ آيات من سورة البقرة ، من سورة يـس، من الحاقة، من الرّحمان ، والبنت لا تلتفت إلى ترتيل المقرئ .تواصل ضغط باقة الزهور بين نهديها ومراقبة المارّة على جانبي الطّريق.
أدخل باب الجبّانة.
تستقبلني رائحة الموت والفناء ويهزّني الخوف.
أتلهى بعدّ أشجار السّرو النائمة في كلّ مكان.
وتضع البنت في يدي ورقة نقدية ذات عشرة دنانير وتطلب منّي أن أترقّبها عشر دقائق فيرتفع ترتيل المقرئ وتحطّ الآيات على شواهد القبور.
تخفق أجنحة الطيور النائمة على الأشجار القريبة وتتململ أشجار الزّيتون.
وتمرّ الدّقائق ولا تعود البنت .

أترقبها دقيقة أخرى .
يمرّ من أمامي أسراب من زوّار الجبّانة.
نساء ملتحفات.
بنات كالزّهور البريّة.
كهلة تمسك طفلة تلبس ثيابا سوداء.
الكهلة تمسح دموعها والطفلة تغنّي : مَامَا زَمَنْهَا جَيَّة! وتصل الشّابة تفتح من جديد باب السيّارة وتجلس بجانبي.
تُخرج من حقيبة يدها علبة وفرشاة وأحمر شفاه.
ترتّب زينتها من جديد. تضع قليلا من الأحمر الباهت على شفتيها وتمرّر الفرشاة برفق على وجنتيها وتهمس:
- شارع باريس من فضلك.
أشغّل المحرّك وألمس دوّاسة البنزين برفق فتتحرك السيّارة وتمرق قريبا من شواهد القبور.
أجتاز جسر« باب عليوة » فتتساقط النّداءات على السيّارة من كلّ الاتجاهات.
- تاكسي...
-تاكسي ...
والشوارع المتخمة بالمارّين أصبحت الآن لا تطاق.
روائح البنزين المحروق تخنق الأنفاس. وصهد الإسفلت يكوي الوجوه.


وأصل شارع باريس فتدفع البنت وتنزل.
أقول :بقي لك ديناران!فلا تردّ على ندائي.
وتتّجه مزهوّة بفستانها القصير الذي يكشف عن لحم كالآبنوس صوب مغازة « النّجم السّاطع » .
ولا تلتفت.
***
عند منتصف النهار، يشتد الزّحام ويدخل الحلبة أطفال يعملون بالوكالة.
يجري أحدهم كالرّيح العاصف بجانب السيّارة. يضع يده على مقبض باب التّاكسي ويجري معه إلى أن يتوقّف.
يشير إلى من اكترى خدماته أن تعال.
يصل شيخ مكدود أو امرأة أنيقة تدقّ الأرض بكعبها العالي. يقبض الطفل أجرته.
يتفحّصها بنظرة واحدة ويضعها في جيبه.
وإلى سيّارة أخرى...
يندفع سريعا ولا يتوقّف
مرّة دهسْت أحدهم. صدَمته مقدّمة السيّارة فسقط أمام العجلة الأولى التي طحنت صدره.
نزلت ألعن وأسبّ العالم.
رأيت في عينيه الغائمتين بساتين خضراء تذبل وأزهار تذوي وينابيع ماء تغوص في تخوم الأرض.
أَسْلَمَ الرّوح أمام باب المستشفى وبقيت شهرا بدون عمل ثمّ عدت من جديد إلى صخب المدينة.
***
تاكسي...
تاكسي ...
وأمر ولا أقف .
صرت أتفادى العجائز والشيوخ في هذه الزحمة اللعينة .
أقف عند إشارة المرور فتنادي شابة هيفاء :
- تاكسي ...
وتقتحم السيارة وتهتف :
- العمران الأعلى من فضلك .
ويغزو عطرها أعصابي. يدمرني تدميرا لذيذا .
أمر وسط غابة البلفدير فأتذكر وعدي للأطفال بزيارة حديقة الحيوانات . وعدتهم بالزيارة منذ أكثر من ثلاثة أشهر . ولم أف بالوعد .
وتخطر ببالي البنت الصغيرة وهي تقلد حركات القرد. والولد الذي لا يكف عن الحديث عن الأسد . يرتمي في حضني ويدفعني إلى الأرض ويزمجر كأنه في الغابة العذراء ثم يرميني بأعواد "الكاكي" التي كان ينوي دسها في حوض السمك .
وتتنهد أمه محتجة :
-كم اشتقت إلى جلسة في المقهى المقابل لبركة الإوز .
وتذهب لتنام في فراش البنت .
وتدخل هبة نسيم من النافذة المفتوحة فتحرك من جديد العطر الذي ما انفك يقتلني .
ويهبط دوار خفيف إلى رأسي فتهرب مني السيارة ولا أقدر على ردها إلى الرشد إلا بمشقة .
وأرفع صوت الراديو ، فتشير الشابة إلى بناية ذات طابقين وحديقة جميلة . وتدفع دون أن تلتفت إلى العداد . فأحييها بضربة "كلاكسون" وأعود إلى حمى الشارع .
و تاكسي ...
تاكسي ...
***
حين امتدت الخطوط الحديدية تقسم شوارع المدينة إلى شطرين ظننت أن رزق العيال قد ضاع وأن "الميترو" لن يترك لنا قضمة خبز . لكن رحمة ربك كبيرة . جاء الزبائن من كل مكان :
من تطاوين وتوزر .
من غار الدماء وسليانة .
من سيدي بوزيد وقبلي .
من مساكن والهوارية .
كانوا يسألون عن مستشفى الأمراض الصدرية ، وجامعة تونس الأولى ، ومارستان المجانين ، ووزارة العدل ، والجامعة الوطنية لكرة القدم ، والديوانة التونسية ، ومطار تونس قرطاج الدولي ، وملعب المنزة .
والسماء السابعة .
وكانوا يبحثون عن الدواء الشافي من الأمراض السرطانية الخبيثة ، وعن ربح قضية في محكمة التعقيب .
وعن زوج هرب ولم يعد .
وعن ابن ضال .
وعن نجاح في البروموسبور .
وعن بركة سيدي محرز.
وعن جنة الخلد التي وعد الله بها المتقين .
وعن ... نسيت عن ماذا ...
عن كل شيء ... وعن لا شيء ...
هبط هذا الطوفان الرحيم علينا من السماء .
جاءوا بخبثهم وطيبتهم .
بفقرهم ودراهمهم .
بفطنتهم وسذاجتهم .
بحقائبهم الجلدية الثمينة وبقفاف سعف النخيل .
وحطوا الرحال على جنبات الطرق .
ماكانوا يعرفون توقيت الميترو ولا محطات الحافلات التي تأتي ولا تأتي . فالتفتوا إلى سيارات التاكسي وأهملوا البقية .
صرت لا أجد وقتا للغداء .ولا أعود إلى البت إلا متأخرا . فتحدثني البنت عن القردة . ويقلد الولد أصوات الغابة . وتضع الزوجة عشائي على الطاولة متأففة . فأمضغ العشاء في تكاسل . وأغتصبها . وأنام حتى الفجر .

***
و...تاكسي
يأتي الصّوت مسْترحما ، مسْتغيثا ، مسْتعطفا.
يأتي الصّوت آمرا، زاجرا.
يأتي الصوت لطيفا ، حنونا .
يأتي الصّوت جهوريا ، غليظا ، فيه عجرفة وغطْرسة .
يأتي الصّوت منغّما كهتاف الملائكة.
يأتي الصّوت قاصفا كالرّعد.
يأتي الصّوت كهسيس الماء.
فأختار زبائني من خلال أصواتهم. أفرمل بغتة إذا هزّني النّداء الحنون. وأعود بالسيّارة إلى الوراء مسافات طويلة إذا أحسست بسحر الصّوت وأفرّ كمن تجري وراءه كلاب جهنّم إذا أفزعني زعيق المنادي.
أواصل الدّوران من ساعة السّاعات الأربعة التي آوت في أيّامها الأولى حصانا وفارسا من البرونز إلى السّاحة التي يقف فيها رجل يضع على كتفيه برنسا علاه الصدّأ ويفتح بين يديه كتابا لم يعد يقرأ فيه أحد.
بدّل الجميع الكتاب بالهمبورغر وكؤوس العصير وأفلام عادل إمام وهمّام في أميستردام و...
تاكسي...
تاكسي...
***
وتسقط الشّمس في البحر .
شمس حمراء وذابلة .
شمس تتدلّى من السّماء بخيوط لامرئية تشدّها شدّا فتتملّص من القبضة الحديدية وتغوص رويدا رويدا في الماء الذّي صار بلون الذّهب المذاب.
فأهرب من زبائني وأعود إلى الموعد الذي قطعته لزوجتي منذ ثلاثة أشهر.
أضْربُ بحيرة تونس بعصايا فتنفلق إلى شطرين ويمتدّ فوقها جسر كثعبان خرافي.
تمرّ السيّارة فوق الجسر خفيفة تكاد تطير. وأقرأ الفرحة في عيني زوجتي ساعة الوصول .
الليلة سنتعشى على حافة البحر.
سنأكل السّمك المشويّ.
وسأشرب البيرّة.
ولن تنام زوجتي في فراش البنت هذه الليلة.
و...تاكسي...
تاكسي...
قلت: ثمن « حارّة بيرّة »
وفرملت.
جلس الأوّل ورائي.كان ودودا. وجهه وجه مخنّث وابتسامته تغري الطّامعين. وجلس صاحبه بجانبي. كان يمضغ «الشوينغوم» وكان قرطا ذهبيا يتدلّى من شحمة أذنه اليسرى.
قال الجالس ورائي:
- روّاد من فضلك ياسيدي!
وصَمَتَ ، فشغّلت مسجّل السيّارة ورحت أدندن مع مطربة خليجية لحنا راقصا وأنظر بين الحين والحين في المرآة العاكسة. إلى أن بلغنا الغابة فخفّفت من السّرعة في المنعرجات الخطرة المكسوّة بالأشجار من الجانبين.
لم أنتبه لحركة الشّاب الجالس ورائي لكنّني أحسست بوخزة في جنبي.
شيء حاد ينغرس في خاصرتي ويؤلمني.
حين التفتّ إليه طلب منّي أن أركن السيّارة خارج الطّريق المعبّدة وأن أمكّنه من الدّراهم الموجودة في الصّندوق.
حاولت الإفلات من وخزة السكين وطلب النجدة إلا أن خبطة على صدغي شلت حركتي .
ورأيت حبلا يطوق عنقي ويربطني بالكرسي .
وبدأ الضغط يسرق مني الأنفاس .
في العتمة ، رأيت السيارات تمر في الإتجاهين ، مسرعة هادرة .
ورأيت الأضواء تلمع وتنطفىء .
لكن أحدا لم يلتفت لما يجري على جانب الطريق.
وكنت على وشك تسليم الروح ...
تاكسي ...
تاكسي ...


dargouthibahi@yahoo.fr

محمد رشدي
23-12-2011, 07:44 AM
رجل محترم جدا فصة قصيرة ابراهيم درغوثي تونس
17-01-2007, 12:46 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=10363


[size=18:157046ad86][color=red:157046ad86]رجل محترم جدا
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس


إهداء : إلى سيدي عبد الله قش ، نفعنا الله ببركته .

مضى الآن أكثر من عشرين عاما على آخر زيارة لي لهذا الشارع . أنا الآن في الأربعين . رجل محترم . رجل محترم جدا . ولست أدري أي شيطان ركب رأسي وقادني إلى سوق زرقون * . الكتب مازالت كعهدي بها مكدسة على قارعة الطريق .كتب باللغة العربية : الشيخ العارف أبي عبدالله محمد بن أبي بكر علي النفزاوي يعرض كتاب الروض العطر في نزهة الخاطر ، ويحكي علنا بصوته الطنان عن المحمود من النساء والمكروه من الرجال . عن كيفية الجماع وعن مضراته . عن مكائد النساء ، وعن الأدوية التي تسقط النطفة من الرحم . عن أسباب شهوة الجماع وعما يقوي عليه .
وابن شداد يصيح : حصاني كان دلال المنايا ...
و رأس الغول مقسوم إلى شطرين . وسيف علي بن أبي طالب ما زال يقطر من دمه .
وكتاب دلائل الخيرات .
والمنفرجة : اشتدي أزمة تنفرجي * قد آذن ليلك بالبلج
ومسجلات تصرخ بمدائح عن مولد الرسول :
عطر اللهم قبره الكريم * بعرف شذي من صلاة وتسليم * اللهم صلي وسلم وبارك عليه .
وديوان المتنبي مخطوطا بالحرف المغربي الأنيق ، وبماء الذهب :
وما المجد إلا السيف والفتكة البكر * وتضريب أعناق الملوك * وأن ترى لك الهبوات البيض * والعسكر المجر * وتركك في الدنيا دويا ...
وبين القصرين والسكرية وقصر الشوق . مبروك يا نجيب محفوظ .ولن أقول مع القائلين بأن ملك السويد توجك بتاج نوبل لأنك باركت كامب ديفد ، وصفقت للسلام مع إسرائيل .
وكتب مبلولة بماء المطر .
وكتب صفراء تفوح منها رائحة الجراد الميت .
وكتب حمراء تحمل صور لينين حزينا مهموما .
وكتب باللغة العبرية من بقايا يهود تونس ، سافر أصحابها ونسوها هنا .
ربما للذكرى .
وكتب إيطالية ومالطية .
وكتب فرنسية : روايات وأشعارا .
وكتب تاريخ : نابليون بونابارت أمام اهرامات الجيزة .
ولويس الرابع عشر يجادل وزراءه .وثوارال89. والملكة الرقيقة تقذف الرعاع بالبسكويت من فوق شرفات القصر . وديدرو ومنتسكيو وفولتير .
وأبحلق بعيون كثيرة في المقصلة التي ذبحت الملك .
وأقوم أساوم البائع . أدفع له الدراهم وأتأبط رزمة الكتب .
ولعن الله هذه المسجلات وأغانيها الهابطة التي حرمتني من الاستماع إلى تحية أصدقائي تأتي خافتة من تحت إبطي . من وسط رزمة الكتب : شكرا يا رجل لقد تناسانا الخلق هنا . كنا نموت مرتين في العام ، بردا في الشتاء وحرا في الصيف ولكن ها نحن كما ترى في صحة جيدة .
قال لينين : لقد داس على عنقي رجل ملتح وسبني . وقال لأصحابه دوسوا على هذه الجيفة . لقد شفي غليلي عندما رأيت كتبه في الزبالة في سان بطرس بورغ وصوفيا وتيرانا . سأعود غدا لأشتريه وأحرق جثته أمام المسجد .
شيء واحد لم يتغير في هذه الأسواق : إلحاح الباعة المتجولين :
-خذ هذا السروال بعشرة دنانير يا سيدي .
- لا أريده .
- خذه بخمسة فقط .
- لا .
- خذه ببلاش يا..
- قلت لك لا .
- يلعن أبو والديك .
يقولها ويتركني ليصطاد زبونا آخر .
وأواصل السير داخل دهاليز السوق .
ويصدمني بائع آخر يعرض أمامي سلعا مهربة : ساعات من ايطاليا وشفرات حلاقة مدموغة ب صنع في إسرائيل وراديوهات وأشرطة كاسات للفيديو وسراويل دجين ....
وأهرب من وجهه فيلح . وأقول إنني لا أملك نقودا ، فيكاد يفتش داخل جيوبي . وأحمد الرب لأنه قبض على زبون آخر . وأهرب فتصدمني روائح البخور والند والحنة وعود القماري القادمة من هناك ، من شارع سيدي عبد الله قش *.
عشرون سنة مرت على آخر زيارة لي لهذا الشارع . وأنا الآن رجل محترم . رجل محترم جدا .النساء طوع بناني . بنات الأوتيلات الفاخرة ، والملاهي . أشير بإصبعي فتأتي بلقيس إلى طاولتي . فماذا جاء بي إلى هنا ؟
وتزمجر أشرطة الكاسات :
- حبيبي يا صحابي جاني * من بعد الفراق هناني **
- فأتذكر : قالوا زيني عامل حالة * ما لا لا
بهذلت قلوب الرجالة * ما لا لا .
وأرى الصالحة أمام باب الماخور ، تهز ردفيها وتحرك نهديها بطريقة تغري ملائكة الرحمان :
- بهذلت قلوب الرجالة * ما لا لا .
وأصعد وراءها درجات السلم واحدة واحدة . وعيناي تنبحان ككلب شرس .
وصاحبتي تهرب من العيون الكاسرة . وتضرب الباب برجليها بعدما ألج الغرفة :
بهذلت قلوب الرجالة * ما لا لا .
ماذا جاء بي إلى هنا ، وأنا الآن رجل محترم جدا ؟


*****
روح يا ولد القحبة .
وتلوح في وجه الطفل بعصاها .
طفل .
وعصاها .
وولد القحبة .
وقهرمانة واقفة بالباب .
روح يا فاسد الله يلعن والديك . أولاد آخر زمن . على عهدنا كان الرجال يهابون سطوة هذا الشارع .
هذا بابها .
ها هنا كنا نرقص .
وتغمز بعينيها
وتبيع لمن يشتري .
وكنت دائما أشتري . في الربح وفي الخسارة . ولا أتذمر .
أطلب منها أن تغني ، فتغنيني :
أم القد طويل * آ صالحة * أم القد طويل *
أم القد طويل * وزينك ما ريتو في جيل * آ صالحة .
فأدفع الثمن وأهرب . وتناديني ، وأهرب .
وتتعرى من ورق التوت ، وأهرب .
وأقول لها : لن أعود أليك مرة أخرى ، وأعود
وأضرب الدف ، فترقص ، وتغني :
قدك بابور * صالحة
عوام بحور * صالحة
عوام بحور * ورسى على تونس بالليل * آ صالحة
وأضرب الدف . وأقول : بكم أشتريك يا صالحة ؟
فترد : بدينار واحد يا صاحبي .
وأضع الدف فوق السرير . وأهبط درجات السلم واحدة واحدة . وأضع يدي أمام فمي على هيئة بوق ، وأصيح : لن أعود إليك مرة أخرى يا صالحة .
فترد ضاحكة : حاول ، وإذا نجحت شريت لك نزل أفريكا .

*****
روح يا ولد القحبة ...
وتنغرس في أذني هذه الكلمات كالمسامير. وترتبك خطواتي .ويحمر وجهي . ولا أدري ماذا أفعل .
يا ولد القحبة ...
ويقفز من أمامي طفل يحمل رزمة أغطية للرأس ، فولارات ، ذات ألوان زاهية . يصدمني في اندفاعه ، فأكاد أسقط على الأرض .
يعتذر الطفل : هذه القهرمانة ترفض دفع ثمن مشترياتها .
التفت حيث يشير الطفل ، فأراها . ويندفع الغناء في أذني رخيما كشدو البلابل :
شارد بهواك * صالحة
وانت مابطاك * صالحة
نخطب باباك * ونعزمله في نصف الليل
لكان اعطاك * انحطك في جيبي ليمين * آ صالحة .
وأنظر إلى المرأة . القوادة الواقفة أمام باب البيت .فوق آخر درجة . كانت تحمل في يدها عصا من البلاستيك وتلوح بالعصا في كل الاتجاهات .
رأيت نظارة طبية فوق أرنبة أنفها . فسويت ملابسي ، ومشيت .
هذه العين السوداء التي تطل من وراء النظارة ، أعرفها .
وأمشي ...
هذه العين التي تذبح كالمدية ، أعرفها .
وأمشي ...
البيوت على جانبي الطريق مفتوحة الأبواب . واللحم معروض للفرجة . وأكداس من الرجال أمام الأبواب يتفرجون على امرأة تعرض نهديها .
وأمشي ...
صاحبتي كانت دائما ترسم خالا على خدها الأيمن ، فوق الشفة العليا . وتلك القوادة ، الواقفة بالباب ، هل كان لها خال ؟
وأمشي ...
أنتبه إلى أرجل المارة حتى لا أدوسها .
وأمشي ...
ينقذف كهل داخل بيت تكدس أمامه الخلق ، ويئز الباب وراءه . وتصيح مطربة بأغنية ماجنة . وتنبح الكلاب بين أفخاذنا.
وأمشي ...
صاحبتي لم تكن تضع نظارة طبية فوق أنفها .
ووسع ولد القحبة ... اترك الطريق للمارين ...
يتفرق الشباب من أمام الأبواب . يتركون المكان والحسرة تأكل قلوبهم . ويتكدس مكانهم رجال آخرون .
وأمشي ...
ويمشي معي الطريق ...
وأجدني من جديد أمام باب القهرمانة التي جرت وراء الطفل ، بائع أغطية الرأس .
أرى الخال على صفحة الخد ، فيقرع قلبي طبول الفرح . وأتعرف على العينين اللتين تذبحان كالمدية .
وأنا الآن رجل محترم .
رجل محترم جدا .
وهذا الخال عزيز على قلبي .
وأمشي ...
وينشي معي الطريق ...
ما كنت وقتها أضع ربطة عنق .
ما كنت ألبس البدلات الفاخرة .
ما كنت مترهلا .
وبطني ، ما كان بها هذا الكدس الكبير من اللحم والشحم .
كنت أكره الرجال ذوي البطون السمينة . وأسبهم أمامها وأقول لها : سآتيك يوما بشواء من مؤخرة رجل سمين . فتضحك وتقول : سأطعمك من هذا اللحم مع كؤوس الجعة . فأعضها من عنقها الطويل . وأمص شفتيها . فتبكي وتقول : سآكل معك من لحوم الرجال السمان .
وأعود مرة أخرى أتثبت في العينين اللتين تذبحان كالمدية .
هي الآن تحكي مع بنت . حلوة كالشهد هذه البنت التي تحكي معها . اقترب منهما . تنظران نحوي . ليس من عادة الرجال المحترمين جدا الذهاب إلى هذا الشارع مادامت السلعة معروضة في الأنزال الفاخرة . أسلم عليهما . تردان السلام . أدخل . تدخل البنت ورائي . تتعرى البنت .وأجلس على حافة السرير .
ما اسمك يا بنت ؟ -
- ميمي يا سيدي .
- ومن أسماك ميمي يا بنت ؟
- للا الصالحة يا سيدي .
- من ؟
- للا الصالحة يا سيدي .
وتدق أجراس كل كنائس العالم في رأسي ، فأموت جالسا على حافة السرير . وتهدهدني البنت ، فأبعث من جديد شابا في العشرين من عمري .أمرغ وجهي في وجه صالحة ، فتمسح دم الجرح النازف فوق الحاجب الأيمن، ومن الفكين ،وداخل شعر الرأس .
تقول : ستهلك نفسك يا صاحبي . أنا لا أفهم في السياسة ولكنني متأكدة من أنها ستقتلك .
وترشني بماء الكونوليا . وتقبلني . فأموت بين يديها . وتحييني من جديد هزات السرير .
*****
تعرفت عليها عندما فرق البوليس مظاهرة كنت مشاركا فيها . انطلقنا من ساحة الباساج نلوح بالأيدي وبالأعلام الحمراء . ونهتف بسقوط أمريكا ، والأمبريالية العالمية ، وروجرس ، وفك الارتباط على قناة السويس . ونهتف بالنصر لثوار الفيت كونغ ، وهوشي منه ، وغيفارا ، وكاسترو .
طفنا بشوارع باريس ، ومحمد الخامس ، والحرية ، والحبيب بورقيبة . وعندما وصلنا إلى شارع فرنسا فرقنا البوليس . وجرى وراءنا . فهربنا داخل شوارع المدينة العتيقة . جرينا وجرى البوليس وراءنا .
وامتدت العصي الغليظة تضرب .
والأيدي تضرب .
ومؤخرات البنادق تضرب .
وسال الدم .
وطارت الخراطيش الفارغة في الهواء . وزدنا في سب جونسون ، فزادت شراسة البوليس .
وامتلأ الجو برائحة القنابل المسيلة للدموع . وضاقت بنا السبل .
وجدت نفسي محاصرا ، فاندفعت باتجاه نهج زرقون . جرت الكلاب ورائي ، فجريت أسرع منها . سمعت نباحها خلف ظهري . وتصورت أنيابها الحادة تنغرس في مؤخرتي . فجريت ... وجريت ... وجريت ، إلى أن رأيت العيون التي تذبح كالمدية .
نادتني : تعال هنا أيها الهارب .
لوحت بيدها ونادتني : تعال هنا أيها الهارب .
ووصلت الكلاب فلم تجد سوى الأبواب الموصدة .
نبحت الكلاب كثيرا ، وبالت على الحيطان ، وعادت أدراجها تلهث .
عندما غاب نباح الكلاب ، خرجت من عند المرأة شكرتها كثيرا ، وبست يدها ، وغادرت المكان .وجدتني في شارع سيدي عبدالله قش .
مادا سيقول عنك الرفاق يا رجل لو رأوك تخرج من عند هذه المرأة ؟
ماذا ستقول لهم وقد كنت قبل حين تهتف بسقوط أمريكا ؟
ماذا ؟ وماذا ؟ وماذا ؟ ماذا ستفعل ؟
وقررت الهرب . انسللت من شارع خلفي ، ولذت بالأنهج الضيقة إلى أن رأيت قرص الشمس يتدلى من سقف السماء . والمدينة مازالت تغلي ... والناس يهرولون ... وسيارات الشرطة ملأى بالشباب ...وكلاب البوليس تنبح وتتبول على أرجل المارة ، فاندسست بين العابرين ، وعدت إلى مبيت الجامعة .
*****

- أين للا صالحة يا بنت ؟
- أمام الباب سيدي الكريم
- البطرونة يا بنت ؟
- نعم سيدي هي بعينها .
أهلكتني السياسة يا صالحة . أنا الآن رجل محترم . رجل محترم جدا . ألبس ربطات العنق الحريرية ، والبدلات الباريسية ، وأتعطر كالمومس ، وأجلس في الكرسي الأخير في السيارة المرسيدس .أجلس وراء السائق الذي ينزل دائما قبلي ليفتح لي الباب ويحمل عني الحقيبة . أمام الإدارة ، تستقبلني الابتسامات الكاذبة ، ويقف عند مروري العمال والموظفون . ويبوس رؤساء الأقسام أرجلي . ويمسي السعاة كالحجل أمامي وخلفي .يحملون لي القهوة والشاي . ويوشوشون في أذني كلاما كثيرا : سي علي يحكي عن الاضرابات . سي عمار يدين تدخل أمريكا في بنما . سي عبدالله هرب من الشغل قبل انتهاء الدوام . وفاطمة تغازل رئيس القسم الفلاني .وخديجة تقول إن ثمن كيلو اللحم ارتفع كثيرا . و... أهلكتني السياسة يا صالحة .
طلبت من البنت أن تنادي للا صالحة . وضعت فوقها بعضا من الملابس وخرجت . بعد دقائق ، وصلت صالحة .طلبت منها أن تجلس . حركت النظارة وتفرست في وجهي هنيهة ، وجلست على الكرسي ، أمام السرير .
قالت : طلبتني يا سيد ؟
وزغردت عصافير باب البحر في قلبي . هذا الصوت أعرفه . به بحة الآن . بحة الكبر وكثرة التدخين . والخال مازال في مكانه . هناك . فوق الشفة . تفرست في عنقها الطويل . به الآن بعض التجاعيد ، ولكنها لا تعيبه . أعطيت للبنت عشرين دينارا وطلبت منها أن تتركنا وحدنا . رقصت الفرحة في عيني الطفلة ، وخرجت ، فعدت إلى للا الصالحة . مازال بعض من فصل الربيع على وجهها . والدف مازال في مكانه ، فوق السرير ، على يمين الباب . مددت يدي . مسحت التراب من على جلده . ونقرت بإصبعي بعض النقرات الخفيفة . نطت الفرحة من عينيها ، فغنيت بصوت خافت :
أم القد طويل * آ صالحة * أم القد طويل
أم القد طويل * وزينك ما ريتهو في جيل * آ صالحة

وقفت . نزعت النظارة وارتمت في حضني . هو أنت إذن يا ابن القحبة . قلبي قال : انك أنت وعقلي قال: لا . فأنت تكره البطون السمينة . قل ، هل هذا اللحم والشحم لك وحدك ؟ وراحت تدغدغني في بطني السمينة ، وتخنقني بربطة العنق وهي تردد :
وتضع ربطة عنق حريرية يا خنزير . ترقب قليلا حتى آتي بالسكين من المطبخ . سأقطع بعضا من لحم مؤخرتك لأشويه ولتأكله مع الجعة .
وتضحك . وأضحك . وأضعها في حضني ، فتفتح لي قلبها وتدسني فيه .

*****
كانت قد مرت بضعة أيام عن المظاهرة . وكانت جراح وجهي قد تماثلت للشفاء ، حين تذكرت المرأة التي أجارتني في شارع سيدي عبد الله قش . مرت صورتها في خاطري كالحلم الجميل .قلت ،: لماذا لا أذهب أليها وأشكرها ؟ خاصة وان كثيرا من رفاقي الدين اصطادتهم كلاب البوليس ما عادوا إلى الجامعة . اشتريت لها هدية صغيرة ، وذهبت . كان بابها موصدا . ترقبت حتى خرج زبون من زبائنها . سلمت عليها ، ففتحت لي الباب واسعا ، ونظرت في جرحي ، وقالت : الحمد لله .
أعطيتها باقة الورد فباستني ، وبدأت تتعرى .
قلت : لا تنزعي ثيابك . لم أجئ لهذا .
ولماذا جئت إذن أيها الملاك الطاهر ؟
جئت لأسلم عليك .
أهلا وسهلا وألف ألف مرحبا .
وأهديك هذه الورود .
مرحبا بالوردود وبروح الورود .
وتعرت كحواء يوم أكلت من تفاح الجنة . وتمددت على السرير .و قالت : تعال إلى هنا ، ولا تدفع ، فأنا أعرف أنك مفلس .
سال العرق على جبيني . عرق بارد . ودق قلبي كطبل يوم العيد . وهربت من الدار .سرت في أزقة المدينة العتيقة إلى أن تعبت ... لماذا ذهبت إليها أيها الوغد ؟ هي قحبة وقد أغراها شبابك مادام جيبك فارغ . ألم تشكرها يوم المظاهرة فلماذا عدت إليها إن لم يكن طمعا في لحمها ؟ ألم تقل إن لها عينا تذبح كالمدية ؟ ولكنني ضد هذه التجارة . أنا لا أحتمل ركوب امرأة قتيلة . كيف أستطيع تقدير ثمن المتعة التي تبيعها ، وهي تموت ألف مرة مع كل هزة من هزات السرير ؟

*****
قالت : سنحتفل الليلة بقدومك .
ونادت البنت . أخرجت أوراقا نقدية من جيبي وطلبت منها أن تذهب لتشتري لنا قوارير خمرة . طلبت منها أن تشتري ما يسكر سكان الماخور . وخرجت البنت .
فعادت تقول :
أما زلت تؤمن بإغلاق دور البغاء وتشغيل العاملات فيها في المصانع والمعامل التي ستحدثها الثورة ؟
قلت : لقد أفسدتني السياسة يا صالحة . بالله عليك لا تحيي هذا الجرح المندمل .
قالت : عشرون سنة ونحن نترقب اليوم الذي وعدتنا فيه بتحرير أجسامنا من مني الرجال السكارى والمرضى والمنبوذين .
أحسست بالسكين تغوص في اللحم الحي .وتذكرت الأيام التي كنت أحكي لها فيها عن ثوار الفيت كونغ ، وطلاب باريس ، والثورة الثقافية في الصين .
وكانت تضحك وتقول : أنا لا أفهم في السياسة يا صاحبي .
فأقول لها : ستفهمين بعد التحرير يا صالحة .
وها هي اليوم تعمل قوادة في ماخور .
وها أنا رجل محترم .
رجل محترم جدا .

بعد أن أعطيتها الورود ، وهربت من الدار كأنني راهب ، تسكعت في الطريق حتى كلت خطاي ،
وعاودني صوت امرأة الماخور أكثر من مرة :
تعال إلى هنا عندما تصير رجلا يا صاحبي .
ترددت كثيرا ثم عزمت على العودة إليها .
قالت بعدما أغلقت وراءنا الباب : لماذا تهرب مني يا صاحبي ؟
قلت : لأنني أريد تحريرك من مني الرجال .
قالت : متى ؟
قلت : عندما يتحرر الرجال .
قالت ومتى سيتحرر هؤلاء الرجال ؟ غدا ؟ أو بعد غد ؟
ثم دفعتني على السرير ، وأطعمتني من تفاح الجنة . فكدت أطير من اللذة .
قالت : ما رأيك لو أعلمك ضرب الدف وأرقص لك وحدك ؟
قلت : وهل تظنين أنني سأعود إلى هنا مرة أخرى ؟
قالت : ستعود ...
وكررت بإصرار عجيب : ستعود حتما .
وتعطل عقلي . أدخلته الثلاجة ، وأغلقت عليه الباب بسبعة أقفال . ورميت بما جاء في الكتب في البالوعة . وهمت بها وجدا .
قال عني الرفاق إنني مرتد عندما اكتشفوا ترددي على شارع البغايا . ولم ينفعني ادعائي الجنون .
كانت صاحبتي قد علمتني ضرب الدف حتى أتقنت الصنعة . ورقصت لي وحدي . رقصت وغنت . وأغلقت بابها في وجوه الزبائن الآخرين ....
وأفقت ذات يوم وهي تطلب مني أن أفي بوعدي ، وأحررها من مني السكارى والمراهقين .
قلت : كيف ؟
ردت : تزوجني . عندي ما يكفينا لبناء حياة جديدة .

*****
عادت البنت بقوارير الويسكي ، وذهبت إلى المطبخ تشوي اللحم ، فتمددت على السرير . جاءت صالحة وجلست على الحافة فقمت أليها ووضعت رأسي في حجرها ، وأغفيت إلى أن جاءت البنت باللحم المشوي وبكؤوس صغيرة فوق صينية من الفضة . وتركتنا وغادرت البيت . ملأت صالحة كأسينا فضربنا نخبينا .
وقالت : في صحة ثوار الفيت كونغ .
فقلت : في صحة طلاب باريس .
وتبادلنا كؤوس المدام إلى أن أظلمت الدنيا واشتعلت أضواء فوانيس الكهرباء .
قالت : ما رأيك لو تضرب لي قليلا على الدف ؟
قلت : لا مانع عندي .
أمسكت الدف بين ركبتي وضربت : دم .تك تك تك .دم .فقامت ثملة . ربطت مؤخرتها بغطاء رأسها ، وبدأت ترقص . وضربت الدف ، وحركته في الهواء ، فأحدث خشخشة لذيذة .
فتحت الصالحة الباب ، ونزلت الدرجات واحدة واحدة وهي ترقص ، وأنا وراءها أضرب على الدف ، إلى أن وصلنا إلى الشارع .
جاءت البنت تجري . وجاءت نساء الشارع الأخريات . وجاء رواد الحي .
تحلق الجميع يتفرجون على المرأة الكهلة التي ترقص على نغمات دف يضربه رجل محترم ...
رجل محترم جدا ...


إحالات على القصة :

1- سيدي عبدالله قش : عنوان شارع البغاء في المحروسة تونس العاصمة .
2- نهج زرقون : سوق الأنتيكات بتونس ، منه تصل مباشرة إلى الشارع المذكور آنفا .
3- حبيبي يا صحابي جاني : أغنية لمطربة تونسية اشتهرت في بداية تسعينات القرن الماضي .
4- قالوا زيني عامل حاله : أغنية للفنانة علية التونسية غنتها في سبعينات القرن الماضي .
5- أم القد طويل آ صالحة : أغنية لمطربة تونس الأولى الفنانة نعمة ، غنتها في ستينات القرن الماضي

dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/[/color:157046ad86][/size:157046ad86]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:45 AM
رماد جهنم قصة قصيرة ابراهيم درغوثي تونس
21-01-2007, 06:01 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=10471


رماد جهنم

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

حين عدت من المقبرة في ذلك الصباح الحزين ، ذهبت رأسا إلى صندوق أمي المزركش بأطياف قوس قزح . دققت الباب دقا خفيفا وكأنها مازالت نائمة على سرير المرض ، ومشيت على أطراف أصابعي حتى لا أوقضها ...
وأنا أنظر باتجاه السرير المرتب بعناية ، شممت رائحة صخابها المعطر ، فقلت :
- سامحيني أيتها العزيزة إن هتكت اليوم أسرارك .
جاءني ردها من هناك ، من حيث لا أدري :
- مفتاح الصندوق تحت الوسادة يا صغيري .
أدرت المفتاح في القفل ورفعت الغطاء ، فخبطتني روائح الجنة : عود القماري ، والعنبر ، وقوارير ماء الورد ، و سفرجلة صفراء ذكية ، وكتاب الحصن الحصين في حجم كف اليد ، وثلاث شمعات جديدات – فالمرحومة كانت تمقت أزرار الكهرباء الشبيهة بأنياب الكلاب المسعورة – وواحدة رابعة تآكلت حتى النصف ، وقراطيس البخور ، وعملات مصكوكة في عهد الحماية الفرنسية للإيالة التونسية – مثقوبة في الوسط ومكتوب عليها ضربت في عهد الناصر باشا باي تونس وأحوازها - ، ورسائل بعث بها والدي من فرنسا أيام الحرب العالمية الثانية قبل أن يموت في معسكرات الاعتقال التي أقامها الألمان على شرف اليهود .
كان أبي ككل المسلمين مختونا ، فذبحه جنود هتلر ظنا منهم أنه من أبناء شعب الله المختار . ولم تفده شهادة أن لا إله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله في شيء ، فكل اللغات في تلك المعسكرات تتشابه وكل المختونين يهودا .
أمي وهي تحكي لي هذه الحكاية وأنا ابن عشر سنين ، كانت لا تكف لحظة عن سب يهود العالم . وكنت أضحك ، فيزيد غضبها استعارا وتكف عن سب اليهود لتنهمك في سب أبي الذي لم يعرف كيف يخبئ سوأته عن أنظار الألمان فمات بسبب قطعة جلد صغيرة تافهة علم اليهود الأجداد في الصحراء كيف يقتطعونها من أجساد الأبناء ونسي الأبناء أن أولاد العم يعقوب الذين قاسموهم المعتقل في فرنسا سيصنعون من ذلك الجلد حبالا يشنقونهم بها .
وتضحك وتقول إن المغفور له "أنور السادات" تصالح مع الملعون إلى يوم الدين "مناحين بيقن" لأن جواسيسه أعلموه بأنه مختونا كاليهود .
ثم يعود الحنان إلى وجهها ، فتربت على كتفي وتقول : لم أفكر في الزواج بعد والذك يا بني لأن قلبي أصبح مسكونا برماد جهنم بعد أن صار فراش والدك أبرد من شتاء الصحراء ....
خبأت أسرار أمي الصغيرة والكبيرة في قلبي ، ثم أغلقت أبوابه السبعة بابا وراء باب فرأيتها تبتسم في القبر .
قلت لها :
- لن أبيع صندوقك الخشبي المزركش بأطياف قوس .
فتبك الربيع فوق قبرها ...

محمد رشدي
23-12-2011, 07:47 AM
من يبيعني قليلا من النوم - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي - تونس
30-01-2007, 11:18 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=10697


من يبيعني قليلا من النوم ؟

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

- 1 –

البارحة ، عدت من رحلتي التي دامت أطول من الهم على القلب . حطت الطائرة بالمطار الدولي عند منتصف الليل إلا ثلاث دقائق . واصلت العجلات احتكاكها بالأرض وهي تئز مدة دقيقة ، ثم سكنت ... وجاء صوت المضيقة رخيما يدعونا إلى فك الأحزمة ، فوقف الركاب وهم يتزاحمون عند باب الخروج ، ثم هبطوا بخفة فوق السلالم المتحركة التي حاذت باب الطائرة . ولم أقف ... بقيت جالسا في مكاني أنظر من النافذة الصغيرة . رأيته واقفا عند الباب بمعطفه الأشهب ونظارته الشبيهة بلون السماء الداكنة وبلامبالاته التي يتظاهر بها ، فأشعلت سيجارة وبدأت أدخن إلى أن دق كعب المضيفة داخل صدري عوضا عن دقات القلب حين رأيتها تقترب مني وبسمتها الآسرة تملأ المكان . حطت يدها بلطف ودعتني للوقوف لكنني ما استجبت لها في أول الأمر ، فضغطت على معصمي بلطف ، فأطعتها ووقفت .
عند باب الطائرة ، رأيته واقفا ينتظرني . وعندما حاذيته ، استلمني بخفة ووضع حول يدي اليمنى سلسلة صغيرة وأغلق القفل . ونزلنا درجات السلم جنبا إلى جنب وكأننا صديقان منذ بداية الخليقة واتجهنا إلى باب جانبي يقود إلى خارج المطار .

- 2 –

القاعة التي بت فيها صغيرة ، متران في مترين . وفانوس الكهرباء المعلق في السقف يضيء المكان بعنف . وهذا الضوء يزعجني وأنا أريد النوم . وشخير رجل تمدد في الركن الذي يقابلني يقرع كالنواقيس داخل أذني . والناموس الذي يحط عاليا عند السقف ويغافلني ليلسع في الأماكن الحساسة من الجسد : في شحمة الأذن ، على الجفنين ، في العنق ، في كف اليد ... وأفيق ... أخبط وجهي بعنف ، وأسب الناموس الذي يطير عاليا ويحط عند السقف .
الناموس يزعجني ، وأنا أريد النوم .
والجزمات الغليظة تدك الأرض دكا عند رأسي المسنود على حائط العنبر الرئيسي .
وأمسع أصوات نساء تتوسل :
- جيتك بجاه ربي ...
أصوات نساء الشوارع الخلفية اللاتي ضبطن وهن يراودن المارة ومخموري منتصف الليل .
- سامحني يا سيدي ، ابراس أمك سامحني ما عدتش انعاود ...
وأصوات فضة غليظة تزجر هذه النهنهات :
- اسكتي يا ... كلبة
وتعود الأصوات الرقيقة تطلب الرحمة . وتستجير بالنبي ، وبسيدي محرز ، وتحلف برؤوس الأولاد . وتبكي بحرقة . وترفض المشي داخل الممر . تحرن كما تحرن الأحمرة التي هدها التعب ، فتنزل الصفعات على الوجوه . وتهبط الركلات على المؤخرات . وتملأ اللعنة جو المكان
وأنا أريد النوم .
وهذا العويل الممزوج باللعنات يخنقني . وشخير الرجل المتكوم في الركن يكاد يذهب بروحي .
ويعود الصياح يملأ المكان .
- شوف يا سي أحمد سراق آخر الزمان ... لابس كرافات ، وحاطط على وجهه ريحة من باريز ... وعاما روحو باندي ... وماشي يسرق في فيلات الجيران ... والله غرايب يا سي أحمد ...
وتنزل الصفعات على الخدود السمينة الحمراء ، فينزل الدم من الأنوف الطرية ممزوجا بالمخاط والعياط .
ويبكي سراق آخر الزمان ، ويعولون :
- أنا ابن فلان الفلاني
- وأنا ابن علان العلاني ،
- وأنا بنت فلتان الفلتاني .
ويدكهم صوت جهوري :
- اسكتوا يا ... قردة .
فيتبولون على أثوابهم من شدة الخوف ، وتجري دموعهم على الخدود .
وينفتح باب القاعة الصغيرة ذات المترين في مترين ويحشر هذا الخلق معي ، فيكف صاحبي المتكور في الركن عن الشخير ويفتح عينيه ثم يعود لإغلاقهما ، فضوء الفانوس المعلق في السقف قوي . ويفرك الرجل عينيه ويختلس النظر ثم يتنحنح ويبصق على يمينه ، فتسقط البصقة في حجر واحد من أولاد الذوات . ولد فلان الفلاني ، فيرفع عينا حوراء ينظر بها إلى الرجل . ويحدجه صاحب البصقة بنظرة صقر ، فيستسلم الطفل إلى قضاء الله وقدره ويخرج من جيبه ورقا معطرا يمسح به آثار البصقة وطشيشها من على بنطلونه . ويتنحنح صاحبي من جديد ويعود إلى النعاس والشخير .
وأنا أريد النوم .
ورائحة الورق المعطر تملأ المكان . والشخير يملأ المكان . وواحد من أولاد الأسياد يهمس :
ما اتخافوش ، غدوة اتجي مامي واتخرجنا من هوني .
وانا لم أعرف طعم النوم منذ ثلاثة أيام يا أولاد مامي .

- 3 –

باكرا ، انفتح باب الغرفة بعنف أفزع الأولاد النائمين ، فهبوا واقفين .
أشار إصبع لي بالخروج من القاعة ، فتبعت الإصبع .
وجدت سيارة أمام الباب ، فركبت خلف السائق .
وزمجر المحرك وشخر ، فغزتني أصوات البارحة .
امتلأت بأصوات بنات الشوارع الخلفية وأولاد الأسياد ، فهبط النوم على كتفي ثقيلا كالرصاص المذاب ...

محمد رشدي
23-12-2011, 07:48 AM
الصندوق قصة قصيرة جدا ابراهيم درغوثي تونس
04-02-2007, 02:08 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=10829


الصندوق
قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي / تونس

طوابير طويلة واقفة أمام الباب منذ الصباح الباكر تتدافع بالمرافق والمناكب و يتصايح أصحابها و كأنهم في يوم الحشر.
ثم يدخلون الواحد وراء الآخر إلى قاعة فسيحة ملأى بالرجال المهمين. يختارون أوراقا حمراء وصفراء وبيضاء وخضراء وزرقاء وبرتقالية وبنفسجية ووردية ويمرون من أمام صندوق من البلور الشفاف، فيضعون الأوراق في قلبه ويخرجون من باب القاعة وهم ينظرون إلى القفل الأصفر الذي يغلق فم الصندوق على قوس قزح.
في المساء يرفع الصندوق كالعريس على الأكتاف ، ويفتح القفل لعد الأوراق .
والغريب في الأمر أن الرجال المهمين المكلفين بفرز الأوراق لا تتعبهم العملية ، فينجزون المهمة بيسر وسرعة لأن قوس قزح صار ذا لون واحد !!! لون رمادي كئيب ...

محمد رشدي
23-12-2011, 07:50 AM
سلطان الكلاب قصة قصيرة جدا ابراهيم درغوثي تونس
12-02-2007, 05:40 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=11092


[size=18:978785a310][color=darkblue:978785a310]سلطان الكلاب .
قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي / تونس

استضاف كلب البر ابن عمه كلب البحر واصطحبه في زيارة للمدينة التي يقيم فيها ، فانبهر كلب البحر بحياة البر وما فيها من صخب وضجيج . وعندما أعياهما التجوال في المدينة عادا إلى بيت صاحب كلب البر ، فطافا بالقصر وحديقته وتمتعا بزينة الحياة وطيبها ثم استراحا تحت شجرة ياسمين وارفة الظلال . ساعتها سأل كلب البر ابن عمه عن معيشه وشرابه ، فأعلمه بأن صاحبه يوفر له كل مستلزمات حياته حتى أنه حسب نفسه سلطان الكلاب لما يجده من وفرة ورخاء عيش وسأله إن كان يرغب في ترك البحر والإقامة نهائيا عنده معززا مكرما . فترجاه أن يترك له فرصة للتفكير وتقليب المقترح على جوانبه الأربعة .
ليلا جاء صاحب كلب البر، فعلق في عنقه أنشوطة وربطها في شجرة الياسمين وعاد إلى القصر .
وظل الكلب ينبح طول الليل . ولم يغمض له جفن إلا عند تباشير الصباح .
عندما أفاق من نومه ، لم يجد ابن عمه كلب البحر . كان فراشه باردا ...

dargouthibahi@yahoo.fr[/color:978785a310][/size:978785a310]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:51 AM
المعتقل - قصة قصيرة جدا -ابراهيم درغوثي - تونس
15-02-2007, 08:37 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=11226


[size=18:38e5235483][color=darkblue:38e5235483]المعتقل

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي / تونس


عند الفجر، جاء العسس يدقون بأحذيتهم الغليظة أرض المعتقل .
أفاق من نومه قبل أن يفتحوا عليه الباب ، وجلس يفرك عينيه بيديه اللتين كاد يجمدهما البرد .
أشار له قائد المفرزة بالوقوف ، فوقف . ومشى رجال الشرطة العسكرية فمشى أمامهم .
حين وصلوا ساحة تنفيذ الإعدام ، رأى جمعا من السجناء مقيدي الأيدي والأرجل ومعصوبي الأعين ، فقال في قلبه : ما أكثرهم في هذا اليوم الشاتي. ولم يزد ، فقد اعتاد على عمله .
ومد له قائد المفرزة السكين ، فبدأ في ذبح الرجال المكومين على الأرض واحدا وراء الآخر وهو يذكر اسم الله وراء كل رأس تقطع .[/color:38e5235483][/size:38e5235483]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:52 AM
مجنونان قصة قصيرة جدا ابراهيم درغوثي - تونس
19-02-2007, 10:25 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=11357


[size=18:7bbaa4da01][color=darkblue:7bbaa4da01]مجنونان

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي / تونس

كان يطوف في شوارع القرية بعد كل صلاة مرددا هذا الذكر :
باب يفتح على السماء ، هو باب الله .
باب يفتح على البحر ، هو باب النار .
باب يفتح على الخير ، هو باب الدولار .
باب يفتح على الحزن ، هو باب الأحياء .
باب يفتح على الشرق ، هو باب السعادة .
باب يفتح على الغرب ، هو باب الموت .
باب يفتح على الدنيا هو باب العذاب .
وأنا واقف في مفترق ... الأبواب .
ولا باب يفتح على ... قلبي .
سألت عنه من يكون ، فقيل لي : هذا مجنون القرية ، لا تقترب منه فقد يؤذيك . ولكنني لم استمع لنصحهم وتحذيرهم ... أمسكت بالرجل من الخلف ، من تلابيبه الرثة ، ومشيت معه ، أردد ذكره ، وأزيد ...[/color:7bbaa4da01][/size:7bbaa4da01]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:53 AM
القبر قصة قصيرة ابراهيم درغوثي تونس
22-02-2007, 08:24 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=11451


[size=18:0694a80511][color=darkblue:0694a80511]القبر
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

عندما اقتربت من ذاك الكدس ، كدس التراب ، كدس التراب الذي فوقه حجر منتصب من جهة الشرق وحجر من جهة الغرب ، عرفت أنني أقف عند قبر . قبر لا كالقبور . ما كان في جبانة ، ولا قريبا منها . وما كان له أن يصبح نواة لواحدة في المستقبل ، لأنه بعيد عن العمران ، ولأنه كان منتصبا شاهقا فوق قمة جبل .
احترت في أمر ذاك القبر ، ووقفت عند رأس الميت أفكر فيه . لكن حيرتي بدأت تتحول شيئا فشيئا إلى فزع شديد إذ رأيتني أخترق بعيني التراب إلى أن وصلت جسم الرجل ، وصرت أنظر إليه كما لو كنت أنظر إلى شخص من خلال زجاج نافذة ... رأيت الهيكل العظمي يكتسي لحما وشحما ...ورأيت الدم يسيل في الشرايين . وشاهدت بعيني شعر الرأس والذقن ينبت شعرة شعرة . ثم شاهدت الجفون ترمش ، والشفتان تتحركان ... بعدها بقليل تثاءب الرجل ، وأفاق كما يفيق الراقد من نومه ...
كان قلبي يدق بعنف . وكانت ركبتاي يصطكان وأنا أشاهد الأرض تنشق ويخرج منها رجل يرتدي بزة عسكرية ، وينتعل حذاء ثقيلا ، ويمسك في يده بارودة من مخلفات الحرب العالمية الثانية . جلس على حافة القبر المشقوق ، وناداني ... أقبلت نحوه أقدم رجلا و أؤخر الثانية... إلى أن صرت على بعد متر منه فسألني بكل لطف :
- من تكون أيها الرجل ؟
فرددت عليه :
- أنا رجل مغرم بالتنزه في الوديان ، وبصعود الجبال .
ثم رددت عليه سؤاله :
- وأنت ، من تكون يا أخي ؟
فلم يجيبني .
وظل ساكتا ، فسكت بدوري إلى أن بادرني :
- هل المدينة بعيدة من هنا ؟
قلت :
- مسيرة نصف ساعة للراجل .
ثم أضفت :
- لكنك لم تقل لي من أنت أيها الرجل ؟
رد :
- أنا واحد من الذين نجوا من الموت لما حاصر جنود فرنسا هذا الجبل ، وقتلوا رفاقي .
قلت :
- ولكنك كنت في هذا القبر ...
قال :
- نعم ، ولكن رفاقي ماتوا عندما أكلهم الذئاب والضباع ، أما أنا فكما ترى مازلت حيا .
ثم وقف .
وضع بندقيته فوق ظهره ، وبدأ ينحدر نحو السهل ...
قلت :
- إلى أين أنت ذاهب أيها الرجل ؟
قال :
- إلى المدينة . ألم تقل إن نصف ساعة تكفي لبلوغها ؟
عندما غاب عن ناظري ، التفت إلى القبر ، فرأيت حجرا ينتصب فوقه من جهة الغرب ، وحجرا آخر يقابله في جهة الشرق ...
ابتسمت في سري وواصلت المشوار ...



dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/[/color:0694a80511][/size:0694a80511]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:54 AM
الموعد - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
25-02-2007, 02:48 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=11539


الموعد
قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي / تونس

رن الجرس فقام يفتح الباب .
أمه أوصته أن يقوم خفيفا كلما رن الجرس .
وجده واقفا أمامه يسد رحمة الرب .
قال : أمي خرجت منذ مدة .
- ألم تقل إلى أين هي ذاهبة ؟
رد باقتضاب : لا .
لا، جافة وكاسحة .
لا ، غاضبة ومستفزة .
لا ، قاطعة كحد السيف .
لا ، مهلكة ...
وهم بغلق الباب . لكن الرجل وضع رجله المدفونة داخل حذاء ضخم أمام وجهه وقال :
- هكذا إذن ... لقد كبرت بسرعة ... ونسيتني ... نسيت الحلوى و... هداياي الكثيرة .
وهم بالانصراف إلا أنه قذف قبل أن يغادر المكان :
- سأعود ليلا . قل لأمك أن لا تسهو عن الموعد .
عندما تناثرت النجوم فوق خد السماء ، عاد الرجل إلى البيت . لم يضغط على الجرس ، فقد كان الباب مواربا . دلف إلى الداخل وهو يلتفت يمنة ويسرة ، فرأى زوجته في غلالة نوم شفافة . زوجته التي أخبرها أن واجبا دعاه الليلة للمبيت خارج المنزل .
كانت جالسة على الأريكة الكبيرة المقابلة لجهاز التلفاز . وكان ابن صاحبة البيت واقفا وراءها و يداه تغرقان في صدرها ، وتجنيان من ثمار الجسد ...

محمد رشدي
23-12-2011, 07:55 AM
وجه في المرآة - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
27-02-2007, 08:28 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=11617


وجه في المرآة
قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي / تونس


أطل من شباك بيته ، فرأى وجهه في مرآة جارته الشابة التي تركت شباكها مشرعا على السماء . حرك له لسانه وغمز له بعينه ولاعب له حاجبيه ، وعندما سمع خطى الجارة ، هرب من وراء الشباك .
لكن وجهه ظل هناك يسخر من خوفه ، ويغمز للجارة الشابة .

محمد رشدي
23-12-2011, 07:56 AM
دودة الحشفة - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
02-03-2007, 09:48 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=11707


[size=24:ba43db2a02][color=darkblue:ba43db2a02]دودة الحشفة
قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي / تونس

ظلت دودة تعيش منغلقة على نفسها داخل حشفة دهرا بطوله
– بحساب بني الدود طبعا ، لا بحساب بني آدم - عاشت هذا العمر المديد تأكل من لحاء الحشفة اليابس وتحمد ربها على هذه النعمة والخير العميم .
ماذا لو درت الدودة أنها تعيش فوق كومة تمر من أجود تمور الدنيا ؟

ملاحظة : " جاء في لسان العرب " :
الحشف : التمر إذا يبس وصلب ، لا طعم له ولا حلاوة .[/color:ba43db2a02][/size:ba43db2a02]

محمد رشدي
23-12-2011, 07:57 AM
الحصن الحصين - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
17-03-2007, 07:33 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=12221


الحصن الحصين
قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي / تونس

وقفت في باب قاعة الانتظار المكتظة بالمرضى والمرافقين : أطفال صغار في أحضان أمهاتهم . عجوز افترشت الأرض ونامت . امرأة شابة تشكي لجارتها غبنها بهذا الولد الذي لا يبرأ إلا ليعود في اليوم التالي إلى المستشفى . رجل كهل يطلب من زوجته أن تنيم الطفل فقد أعياه الجري بين الصفوف ...
ثم فجأة دخل علينا . رجل أنيق . في أربعينات العمر . أجال النظر ذات اليمين وذات الشمال، ثم اختار امرأة مسنة تقطر الطيبة من وجهها . تقدم نحوها ، وقدم لها كتيبا قال : هو الحصن الحصين ، يشفي من الروماتيزم والصداع وجريان الجوف والأورام السرطانية الخبيثة ومرض القلب ويداوي كل العلل . ادفعي نصف دينار فقط ثمنا لهذه الثروة يا سيدتي .
امتدت يد المرأة إلى حقيبتها اليدوية . أخرجت منها النقود ووضعت الكتاب في الحفظ والصون . وراح - والابتسامة العريضة – تسبقه ، يوزع كتبه على المرضى ومرافقيهم ، ويقبض النقود .
عرفته . رأيت في وجهه طبيب الصحة العمومية الذي كان ذات يوم ملك المستشفى .
ولم أقل شيئا .
حين وقف الممرض أمام باب الطبيب وبدأ في المناداة على المرضى ، كنت وحيدا . وكانت القاعة فارغة . قاعة الانتظار الفسيحة .
وكان طفلي الصغير يغط في النومة السابعة ...

محمد رشدي
23-12-2011, 07:59 AM
هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي . ق . ص للدرغوثي
23-03-2007, 12:34 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=12451


[size=18:ac7027f747][color=red:ac7027f747]هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي
أو الجريمة والعقاب ( سابقا ) *
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

تنويه أول :
هبل هو الرب الذي عبدته قريش في سالف الأزمان . وكانت تمجده وترفعه فوق كل الأرباب .
ويا يوسف لا تنساني عند ربك .

*****
سأحكي لكم حكايتي ، فاسمعوا وعوا ، وإذا وعيتم ، فانتفعوا .
هي حكاية بسيطة جدا ، ولكن الجرائد جعلتها تكبر حتى سمع بها القاصي والداني . أما أنا ، فما زلت مقتنعا في قرارة نفسي بأنها حكاية صغيرة لا تستحق كل هذا الكلام الذي قيل حولها .
فهل ستقوم القيامة لأنني قتلت رجلا شيخا وزوجته العجوز ؟
أرأيتم كيف أنها حكاية بسيطة كآلاف الحكايات التي تقع يوميا في العالم ويقتل فيها الشريف والوضيع ، والمرأة والرجل ، والعاشق والمعشوق ، والسارق والمسروق ، والفاعل والمفعول به ، والزاني والفاضل ، والقحبة والشريفة ، والغني والفقير، والكبير والصغير ، ( هل أزيدكم ؟ )
إنها حكاية لا تستحق كل ما كتب عنها . لا تستحق دروس علماء النفس التي ناقشتها ، ولا محاضرات الأفاضل أساتذة الجامعات التي ألقيت في الكليات حولها ، ولا أطنان ورق الجرائد التي حبرها الصحافيون وملأوا بها الأكشاك ، ولا أشرطة السينما التي جعلت مني بطلا رغم أنفي .
إنها حكاية قتل بسيطة . فأنا قاتل عادي . لا أنتمي إلى فرقة من فرق الموت ، ولا إلى عصابة دولية تتاجر بأعضاء القتلى .
ببساطة أنا من قتل العم أحمد التابعي والخالة صلوحة دون أن يخامرني الشك لحظة واحدة أنني اقترفت جريمة . فقد قتلتهما بسهولة عجيبة حتى أنني احترت وأصابني العجب للسرعة التي ماتا بها ، فكأنهما كانا يترقبان منذ أمد بعيد ضربة المطرقة التي هويت بها في كل مرة على جمجمة أحدهما . ضربة واحدة بالمطرقة على مؤخرة الرأس ، ويسقط الجسد بين يدي بدون ألم ولا أنين . وبدون أن تسيل قطرة دم واحدة على الأرض . فقط ، قطرة أو قطرتان تخرج من الأنف ، فأمسحها بكفي ، وينتهي الأمر .
قلت لكم منذ البداية إنها حكاية صغيرة ، ولكن الجرائد نفخت في أحداثها حتى كبرت وفاحت رائحتها .
لست أدري لماذا كل هذا التهويل ؟ فالعم أحمد كان سيموت ميتة طبيعية بعد سنة أو سنتين على أقصى تقدير . والعمة صلوحة كانت كثيرة الشكوى من مرض الروماتيزم ، فأرحتها منه ، وأرحته منها بضربة صغيرة من مطرقتي .
هل تعرفون أنتم ، يا من أقمتم الدنيا على رجل واحدة أن العم أحمد التابعي رجل جاوز السبعين ، وكان يستفزني بنظارته الطبية ، وبحمالتي بنطلونه ، وبسيجاره الذي يتعالى دكانه في الجو كدخان قاطرة قديمة . فماذا لو لم أبادر بقتله ؟ أما كان السرطان سيقضي عليه ؟ سرطان الحنجرة والبلعوم يتغذى على السيجار . والعم أحمد يعشق السيجار يا سادتي الكرام . إذن ، حسب ظني واعتقادي أكون قد أرحته من ذاك المرض اللعين الذي كان سيفتك بحنجرته ، وكان سيسبب له آلاما لا تقدر على تحملها الجبال الرواسي .
ما كنت أعرف الرجل قبل اقترافي عملية القتل ، ولكنني كنت أعرف القصر . زرته مرة قبل عودة الشيخ وعجوزه من باريس . سألت عن واحد من أصحابي يعمل بالبناء فدلوني على القصر . ومن يومها ، وقعت في حب هذه العمارة التي صارت سبب قتل العجوزين .
أعجبني القصر ، فقررت امتلاكه بكل الطرق . وبما أنني فقير ، فقد عولت على الحظ . ووقف الحظ إلى جانبي مرة في حياتي ، إذ دعا الرجل صديقي للقيام ببعض أشغال البناء في المنزل لكنه اعتذر له بكثرة أشغاله ، ورشحني لتعويضه . فعملت في القصر . وقتلت الشيخ وزوجته ، وفزت بمعشوقي .
قبل ذلك ، كنت عندما أحن إليه ، أمر من أمامه ، فأتمسح على حجر سور الحديقة . وأطير كالفراش ، فأقع على الورد . أترشف من طله . وأعود إلى الشارع أذرعه آلاف المرات . ولا أتعب . ولا أمل .
وأغبط العجوزين على هذا النعيم .فيلا عصرية بطابقين على الطراز الأمريكي . تحيط بها الورود وأشجار الحور من كل جانب .وتطل شرفتها الكبيرة على البحر ، و يلمع قرميدها الأندلسي تحت أشعة الشمس ، وتفوح منها روائح الزهور في كل الفصول .
كنت أقول في نفسي : هذه الفيلا لا تصلح لهذين العجوزين . هذه تلزمها واحدة من حور العين ورجل من أهل الجنة .
وكنت أرى نفسي واحدا من أهل الجنة ، فقررت الاستيلاء على هذا القصر عندما سنحت لي الفرصة ، فقتلت العجوزين ، وسكنت القصر .
صحيح لم أسكنه كما الأسياد . ولكن ، وعلى كل حال ، وحتى وإن كنت في نظر سكان الحي مجرد حارس ، فإنني في نظر نفسي سيد هذا القصر ومولاه . أنام فوق أسرته ، وأستعمل كل الأجهزة العصرية الموجودة داخله ، من الفيديو إلى الثلاجة ، ومن البيك آب إلى جهاز التلفزيون الضخم الواسع وسع السماء . وأعوم في مسبح الحديقة . وأتجول في الشرفة المطلة على البحر . ويغبطني المصطافون على هذا النعيم الذي جاءني من وراء ضربة مطرقة .
البنات الجميلات بالمايوه يستلقين تحت الشرفة ،يسترقن النظر إلي ، ويطمعن في ابتسامة مني . وأنا أدخن السيجار ، وأربت على فروة القطة ، وأتجاهلهن .
طيب يا أسياد الحي .
أنا في نظركم مجرد حارس لقصر العم أحمد التابعي الذي دفنته هو وزوجته في رواق جانبي من أروقة القصر . رأيكم هذا لا يهمني . المهم بالنسبة لي أن المصطافين يظنون أنني صاحب القصر وسيده . فموتوا كمدا ، واقعدوا فوق إصبعي الوسطى . وإذا لم يكفكم إصبع ، فهاكم قبضة يدي . نحن جميعا أبناء آدم وحواء . نحن من تراب يا أبناء الزواني . فلم التكبر والتجبر ؟ لماذا تنظرون لقامتي العالية وبنيتي المتناسقة أكثر من أجسامكم المترهلة وقاماتكم القصيرة بعين المحتقر ؟ ألا تعلمون أن لا فرق بيني وبينكم إلا بلون الرخام الذي يزين القصر ؟ وإن كنتم تملكون قصورا من طابق واحد ، فأنا أملك قصرا من طابقين .
وأولادي يلعبون فوق قبر عمكم أحمد .
وأذكركم مرة أخرى بإصبعي الوسطى .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولله الأمر من قبل ومن بعد .
*****
عندما جاء موزع البريد أول مرة إلى القصر ، رأيت في وجهه صورة ملك الموت . وقلت في نفسي لنفسي سيقتلك هذا الرجل يا مسكين .
عرفت بنور قذفه الله في صدري أن هذا الرجل سيكون سببا في موتي . وتمنيت له ضربة بمطرقتي على مؤخرة رأسه المفلطح .
قلت له : أنا حارس القصر يا ساعي البريد . والعم أحمد سافر . سافر بعيدا . ركب صاروخا بعدما اقتطع تذكرة ذهاب بدون عودة .
وإن عدت ، سأبادرك بالمطرقة .
وأغلقت في وجهه باب الحديقة ، وعدت إلى بهو القصر . جلست أدخن السيقار ، وأفكر في هذه اللعنة التي لم أحسب لها حسابا .
كنت بين اليقظة والنوم عندما رأيت العم أحمد يخرج من قبره . رأيته ينفض التراب عن جفنيه ، ويعدل من بنطلونه ، ويمسح عرقا كان ينز من جبهته . جاء يمشي نحوي بخطاه الثقيلة ، فقمت أستقبله مرحبا كما نرحب بضيف عزيز .
قال : مع من كنت تتكلم ؟
قلت : مع موزع البريد .
قال : هو موعد الحوالة البريدية التي أتقاضاها كل شهر ، فلماذا لم تدق على القبر . كنت في غفوة ، ولم أستيقظ إلا عندما استمعت إلى اصطفاق الباب وراء الطارق .
هذا الساعي صديقي . كنت أحسن إليه لما كان يزورني . أسقيه مرة كأس ويسكي . وأطعمه مرة أخرى حبة شوكولاطة ، ولا أبخل عليه أبدا بالسيكار .
فلماذا حرمتني من رأيته ؟
قلت : سيعود ، سيعود لا محالة يا سيدي . رأيت في عينيه إصرارا على العودة .
قال : لا تنسى أن تناديني إذا عاد .
قلت : سأضع تحت رأسك منبها يدق كل ساعة .
قال : لا تترك ورد الحديقة يذبل .
قلت : عد إلى قبرك ، وسأسقي الورد .
وعاد إلى قبره لينام . وذهبت أسقي زهور الحديقة .
أحلب السحاب وأسقي الزهور .
وأضحك للمصطافات . أشتري ودهن بالابتسامات فيتساقطن تحتي تساقط الفراش على الزهور . وأنا أختار ولا ترضيني إلا الكاعب الصبوح .
أقول لهن : جئن طوعا أو كرها . فيأتين طائعات . يجلبهن جمال القصر ورقة هوائه وشرفاته التي تطل على الأمواج المبعثرة على الرمل . فأنكح في اليوم الواحد أربعا . أدخل بهن مساء وأطلقهن عند الصباح .
ويعود موزع البريد ، فأسكت المنبه القابع عند رأس العم أحمد بقبضة يدي . أسكته حتى لا يسمع النداء .
وأقول للموزع : مت كمدا ، فأنا المصطفى . أنكح حور العين ، ولا أشبع . ولا تسألني مرة أخرى عن صاحبك .
صاحبك سافر إلى درب التبانة ولن يعود إلا بعدما ينفخ في الصور .
وأنا الآن سيد هذا القصر ومولاه .
- ألم يترك العم أحمد عنوانا أحول إليه حوالاته البريدية أيها الحارس ؟
- ستقتلني هذه الحوالة يا موزع البريد .
وأصفق وراءه الباب ، فيدق جرس المنبه اثنتي عشرة دقة . وتطلق المدافع اثنتي عشرة طلقة . ويندفع أفراد الشرطة العدلية داخل القصر كمردة من الجان .

*****
حين لسع الفأس سوأة المرأة الراقدة في القبر بدون كفن قالت :
- آخ ... ما أحر برد الصبح دثرني يا ولدي ، فالبرد تحت التراب شديد .
وحركت يدها تغطي سوأتها .
- آخ ... ما أحر البرد تحت التراب يا ولدي .
وحركت الفأس التراب من جديد ، فقامت الخالة صلوحة . نفضت التراب عن شعر رأسها ، ومسحت عينيها وقالت :
- لقد سرقتني سنة نوم . هل شربت كأس الشاي ؟ سأذهب أسخن البراد وآتي بصينية اللوز المحمر .
وقفت العجوز وسارت باتجاه الطابق العلوي وهي تغطي سوأتها بيدها اليمنى ، وتحمل براد الشاي بيدها اليسرى .
قال الشرطي الواقف فوق رأسي كأنه واحد من زبابية جهنم ، حين رأى العجوز تغادر القبر الذي نفضت التراب عن بابه منذ حين :
- إلى أين تذهب العجوز ؟
قلت : ستعود بصينية الشاي واللوز المحمر.
هذه العجوز كريمة كأحسن ما يكون الكرم يا سيدي .ولكن مرض الروماتيزم اللعين ، دمرها . كم اشتكت لي من آلامه فقلت لها سأشفيك منه يا سيدتي . وضربتها بالمطرقة على الرأس ضربة واحدة . ما كنت عنيفا معها يا سيدي . والله الذي لا إله سواه ، إنها ضربة واحدة ، فسقطت على الأرض ونامت كما ينام الرضيع .
كانت في العادة تختار مجلسها قريبا من خلطة الملاط . تخرج كرسيا من الخيزران . تتفحصه جيدا قبل أن تفتحه ، ثم تبدأ في التوجع :
- ما ألعنك يا برد باريس .
وحين سألتها عن الحمامات الإستشفائية قالت :
- تعبت من التدليك ومن بخار الأحواض يا ولدي .
فقلت في نفسي أنا من سيريحها من هذا الألم ، وأهويت بالمطرقة على جمجمتها ، فسقطت على الأرض . مسحت الدم النازف من أنفها . وشربت كأس الشاي . وذهبت إلى داري أستريح من تعب الضربة .
في المساء ، عدت إلى القصر .حفرت جبا عميقا في أحد أروقته المهملة ، ثم ذهبت أتفقد العجوز وزوجته . وجدتهما يمارسان الحب بشبق ، فتواريت مدة خجلا حتى انتهيا . فناديتهما .
قالت العجوز : ماذا تريد يا ولدي ؟
قلت : لقد جهزت لكما الدار الجديدة . اهبطا لتستريحا و تناما في سرير الهناء الأبدي .
قالت : عمك أحمد لا يستطيع المشي ، تعال ساعده .أعطيته كتفي يتوكأ عليه ، فأعطاني جسده المنهوك كله .
وجاءت زوجته ، فتمددت بجانبه هامسة :
- دثرنا ولدي . دثر العجوزين العاشقين برحمة ربك .
تركت التراب يهطل حتى فاض الجب . وجئت بقطع الجليز المزدان بصور الورد والفراشات . ألصقت القطع فوق القبر، فعاد الرواق كسابق عهده يزدان بالربيع .
وقفت عند رأسيهما ، وقرأت الفاتحة ويس .ومسحت على وجهي بيدي الاثنتين . وترحمت عليهما وأنا أضع مفتاح القصر في جيبي .
وذهبت إلى البحر .
*****
في المدة التي قضيتها في القصر ، أهذب حجر الجدران الناتىء وألمع جليز الممرات ، رأيت العم أحمد يقرأ في مجلدات كبيرة مذهبة الحواشي . وكان يكثر من الكلام مع زوجته عن تبني طفل يؤنس وحدتهما . سمعته يقول لها أكثر من مرة :
- ماذا لو اعتبرنا هذا الطفل حفيدا لنا ، نسيه ولد من أولادنا عندنا وذهب في حال سبيله .
وكانت العجوز تسخر من هذيانه ، وتضحك حتى تدمع عيناها وهي تردد :
- متى كان الأولاد ينسون الأحفاد عند الجدود أيها الهرم ؟
فيقوم يجري وراءها . فتهرب منه وتحتمي بي . تختبىء من الشيخ وراء ولدها . هكذا سمعتها تقول للعجوز . والعجوز ، يهمس في أذني كلما وقفت عند رأسه أقرأ من الكتاب سورة البقرة :
- لو سألتني ، لتبنيتك يا ولدي ، وأعفيتك من القتل .
لو سألتني لوهبتك قصري وذهب خالتك صلوحة ومجوهرات بايات تونس التي أممها بورقيبة ، وكنوز زبيدة بنت المهدي حرم الرشيد ، وزهور الحديقة ، والشرفة المطلة على البحر ، وسيجاري ، وقوارير الخمرة المعتقة .
أعرف أن التبني في شريعة الإسلام حرام . وأعرف قصة زيد بن حارثة الشيباني . زيد بن محمد .وأعرف أن زينب بنت صفية رفضت أن تسكن زيدا في قلبها ، فطلقها الرب من فوق سبع سماوات بمرسوم إلاهي مدموغ بطابع الألوهية . فعاد زيد إلى حارثة الشيباني . و صارت زينب تفخر أمام زوجات الرسول بأنها أكرم منهن . تزوجهن على الأرض . وتزوجها في السماء .
آه لو سألتني لتبنيتك يا ولدي ، فأنا لا وارث لي إلا بيت مال المسلمين .وأنت عملت في قصري أسبوعا ، فدخلت القصر من بابه الصغير ودخلت قلبي من الباب الكبير .
فلماذا لم تسألني عن التبني أيها المسكين ؟
عرفت حكايتك من صديقك البناء . فأنا لا أدخل داري إلا من أثق به . وأرعبني أن يعمل قاتل في بيتي . فعندما قال
لي صديقك أنك ، وأنت في ريعان الشباب ، قتلت طبيبا متقاعدا ، فحوكمت بالسجن المؤبد . لكن عفوا رئاسيا شملك ، فخرجت من هناك بعد عشرين سنة تتقن مهنة البناء ، رغبت في رأيتك . أحسست كأن شيئا خارقا سيقع في بيتي . ومع ذلك ، لم أتراجع عن استخدامك في البيت .
هل هو قدري الذي قادك إلى هنا ؟
آه يا رأسي .
إلى الآن ، مازال رأسي يوجعني كلما تذكرت مطرقتك .
لقد أخبرني صديقك أنك لم تكن تنوي قتل الطبيب . ولكنه أكثر من الصراخ عندما اكتشفك في بيته ، فخنقته حتى لا يفضحك . وقال إنك لم تكن تنوي القتل يومها ، وإنما السرقة فقط . فلماذا نويت قتلي ، وأنت تشرب من شاي خالتك صلوحة ؟
هل هو القصر الذي دفعك لقتلنا ؟
آه ، لو سألتني لجعلتك ولدي وأعفيتك من شر المطرقة .
على كل حال أنا لم أتحسر كثيرا على موتي ، فقد عرفت هنا أنني كنت سأموت بعد شهر . فقط ، أطلب منك أن تعتني بأزهار الحديقة وبقطتنا فافو . لا تترك قطط الجيران يلاعبنها . وأغلق الباب جيدا وأنت تنام ، فقد كثر السراق في هذه الأيام . وأرواح الموتى المسروقين لا تحصى ولا تعد بدءا من السماء الأولى حتى السماء السابعة .
لا تتركنا وحدنا يا ولدي في هذا القصر الشاسع ، فأنا أخاف الوحدة . وروحي ستصاب بالكآبة إذا أقفر القصر .
آه لو سألتني لجعلتك ولدي ونسيت زيدا وزينب . فما عادت هذه القصة تهمني من قريب أو بعيد .
لماذا لم تشتر لنا الحليب ياولدي ؟
فالأرواح أيضا يلذ لها شرب القهوة بالحليب .
والقهوة تصبح ألذ تحت الجليز المزين بالورد والفراشات الجميلة .
*****
اقترب شرطي من الكرسي الهزاز الذي كنت أتأرجح فوقه وأمرني بالوقوف ، فلم أمتثل لأوامره . ظللت أتأرجح ذات اليمين وذات الشمال ، والرجل واقف لا يدري ماذا يفعل إلى أن وصل رئيس الفريق المكلف بإيقافي ، فأمسك بي من كتفي وهزني هزا عنيفا وهو يصرخ في وجهي :
- قم يا ابن الفاعلة . هل نسيتني يا مخنث ؟
أنا من أخرجك في المرة الفائتة من المحكمة ، وأنت تبكي وتقبل يد القاضي الذي حكم عليك بالمؤبد ، ثم أوصلك إلى باب السجن . هل نسيتني يا ابن القحبة ؟ أنا لم أنس مؤخرتك البضة ودموعك النازلة على خديك الطريين . يومها أشفقت على شبابك . أما اليوم ، فسأضع بيدي الاثنتين حبل المشنقة حول عنقك .
ودفع بي إلى اثنين من الشرطة شدا وثاقي شدا عنيفا وهما يرددان :
- لن يذهب تعب ساعي البريد هدرا . اليوم سيفرح بنجاحه في إقناعنا بأنك قاتل العجوزين .
ودفعا بي داخل سيارة سوداء وركبا على يميني وشمالي . وزمجر المحرك ، فأيقنت بالهلاك .
رأيت القاضي الذي أصدر حكمه بسجني مدى الحياة يبتسم بخبث ويقول لمن شفع في شبابي :
- ألم أخبركم أن لا مكان لها الوحش خارج السجن .
ولكنكم كابرتم . هاهي نتيجة مكابرتكم .
كم كرهت ذاك القاضي . كرهت نظارته الطبية المستديرة كقعر قارورة . وكرهت عينيه الصغيرتين اللماعتين وهو يتفحصني بهما من رأسي إلى رجلي ، ويصدر حكمه بصوت كريه كقزقزة منشار يقطع الخشب .
بعدها مسك شرطي بزندي وقادني إلى سيارة السجن الواقفة قرب باب المحكمة .
أعتقد أنا أيضا أنه هذا الرجل الذي عنفني قبل قليل .
كنت يومها أبكي . وكان ينظر إلي ويتشهاني بشبق ، ثم يمرر كفيه على خدي متظاهرا بأنه يمسح دموعي إلى أن وصلنا إلى السجن المركزي ، فأعطى الأمانة لأهلها كما قال و طعنني في صدري بسيف لسانه :
- آه يا مسكين . سجن مؤبد وأنت في هذا العمر .
وتلقفني السجان ، فرمى بي داخل قاعة فسيحة ، وأغلق الباب ورائي .
خمدت الحركة مدة دقيقة ، وأنا واقف قرب الباب ، ثم علا ضجيج زفة جاءت تستقبلني . تهليل وتكبير . وصراخ . وقرع على أواني الأكل . واجتمعت حلقة الذكر حولي . ولم يهدأ النباح وتقبيل خدي إلا عندما صرخ مارد في الجمع أن كفى .
وتقدم الرجل نحوي تتبعه بنت تحرك ردفيها ، وتتمايل بغنج ودلال .
قال الرجل وهو يشيربإصبع كالسكين نحو صدري :
- ما اسمك يا بنت ؟
- سمير . اسمي سمير يا سيدي .
- اصمتي لا تكثري من الكلام . أنت من الآن سميرة .
- بل اسمي سمير . أنا سمير يا سيدي .
- قلت أنت سميرة . وكفى . لا تزيدي حرفا واحدا .
ونظر في عيني كمن يهم بافتراسك . فطأطأت رأسي وأنا أردد :
- بل أنا سمير يا سيدي .
وهوت يده على صدغي ، فانفجر نور كالبرق من عيني ، ووقعت على أرضية الغرفة .
قال : ساعدها ياحمودة ، فوقع حمودة فوقي بعطره اللذيذ وهو يقول :
- قومي يا حبيبتي أجيبي سيدنا هبل .
فوقفت وأنا أرتعش كالطير المذبوح .
وجاء هبل . أمسكني من زندي ، ومشى . فمشيت وراءه . طاف بي نوادي السجن وهو يصيح :
- يا معشر قريش . لقد اشتريت هذا الغلام .
وحمودة وراءنا ، يصفق ويرقص ، ويطلق الزغاريد . والسجناء يباركون للشاري ويقبلون يده قائلين :
هنيئا مريئا يا مولانا .
وأنا أرتعش .
وحمودة يبكي .
قلت له : ما مصابك يا صاحبي ؟
فرد : مصيبتي فيك يا ضرتي .
وعاد إلى البكاء :
- و أنا يا مولاي . من لي بعدك يا سيد الرجال ؟
والرجل يصفعه على قفاه ، ويهدده بجمع يده قائلا :
- زين العروس يا حمودة . أريدها شهية هذه الليلة .
ومشيت وراء حمودة إلى دار هبل ، فأغلق الباب ورائي وارتمى على السرير يبكي .
قلت له : لم كل هذا البكاء يا صاحبي ؟
فقال : لم تعد لي حظوة عند هبل ، وأنت تزفين له عروسا هذه الليلة .
أغمي علي من شدة المفاجأة ، ولم أفق إلا وأنا أرقد مع رب السجن فوق سرير واحد . فكدت أموت من الخوف
لكنني ثرت عليه و وصحت في وجهه ، وضربته بيدي ورجلي ، وعضضته في كامل بدنه وأغلقت جسدي بكل مفاتيح الدنيا .
ولكن متى وقفت المفاتيح في وجوه الكبار؟
أصبحت بعد ترويضي زوجة لهبل . أتعطر، وأرقص مؤخرتي في وجوه السجناء ، وأضع أحمر الشفاه ، وألبس حامل النهدين ، وأطبخ الشاي لسيدي الذي يمتطيني فارسا مهابا متى سنحت له الفرصة . وأنا أحلم بقصر أسكنه وحدي .أحلم بقصر أمارس فيه الحب فاعلا مرفوعا بالظمة الظاهرة في آخره . أمارس الحب مع حور العين . أتزوج في المساء أربعا ، وطلق في الصباح أربعا .
وأموت قهرا ، وسيدي يناديني إلى سريره في ليل السجن الطويل .
*****
لما شاهدت بيت نوم العجوزين قلت ، لقيتها ، هذا بيت النوم الذي وعدني به جبجائيل ، وأنا في زنازين السجن . نفس السرير العالي المذهب الحواشي . والشراشف المطرزة بأزهار الفل .والمساند الحريرية الحمراء . والفانوس الصغير الراقد بجانبي الأيمن . والشباك المطل على حديقة القصر .
قلت هذا قصري . وتعجبت لوجود العجوزين فيه . ولم أستغرب موتهما بتلك السهولة فكأنهما كانا يترقبان مجيء صاحب الأمانة ليسلما له أمانته .

*****
آه يا ليل السجن الطويل .
لما شبع مني هبل وملني ، صار يكتريني لمن يدفع أكثر .
في الليلة الأولى ، باعني لواحد من أصحابه يتاجر بالخمرة في السجن يبيع القارورة الواحدة بعشرين دينارا . وتوارد على لحمي تجار المخدرات ، والسجانة ، وأصحاب الحظوة عند هبل ، واختلسني فتوات السجن الآخرين عند غيبة رجلي . هكذا دهرا طويلا . ثم نزلت أسهمي في السوق بين ليلة وضحاها لما عرف الجميع أن رب السجن سلاني ، فأصبح الواحد لا يدفع لي مقابل المبيت في فراشه ليلة كاملة أكثر من دينار واحد .
وكبرت مصيبتي . فذات يوم وكنت أتهيأ للخروج من غرفتي جاء عندي هبل . لم يقبل قهوتي . ردها علي . وأمسكني من يدي ، وخرج بي إلى نوادي السجن .
ونادى مناد أن استمعوا إلى سيدكم . قال :
- يا معشر قريش ، لقد أطردت هذا الغلام من رحمتي ، فهو لكم سبيا مستباحا .
وانصرف .
تعلقت بردائه وطلبت غفرانه ، فقام يعنفني :
- لقد ولغت فيك الكلاب ، ولن يكون لي فيك نصيب بعد اليوم .
تركته حتى غاب ، وقلت للجمع الواقف حولي :
- من منكم يشتري هذه المؤخرة ؟
فسكتوا . تركت سروالي ينزل حتى الكعبين ، وقلت :
- هي لكم غنيمة حرب ، فمن يريدها له وحده يدفع لي مهرها رأس هبل .
تركوني عريان السوأة وانصرفوا ...
في تلك الليلة ، جاءني حمودة برأس الرب فوق صينية .
كان الرأس يقطر دما ، فرماه في حجري ، وقال :
- هو لك هدية لا مهر زواج .
كان الدم يشخب من العروق . وكانت العينان تبحلقان في حمودة بذهول . وكان الفم منفرج عن ابتسامة بلهاء وكأن لسان حاله يقول :
- هو أنت من ذبحني يا حمودة ؟
ترك الرأس في حجري . وتركني أبكي ، وذهب يقرع باب السجان . قال له :
- دونك وجثة هبل . هي لكم . لم أقتطع منها سوى هدية بسيطة لضرتي سميرة .
وصفق الرجل بيدية تصفيقا متواصلا موقعا مدة ربع ساعة حتى أفاق كل من في السجن . رأى الخلق الواقف عند جثة هبل عجبا . اكتسى جسم حمودة ريشا ، ونبت له جناحان مكان اليدين .
فصفق بجناحيه .
وطار ....
*****
قال لي المحقق :
- أين دفنت جثة العم أحمد ؟
- ماذا تقصد ؟
- ألم تقتل الرجل ؟
- ولماذا أقتله ؟
- أنا أسأل وأنت تجيب يا ابن الزانية . تكلم قبل أن أدخل في إستك هذه العصا .
- أنا لم أقتل أحدا . بل أنا قتيلكم يا سيدي .
وحرك في يده خيطا ، فاشتعل الكهرباء في كامل بدني . صرت فانوسا يلتهب نورا ونارا
قال :
- ألن تقول أين دفنت الجثة ؟

*****
الجثة .
آه . الجثة بقيت ثلاثة أيام مطروحة أمام مرحاض السجن حتى حام حولها الذباب الأخضر . وانتفخت البطن وسال الصديد من الوريدين المتورمين .
قال مدير السجن :
- سأجعلكم تتأدبون عن القتل . والله لن أدفن هذه الجثة إلا بعدما يخرج منها الدود ، ويملأ هذه القاعة القذرة .
انزوى كل واحد في ركنه متوجسا . وقل الكلام والحركة بين السجناء إلى أن كانت الليلة الرابعة . سمعنا طرقا على الأبواب مصحوبا بدمدمة قوية .خرجنا نستجلي الأخبار ، فرأينا هبل يسير في الأروقة مقطوع الرأس ، وحراس السجن يطلقون عليه النار . كان الرصاص يرتد عن جسمه المصفح . وكان يتبختر كعادته أيام العز . ومدير السجن يصيح " :
- ادفنوا غدا جثة هذا المسخ في السبخة الغربية .

*****
قال : زده عذابا ياشعبان . وتحرك خيط الكهرباء من جديد يحرقني ، فأموت جالسا على كرسي المهانة .
في اليوم السابع ، استوى المحقق على العرش بعدما انتزع مني الاعتراف .
قال مبتسما تلك الابتسامة التي تذهب إلى القلب كطلقة رصاص :
- خذوه إلى القصر ولا تعنفوه إذا عصى أوامركم . عاملوه بالمعروف ولا تشددوا فقد أخذ نصيبه وزيادة .
عندما فتح رجال الشرطة الباب ، رأيت تمثالا لساعي البريد .كان التمثال من البرنز البراق . حين وصلت بجانبه صاح :
- هذا قاتل العم أحمد وزوجته .
ونزل من قاعدته المنتصبة بشموخ وسط حديقة القصر .
سار أمامنا إلى أن وصل إلى مكان القبر ، وقال :
- احفروا هنا .
فانشقت الأرض ، وزلزلت زلزالها .
وقامت القيامة ...



تنويه ثان لقراء هذه القصة :
هذا النص نشر أول مرة بعنوان / الجريمة والعقاب . وبما أن هذا العنوان هو في الأصل لحبيبي الشيخ العارف : فيدور ميخائيلوفيتش دوستيوفسكي ، فقد قررت أن أغير عنوان قصتي بذاك المذكور في أعلى الصفحة الأولى . وأعتذر لشيخي دوستيوفسكي لأن استعمالي لعنوان روايته أزعج بعض المشتغلين بالأدب في بلاد العرب .
والله المستعان .


dargouthibahi@yahoo.fr[/color:ac7027f747][/size:ac7027f747]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:02 AM
تصبحون على خير - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي - تونس
27-03-2007, 11:25 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=12631


[size=18:7ec7ed6035][color=red:7ec7ed6035]تصبحون على خير
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

قالت لقد افتقدتك كثيرا هذا الشتاء بعد أن هطل الثلج في القرية ، ولم تقدر نار المدفأة الصغيرة على تسخين الغرف المعتادة على رياح الجنوب الحارة . إيه ...، كم افتقدتك ، لما وقفنا تحت الثلج الهاطل ندفا صغيرة ... كان الأولاد يجرون فوق الأرض التي أصبحت بيضاء ، وقطع الثلج تطقطق تحت أقدامهم . و كانت الفرحة تنط من عيونهم وهم يجرون و يلعبون فوق هذا البساط الأبيض اللماع ... ثم جاءني الصغير بكتلة من الثلج وطلب مني أن أخبأها لك في الثلاجة حتى تعود ، فأمسكت بأصابعه الباردة ، المرتجفة في يدي ، ومسحت دمعة تجمدت فوق الخد ...
ضربت على أزرار المسجل فسكت . ثم قمت فأطفأت نور الغرفة ، وتمددت على السرير .
كانت الساعة قد جاورت الثانية بعد منتصف الليل . وكنت قد أعدت الاستماع إلى هذا الشريط الذي وصلني اليوم بالبريد ، من هناك ، من عندهم ، أكثر من عشر مرات ...
أكثر من عشر مرات وأنا أدق على زر المعاودة كلما سكت المسجل عن الكلام المباح ، إلى أن امتلأت بحديثهم حد التخمة . فتمددت على السرير ودعوتهم ، ودعوت النوم الذي جفاني .
جاء " أيمن " و،نبيل " وجاءت " ليلى " إلى حضني . تركت لهم مكانا إلى جانبي فوق السرير وأنا أقول :
- هو سرير صغير ، ولكنه سيكفينا جميعا .
ومسحت على رأس ليلى ، فهرت كالجروة الصغيرة ودخلت قلبي . ووضعت يدي أتحسسهم ، فلمست وجوههم ، وسمعت دقات قلوبهم . ورأيت جبال الثلج فقلت لهم :
قوموا يا أولاد نبني رجلا كبيرا من الثلج .
فوافقوا .
نادى أيمن أمه ، ونادى أولاد الجيران . وجاء أطفال من كل الأمكنة . لست أدري كيف وصل إلى بيتنا كل هؤلاء الأطفال الذين بدأوا في تجميع الثلج إلى أن صار كدسا كبيرا ، ودعوني أن أصنع لهم رجلا عملاقا . صنعت جذع الرجل ، ثم صعدت على سلم لأصور له يديه وأكور له رأسه . وكان الأطفال يتدافعون تحتي ويمدونني بكتل الثلج الصغيرة ضاجين كالعصافير ... ثم صورت له العينين والأنف والأذنين ، والشعر والشفتين . وفتحت له الفم ، فقال لي :
انزل من على السلم يا رجل .
ولما بقيت واقفا ، حرك يديه ودفعني بهما ، فوقعت على ظهري .
خاف الأطفال ، وتقهقروا خطوات إلى الوراء . لكنه تحرك نحوهم . اختطف أول طفل صادفه ، وبدأ في التهامه . أصبح فمه أوسع من فم الحوت ، ففتحه عن آخره وشرع في ابتلاع الأطفال الذين لم يقووا على الهرب .
كنت أصرخ لأحرضهم على الإفلات منه ، والجري بعيدا عنه . لكن صوتي كان يضيع قبل الوصول إلى حلقي .
وعندما التفت نحوي ، ومد يده إلى عنقي ، أفقت . وجدت الظلام يحاصرني من كل مكان ، فشغلت المسجل . جاءني صوت فيروز هادئا ، عذبا كنهر من حزن وشجن .
" يا جبل اللبعييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي يييييييييد خلفك حبايبنا " ...
بعد أن أنهت فيروز أغنيتها ، سمعت رفيقة تقول في وشوشة خفيفة :
- هل يمكن يا حبيبي أن نرغم الشهور على الجري ؟ آه لو كنت أقدر لجعلت الأرض تتم دورتها في ثانية واحدة .
ثم أضافت بعد سكوت قصير :
- كم ندمت لأنني تركتك تذهب وحدك إلى هناك . فالحياة صعبة على امرأة اعتادت على الأنفاس الحارة في البيت ، ثم تلتفت فلا تجد سوى السراب .
الآن فقط عرفت لماذا تتزوج النساء اللاتي عاهدن أزواجهن على الوفاء للحب القديم إذا سرقهم الموت ، وعدم التفكير في رجل آخر مدى الحياة .
آه لو تدري كم هي صعبة الحياة بدون رجل يا ... حبيبي .
وعادت إلى السكوت من جديد حتى ظننت أنها قد انتهت من بوحها ، فهممت بإخراج الشريط من المسجل . لكن صوتها الهادئ جاء هذه المرة محملا باستفسار به كثير من الخبث :
- سعيد ... هل شممت عطر امرأة مذ غادرتنا ؟
فقلت في نفسي :
- يا للمرأة . حتى في هذه البلاد التي يرجم فيها الرجل رميا بالحجارة في ساحة مسجد عبد الله بن عباس عند يحلم بشبح ابتسامة على شفاه امرأة ، تتجرأ زوجتي وتسألني هذا السؤال .
مسكينة يا زوجتي العزيزة ، فهنا يجلد الرجل حتى يسيل دمه ويذهب لحمه نتفا يطيرها الهواء لو لامست يده قميص نوم امرأة . نامي يا عزيزتي ملء جفنيك ، فقد أصبحت خصيا مذ وطأت بي عجلات الطائرة أرض الجزيرة .
وكأنها كانت تتسمع إلى نجواي ، فقالت :
- لقد سمعت عن أميرات ونساء أكابر شغلهن الشاغل اختطاف الرجال .
هل نسيت حكاية لاعب كرة القدم التونسي الذي عاد من المونديال الكروي فباعه فريقه بالملايين ليلعب في الجزيرة ، لكنه عاد في صندوق بعد أن ادعى الجماعة هناك أن صاعقة ضربته في الملعب ، فأحرقته حرقا .
حاذر يا حبيبي أن تختطفك أميرة ، وتذهب بك إلى جزر "واق الواق " .
فرددت عليها أمازحها :
- عندها اصنعي لك أجنحة ، وتعالي عندي ، فسوف أحملك من الياقوت والزمرد والألماس ما تعجز عنه حقائب السمسونايت والكراون .
وأهملت تحذير زوجتي ، حتى كان يوم ، وكنت في ساعة صفاء ، فحكيت لصديق من أهل البلد عما بدر من زوجتي ، فضحك حتى بال على أثوابه ، ثم قال في جد لم ألحضه فيه مذ عرفته :
- ولكن يا طويل العمر ، لا ترمي بكلام زوجتك كله في الزبالة ، وإنما احتفظ ببعضه ففيه شيء من الصحة .
وضاف ، وهو يتنهد :
- لكم ضاع رجال جروا وراء ذلك النوع من الحريم
قيل في شأنهم يا سيدي كلام كثير .
قيل مثلا إن الواحدة منهن تقتل عشيقها مباشرة بعد أن يفرغ من عملية الحب بالضرب بالقبقاب على أم رأسه .
وقيل أنهن يغرقن الصاحب في " بانيو " خمر .
أو يتسلين بشنقه في حديقة المنزل الخلفية بواسطة حبل يعلق على غصن شجرة ، ثم يمارسن الجنس مع العبد الذي قتله تحت تلك الشجرة .
فهنا يا سيدي أعطت رمال الصحراء للرجال مالا لا يقدر على عده قارون ، فتهتك الرجال وشبعوا مجونا وفجورا . وتركوا نساءهم لسائق السيارة البنغالي أو التارزي الهندي وبما أن الجميع يخاف الفضيحة فإنهم يخنقون أخبارها بيد من فولاذ .
ألم تسمع يا سيدي بالعناكب التي تأكل ذكورها بعد الإخصاب ؟
*****
قال : الأولاد يبلغونك سلامهم .
قلت : بلغيهم حبي يا عزيزتي .

الأولاد ، أذكرهم كلما رأيت أندادا لهم في الشوارع .
هذه البنت تشبه ليلى . ضفيرتها الجميلة أحلى من المسك ، وخديها الحلوين أطيب من ورد البساتين .
وهذا الولد ، يشبه أيمن . في عينيه شراسة الذئاب ، وفي جبينه شمس الأماسي الدافئة .
تعال يا أيمن ، وأنحني أقبله . ولا أفيق إلا على الطفل وهو يسألني بعينيه مستغربا صنيعي ...
فأقول له : عفوك يا ولدي . لقد ظننتك أيمن ابني .
فيبتسم ابتسامة خائف ، ويهرب إلى منزله مفزوعا .
وأبقى مدة في مكاني ألاحقه بنظراتي ، وأمسح دمعة أحسها تلسع خدي كجمرة كاوية .
عفوكم يا أبنائي ، فلن أبوسكم كل ليلة وأنتم تذهبون للنوم لن أرد على مشاغباتكم الحبيبه :
- تصبح على خير عمي الغول .
- تصبح على خير يا سيسبان .
- تصبح على خير عمي الثعبان .
- تصبحين على خير يا قطوسة .
- تصبح على خير عمي الصيد .
- تصبح على خير يا نسنوس .
وأرميهم بالقبلات ، بالحب ، بالحنان ، بالاطمئنان و بالأمل
قبل أن يناموا . وتقوم رفيقة ، فتضع فوق أجسامهم الطرية الفرش ، وتطفئ النور .وتقول لهم :
تصبحون على خير يا أولاد .
فيردون عليها :
تصبحين على خير يا عمتي الغولة
عوفكم يا أحبتي ، فها أنا بعيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييد عنكم . أبيع عقلي بالقليل لأشتري لكم سعادة تسع الدنيا وما فيها .
سأشتري لك يا ليلى دميتك .
زرت اليوم متاجر كثيرة ، فوجدت دمى غريبة . دمى تغمز وتتكلم تقول : أنا من كوريا ، لمن يلمسها . وغيرها تغني وتصفق وترقص رقصات هندية . وأخرى تشبهك يا ليلى .لها عينان سوداوان كالليل ، وشعر قصير وأنفك الأفطس . وضعتها فوق سريري ، وصرت كلما دخلت البيت سلمت عليها ، وحكيت لها عنك حتى صارت تعرفك وتعرف كل حكاياتك الصغيرة .
وعندما أغمض عيني لأنام ، أسمعها تقول :
- تصبح على خير يا عمي الغول .
فأرد على تحيتها :
- تصبحين على خير يا نسنوسة .
وأنت يا نبيل ، سآتيك بالقطار maide in Japan ،
فهنا يا ولدي اليابان حاضر في كل مكان من جليز المرحاض حتى غطاء الفراش ، ومن قطارك اللعبة حتى سيارة الكراون . انظر، مليا سترى داخل القاطرة رجلا صغيرا ، أصفر اللون بعينين صغيرتين حادتين لا تنامان أبدا . وفمه يشرب من آبار النفط مباشرة ، ولا يشبع .
- تصبح على خير يا سيسبان
- تصبح على خير يا عمي الغول .
- وأنت يا أيمن ماذا تريد ؟
- سلامتي .
- وماذا بعد السلامة ؟
- تريد مني أن أحرق آبار النفط ؟ لماذا يا ولدي
- حتى أعود إليكم .
سأعود يا ولدي . وسأحكي لك عن آبار البترول التي تتدفق سيارات ، طائرات ، لحوم خرفان مستورد من أستراليا والأرجنتين ، ذهبا بالأطنان يتحول قلائد للمومسات ، عمارات للنياكة مع غلمان الدنيا كلها ، حريرا هنديا ، ساعات سويسرية ، صفقات مشبوهة للرقيق الأبيض ، طيارات حربية خردة ، فيديوهات لا تصلح إلا لعرض أفلام السيكس ، بنادق تطلق للخلف ، كذبا ، وعودا بالنصر المؤزر الذي وعد به الله عباده ، كلاما عن القدس ، عن عروس المدائن ، عن البراق والإسراء والمعراج ، عن زناة الليل الذين صاروا يتفخذون نساءنا الثيبات فوق فرش الزوجية ويفتضون بكارات الصبايا ، والدم يسيل ، ولا من رأى ، ولا من سمع .
وتفففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففف فففففففففففففففففوه ...
على المليح قبل القبيح .
وتصبح على خير يا حبيبي .
وأنت يا رفيقة ، سأحمل لك قلادة من الذهب الخالص تزن قنطارا ونصف القنطار .
- أريدك أنت .
- وسيرة مرسديس بنز .
- أريدك أنت .
- ومنزلا فخما كمنازل سلاطين القسطنطينية .
- أريدك أنت .
وأصبحت أتقن كي القمصان ، وتحضير السلائط ، وطبخ الماكارونا بالطماطم ، وغسيل الثياب والملاعق والصحون
وصرت سيد الكذابين وزعيم المنافقين :
- صباح الخير يا أستاذ .
- صباح الخير يا طويل العمر .
- كيف ترى بلادنا أنت القادم من أوروبا ؟
- سيدي ، أنا لست أوروبيا وإن كنت كالإفرنج .
- ما قصدت ، فقد أردت أن أقول لك أنك كالفرنجة في زيهم على الأقل . ولكن اتركنا من هذا اللغط ولنعد إلى الحديث عن بلادنا . كيف تراها ؟
- هي أحلى من الجنة يا طويل العمر .
وأنسى العرق ، وشمس خط الاستواء ، ومرض الديزنطاريا ، وراتب " طويل العمر " الذي يفوق راتبي بأربع مرات ، وساعات عملي التي تفوق ساعات عمله بأربع مرات ، والازدراء الذي ينظر به الأهالي إلى لهجتي التونسية التي يقولون إنها كنباح الكلاب ، و " كيف حالك طال عمرك " التي أقولها كل صباح وأنا أوقع في دفتر الدوام ، وكؤوس الشاي الأحمر التي أشربها حتى أسكر ، وأكداس الأرز التي ترمى في طريقي ، وأطفال السودان الجوعى ينظرون إلينا من خلال بلور التلفزيون بعيون ملآى بالذباب الأخضر ، والجوع الأحمر ، والغضب الكافر ، وصاحبي يربت على بطنه ويصفق لهدف سجله مارادونا ، ويرقص للهدف الجميل ، ومذيع التلفزيون يحكي بصوت محايد عن تنفيذ حكم القص في يد سارق بنغالي ، وأطفال السودان يبكون ، الجوع الكافر ، خرج لنا الأطفال عبر شاشة التلفزيون وتحلقوا حولنا ، طردوا الذباب من على عيونهم فوقع فوق أرز " الكبسة " بخروفها المحشي جوزا ولوزا ومكسرات أخرى ، تجبر الذباب وتعملق حتى صار في حجم بني آدم ، تصوروا ذبابا برؤوس آدمية ، ذباب جالس على مؤخراته ويأكل من أرز " الكبسة " السلطانية .
- وكيف حالك يا طويل العمر ؟
- أكل الذباب الكبسة ، وسنجوع بقية العمر يا مغربي .

*****
عندما أدرت الشريط على وجهه الثاني ، غنت لي هيام يونس :
" طارت الطيارة * والحبايب طاروا
بعدت الطيارة * ومبعرف وين صاروا
وأنا أقول لك صرنا هنا ، يا أم العيون الكحيلة . على اليمين عرق رمل أكبر من جبل عرباط ، وعلى اليسار عرق رمل أعلى من نخلة والي الباي ، ومن الشرق رمل ، ومن الغرب رمل وحشرات سامة ، عقارب وأفاعي وهوام أخرى . وأنا وحدي في البت . وأساتذة المدرسة التي أعمل فيها عادوا إلى منازلهم ، إلى الحضن الدافىء ، والطعام الدافئ ، والسرير الذي يئز صبحا مساء .
وأنا وحدي .
يا وحدي .
ومديرنا له أربع نساء في البيت ، ويذهب في كل عطلة إلى كل أصقاع الدنيا . ينام مع المومسات ، ويسكر . يشرب الويسكي والعرق والفودكا وسيدي رايس و يدخن الحشيش والمارخوانا وينف ويلحس ما بين الفخذين ، ويبكي فوق النهود الطرية ، ووووووووووووووووووه ، يقول لي ، هل ذقت من نهود بنات عشر وثلاث يا مسكين ، ويصلي بنا في مسجد المدرسة الصلوات حاضرا ، ويذهب يوم الجمعة إلى المسجد الجامع ، ويدفع لقحاب أوروبا والفلبين وتايلندة وأثيوبيا شيكات بمئات الدولارات ، ويسرق من نصيبنا من ساعات التدارك التي يشارك فيها الأساتذة المتعاقدين فقط ، ويقرأ أخبار السلف الصالح ، ويعضنا بمناسبة وبدون مناسبة ، ويقول عنا نحن سكان شمل إفريقيا أننا بربر متفرنسون ، وأننا لا نحسن مخارج حروف العربية ، فأسبه في داخلي وأسب مخارجه ، فينظر في عيني وقد لسعه السب وهو يحرك حبات السبحة في يده ويسألني عن منتجعات مدينة " الحمامات " السياحية ، ويكثر من الأسئلة عن شواطئ العراة ، ويمني نفسه بزيارة هذه الشواطئ في العطلة القادمة ، ويمسد لحيته ويقول :
في تايلندة يمكنك شراء بنت بثمن دجاجة .
ويتلفن للخطوط الجوية لحجز مكان في الطائرة الذاهبة لأديس أبابا ، فقد اشتهرت نساء تلك البلدة في هذه الأيام وكثر الإقبال عليهن لجمالهن الفتان ولزهد ثمنهن .
ثم يقوم ، فيؤمنا في صلاة العصر ، ويقول عمن لا يصلي ( وهو ينظر باتجاهي ) بأنه كافر بإجماع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين .
*****
قالت رفيقة إنها تعد الأيام ، فقلت لها وأنا أعد الثواني .
فآه ، ثم آه يا بلدي . كم تصبح عزيزا عندما ينأى بنا السفر أراك في مثل وردة حمراء .
وردة أدسها في قلبي لترتوي من دمي .
وردة تكبر حتى تصبح في حجم الشمس .
فأقطف منها باقات على عد الأطفال القاصدين المدارس .
والعمال الذاهبين للمصانع .
أو الخارجين من الورشات .
أو الداخلين في جوف الأرض .
والنساء العاملات في حقول القمح .
والخادمات في منازل المرفهين .
أقطف من الشمس ورودا يفوح شذاها ، فيغطي على رائحة عرقهم وعرقهن الممزوج بالتراب والدخان والصديد والجوع والتعب ، وكلام الأسياد الجارح .
أعطي ورود الشمس للنساء في البيوت ، يستيقظن مع طلوع الشمس ، يحضرن الفطور للزوج ، ويغسلن الثياب ، ويرضعن الأطفال ، ويبكين الأموات ، ويزغردن في أفراح الأحباب ، ويمارسن الحب كارهات أو راغبات ، وينجبن البنين والبنات ، ويحلمن بالكسرة الهنية ، وبالبعل يعود سالما من العمل ، وبالولد ينجح في مدرسته ، وبأيام بيضاء
وبالسماء تمطرهن خيرا عميما .
*****
قالت : هذا كل ما عندي حكيته لك كما طلبت في الشريط السابق ( مع العلم أنني بعدما أطفئ أنوار البيت ، أضع الكاسات التي بعثت بها في الأسبوع الفارط في المسجل ، وأقضي الساعات الطوال في الاستماع إليك حتى يخيل إلي في بعض الأحيان أنك بجانبي ، فأطلب منك وأنا بين اليقظة والنوم أن تحمل لي كأس ماء أو تتفد الأولاد أو تطفئ النوء التي تركته مشتعلا في المطبخ .
قلت : مع السلامة . أنا في انتظار الشريط الذي سبعثين به من الآن . لا تنسي الأولاد ، اتركيهم يتكلمون على راحتهم ثم سلمي لي على أشجار الحديقة وعلى أزهارها وعلى كلبنا وعلى أحجار الشارع ...
ثم صرخت :
- تصبحين على خير يا عمتي الغولة .
فجاءني من بعيد صدى أصوات صغيرة بدأت خافتة ، ثم صارت تشتد إلى أن أصبحت أقوى من دوي الرعد :
- تصبح على خير يا عمي الغول .
وضعت إصبعي في أذني وجاريتهم في الصراخ :
- تصبحون على خير يا أولاد .
ثم خرجت من البيت .
وقفت في وسط الشارع وكورت يدي أمام فمي وصحت :
- تصبحون على خير يا أولاد .
تصبحون على خييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرررر.
وعدت أردد هذا الصراخ مرة كل دقيقة .
اشتعلت الأضواء في العمارات التي على يميني والتي على يساري .
واشتعل القمر في السماء .
ورأيت من بعيد سيارة سوداء ... كانت أضواؤها الحمراء تشتعل وتنطفئ .
وكنت أصرخ وسط الشارع :
- تصبحون على خيييييييييييييييييييييير يا أولاددددددددددد ...

dargouthibahi@yahoo.fr[/color:7ec7ed6035][/size:7ec7ed6035]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:05 AM
الليلة الثانية بعد الألف- قصة قصيرة -ابراهيم درغوثي تونس
07-04-2007, 02:32 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=13028


[size=18:6bf54cf0a6][color=red:6bf54cf0a6]الليلة الثانية بعد الألف
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس

جاء رئيس حرس القصر يجري .
وجرت معه السواري .
وجرت معه الزرابي المفروشة على الأرض .
وجرى العرق .
وجرت رائحة إبطيه .
وجرى معه الخبر .

*****
دق الباب .
دق الباب دقات خفيفة .
دق الباب بأدب .
دق الباب .
باب مقصورة الملك شهريار .
دق الباب ووقف في وضعية / سلام خذ .

*****
خرج له الحارس .
حارس مقصورة الملك شهريار .
خرج شاهرا سيفه .
رأى حارس مقصورة الملك رئيس الحرس يرتعش .
ورأى على وجهه صفرة الأموات .
خاف حارس مقصورة الملك عندما قال له رئيس حرس القصر :
قل لسيدي السلطان أن يهرب

*****
ماذا ؟ قال حارس المقصورة
عن السلطان أن يهرب .
سيدي
السلطان
يهرب .
نعم ، قل لسيدي السلطان أن يهرب عن طريق السرداب .
قل له : كل الأبواب الأخرى موصدة .
والقصر محاصر .
والعامة .
والسراق .
والعياق
والعيارون .
وسكان الأحواز .
والعبيد .
والأعراب .
و ...
يريدون لعب الصولجان برأسك .
*****
وانسحب رئيس حرس القصر .
أدى التحية لحارس مقصورة الملك شهريار ، وانسحب .
خبط حذاءه المصنوع من جلد بقر الولايات المتحدة الأمريكية ، وانسحب .
مسح العرق من فوق النياشين وانسحب .
ولم يجرؤ حارس المقصورة على الدخول على الملك .
الملك شهريار .
ملك البرين وخاقان البحرين .
سيد العرب والعجم والروم والبربر .
الملك الذي :
أتته الخلافة منقادة * إليه تجرجرأذيالها
فلم تك تصلح إلا له * ولم يك يصلح إلا لها .

****
وحار حارس المقصورة في أمره .
والسلطان علمه ألا يقطع خلواته ولو انطبقت السماء على الأرض ..
وأعلن الروس الحرب على أمريكا .
وغزا ياجوج وماجوج البر والبحر .
وحار حارس المقصورة في أمره .
تلمس رقبته .
أحس بحد السيف باردا فوقها .
ورأى الدم يسيل فوق النياشين .
مسح الدم من على النياشين .
ومسح العرق البارد من على جبينه .
وخطا خطوتين نحو الباب .
باب مقصورة الملك .
جاءته قهقهات السلطان ممزوجة برائحة الصهباء .
وجاءته ضحكات شهرزاد .
وغمرته روائح البخور والند والعود .
وأصاخ السمع .
هنا خطوات تقترب .
وهناك خطوات أخرى تقترب .
وتقترب الخطوات أكثر فأكثر .
ثم ينفتح الباب .
فتح جندي باب القصر وقدم له ورقة .
لم يضرب له الجندي ، سلام خد ، حين قدم الورقة .
ولم يضرب له ، سلام خذ ، حين غادر المكان .

*****
فتح الحارس الورقة .
قرأ : بيان من جبهة الإنقاذ الوطني .
باسم الشعب ، نعلن خلع الملك شهريار ، ونطلب من كافة حرس القصر تسليم أسلحتهم للجبهة ، ومساعدتنا على إلقاء القبض على الملك المخلوع . وكل من يخالف هذه الأوامر يعرض نفسه للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى ، ويعدم رميا بالرصاص .
( ملحوظة للقارئ : الرصاص في صورته الحالية ، لم يكن معروفا زمن الملك شهريار وربما يراد بالإعدام شنقا حتى الموت وإنما ذكر الرصاص إما سهوا أو استباقا للزمن . والله أعلم . )

*****
قرأ الحارس البيان مرة ثانية ...
وثالثة ...
ورابعة ...
ولم يعرف ماذا يفعل .
هم بخلع الباب .
أمسك بقبضة السيف وهم بخلع الباب .
لكنه تراجع في آخر لحظة .
هل هي مكيدة ؟
هل يريد السلطان اختباري ؟
ربما أراد السلطان معرفة مدى اندفاعك في الذود عن حياته .
وربما ...
وربما ...
وربما ...
فلا تغامر يا ابن الكلب ، وكن حذرا حتى لا تفقد رأسك . فما أسهل أن تأمر السلاطين بضرب رؤوس العامة .
وتبادر إلى ذهنه ما قالته زوجته البارحة بعد أن عادت من الأسواق .
زوجته قالت له إنها سمعت أكثر من واحد يقول إن السلطان لم يعد يهمه أمرهم .
فهو يسهر الليل .
يسهر الليل بطوله .
يسهر الليل بطوله يستمع إلى حكايات شهرزاد .
ولا يفيق من النوم إلا ليأكل أو ليذهب إلى الكنيف .
وتذكر أيضا ما قاله رئيس الحرس .
قال رئيس الحرس :
إن أعوان أمن السلطنة وسلطانها ، ضبطوا مناشير تحرض على الصراع الطبقي وتثلب السلطان وأرباب الدولة والوزراء .
واتهم – الشيوعيين – عفوا أقصد القرامطة .
قال إنهم رأس الفتنة هؤلاء القرامطة .
وشن حملة على الأحياء الفقيرة .
فشنق مجموعة من الرجال .
وعلقهم على أسوار المدينة .
وصلب مجموعة أخرى على الأبواب .
وبقر البطون .
وبتر الأطراف .
وهدم الدور
واغتصب الجند العذارى .
ونكل ، حتى يتعظ الآخرون ...

*****
وخطا حارس المقصورة خطوة نحو الباب .
لماذا لا أقتله أنا ؟
لماذا لا أقتل شهريار ؟
وراقت له الفكرة .
وصك أذنيه صوت السلطان الثمل :
- احك يا شهرزاد قبل صياح الديك .
- احك يا شهرزاد بعد صياح الديك .
- احك ولا يهمك ، فأنا سلطان الديكة .
وسلطان أصحابها .
لماذا لا أقتل شهريار بسيفي هذا ؟
وأقطع رقبته .
وأرمي برأسه للثائرين .
وغمرته روائح البخور
ودقات الدفوف .
وأصوات الغناء .
لماذا لا أقتل شهريار ؟
وأنصب نفسي شهريارا جديدا ؟

*****
واقتحم الحارس المقصورة .
وأفرغ رصاص بندقيته الآلية في رأس شهريار.
قلت بندقية آلية فلا تنزعجوا من هذا الخلط في استعمال آلات القتل ) )
ثم مسكه من لحيته المعطرة بالطيب
وذبحه من الوريد إلى الوريد .
ورمى بالرأس للثائرين وراء الأسوار .
فتفرقوا ...
ماذا قلت ؟
هل قلت : الثائرون تفرقوا ؟
نعم يا سيدي .
داسوا على الرأس بأحذيتهم ، وتفرقوا ...

*****
وجلس شهريار الجديد على كرسي السلطنة .
نادى شهرزاد .
شهرزاد الليالي .
شهرزاد التي لا تموت .
وطلب منها أن تحكي له .
قال :
- احكي يا شهرزاد ، ألف ليلة وليلة ...
عفوا ، ألف عام وعام ...

dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi[/color:6bf54cf0a6][/size:6bf54cf0a6]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:06 AM
البنغالي - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
17-04-2007, 06:17 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=13449




[size=18:8e9e8b8280][color=darkblue:8e9e8b8280]البنغالي
قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي / تونس

دخل ورائي مباشرة إلى غرفة النوم في مستشفى الملك فيصل بالطائف . رأيته يحمل بين يديه ثوب النوم الخاص بالمستشفى . حين جلست على حافة السرير قدم لي الثوب وهو يسألني : رفيق ، هل أنت مصري ؟
رددت على سؤاله و أحزان الدنيا كلها تخرج من بين شفتي: لا ، أنا تونسي .
رأيت حيرة في عينيه، وسمعته يردد: تونسي، أكثر من مرة. ثم كمن تذكر شيئا يعرفه وغاب عن ذهنه صاح : في شمال إفريقيا .
فابتسمت له دون كلام .
وعدت إلى أحزاني ومرضي وغربتي ، فتساقطت دموعي على الخد ، ثم أجهشت بالبكاء .
عندما فتحت عيني رأيته جالسا على السرير المقابل لسريري . كان يمسح دموعه بكفيه ...
ولم أدر إن كان يبكي غربتي أم غربته ...
[/color:8e9e8b8280][/size:8e9e8b8280]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:09 AM
الشهيد قصة قصيرة جدا ابراهيم درغوثي تونس
28-04-2007, 10:20 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=13911


[size=18:94e1979f2c][color=red:94e1979f2c]الشهيد
قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي / تونس

وأنا أدخل باب الجبانة واجهتني الحفرة كجرح نازف منذ بدء الخليقة ،
فذهبت أسأل حارس المقبرة عمن نبش هذا القبر .
قال إن رجالا مهمين جاءوا منذ يومين يجمعون بقية عظام شهداء الثورة ليدفنوها في مقبرة الاستقلال.
فقلت له إن هذا قبر الحركي الذي دل جيش فرنسا على مكان اجتماع الثوار فهاجموهم على حين غرة وقتلوا هذا الذي مازال راقدا هنا تحت التراب بينما فر بقية رفاقه تحت جنح الظلام .
قال : تشابهت علي القبور فأشرت عليهم بهذا ، وأشار إلى الحفرة التي حوت قبر الرجل الذي عاد الثوار فذبحوه بعدما غادر جيش فرنسا الحي
وقال : لقد ضرب له ضابط ، سلام تعظيم ، بعدما غلفوا الصندوق الذي حوى رفاته بعلم الوطن .
نظرت إلى قبر الشهيد الراقد في جبانة الغرباء و ابتلعت لساني .[/color:94e1979f2c][/size:94e1979f2c]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:11 AM
حكاية الصياد الذي مازال يبحث عن حوي يونس - قصة للدرغوثي
06-05-2007, 08:14 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=14319


[size=18:1f7215e2d5][color=darkblue:1f7215e2d5]حكاية الصياد الذي مازال يبحث
عن حوت يونس .
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

ها أنا أرى السماء تلامس الماء ، فتتحدان في نقطة واحدة . والسمك الصغير يحوم حول السفينة ويقول خذوني . وماء البحر يغري العطشان :
-ا شرب ولا تخف ، فالموت واحد ، والرب واحد ، ولن تعيش يوما أطول من عمرك .
اشرب ولا تخف .
وأشرب رشفة ، فأتفلها بسرعة قبل أن تزيد إيلاما لحلقي المجروح .
أتفل الماء المالح ، وأتفل وراءه قلبي .
وأرى السحب تتزاوج فوقي ، في فضاء الرب الواسع ، فأصبر نفسي وأعللها :
عللاني فإن بيض الأماني فنيت والزمان ليس بفاني .
إن تناسيتما وداد قوم ، فاجعلاني من بعض من تذكران .
وأحاول عقلي عله يسعفني بقائل هذا الشعر .
وأنسى بعد قليل هذا الموضوع لأعود إلى جسدي المتيبس كجذع نخلة خاوية . وأعود إلى صاحبي أبحث فيه عن بقية حياة .
كنت قلت له عندما رأيته يهم بالشرب من اليم :
- ما أكبر غباءك يا صاحبي . تداوي العطش بماء البحر . وكان يرفع عينيه الذابلتين من التعب والسهاد ، ويقول :
- ما أكبر صبرك أيها الجمل .
وازدادت السحب التصاقا بعضها ببعض كقطيع غنم داهمه الذئب . وبدأ المطر في الهطول ، فنزعت قميصي ورفعته في الفضاء ، ما بين السماء والبحر . وقلت للماء المنهمر : - تعال بللني . بلل ردائي . بلل شعر رأسي . اطفئ النار المشتعلة في قلبي . اطفأني .
ورقصت وأنا ألوح للمطر بالرداء ، فرقصت السفينة . ورقصت الحيتان . ورقصت عرائس البحر .و رأيت صاحبي الممدد على ظهره فوق الخشب المبلول بالماء يفتح عينيه وينادي :
- اعطني كأس ماء بارد .
فرأيتني أفتح باب الثلاجة . وأختار له من بين القوارير الأبرد ، فأمزج ماءها بعطر الزهر وأسقيه حتى الارتواء .
وأعود إلى قميصي أصطاد به قطرات المطر الهاربة في كل الاتجاهات .

*****
خمسة أيام ونحن هنا ، مابين الماء والماء .
خمسة أيام ونحن نبحث عن رحمة الرب .
اعطنا يدك يا رب البحار والمحيطات والسمك المشوي والمجمد في كل برادات العالم .
ولكن هل يسمع رب البحار نداء بحارته ؟
ترى هل يسمع ؟
ترى هل يسمع نداء محرك السفينة المعطبة الضائعة وسط اليم ؟
هل تسمع يا رب يونس نداء جوعاك وسط هذه الصحراء الزرقاء وهم يأكلون السمك نيئا ويشربون الملح ؟
قلت لصاحبي :
- ارشف من الماء قليلا قليلا .
فرد على هذا النصح المر :
- ما أعظم صبرك أيها الجمل .
وواصلنا النداء لرب يونس لعل رحمته تطل علينا . ظللنا ننادي وننادي إلى أن استجابت السماء لندائنا بحوامة تطوف فوقنا . فنزعنا ملابسنا ولوحنا بها . لوحنا بالقمصان وبالسراويل وبالملابس الداخلية . ونادينا بأصواتنا حتى بحت . نادينا رب الطوافة ، ورب رب الطوافة ، ورب السماوات السبع ، ورب بحار العالم . ولم ترنا الطوافة . ولم يرنا رب الطوافة . ولم يرنا رب رب الطوافة . ولم يرنا رب البحار السبعة . فسقط صاحبي على ركبتيه وبكى .
قلت له :
- عوض البكاء ، ادع ربك يبعث لنا بحوت يونس ، أنت أيها الكظيم .
فقال :
- عندما أموت ، اذبحني بسكين حادة من الوريد إلى الوريد وتأكد من أن عنقي مقطوع . فأنا أخاف أن أستيقظ فأجدني في جوف الحوت . وما أنا بنبي .
وضعت يدي على رأسه المحموم فأخرج من جيبه سكينا تقطع الحديد ، وأعاد القول :
- اذبحني بهذه السكين يا صاحبي .
فعدت للحديث عن يونس وحوته :
- أما تأمل في الحوت أنت أيها البحار الذي ظل عن طريق الجامعة ، ودروس الحضارة وتاريخ المنمنمات واهتدى إلى أبواب الموانئ يبحث عن رزقه فوق ظهر الحوت ؟
قال :
- لقد نفق حوت يونس ، فلا توجع القلب الوجيع يا صاحبي ، وهاك السكين .

*****

عندما ابتل القميص بماء المطر ، عصرته في فمي ، فأحسست بطعم العرق في حلقي . ومررت القميص المبلول على شفتي صاحبي فخيل إلي أنه يلعق بلسانه البلل . فقلت له :
- لم تصبر بما فيه الكفاية يا صاحبي . ها رب يونس يرسل علينا السماء مدرارا . ولكنك مت وملء جوفك البحر .
فقال :
- ما أكبر صبرك أيها الجمل .

*****
كان ماء البحر يقتل صاحبي .
والشمس الحارقة تقتل صاحبي .
وأبواب الجامعة التي أعطته شهادة بيضاء تقتل صاحبي .
والحوامة العمياء التي طارت فوق رأسينا ولم يرنا ربها تقتل صاحبي .
وسماسرة الميناء يقتلون صاحبي .
وأكداس السمك التي تعود وسط صناديق الثلج إلى جوف البحر تقتل صاحبي .
وتلويحة الحبيبة وقت الذهاب إلى البحر تقتل صاحبي .
وارتعاشة الحب فوق السرير تقتل صاحبي .
وحوت يونس يقتل صاحبي .
واذكر في الكتاب يونس إذ نادى ربه وهو كضيم يقتل صاحبي .
وسمسار السمك المربع الشكل وهو يقلب الصناديق باشمئزاز ليبخس حقها يقتل صاحبي .
وكيلو السمك الذي نبيعه في الميناء بمليمات ونراه في الشادر معروضا بعشرة دنانير يقتل صاحبي .
وحوت يونس انقرض بعدما علب لحمه سماسرة البحار وباعوه للكلاب المدللة في الشقق الفاخرة .
فامتلأ جوف صاحبي بالماء المالح .
صاحبي الذي ظل يردد في وهن :
- أنت أيها الصابر كجمل . لا تنسى ، اذبحني من الوريد إلى الوريد . فكثير على سماسرة الميناء أن يأكلوا لحمي الموزع على سمك البحار والمحيطات ، وأنا أنظر إلى موائدهم من أعلى عليين .
ويصمت صاحبي فيتكدس السمك فوق الطاولات .
السمك المقلي ، والسمك المشوي ، والسمك المحمر ، والسمك المعلب مع صلصة الطماطم والمعد للتصدير إلى موانئ المدن البعيدة . وسمك التونة السمين ، وسمك السردين المغناج ، وسمك البوري و......
وسمك القرش الذي يأكل التونة .
والتونة التي تأكل البوري .
والبوري الذي يأكل السردين .
والسردين الكبير الذي يأكل السردين الصغير .
وحوت يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأك..............................كل .................................................. .................................................. ............................حو.................... .................................................. ............................تا ..يأك............................................. ....................................
وسماسرة الميناء يأكلون أصحاب سفن الصيد .
وأصحاب سفن الصيد يأكلون البحارة .
والبحارة يرمون بالحوت في البحر . والبحر لا يقبل بالحوت الميت ، فيرمي به إلى الشاطئ . والحوت الميت يتدكس :
كدسا
فوق
كدس . كدس .
كدسا
فوق فوق
كدس . كدس . كدس .
كدسا
فوق . فوق
كدس . كدس . كدس
كدسا
فوق ،فوق
كدس . كدس . كدس . كدس .
وطيور البحر تأكل من الحوت الميت .
تأكل
تأكل ، تأكل ، تأكل ،
تأكل ، تأكل ، تأكل ، تأكل ، تأكل
تأكل ، تأكل ، تأكل ،
تأكل ، تأكل ،
تأكل
ت
أ
ك
ل
فتموت .
وتتكدس
فوق
أكداس
الحوت .
ويمتلئ العالم برائحة الجيف .
فيستفيق صاحبي من موته .
وتقوم قيامته .
فيجمع السمك ، وينفخ فيه من روحه .
وينادي :
يا يونس .
أدع ربك ، لعل وعسى ...
وأسأله كيف عدت إلى عالم الناس يا صاحبي ؟
فيقول :
ما أكبر صبرك أيها الجمل .

*****
مات صاحبي في اليوم الرابع من تقويم ضياعنا في البحر .أغمض عينيه ونام .
عندما ناديته :
- استفق أيها الميت . أما تأمل بحوت يونس ؟
قال :
لا أظن . فيونس كره البحر ورائحة البحر وظلام جوف الحوت .
اذبحني يا صاحبي من الوريد إلى الوريد ، ولا ترم بالسكين في البحر . قد تحتاجها . فلا ترم بها للحيتان .
فوضعت السكين تحت رأسي ونمت بجانبه .
وجاء حوت يونس وأنا نائم ...

*****
عندما فتحت عيني رأيت أطباء وممرضين حولي . كانت صورهم كالضباب . وسمعتهم يرطنون بلغة غير لغة أهل الجنة ...


dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/

































[/color:1f7215e2d5][/size:1f7215e2d5]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:12 AM
المائدة - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
11-05-2007, 08:21 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=14533


[size=18:d8d2c1cc5a][color=black:d8d2c1cc5a]المائدة
قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي

عندما يبدأ المؤذن في ترديد : الصلاة خير من النوم يا عباد الله ، تنفض عن وجهها النوم وتقوم واقفة . تغتسل وتصلي ، ثم تذهب إلى المطبخ فتعد له قهوة الصباح وتبدأ في تسخين الماء الذي سيغتسل به بعد عودته من وردية الليل داخل منجم الفسفاط .
عند الساعة السادسة تكون قد انتهت من أشغالها فتبدأ في إعداد المائدة تختار فناجين القهوة وتحرس دائما على أن يكون البراد نظيفا يلمع ببريق يخطف الأبصار. ثم تذهب إلى الحمام فتستعرض المنشفة و الغسول والصابون وترمق البخار المتصاعد من سطل الماء الساخن فيفتر ثغرها عن ابتسامة رضاء.
بعدها تعود للجلوس أمام المائدة إلى أن تعوي صافرة المنجم منادية فريق عمل الصباح فتقوم تفتح الباب للقادم من جوف الجبل.
هذا القادم الذي نسي طريق العودة ...[/color:d8d2c1cc5a][/size:d8d2c1cc5a]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:13 AM
غربة - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي - نومس
28-05-2007, 09:49 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=15257


غربة
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس

خرجنا من المدرسة والشمس تلهث في السماء التي تحول لونها إلى الأزرق الباهت . والإسفلت ، ذاب وسال على جانبي الطريق . والعرق تخلل الثياب . وسيارات المازدا والنيسان وامازدا والكريسيدا والكرونا تمرق من أمامنا كالعفاريت المهتاجة ، وتختفي في غمضة عين .
وكنا وحيدين في الشارع الطويل .
قال : سنرتاح حين نصل المنزل .
قلت : كيف ؟ وأمامنا الطبيخ وإحضار الغداء ؟
أردت أن أواصل الحديث ، إلا أن جملته الأخيرة أوقفتني . فقد صار يهذي بكلام المجانين منذ أيام . وكنت أجاريه في كل مرة حتى لا يغضب .
البارحة مثلا ، قبل النوم ، دخلت غرفته فوجدت بين يديه مجموعة كبيرة من المجلات ، مجلات نسائية في أغلبها . وكان يختار صور النساء الجميلات . صور عارضات الأزياء وممثلات السينما . وكان يقصها بأنات وحذق .
قال : حتى لا أخدش ساقا أوصدرا ، فيسيل الدم وتتألم هذه الملائكة .
في الصباح ، وجدته قد غطى كل جدران البيت بنبيلة عبيد وشريهان والهام شاهين وليلى علوي .
حدثني عنهن بصوت خافت يكاد لا يسمع .
قال : حتى لا يذهب عنهن النوم ، فقد بت الليلة معهن في كلام وسلام إلى أن طلع الصباح ، فسكتنا عن الكلام المباح .
في الطريق إلى المدرسة ، همس في أذني : لن نتعب هذا اليوم عند الغداء . لقد وعدتني البارحة الهام شاهين بمائدة من موائد ملوك الحيرة .
ولم أرد عليه ، فقد أصبت بأرق بسبب ضحكه العالي ، وصوت مكيف الهواء ، وضجيج المسجل والتلفزيون .
حين وصلنا أمام البيت ، وضعت المفتاح في القفل ، ودفعت الباب . وقفت مشدوها في العتبة ، فقد شممت رائحة الشواء ، وسمعت خبطا على أواني الأكل في المطبخ ...

محمد رشدي
23-12-2011, 08:14 AM
الارانب لا تبكي موتاها - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي - تونس
12-06-2007, 10:30 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=16106


hلأرانب لا تبكي موتاها .
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس


اليوم الأول

في الصباح باكرا :
في غفلة من الشمس ، غادرت الأرانب الجحر .
أولا ، خرج الأرنب الأسود ، الشرس ، المرقط بالأبيض .
اندفع من باب الجحر المحفور بعناية تحت زيتونة ، في جانب الوادي . قفز عاليا ، وغاب وراء الهضبة .
تبعه الأرنب الرصاصي وجلا . تشمم وجه الهواء الطري . عطس . التفت يمنة . التفت يسرة ، وغاب وسط الدغل .
جاء الأرنب البني ثالثا . وقف برهة في باب الجحر . هز رأسه ، وسلم على الشمس الكبيرة ، وقفز وراء الأرنب الرصاصي .
في المساء :
والشمس الثقيلة تختفي وراء الجبل ، أطل الأرنب الأسود من وراء صخرة ، ثم خفيفا قفز داخل الجحر . بعد دقيقة وصل ، وصل الرصاصي فطنا يقظان النظرة ، إلا أن خطوه كان ثقيلا بعض الشيء . دس رأسه في باب الجحر ،، وغاب في الظلام .
قفز الأرنب البني كالطيف وراء الرصاصي .
وهدأت الحركة أمام جحر الأرانب .

بعد ثلاثة أيام :
صباحا :
كان الأرنب الأسود أول من أطل من الباب .
جاء بعده الرصاصي .
ثم البني .
حين وصلت الشمس صرة السماء ، انهمر الصاص على الأرانب .
وأظلم وجه السماء .

مساء :
قفز الأرنب الأسود داخل الجحر .
بعد دقيقة لحق به البني مهزوز الخطو ، يكاد يخئ الباب .

بعد أسبوع :
في المساء الساكن كمقبرة مهجورة ، عاد الأرنب الأسود وحيدا الى الجحر

بعد عشرة أيام
غابت الشمس الذابلة ، ولم يطرق باب الجحر طارق .

بعد أسبوعين :
صباحا :
أطل من باب الجحر أرنب أسود مرقط بالأبيض .
جاء وراءه أرنب رصاصي .
ثم تبعهما البني .
تشممت الأرانب العشب النابت أمام الجحر ، ولحست الطل من على الأزهار التي استيقظت لتوها ، ثم قفزت ، وغابت وراء الهضبة .
كانت الأرانب الثلاثة صغيرة .أكبر بقليل من فأر المنزل .
نطت خفيفة هنا وهناك داخل الحقل الفسيح . ثم ، وكأن تعب الدنيا كلها حط عليها ، فاقتربت من بعضها ، ونامت تحت ظل شجرة زيتون .

في المساء :
عادت الأرانب إلى الجحر .
دخل الأرنب الأسود أولا ،
ثم تبعه الرصاصي ،
فالبني .
وهبط الليل على الربوة . وازدان وجه السماء بنور القمر ...

محمد رشدي
23-12-2011, 08:20 AM
تحت الشمس - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
16-06-2007, 06:18 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=16295


[size=18:1ae4c347af][color=black:1ae4c347af]تحت الشمس

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس

البنت الصغيرة التي خرجت لتوها من البحر نثرت عليه قطرات ماء حين نفضت شعرها الطويل ، فمد يديه يبحث عنها لكنها ضاعت في كل الاتجاهات ، واختبأت وراء ضحكتها المشاغبة .

*****

الرجل الذي جاء الى الشاطئ مسحوبا من أنفه كما تسحب الثيران ، اقتلع شمسيته ، وطلب من زوجته أن تلحق به تحت جدار الكورنيش .
قال لها : ذاك الرجل الجالس وراءنا ، رأيته يلحس صدرك بنهم ، ولم يخجل حين وقعت عيني في عينيه مباشرة .

*****

لم ير العلم الأسود الذي كان يرفرف عاليا على السارية الطويلة ، فهمس لنفسه : ما أجمل هدوء البحر هذا اليوم .

*****
الشبان الذين كانوا يلعبون الكرة على الرمل ، أصابتهم الحيرة حين جلس وسط ملعبهم . ولم يقل شيئا عندما تناوشته الأرجل من كل مكان ، فغادروا إلى جهة أخرى ضاجين بالضحك .


*****
صفير الشرطي المكلف بحراسة الشاطئ جعله يفقد أعصابه ، ويصيح في وجه السماء : لماذا لا يكف هؤلاء الأطفال عن الصفير ؟ هل تحول الشاطئ الى ملعب كرة قدم ؟

*****
وطرب لخشخشة الرمل تحت زفير الأمواج المرتدة إلى الأعماق ، فأغفى تحت الشمسية المزركشة بأريج الربيع ، ونام ...
عندما أفاق ، قام خفيفا . خفت أن يدوس ظل شمسية في اندفاعه المجنون نحو الأمواج ، فأعطيته يدي ، ومشيت أمامه وسط غابة الأرجل الكثيفة وصياح لاعبي الكرة وصفير أعوان الحماية المدنية وهمس العشاق والضحكات المرشوشة بماء البحر ... [/color:1ae4c347af][/size:1ae4c347af]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:21 AM
كأس شاي أخضر بالنعناع ق ق جدا - ابراهيم درغوث
23-06-2007, 05:54 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=16676


كأس شاي أخضر بالنعناع
قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي / تونس

أعرف أنك تحب الشاي الأخضر والخمرة والنساء .
تحب الشاي الأخضر بالنعناع . تشرب منه كل يوم ما يغرق بارجة حربية .
وتحب البيرة . " هات عشرة " تقول للنادل . لا ترضيك واحدة أمامك ولا اثنتان. تضع القوارير فوق الطاولة . تلمسها . تحنو عليها . ما أبردها ، تقول لنفسك ولأصحابك . وتفرح كطفل اصطاد عصفوره الأول .
وتحب النساء .
تحب السمراوات ، عيون البقر .

ها أنا جئتك اليوم بكأس شاي أخضر بالنعناع . كأس سخن يتطاير بخاره في الهواء .
وجئتك بالبيرة المثلجة . بيرة يقطر عرقها على الأرض .
ولم تقبل النساء المجيء معي .
كلهن خفن منك ورفضن المجيء عندك رغم أوراق المال التي أغريتهن بها .
ألم تر كيف صرت تخيف النساء يا صاحبي ؟
تخيفهن وكأنك غول من غيلان الخرافات .
تفو ... على هذه الدنيا العاهرة .
خذ الكأس .
خذ أشرب منه وحدك حتى الارتواء .
وخذ قوارير البيرة . خذها ولا تقبل نديما يشاركك الشرب .
عندما رأيت كفه مصورة على زجاج القوارير المثلج ، توقفت عن الحديث .
رأيته يطل من بين القوارير ، فتركت له الكأس والبيرة .
وتركت قلبي فوق القبر .
وذهبت ...
عندما وصلت قرب باب الجبانة ، رأيته جالسا فوق القبر يشرب البيرة .
قلت والفرحة تهزني هزا : هي القيامة إذن .
وعدوت نحوه .
وجدت كأس البيرة ملآنا للنصف .
ورأيت أوراق النعناع الذابلة ترتعش وسط كأس الشاي .

محمد رشدي
23-12-2011, 08:24 AM
طلاق - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
04-07-2007, 11:22 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=17196


طلاق

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي / تونس

قال القاضي للرجل والمرأة الجالسين قدامه :
- أرجو أن تحزما أمركما ، فهذه جلسة الصلح الأخيرة ، واعلما أن أبغض الحلال عند الله الطلاق .
قال :
- سيدي القاضي ، انه من فضلك هذا الموضوع حالا ، وسأدفع لهذه المرأة بائنة كبيرة على أن تترك لي تربية الأولاد . سيدي هذه كارثة سلطها الرب على عبده الضعيف .
قالت :
- عفوا سيدي القاضي . أنا أرفض بائنته الكبيرة ، ولن يجمعني معه بعد اليوم سقف واحد . فقط سيدي الكريم أريد أن يعرف القاصي والداني كذبه في العشق . انه لم يكن في يوم من الأيام صادقا. هذا الرجل يخونني كلما التفت .
انه يا سيدي شاعر . وهل يصدق الشعراء يا سيدي القاضي ؟
انه يا سيدي عذابي في الدنيا الفانية ، ولست أدري بماذا سأعذب في الآخرة ؟
هل هناك ما هو أسوأ من عشرة هذا الرجل ؟
في الغد ، نشرت كل الجرائد المكتوبة خبرا عن طلاق القرن ، وزينت صفحاتها بصورتي : جميل وبثينة .

محمد رشدي
23-12-2011, 08:25 AM
المغتي / مرة أخرى - قصة قصيرة لابراهيم درغوثي
09-07-2007, 06:38 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=17441


[size=18][color=red:5ad7e4ca43]

وأنا أتجول في ركن القصة اليوم وجدت هذا النص الذي نشرته هنا في بداياتي بهذا المنتدى
ورأيت أنه لم يجلب الانتباه
ربما لطوله
فقط ما أريد قوله للأحباب
أن من سيقرأه هذه المرة
لن يندم
فهو من النصوص التي أفتخر بأنني كتبتها [/color:5ad7e4ca43][/size:5ad7e4ca43]

[size=18:5ad7e4ca43][color=black:5ad7e4ca43]

المغني

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس


» اِقْرأ يا » حمّة « بصوت خافت. لا تغنّي يا ولدي ! ورتّل القرآن ترتيلا ! «
ظلّ المؤدّب يردّد هذه اللاّزمة كلّما علا صوتي في الجامع الكبير. يردّدها لنفسه وللعالَمين. ويستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم همْسا وجهْرا وَيُهمهم :
- في صوت هذا الولد غواية ! والعاقبة للمتّقين !
وما كنت أعرف الفرق بين الغناء والتّرتيل. الكلّ عندي سواء !
المهمّ أن تخرج الحروف والكلمات من حلقي حُلوة منغّمة، أطرب لها ويطرب لها أصحابي تلاميذ مجالس حفظ القرآن في مساجد الجريد.
أنطلقُ في القراءة فيكفّ الجميع عن الكلام، ويصمت المؤدّب أيضا ويكفّ عن الضّرب بعصاه على الألواح والجدران.
وينطلق صوتي رخيما، عذبا، يعبر الأزمان والأمكنة، فتخرج النّساء من منازلهنّ ويقفن أمام باب »الخُلوة« التّي كنّا نحفظ فيها القرآن. يقفن تحت لهب الشّمس وصهد » الشّهيلي « وكأنّهنّ خارج الوعي بالموجدات الحسيّة. وتعتريهنّ حالات من الوجْد فيبكين، ويتوجّعن أو يطوّحن بالشّعر في كلّ الاتجاهات أو ينحْن أو يغنّين ورائي. يردّدن الآيات بأصواتهنّ الرّخيمة إلى أن ينادي المنادي لصلاة العصر، فيعدْن لمنازلهنّ، ويقفن أمام الأبواب وَجِلات كطيور الحجل، يَرْقُبن بشغف خبط عصاي على حجارة الحيطان فيعطينني هدايا صغيرة : قطع نقديّة مثقوبة من الوسط، وحبّات حمّص مُملّح، وكسرة خبز، وقطعة من جبن الماعز اليابس وشربة ماء باردة من سِماط يتدلّى على كتف عجوز أقسمت برحمة العزيز أن تسقي كلّ يوم سِرْب طيور الجنّة الحافظين في صدورهم كلام الربّ .
ظللت أقرأ القرآن . أرتّله للمؤدّب وأغنّيه للنّساء إلى أن حفظت الستّين ولم أبلغ الخامسة عشرة من عمري فقال لي المُقرئ يوم « الِختمة »* :
- الآن أتمّ عليك الربّ نعمته فغادرْ هذا المكان يا ولدي وابحثْ لك عن طريق أخرى توصلك إلى وجه الله !
وعرفت طريقي .
هِمت في دروب الصّحراء . أخرج كلّ صباح بعد صلاة الصّبح أطرق أبوب المجدبة الكبرى . دليلي قلب تسْطع منه أضواء تقود خطاي إلى ظِلّ أشجار الطّلح والنّخيل . أتدبّر طعامي وشرابي من رُعيان الماعز والبُعران . أكرّر السّور صبْحا ومساء حتّى لا أنساها فينطفئ في قلبي النّور الذّي يهديني سواء السّبيل. وأغنّي ليلا في أعراس البادية. أغنّي للمخمورين والمجانين فتنفتح في وجهي أبواب السّماء.
في الخريف أوصلني أبي إلى جامع الفرْكوس(1). أجلسني جانب سارية وذهب. لم أتألّم كثيرا لضياع خطاه وراء الباب. ولم أتألّم لأنّ أمّي لم تدسّ في زوّادتي جبن الماعز. ولكنّني تألّمت لأنّني سأفقد همس المجانين في أذني، وصرير الجنادب، وثغاء الجديان، ونكت الهميان .
وجاء رجل بعد صلاة العشاء إلى ساريتي، طلبني، فقمت أسعى وراءه . قاد عصاي إلى بيت وقال :
- هذا سكنك يا ابن شيخ بني عامر. ستجد أكلك في ركن البيت الأيمن، وكُوز الماء في الرّكن الأيسر، وفراشك فوق الدِكّة. ووضع يدي على دكّة، قستها، فوجدتها ترتفع على سطح الأرض شبْران وبضعة أصابع فاطمأنّ قلبي .

(1) فرع جامعة الزيتونة في الجريد .

قال وهو يتلطّف :
- هل أعجبك المكان ؟
قلت وأنا أجلس على الدّكة
- المكان بناسه يا سيّدي !
فعاد إلى التلطّف :
- سأصل بعد صلاة الصّبح لأصحبك إلى الجامع . أرجو أن تكون جاهزا بعد الصّلاة .
وأغلق الباب وراءه. وذهب .
وحفظت «سيدي خالد»(2) ثمّ «القطر»(2) فـ «الأشموني الأوّل»(2) و «الأشموني الثّاني»(2). ومرّت أربع سنوات كمرّ السّحاب. ونجحت في اختبار اللّغة. وتفوّقت في حفظ القرآن. وأبدعت في التّجويد. ولكن شيخ جامع «الفرْكوس» عاد إلى اللاّزمة القديمة :
- في صوتك غواية يا ولدي والعاقبة للمتّقين .
وأضاف بعد مدّة :
- الآن أتمّ عليك الربّ نعمته فغادر هذا المكان يا ولدي وابحث لك عن طريق أخرى توصلك إلى وجه الله !
وعرفت طريقي .
صرت نجم أعراس البادية .
أغنّي للنّساء، فيرقصن حتّى يسيل العرق بين النّهود والأرداف.وأقرأ الشّعر للرّجال، فيتهتّك أكثرهم حكمة ووقارا.
وأدخل المجالس بدون استئذان، فليس على المغنّي الأعمى حرج في الدّخول إلى خدور الغواني، والهمس في آذان البنات بكلام الغزل الرّقيق، وقراءة أشعار عمر بن أبي ربيعة على مسامع النّاهدات في غدوّهن ورواحهنّ.
(2) شروح لمتون في النّحو والصّرف تؤهّل حافظها للحصول على شهادة الأهليّة والدّراسة في جامع الزّيتونة .

ولم يكن الرّجال يعبأون بوجودي في منازلهم فقد هوّنت عليهم النّساء صحبتي وادّعين أمامهم بأنّني
أكثر براءة مـن طفل في المهد. ولم أدر إلى الآن كيف انطلى هذا الكذب على رجال عشائر الصحراء.
وكبرت وكبر حبّي لهذا العالم المليء بالسّذاجة والفجور. نمت ليال عديدة على أسرّة كبار ملاّكي قطعان الإبل والماعز صحبة نسائهم المتروكات للحرّ والقرّ. نساء صغيرات، لذيذات يطربن عند سماع همسة، ويذبن عندما أعضّهن في شحمة الأذن. واكتشفت بيسر مخابئ أسرار الضّرائر: المرأة الثانية المخذولة من زوج خلبت لبّه حناء الزّوجة الجديدة. والمرأة الثالثة المقهورة بالكحل في عيون الفتيات الصّغيرات والسّواك الطافح حمرة قانية في ثغور الكهلات.
وعيل صبر أبي فباع جنة نخيل ورثها عن أمه ودسّ ثمنها في جيبي وهو يقول:
- لعبتَ ما فيه الكفاية وجاءت الآن ساعة الجدّ. معك في جيبك عرق الأجداد وفي قلبك كلام الله فلا تفرط فيهما إلاّ في ما يرضيه.
ووضع يده على رأسي وقرأ سورتي" الفاتحة" و"يس" وأركبني القطار الذّاهب إلى «تونس».
بعد سنتين مات أبي وكنت قبل موته قد فرّطت في جيبي وفي قلبي. فرّطت فيهما في ما لا يرضي الله.
أذكر إلى الآن ساحة المحطة. كانت ملأى بضجيج لم أعتده من قبل: أبواق سيّارات، ونداءات باعة، وصهيل أحصنة، وقرقعة عجلات.
ظللت ضائعا في هذا المكان. وخفت أن يكون أبناء العم قد نسوا موعد وصول القطار.
واقتربت منّي أصوات تسأل عن وجهتي فافتعلت الصّمم. وحطّ أحدهم يده على كتفي. لمس برنسي الجريدي الجديد فدفعته برفق وبقيت يقضا أحرس أدباشي إلى أن هجم عليّ الجميع دفعة واحدة بالسّلامات الحارة والشدّ على اليدين والقبل على الخدين.
جاء الأصحاب وأبناء العم الذين غادروا الجريد منذ أزمان للدّراسة وتحصيل العلم في جامع الزيتونة. فأكلت عقولهم الأغوال الحارسة لبوّبات هذه المدينة العجيبة. فضاعوا ونسوا الدّروب المؤدية للصحراء. قادوا عصاي إلى مساكنهم في أحياء المدينة القديمة وهم يسألون عن الرّمال المتحوّلة، ورياح الشهيلي، وهدير الجمال، وعصير الجمار المخمّر.
جربت الجلوس في حلقات دروس الجامع الأعظم سنة كاملة، تعلّمت خلالها كيف أجوّد القرآن. وحفظت في داري كثيرا من الشّعر. وعشقت حكايات المجانين .
وثقلت على قلبي دروس النحو والصّرف والبلاغة. وركبنى الهمّ وأنا استمع إلى تقعّر الأساتذة الشيوخ أولاد العاصمة والحرير. فجنّ جنونى. فعدت إلى قراءة القرآن بصوت أغنّ أربك شيوخ الجامع والمصلّين. ظلوا يستمتعون بقراءتى أيّاما ثم دعانى ذات ظهيرة «القائم بأمرالله البيرمى» إلى مجلسه. امتحنني نصف ساعة ثم قال :
- في صوتك غواية يا ولدي ! أنت مسكون بالشّياطين فغادر هذا المكان يا يرحمك الله !
امثلت لأمر الشيخ وبيّت في نفسي شيئا .
ضهيرة اليوم الموالي سبقت المصلّين إلى الجامع. وعندما رفع المؤذّن صوته مناديا لصلاة العصر كنت قد توسّطت المحراب. وضعت يدي وراء أذني ولعلع صوتي بموّال من الشّعر الملحون، شعر البادية المتاخمة لسباخ شطّ الجريد. ارتفع الصّوت صافيا كالنّقر على النّحاس ، لذيذا كنسائم الرّبيع المضمّخة بالعطر.
ارتبك كلّ من في المسجد فبقوا واقفين . وتردّد صوتي من جديد في أركان المسجد الجامع. ظلّ يتردّد إلى أن أنهى المؤذن نداءه. وكنت نشوان أطير بألف جناح وجناح. ثمّ فجأة هبطت عليّ السكينة ووقعت على الأرض. فتكأكأ عليّ الخلق، وجرّوني من رجلي خارج المسجد كما تجرّ الجيفة وألقوا بي خارج الأسوار المقدّسة.


كنت أتدحرج على الدّرجات حين بلغ سمعي صياح الشيخ البيرمي :
- ألم أقل لكم إنّ هذا الأعمى مسكون بالشّياطين !اضربوه بالسّياط إذا عاد مرّة أخرى أمام باب الله !
وانصرفوا إلى صلاتهم فانصرفت إلى مجالس أولاد العمّ. حدّثتهم بحديث «القائم بأمر الله» وما لقيته من مِحن وشدائد فهنّأوني بالسّلامة وأفسحوا لي في مجلسهم مكان الصّدر .
ودارت الكؤوس، فأنّ العود وطَنّ الطّار وارتفعت المواويل . ودار رأسي فقال قائلهم :
- « سارة » اليهوديّة تسأل عنك يا ابن شيخ بني عامر. ماذا لو زرت مجلس طربها معنا يا رجل!
وأخبروني أنّهم حدّثوها كثيرا عنّي وأنّها في شوق كبير لرؤيتي. وقالوا إنّها ستُجنّ إذا سمعت صوتي.
فوعدتهم خيرا ولكنّني تماديت في الذّهاب إلى الجامع الأعظم. وتمادى حرّاس الأبواب في ضربي بالسّياط ودحرجتي على الدّرج إلى أن يئست من رحمة ربّي فذهبت إلى دار «سارّة» في حيّ «الحفصيّة».
ليلتها احتفى بي الجماعة. نصبوا لي سُرادقا عظيما وأجلسوني في صدره. وغنّت لي اليهوديّة. وضربت قيانها على العود. ورقصن. وجلسن في حضني. وأذقْنني فنونا من الدّلال لم تكن تخطر لي على بال.
وعندما همّ أولاد العم بالرّواح، طلبت منهم «سارة» أن تستبقيني في ضيافتها أيّاما ، فوافقوا .
وعلّمتني اليهوديّة الغناء كلّه في ستّة أيّام، وتوّجتني بتاجها في اليوم السّابع. فاستويت سلطانا على قلبها. أأمر فتطيع. وأطلب فتلبّي. والنّاس حيارى لا يدرون بأيّ سحر سحرتها إلى أن قالت لهم :
- لو تدرون بماذا يُدلّلني لابْتَلَعْتُمْ ألسنتكم ولمتّم كمدا !
وواصل جماعة من عليّة القوم لومها. وكانت تباشير الرّبيع قد هلّت. فحوّلت مجلس غنائها من وسط قاعة الأنس إلى ساحة الدّار. وتهيّأت وهيّأتني وعند منتصف اللّيل احتضنت عودها ولامست أوتاره بريشة السّحر وطلبت منّي أن أغنّي :
« يلومني فيك أقوام أجالسهم
فما أبالي أطار اللّوم أم وقعا »
فغنّيت ! فأجدتُ
فقالت :
- أعد! فداك بايات تونس !
فأعدت، فطربتْ وصاحتْ :
- أعد! فداك سلاطين مصر والقسطنطينيّة !
وظلّت تضرب على العود وأنا أعيد الغناء إلى أن امتلأت السّطوح المجاورة لدارها بالوجوه:
نساء صبوحات كالأهلّة، ورجال كهول رموْنا بقطع ذهبيّة، وصبيان، وفتيات، وعجائز تابعوا الغناء همسا في الأوّل ثمّ جهر كهل بالبيت ورائي وتبعه آخر، وغنّت امرأة فجاوبتها أخرى.
وتحوّلت السّطوح إلى جوْقة تردّد هذا البيت الشّعري، و«سارة» اليهوديّة تضرب على العود إلى أن وقعت مغشيّا عليها فرشّتها جارية بماء الورد. وتعاون عليها الخدم والحشم فحملوها إلى بيت نومها وظلّوا في خدمتها إلى أن أفاقت. فسألت عنّي بلهفة. فقيل لها إنّني عدت مع صحبي إلى داري. فحلفت أن لا أنام أبدا في دار غير دارها ما دامت على قيْد الحياة. وبعثت خدمها في اثري فسبقوا وصولنا إلى البيت.
وحثّني أبناء العمّ على تلبية رغبة « السّلطانة » فامتثلت لأمرهم وعدت إلى دار المغنيّة اليهوديّة .
كانت «سارة» قد رتّبت الأمور. أوقفت صفّين من البنات على جانبيْ السّقيفة وأعطت لكلّ واحدة سكّينا وتفّاحة وطلبت منهنّ أن يقطّعن التّفاح حين أمرّ من أمامهنّ .
ومررتُ. فقطّعت البنات أصابعهنّ ونجا التّفاح .
فأقسمتْ « سارّة » بمُوسى وشمُوئيل، وسُليمان وحزْقئيل أن أَطَأَ هذه البنات حتّى تكفّ بقيّة نسـاء « تونس » عن لوْمها فِيَّ، وتخْرس ألسنة السّـوء. فصرت كلّ ليلة أشتـري الحرَام بالحلال. أدفع لواحدة أغنية وللأخرى موّالا. والبنات لا يجرأْن على صكّ الباب في وجهي .
يقلن لبعضهنّ :
- من يمكنها أن تمنع «يوسف» صاحب اليهوديّة عن فراشها ؟ فتمتلئ القلوب باللّوعة والصّدور بالشّهقات .
* * *
سمعت هذه الحكاية من مطرب غنّى في مهرجان «البُرْج» الصّائفة الفارطة. دعونا فرقة «النّجوم الزّاهرة» لإقامة حفل في «قفصة» فجاء أفرادها خفافا، مطربين شبّانا ومطربات فاتنات وراقصين وراقصات، وصاحبهم ساعة الوصول إلى مسرح الهواء الطّلق كهل يحمل في يده عودا ويضع في عنقه ربطة على شكل فراشة ويرتدي بذلة خفيفة من طراز أربعينات القرن الماضي .
هيّأ الجماعة الرّكح. وضعوا المصادح ومكبّرات الصّوت في أماكنها. وفرشوا الزّرابي. ونصبوا الكراسي. وجرّبوا الآلات الموسيقيّة، والرّجل، صاحب العود يدبّر معهم الأمور، كبيرها وصغيرها إلى أن امتلأ المسرح بالمريدين وابتدأ الحفل .
غنّت المطربات الشّابات. وغنّى مطربو الجيل الجديد. فرقص الحاضرون وصفّقوا . وهاج السّكارى وماجوا. وانتهى الحفل بوصلة للمطربـة « عائشة » عند منتصف اللّيل .
في فترات الاستراحة، كان الرّجل، صاحب العود يتوسّط الرّكح ويحتضن عوده ويغنّي. كان يُغنّي أغاني قديمة من التّراث، مرّة مصحوبا بدَنْدنات عوده، ومرّات بدون موسيقى.
يرتفع صوته جهوريّا يملأ الفضاء الواسع فتتردّد أصداءه في أجواء الواحة القريبة . ويلذّ للجمهور سماع آهاته ومووايله . فيكفّ الرّاقصون عن الرّقص وتخفّ الحركة في المدرّجات. وينشدّ الجميع إلى هذا الصّوت الطّالع من غياهب الزّمن .
وتعود المطربات الصّاعدات إلى الرّكح فيعود الهرج ويصمت المغنّي. عند انتهاء الحفل، ذهبت لمقابلة قائد فرقة «النّجوم الزّاهرة» لأشكره ولأسأله عن هذا المطرب الكهل الذّي لم يحصل لي شرف التعرّف عليه قبل هذه اللّيلة، فبان الاستغراب في وجهه وكست الحيرة محيّاه وهو يقول :
- لقد أخبرني حين إلتقيته على الرّكح أنّه قائد فرقة دار الثّقافة للموسيقى الشّعبيّة !
فزاد استغرابي وبعثت العملة للبحث عنه فلم يجدوا له أثرا.
فسكتّ. وسكت قائد «النّجوم الزّاهرة» وكلّ منّا يظن أنّه مَقْلبٌ من مقالب الآخر. ثمّ نقدت الجماعة أجرتهم وودّعتهم على أمل اللّقاء بهم في مناسبة أخرى. وشغّلت محرّك سيّارتي، فقد وعدت الوالد بزيارة إلى البلد بعد الانتهاء من مراسيم حفل افتتاح المهرجان .

قريبا من القنطرة الرّاقدة فوق وادي « القويفلة»* رأيت صاحبي. كان واقفا على حاشية الطّريق. يحمل عوده بيد ويشير بالأخرى أن قفْ.
أوقفت السّيارة فجاء يركض. وأنزلت زجاج النّافذة فقال بصوت مشحون بالرّجاء :
- هل تسمح بأن أصاحبك إلى « توزر» يا سيّدي ؟
قلت :
- أولست المطرب الذّي كان يُغنّي على مسرح البُرجْ ؟
قال :
- أيْ نعم ! سمعت في الإذاعة أنّ «عائشة» ستغنّي في الحفل فحملت عودي وجئت إلى «قفصة».
استثارني ردّه ففتحت له الباب .
رئيس فرقة «النّجوم الزّاهرة» لا يكذب إذن ! وغناء هذا الرّجل لم يكن كما ظننت مقلبا من مقالبه!
فمن يكون هذا المغنّي ؟
وكأنّه حدس ما يجول في خاطري فعاد إلى الحديث عن عائشة وعن صليحة وعلي الرّياحي وحبيبة مسيكة ولوُرْداكاش واحتضن عوده وبدأ يُغنّي :
« بخنوق بنت المحاميد عيشهْ،
ريشهْ بريشه،ْ
وعامين ما يكمّلوشْ نقيشة.
يا كذّابهْ .
قُلْتْ نهار السّوق يا كذّابهْ
تعدّيتْ على حوشكْ امسَكّرْ بابهْ .
قلت نهار السّوق »
وتنهّد .
فقلت له :
- لماذا لمْ تعد إلى تونس مع فرقة «النّجوم الزّاهرة »؟
ولمّا لم يجب عن سؤالي أضفت بعد دقائق :
- أنا مدير المهرجان، وقد نقدتهم أجرتهم، فلماذا غادرت المسرح قبل انتهاء الحفل ؟
ظلّ مدّة ساكتا ثمّ قال :
- أنا « حمّة » ! « حمّة » ابن شيخ « بني عامر» .
كان المؤدّب يقول لي كلّما علا صوتي في الجامع الكبير :
- اِقْرأْ يا « حمّة » بصوت خافت. لا تغنّي يا ولدي ! ورتّل القرآن ترتيلا ...
ويستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم ويهمهم :
- في صوت هذه الولد غواية والعاقبة للمتّقين .
* * *
قبل الوصول لباب « توزر » ببضعة كيلومترات طلب منّي أن أوقف السّيارة، وعندما امتثلت لأمره، احتضن عوده وفتح الباب وغاب في الظّلام .
وواصلت طريقي، فوجدت أبي واقفا أمام باب دارنا تنهشه الحيرة.
سألني:
- لِمَ كلّ هذا التّأخّر ؟
فأخبرته بقصّة « حمّة » ابن سيخ بني عامر .
ولمّا استغرب سألته : فيم العجب ؟
فقال :
- هو ابن عمّك يا ولدي ! مات قبل أن تولد بثلاث سنوات . ذهب إلى تونس للدّراسة فتولّه بمغنّية يهوديّة علّمته الضّرب على العود والغناء في دور الأكابر. فنسي القرآن وحفظ الشّعر والطّقاطيق.
ولمّا سمع أبوه الخبر طرده من رحمته وظلّ حزينا مجروح القلب إلى أن عَيَّرَهُ به خصيم فمات كمدا.
ومات « حمّة » منذ ثلاثين سنة. شنق نفسه في عمود كهرباء «عام النّكسة» بعد أن هربت «سارة» اليهوديّة إلى «إسرائيل» بأيّام قليلة .


dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/[/color:5ad7e4ca43][/size:5ad7e4ca43]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:28 AM
أعشاس الحمام البري - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي
11-07-2007, 10:33 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=17569


[size=18:a8899d8093][color=black:a8899d8093]
أعشاش الحمام البري
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي

عدت اليوم إلى الدار بعد غيبة دامت أكثر من عشر سنين . وضعت المفتاح الكبير في ثقب باب الخشب. دفعته بيدي، فاستعصى في بادئ الأمر ثم أطاعني فدخلت إلى السقيفة ومنها إلى بقية الغرف ...
التراب تكدس في كل مكان:
رمال الصحراء الصفراء الغليظة ،
وتراب الشمال البني ،
والغبار الرقيق ارتفع أكداسا هنا وهناك .
والنمل حفر أوكاره تحت الحيطان التي تشققت .
وشجرة التوت التي عاشرت جدي ، ماتت.
والأرض احتضنت أوراقها وبعضا من الأغصان التي كسرتها الرياح .
والمدجنة تهشم بابها
ووضع
اليمام
بيضه
فوق
أعشاش
الحمام

*****

رأيت سربا من الحمام يطير فوق رأسي عندما اجتزت باب السقيفة ودخلت إلى ساحة البيت .
طار الحمام عاليا ثم حط فوق السطوح، وراح يراقبني بعيون مسكونة بالفجيعة.
وسمعت داخل الأعشاش صوصوة الفراخ الصغيرة.
ورأيت ظلال الجدارن تكدست وسط الساحة لترسم مستطيلا قدام السقيفة وشبه منحرف أمام بيت الوالدة.
خطوت
خطوتين
باتجاه
الدار
فخفقت
أجنحة
اليمام
فوق
السطوح

*****
باب البيت كبير .
لونه : أزرق نيلي.
وعلى الباب رسوم كثيرة:
سمكة
وكف
وسفينة سيدنا نوح
وهودج الجازية الهلالية
وسيف علي بن أبي طالب
وبيتا شعر خطهما أخي الكبير :
الأول يقول :
" يا دار عبلة
بالجواء تكلمي
وعمي صباحا
دار عبلة واسلمي."
وقد كتبه عندما عشق ابنة الجيران وهام بها وجدا.
والثاني خطه حين أكتشف حبه، فسامه أبي عذابا ومهانة.
فكتب بخط يكاد لا يرى:
يا دار
جمع فيك الشؤم واللؤم
متى يعشش في أركانك البوم ؟

*****

دفعت الباب، فعاند.
ودفعته بقوة فاندفع إلى الداخل يئز ويعوي.
وخرج من الغرفة هواء فاسد كهواء القبور.
وخيل إلي وأنا أضع رجلي اليمنى داخلها أنني أرى أشباحا تتراقص.
وحين اعتدت النظر في الظلام،رأيت صورتي مرسومة على بلور خزانة الملابس،
فابتسمت.
وردت لي الصورة ابتسامتي المرتبكة.
ثم انخرطت في ضحك مجنون.
ضحك كعواء ابن آوى .
ورفرفرت
أجنحة
اليمام
فوق
السطوح.

*****
مسحت دموعي بكفي.
وخطوت بوجل داخل الدار، إلى يمين الخزانة،

باتجاه صورة الوالدة المعلقة قريبا من الشباك.
سلمت عليها،
فخرجت من الصورة،
واحتضنتني.
وضعت شفتي الملتهبتين على جبينها،
وبكيت.
فمسحت أمي دموعي،
وربتت على كتفي،
وعادت إلى الصورة المعلقة قريبا من الشباك.
وقفت هنيهة قرب الحائط أتأمل وجه أمي ،
فخرجت كلماتها من جوف الحائط كالصدى البعيد:
لقد سئمت هواء القبور،
افتح شبابيك القلب يا ولدي،
وخذني .
ضربت المسمار المغروس في قلب الحائط،
فسال الدم على الجدار.
اقتلعت المسمار،
ورميت به من الشباك،
فرفرفت
أجنحة
اليمام
فوق
السطوح.
*
وضعت الصورة في جيبي .
وضعت أمي فوق القلب مباشرة
وخرجت....

*****
تركت
ورائي
باب
الدار
مفتوحا....[/color:a8899d8093][/size:a8899d8093]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:29 AM
المغني - قصة قصيرة - ابراهيم درغوثي - تونس
22-07-2007, 09:40 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=18337


[size=18:eb1ca63576][color=black:eb1ca63576]
وهذا نص آخر
عرضته على قراء المنتدى في بداياتي معكم
و أعود اليوم لعرضه مرة أخرى
اقرأوا هذا النص
وأنا متأكد بأنكم لن تندموا

المغني

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس


» اِقْرأ يا » حمّة « بصوت خافت. لا تغنّي يا ولدي ! ورتّل القرآن ترتيلا ! «
ظلّ المؤدّب يردّد هذه اللاّزمة كلّما علا صوتي في الجامع الكبير. يردّدها لنفسه وللعالَمين. ويستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم همْسا وجهْرا وَيُهمهم :
- في صوت هذا الولد غواية ! والعاقبة للمتّقين !
وما كنت أعرف الفرق بين الغناء والتّرتيل. الكلّ عندي سواء !
المهمّ أن تخرج الحروف والكلمات من حلقي حُلوة منغّمة، أطرب لها ويطرب لها أصحابي تلاميذ مجالس حفظ القرآن في مساجد الجريد.
أنطلقُ في القراءة فيكفّ الجميع عن الكلام، ويصمت المؤدّب أيضا ويكفّ عن الضّرب بعصاه على الألواح والجدران.
وينطلق صوتي رخيما، عذبا، يعبر الأزمان والأمكنة، فتخرج النّساء من منازلهنّ ويقفن أمام باب »الخُلوة« التّي كنّا نحفظ فيها القرآن. يقفن تحت لهب الشّمس وصهد » الشّهيلي « وكأنّهنّ خارج الوعي بالموجدات الحسيّة. وتعتريهنّ حالات من الوجْد فيبكين، ويتوجّعن أو يطوّحن بالشّعر في كلّ الاتجاهات أو ينحْن أو يغنّين ورائي. يردّدن الآيات بأصواتهنّ الرّخيمة إلى أن ينادي المنادي لصلاة العصر، فيعدْن لمنازلهنّ، ويقفن أمام الأبواب وَجِلات كطيور الحجل، يَرْقُبن بشغف خبط عصاي على حجارة الحيطان فيعطينني هدايا صغيرة : قطع نقديّة مثقوبة من الوسط، وحبّات حمّص مُملّح، وكسرة خبز، وقطعة من جبن الماعز اليابس وشربة ماء باردة من سِماط يتدلّى على كتف عجوز أقسمت برحمة العزيز أن تسقي كلّ يوم سِرْب طيور الجنّة الحافظين في صدورهم كلام الربّ .
ظللت أقرأ القرآن . أرتّله للمؤدّب وأغنّيه للنّساء إلى أن حفظت الستّين ولم أبلغ الخامسة عشرة من عمري فقال لي المُقرئ يوم « الِختمة »* :
- الآن أتمّ عليك الربّ نعمته فغادرْ هذا المكان يا ولدي وابحثْ لك عن طريق أخرى توصلك إلى وجه الله !
وعرفت طريقي .
هِمت في دروب الصّحراء . أخرج كلّ صباح بعد صلاة الصّبح أطرق أبوب المجدبة الكبرى . دليلي قلب تسْطع منه أضواء تقود خطاي إلى ظِلّ أشجار الطّلح والنّخيل . أتدبّر طعامي وشرابي من رُعيان الماعز والبُعران . أكرّر السّور صبْحا ومساء حتّى لا أنساها فينطفئ في قلبي النّور الذّي يهديني سواء السّبيل. وأغنّي ليلا في أعراس البادية. أغنّي للمخمورين والمجانين فتنفتح في وجهي أبواب السّماء.
في الخريف أوصلني أبي إلى جامع الفرْكوس(1). أجلسني جانب سارية وذهب. لم أتألّم كثيرا لضياع خطاه وراء الباب. ولم أتألّم لأنّ أمّي لم تدسّ في زوّادتي جبن الماعز. ولكنّني تألّمت لأنّني سأفقد همس المجانين في أذني، وصرير الجنادب، وثغاء الجديان، ونكت الهميان .
وجاء رجل بعد صلاة العشاء إلى ساريتي، طلبني، فقمت أسعى وراءه . قاد عصاي إلى بيت وقال :
- هذا سكنك يا ابن شيخ بني عامر. ستجد أكلك في ركن البيت الأيمن، وكُوز الماء في الرّكن الأيسر، وفراشك فوق الدِكّة. ووضع يدي على دكّة، قستها، فوجدتها ترتفع على سطح الأرض شبْران وبضعة أصابع فاطمأنّ قلبي .

(1) فرع جامعة الزيتونة في الجريد .

قال وهو يتلطّف :
- هل أعجبك المكان ؟
قلت وأنا أجلس على الدّكة
- المكان بناسه يا سيّدي !
فعاد إلى التلطّف :
- سأصل بعد صلاة الصّبح لأصحبك إلى الجامع . أرجو أن تكون جاهزا بعد الصّلاة .
وأغلق الباب وراءه. وذهب .
وحفظت «سيدي خالد»(2) ثمّ «القطر»(2) فـ «الأشموني الأوّل»(2) و «الأشموني الثّاني»(2). ومرّت أربع سنوات كمرّ السّحاب. ونجحت في اختبار اللّغة. وتفوّقت في حفظ القرآن. وأبدعت في التّجويد. ولكن شيخ جامع «الفرْكوس» عاد إلى اللاّزمة القديمة :
- في صوتك غواية يا ولدي والعاقبة للمتّقين .
وأضاف بعد مدّة :
- الآن أتمّ عليك الربّ نعمته فغادر هذا المكان يا ولدي وابحث لك عن طريق أخرى توصلك إلى وجه الله !
وعرفت طريقي .
صرت نجم أعراس البادية .
أغنّي للنّساء، فيرقصن حتّى يسيل العرق بين النّهود والأرداف.وأقرأ الشّعر للرّجال، فيتهتّك أكثرهم حكمة ووقارا.
وأدخل المجالس بدون استئذان، فليس على المغنّي الأعمى حرج في الدّخول إلى خدور الغواني، والهمس في آذان البنات بكلام الغزل الرّقيق، وقراءة أشعار عمر بن أبي ربيعة على مسامع النّاهدات في غدوّهن ورواحهنّ.
(2) شروح لمتون في النّحو والصّرف تؤهّل حافظها للحصول على شهادة الأهليّة والدّراسة في جامع الزّيتونة .

ولم يكن الرّجال يعبأون بوجودي في منازلهم فقد هوّنت عليهم النّساء صحبتي وادّعين أمامهم بأنّني
أكثر براءة مـن طفل في المهد. ولم أدر إلى الآن كيف انطلى هذا الكذب على رجال عشائر الصحراء.
وكبرت وكبر حبّي لهذا العالم المليء بالسّذاجة والفجور. نمت ليال عديدة على أسرّة كبار ملاّكي قطعان الإبل والماعز صحبة نسائهم المتروكات للحرّ والقرّ. نساء صغيرات، لذيذات يطربن عند سماع همسة، ويذبن عندما أعضّهن في شحمة الأذن. واكتشفت بيسر مخابئ أسرار الضّرائر: المرأة الثانية المخذولة من زوج خلبت لبّه حناء الزّوجة الجديدة. والمرأة الثالثة المقهورة بالكحل في عيون الفتيات الصّغيرات والسّواك الطافح حمرة قانية في ثغور الكهلات.
وعيل صبر أبي فباع جنة نخيل ورثها عن أمه ودسّ ثمنها في جيبي وهو يقول:
- لعبتَ ما فيه الكفاية وجاءت الآن ساعة الجدّ. معك في جيبك عرق الأجداد وفي قلبك كلام الله فلا تفرط فيهما إلاّ في ما يرضيه.
ووضع يده على رأسي وقرأ سورتي" الفاتحة" و"يس" وأركبني القطار الذّاهب إلى «تونس».
بعد سنتين مات أبي وكنت قبل موته قد فرّطت في جيبي وفي قلبي. فرّطت فيهما في ما لا يرضي الله.
أذكر إلى الآن ساحة المحطة. كانت ملأى بضجيج لم أعتده من قبل: أبواق سيّارات، ونداءات باعة، وصهيل أحصنة، وقرقعة عجلات.
ظللت ضائعا في هذا المكان. وخفت أن يكون أبناء العم قد نسوا موعد وصول القطار.
واقتربت منّي أصوات تسأل عن وجهتي فافتعلت الصّمم. وحطّ أحدهم يده على كتفي. لمس برنسي الجريدي الجديد فدفعته برفق وبقيت يقضا أحرس أدباشي إلى أن هجم عليّ الجميع دفعة واحدة بالسّلامات الحارة والشدّ على اليدين والقبل على الخدين.
جاء الأصحاب وأبناء العم الذين غادروا الجريد منذ أزمان للدّراسة وتحصيل العلم في جامع الزيتونة. فأكلت عقولهم الأغوال الحارسة لبوّبات هذه المدينة العجيبة. فضاعوا ونسوا الدّروب المؤدية للصحراء. قادوا عصاي إلى مساكنهم في أحياء المدينة القديمة وهم يسألون عن الرّمال المتحوّلة، ورياح الشهيلي، وهدير الجمال، وعصير الجمار المخمّر.
جربت الجلوس في حلقات دروس الجامع الأعظم سنة كاملة، تعلّمت خلالها كيف أجوّد القرآن. وحفظت في داري كثيرا من الشّعر. وعشقت حكايات المجانين .
وثقلت على قلبي دروس النحو والصّرف والبلاغة. وركبنى الهمّ وأنا استمع إلى تقعّر الأساتذة الشيوخ أولاد العاصمة والحرير. فجنّ جنونى. فعدت إلى قراءة القرآن بصوت أغنّ أربك شيوخ الجامع والمصلّين. ظلوا يستمتعون بقراءتى أيّاما ثم دعانى ذات ظهيرة «القائم بأمرالله البيرمى» إلى مجلسه. امتحنني نصف ساعة ثم قال :
- في صوتك غواية يا ولدي ! أنت مسكون بالشّياطين فغادر هذا المكان يا يرحمك الله !
امثلت لأمر الشيخ وبيّت في نفسي شيئا .
ضهيرة اليوم الموالي سبقت المصلّين إلى الجامع. وعندما رفع المؤذّن صوته مناديا لصلاة العصر كنت قد توسّطت المحراب. وضعت يدي وراء أذني ولعلع صوتي بموّال من الشّعر الملحون، شعر البادية المتاخمة لسباخ شطّ الجريد. ارتفع الصّوت صافيا كالنّقر على النّحاس ، لذيذا كنسائم الرّبيع المضمّخة بالعطر.
ارتبك كلّ من في المسجد فبقوا واقفين . وتردّد صوتي من جديد في أركان المسجد الجامع. ظلّ يتردّد إلى أن أنهى المؤذن نداءه. وكنت نشوان أطير بألف جناح وجناح. ثمّ فجأة هبطت عليّ السكينة ووقعت على الأرض. فتكأكأ عليّ الخلق، وجرّوني من رجلي خارج المسجد كما تجرّ الجيفة وألقوا بي خارج الأسوار المقدّسة.


كنت أتدحرج على الدّرجات حين بلغ سمعي صياح الشيخ البيرمي :
- ألم أقل لكم إنّ هذا الأعمى مسكون بالشّياطين !اضربوه بالسّياط إذا عاد مرّة أخرى أمام باب الله !
وانصرفوا إلى صلاتهم فانصرفت إلى مجالس أولاد العمّ. حدّثتهم بحديث «القائم بأمر الله» وما لقيته من مِحن وشدائد فهنّأوني بالسّلامة وأفسحوا لي في مجلسهم مكان الصّدر .
ودارت الكؤوس، فأنّ العود وطَنّ الطّار وارتفعت المواويل . ودار رأسي فقال قائلهم :
- « سارة » اليهوديّة تسأل عنك يا ابن شيخ بني عامر. ماذا لو زرت مجلس طربها معنا يا رجل!
وأخبروني أنّهم حدّثوها كثيرا عنّي وأنّها في شوق كبير لرؤيتي. وقالوا إنّها ستُجنّ إذا سمعت صوتي.
فوعدتهم خيرا ولكنّني تماديت في الذّهاب إلى الجامع الأعظم. وتمادى حرّاس الأبواب في ضربي بالسّياط ودحرجتي على الدّرج إلى أن يئست من رحمة ربّي فذهبت إلى دار «سارّة» في حيّ «الحفصيّة».
ليلتها احتفى بي الجماعة. نصبوا لي سُرادقا عظيما وأجلسوني في صدره. وغنّت لي اليهوديّة. وضربت قيانها على العود. ورقصن. وجلسن في حضني. وأذقْنني فنونا من الدّلال لم تكن تخطر لي على بال.
وعندما همّ أولاد العم بالرّواح، طلبت منهم «سارة» أن تستبقيني في ضيافتها أيّاما ، فوافقوا .
وعلّمتني اليهوديّة الغناء كلّه في ستّة أيّام، وتوّجتني بتاجها في اليوم السّابع. فاستويت سلطانا على قلبها. أأمر فتطيع. وأطلب فتلبّي. والنّاس حيارى لا يدرون بأيّ سحر سحرتها إلى أن قالت لهم :
- لو تدرون بماذا يُدلّلني لابْتَلَعْتُمْ ألسنتكم ولمتّم كمدا !
وواصل جماعة من عليّة القوم لومها. وكانت تباشير الرّبيع قد هلّت. فحوّلت مجلس غنائها من وسط قاعة الأنس إلى ساحة الدّار. وتهيّأت وهيّأتني وعند منتصف اللّيل احتضنت عودها ولامست أوتاره بريشة السّحر وطلبت منّي أن أغنّي :
« يلومني فيك أقوام أجالسهم
فما أبالي أطار اللّوم أم وقعا »
فغنّيت ! فأجدتُ
فقالت :
- أعد! فداك بايات تونس !
فأعدت، فطربتْ وصاحتْ :
- أعد! فداك سلاطين مصر والقسطنطينيّة !
وظلّت تضرب على العود وأنا أعيد الغناء إلى أن امتلأت السّطوح المجاورة لدارها بالوجوه:
نساء صبوحات كالأهلّة، ورجال كهول رموْنا بقطع ذهبيّة، وصبيان، وفتيات، وعجائز تابعوا الغناء همسا في الأوّل ثمّ جهر كهل بالبيت ورائي وتبعه آخر، وغنّت امرأة فجاوبتها أخرى.
وتحوّلت السّطوح إلى جوْقة تردّد هذا البيت الشّعري، و«سارة» اليهوديّة تضرب على العود إلى أن وقعت مغشيّا عليها فرشّتها جارية بماء الورد. وتعاون عليها الخدم والحشم فحملوها إلى بيت نومها وظلّوا في خدمتها إلى أن أفاقت. فسألت عنّي بلهفة. فقيل لها إنّني عدت مع صحبي إلى داري. فحلفت أن لا أنام أبدا في دار غير دارها ما دامت على قيْد الحياة. وبعثت خدمها في اثري فسبقوا وصولنا إلى البيت.
وحثّني أبناء العمّ على تلبية رغبة « السّلطانة » فامتثلت لأمرهم وعدت إلى دار المغنيّة اليهوديّة .
كانت «سارة» قد رتّبت الأمور. أوقفت صفّين من البنات على جانبيْ السّقيفة وأعطت لكلّ واحدة سكّينا وتفّاحة وطلبت منهنّ أن يقطّعن التّفاح حين أمرّ من أمامهنّ .
ومررتُ. فقطّعت البنات أصابعهنّ ونجا التّفاح .
فأقسمتْ « سارّة » بمُوسى وشمُوئيل، وسُليمان وحزْقئيل أن أَطَأَ هذه البنات حتّى تكفّ بقيّة نسـاء « تونس » عن لوْمها فِيَّ، وتخْرس ألسنة السّـوء. فصرت كلّ ليلة أشتـري الحرَام بالحلال. أدفع لواحدة أغنية وللأخرى موّالا. والبنات لا يجرأْن على صكّ الباب في وجهي .
يقلن لبعضهنّ :
- من يمكنها أن تمنع «يوسف» صاحب اليهوديّة عن فراشها ؟ فتمتلئ القلوب باللّوعة والصّدور بالشّهقات .
* * *
سمعت هذه الحكاية من مطرب غنّى في مهرجان «البُرْج» الصّائفة الفارطة. دعونا فرقة «النّجوم الزّاهرة» لإقامة حفل في «قفصة» فجاء أفرادها خفافا، مطربين شبّانا ومطربات فاتنات وراقصين وراقصات، وصاحبهم ساعة الوصول إلى مسرح الهواء الطّلق كهل يحمل في يده عودا ويضع في عنقه ربطة على شكل فراشة ويرتدي بذلة خفيفة من طراز أربعينات القرن الماضي .
هيّأ الجماعة الرّكح. وضعوا المصادح ومكبّرات الصّوت في أماكنها. وفرشوا الزّرابي. ونصبوا الكراسي. وجرّبوا الآلات الموسيقيّة، والرّجل، صاحب العود يدبّر معهم الأمور، كبيرها وصغيرها إلى أن امتلأ المسرح بالمريدين وابتدأ الحفل .
غنّت المطربات الشّابات. وغنّى مطربو الجيل الجديد. فرقص الحاضرون وصفّقوا . وهاج السّكارى وماجوا. وانتهى الحفل بوصلة للمطربـة « عائشة » عند منتصف اللّيل .
في فترات الاستراحة، كان الرّجل، صاحب العود يتوسّط الرّكح ويحتضن عوده ويغنّي. كان يُغنّي أغاني قديمة من التّراث، مرّة مصحوبا بدَنْدنات عوده، ومرّات بدون موسيقى.
يرتفع صوته جهوريّا يملأ الفضاء الواسع فتتردّد أصداءه في أجواء الواحة القريبة . ويلذّ للجمهور سماع آهاته ومووايله . فيكفّ الرّاقصون عن الرّقص وتخفّ الحركة في المدرّجات. وينشدّ الجميع إلى هذا الصّوت الطّالع من غياهب الزّمن .
وتعود المطربات الصّاعدات إلى الرّكح فيعود الهرج ويصمت المغنّي. عند انتهاء الحفل، ذهبت لمقابلة قائد فرقة «النّجوم الزّاهرة» لأشكره ولأسأله عن هذا المطرب الكهل الذّي لم يحصل لي شرف التعرّف عليه قبل هذه اللّيلة، فبان الاستغراب في وجهه وكست الحيرة محيّاه وهو يقول :
- لقد أخبرني حين إلتقيته على الرّكح أنّه قائد فرقة دار الثّقافة للموسيقى الشّعبيّة !
فزاد استغرابي وبعثت العملة للبحث عنه فلم يجدوا له أثرا.
فسكتّ. وسكت قائد «النّجوم الزّاهرة» وكلّ منّا يظن أنّه مَقْلبٌ من مقالب الآخر. ثمّ نقدت الجماعة أجرتهم وودّعتهم على أمل اللّقاء بهم في مناسبة أخرى. وشغّلت محرّك سيّارتي، فقد وعدت الوالد بزيارة إلى البلد بعد الانتهاء من مراسيم حفل افتتاح المهرجان .

قريبا من القنطرة الرّاقدة فوق وادي « القويفلة»* رأيت صاحبي. كان واقفا على حاشية الطّريق. يحمل عوده بيد ويشير بالأخرى أن قفْ.
أوقفت السّيارة فجاء يركض. وأنزلت زجاج النّافذة فقال بصوت مشحون بالرّجاء :
- هل تسمح بأن أصاحبك إلى « توزر» يا سيّدي ؟
قلت :
- أولست المطرب الذّي كان يُغنّي على مسرح البُرجْ ؟
قال :
- أيْ نعم ! سمعت في الإذاعة أنّ «عائشة» ستغنّي في الحفل فحملت عودي وجئت إلى «قفصة».
استثارني ردّه ففتحت له الباب .
رئيس فرقة «النّجوم الزّاهرة» لا يكذب إذن ! وغناء هذا الرّجل لم يكن كما ظننت مقلبا من مقالبه!
فمن يكون هذا المغنّي ؟
وكأنّه حدس ما يجول في خاطري فعاد إلى الحديث عن عائشة وعن صليحة وعلي الرّياحي وحبيبة مسيكة ولوُرْداكاش واحتضن عوده وبدأ يُغنّي :
« بخنوق بنت المحاميد عيشهْ،
ريشهْ بريشه،ْ
وعامين ما يكمّلوشْ نقيشة.
يا كذّابهْ .
قُلْتْ نهار السّوق يا كذّابهْ
تعدّيتْ على حوشكْ امسَكّرْ بابهْ .
قلت نهار السّوق »
وتنهّد .
فقلت له :
- لماذا لمْ تعد إلى تونس مع فرقة «النّجوم الزّاهرة »؟
ولمّا لم يجب عن سؤالي أضفت بعد دقائق :
- أنا مدير المهرجان، وقد نقدتهم أجرتهم، فلماذا غادرت المسرح قبل انتهاء الحفل ؟
ظلّ مدّة ساكتا ثمّ قال :
- أنا « حمّة » ! « حمّة » ابن شيخ « بني عامر» .
كان المؤدّب يقول لي كلّما علا صوتي في الجامع الكبير :
- اِقْرأْ يا « حمّة » بصوت خافت. لا تغنّي يا ولدي ! ورتّل القرآن ترتيلا ...
ويستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم ويهمهم :
- في صوت هذه الولد غواية والعاقبة للمتّقين .
* * *
قبل الوصول لباب « توزر » ببضعة كيلومترات طلب منّي أن أوقف السّيارة، وعندما امتثلت لأمره، احتضن عوده وفتح الباب وغاب في الظّلام .
وواصلت طريقي، فوجدت أبي واقفا أمام باب دارنا تنهشه الحيرة.
سألني:
- لِمَ كلّ هذا التّأخّر ؟
فأخبرته بقصّة « حمّة » ابن سيخ بني عامر .
ولمّا استغرب سألته : فيم العجب ؟
فقال :
- هو ابن عمّك يا ولدي ! مات قبل أن تولد بثلاث سنوات . ذهب إلى تونس للدّراسة فتولّه بمغنّية يهوديّة علّمته الضّرب على العود والغناء في دور الأكابر. فنسي القرآن وحفظ الشّعر والطّقاطيق.
ولمّا سمع أبوه الخبر طرده من رحمته وظلّ حزينا مجروح القلب إلى أن عَيَّرَهُ به خصيم فمات كمدا.
ومات « حمّة » منذ ثلاثين سنة. شنق نفسه في عمود كهرباء «عام النّكسة» بعد أن هربت «سارة» اليهوديّة إلى «إسرائيل» بأيّام قليلة .


dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/[/color:eb1ca63576][/size:eb1ca63576]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:30 AM
عقرب - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي - تونس
16-08-2007, 07:11 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=19241


عقرب

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس

وقف أمام الباب أكثر من مرة . كانت الحيرة تحوم في الجو ثم تحط فوق كتفيه كالرصاص المذاب . ترك الباب نصف مفتوح وعاد من جديد إلى الداخل .أشعل جهاز التلفزيون . أطفأه بعد دقيقة .وضع شريطا في المسجل . أخرجه قبل أن تصدح الموسيقى . تمدد على السرير . أغمض عينيه ، ثم فجأة قام .اتجه نحو الحائط وضربه بجمع يده . كان الألم الذي نبت فجأة في زنده ، تحت ساعة اليد فضيعا .كان يخزه باستمرار . يتوقف لحظة ثم يعود كأعنف ما يكون الألم . حك زنده حتى سال الدم ، وانتفخت الذراع .
وعاد إلى الحائط يضربه بعنف ...
ولم يتوقف عن الضرب ، إلى أن انهارت قواه .
همس وهو يسقط تحت الجدار : ما أقسى لسعة هذه العقرب ...

محمد رشدي
23-12-2011, 08:31 AM
دم أبي - قصة قصيرة جدا - ابراهيم درغوثي / تونس
16-08-2007, 07:14 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=19242


دم أبي
قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس

سقطت السلة من يد الطفل . سقط قلب الطفل فوق الاسفلت
سقطت السلة . سلة بها قارورة خمر
جرى السائل الأحمر فوق الإسفلت .
وقف الطفل لحظة مرعوبا ، ثم وقع على ركبتيه يجمع زجاج القارورة .
تكثفت فوق السائل رغوة بيضاء .
وقع عليها الذباب .
بنى الطفل سدا من التراب جمع وراءه السائل الأحمر .
وقع الطفل على زنديه . لتذكيركم ، زنداه نحيلان ، نحيلان جدا
وقع الطفل على زنديه يجمع زجاج القارورة . يركبه فوق بعضه
يحاول صنع قارورة جديدة . لم لا يحاول ؟
جرى دمه . جرى دمه فوق الاسفلت
بنى سدا آخر بكف يده اليمنى ، ثم اليسرى ، ثم اليسرى ، ثم الاثنتين .
قام الطفل على ركبتيه . نادى :
أعطوني ( لم يدر ماذا يطلب ) . أجمع فيه دم أبي ...
ودمي ..

محمد رشدي
23-12-2011, 08:32 AM
برومثيوس / قصة قصيرة جدا لابراهيم درغوثي / تونس
10-10-2007, 12:14 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=22239


بروموثيوس
قصة قصيرة جدا .

ابراهيم درغوثي / تونس

قرأت قصته العجيبة في مجلة أدبية ، فقررت الذهاب لإنقاذه من هذا العذاب الأبدي ، وأنا أقول لنفسي : غريب أمر البشر، رب يعيش في السماء بين الأرباب ، عيشة الأرباب ولكنه يشفق على البشر الذين يموتون من البرد والصقيع ، فيضحي بهنائه من أجلهم . يسرق النار من السماء ويهبط بها من أعلى عليين حتى يسعد بها الإنسان ويملأ حياته بالدفء والمسرة . فيغضب عليه الآلهه ويوقعون به عذابا لا ينتهي : يحكم عليه مجلسهم بالنفي فوق جبل من جبال القوقاز تكسوه الثلوج على مدار السنة ويوكلون به كركي يأكل من كبده . وكلما انتهى منها عادت كما كانت ليعود الكركي فيأكلها من جديد . و "بروموثيوس" صابر لا يشتكي ولا يتأوه . هكذا منذ الزمن الغابر حتى يوم الناس هذا .
قرأت القصة فذهبت لإنقاذه من هذا العذاب . قلت لا يهم إن وصلت متأخرا بعض الشيء ، فالمهم إنقاذ هذا الرب من عذابه .
اشتريت مسدسا حشوته بستة رصاصات وذهبت للبحت عن طائر الكركي بعد أن استخبرت عن جبل الرب المعذب من رعاة يعيشون قريبا منه ، فدلني أحدهم على الجبل وحذرني من المغامرة قائلا إن من ذهبوا في ذلك الطريق ما عاد منهم أحد . ولكنني صممت على المغامرة وليكن ما يكون . ومن شعب إلى شعب ، ومن جبل إلى جبل ، حتى رأيت الكركي بالعين المجردة ينقر في جنب بروموثيوس ويأكل من كبده .
لم أصبر ، فاستللت المسدس من جنبي ، وأطلقت النار على قلب طائر العذاب ، فسقط يتخبط في دمائه بين رجلي الرب الواقف بجلاله فوق قمة الجبل .
رأيت النار تشتعل في ريش الطائر وتتحول إلى أشعة من نور .
ورأيت الرب يتحسس مكان الجرح بيدي الإله الرهيفتين كنسيم الربيع ، ثم سمعته يقول :
- الآن بدأ عذابي ...
وانحدر من قمة الجبل يمشي برجليه الحافيتين فوق الحجارة المسنونة ، والحصى الصغير يسبقه نحو الهاوية ...

محمد رشدي
23-12-2011, 08:33 AM
الرحى / قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي / تونس
1-12-2007, 07:54 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=25369


[size=18:520b56d9f6][color=red:520b56d9f6]الرحى

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس[/color:520b56d9f6][/size:520b56d9f6]

[size=18:520b56d9f6][color=blue:520b56d9f6]
الرحى تدور من اليمين إلى الشمال، تدور ، تدور
و تطحن تحت أضراسها الأخضر و اليابس، و لا تمل الدوران ...
ماذا سيكون مصير الدنيا لو صار مدار الرحى من الشمال إلى اليمين ؟؟؟
ماذا سيكون مصير الدنيا ؟؟؟[/color:520b56d9f6][/size:520b56d9f6]

محمد رشدي
23-12-2011, 08:34 AM
السيارات لا تمر على الصراط / قصة قصيرة /* ابراهيم درغوثي / تونس
26-01-2008, 01:07 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=27118


السيارات لا تمر على الصراط

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي/ تونس


من بعيد شاهدت الأنوار تتلألأ و كأنها نجوم السماء تساقطت على الأرض. كان الليل في بدايته و لكن الظلمة كانت شديدة فخفضت من سرعة السيارة حين اقتربت أكثر من النجوم التي تكدست على الأرض .
عرفت أنني لن أعود الليلة إلى البيت فالوادي الذي يفصل بين قريتي و المدينة التي كنت قد غادرتها منذ ساعات قد ثار و ملأ ما بين جنبيه ماء يهدر كالجمل الهائج، و السيارات تكدست هنا و هناك بطول أكثر من كيلومترين. أوقفت سيارتي في مكان آمن حتى لا يصدمني سائق مجنون و ذهبت أتفرج على هيجان الوادي .
اقتربت من المجرى الذي تركته يابسا هذا الصباح فرأيت عجبا . الماء جاوز المتر في ارتفاعه و الزبد تكدس على الضفتين و البشر الواقفين على الجانبين ملأ اليأس قلوبهم... و الأطفال بعدما لعبوا بالطين و لطخوا ثيابهم وثياب الأمهات هجعوا داخل السيارات و ناموا . و النساء مللن الفرجة فتوسدن الأيدي و تثاءبن بأصوات مخنوقة . و الرجال وقفوا يتجادلون و يتصايحون و يسبون الأحوال الجوية السيئة:
- أنا جئت من تونس... منذ الصباح الباكر و أنا وراء المقود لماذا لا يوجد جسر فوق هذا الوادي اللعين ؟
- و أنا هنا منذ الثالثة بعد الزوال، لو كان فوق هذا الوادي جسر لقطعته ...
- لقد تركت ولدي مريضا في المستشفى و لا علم لي بما جرى له بعد العملية الجراحية .
- أنا عائد من ليبيا . لم أر الأهل منذ خمس سنوات و لولا بقية خوف لقطعت هذا الوادي عوما.
و يتواصل الحديث بين هؤلاء الرجال الذين قرب هيجان الوادي بينهم فتبادلوا الطرف و السجائر و كؤوس الشاي ... و الليل يزداد في تقدمه دافعا أمامه أكداس الظلام ... و الحكايات بدأت تتكرر حتى فقدت جدتها . و كؤوس الشاي بدأت تنفد و المدخنون ما عادوا يمررون علب السجائر إلى كل الرجال و هيجان الوادي يزداد بعد كل حين عنفا وشدة و أنا أراقب المشهد من بعيد متلذذا... و سنوات العمر تعود إلى الوراء قفزا و مياه وادي قريتنا تصطحب داخل أذني فأعدو حافي القدمين على ضفة الوادي الكبير مع رفاق الصبا نخطف الحطب الذي جمعته المياه أكداسا و نعترض سبيل أشجار الطلح و العرعار التي هشمتها الصخور ... و النساء يخبطن الحطب بالفؤوس و يشعلن النيران الحامية و يصنعن الخبز . و تفوح رائحة خبز الطابونة فتملأ ما بين السماوات و الأرض و نحن نقتسم الخبز الساخن قطعا صغيرة ندسها في الأكف و الجيوب ...
و يحرك سائق سيارة على الضفة الأخرى من الوادي أضواء التقاطع فأعود إلى نفسي المهتاجة أكبح جماحها و أهمس لها: هو العمر يا عزيزتي نعيشه مرة واحدة و كفى ، آه لو كان لنا أكثر من عمر ...
حوالي منتصف الليل وصلت شاحنة كبيرة إلى حافة الوادي . السائق المزهو بعظمة شاحنته المتبوعة بمقطورتين نظر إلينا من عليائه و لسان حاله يقول :
- ها قد وصلت الآن و سأمر قبل الجميع ...
داخل مقصورة القيادة يرقد طفل على كتف امرأة ، وتجلس بجانبه بنت أكبر من الطفل بقليل تشاغبه محاولة إبعاد النوم عن جفنيه . نظرت المرأة ذاهلة إلى هذا الكم من السيارات ثم حدثت الرجل . رأيتها تبادلها الحديث ( ما سمعت من كلامهما شيئا ، فزجاج النافذة مغلق ) و لكنني خمنت أنها تطلب منه إن كان من الممكن قطع الوادي؟
رأيته يبتسم ابتسامة الواثق من نفسه و يغمز لها بعينه بمجون . حين التفت ناحيتي رآني فبان الغضب في عينيه لكنه لم يقل شيئا ثم دفع الباب و قفز من المقصورة . لم يكلم أحدا و إنما ذهب إلى حذو الماء الجاري . و قف هنيهة . قاس بعين واحدة ارتفاع الماء في مجرى الوادي وعاد إلى شاحنته . أدار المفتاح فزمجر المحرك و ضغط على دواسة المازوت فعلا رغاء الشاحنة.
قبل أن تتحرك دابة الحديد باتجاه الوادي رأيت على ضوء المصباح الصغير المعلق في المقصورة، المرأة تمسك بالمقود بعنف و هي تحاول منع الرجل من الانطلاق، و الرجل يضربها بلطف على يديها و هي تصر على التشبث بالمقود ثم فتحت زجاج النافذة وراحت تصرخ:
- امنعوا هذا المجنون من قتلنا .
اقترب جمع من الرجال من الشاحنة التي كانت تشخر بعنف إلا أن أحدا منهم لم يتكلم .
وارتفع عويل المرأة:
- لا تتركوا هذا الرجل يقتلنا، إنه يريد أن يقطع بنا الوادي الهائج...
و تفرق الرجال حين داست العجلتان الأوليان الطمي و الماء، و المرأة تصرخ :
- ساعدوني يا عباد الله إنه يمنعي من إنزال ولدي .
و الشاحنة تنزلق داخل الوادي و طشيش الماء يرتفع على جانبيها.
جرى الحاضرون يراقبون المشهد المثير وصراخ المرأة صار الآن مصحوبا بصراخ الطفلين. و الشاحنة تزحف بعيدا داخل الوادي في خط مستقيم. و الحاضرون يتهامسون :
- يا الله ، ما أشجعه ...
- لا بل قل هو متهور ، سوف يأكله هذا الوادي الجبار.
و الشاحنة بدأت تغادر الخط السوي و تنحرف خارج المعبد.
و الصراخ صار عويلا.
و الرجال من الجانبين يراقبون المشهد بصمت ثم بدأوا فجأة يصرخون :
- تشجع يا رجل ، لقد تجاوزت منتصف التهلكة .
فجأة سكت هدير المحرك و لم يعد يشاهد سوى ضوء الفوانيس...
ثم انطفأ الضوء .
و بدا صراخ المرأة في الوصول مخنوقا :
- النجدة يا عباد الله ، لقد دخل الماء إلى العربة .
و عم الوجوم المكان إلى أن اقترح أحدهم :
- ماذا لو نتماسك بالأيدي و ندخل الوادي حتى نصل العربة و ننقذ الطفلين على الأقل ؟
لم يستجب أحد للمقترح في حين صار صراخ المرأة و الطفلين يقطع نياط القلوب بعدما انقلبت العربة و دفع الماء بالراكبين خارجها.
كانت المرأة تصيح :
- يا ويلي أخذ الماء ولدي .
ثم بدأ الصراخ في الابتعاد إلى أن صار كالصدى ...
بعد حين لمع البرق فرأيت كأن صراطا ضرب ما بين الضفتين ،فتلألأت الأنوار المنثورة على الأرض و زمجرت المحركات و علا صوت أبواق السيارات يشق الظلام ...





من المجموعة القصصية : كأسك ... يا مطر
صدرت عن دار " سحر للنشر " تونس 1997

محمد رشدي
23-12-2011, 08:36 AM
كأسك ... يا مطر / قصة : الجزء الأول / ابراهيم درغوثي / تونس
29-01-2008, 12:05 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=27308


كأسك ... يا مطر
قصة
الجزء الأول

ابراهيم درغوثي / تونس



"يا لندرا يا غيم تتجلاشي * ولا انموت وعلتي في جاشي "
شعر شعبي تونسي



الشمس الصفراء الذابلة تختفي وراء سحابة صغيرة في حجم كف اليد ، ثم تعود من جديد تطل في خفر ... وتتكاثر السحب و تتلبد ، فيتجهم وجه السماء ويبدأ المطر في الهطول ...
ساعتها يخرج الأطفال من البيوت الدافئة يجرون في الأزقة ، حفاة ، عراة ، صائحين كفصيل من الجن انبثق من جوف الأرض :
" يا نو خالتي
صبي على قطايتي
قطاية الذهب
نمشي الحوش خالتي
نلعب بالكعب
هب ... هب ... هب ... " .
وتتناثر قطرات المطر على وجوههم ، فيرتفع صياحهم أكثر لتسمع ملائكة الرحمة وتشرع أبواب السماء .
ويهطل المطر غزيرا ، رحيما ، رحمانا ...
وتجري مياه المزاريب ، فتبتسم الشفاه وتفرح الوجوه الكئيبة .
ويجري الأطفال من جديد في الشوارع حتى تبتل وجوههم والثياب ، فتلتسق القمصان باللحم السخن الطري .
وتكبر السواقي وتهدر شاقة الأنهج الصغيرة .
والمطر يساقط رحمانا .
والماء يفيض على حواشي السواقي ويطرق الأبواب .
والأطفال ينعبون من الركض والغناء والرقص .
ولا يتعب المطر .
ويعود الأطفال إلى المنازل ، فيجلسون أمام المواقد . وتأتي الأمهات بالثياب الجديدة لتضعها على الأجساد المرتعشة . وتسكب على الشعر النافر العطر .
وترتفع الزغاريد .
ويهدأ الجو في البيوت المسكونة بالمطر والفرح إلى أن يبدأ الرعد في قرع طبول الفزع ، فيلتصق الأطفال بالأمهات فزعين .
وتفرقع الصواعق في الجو ، فترتج جدران البيوت ، وترنعش فوانيس الكهرباء ، وينقطع الضوء .
ويتساقط المطر ... رجيما .
فترتفع صيحات الفزع :
" شد ماك في سماك " .
يخرج هذا التضرع خافتا في بادئ الأمر . تسرقه الشفاه من القلوب . ثم يرتفع شيئا فشيئا إلى أن يبلغ عنان السماء .
والرعد يفرقع فوق الرؤوس .
والمطر يتساقط كالرصاص المذاب .
يساقط كزخات رشاش ، فيرجم السقوف إلى أن يفتحها ويبدأ في الهطول فوق الأكف الضارعة .
وتغور البسمة رويدا رويدا داخل القلوب المكلومة حين تبدأ أحجار الجدران المبنية بالطين في التساقط .
وتتحول أزقة القرية إلى وديان تجرف المنازل القديمة ، وزرائب المعيز والدكاكين ، والجامع الصغير، ومقام سيدي عبد السلام ، والمؤدب الأعمى الذي أم الجماعة عند صلاة الاستسقاء في الأسبوع الفائت ، وسنابل القمح والشعير النابتة في شغاف القلوب .
قف stop.
نقطة نظام .
سأقطع حديث السارد لأروي لكم القصة الحقيقية ومجريات الحكاية كما وقعت ، بدون رتوش ولا أكاذيب من صنع الخيال . تعالوا معي نكتب قصة ليلة المليار .
سيداتي ،
آنساتي ،
سادتي ،
أيها الملأ الكريم :
الآن سنبدأ في قص حكاية " ليلة المليار " ، فشدوا الأحزمة يا يرحمكم الله
كلكم شاهدتم السهرة التي بثها " التلفزيون " على الهواء مباشرة وعشتم أطوارها .
كنتم تطبخون الشاي الأخضر بالنعناع ، وتكومون حبات اللوز في حجور النساء وتدعون الأطفال إلى المغادرة للنوم حتى يخلو لكم الجو . والأطفال لا يمتثلون لأوامركم ويسرون على متابعة السهرة والاستمتاع بالفرجة حتى الصباح .
ما رأيكم أيها الأحباب لو نحاول الآن معا إعادة ما جرى في تلك السهرة
لا تخافوا ، فالأيام العصيبة قد مرت بسلام . والحمد لله والشكر لله الذي لا يحمد على مكروه سواه .
سأقول في خاطري إنكم وافقتم على طلبي لنبدأ سويا في كتابة ملحمة التضامن الوطني .
" يا سادة
يا مادة
ايدلنا ويدلكم على طريق الخير
والشهادة .
صاحب الدبير
ايدبر
واللي مشى
ايقدر .
عشق النبي يصلي عليه " .

محمد رشدي
23-12-2011, 08:37 AM
كاسك يا مطر / قصة : الجزء الثاني / ابراهيم درغوثي - تونس
29-01-2008, 09:02 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=27325


كاسك ... يا مطر

قصة
ابراهيم درغوثي / تونس

الجزء الثاني




وأنا أكور النقطة ، دق جرس الباب فوضعت قلم الحبر
على الطاولة وذهبت أفتح الباب .
وجدت رجلا يحمل في يده كأس شاي أخضر وهو
منهمك في التهام اللوز المحمر .بادرته بالسلام ، فرد على التحية بأحسن منها ثم دعوته للدخول فلم يمانع .
حين دفعت باب قاعة الجلوس وجدت ابنتي الصغرى قد سكبت ما في المحبرة على ورق الكتابة مما جعل الضيف يتأسف كثيرا قائلا إنه تسبب لي في هذا الإزعاج . ودعاني إلى الصلاة على النبي ، فصلينا معا على أشرف المرسلين وعدنا إلى الحكاية .
قال الرجل ، صاحب كأس الشاي الأخضر :
- سيدي ، ما هكذا بدأت الحكاية .
فرددت وأنا أغالب الانفعال :
- وكيف كانت البداية ؟
تجاهل ردي مدة ، ثم كأنه يحدث نفسه قال :
- لقد نسيت الدعاية والتحريض يا صاحبي .
ورشف رشفة كبيرة من شايه الأخضر – كان كلما رشف من الشاي عاد الكأس كما كان ، وتضوعت رائحة النعناع في الغرفة – ثم تكلم كثيرا عن الدعاية . قال إنها أساس العمل الناجح وضرب مثلا ب " غوبلز " . وسكت .
فرددت عليه متوددا :
- أنا ما نسيت يا العزيز . فقط كل ما في الأمر أنني أردت أن تكون لهذه الحكاية نكهة خرافات الأجداد .
حرك الرجل رأسه ، ففهمت أنه يعني : واصل .
وعاد يشرب من شايه .
وعاد الكأس إلى الامتلاء .
فقلت :
" على هاك الزمان " .
كان يا ما كان . في قديم الزمان وسالف العصر والأوان . كانت بلاد سعيدة . وكان أهلها ينعمون بالهناء وراحة البال حين فاجأهم المطر .والمطر على ما أعلم خير وبركة . لكنه زاد على الحد . ملأ السواقي الصغيرة ، ففاضت على الضفاف . وهاجم المناول والمراعي ، فاختطف الخرفان وأواني الطبخ ولم يسلم منه " جهاز " العروس الساكنة بجانب دار الأفراح . وأغرق سيارة الحماية المدنية . واقتلع كل شيء من جذوره .
ولم تسلم منه حقول القمح والشعير التي أغرقها في الماء ...
صاح صاحب الشاي الأخضر :
- كفى يا سيد .
عد بنا إلى ليلة المليار من فضلك .
قلت :
- وعما تراني أحكي يا رجل ؟
حدجني بنظرة فيها من الغضب والهزء الشيء الكثير . وعاد يشرب من شايه و الكأس في امتلاء دائم .
قلت :
- كلكم تذكرون تلك الليلة المباركة : ليلة المليار . وتذكرون ذلك الصبي الذابل كأزهار الهاجرة . ذلك الصبي الذي جعلت " كاميرا " ليلة المليار وجهه يملأ شاشات التلفزيون في عرض تونس وطولها .
قال صاحب كأس الشاي :
- أما أنا ، فقد أعطيته حبات لوز محمر أكلها قدامي وعلى مرأى من العالم أجمع .
فقلت :
- ذاك الصبي الذي أعطاه مذيع الحصة عشرين مليونا من مليماتنا ، فملأت بسمته ما بين السماء والأرض .
قال صاحب كأس الشاي الأخضر :
-مرحى مرحى ، واصل أيها الحكواتي
فقلت :
- وتذكرون تلك العجوز التي كانت تبكي بقرتها
ودجاجاتها وديكها – حسن الصوت – ودمية حفيدتها
المصنوعة من الخشب .
وتذكرون تلك المرأة التي كانت ترحب بطائرة "
الهيلوكبتر " التي حطت قرب زريبة الحيوانات . كانت
تهش عليها بغطاء رأسها وكأنها تهش على الدجاج .
وتذكرون طوابير السيارات قرب الجسور .
و....
زمجر صاحب كأس الشاي الأخضر :
- يا سيد لقد أفسدت الحكاية
قلت :
- ماذا ؟ أعد ما قلت ؟
قال :
- صه . أنت لا تحسن القص . اترك لي حبل الحديث ، وسترى .
سأقص عليكم أحسن القصص ....

محمد رشدي
23-12-2011, 08:38 AM
كأسك ... يا مطر / قصة : الجزء الثالث / ابراهيم درغوثي / تونس
30-01-2008, 08:53 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=27373


كأسك ... يا مطر
قصة
الجزء الثالث
ابراهيم درغوثي / تونس



حكاية " ليلة المليار " كما رواها شاهد من أعيان البلد :



رشف صاحبي من كأس الشاي ووضعه على الطاولة . رأيت الشاي يفور داخل الكأس وصاحبي يعب من غليون ظخم ، وينفخ الدخان من منخريه .
قلت : حدثنا يا عيس بن هشام .
قال : أنا رجل عصامي يا صاحبي ومن مواليد برج السعد . صادقت
" علي بابا " ، فأعطاني مفاتيح كنوزه .
كنت في بداية الثمانينات عاطلا عن العمل فقلت لنفسي لماذا لا تسافر يا عبد الله وفي الأسفار خمس فوائد . وهاجرت إلى غرب المعمورة .
كان ذلك في سنوات الرحاء أيام كان الألمان يقدمون للأجانب المال فوق أكف الحسناوات الشقراوات .
عملت في ألمانيا عشر سنوات إلى أن كومت ثروة لا بأس بها ، ثم اتفقت مع رجل أعمال من هناك على تأسيس معمل خياطة في تونس .
في سنة اثنان وسبعون عدت إلى الوطن مصحوبا بالألماني وبزوجته – بالمناسبة أريد أن أبشركم بخبر يثلج الصدر فقد كانت زوجة ذلك الكافر خليلتي ، وقد دافعت كثيرا على المشروع الذي جئت أستثمر فيه أموالي وأغرت زوجها بالأرباح الكبيرة التي سيجنيها من بلاد البرابرة - .
سألتني هذه الفاتنة ذات مرة وأنا أعلوها في الفراش عن الأسود التي تسرح وتمرح في تونس ، وعن الغزلان وإن لا نزال نصطادها بالسهم والنبل ؟
على كل هذا هامش ولن استطرد فيه كثيرا حتى لا يضيع منا خيط الحكاية وإن كان يستحق أن نتحدث في أموره حتى الصباح ولن نفيه حقة
قلت : عدت إلى أرض الوطن وفتحت معمل خياطة دشنه وزير من وزراء السيادة ، فصرت رجل أعمال أنصرف في مصائر أكثر من مائة بنت .
كانت البنات كواعب أتراب وكن يشتغلن في معملي من طلوع الشمس إلى غروبها ولا يشتكين أبدا فقد كنت بهن رؤوفا رحيما .
وتكدست أرباحي ، فطلقت الألماني وبنيت معملا آخر واشتريت عمارات وحقولا وأسهم في كثير من البنوك . وكانت أموالي تتوالد مع مشرق كل شمس وأنت أردد همسا وعلانية : " اللهم أنعمت ، فزد " .
الليلة عندما سمعت خبر " المليار " في السهرة التلفزية ورأيت الطفل المفجوع ووجهه يملأ الشاشة " وجعني قلبي " ، فحررت شيكا بمبلغ عشرين دينارا . عفوا سادتي الكرام ، ضمنت الشيك مبلغ عشرين ألف دينار وبعثت به مع سائق السيارة بعدما طلبت منه زوجتي أن لا يذكر إسم العائلة وأن يكتفي بالقول لمذيع السهرة : " هذا من عند جابر عثرات الكرام " .
يا أخي
يا إخوتي
يا أخواتي
نحن إخوان . نحن شعب واحد . ومن الواجب علينا أن نتعاون في السراء والضراء .
وهل لهذا المبلغ البسيط قيمة ؟
لقد رأيت في واحد من الأنوال جماعة من أصحابي يدفعون عشرات الآلاف من الدنانير لشراء " كلسون " راقصة هاوية .
عندما سمعت خبر " ليلة المليار " اشتد حماسي للموضوع .
فقلت في نفسي : الآن حانت ساعة الجد .
وتفرغت للهاتف ، تلفنت لأصحابي ودعوتهم للتبرع لهؤلاء المساكين . والغريب في الأمر أن ردهم كان عكس ما توقعت .
كان الرد جماعيا وكأنه مسجل على شريط " كاسات " .
قالوا : نخاف أن يكتشف الفقراء أننا اشترينا تبان الراقصة بخمسين ألف دينار .
فقلت لهم عليكم أمان الله ، فهذه الليلة مباركة . إنها ليلة المليار .
لكنهم زجروني قائلين : اسكت يا أبله إن للحيطان آذان .
وأقفلوا في وجهي خطوطهم الهاتفية .
حينها داخلني الهم والغم وركبني الإحباط ، فتمددت على الأريكة قبالة التلفزيون وبدأ النعاس في مراودتي إلا أن جرس الهاتف أعادني إلى الحياة .
رفعت السماعة فجاءتني أصوات الأصحاب متداخلة وكأنها صوت واحد قالوا : احضر حالا . لقد حجزنا لك مقعدا في نزل الهناء وراحة البال .
ورشف الرجل من كأس الشاي رشفة طويلة وقام . فامتلأت الدار حين قيامه بأصوات غريبة وعزيفا كعزيف الجن .
قلت ، وأنا أغالب رعبا هزني هزا .
- لا ياسيد ! أنت مفتر . لم نشاهد طوال السهرة سائق سيارة هذا الرجل الذي أقفل أصحابه في وجهه خط الهاتف ، والذي قال لمذيع السهرة : " هذا من عند جابر عثرات الكرام " .
وأفزعتني أكثر هواتف من حيث لا أدري . فكأن كل جدران الغرفة تحولت إلى مكبرات للصوت تزعق في فحيح مفجوع :
- وهل شاهدتم الرجال الأربعة الذين ماتوا في حفرة في تلك القرية الراقدة بجانب الوادي ؟
- لا ! وهل مات أربعة رجال في حفرة واحدة ؟
وعادت الهواتف إلى الزعيق :
- والرجل الذي مات فوق عامود كهرباء ؟
- لم نشاهد ذلك الرجل !
وداخل حزن أصوات الهواتف ، فنشجت :
- والرجل الذي قتله البرد وهو يرقب رحمة ربكم فوق جذع نخلة ؟
واختلطت الأصوات في أذني : أصوات رجال ونساء وأطفال تأتي من بعيد . أصوات امتزج فيها البكاء بالنحيب :
- الرحمة يا رب الأرباب !
يا رحمان !
يا رحيم !
الرحمة يا رب السماء
يا خبير !
يا عليم !
الرحمة يا رب السماء
يا قدوس !
يا كريم !
ثم ، فجأة احتدت هذه الأصوات صارخة :
- ثم ماذا شاهدتم إذن ليلة السهرة ؟
- آخ ! رأينا المطربة : تغريد " تتبرع بألف دينار .
وحفنة من الدموع !
ولحن راقص !
- ثم ماذا ؟
- المطرب " كريم " يتبرع بخمسمائة دينار !
ويعد بعرض موسيقي يهب كل مداخيله من الدينارات لمتضرري الفيضانات !
- ثم ماذا ؟
- الفنانة " غرور " تتبرع بأغنية وترجو من المتفرجين حضور مزاد علني تعرض فيه قمصان نومها وحاملات نهديها الكريمين !
- مرحى ! مرحى ! يا الله !ما أكرمها !
- ثم ماذا ؟
- لا شيء بعد هذا .
آه عفوا . لقد نسيت ذلك الشيخ الذي جاء يجر عصاه وأثوابه الرثة وفقره ، وتبرع بورقة نقدية .
ورقة نقدية قديمة جدا .
ورقة نقدية قديمة جدا ومتآكلة الحواشي .
ورقة نقدية قديمة جدا ومتآكلة الحواشي وذات خمسة دنانير .
تبرع شيخ المتسولين لضحايا الفيضانات بالصدقات التي جمعها طيلة ذلك اليوم دون أن يطرف له جفن ودون أن يدخل قلبه الندم !

محمد رشدي
23-12-2011, 08:39 AM
كاسك يا مطر / قصة : الجزء الرابع / ابراهيم درغوثي - تونس
31-01-2008, 10:56 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=27445


كأسك ... يا مطر
قصة قصيرة
الجزء الرابع

ابراهيم درغوثي/ تونس




حكاية الرجل الذي تبرع لضحايا الفيضانات بورقة نقدية ذات خمسة دنانير !




رشف الرجل الجالس قبالتي من كأس الشاي ووضعه على الطاولة .رأيت الكأس يعود فيمتلئ لوحده ، فأحسست برعدة في يدي وبخفقان في صدري فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم وبدأت في قراءة سور من القرآن .

قال الرجل :

- هل أنت خائف ؟ لم دعوتني إذن لمساعدتك ؟ ألم تطلب منا مشاركتك في كتابة القصة ؟

حينها ، وضعت قلم الحبر فوق الأوراق ونظرت في عينيه . لم أر شيئا عجبا : عينان كعيون بني آدم إلا أنهما باردتان كأنهما قدتا من زجاج وثلج وأنف مستقيم داخل وجه مدور حسن الصورة .

بدأت أحس بالأنس في حضرة هذا الرجل إلى سمعته يهمس في أذني :

- هل تريد أن أحضر لك هنا ذاك العجوز صاحب الورقة النقدية ذات الخمسة دنانير ؟

ولم يترقب ردي . ضرب أرضية الغرفة بقدمه ، فسمعت زلزلة رهيبة وثار الدخان والغبار . وفي الحين طلع مسخ من باطن الأرض .

بادر المسخ بالسجود بين يدي الرجل صاحب كأس الشاي وأطال السجود إلى أن قال له :

- قم يا " مردوخ " وآتنا حالا بالعجوز الذي تبرع لضحايا الفيضانات بورقة نقدية قديمة ومتآكلة الحواشي وذات خمسة دنانير .

رد " مردوخ "

- السمع والطاعة يا مولاي سيكون الآن بين يديك !

وجاءت ابنتي الصغرى تدق باب الغرفة فطلبت منها الدخول . فقالت :

رجل واقف بالباب يطلب مقابلتك يا أبي !

فطلبت منها أن تدخله ، فدخل وراءها بعصاه الغليظة وكفه المتغضة وخطواته الصغيرة .

حين وصل وسط البيت ، قمت أسلم عليه ، فدس في يدي ورقة نقدية قديمة ومآكلة الحواشي وذات خمسة دنانير .

قال صاحب كأس الشاي الأخضر :

- هذه صورة من المشهد الذي رأيته على شاشة التلفزيون !

وجلس العجوز قرب صاحب الكأس الذي بادره بالسؤال :

- هل حضرت مرة مزادا علنيا بيع فيه " كلسون " راقصة هاوية بخمسين ألف دينار ؟

رد العجوز :

- قلت لهم هي قوت عيالي فلا تحرموني ثوابها !

فزاد صاحب " مردوخ " :

- هل حجز لك أصحابك مرة طاولة في نزل الهناء وراحة البال ؟

فتمتم الرجل :

- حلفتهم ب " سيدي محرز " أن يعطوها للطفل الذي شاهدته على شاشة التلفزيون في المقهى ، ولمست بيدي هاتين دموعه اللزجة . وتحسست بأصابعي بسنته الحزينة !

فربت على كتفه وطمأنه :

لا تخف يا عجوزي ! لقد رفعت ورقة دنانيرك تلك عن مساكين تونس بلاء السماء !

فجأة ، قام العجوز وراح يدور حول كرسي صاحب كأس الشاي الأخضر متمتما :

عندما تركت دار الاذعة وخرجت للشارع وقت الزحام ، اعترضت طريقي ! )لا تطأطئ رأسك وانظر في عيني ) ، وطلبت مني أن أذهب معك إلى نزل الهناء وراحة البال .

وضعت يدي فوق كتفك وكأنني أعرفك منذ ألف عام ، ومشينا . ومشى معنا الطريق ‘إلى أن وصلنا إلى النزل .

في الباب ، اعترض طريقي واحد من العسس وحاول منعي من الدخول فرأيتك تغريه بورقة نقدية ، فتنحى عن طريقي .

عندما دخلنا المرقص ، كانت البطون تهتز فجلسنا أمام أول طاولة فارغة . ونادت النادل فجاء يسعى . طلبت منه " آيس كريم " لي أنا و "بيرة " مثلجة لك أنت . قلت له وأكدت على ذلك أكثر من مرة !

عند عودة النادل ، سألته عن ساعة المزاد العلني فرد : بعد قليل .

فشربت بيرتك وزدت أخرى وأخرى وأخرى حتى امتلأت الطاولة بالزجاجات الفارغة .

وأكلت الآيس كريم ، فطلبت لي واحدا آخر وآخر وآخر إلى أن صارت كل الرؤوس الجالسة حول الطاولة " آيس كريم " .

وبدأ المزاد العلني والفرقة الموسيقية تعزف لحنا رقيقا إلى أن خرج

" كلسون " الراقصة معطرا بالربيع ، فوقف الحاضرون وضربوا له

" تعظيم سلام " .

وتكدست فوقه الأوراق النقدية :

ألف دينار . " أشكون زاد يا لولاد " ؟

خمسة آلاف دينار . " أشكون زاد يا لولاد " ؟

عشرة آلاف دينار . " أشكون زاد يا لولاد " ؟

عشرون ألف دينار . " أشكون زاد يا لولاد " ؟

خمسون ألف دينار . " أشكون زاد يا لولاد " ؟

الأولى

الثانية

الثالثة

" صحة ليه ! اربح !

وفاح الربيع في الغرفة الليلية الصاخبة ، فهللت رؤوس الآيس كريم وسلمت تسليما .

وضعت يدي على كتفك يا صاحبي وكأنني أعرفك منذ ألف عام وطلبت منك أن تساعدني على الخروج .

قلت : لا . ترقب قليلا .

وذهبت ، فشربت أدوارا من الويسكي ثم قمت وسحبتني وراءك إلى وصلنا فوق الركح . طلبت مني أن أدوس فوق " الكلسون " وكدس الدنانير . ثم وقفت أمام المتفرجين المذهولين وأنزلت سروالك حد الركبتين ثم ... بلت على الجميع .

قال الرجل صاحب كأس الشاي :

أظن أن الأمو قد تشعبت كثيرا وأنني ذهبت بعيدا ولم أتقيد بما ورد في حصة التلفزيون . فرددت عليه بحماس شديد :

أنا أيضا أظن ذلك يا سيدي الكريم .

فقال : أرى من الأفضل أذن أن أرجع إليك خيط الحكاية علك تربط الأمور ببعظها وبريقة أحسن مما هي عليه الآن .

فقلت : هذا رأيك أنت . أما أنا فلي رأي آخر قد تشكك فيه كما شككت فيه في المرة السابقة .

قال : صلي على النبي يا سيد ، وعد بنا إلى الحكاية من جديد .

فقلت : ومن أين تريد أن أبدأ ؟

قال : بما أنك مغرم بحكايات الأجداد فإنني أرى أن يكون مفتتح حديثك ما قاله الغول لعلي بن السلطان الذي بادره بالسلام لما التقاه في مغارة في رأس جبل : " لو لم يسبق سلامك كلامك لدققت لحمك مع عظامك يا علي يا ابني " .

فقلت : آه . تذكرت .

جاءت الغيلان تحمل الصكوك البنكية :

بنك " شرقستان " يتبرع بعشرين ألف دينار .

بنك " سرقستان " يتبرع بدينار .

بنك " غربستان " يتبرع بخمسين ألف دينار .

بنك " هربستان " يتبرع بعشرين دينار.

بنك " صحرستان " يتلرع ب ....

بنك " بحرستان " يتنرع ب ....

وتكدست الوعود بالتبرعات .

مليون

عشرة ملايين .

مائة مليون .


قلت في نفسي : يا فرحتي بهذا الخير العميم الذي ما كنت أتصور وجوده مجرد تصور فقط .

وجاء هارون الرشيد فأعطى للفقراء خراج " " امطري حيث شئت " .

قلت : لماذا كان مجيئك متأخرا كل هذه المدة يا مولاي حتى أن الشحاذين سبقوك ؟

فرد : أنا أيضا كنت أشحذ يا حبيبي بعضا من رزقي المسروق من باطن الصحراء ، فبست يده الكريمة ووضعتها فوق رأسي ودعوت له بالنصر على الأعداء .

وجاءت زبيدة ، فبكت وأعطت مجوهراتها – كل مجوهراتها التي سرقها قواد الجيش من خزائن كسرى وقيصر - ، ووعدت مذيع البرنامج بصك على بياض .

قالت زبيدة زوجة الرشيد إنها نسيت دفتر شيكاتها في المنزل وتأسفت كثيرا لذلك .وجاء جعفر البرمكي والوجهاء وقواد الجيش وأرباب الدولة وصغار السلاطين وحاتم بن حاتم الطائي . جاءوا وتبرعوا كل بما قدر عليه دفتر شيكاته . وتألموا لمأساة الطفل الذي ملأت صورة وجهه شاشة التلفزيون .

قالوا إنهم سمعوه يقول : " وا معتصماه " .

وإن النعتصم رد عليه من نيويورك : صبرا يا بني لقد سرق الأمريكان جيوبي .

وسمعت الهواتف تردد هنا وراء المعتصم : سرق الأمريكان جيوبك يا خليفة رسول الله .

محمد رشدي
23-12-2011, 08:41 AM
كأسك ... يا مطر / قصة : الجزء الخامس و الأخير / ابراهيم درغوثي / تونس
02-02-2008, 12:01 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=27536


كأسك ... يا مطر
قصة قصيرة
الجزء الخامس و الأخير

ابراهيم درغوثي / تونس

حكاية المظاهرة التي أفسدت جو الفرح :

قال صاحب كأس الشاي الأخضر :

ها قد جمعنا المليار ، إنه الحكاية إذن بالزفة والزغاريد !

قلت أريدك أن تسمع هذه الخطبة قبل ذلك .

وضغطت على زر المسجل ، فخرج الصوت من جوف الراديو كاسات مزمجرا :

- لعن الله الكلاب أبناء الكلاب الذين لا يحلو لهم أبدا الهناء والسرور .

يا إخوتي

يا أهلي

يا عشيرتي

المطر رحمة من رب السماء . المطر خير جاءنا هذا العام . جاء وحده . هل نسيتم الأعوام الفارطة يا كلاب ؟

هل نسيتم كيف كنا بعد كل صلاة نرفع الأكف ونبكي ونطلب من رافع السماوات أن يرحمنا بما يحيي الزرع والضرع بعدما أتى القحط على الأخضر واليابس .

قتل الإنسان . ما أكفره .

واليوم تتظاهرون في الشوارع وتحرقون سيارات أسيادكم ومنازلهم وتهينون الكرام أبناء الكرام . لماذا ؟ لأنه الله أكرمنا بالمزن ؟أكرمنا بخيره ؟ أكرمنا بماء الجنة ؟

يا وجوه الخنازير . ماذا لو مات خمسة رجال ؟ أوعشرة ؟ أو حتى ألفا ؟

ماذا تساوي هذه الخسارة أمام سنابل القمح الرشيقة ؟

وأغاني الحصاد في أماسي الصيف الهادئة ؟

والمطامير الملأى خيرا وبركة ؟

وآلاف الدنانير التي ستربحها خزينة الدولة ؟

ومواطن الرزق التي ستفتح أبوابها أمام العاطلين عن العمل ؟

يا وجوه الشقاق والنفاق .

أنسيتم أن المرأة من نسائكم تلد مرتين في العام الواحد وأنه لم ينفع معكم حبوب منع الحمل وكل الوسائل الأخرى المعطلة للإنجاب ؟

أنسيتم أنكم لا تحسنون سوى مضاجعة النساء وتفريخ الأطفال ؟

ماذا إذن ؟

سنعوض هذه الخسارة في أسرع وقت ممكن ، وأنتم أدرى مني بذلك .

لكن المطر يا إخوتي الأعزاء .

المطر المحبوب

قطرات اللؤلؤ المسكوب على الثرى .

المطر يا إخوتي لا يمكن لنا أن نصنعه كما في أمريكا .

صناعة المطر من الصناعات التي يبخل علينا الغرب بأسرارها .

تماما كما القنبلة الذرية . بل ربما أكثر .

صبرا إذن يا إخوتي . إن الله يحب الصابرين ...

أووووووه . لقد بدأت الحكاية من نهايتها . فما رأيك يا صاحب كأس الشاي الأخضر لو أعود إلى البداية ؟

قال : لك ما تريد يا صاحبي .

قلت : عندما بلغ أعوان " الحماية المدنية " نبا تجمهر المتظاهرين أمام بنايتهم ، سالوا عن الخبر الذي جعل الناس يخرجون إلى الشارع ومعهم الغضب وحجارة من سجيل فقيل لهم إن أربعة رجال غرقوا في حفرة .

غلى الدم في عروق رجال " الحماية المدنية " ، فقاموا يبحثون عن معدات النجدة .

أين الحبال يا رجال ؟

ما عندنا حبال .

أين السلالم سلمت أيديكم ؟

ما عندنا سلالم .

أين قوارير الهواء المضغوط ؟

ما عندنا قوارير .

أين السيارة التي ستنقلنا إلى مكان الحادث ؟

السيارة معطوبة .

وأين الرب الذي سيرحمنا ؟

في السماء السابعة يا أخي .

وتطوع ثلاثة من أعوان " الحماية المدنية " . ركبوا سيارة أحد الخواص وانطلقوا .

لما وصلوا الحفرة ، ارتموا بثيابهم المدنية يبحثون عن الغرقى .

تلمسوا هنا .

تلمسوا هناك .

دخل الماء والتراب إلى عيونهم .

داروا هنا .

داروا هناك .

ملأ الطين آذانهم .

خبطوا ذات اليمين .

خبطوا ذات الشمال .فما وجدوا للرجال أثرا .

فحاولوا الخروج من الحفرة ، فما قدروا .

شربوا مياه السيول حتى امتلأت منهم البطون .

وتحولت العيون إلى نوافير ثم انفجرت ، فنزلوا إلى قعر الحفرة وتكدسوا هناك .

وجدوا الرجال الأربعة قد سبقوهم إلى النوم ، فناموا معهم " أجمل غرقى في العالم " أليس كذلك يا " ماركيز " ؟

لما هدأت الأمطار وانخفض ارتفاع الماء ن تساقط أقارب القتلى في الحفرة . وجدوا الجماعة هناك جالسين يطبخون الشاي ويشربون

" الشيشة " . سلموا عليهم ، فردوا السلام . وباسوهم من خدودهم وغنت لهم النساء أغاني الفرح ، ثم اركبوهم كما يركب الفرسان على الخيول المطهمة وطافوا بهم شوارع المدينة .غنوا ورقصوا كالمجانين إلى أن جاءت الدواب الحديدية السوداء والهراوات والقنابل المسيلة للدموع ، فتحولت الخيول إلى توابيت .

هكذا : نزل كل واحد من الرجال السبعة من على حصانه ووقف لجانبه ، فتحولت الخيول إلى توابيت من خشب ، فركب كل واحد تابوته وأشعل أضواء التقاطع . وزمجرت سيارات الإسعاف وانطلقت بسرعة جنونية تشق الطريق شقا .

ووقف الرجال أمام القبور يلملمن أكفانهم ، وعادوا على النوم من جديد ...

ملاحظة : عزيزي القارئ هذه الحكاية لم تنته ، فليلة المليار ما زالت طويلة ... خذ قلمك وانه هذه الحكاية على هواك .

أطلب عفو القارئ الكريم على هذا الإزعاج ...

محمد رشدي
23-12-2011, 08:42 AM
القتاع / قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي / تونس
06-02-2008, 06:03 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=27781


القناع
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي/ تونس




منذ أيام ، كان جرس البيت يدق في نفس اللحظة تقريبا. تعلن الساعة المغلقة أمامي على الجدار – الثانية و النصف بعد الزوال – فيرن جرس الباب بعدها مباشرة. ساعتها أكون في الفراش شبه مخدر بفعل حرارة قيلولة الصيف. فلا أنا بالنائم الذي فقد الإحساس بالموجودات، و لا بالقيظ. أكون بين بين ، في برزخ بين الحياة و الموت. و قد حاولت أكثر من مرة أن أذهب إلى الفراش مباشرة بعد الغداء فأقرأ مرة جرائد الصباح النائمة عادة فوق الطاولة، و أتصفح المجلات المصورة و أجلس أكثر من مرة أمام جهاز التلفزيون أتجول من محطة إلى أخرى إلى أن يصيبني القلق فأذهب لأنام.
اليوم دق الجرس على غير عادته، قبل الوقت المعتاد بربع ساعة . كانت الحياة مازالت تتشبث بجسمي فتغلبت على ضعفي ووهني الذي كان دائما يصاحب استيقاضي من النوم و ذهبت أقف وراء الشباك . رأيت ابنتي تنزع عن وجهها شيئا كالقناع و رأيت البنت التي كانت تضرب الجرس تلبس وجه طفلتي . كانتا تضحكان وتتهامسان بخبث. غطت الزائرة وجهها بالقناع حتى صارت كأنها توأما لابنتي و اتجهت صوب البيت يثبان فدفعت الباب و ذهبت إلى قاعة الجلوس. جلست فوق الأريكة مباشرة أمام التلقزيون الذي كان يبث شريطا للصور المتحركة . و جاءني من بعيد ، من نهاية الشارع صوت ابنتي ينادي : سواك... أمشاط... قراطيس حناء... قمصان نوم حريرية.. أحمر شفاه... علك أمريكاني...
ورأيت الطفلة التي على وجهها القناع الذي يجعلها نسخة من ابنتي تتجه نحو الثلاجة فتخرج قارورة ماء باردة و تسكب لنفسها كأسا تشربه في جرعات صغيرة ثم تحمل في حضنها عددا من علب المشروبات و تعود إلى قاعة الجلوس.
كانت مرتبكة بعض الشيء لكن القناع الذي كانت تلبسه كان ملائما لها تماما حتى أن الحيرة أربكتني فلو لم أرها بعيني تتبادل مع ابنتي الوجه و الثياب لكذبت نفسي.
كانت البنت تقول لها :
- أخاف أن يكتشف أبوك اللعبة هذه المرة
و كانت طفلتي ترد:
- لا تقلقي، فأبي ينام في القيلولة . يسقط على فراشه كالميت و لا يفيق إلا حين يرفع الآذان لصلاة العصر.
و توسع لها في الطريق ثم تقف وراءها مشجعة، إلى أن تدخل قاعة الجلوس الفسيحة فتدفع ابنتي أمامها العربة و هي تمسح بنظراتها أدباش البائعة الجوالة المرصوصة داخل صناديق صغيرة : علب كبريت و إبر خياطة، لمبات كهرباء و شفرات حلاقة، أواني طبخ من الألمنيوم و ملاعق و سكاكين ، جوارب نسائية و حاملات صدور...
و يتكدس الأطفال أمام العربة . أطفال كثر لا تدري من أين خرجوا لها . بنات يحملن في أحضانهن إخوتهن الرضع يطلبن الحلوة و البسكويت . و أطفال يقطر الشر من عيونهم يختطفون علب البسكويت و السجائر .و صبايا يختطفن أحمر الشفاه و غلالات النوم .
و تطل النساء من وراء الأبواب المواربة يسألن عن الكحل و السواك و إبر الخياطة...
و يطلب الرجال شفرات الحلاقة المهربة من ليبيا ...
و البنت تدفع و تقبض الدراهم ، تدسها في صدرها بحذق العارفة و صوتها يلعلع ، ينادي عن البضائع المستوردة و على الفرص التي ستضيع عن المتخلفين...
من وراء شباك قاعة الجلوس ، رأيت الطفلة التي تشبه ابنتي في كل شيء : السن و الطول و استدارة الوجه و ضفيرة الشعر السوداء و التبان القصير و الصدرية السوداء اللتين عدت بهما البارحة من السوق و لبستهما ابنتي في الصباح . كنت ساعة الغداء و نحن على الطاولة أراقبها وهي تتباهى بورد الربيع المحبوس فوق صدرها و بالدنتيلا التي تزين التبان .
رأيت الطفلة تقف مدهوشة أمام أكداس اللعب المرمية على أرضية الغرفة: عرائس في أحجام مختلفة تصرخ " ماما " عند اللمس ، و سيارات يشتعل الضوء الأحمر فوق سطوحها حين تدفع بها الطفلة على الأرض و قطارات كهربائية تسير على سكك حديد و كتب مزدانة بصور لحيوانات لا تعرف أسماءها و ألف قلم تلوين و أوراق بديعة الألوان و مقصات و منازل صغيرة من الكرتون و دراجات ... و لم تعرف ماذا تفعل فجلست على الأرض و جعلت تجمع حولها اللعب و تشرب من علب المثلجات و تضغط على ناقوس الدراجة و تلعب بالعروس الكبيرة تركبها طورا على الدب و طورا آخر تقودها من يدها الصغيرة و هي تصيح " ماما...ماما...ماما "... إلى أن دق الجرس فقامت خفيفة و اتجهت نحو الباب . خيل إلي و هي تخرج أنها رأت وراء شباك أحد البيوت رجلا يرمقها ، فأسرعت في مشيتها دون أن تلتفت إلى الوراء.
رأيت ابنتي تنزع عن وجهها قناع البنت بائعة السواك و العلك ، و تلبس وجهها . ورأيت البائعة الجوالة تقوم بعملية جمع بسيطة للنقود التي وضعتها ابنتي في كفها ثم تدفع أمامها عربتها الصغيرة .
و تردد داخل البيت صدى صوتها القادم من بعيد . و اختلطت نداءاتها بدق الساعة المعلقة على الجدار قبالة السرير و قرع ناقوس الباب و صوت الآذان يرفع لصلاة العصر .

محمد رشدي
23-12-2011, 08:46 AM
منازل الكلام / قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي / تونس
17-03-2008, 07:58 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=29512


منــــازل الكــلام
قصة قصيرة


ابراهيم درغوثي تونس




كـــلام الـــيوم الســـابق .


آلو. . . . آلو . . . آلو . . .
ويرن الجرس في مكان قريب. يرن في مكان بعيد. في قرية نسيتها رحمة الرب. في مدينة ضاحكة حد التخمة . في ريف أجرد أغبر. تحت ظل شجرة زيتون معمرة. زيتونة لا شرقية ولا غربية .يرن في عمارة ذات عشرة طوابق. عمارة بلا مصعد كهربائي .بناها صاحبها من أموال جمع زكاة المؤمنين الذين يخافون ربهم .يرن داخل جهاز هاتف نقال في يد مراهق. في جهاز هاتف من مخلفات الحرب العالمية الثانية .تحفة . تحفة ياسيدي يزّين بها مغرم بعاديات الزمن الغابر كوموديـنو بيت النوم. يرن الجرس في السماء السابعة .يرّن تحت الأرضين . يرّن في قمر منسي في مجرة ميتة منذ مليون سنة. يرن تحت وسادة شابة هيفاء كغصن ألبان أنيقة صدرها نافر تزينه تفاحتان فواحتان لذة للناظرين. وعجيزتها مكبوسة داخل سروال دجين . شابة مطلقة واحسرتاه.واأسفي عليك يا شقيقة ريم الصحاري .شابة كلمت حبيبها من فوق سرير الزوجية وبعلها يستحم لكنها تمادت في الحديث . نسيت أنّ البعل يتهيأ لها فتمادت في الحديث حتى فاجأ مناجاتها من وراء الباب الموارب فخبط صوتها على الحائط وسحق نيران حبه تحت حذائه الملّّمع حديثا وطلقها ثلاثا .يرن الجرس ثم يعاود الرنين فتسكته يد حانية : آه حبيبي ! كيف حالك ؟ طيب والحمد لله ! ..يرد على ندائه صوت هامس: اّلّلطف يالطيف الطف بعبدك الضعيف. تخمد أنفاسه خبطة يد خشنة : ألم أطلب منك يا ابن القحبة ألا تعود إلى هذا الرقم ... آلو ... صمت ثقيل .صمت لزج. صمت ضاج بالمقت والكراهية . ثم ينهمر سباب مقذع يملأ فضاء القاعة الصغيرة . يدك المكان صوت غاضب يسب ويلعن .بألفاظ فاحشة .جارحة .ويعود الهمس من جديد ... همس لطيف : آه روحي أنا في انتظارك على نار الشوق. أصوت طفل ساذج يدعو أمه إلى العودة إلى البيت فأبوه في حالة غضب كافر .صوت كهل يعاكس بنتا .همسات وشخير .تأوهات عند الفجر .في القيلولة .عند السحر. في منتصف الليل. ما أحلاك يا عسل. أموت في عين الغزال. سأنتحر تحت عجلات المترو غدا .انتظري رسالتي قبل الموافقة. أنا في حاجة إلى النقود يا والدي .الطائرة ستغادر المطار بعد ساعة سأنتظر قبلتك الأخيرة فلا تخيبي رجائي .




عامل المحل يعشق حكايات
ألف ليلة وليلة .

عند السابعة صباحا أضع المفتاح في ثقب قفل باب البوتيك وأديره دورتين إلى اليمين وأدفع دفة الباب حتى تخبط الحائط . يضج المكان بأحاديث الأمس والبارحة .تختلط الأصوات وتتدافع في كل الاتجاهات .يتساقط كثير من الكلام علىالأرضية صريعا مدمى ينز منه القيح والروائح الكريهة .وتحتضر بين رجلي آهات المتيمين بحبيبا ت هجرن قلوبهم ويفوح عطر الآقاح في الركن الأيمن من البوتيك . عطر كلا م عن الحب قالته البارحة شابة قبل أن تغادر المكان .أكنس هذا الكلام الميت وأرميه في سلة المهملات . وأفتح الشباك ليطرد هواء الصباح الجديد بقية الكلام المتطاير في الجو. يتقافز الهمس متكاسلا وتساقط دموع التوسل كرذاذ مطر الحريف . وتخشخش كلمات الرياء داخل طبـلة أذني حتى تكاد تثقبــــها ثم تنقشع هذه الضجة شيئا فشيئا وتعم السكينة أرجاء المكان فأذهب إلى طاولتي الصغيرة المنتصبة قبالة الأبواب الأربعة ذات الواجهات البلورية .أتفقد أجهزة الهاتف .أحنو عليها أكلمها .أوشوش في آذانها وألثم أفواهها ثم أعلقها على الأذرع الفولاذية .وأعود إلى الطاولة .أصفف فوقها القطع الفولاذية الصفراء والبيضاء وأخرج من الدرج الصغير كتاب ألف ليلة وليلة أعدم بحكاياته وقت الفراغ .



حكاية الكلام الممنوع من الصرف التي فيها ذكر الست شهرزاد


الباب مفتوح طول النهار وعرضه يستقبل حرفاء الكلام المباح والممنوع من الصرف العلني. فيدخل بصمت الحكماء. تدخل بحذر غزلان البراري . يدخلان بضجيج الشباب. يدخلون دخول الفاتحين . يدخلن بخفر العذارى . وتمتلئ فسحة الانتظار بهرجهم وضجرهم وصمتهم وحديثهم الهامس ... تمتلئ القاعة الصغيرة بابتساماتهم وضحكهم الضاج ...تمتلئ القاعة بدموعهم وتوسلاتهم... بغضبهم وكلامهم النابي ...كلمة واحدة ويخرج من المقصورة هائجا هيجان ثيران حلبات القتال ...
كلمتان وتخرج جذلى تكاد الدنيا لا تسعها .... ما أحلى الكلام ... ما أمر الكلام .. كلام في عذوبة
غنوة العندليب ....كلام خشن كجذع شجرة عجوز ....كلام في حلاوة العسل المصفى .... كلام لذيذ كالفستق .... كلام يفتح القلوب المغلقة بسبعة أقفال .... كلام لطيف .... كلام موحش كالظلام ... كلام في كلام في كلام ... وينفجرون بكل فرح الدنيا .... هذيان محموم وهتافات ودموع تغني عن الكلام ...انتصار وخيبة ...جنة ونار هذه الأمتار العشرة المربعة ... جنة بها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين... ونار تلظى يصلاها الأشقى . .. وأنا من وراء طاولتي أتابع هذه الدنيا الصغيرة ...أتابع هذه الدنيا الصغيرة وأقرأ ما تيسر من حكايات الست شهرزاد . فتختلط عليّ الأشياء . تصير الحياة عالما من ورق. وتتحول شخصيات حكاياتي إلى آدميين من لحم ودم. أراهم بقلبي يغادرون الكتاب فأبتسم لهم . وتشجعهم ابتساماتي المتواطئة فيفتحون أبواب وشبابيك داخل الورقات ويذهبون.يختلطون بمرتادي المحل . يتبادلون معهم التحايا ويشّّدون على الأيدي المرتعشة . ويقرأون لهم أشعار الغزل والرثاء . يباركون للناجحين . ويضعون أيديهم بلطف على أكتاف المنهزمين. وأنا أبحث عن خواتم لبدايات قصص ألف ليلة و ليلة . وبدايات لأحداث هرب أبطالها من الأسطر الأولى من صفحات الكتاب .... هربوا وتركوا الحكايات بلا معنى ... والمعاني بلا حكايات. وأمتلئ بكل أوجاع الدنيا حين تدفع آلة الهاتف فاتورة الحساب. وأتوجع حين تعلق سماعة الهاتف على الذراع بعنف . حين تعلق بغضب. حين تعلق بسخط .وأبتسم لحريف يحنو على الجهاز كما يحنو حبيب على حبيبه. فيرد على ابتسامتي ويمضي في حال سبيله . ويخرج مرتادو دكاكين الكلام . يخرجون تاركين المكــان للواقفين في البهـو و المتلصصين على الشفاه وعلى عدادات ماكينات الكلام .





حكاية قوت القلوب مع حبيبها غانم بن أيوب المتيم المسلوب .

عند الساعة الثامنة وقفت أمام الدكان امرأة شابة قاعدة النهد أسيلة الخد بطرف كحيل وخصر نحيل وردف ثقيل عليها أحسن ما يكون من الثياب : معطف من القطن الأسود تحته قميص أحمر وتنورة بنفسجية .كانت الشابة تحمل على كتفها حقيبة أنيقة وفي يدها مجلد كبير الحجم يحمل عنوان: "دليل الحيران في عناوين وهواتف الأحبة والأغيار والأهل والجيران" . وقفت الشابة أمام الباب لحظات ثم دخلت تدق جليز البوتيك بكعبها العالي. أشرعت أول باب قابلها وافتكت من المرأة المنهمكة في حديث أضجر المترقبين سماعة الهاتف وقذفت بها خارج الكشك وسد ت الباب بقامة تفضح غصن البان وبعطر أرق من النسيم إذا مر على البستان . ظلت في الكشك أكثر من ساعة . كانت تخرج بين الفينة والأخرى تقف ساهمة ، لا تتكلم ، فقط كانت تنظر في الفراغ "بعينين قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر". ثم تطلب مني أن أحول ورقاتها النقدية إلى قطع صفراء كبيرة أو بيضاء صغيرة تلقم بها الجهاز وتضع السماعة على أذنها ثم تطلب أرقام من المجلد تظل تعيدها بلا كلل ولا ملل. كانت تعتري هذه المرأة حالات عجيبة. كانت أحيانا تبدأ في بكاء هستيري يدمي القلوب الحجرية .ثم تصمت لحظات لتبدأ ضحكة تكاد لا تنتهي . ..إلى أن يمل الواقفون وراءها هذه اللعبة فيسلوها . إلا أن نظراتهم الحيرى لا تفتأ تراقب من بعيد ما يدور في مقصورة الهاتف .
ظل العطر الغالي والكعب العالي في الدكان من الصباح إلى المساء. و ظللت أحوّل أوراق النقد إلى قطع معدنية إلى أن سمعت أزيز عجلات في الخارج .وقفت أستطلع الأمر فإذا بسيدة الكعب العالي ملقاة على الرصيف. وإذا بأبطال قصتي يصفقون بأجنحتهم ويطيرون خارج الكتاب .رأيتهم يحطون على المرأة ويعودون بها إلى الدكان. أجلسوها على أريكة في الركن ثم هووا عليها بمراوح صغيرة أخرجوها من جيوبهم إلى أن عاد لها الرشد فوضعوها داخل حكايتها القديمة ونادوا أن تعالي يا شهرزاد قصي على هذا الرجل حكاية قوت القلوب مع حبيبها غانم بن أيوب المتيم المسلوب . لكن شهرزاد امتنعت عن الكلام المباح قائلة إنها ما عادت قادرة على الحكي بعد أن ألجم لسانها ما تسمع وما ترى من عجائب وغرائب يشيب من هولها الولدان . ولكن هو ذا كتابي بين يديه فليقرأ منه ما يشاء . وانصرفت كما جاءت تاركة وراءها عطرا يأخذ بمجامع القلوب .
وعدت إلى كتابي أقرأ منه : بعد أن عفا الخليفة هارون الرشيد على محضيته قوت القلوب ووعدها بأن يهبها إلى حبيبها غانم بن أيوب هبة كريم لا يرجع عن عطائه ساحت في أرض الله الواسعة تبحث عنه إلى أن وصلت هذه المدينة العجيبة. مدينة الجسور المعلقة والمباني الشاهقة .لم تعرف كيف الوصول إلى المارستانات والمشافي والخانات. ولم تعرف كيف تعبر فوق نهر دجلة إذ رأت الجسور محطمة. ولم تعثر على صياد يساعدها على العبور فجلست على حافة النهر تبكي حظها التعيس وتذكر أيامها السعيدة مع حبيب ما عادت تعرف كيف تصل إليه .ظلت هناك إلى أن غابت الشمس فخافت أن تقع في أيدي قطاع طرق أو لصوص يبيعونها في سوق الرقيق فقامت وذهبت تطرق أول باب قابلها . فلم يجب على ندائها أحد . وتمادت في طرق الأبواب إلى أن امتلأت باليأس والفجيعة فقررت العودة إلى النهر . في طريق عودتها قابلتها إحدى قهرمانات القصر فسألتها قوت القلوب إن كان بلغها خبر عن حبيبها غانم بن أيوب فتلكأت ولم يطاوعها لسانها عن الرد . ولما وضعت الشابة في يدها حفنة من الدنانير الذهبية قالت لها القهرمانة إن حديثا يدور في المدينة عن موت غانم بن أيوب المتيم المسلوب في حادث سيارة ملغومة بمائة كيلو غرام من الحرية على الطريق الرابطة بين مدينة السلام وسجن أبي غريب .فجنت الشابة ومزقت فستانها المرشو ش بالربيع وذهبت تبحث عنه في مكان الحادث .وجدت بلور السيارة مهشما وآثار دماء على الكرسي الخلفي ونتفا من اللحم الآدمي وراء كرسي السائق مباشرة. غمست إصبعها في الدم اللزج ورفعته أمام عينيها.نظرت في الإصبع الملطخ بالدم ومسحته على جسم سيارة عسكرية من نوع هامر و ... يدعوني حريف إلى فك نقوده فألبي النداء .أغلق الكتاب .أضعه على الطاولة وأضع في يد الطالب قطع النحاس . و أذهب أقف أمام الباب أشم هواء الشارع وأتفرج على السيارات والعابرين حثيثا تحت المطر .
وأعود إلى حكاياتي فيمتلىء البوتيك بعطر قوت القلوب .. ويضج المكان بصراخها المحبوس بين دفتي الكتاب .

وما هذه بأغرب من حكاية مسرور السياف وما جرى له يوم الانقلاب على السلطان .

منذ أن خطا خطوته الأولى داخل الدكان عرفته رغم إتقانه التنكر . فقد لبس بدلة تاجر شامي وغطى رأسه بعمامة هندية ووضع في رجليه مركوبا مصريا . كان كلما خطا خطوة ترك وراءه بقعة دم كبيرة . فصحت في وجهه أن قف مكانك يا رجل وعد إلى حكايتك القديمة .
قال : مستحيل هي فرصتي الأخيرة مادمت وحدك في الدكان ولا شاهد غيرك على خروجي من بين دفتي هذا الكتاب .
ومضى إلى مقصورة الهاتف المقابلة لطاولتي . نفض رجليه من الدم ودلف إلى الداخل بحذر. رأيته يؤلف أرقاما كثيرة ويهتف إلى عدد كبير من الأشخاص ويتكلم بعصبية مفرطة .يشتم ويسب مرات ويلين في الحديث مرات أخرى إلى أن سال الدم من تحت باب المقصورة فعلق السماعة على الذراع بنرفزة . وخاض في الدم إلى أن وصل باب الخروج .
ناديته إلى أين أنت ذاهب يا مسرور؟ أما سمعت بالانقلاب الذي أطاح بسلطانك هذا الصباح فكل إذاعات العالم تتحدث عنه وعن القصر الذي أحرقه المتظاهرون بعد أن عاثوا فيه فسادا .
قال : والله لا أدري إلى أين أذهب . لقد تقطعت بي السبل بعد أن رفض الجميع استقبالي في بيوتهم . أنا مسكين يا أخي فقد كنت أنفذ الأوامر العلية . وانخرط في بكاء يقطع الأكباد .
ارتبكت في أول الأمر وأنا أشاهد بأم عيني مسرور سياف السلطنة يبكي كالطفل الصغير. ثم تداركت الأمر فعضضت على قلبي وقلت له بتشف :
- لن تجد الآن من يفتح لك باب النجاة يا سيف السلطان
وتركته واقفا أمام الباب . وذهبت أبحث عن مكنسة وقطعة قماش أمسح بها آثار أقدامه الملوثة بالدم . فدس سيفه تحت عباءته الطويلة . وذهب إلى حيث لا أدري .
بعدما غاب عن ناظري ندمت ندما شديدا لأنني نسيت أن أطرح عليه سؤالا ظل يؤرقني وأنا أقرأ في الليالي :
- لماذا لم يرفض مسرور السياف مرة واحدة أوامر السلطان ؟

وما هذه بأعجب من حكاية طاقية الإخفاء :

وضع شاب جميل كالبدر ليلة تمامه فوق الطاولة شاشية ماجيدي قال إنه وجدها بجانب الهاتف داخل المقصورة . وذهب في حال سبيله . جلبت الشاشية انتباهي. فجعلت أقلبها بين يدي متمليا منظرها البديع وزينتها الفخمة . فقد كانت تخلب اللب بالرسوم التي تزدان بها : رسوم أزهار وأطيار وحيوانات أسطورية، طواويس برؤوس آدمية ، وأحصنة مجنحة وآدميون على وجوههم مناقير جوارح .
إلاّ أن ما يعيب هذه الشاشية أنها لم تكن جديدة . فآثار السنين ظاهرة على حافتها المسودة .
قلبت الشاشية بين يدي مدة ثم وضعتها فوق رأسي .
أطل من المقصورة المقابلة لطاولتي رجل . رأيته يبحث عني بعينيه ثم سمعته يتمتم :
- أين ذهب هذا الملعون ؟
ظل الرجل واقفا برهة في الباب ثم رفع صوته مناديا :
- أين أنت يا صاحب المحل ؟ أريد فك هذا الدينار إلى قطع نحاسية .
ذهب في ظني أن الرجل أعمى . لكن الحاضرين في بهو الانتظار صاروا يلتفتون باتجاه الطاولة والحيرة ترجهم رجا إلى أن قال قائلهم :
- قد يكون خرج لقضاء حاجة وسيعود .
امتلأت بالخوف والرهبة وغادرت المكان . مررت وسط الكتلة البشرية المتراصة وسط بهو الدكان دون أن يحس أحد بمروري لكن قبل وصولي إلى باب الخروج بخطوتين دفعني طفلان يتشاجران فوقعت . ووقعت الشاشية من على رأسي . فانكشفت لهم . صاحوا بصوت واحد :
- أين كنت يا رجل نحن في حاجة إلى قطع النقود النحاسية .
فأدرت لهم ظهري . وقصدت طاولتي . وأنا لا أكاد أصدق أذنيّ .هل أصابتهم غشاوة فعموا عن رأيتي ؟ أم أنني تحولت إلى شبح ؟

غمرني عرق بارد سال على جبيني وبلل كامل بدني . عرق لزج جعل ثيابي تلتصق باللحم وتضغط عليّ حتى كادت تذهب بروحي . فتركت الطاولة . وذهبت أروّح عن نفسي بالوقوف أمام الباب إلى أن خلا المكان من الزبائن . فعدت إلى الشاشية أضعها على رأسي وعدت إلى القراءة في الكتاب إلى أن رأيت كهلا يقف في باب الدكان. تردد الرجل لحظة ثم دخل المحل ا لتفت يمينا وشمالا . ثم اقترب من الطاولة . ظهر الارتباك في عينيه. إلاّ أن يده اليمنى تحركت بسرعة .اختار من النقود المصفوفة أمامه كدسا من الدنانير دسها في جيبه وبسرعة ولج إحدى كبائن الهاتف .
حين أطل برأسه بعد دقائق . وجدني وراء الطاولة .
قال وهو يداري ارتباكه :
- اعطني بضع مئات من الملاليم .
ثم استطرد :
- أين كنت ؟ لم أجدك في الداخل قبل قليل ...
صدق ظني .هاأنذا أمتلك شاشية عجيبة. شاشية تخفيني عن الأعين .شاشية تجعلني قادرا على الاستماع إلى الآخرين والتلصص على أسرارهم ، على حكاياتهم الصغيرة ، على كذبهم على نفاقهم ،على تفاهاتهم على ...
وكان البهو فارغا والمقاصير ملآى بمرتاديها. قلت : لأجرب الاقتراب من زبون خفية . واقتربت من المقصورة القريبة من الباب . أحسست بجسمي خفيفا وبأنني أكاد أطير .كنت أتحرك كالطيف . فمددت يدي أفتح الباب . لكنه أحدث صوتا جلب انتباه الرجل المنهمك في الوشوشة . التصقت بالجدار. فمد الرجل يده وأعاد إغلاق الباب دون أن يحس بوجودي .كان الرجل المحترم في خمسينات العمر. وكان جسمه مكتظا باللحم والشحم .سمعته يغازل الصوت الأثيري ببذاءات ويطلب منه موعدا للتلاقي. قال الرجل المحترم : ستجد المفتاح تحت وسادة أمام الباب تعال رأسا إلى بيت النوم . ستجدني في انتظارك .وازداد كلامه بذاءة فازددت انكماشا في الركن إلى أن بدأ الرجل في التأوه و الأنين .. . ولا أدري كيف انطلق جمع يدي إلى فمه .ثم أردفت الجمع بصفعة على قفاه وبركلة على بطنه .كان الرجل يتقي الصفع والركل بيديه .كان مرعوبا فالضربات تأتيه من حيث لا يعلم .ولا أحد يشاركه المكان فعلق السماعة كما اتفق واندفع هاربا .جريت وراءه إلى أن اختلط بالمارين فــــركلته على مؤخرته وعدت إلى الدكان.
وأنا ألج الباب . رأيت الرجل يشتبك في عراك بالأيدي والكلام النابي مع جمهور الشارع فرفعت الشاشية عن رأسي وذهبت أجلس وراء طاولتي .
وصرت كلما دخل زبون أو زبونة واحدة من المقاصير وكان بهو الانتظار فارغا إلا ودخلت وراءه . فامتلأت بالضجيج ... بالكلام ... بالهمس ... بالبكاء ... بالنحيب ... بالعياط الهستيري... بالضحك ... بكل الأصوات العذبة والحزينة . و امتلأت بالأمل والفجيعة ...بكل تعب الدنيا وشقاء الأنفس... بكل سعادة الأرواح وتعاساتها ...
عند الثامنة إلا دقائق وكنت منهمكا في ترتيب الدكان اسعدادا للمغادرة ، رأيت شيخا يلج الباب حياني الرجل بأدب جمّ واتجه نحو الطاولة .قال :
- هذه شاشيتي يا ولدي لقد نسيتها هنا .
وضم الشاشية إلى صدره .وخرج .
حين عاد لي الرشد جريت وراء الرجل فلم أجد له أثرا .
كان الشارع الطويل فارغا وكانت بقايا من روائح الرجل تملأ المكان .


كلام اليوم اللاحق :

هذا ما كان من أمر قوت القلوب البغداذية فإنها ظلت
تخرج كل يوم من بين دفتي كتاب الحكايات العجيبة -التي لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن يعتبر- تكلم عريسها الشهيد داخل مقصورة التاكسيفون إلى أن ماتت ذات يوم بين يدي بالذبحة الصدرية فدفنتها بين دفتي الكتاب وأعدتها إلى عالم الحكايات .

أّمّا ما كان من أمر الشيخ صاحب طاقية الإخفاء . فإنه كان يزور كل يوم دكانا من دكاكين التاكسيفون ، يتناسى في الصباح شاشيته المجيدي القديمة في مقصورة من المقصورات ولا يعود إلاّ مساء بعد أن يكتشف صاحب الدكان خوارق الشاشية .

وأمّا ما كان من أمر مسرور السياف ، فإن واحدا من الجماعة التي اقتحمت القصر، وكان في الأصل عبدا من عبيد السلطان ، قد عرفه حين رآه يحاول الهرب على ظهر سفينة افتكها من صياد سمك . فدل عليه القوم . فأخرجوه من النهر. وجردوه من سيفه . وجروه من رجليه إلى أن وصلوا إلى ساحة النصر. فعلقوه على بقايا تمثال السلطان . وجلدوه إلى أن أغمي عليه فألبسوه جلد حمار. وربطوه بحبل على سارية جرار البلدية. وسحلوه في الشوارع ...

dargouthibahi@yahoo.fr

محمد رشدي
23-12-2011, 08:48 AM
الشيطان الذي تلاعب بالمدينة / قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي / تونس
18-03-2008, 10:31 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=9165


الشيطان الذي تلاعب بالمدينة .
لمن تقرع الأجراس ؟ سابقا *
قصة قصيرة


ابراهيم درغوثي/ تونس



حدث أبو سعيد الخدري أن رسول الله قام يصلي صلاة الصبح ، وهو خلفه يقرأ . فالتبست عليه الصلاة . فلما فرغ من صلاته قال :
لو رأيتموني وإبليس. فهويت بيدي . فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصابعي هاتين ، الإبهام والتي تليها . ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة

ابن كثير
البداية والنهاية
باب خلق الجان وقصة الشيطان

رأيته في ساحة السوق .
كان له رأس ثور ، وذيل قصير كذيل المهري يهش به الذباب الذي تكدس على مؤخرته التي تشبه مؤخرة قرود البابوان .
اقتربت من المسخ الواقف على قدمين كبقية بني آدم . كان يتحدث ، والقوم كأن على رؤوسهم الطير ، بأحاديث مروية عن النبي وبأسانيد يزعم أنها صحيحة ، عن البخاري وعن مسلم . ويستشهد بالصحيحين .
وعن سيد قطب ، وعن أبي هريرة رضي الله عنهما . ويمسح وجهه ولحيته بيديه
وعن أبي سعيد الخدري ، وعن ابن عباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم تسليما
وعن الحسن الترابي ، وعن الحسن البنا . ويحكي عن الفريضة الغائبة .
كان يعظ الناس بآيات يختارها حسب هواه من القرآن ، وبحكايات عن السلف الصالح . ويضرب الأمثال للناس ، يقول : لعلكم تهتدون .
ويقرأ من الشعر القديم حتى ظننته واحدا من الرواة . يقرأ من معلقات النابغة الذبياني ، وعنترة بن شداد العبسي ، وزهير بن أبي سلمى ، وطرفة بن العبد .
يقول : ... وأفردت إفراد البعير المعبد .
ثم يتنهد ، ويمسح اللعاب المتناثر فوق لحيته . ويلوح في الهواء بسيف استله من تحت جبته .
والناس كأن على رؤوسهم الطير .
كانت له لحية تيس عجوز معلقة في وجه ثور . وعلى جانبي الرأس ، من اليمين والشمال نبت له قرنان معقوفان .
والصدر غطاه وبر كوبر الإبل .
وجبة الصوف التي ارتداها تلامس الركبة .
رأيت تحت الركبة حافري بغل .
والرجل يتحدث عن الشعر الحديث ، وعما بعد الواقعية الاشتراكية ، وعن انهيار أمبراطورية الثلج ، وعن سمير أمين صاحب المركز والهامش الذي يريد تطوير وتثوير الماركسية . ويخرج من فيه صوتا كالضراط . ويقول : هذا لسمير أمين ، وللماركسيين الجدد الذين جاءوا في زمن الجدب . ويحكي عن روجي قارودي الذي طلق المذاهب الوجودية واعتنق الإسلام دينا ، فأكرمه الله ونعمه خادم الحرمين الشريفين بجائزة الملك فيصل العالمية .
ويعود بعد هذا الاستطراد إلى سعاد وعبلة .
وأطلال برقة ثهمد .
وأفاطم مهلا بعد هذا التدلل .
وقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل .
ويسب التجديد والمجددين .
ويتهم شعراء الحداثة بالكفر .
ويطالب بسفك دمهم في الأشهر الحرم .
ويستشهد بأبيات لأدونيس ، وأنسي الحاج ، والماغوط ، ويوسف الخال .
ويبكي .....
والناس – الكأن على رؤوسهم الطير – يبكون وراءه .
ويتمخط ، يمسك أرنبة أنفه بين السبابة والإبهام ، ويتمخط فوق الأرض ، فيتمخطون .
ويمسح اللعاب الطائش فوق لحيته .
ويعود للحديث من جديد .
*****
صدفة ، رفع رأسه فالتقت نظراتنا .
غرس عينيه في عيني .
انطلقت النظرة كطلقة المسدس ، سريعة وحادة . أحسست لهيبها يكوي كامل وجهي ويهبط حتى القلب الذي تبدلت فجأة دقاته من دم تك تك إلى دم دم دم . ثم عاد إلى مكر مفر مقبل مدبر معا .
والى الحديث عن جنس الملائكة .
وهل يدخل مسلمو الجن يوم القيامة إلى الجنة ؟
وهل تقبيل صورة نادية الجندي على شاشة التلفزيون حلال أم حرام ؟
وعدت أنظر إلى الحلقة التي اتسعت بازدياد الخلق .
دققت النظر في وجه الرجل الواقف جنبي ، فصدمتني صورته . كان له وجه ثور ولحية تيس عجوز .
التفت يمينا وشمالا ، فرأيت نفس الوجوه .
وأحسست برفسة حادة فلمست رجلي .
كانت الرجل قد تحولت إلى حافر بغل .
وجاء الوجع من مؤخرتي .
كان الذباب يلسعني ، فوجدتني أحك دون شعور مني ذيلا نبت في نهاية عمودي الفقري .
قلت : أنا أحلم .
والتفت أبحث عن السيارة التي ركنتها في مرآب السوق.
هي في مكانها .
والشمس في كبد السماء .
وصياح الباعة يأتي من بعيد .
والأطفال الضاجون يلعبون الكرة .
وروائح الأطعمة الشهية تنبعث من شقق العمارات المقابلة .
ونجاة الصغيرة تغني :
عيون القلب سهرانا * ما بتنمشي .

*****
عدوت نحو السيارة .
سمعت ورائي خبطا كخبط حوافر الخيل .
لم ألتفت ورائي .
جريت كالمجنون .
وحين ارتميت وراء المقود ، طالعتني صورتي في المرآة الصغيرة المعلقة في الزجاج الأمامي .رأيت وجهي معكوسا هناك بوضوح :
الرأس : رأس بغل .
واللحية : لحية تيس عجوز .
وشعر كثيف ، غليظ ، أشبه بوبر الجمال يغطي كامل الصدر .
ضربت المرآة الصغيرة بجمع يدي ، فتهشمت .
ونزفت دما وزجاجا .
ضمدت الجرح بسرعة وبدأت في قرع زمور السيارة قرعا عنيفا متواصلا .
جاوبني من بعيد دق أجراس .
بدأ خفيفا ، ثم صار يعظم ويعظم إلى أن ملأ ما بين السماء والأرض .

* صدرت هذه القصة ضمن مجموعتي القصصية : رجل محترم جدا .وقد أزعج بعض عناوينها السادة المتناقدين . ومن بين هذه العناوين ، لمن تقرع الأجراس ، هذا العنوان الذي استلفته من القاص والروائي الأمريكي ارنست هيمنقواي . لهذا قررت أن أرد العنوان لصاحبه آسفا، و أسند لهذه القصة عنوانا جديدا ، عساه يذهب عني شر الصديق والعدو .


dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/

محمد رشدي
23-12-2011, 08:52 AM
نبوءة / قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي / تونس
09-07-2008, 01:09 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33732


نبوءة

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس



عن أمي، عن جدتها، عن جد جدها، عن سيدي و مولاي علي بن حفص أنه قال :
سيجف هذا النبع و سيلعب الرجال " الخربقة "* في حوضه اليابس كسطح السبخة في أيام الصيف ، في يوم قادم قريب.
و كنت أخوض و أسبح في مياه النبع، و أنا طفل صباح مساء خاصة في أيام الصيف القائظة دون أن ألتفت إلى
كلام الولي الصالح الذي مات منذ قرون .
و كنت أضحك من نبوءة الشيخ التي لا تكف أمي عن ترديدها و أنا أرى الماء يتدفق من العيون النضاخة، عيون النبع السبعة .
و عدت إلى البلاد بعد غيبة عشرين سنة. و مررت بالصدفة من أمام النبع فسمعت الأطفال يتصايحون ، ورأيتهم يجرون و يلهثون.
كانوا يلعبون مقابلة في كرة القدم ، في حوض النبع الجاف كالسبخة في أيام الصيف.
وقفت أتأمل الأطفال و هم يلعبون و أنا أضحك من نفسي هذه المرة .

* الخريقة : لعبة شعبية يلعبها رجال الصحراء لتزجية الوقت شبيهة بالدامة .

محمد رشدي
23-12-2011, 08:58 AM
الوصية الثالثة / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي / تونس
11-07-2008, 04:13 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33816


الوصية الثالثة

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس



قبل موتها بساعات طلبتني أمي، فوقفت عند رأسها إجلالا ورهبة، فدعتني للجلوس و قالت :
- أوصيك يا بني بثلاث،
اعرف متى تفتح الأبواب و متى تغلقها .
و اترك لك دائما بابا سريا لا تطلع عليه أحدا لتنسحب منه عندما تسد في وجهك رحمة السماء و الأرض.
و أغمي عليها، فماتت دون أن تكمل الثالثة…
و ها أنا، و منذ ذلك الحين، أدق على وجه السماء
و الأرض بحثا عن الوصية الثالثة …

محمد رشدي
23-12-2011, 09:04 AM
الكرسي / قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي/ تونس
18-07-2008, 10:04 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34003




الكرسي

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


عرفته خجولا، لا يجرؤ على جرح وردة ،
مستقيما كغصن البان ،
لطيفا كأحسن الظرفاء ،
ودودا كأعز الأحباب،
صادقا كنبي ،
رحيما كإله ...
ثم جلس على الكرسي الوثير ...

محمد رشدي
23-12-2011, 09:05 AM
زبيدة / قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي / تونس
21-07-2008, 05:12 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34109


زبيدة

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


قالت للقاضي الذي استدعاها بعد سقوط ابنها الأمين للتحقيق معها، إنها لن تقول إلا الحق و سوى الحق و لا شيء غير الحق، ككل خلق الله عند استجوابهم. و أضافت أنها جمعت ثروتها الكبيرة من مال و عمارات و أطيان و مدخرات في بنوك هونولولو عن طريق الحلال.
فهي، وهي زوجة الخليفة ، صاحبة الجاه و السلطة لم تتاجر في العملة و المخدرات و الأغذية الفاسدة و لم تجبر أصحاب الشركات الكبرى على دفع رشاوى لها للفوز بالصفقات التي تعلن عنها دولة الخلافة و لم تجبر مخلوقا على مشاركته أرزاقه إن كرها أو طوعا.
وحلفت بالمنصور والدها – هي الشريفة ابنة الأشراف - أن مسرور السياف ما أهان مخلوقا من الرعية وهي تحت الرشيد .
وردت على القاضي إن كان لها أعداء أو كانت تتهم أحدا بالكيد لها، إن الحسن البصري هو الوحيد الذي قد يكون سعى بها لدى المأمون لأنها جعلت جارية من جواريه ، في واحدة من قصص ألف ليلة و ليلة ،تسترد منه ثوبا من الريش منعه عنها، وتهرب إلى أهلها في جزر واق الواق.
و سكتت زبيدة عن الكلام المباح ...

محمد رشدي
23-12-2011, 09:06 AM
ماء الحياة / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي / تونس
25-07-2008, 10:34 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34208


ماء الحياة

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس





وجد في صندوق بريده المعلق أمام باب داره أضمومة دعوات لعرس مزينة بصورة حورية في حلة مسكونة بالربيع وسط إطار مذهب.
و قرأ تحت الصورة اسمه واسم العروس المصونة و الدرة المكنونة التي ستعيش معه الحياة بحلوها و مرها .
و فتح الثلاجة فوجدها ملأى بأصناف من المشروبات الغازية و الروحية الرفيعة المستوردة من بلاد الفرنجة.
ورأى خزائن المطبخ تطفح بأكياس من المعكرونة
و الكسكي و أصناف أخرى من الأغذية الطازجةو الخضر و الفواكه الجافة .
و قرأ على "كارت" معلق على جلد ثور أسود سمعه يخور في حديقة المنزل:
" هذا الذي سيسفح دمه تحت أرجل العروس ".
و هاتفه صوت أنيق قال له إنه المطرب الذي سيحيي الحفل و طلب منه تأكيد الموعد.
والغريب في الأمر أنه لا يذكر أنه طبع دعوات لفرح ما، و لا اشترى ثورا، و لا تمنى أن يغني في فرحه فنان و لا كدس قوارير ماء الحياة في ثلاجة المطبخ، ...

محمد رشدي
23-12-2011, 09:07 AM
قيام الساعة / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي/ تونس
03-08-2008, 02:50 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34460


قيام الساعة

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/تونس


كل صباح،
تطلع الشمس من مغربها.
فمتى ستنفخ في الصور يا إسرافيل ؟
نفخة قيام الساعة ...

محمد رشدي
23-12-2011, 09:42 AM
قيام الساعة / 2 / المسيح الدجال / ق. ق. ج / ابراهيم درغوثي / تونس
04-08-2008, 08:19 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34474




قيام الساعة

( 2 )

المسيح الدجال

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس



ترك المسيح الدجال حماره القصير واقفا أمام أسوار أورشليم. لبس بذلته العسكرية المزركشة بالنياشين
و السيوف و النجوم، واستوى قائما، فوق برج دبابة ...

محمد رشدي
23-12-2011, 09:44 AM
قيام الساعة ( 3 ) / قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي / تونس
04-08-2008, 12:14 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34480



قيام الساعة
(3)

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس


روى أحمد والشيخان وابن ماجه
عن أبي هريرة؛ قال: كان النبي(ص) بارزاً يوماً للناس، فأتاه رجل، فقال متى الساعة؟ قال
...و إذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان،..


رأيت ناطحات السحاب تتطاول برؤوسها وسط رمال الصحراء
كما الفطر بعد شتاء مطير.

فماذا تترقب يا إسرافيل حتى تنفخ في الصور؟؟؟

محمد رشدي
23-12-2011, 09:45 AM
طموح/ قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي / تونس
30-08-2008, 06:21 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34860


طموح

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


شاهدته يجمع بقايا السمك المتساقط من شباك الصيادين في الميناء.
قال لي صياد هو طفل يعيل إخوته بعدما مات أبوه في البحر.
اقتربت من سلته الصغيرة فرأيت في عينيه ذكاء و فطنة.
سألته:
- هل ستعود إلى البحر عندما تشب؟
رد ضاحكا:
- عندما أكبر، سأصير وزيرا...

محمد رشدي
23-12-2011, 09:46 AM
سكين / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي / تونس
08-09-2008, 06:13 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35076


سكين

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس




آحححححححححححح

هل كانت هذه السكين تعرف، عندما كانت حجرا أسود
حقير في جبال كولورادو، أنها ستسافر بالطائرة إلى بلاد الشمس الحارقة و أنها ستستجم في " سوبر مارك " فخم و أن " شريفا " عربيا من رعاة الإبل سيقطع بها رقبة فاتنة لحورية غافلت حراس الجنة و هربت لدنيا الناس قبل الأوان،
هل كانت تعرف أن رجلا من بلاد العجائب سيدفع فيها مليون دولار ؟؟؟

آحححححححححححححححححححححح......

محمد رشدي
23-12-2011, 09:47 AM
انكار / قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي/ تونس
10-09-2008, 08:48 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35119


انكار

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس


سأل صحافي مشاكس أمنا " لوسي " عن أمنا
" حواء ".
قالت : لا أعرفها ؟؟؟

محمد رشدي
23-12-2011, 09:48 AM
عزرائيل/ قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي / تونس
11-09-2008, 12:04 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35147


عزرائيل

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درعوثي/ تونس



ها هو جالس على كرسي عتيق من خشب الأرز
أمام شاشة اليكترونية عملاقة عرضها كما بين السماء و الأرض، تلمع داخلها مليارات من فوانيس عجيبة. داخل كل فانوس صورة إنسان.
كان يكرر بحركة روتينية الضغط على زر بين بيديه النحيلتين، فينطفئ فانوس في جهة ما من على الشاشة الاليكترونية العملاقة...

محمد رشدي
23-12-2011, 09:51 AM
Eternité قصة قصيرة جدا لابراهيم درغوثي / تونس
12-09-2008, 10:01 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35166




Eternité

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


هذا الجسم الذي يتحلل الآن داخل القبر تتصارع بين جنباته ملايين الخلايا.
يفني بعضها البعض.
وحدها، خلية كالهباء تنجو من الهلاك.
تظل متيقظة في عزلتها تنصت لصرير الحياة
من خلال الظلام.

محمد رشدي
23-12-2011, 09:52 AM
خيانة زوجية / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي / تونس
16-09-2008, 04:58 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35236


خيانة زوجية

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس


مد يده يود تقشير التفاحة. استجابت له مكرهة. نادا(ها ) إلى السرير
وأغمض عينيه. نادت(ه) إلى السرير و أغمضت عينيها. وركبا قطار اللذة...

محمد رشدي
23-12-2011, 09:54 AM
ديموقراطية/قصة قصيرة جدا/ابراهيم درغوثي/ تونس
24-09-2008, 08:30 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35370


ديموقراطية

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس



زعموا أن الملك الأسد بعدما قتل وزيره الحكيم الثور شتربة، ذكر قديم صحبته و جسيم خدمته ، فاغتم و حزن كما لم يحزن مخلوق من قبل . وبعد اعتكاف طويل، قرر أن يدعو مجلس وزرائه للاجتماع و النظر في هذا الأمر الجلل .
و أنه بعد مداولات صاخبة طلب فيها الملك من وزرائه أن يصارحوه القول، دعا المجلس الملك إلى التنحي عن العرش تكفيرا عن هذا الذنب العظيم .
و أن الملك فكر و قدر، ثم فكر و قدر و قرر... إعدام كل الوزراء.

محمد رشدي
23-12-2011, 09:55 AM
الجندي المجهول/ قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي/ تونس
28-09-2008, 08:47 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35460


الجندي المجهول

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


إهداء أول
إلى 21 /09/ 2008
في ذكرى اليوم العالمي للسلام


إهداء ثان : إلى علاء عمر


جسمه المفتول الذي سرقه الغزاة من فوق سرير الحبيبة
طار فتافيت كسرب فراش فوق حقول الألغام
التي زرعها جنود هتلر تحت سماء فرنسا الكئيبة.
جسمه المفتول المتوهج بنور شمس إفريقيا،
ذوى فوق ثلوج بلاد الرجال ذوي العيون الزرق
دون أن يجد من يقرأ على روحه سورة الفاتحة.

محمد رشدي
23-12-2011, 09:56 AM
الدينار/ قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي/ تونس
02-10-2008, 12:04 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35539


الدينار

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس


ظل يجمع ملاليمه المغموسة بالعرق مليما وراء مليم...
وحين استوت دينارا يسر الناظرين ،
اقتلعتها من قلبه وزرعتها في قلبك.

محمد رشدي
23-12-2011, 09:57 AM
رؤيا/ قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي / تونس
04-10-2008, 06:22 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35596



رؤيا
قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


زعموا أن ملكا عاش في الزمن الغابر ، ظل على مدى سبع ليال يرى في منامه أنه يعوم في مسبح مملوءا دما و أنا الملك نادى منجمي دولته وطلب منهم تأويل هذا الحلم المزعج .
فسكت المنجمون عن الكلام المباح، إلا أن أحد الوزراء وشوش في أذن الملك أنه يتملك حقيقة في بستان القصر سبعة مسابح تعبأ كل صباح بدم يفور منه البخار.

محمد رشدي
23-12-2011, 09:58 AM
مالك الحزين / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي / تونس
09-10-2008, 07:43 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35715



مالك الحزين
قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس




قيل لمالك الحزين لماذا لا تضع ساقك الثانية على الأرض؟
هز رأسه عدة مرات كالهازئ من السائل وقال :
أخاف أن تزلزل الأرض زلزالها...

محمد رشدي
23-12-2011, 10:00 AM
وقائع من حياة رجل قال : لا .../ قصة قصيرة لابراهيم درغوثي/ الجزء 01
05-12-2008, 06:36 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36663


وقائع من أوجاع رجل قال : لا / 01
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


في كل صباح ، كان يصل قبل الجميع .
كان يصل قبل البواب والمدير والناظر والقيمين والتلاميذ . يدفع عربته اليدوية الصغيرة إلى الركن المعهود المقابل مباشرة لباب المعهد وينهمك في غسل الكؤوس ونفض الغبار وفي تحضير القهوة والأكلات الخفيفة . وعندما ينتهي من هذه الأشغال ، يخرج الراديو " الترانزيستور " الصغير من جيبه ويشغله باحثا عن محطة إذاعية تبث الأغاني الصباحية الخفيفة ، ثم يملأكأسا من القهوة السوداء الثقيلة ويشعل سيجارة ويفتح كرسيا يجلس عليه ... يضع القهوة أمامه والسيجارة بجانبها ، فيرشف رشفة من القهوة ويجذب نفسا من اللفافة وينفخ الدخان في الهواء متلذذا ... إلى أن يئز باب المعهد فيترك كل شيء في مكانه ويقف في حالة استنفار قصوى متاهبا لطلبات المدير وأوامر البواب .
اختلف الناس كثيرا في اسم هذا الرجل .
فمن قائل إن اسمه : عبد الرزاق ،
إلى قائل إن اسمه : عبد الغني ،
إلى قائل بل اسمه : عبد الجبار .
والملفت للانتباه أنه يرد على كل من يناديه بواحد من هذه الأسماء بهزة من رأسه ونادرا ب " آه " .
ولست أدري إن كان يقبل لو ناداه الناس باسم آخر غير هذه الأسماء .
على كل ، فلن يغضب إذا ناديته مثلا :
هات قهوة بالحليب يا عبد الرزاق
ولن يبحلق فيك بعينيه إذا قلت :
سندويتش بالتن يا عبد الغني
ولن يتركك تنادي أكثر من مرة :
كوكاكولا يا عبد الجبار ، كوكاكولا باردة
سيحضر لتوه . ويفتح الزجاجة أمامك . ويقول لك ، هنيئا، عندما ترجع له الزجاجة فارغة .
كل ما في الأمر أن هذه الأسماء الثلاثة اختلطت على الناس في البداية فمن العادة أن يكون لكل مواطن الحق في اسم واحد أو اسم وكنية على أقصى تقدير . أما أن يكون لرجل واحد ثلاثة أسماء ، فهذا ما لم يعتده الخلق ... وبمرور الزمن لم يعد في الأمر ما يثير الغرابة .

محمد رشدي
23-12-2011, 10:05 AM
وقائع من حياة رجل قال : لا... /02/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي
06-12-2008, 12:16 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36686


وقائع من أوجاع رجل قال : لا / 02
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



الجزر الثاني

عبد الرزاق " يجري وراء الخبزة "



إذن قلت كما تذكرون في البداية إن العم " عبد الرزاق " كان يصل أمام المعهد قبل أن تستفيق الشمس من نومها ، ويصير في حالة استنفار قصوى عندما يئز باب المعهد ويطل البواب فيصبح عليه :
صباح الخير يا سي " عبد الكريم "
صباح الخير يا سي " عبد الرواق "
قهوة السيد المدير جاهزة ؟
أينعم .. جاهزة
ويضع الكأس فوق " الصينية " ويضع بجانبه ثلاثة طوابع سكر وملعقة صغيرة .
ويصل البواب ، فيرفع الصينية ويغيب داخل أروقة المعهد ... وينهمك " عبد الرزاق " في الرد على طلبات الزبائن الوافدين لتوهم ، تلاميذ الأقسام النهائية يطلبون القهوة السوداء الثقيلة يشربونها ممزوجة بدخان السجائر . تلاميذ الأقسام الصغرى يطلبون كؤوس " الرائب " والبيض و " ساندويتشات " الن والزبدة والمعجون . والبنات يشربن عادة " قهوة بالحليب " ... والعم " رزوقة " يدفع الصرف ويضع القطع النحاسية الصفراء أمامه في صندوق صغير . ويرد على تحيات الأولاد والبنات . ويطلق النكات المضحكة هاشا باشا في وجوه الجميع إلى أن يدق الناقوس
، فيلتحق التلاميذ بأقسامهم ويعود هو إلى كؤوسه يغسلها وأوانيه ينفض عنها الغبار ...
إلى حد الآن تبدو الأمور عادية جدا . قصة كبقية القصص التي يمكن لك أن تقرا مثلها في كتاب أو جريدة ... ولكن الجديد هو أن العم " عبد الرزاق " الذي ظل طيلة عشرة سنوات يستقبل شروق الشمس أمام بوابة المعهد ، اختفى . اختفى فجأة بدون مقدمات . اختفى دون أن يرجع بقية العشرة دنانير التي تركها لديه الاستاد " نعمان " عندما شرب قهوة الصباح ولم يجد فكة في جيبه فمد للعم ورقة العشرة دنانير على أن يأخذ بقية نقوده في فسحة الساعة العاشرة ...
أين ذهب الرجل ؟
إلى حد كتبة هذه السطور لم يظهر له أثر ...
سال عنه مدير المدرسة ، وبعث البواب إلى منزله فعاد بدون جواب سوى أن جيرانه قالوا إنه قال لهم منذ ثلاثة أيام إنه قرر الرحيل ...
إلى أين ؟ ...
لا أحد يعرف أو يريد الكلام في هذا الموضوع .

محمد رشدي
23-12-2011, 10:09 AM
وقائع من حياة رجل قال : لا .../ 03/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي
07-12-2008, 12:02 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36712


وقائع من أوجاع رجل قال : لا
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



الجزء الثالث

عبد الغني أو مجنون كرة القدم :



جاء إلى هنا منذ عشر سنوات لينتصب أمام المعهد . عربته اليدوية كانت وقتها جديدة . وكانت مصبوغة باللونين الأحمر والأبيض ومبرقشة بصور " الشايبي " و
" عتوقة " و " الزيتوني " و " الخويني " . كان العم " عبد الغني " يعشق فريق " النادي الإفريقي " بجنون . كان يمت في اللونين الأحمر والأبيض فيلبس فانيلات حمراء وبيضاء ويعلق أعلاما بهذين اللونين في كل مكان يمر به وصباح يوم الاثنين يوزع كؤوس القهوة و" السندويتشات " على الجميع بدون مقابل . يقول لمن يشرب قهوته أو يأكل لمجته ، المهم أن ينتصر الإفريقي . قل معي :
- الإفريقي يا دولة ...
وصفق هكذا . ويضرب بيديه الاثنتين ثلاث ضربات متتالية ، ويكررها أكثر من مرة ...
وكفى .
أنا لا أريد نقودا . أريد حبا للإفريقي يا سادة . هذا ثمن القهوة والسندويتش .
عم " عبد الغني " مجنون ب " النادي الإفريقي ّ . يوم الأحد كان يقسم أنه أول من تطأ قدميه أرض الملعب ، يرفع في يده علما ويضع تحت إبطه دربوكة وبوقا ينفخ فيه كما ينفخ في الصور كلما سجل فريقه هدفا أو راوغ أحد لاعبيه لاعبا من الفريق المنافس ... وكان يقذع في سب الحكم إذا خطر بباله أنه لم ينصف فريقه . ويضرب متفرجا آخر إذا ظهر له أنه لا يهوى " النادي الإفريقي " .
عم عبد الغني مجنون بالنادي الإفريقي و... بالخمرة .
في المساء ، بعد الساعة السادسة يعد نقوده ويدفع أمامه عربته ويرحل إلى حانة " السعادة " . يترك العربة أمام الباب ويذهب إلى طاولته . نعم ، قلت يذهب إلى طاولته لأن له طاولته الخاصة في حانة " السعادة " . في العادة يبقى وحده نصف ساعة يشرب خلالها " حارة بيرة " أو قارورة من الخمر أو ربعا من " البوخا " ، ثم يلتحق به بقية العصابة ، صاحبيه : الأول عامل في البلدية والثاني حمالا في الرصيف .
كيف عرفهما هو المتقوقع على ذاته الذي لا يخالط إلا القليل القليل من الناس ؟
هنا كان التعارف ، في حانة " السعادة " وقعت مشادة كلامية بين عامل البلدية وعامل الرصيف تدخل عبد الغني فيها بالحسنى وأقسم أن يسقي الغريمين من يده شراب الصلح .
كان يومها سكرانا حد العمى ، فأوصله الرجلان بعد أن أغلقت الحانة أبوابها إلى بيته . ومن يومها صار الجماعة أصدقاء يتقابلون كل يوم عند طاولتهم . ولا يغيبون أبدا على موعد الحانة .
كان عم عبد الغني أبسطهم يدا . كان يبذر النقود التي يجمعها في يومه على ليلته ويقسم ألا ينام وفي جيبه ورقة نقود واحدة ... وكان بقية عصبة الحانة يقولون عنه ‘نه مبذر وإن المبذرين إخوة الشياطين ، فيضحك ويقول لهم إنه يتأسى بملائكة الرحمة الجالسين معه على الطاولة والمغلولة أيديهم إلى أعناقهم . فيثورون في وجهه ويحاججونه بالأولاد وبمصروف البيت وبثمن كتب الأطفال و .... فيقول لهم وضحكة أوسع مما بين السماء والأرض تجتاح وجهه :
- أنا طلقت كل هذه المصائب وتزوجت امرأة لا تأمرني ولا تنهاني . إذا رغبت فيها أذهب إليها وإذا كرهتها لا تجرني إلى المحاكم .
وعندما يقولون له متشفين :
- إذن فأنت متزوج يا عبد الغني ؟
يرد عليهم :
- نعم أنا متزوج وزوجتي كرة القدم .
وينخرط في الضحك الصاخب الذي لا ينتهي إلا في آخر السهرة .
في ذلك اليوم عندما وصل عامل البلدية ووجد الطاولة فارغة ، ظن أن عبد الغني ذهب يقضي حاجة بشرية . ولكن حيرته كبرت عندما لم يجد فوق الطاولة القوارير الفارغة وعلبة السجائر ...
وحين وصل الحمال ، رأى الحيرة على وجه رفيقه فسأله :
- أين عبد العني ؟
- لم يصل بعد ...
- لكن ليس من عادته أن يصل متأخرا ؟
- ربما حصل له طارئ ...
قالا معا :
- ربما ...
وطلبا الشراب .
ومرت ساعة أخرى ولم يصل عبد الغني .
وانتهت السهرة . وأقفلت الحانة أبوابها . ولم يصل عبد الغني .
قال عامل البلدية لصديقه :
- ما رأيك لو نذهب غدا إلى المعهد نسأل عنه ؟
ووافق الآخر على أن يلتقيا هناك عند الساعة السادسة مساء .

محمد رشدي
23-12-2011, 10:15 AM
وقائع من حياة رجل قال لا / 04 / قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي
08-12-2008, 06:47 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36759


وقائع من حياة رجل قال : لا /04

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي

الجزء الرابع


عبد الجبار يقول : لا



منذ أيام ، زاره رجل يلبس معطفا طويلا ويضع على عينيه نظارة سوداء . شرب قهوة . وبعد أن دق الناقوس ودخل لآخر تلميذ إلى قسمه قام وناداه كمن ينادي طفلا صغيرا :
- يا عبد الجبار .
- حاضر سيدي ، ماذا تريد ؟ قهوة أخرى ...
- لا ، لا ، لا أريد مزيدا من القهوة . أريدك أنت .
وجاء عبد الجبار ـفجلس قرب الرجل الذي نزع النظارة السوداء من فوق عينيه وتفرس فيه هنيهة ثم قال :
-ما رأيك يا عبد الجبار لو يصبح لك عوض هذه العربة الوسخة " بوتيكا : جميلا ؟
- أنا ... ومن أين لي ثمن " البوتيكات " يا سيدي ؟
- لا يهمك ... سوف أتكفل بكل شيء .
- ماذا ؟ ماذا قلت ؟
- قلت سأتكفل بكل شيء .
ما رأيك إذن لو يصير لك " بوتيكا " في المعهد به " بوتاغاز " وثلاجة وكهرباء ومياه جارية ، تبيع فيه ما لم يخطر لك على بال . تبيع فيه يا عبدو حتى السجاير و برخصة مدموغة بطابع الحكومة ؟
- لا تفتح لي أبواب الجنة يا أخي .
- لا والله . أنا لا أمزح . بامكانك أن تقبض المفتاح من الغد إذا وافقت على مطلبي الصغير . موافقة لن تكلفك شيئا ولكنها ستفتح أمامك أبواب النعيم .
- وعلى ماذا سأوافق يا أخي ؟
وضع الرجل النظارة السوداء على عينيه ، واقترب أكثر من عبد الجبار ، فوشوش له في أذنه كلاما مدة دقيقة .
قام عبد الجبار مفزوعا .
قام ، وهم بركل الرجل في بطنه ، ولكنه تراجع في آخر لحظة عندما رأى " المعطف " الطويل يقف ويقول له :
- سأزورك غدا لأعرف رأيك النهائي . سأتركك الليلة تفكر في الموضوع . فكر مليا يا عبدو ولا تتسرع في الرد .
- لم أفكر ؟ طلبك مرفوض منذ اللحظة ولا معي لمثل هذا الحديث ...
وقام " المعطف " تركه يغلي وانصرف في حال سبيله .
ولكنه عاد في اليوم الموالي ، وفي اليوم الثالث ، والرابع ، وفي بقية أيام الأسبوع .
وكان دائما يشرب قهوته ويقول له :
- ماذا قلت في ذلك الموضوع يا عبد الجبار ؟
ويرد عليه الرجل :
- طلبك مرفوض . ولا تعد الحديث معي في شانه أبدا .
إلى أن كان يوم السبت .. كان التلاميذ قد دخلوا لتوهم الأقسام عندما وصل موزع البريد ، فأعطى العم عبد الجبار ورقة . قرأها الرجل مترددا ثم مزقها نتفا صغيرة وطلب لنفسة قهوة وأشعل سيجارة وجلس قبالة باب المعهد يشرب القهوة وينفث الدخان من منخريه ...
إما أن تصبح رقيبا يا عبد الجبار أو تموت جوعا .
قال لك في الرسالة : لا بد أن تتعاون معنا و إلا فإنني سوف أقطع رزقك .
وأنت يا عبدو لا لك أن تختار . وضرب لك موعدا يوم الاثنين القادم .
قال إنه سوف يفتح مقصفا في وسط المعهد يبيع للتلاميذ كل ما يحتاجونه وبمثل نصف الثمن الذي تتقاضاه منهم .
ماذا ستفعل يا عبد الجبار ؟
هل ستصبح " بيوعا " وأنت في مثل هذا العمر ؟
ومن ستبيع يا عبد الجبار ؟
- زينة ...، تلك الزهرة التي تحبك . تلك التي طالما ساعدتك على غسل الأواني والكؤوس . تلك التي تفرح بها كل صباح كما تفرح ببنتك التي لم تلدها ؟
- أم سليم ...ذلك الشبل النبيل بشعر رأسه الأحمر الذي يقول لك كل صباح عندما تسأله عن الأحوال ، هي كالنار التي تشتعل فوق رأسي .
وتضحكان حد البكاء .
- أم سي نعمان ؟
ماذا سنقول عنه يا عبد الجبار ؟
هل ستقول إنه يسب أمامك هذه الدنيا الكلبة التي تركتك في الشارع عرضة لمن يسوى ومن لا يسوى ؟
وبقية التلاميذ والأساتذة الذين تعرف كل حكاياتهم الصغيرة والكبيرة . قصص الحب وقصص الحرب والقصص الأخرى ...
ماذا ستقول عنهم ... عندما تصبح مخبرا يا عبد الجبار ؟
ولكنه يا إخواني يقول إنه سوف يقطع رزقي .
والمقصف الجديد سوف يبيع بنصف الثمن .
هل سيفهم هؤلاء الصغار اللعبة ؟
لست أدري ... ولكنني لن أقبل عرضه ولو أكلت خراء الكلاب .
ابن الكلب ، قال عني إني أحمق ، وبهيمة تمشي على رجلين ، وقال إن بمقدوره أن يلفق لي تهمة ويرمي بي في السجن ، وإنني " ولد حرام " لا أستحق النعمة ، إلى حد أنني فكرت في ضربه ، وفي فقئ عينيه . اشتهيت أن أفقأ له عينيه واحدة بعد الأخرى . قلت : أبرك فوقه بجسمي الثقيل وأدخل إصبعي السبابة في عينه اليمنى ثم اليسرى وأرمي بهما سخنتين ، حارتين ترفان كذيل الحنش المقصوص إلى قطط المعهد . وليكن ما يكون . إلا أنني كنت أتراجع في آخر لحظة ...
ماذا ستفعل يا عبد الجبار والرجل ماسك بخناقك ؟
يقول لك إن هؤلاء التلاميذ كلاب أبناء كلاب ، لا يليق بهم سوى الجهل . يكتبون على ألواح الأقسام :
( تقرأ ولا ما تقراش ، المستقبل ما ثماش ) ويكسرون لأتفه الأسباب بلور شبابيك الأقسام . ويقذفون أعوان الإدارة بالحجر. ويقولون إن أثمان الكراريس والكتب ارتفعت . ويضربون عن الدراسة . ويضربون عن الأكل ويكسرون الأواني ويرمون بالملاحق والأصحنة فوق السطوح .... يرفضون أكل مطعم المعهد ،هم الجياع في منازلهم ويسبون كل من يقف في طريقهم .
دلنا على مثيري الشغب يا عبد الجبار وستنال منا الجزاء الأوفى .
قلت له : طلبك مرفوض ولن أعمل " قوادا " ما دمت حيا .
قال : سترى ...
وذهب ، وتركني إلى الحيرة والتسآل ...
ماذا يا عبد الجبار ؟
هل لأنك لم تتزوج ولم تنجب أطفالا يذهبون إلى المدارس ويكتبون على السبورات ( تقرا ولا ما تقراش ـ المستقبل ما ثماش ) ، تصبح قوادا ؟
كل هؤلاء الأطفال أطفالك يا عبد الجبار :
- عمي علد الجبار ، ساندويتش بالزبدة والمعجون
- كيف أنت يا ميمونة ، انتبهي لدروسك ، الامتحانات قربت .
- عمي عبد الجبار ، ساندويتش بالتن .
- وأنت يا صلاح ، هل تحسنت أمورك في الرياضيات ؟
- عمي عبد الجبار ، قهوة بالشكلاطة .
- أنت دائما بحكاياتك يا منير ، أيها القرد الضاحك سانتف لك شعرك لو رسبت هذه السنة .
- ثلاث قوارير كوكاكولا يا عمي عبد الجبار.
حاضر يا سي فؤاد ، أنت تأمر .
- سأقطع رزقك يا عبد الجبار .
- دلنا على مثيري الشغب يا عبد الجبار .
- سنفتح مقصفا في المعهد يبيع بنصف الثمن .
- لن تقدر بعد اليوم على قارورة خمر يا كلب .
- اتفوووووه عليك .

محمد رشدي
23-12-2011, 10:19 AM
وقائع من حياة رجل قال : لا .../ قصة قصيرة لابراهيم درغوثي/ الجزء 05 والاخير
09-12-2008, 05:22 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36785


وقائع من حياة رجل قال : لا ...
قصة قصيرة

الجزء الخامس والأخير

ابراهيم درغوثي


في مستودع البلدية :


ما عاد " عبد الرزاق " إلى قدام المعهد مرة أخرى فحزن عليه الأولاد والبنات كثيرا وقاطعوا المقصف الجديد المفتوح في وسط المدرسة والذي يبيع كل ما كل يبيعه عبد الرزاق وبنصف الثمن المتعارف عليه قال بعض الأولاد أنهم رأوا عربته ذات الخطوط البيضاء والحمراء والمكتوب على واجهتها بخط غليظ ومشوه : " يحيا النادي الإفريقي " في مستودع البلدية .
وقالوا إن صديقه – عامل البلدية - أكد لهم أن العمال وجدوا هذه العربة مرمية أمام المستودع ذات صباح . وإن رجلا يلبس معطفا ونظارة سوداء طلب منهم أن يرموا بها مع النفايات ... إلا أنه حررها من أيدي أصحابه وتركها تقبع في ركن من أركان المستودع .
قال لهم إنها عربة أحد أصدقائه وإنه سيعود يوما يسأل عنها .


بقشيش


في الحانة ، بقيت طاولة " عبد الغني " خالية .
وبقي النادل يضع كل مساء فوقها قوارير " البيرة " ... ويعود في آخر السهرة ليرفعها ويمسح الطاولة ...
وقال جماعة من الزبائن إن النادل يجد كل يوم ثمن " الشراب " فوق الطاولة ويجد بجانبه " بقشيشا" يضعه في جيبه ...


ضياع :


رأيت ذات يوم في جريدة أسبوعية صورة رجل عرفته في الحال . قلت : هذا عبد الجبار . وقرأت تحت الصورة " ضياع " : خرج من منزله المدعو
" عبد الجبار بن عبد القهار "منذ أكثر من شهر ولم يعد إلى حد الآن . المطلوب ممن يعرف عنه خبرا الاتصال بالجريدة يوميا على رقم الهاتف :26011978 ، من الساعة العاشرة صباحا إلى حدود منتصف النهار .
والله لا يضيع أجر المحسنين .

محمد رشدي
23-12-2011, 04:48 PM
تفاح الجنة /01/ قصة قصيرة لابراهيم درغوثي/ الجزء الأول
11-12-2008, 06:07 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36821


تفاح الجنة/01

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


عصفور يخرج من أنفي



لا تهتموا بي كثيرا . فأنا امرأة أخذت أكثر من حقها . عشت أربعين سنة بعد رحيل زوجي . ترقبت مدية ملك الموت وعريت لها الوريدين من الحد إلى الحد بلا خوف ولا وجل . قلت لعزرائيل في ليالي الشتاء الباردة وأنا أتوسد ذراعي : عندما تطأ أقدامك هذه الغرفة – فأنا متأكدة من أن لعزرائيل أكثر من قدمين – لا تمش على رؤوس أصابعك ، فأنا لا أخافك . حرك فوق رأسي جلجلا، أو فجر قنبلة إن شئت .أريد أن أراك وأنت تقبض روحي وتضعها في قفص صغير ، وتطير بها إلى حيث لا أدري .أريد يا سيدي أن أرى ذلك العصفور الصغير الذي قالوا انه يخرج من أنفي وأنا أفارق الحياة .
ثم أتدثر وأنام إلى الأبد .
وبقيت أترقب ، وأعري الوريدين كل ليلة .
ولكنه لم يأت .
قلت لكم قبل قليل لا تهتموا بي كثيرا أيها الأصدقاء ، فحكايتي لا تستحق منكم المتابعة لأنني في الحقيقة أحكيها لنفسي ، فقط لنفسي . ربما سيقول لكم الفاهم كلاما أقرب إلى الحقيقة مما قلته أنا ، وهذا شأنكم أنتم معه لأنني لن أحاكم أحدا هذه المرة ، ولن أطلب منكم أن تكونوا في صفي . فقط أرجوكم لا تقولوا إنني امرأة سكنها الخرف . فوالله إنني عاقلة ومظلومة ولا أستحق كل ما سلطه علي ابني الفاهم وكنتي منجية من عذاب . بالله عليكم لا تقولوا هذه عجوز مجنونة قبل أن تستمعوا إلى كل الحكاية ،ثم حكموا عقولكم وقلوبكم وانبشوا قبري وارموا بجثتي للكلاب إذا رأيتم أنني استحق ذلك ، أو أنصفوني من ابني وترحموا علي يرحمكم الله .

محمد رشدي
23-12-2011, 04:49 PM
تفاح الجنة / 02/ قصة قصيرة لابراهيم درغوثي/ الجزء الثاني
12-12-2008, 06:00 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36839


تفاح الجنة/02

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


الجزء الثاني
غزالة في الشرك


عندما تغضب أمي مريم مني ، تسب الساعة التي نبت فيها في أحشائها كانت تفعل ذلك وأنا صغير . ولما كبرت ، امتنعت عن السب جهارا ولكنها واصلته في سرها . أنا متأكد من أنها ظلت تسبني إلى آخر رمق في حياتها ، وستظل تسبني وهي ميتة لا محالة .
قالت لي مرة عندما سألتها عن أبي :
- أبوك اندقت عنقه قبل أن يترك لك صورة في قعر الذاكرة ، يا ابن ستين كلب . تركني وحدي لهذه الدنيا القحبة وذهب في حال سبيله .
فسكنت الأسواق ، عندما كانت المرأة تذبح إذا ضبطت وهي تنظر للشارع من وراء الأبواب . اشتريت الأقمشة الرخيصة وتاجرت فيها . بعتها للنساء المتحجبات داخل المنازل ، وغاليت في الأسعار . فأنا أقايض كرامتي بفرنكاتهن . وكنت لا أشبع .
- أقسم لك بالله ألعلي القدير أن هذه القطعة من حرير الهند .
- ولكن ثمنها مرتفع جدا يا مريم .
- خذيها وادفعي الثمن بالتقسيط .
- لا ، لن أقدر على ذلك ولو بالتقسيط ، فأنت تعرفين بخل زوجي وتقتيره علينا .
وتقول لها أمي : لا يهمك سأتدبر الأمر .
كنت أعرف ما تعنيه بسأتدبر الأمر ، ولكنني لم أكن لأهتم بذلك كثيرا .
أذهب إلى دكان العم الجيلاني لأقول له : أمي تقرؤك السلام وتخبرك بأن الغزالة وقعت في الشرك ، موعدنا الليلة بعد صلاة العشاء ، في سقيفة بني كلاب .
ويدفع عم الجيلاني للمرأة . وتدفع المرأة لأمي . وتدفع لي أمي ثمن الحلاوة الشامية . وتعود إلى الأسواق ، أسواق الرجال لتشتري زجاجات العطر الرخيصة ، والبخور ، وقراطيس الجاوي ، وقوارير العنبر ، والعلكة ، والسواك . وتطرق الأبواب ، أبواب الرجال الفحول والنساء الشريفات العفيفات . وأمي تبادلهن سلعها بسأتدبر الأمر . والموسرون لا يبخلون بالمال على اللحم الطري المدسوس وراء الأبواب المغلقة بسبعة مفاتيح . وأنا أفرق الحلاوة الشامية على أبناء النساء الموطوءات بتدبير أمي ؛ إلى أن صرت أفرق بين الحق والباطل فكفت أمي عن تكليفي بإيصال خبر الغزالة التي وقعت في الشرك إلى الرجال الذين يدفعون ويذهبون إلى السقائف بعد صلاة العشاء .

محمد رشدي
23-12-2011, 04:51 PM
تفاح الجنة / 03/ قصة قصيرة لابراهيم درغوثي/ الجزء الثالث
13-12-2008, 12:27 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36862


تفاح الجنة/03

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

الجزء الثالث
مريم تداوي العذارى

- كم ستدفعين يا أم العروس ؟
- مائة فرنك يا خالة ...
- مائة مقدما ومائة عندما يلعلع البارود .
وأقبض المائة . أدسها في الصندوق وأطلب من الزائرة أن تعود ليلا مع ابنتها .
ما أحلى هذه البنت . إنها تساوي وزنها ذهبا ولن أعذبها كالأخريات . فقط سأفتح مابين فخذيها برفق ، وأضع إصبعي الوسطى في الباب الحرام . باب الجنة والنار . سأقيس الفتحة وأقول لها : من ذاق من عسيلتك يا صغيرتي ؟ من هد جدارك يا مسكينتي وترك باب دارك مشرعا للريح ؟
يحمر التفاح على خدي البنت وتبكي .
- أطلب الستر يا عمتي . أنا يتيمة ، ووعدني بالزواج ، وأخلف الوعد .
وأفتعل الغضب ، فأحرك إصبعي في الفتحة الواسعة ، وأصرخ في وجهها :
- لماذا تركته يفعل بك هذه الأفاعيل يا كلبتي الصغيرة ؟
- وعدني خيرا يا عمتي . لحس عقلي . ذوبني في هواه ، وشربني . ولم يترك لي عنوانا .
ويجن جنون الأم فتضرب البنت المنهارة على فمها .تضربها على رأسها . تضربها على بطنها ، وتنتف لها شعرها ، وتدوس تفاح خديها . وتولول :
- يا خراب بيتك يا علجية ستصبحين مضغة في الأفواه ...
ويتراءى لها مشهد في أزقة القرية – ابنتها راكبة على ظهر حمار، ووجهها ملطخ بالسخام ، والأطفال يصيحون وراءها ، والنساء الشريفات العفيفات يرمينها بالحجارة من وراء الأبواب ، والرجال الكرام يتفلون على الشرف المهدور – إلى أن تصل إلى المنزل الذي غادرته في العشية على أنغام الطبلة والمزمار .
- أنا في عرضك يا أمي مريم ، استريني ، لا تكشفي حالي .
- لا تخافي يا ابنتي سأتدبر الأمر .
وأودعها مع أمها لأحضر لها دواء العذارى المفضوضات البكارة : مزيج من دم الغزال المتيبس ، ومسحوق من زهر عرائس الجن المجلوب من أقاصي الصحراء ، والفاسخ والفاسوخ .
وأمشي معها إلى دارها الجديدة . أجلس على الزربية وأركنها إلى الزاوية البعيدة عن الأنوار .
ونظل نترقب العريس .
يصل المسكين مرتبكا . يدخل برجله اليمنى . يبسمل ويفتح الحجاب الذي يغطي وجه العروس فينبهر بالوجه الحسن ،وبرائحة العنبر الفائح من ثيابها ، و بزخارف الحناء علي يديها ورجليها .
وقبل أن أغادر، أطلب منها ، كما اتفقنا في العشية أن تتمنع حين يحاول فتح رجليها ، وأن تطلبني للمساعدة .
- نادي أمي مريم يا سيدي لعلها تسكب في قلبي بعضا من بأسها .
ويمتثل الخائف من الفضيحة فيفتح الباب وينادني .
أدخل عليهما كرحمة السماء . وأنظر في عيني الرجل لأقول له :
- لا تخف يا ابني فالأمر أبسط مما تتوقع .
وأغمز للعروس أن اطلبي مساعدة اليدين المجربتين .
وتروق الفكرة للرجل فيدس عضوه – في العادة يكون نصف منتصب – بين فخذيها ، فأدس خلطتي السحرية معه . ويسيل دم الغزال . فأطلق زغاريدي ، و العروس تصيح من ألم الذبح المزعوم .
ويرمي العريس بقميص العفة للنساء المتحلقات أمام الباب ، فيختطفنه ليرقصن به في ساحة المنزل .
وتبكي أم العروس فرحا وهي تقبل القميص المضرج بالدم .
ويلعلع البارود فوق السطوح ، فأقبض مائة فرنك أخرى أدسها في صدري ، وأملا حضني بالحلوى وبالضحك المكتوم .

محمد رشدي
23-12-2011, 04:52 PM
تفاح الجنة/ 04/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي
13-12-2008, 09:06 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36877


تفاح الجنة

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


الجزء الرابع

الجمر في سروالي




كنا صغارا . في الليل ، نجتمع في ساحة الحي . نجمع كدسا من الحطب لنشعل فيه النار. نشعل نارا عظيمة نرقص حولها ونحن نغني ، ثم عندما يهدأ اللهب نجلس قريبا من النار. يختلط الأولاد بالبنات والصغار بالكبار ليحكي لنا عزالدين عن الغيلان ، وعن أولاد السلاطين ، وعن الأعراس التي تدوم سبعة أيام وسبع ليال . وتحرض ياسمينة عائشة الصغيرة للذهاب إلى ركن مظلم في الساحة لتلحق بها بعد قليل لتعدها للعريس . تمشط شعرها وتسوي لها ضفيرتين ترمي بهما على صدرها الذي بدأ يعطي بواكيره ، وتبسط الرمل تحت ردفيها وتناديني أن تعال لتأكل من تفاح الجنة . وألبي النداء ، فتفتح لي زر سروالي وترقدني فوق عائشة على كدس الرمل . بعد قليل تضربني على مؤخرتي ، وتطلق زغرودة وتنادي عزالدين لينام مع العروس . وعزالدين مازال يحكي عن الغيلان و- لو لم يسبق سلامك كلامك لأكلت لحمك مع عظامك -، وعن علي بن السلطان الباحث عن التفاح الفواح الذي يعيد للشيوخ شبابهم . فترفض عائشة عزالدين . تخاف من غيلانه ومن أبناء سلاطينه لكن ياسمينة تهددها بفضح أمرها ، فتقبل العروس الصغيرة افتراء الشابة وتنام مع صاحب الغيلان وهي ترتجف .
وتصل أم العروس إلى الساحة . تراقب المشهد مدة ثم تنفخ في النار حتى تعيد لها الحياة . وتأخذ جمرتين . تضع واحدة داخل سروال عزالدين ، وواحدة داخل سروالي . ويهرب صاحب أبناء السلاطين من بين يديها ، وأقع أنا في قبضتها ، فتحك لي الفلفل الحار في عيني وتذهب لتشتكي ياسمينة لأمها وأنا في صياح مجنون :
- سامحيني يا عمتي ، لن أنام مرة أخرى مع ابنتك .
وتهدد الأم ياسمينة بإخبار والدها ، فتبكي بين يديها وتقول لها :
- كلمي أمي مريم لتبحث لي عن عريس . لقد تزوج كل أندادي ولم أجد سوى الصغار ألعب معهم لعبة الكبار .
ونكبر نحن الصغار كما يكبر أطفال الخرافة . ولا نقدر على النساء فالدفع في المواخير مقدما، وجيوبنا فارغة ، فنذهب للبراري نبحث عن الأتن السائبة نمارس معا الجنس شاهقين حد الانفجار .

محمد رشدي
23-12-2011, 04:54 PM
تفاح الجنة / 05/ قصة قصيرة لابراهيم درغوثي/ الجزء الخامس
13-12-2008, 09:11 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36878


تفاح الجنة

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



الجزء الخامس

لا ، ليس الآن يا عزرائيل


قالوا لي ابنك ينكح الأتن السائبة في البراري ، فضربت أخماسي في أسداسي ومكنته من زوجة صالحة . وطلبت منه أن يملأ الدار صبيانا وبنات .
جاءت البنت الأولى ... والثانية ... وجاءت الخامسة ... ولم يأت الولد .
وجاء الولد الأول ومات بالحصبة . وجاء الثاني ومات بجريان الجوف . وتواصل هطول البنات حتى امتلأت بهن ساحة البيت .. وصارت أمهن كالجرادة.
وعندما جاء الولد كنت قد كرهت الحياة ... صرت لا أقدر على الوقوف ولا على تدبير الرأس . كنت أترقب ابن الزنا هذا لأفرح به . كنت سأقيم له حفل ختان لم تر له البلدة مثيلا ، ولكنه تأخر كثيرا . عاند رغبتي وتأخر في المجيء .. ابن الكلب جاء وأنا أعري كل ليلة لملك الموت عنقي ، وأكشف له عن شراييني المتهتكة فماذا أفعل به ؟
كانت أمه قد أعطت هدايا لكل نساء القرية بمناسبة أفراح الختان ، بيضا وحليبا وشايا وسكرا ونقودا كثيرة سرقتها من خزانتي . كانت كل ليلة تحسب كم صار لها عند النساء من مكتسبات وماذا ستشتري بهذه المكاسب عندما تجمعها يوم الختان . وتحلم بالذهب في عنقها وفي يديها وبالتلفزيون الملون وبالثلاجة والمروحة الكهربائية .
ولكن عزرائيل الذي ترقبته من زمان ، ولم يأت خير أن يحل ركبه في دارنا ليلة الفرح . جاء عندما كنت عازفة عنه . جاء ، ولم يمهلني لحظة واحدة . هكذا كالجراح الماهر المتقن لعمله ، قبض روحي . رأيته يخرج العصفور الصغير من أنفي ويهم بوضعه في القفص ، فطلبت منه أن يمهلني أربعا وعشرين ساعة ، نهارا وليلة فقط لا غير . قلت له ، لا يهم الجسد . خذ روحي ولكن أترك القفص معلقا في سقف البيت . أريد أن أرى كيف ستبكيني العائلة . أحرجته بالإلحاح وببكاء الثكالى ، وبلثم أياديه الكثيرة ، فوافق على أن يعود في الغد .
وجاءت كنتي منجية . دخلت البيت تتفقد لحم الخروف المرصوص في قصعة في ركن من أركان البيت . ثم عن لها أن تكلمني ... نادتني فلم أرد على ندائها – بالطبع فأنا ميتة – وضعت يدها تتحسس جبيني فوجدته باردا ، ورأت عيني مشرعتين وجسمي يابسا . ضربت كفا بكف ، وخمشت خديها ، وعضت أصابعها ... ففرحت قلت المسكينة هزها موتي هزا شديدا. وامتلأت بالزهو والسرور لكن فرحتي لم تدم طويلا فقد سمعتها تقول :
- ابنة الكلاب ، لم تجد متى تموت سوى في هذا اليوم . ماذا سأفعل ياربي .ضعت وضاعت نقودي . ضاع كل ما أهديته للنساء بمناسبة ختان أولادهن . ضعت يا منجية . أضاعتك هذه القحبة .
تيبس جسمي أكثر وأنا أسمعها تتحدث عني بهذا الكلام . وخافت روحي . التصقت أكثر بجدار القفص وهي ترتجف . وجاءتني الخواطر كما كانت تجيء وأنا في الدار الفانية . العاهرة . ابنة العاهرة مفضوضة البكارة . داويتها بيدي .رششت بين فخذيها دم الغزال وسترت حالها . قلت أن يتزوج هذه الكلبة خير له من الجري وراء الأتن الجرباء . ضبطتها أكثر من مرة مرفوعة الرجلين في السقائف ، ولم أقل شيئا لذلك الأبله . أعرف أن البنات بناتها وأن لا عين لابني فيهن ولا أنف . كسوتها وكسوت جراءها من مال الرجال الذين يدفعون بعد صلاة العشاء . وها هي الآن تتحسر لأنني مت قبل أن تجمع أموال الزنا الذي فرقته على مومسات هذه القرية الموبوءة .
رأيت منجية تدور في البيت لا تعرف ماذا تفعل ... وكانت أصوات الطبلة والمزمار تصلها حادة ... وكان ضرب أرجل الراقصات على الأرض يستفزها أكثر ، فيزداد هيجانها .
دارت ودارت في البيت ، ثم جثمت فوقي . اقتربت بوجهها من أنفي تتحسس أنفاسي وهي تردد ربما أخذتها سنة من النوم . ربما هي تتناوم قحبة القحاب وستفيق بعد قليل . لكنني ظللت كالخشبة اليابسة ، فزادت مني اقترابا ، وبدأت تناديني بصوت نحاسي ، وتحركني من كتفي بعنف حتى ارتطم رأسي بالأرض أكثر من مرة . ولما تأكدت من موتي ، حركت إصبعها الوسطى في وجهي وقالت : طز فيك أيتها العجوز النجسة . لن أفسد عرس ابني بسبب قردة رائحة إلى جهنم وبئس المصير .
ثم أغلقت باب الدار ، وذهبت ترقص في الحلقة الضاجة بالنساء .

محمد رشدي
23-12-2011, 04:55 PM
تفاح الجنة / 06/ قصة قصيرة لابراهيم درغوثي/ الجزء السادس والأخير
14-12-2008, 06:54 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36922


تفاح الجنة

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

الجزء السادس والأخير
تفاح الجنة


لم أدر بموت أمي إلا ليلا عندما طلبت من منجية أن تعطني عشاءها .
قالت :
- أمك ماتت ..
- ماذا قلت ؟ أمي ماتت ، متى كان ذلك ؟
- في القائلة ..
- ولماذا لم تخبريني بذلك ؟
- هل تريد أن تفسد عرس ابني لأجل موت أمك ؟
ولم أصدقها . جريت إلى بيتها فرأيتها نائمة على ظهرها ، وعيناها مفتوحتان ، والذباب الأخضر يحوم حولها .
من أخبر هذا الذباب اللعين بموت أمي . هششته عنها وبدأت أناديها :
- أمي .. أمي .. أفيقي يا أمي ..
فلم ترد على ندائي .
جلست على ركبتي ووضعت أذني فوق صدرها أتسمع دقات قلبها ، فلم أسمع شيئا . رفعت يدها الثمها ثم تركتها فسقطت على الأرض كقطعة من خشب . أقعيت كالكلب المضروب ، وانتفخ قلبي حتى صار كالكرة المبلولة ، وانفجرت باكيا . بكيت كما كنت أفعل عندما رأيت أول مرة رجلا يأكلها بنهم . يأكل من صدرها ومن وجنتيها . يأكل من فمها ومن فخديها. يلاطفها ويلاعبها . يهارشها ويعنفها . وهي تتأوه وتطلب المزيد . ثم سمعت نهنهتها وبكاءها تحت ثقله ، فوقعت فوق الرجل أضربه بيدي الاثنتين . وهو لا يلتفت لضربي ، فعضضته من كتفه حتى التقت أسناني بعضها بعضا ، وأنا أبكي وأصيح . خار الرجل كالثور وانهد فوق أمي لحظة ثم قام يرفسني برجليه ويسبني بأقذع الألفاظ . فسقطت فوق فخذي أمي المبعثرة فوق الفراش . رأيتها من وراء الدموع تقوم بسرعة لتدفع بالرجل خارج البيت ، ثم تعود لحتضنتني في صدرها مرددة :
- لماذا تبكي . اسكت لقد طردت الرجل من بيتنا ولن يعود هنا أبدا .
ولكن أمي ظلت تبكي تحت الرجال . وظللت أبكي في اليقضة والنوم .
بكيت وأنا صاح وبكيت في كوابيسي . وصارت نوبة البكاء تعاودني كلما رأيت صاحب أمي يدخل دارنا خفية مرة وفي وضح النهار مرات ... إلى أن اشترى سكوتي ذات ليلة بقطار من البلاستيك يجري فوق سكة حديد .
وكبرت ، فصرت أترك الدار لأمي وألتقي بعائشة وعزالدين الذي ظل يحكي لنا عن علي بن السلطان والتفاح الفواح والغيلان التي لا تشبع من لحم الآدميين . وعائشة تفتح أزرار سروالي وتقول :
- اترك علي بن السلطان يبحث عن التفاح وهاك كل التفاح من فوق صدري .
فآكل من تفاحها ، وأشرب من لبنها ، والحس العسل المصفى من بين فخذيها .
ولا أشبع أبدا .كنت كلما اعتليتها أرفض النزول على أرض الناس ولا أخجل من سوأتي المعروضة للهواء . وعلي بن السلطان يجوب الصحاري ويسلم على الغيلان .- وسلامه يسبق دائما كلامه -. ولماذا يا أمي تموتين الآن ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ وماذا أفعل بلا تقل لهما أف ؟ والجنة تحت أقدام الأمهات . وبالمناسبة هل سيدخل عم الجيلاني الجنة يا أمي ؟ وأنا لا أدري ماذا أفعل ؟
وجدتها ورب البيت ، وجدتها . سأخرج إلى الجميع . الرجال والنساء . النساء الراقصات والرجال السكارى وزوجتي بينهم .سأقول لهم :
- يا جماعة الخير ، دام فرحكم . نحن أصحاب العرس ، نشكر لكم تلبيتكم لدعوتنا . ومع السلامة الآن . سلموا على أهلكم . اتركونا وشكرا .
ولكن قد يعربد السكارى ، وترفض الراقصات ترك الحلبة ، وتتهجم زوجتي على تدخلي في شؤونها ، فماذا أفعل ؟
هل أترجاهم من جديد ؟ زوجتي وجوقتها . أناديها وحدها وأقول لها :
- أمي ماتت يا زوجتي العزيزة . والله العظيم ، أمي ماتت ، فلا تفضحيني أكثر في البلد .
ولكنني أعرف أنها بليدة ، ورأسها يابس كرأس البغل ، ولا تفهم بسهولة ، وكلبة ابنة كل كلاب العالم . فماذا أفعل إذا رفضت الانصياع لأمري ؟
آه . أشتكيها للبوليس ...
لكن البوليس سيقول هذه قضية عائلية ولا دخل لنا في هذه الأمور . سيتعلل بقضية عائلية ليرد لها بعضا من جمائلها التي لا تفتأ تقدمها لهم آناء الليل وأطراف النهار .
البوليس إذن قضية خاسرة ، سأشتكيها لأمها . أي والله ، سأشتكيها لأمها ...
ولكن حماتي تكره أمي كره المعافى للمرض . وستقول معها أنها ستخسر كل دراهمها التي دفعتها سلفا للنساء إذا تحول الفرح إلى مأتم .
آه ... أقول للمحتفلين : أمي ماتت والسلام .
كيف لم تخطر ببالي هذه الفكرة . من المؤكد أنهم سيتعاطفون معي .اللعنة .هكذا ننسى دائما الحلول السهلة ونتعب عقولنا بالعسير من الأمور.
ولكن الملعونة قد تقول لهن إنني سكرت وما عدت أعي ما أقول ، وتأمر بحبسي في إحدى الغرف . وستجد لا محالة من ينفذ أوامرها .
ماذا سأفعل يا أمي ؟ لقد ضاقت بي السبل .

عندما رفعت رأسي إلى السقف ، رأيت قفصا معلقا . كان في داخل القفص عصفور صغير لم أر له مثيلا من قبل . عصفور أكبر بقليل من النحلة . ألوانه لا تحصى ولا تعد .ألوان تعشي الأبصار وهي تتحول في كل آن وحين . مددت يدي أهم بالعصفور فلم أجده . وعدت أجلس على الأرض فعاد العصفور إلى مكانه في القفص المعلق قريبا من السقف . فارتبكت وظننت بنفسي الظنون إلى أن انفتح الباب ، فدخل عم الجيلاني يجر وراءه برنسه الحريري ويعطر يديه بماء الورد .
قلت : عم الجيلاني ...
وصرت أرتعش . لقد شاركت في دفن الرجل منذ سنوات خلت . اقترب مني تسبقه لحيته الحمراء المصبوغة بالحناء . كان كلما خطا خطوة نزل بي العمر عشر سنوات إلى أن صرت طفلا يلعب بقطار . ربت الرجل على شعري وقال :
- قم يا ولدي . اذهب لتلعب بقطارك مع أصحابك في الشارع .
وضعت القطار تحت إبطي وخرجت ..
عندما التفت وأنا أغادر الدار رأيته يمد يده إلى القفص ، فيخرج منه العصفور الصغير . ورأيته يدس العصفور في أنف أمي . وأظلمت الدنيا في ناظري فما عدت أرى شيئا . صفقت الباب ورائي وهممت بالاندفاع خارج البيت إلا أن زوجتي أمسكتني من تلابيبي . وسمعتها تقول :
- ماذا سنفعل الآن بأمك ؟
لم أرد على سؤالها فواصلت :
- سوف تسكت حتى ننتهي من الأفراح ، فالوقت شتاء ، وجثتها لن تتعفن .
- وأنت متى ستنتهين من جمع نقودك السائبة عند النساء ؟
- غدا صباحا بأذن الله .
- سأذهب أحفر القبر . سأحفره وحدي فلا تشغلي بالك بي .
وذهبت إلى الجبانة .
حفرت قبرا لأمي وقبرا لقطار عم الجيلاني . وحفرت قبرا ثالثا دفنت فيه ثيابي .
وهمت في الخلاء ... عريانا ...

محمد رشدي
23-12-2011, 04:56 PM
متاهات /02/قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
21-12-2008, 12:53 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37196




متاهات/ 02
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


أم المتاهات :
أو ليلة كليلة القدر :



ماذا لو أفاق أحدكم ذات صباح وهو يملك رصيدا ماليا يساوي مليارين ونصف المليار من ملاليمنا التونسية . نعم يا سادتي الكرام ، ملياران ونيف . وحتى أقرب الرقم لمن لا يحسن تحويل الملاليم التونسية إلى دولارات أمريكية ، من قراء لغة القرآن ، أقول إن هذه الثروة تساوي بفلوس العم سام اثنان من ملايين الدولارات . أي نعم ورب الكعبة ، مليوني دولار . و ما على صاحب هذا الرصيد المالي إلا إن يبدأ بالعد .
و لكن وحتى لا أذهب بطمع الطامعين بعيدا أقول لكم إنني صاحب الحظ السعيد . فأنا من انفتحت في وجهه كوى وشبابيك وأبواب ليلة القدر في غير موعدها . ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر . ليلة هي عندي أغلى من الدنيا وما فيها : من ناطحات السحاب الأمريكية ، إلى البنوك السويسرية ، ومن آبار النفط السعودية إلى مناجم الذهب في إفريقيا الجنوبية . ليلة خير من ألف ليلة وليلة التي غنتها سيدة الطرب الأصيل أم كلثوم بردت أمطار الربيع ثراها ، وشنف الله آذانكم بصوتها ومغناها .

محمد رشدي
23-12-2011, 04:58 PM
متاهات /03/قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
22-12-2008, 12:04 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37222


متاهات / 03
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



المتاهة الثانية :
أو ماذا يحصل لك حين تتغول عليك زوجتك




أبدأ الحديث بذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبدا لله ، فأنا مواطن يؤمن بالقدر ، خيره وشره ، ولا يجادل فيما قدره الله لعباده من أرزاق في اللوح المحفوظ في عليين منذ أن قذفوا في الأرحام نطفا لا حول لها ولا قوة . مواطن مما كان يعرف سابقا ببلاد إفريقية التي غزاها في قديم الزمان وسالف العصر والأوان عبادلة الله السبعة ، ففتحوها وأدخلوا أهلها دين الله الحنيف بالحكمة والموعظة الحسنة . وصارت تعرف لاحقا بتونس الخضراء ، زينة البلدان وعروس المدائن . أنا ياسادة يا مادة ايدلنا ويدلكم على طريق الخير والشهادة مواطن من الشعب الكريم لا علاقة لي إطلاقا بما صار يعرف في هذه الأيام بالوسائط الحديثة للاتصالات ، أي بعالم الكمبيوتر والأنترنات ووسائل الاتصال عن بعد وغيرها من هذه الخزعبلات . فأنا تعلمت في كتاب القرية. أكتب ما تيسر من المعارف الدينية والدنيوية على لوح خشبي مبارك ، مصقول بطبقة من الطين الازب أخط عليه بقلم من القصب بعد أن أغمسه في السماق . والسماق لمن لا يعرف ، هو مداد مصنوع مما علق بمؤخرات الكباش ، يخلط بالماء ويوضع على نار حامية حتى يتخثر ويصير كالحبر الصيني .
وكبرنا فتركنا القصب والسماق ، وصرنا نكتب بالقلم الجاف على الأوراق البيضاء ، ونتفنن في الرسم وفي نقش الحروف ولا نمل ، إلى أن جاءتنا هذه الاكتشافات الحديثة فقلبت دنيانا الهادئة رأسا على عقب .
امتلأت منازل المدينة بهذه الآلات الإليكترونية العجيبة ، فتصدرت المجالس كما كان الحال في بداية ستينات القرن الماضي عندما اكتشف العالم أجهزة الراديوهات العملاقة . وكنت أجدف ضد التيار، فقد امتنعت عن الحديث في هذا الموضوع امتناعا تاما ولم أترك لأحد من الأهل فرصة طرح إمكانية شراء جهاز إعلامية وإدخاله إلى بيتي ، إلى أن حرك الأولاد أمهم ضد هذا الموقف المتطرف من رجل مثلي يدعي أمام العالم المتحضر أنه من أنصار العلم ، ويؤمن بأن الأمريكان نزلوا على سطح القمر ، وبأن الإنسان قرد ناطق بالكلام المبين ، وبأن هذه الأرض عجوز شمطاء عمرها يقاس بمليارات السنين . وحرضوها بالهمز واللمز ، فاشتد عزمها على النزال . ورغبوها في صندوق العجب ، هذا الذي يحوي العالم بين جنباته . وطلبوا منها أن تناصبني العداء إن أنا امتنعت عن قبوله في بيتنا . فتهربت من عينيها في أول الأمر ، ومن غمزاتها فيما بعد ، ومن إلحاحها على تنفيذ أوامر أكبادنا التي تمشي على الأرض . وماطلت ، وتناسيت ، وادعيت ضيق ذات اليد إلى أن هجرتني وتركتني أنام وحيدا في فراش ليالي الشتاء الباردة ، فرضخت للأمر ولسان حالي يقول : لست أول من تغولت عليه ربة بيته يا رجل ، ففز بدفئها ونفذ أوامرها وأمرك لله .
وكان ما كان . بعد أيام ، تصدر قاعة الجلوس في بيتنا العامر، جهاز كمبيوتر بتوابعه وزوابعه أغنانا عن التلفزيون ، وأدخلنا عالما آخر لم أكن أعرف أنه موجود .

وتلك حكاية أخرى لم تدر بها شهرزاد .

وشهرزاد هذه ليست تلك التي قد يكون الواحد منكم سمع بعضا من حكاياتها أو قرأ شيئا منها في كتاب ألف ليلة وليلة ، وإنما هي زوجتي المصون ، أنا ، شهريار بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن ألخ بن سام بن نوح بن ألخ بن آدم عليه الصلاة والتسليم . وقد قررت بمحض إرادتي أن أقص عليكم بنفسي حكايتي هذه . أولا لأنها تختلف بعض الشيء عما تعودتم عليه من قص شهرزاد العجوز لشهريار الآخر ، شهريار الحكاية القديمة ، تلك التي تخرج من جعبتها كلما أعجزتها الحيلة ، جنا وغيلانا وشياطين طائرة ، وهذه أشياء لم تعد تقنع في هذا العصر . وثانيا لأنها لا تعرف عن قصتي الشيء الكثير، فهي تجهل هذه العوالم الجديدة ولا تفقه في دنيا القص الحديث شيئا يذكر . هكذا بكل بساطة ، حتى لا تذهب بكم الظنون مذاهب أخرى ، ولا تتأولوا هذه الكتابة تأويلا آخر .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:00 PM
متاهات /04 /قصة قصيرة / ابراهيم درغةث
23-12-2008, 05:42 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37257


متاهات /04
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



المتاهة الثالثة :
أو قصة شهريار مع المليوني دولار:



كان يا ما كان ، في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ، كان يعيش في قرية من قرى بلاد العرب التي شملها الله برحمته ، رجل يدعى عبدالله ، رجل مستور الحال ، يتداين في بعض المرات من البنك الذي يملك فيه حسابا جاريا ينزل فيه راتبه في أواخر كل شهر، ولكنه كان يسدد ديونه ولا يتلكأ في التسديد ليعود إلى الاستلاف مرة أخرى ، وهكذا دواليك ، قوت على موت ، إلى أن فاجأه مرة جهاز كمبيوتر اشتراه منذ أيام بثروة لم يكن يحلم بها . تخيلوا معي مغارة علي بابا بما حوته من كنوز سرقها حراميو كل الدنيا ، من المافيا الإيطالية حتى مروجي المخدرات في مدن أمريكا العظمى : ذهب وألماس ، ودولارات وأورووات ، وتحف فنية ، ولوحات لرسامين من عصر النهضة حتى بيكاسو و... ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وما لا يخطر على بال، تيجان من الذهب الخالص كانت فيما مضى فوق رؤوس أطاحت بها وكالات المخابرات المركزية ، وعصي من الأبنوس كان جنرالات من دول العالم الثالث يزينون بها خطواتهم المنتظمة على وقع الأناشيد الرسمية فوق زرابي المخمل المفروشة في مطارات العالم ، وأقمشة من الحرير النفيس المزركش بخيوط الذهب و... شيء لا يمكن أن يحصيه إلا الله العلي القدير . هكذا قدرت ، أنا محدثكم ، عبد الله وصفيه ، قيمة الثروة التي كسبتها بعدما ترجم لي أحد أساتذة معهد القرية التي أسكن فيها نص البريد الإلكتروني الذي وصلني. رسالة مكتوبة بأنكليزية تضوي حروفها المباركة كنجوم السماء في ليلة صيف ، حولها لي الشاطر حسن إلى العربية ،فأغمي علي أولا ، ثم أفقت من الإغماءة ، فحولت منزلي إلى قاعة أفراح وليال ملاح وأنا أردد لكل من هنأني بهذه الرحمة التي نزلت علي من سماء أنجلترا العظيمة :
- رحم الله رجلا عرف قدر نفسه ، ها هي اللغة الأنجليزية تأتيني بما لم تقدر عليه لغة الصحراء المقدسة . فبالله ، و والله ، وتالله ، وبإذن الله ، الرازق العليم ، القادر الكريم ، الذي يعطي ولا يمن ، ويهب بدون حساب . أنه ، لو قدر لي حقا هذا الفوز المبين لجعلت كل أطفال كتاتيب عالم المسلمين يقرأ ون كلام الله بهذه اللغة الرائعة .
ونذرت للرحمان نذرا عظيما ، بأن أشتري بجزء كبير من هذا المال ، وا... عجبي، أجهزة كمبيوتر أفرقها على كل طالب علم ليفوز معي، ربما في مرة قادمة ، بهذا الرزق الحلال . فمما ورد في تذييل الجائزة ، أنها تفرق على الخلائق مرة كل سنة .
وبما أنني فزت بها هذه المرة ، فليس من الغريب أن تكون في العام القادم أيضا من نصيب واحد آخر من هذه البلاد التي اصطفاها الله وكرمها وجعل من أممها خير أمة أخرجت للناس . يأمر أهلها بالمعروف ، وينهون عن المنكر، ويتعاضدون عند الشدائد ، ويحبون لبعضهم ما يحبون لأنفسهم ، ولا يتركون للعدو موطئ قدم فوق أرضهم . شعوب وقبائل اختارها الله وكرمها بالبترول يا أخي ، فأرى الخلائق جنات نجد و دبي والكويت سيتي بالعين المجردة حتى يتأكد الجاحدون والكافرون والذين في قلوبهم مرض من أن رب العرب يملك في خزائنه أيضا جنات عدن ، تلك التي وعد بها المتقين من عباده الصالحين . جنات تجري من تحتها الأنهار ، وتغرد فوق أغصانها الأطيار.
وظللت أحلم بهذه الثروة ، لأنه ذهب في ظني ، بادئ ذي بدء أنه بمجرد الإعلان عن الفوز، وبكلمة سحرية مني ، كأن أقف أمام باب المغارة التي حدثتكم عنها قبل قليل ، و أهمس : افتح يا سمسم ، فتنفتح أمامي أبواب بنوك العالم لأغرف من خيراتها ما شاءت لي الأقدار واللغة الأنجليزية الكريمة . ولكن ظني ذهب أدراج الرياح . فقد استدعى الأمر أكثر مما تحسبت له .
كان علي أن أقطع سبعة بحور ، وأصعد سبعة جبال وأتوه في سبع صحار لأنال مال العيون الزرق .
وتلك حكاية أخرى لم تدر بها شهرزاد كما قلت لكم في المرة السابقة .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:03 PM
متاهات /05 /قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/تونس
25-12-2008, 01:34 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37303


متاهات /05
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



المتاهة الرابعة :
أوالشاطر حسن يذيع السر .


طلبت مني شهرزادي أن لا أكثر من الحديث حول موضوع هذا الكسب الذي خرج لنا من بلور جهاز الإعلامية الذي جهدت هي وأولادها في الحث على اقتنائه بينما كنت أعادي الفكرة . وذكرتني بأنها قاطعتني ، وهجرت الفراش الحلال حتى رضخت للأمر وجئتهم بتلك الآلة العجيبة التي ربحنا من ورائها هذه الثروة . وصارت تلحف بتذكيري بأن المشرفين على هذه المغامرة يؤكدون على الاحتفاظ بالسر، وبعدم البوح بالرقم الفائز في السلسلة . هذا الرقم الذي وقع اختياره من بين مائة ألف بريدي الكتروني .
وترفع يديها إلى السماء ، وتبوس كفيها ، وتتمتم : ما أرحمك ياالله ، بريدنا يفوز من بين مائة ألف بريد . ما أكرمك يا الله وما أسعدنا برحمتك الواسعة .
وبما أنها تعرف أن حبة الفول لا يمكن لها أن تبتل داخل فمي ، كناية على أنني ثرثار، مهذار ، فإنها نظرت في عيني نظرة أورثتني ألف حسرة ، ولم تزد على ذلك شيئا .
ولكن من أين للمسكينة ولي بالستر بعد أن ذاع الخبر في طول البلاد وعرضها منذ أن فارق الشاطر حسن باب دارنا . فقد تهاطلت علينا التهاني من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم . تهاني بواسطة التلفون العادي ، وبأخيه المحمول ، وأخرى بالبريد العادي ، وبالبريد السريع . واتصالات بالإيمايلات ، وغيرها بالبطاقات البريدية الرائعة . ولكن أهمها جميعا تلك الزيارات الفردية والجماعية التي صارت تحصل لنا في عقر دارنا آناء الليل وأطراف النهار . زيارات لم نكن نحسب أنها يمكن أن تقع لنا لولا تلك الجائزة السعيدة التي قلبت حياتنا وحولتنا من حال إلى حال ، وسبحانه تعالى مغير الأحوال . سبحانه أعبده وأنوب إليه ، فلولاه ما حصل الذي حصل .
زارنا رجال سياسة من كل ألوان الطيف . جنتلمانات ، أجسامهم الفخمة مدسوسة داخل بذلات فاخرة ، تزينها ربطات عنق تعبق منها روائح العطور الفاتنة . جاءوا يطلبون الود والصحبة وقضاء شؤوننا الخاصة متى أشرنا بذلك . قالوا لنا : اكتفوا بالإشارة ولا يهمكم شيء بعد ذلك .ودخل بيتنا لأول مرة رجال أعمال كبار وصغار يقطر الشحم تحت خطاهم . شحم لزج ، متخثر، نتن كالفساء . كان الصغار يرغبون في أن نشاركهم أرباحهم القادمة و كان الكبار يعرضون علينا أرباحهم الحالية . اطلبوا، قالوا لنا ، ولا تخجلوا ، فالمال كثير، ولا فرق بيننا وبينكم إلا بالصورة المرسومة على العملة .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:10 PM
متاهات /06 /قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/تونس
25-12-2008, 01:45 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37305


متاهات/06

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي


المتاهة الخامسة :
أو - أنا الغني وأموالي المواعيد


حتى لا يقال أنني أسرق أشعار الغير وأنسبها لنفسي ، أعلن لمن يعرف أن هذا عجز بيت شعر استلفته من صاحبي وخليلي أبي الطيب المتنبي برد الله ثراه .

يوم وصلنا الإيمايل الذي طلب مني فيه إرسال نسخة من
جواز سفري و رقم حسابي الجاري في واحد من البنوك التونسية التي تتعامل مع الخارج لتسهيل إرسال الأموال التي ربحتها ، وحتى يصلني هذا الخير إلى باب الدار – كما قالوا لي - كان أطول يوم في حياتي .فقد خرج الخبر للخاصة والعامة في لمح البصر، كيف خرج هذا الخبر وتناقلته الألسن بهذه السرعة ، لست أدري ، إذ بمجرد أن وضعت قدمي أمام باب الدار حتى هجم علي جمع غفير من البشر لا يعلم عدده إلا الله : رجال ونساء وأطفال ، وشيب وشباب . كانوا متبوعين بضاربي طبول ونافخي مزامير وحواة ، آكلي عقارب ، ومصارعين ، ومريدي زوايا وتكايا. التف الجمع حولي ، وصاروا يتصايحون ويتدافعون كل واحد منهم يريد الوصول ليدي ليلثمها ويتبرك بها . وأنا ، وقد أصابني الذعر خوفا من أن أموت مختنقا ، أنادي مستغيثا ، ولا مجيب إلى أن أغمي علي ، وظن أنني فارقت الحياة . حينها فقط تفرق الجمع من حولي . وبدأت الجوقة في النواح والصياح وفي لطم الوجوه والعويل والبكاء .وأنا أنظر بعين القلب لما حل بهذه الأمة التي - تحرث على البرق - .
بعد هذه الحادثة التي كادت تؤدي بحياتي ، ألزمتني زوجتي والأهل والأقارب والأصدقاء ومن زارنا في الأيام السابقة من ذوي الشأن بعدم مغادرة البيت . قالوا : لن نجعلك ضحية لهؤلاء المجانين ، وسنتكفل بمستلزمات حياتك ، فقر عينا ، ونم ملء جفونك عن الشاردة والواردة .
ونمت ، كما قالوا لي ، فامتلأت رفوف المطبخ بما لذ وطاب من لذائذ الدنيا . وامتلأت جيوبي بلفائف من ورق النقد .
ولكن ما نغص علي هذه الجنة أنني كنت حين أقف وراء شباك بيت الجلوس الكائن في الطابق الخامس من العمارة التي أقطنها ، أرى صفوفا من الخلائق متراصة قدام باب العمارة . صفوف طويلة ، تكاد لا تنتهي .
كانت الخلائق تنادي باسمي، وتطالب بحقها فيما كسبت من مال اللغة الأنجليزية الكريمة . وأنا من وراء شباكي ، أعجب لهؤلاء الناس ، ولحالي ، وألعن الساعة التي طاوعت فيها نفسي وأدخلت إلى البيت هذه الأعجوبة التي أربكت حياتي وحولتني بين عشية وضحاها ، وليل تلاها إلى معبود لكل هذه الجماهير الغفيرة والخلائق الكثيرة . وأندم بسرعة على هذا الكفر بالنعمة التي حرضنا ربنا على أن نحدث بها ، فأستغفر الله ، وأعد نفسي بأن أحمد ربي وإن داستني أقدام العامة، ونهشتني الأفاعي السامة وقروش الطامة .
ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز القدير الذي يفرق الأرزاق ولا يمل ولا يكل ، به أستعين ، وعليه أتوكل في حل صغائر الأمور وكبائرها . فهو من يرزق الخلق بغير حساب ، فلولا رحمته الواسعة لعميت عيون اللغة الأنجليزية عن رؤيتي ، ولتاه بريدي الإلكتروني في هذا البحر المتلاطم من بريد العالم الحر ، والعالم المتخلف ، وما بينهما بريد العالم البين بين .
كنت أقول لنفسي أنظري يا ابنة الكلب كم هي عظيمة رحمة ربك ، فلا تنسي ذلك وعضي على هذا الكلام بالنواجذ وإلا أكلتك ضباع الجبل وبالت عليك الثعالب .
وقد هان من بالت عليه الثعالب .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:12 PM
متاهات 07 /قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/تونس
26-12-2008, 05:29 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37346


متاهات /07
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس




المتاهة السادسة
أوالهاتف الذي حذرني من الخناس

دسست بين هذه الجماهير الواقفة تحت سمائي من كان يهرب إلى البيت ، بين الفينة والأخرى من يحدثني عن سبب وقوفه في هذا الصف .
كانت إجابات بعضهم غريبة وعجيبة ، لو كتبت بالإبر على مآقي البصر لكانت عبرة لمن يعتبر .
هزني بعضها حد البكاء . وضحكت من البعض الآخر حد البكاء أيضا :
كان يا ما كان ... في قديم الزمان ... وسالف العصر والأوان ...
كان رجل فقير الحال ، رث الهندام ، يدعى لقمان.
وكان ....
وكانت امرأة جميلة ، طويلة القد رائقة الخد ، ولكنها لم تكن تملك من حطام الدنيا شيئا .
كانت هذه المرأة ...
وكان وكانت ...
وكانت وكان ...
وكنا وكانوا ...
وسيدي ، ينقصني ألف دينار لأزوج هذه اليتيمة .
وسيدي ، لم أقدر على دفع معلوم كراء البيت ، وصاحب البيت يهددني بالطرد . وأنا لا أملك عشا لفراخي .
وسيدي ، ماذا لو تدفع عني بلاء قرض هد كياني ، من البنك الفلاني ، والبنك العلاني ، والبنك الفلاني العلاني ، والبنك العلاني الفلاني .
وسيدي يا سيدي ...
وأنا أقول في نفسي و لنفسي : ها قد أصبحت سيدا يا ابن الكلب ، يا ابن الجوعانة والجوعان ، فما تراك فاعل بهذه السيادة ، وهذا الشعب الكريم ماثل بين يديك ، يرجو رحمتك ، ويطلب عطفك وحنانك .
يا حنان يا منان .
يا سيدي قضاي لحوايج .
إلى أن وصل الإيمايل الأخير الذي قلب كل الموازين رأسا على عقب . طلب مني أن أدفع ألف باوند لاستخراج الأوراق الخاصة بالربح وأن أرسلها في أسرع وقت على الحساب الجاري لبنك في أنجلترا ، أو أن أحضر بلحمي ودمي الحار إلى بلاد البرد و الضباب لأقوم بهذه الإجراءات وأعود سالما غانما بما كسبت من رزق حلال . وخيروني .
فقلت ، والحيرة تأكلني أكلا لما : الخير فيما اختاره الله .
ونمت ، أو على الأصح كنت كالنائم حين سمعت هاتفا يهتف بي :
- حذار يا ابن الناس من الخناس الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس .
- حذار يا ابن محبوبة ، ولا تكن كالثعلب الجائع الذي أطمعته ضخامة الطبل .
وسرد عن مسمعي أمثلة كثيرة تدين الطمع والطماعين أوردها من حكم الأولين والآخرين .
ولم يتركني إلا بعد أن تأكد من عودتي إلى عالم اليقظة .
أفقت مذعورا ، و صدى الصوت الذي كلمني في المنام يتردد في الغرفة صافيا كرنين الذهب ، وعرق بارد يسيل من كامل مسام بدني .
كان ثقل عظيم يحط بكلكله على جسمي ، وكل أوجاع الدنيا تضغط على رأسي وصدري وتقطع أنفاسي .
وبدأت أسقط في بئر بلا قرار .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:13 PM
متاهات 08 والأخيرة /قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/تونس
26-12-2008, 05:34 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37347


متاهات / 08

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي


المتاهة السابعة والأخيرة
أو متاهة المتاهات



هل تعتقد عزيزي القارئ أن حكاية كهذه ممكنة الوقوع
وأن اللغة الأنجليزية سخية مع العرب إلى هذا الحد
هل في مقدورك أن تصدق بعد الآن هلوسات القاصين وكذبهم وذهابهم إلى أساطير الأولين وخرافاتهم ليثبتوا بها حكايات اليوم
أنا ، صانع هذه الأكاذيب الحديثة أقول لك من جانبي صدق كل ما قرأت قبل قليل .
أقول لك ، غرائب هذا العالم الجديد لا تحصى ولا تعد ، فلماذا لا يربح مواطن صالح ثروة كثروة علي بابا وقد تواتر مثل هذا الربح في أخبار التلفزيون .
كل ما في الأمر أن الكاتب أوعز لسارده أن ينهي هذا النص بتلك النهاية حتى يقطع الطريق على الطماعين ، وما أكثرهم .
هل تصدق السارد أم تصدقني
اترك لك الخيار
سلام ...


dargouthibahi@yahoo.fr

محمد رشدي
23-12-2011, 05:15 PM
سورة الخبز /01/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
30-12-2008, 12:11 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37474


سورة الخبز / 01
" الخبز المر سابقا "
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس




ملاحظات للقارئ :

نشرت هذه القصة أول مرة بعنوان " الخبز المر " في مجموعتي القصصية : " الخبز المر" سنة .1990
صادرت الرقابة هذه المجموعة القصصية مباشرة بعد صدورها ومازلت ممنوعة من التداول حتى يوم الناس هذا .
العنوان الجديد " سورة الخبز " عنوان تعويضي للعنوان السابق .
بهذا وجب التنويه



يا لهذه القرية النابته فوق كف الجبل ... كم تبدو هادئة بمنازلها المبنية بحجر الدواميس الأسود المستخرج من قلب منجم الفوسفاط حجر هذا الجبل الراقد بمحاذاة المنازل كأنه جمل كبير ، جمل في حجم جبل .
أنظر أمامي وأنا قد اعتليه بعد مشقة وعناء ، فأرى القرية واسعة رحيبة . وأرى الدخان يتصاعد من قلبها نحو عنان السماء ، دخان مغاسل الفوسفاط المليء بهباءات تتساقط فوق سطوح المنازل وباحاتها وعلى وجوه المارة وفوق رؤوسهم وداخل العيون والأفواه . هباءات من حبات التراب الدقيقة تتطاير كالخفافيش في الظلام ، فلا تراها العين ولا تلمسها الأيدي وإنما يشمها القلب فيمتلئ ....
وأرهف السمع قليلا ، فيدوي في طبلة أذني زمجرة الآلات الصماء الجاثمة على أرض المغسلة كأنها وحوش أسطورية تقتات من التراب .
وأنظر بعيدا أحاول تحديد مساحة هذه القرية التي تمردت على تخطيط أعوان البلدية ، فجاءت في شكل غير محدد . تبعثرت مبانيها في كل مكان ، في السهل المنبسط أمامي ، وعل سفح الجبل ، وفي كل الأمكنة . وجاءت منازلها متساندة . وشوارعها متداخلة بمياهها العفة العطنة التي تفوح منها روائح بول البهائم وتطير فوقها الحشرات صيفا
شتاء ويلعب في منعطفاتها أطفال حفاة عراة . يتقاذفون بالحجارة ويسبون الدين ويلعنون أجدادهم وهم يتبولون في المجاري المكشوفة .
وأعود بعين القلب إلى هذه الأزقة ، فأراهم يتخبطون تخبط الأعمى في السراديب . أراهم ضائعين وسط الشوارع المتعرجة ، هائمين على وجوهم فلم تفدهم خوذاتهم . ولم تفدهم سيارات المصفحة بقنابلها المسيلة للدموع . ولم يفدهم رصاصهم الأعمى .
أراهم الآن من مكاني هذا وقد عادت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم وهم يتخبطون في كل الاتجاهات بعد أن حرنت دوابهم الحديدية . أراهم ، وأرى الحجارة تنزل عليهم مطرا غزيرا فيردون بزخات من بنادقهم الأوتوماتيكية . ويلعلع الرصاص أمام دواب الحديد الحرونة ، فتمتلئ الأزقة بالروائح العطنة وبزمجرة محركات سيارات مكافحة الشغب وبعياط منبهات الصوت .
وتتوغل الأزقة في عنادها فتوغل السيارات المتوحشة في اقتفاء أثر الأقدام الصغيرة . أقدام أطفال المدارس الذين أعجبتهم اللعبة فتفننوا في اختراع حيل الكر والفر والاختباء وراء الجدران ورمي الحجارة من جديد لجرح لحم هذا الوحش الأسود .
يختبئ الأطفال في ثقب في الجدار ،
في حفرة في الأرض الموحلة ،
تحت صخرة عالية ،
وراء ظل شجرة وارفة ،
ثم يتحينون الفرص من جديد للنيل من وحش الحديد ومن راكبيه وهم يطلقون صياحهم الشبيه بصياح الهنود الحمر مولولين صائتين كالعفاريت .
ويذوبون في الهواء ...
ويطيش الرصاص في كل الاتجاهات .
ويسقط أحمد ،
فتختبئ الشمس في خدرها خجلا .
وتبكي الحمامة في أيكها .
وترتعش الوردة الحالمة .
ويسقط أحمد ،
ويقوم ،
يتكئ على الجدار ويقوم ،
فيسقط من جديد .
ويبكي القمر .
وتبكي – تماضر – صخرا جديدا .
وتسفح دمع القرون الخوالي .
وتمسك رأس الشهيد بين يديها .
تقبله – من هنا مرت الطلقة الغادرة .

وتقبله – ها هنا لم تزل بسمة آسرة .
وتقبله ،
وتعود إلى قبرها من جديد .
ها هناك ...
بعيدا ، بعيدا ،
وراء البعيد ...

محمد رشدي
23-12-2011, 05:17 PM
سورة الخبز /02/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
30-12-2008, 08:22 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37483


سورة الخبز / 02
" الخبز المر سابقا "
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



*****

أمجد عاد منذ أيام من معتقل " رجيم معتوق " . اقتلعته الأيدي ذات الأضافر الفولاذية من فوق طاولة الدرس ذات مساء خريفي . أغمض له رجال بدون ملامح عينيه وزرعوه في قلب الصحراء ، فقال لهم :
- أنا النخلة . عروقي تضرب في الأعماق ، ولن أعطش .
قسما بالنخلة لن أعطش .
ويسقط أمجد .
عندما فار الدم من كتفه ، غمس أصابعه في ثيابه المبتلة بالسائل الأحمر وكتب على الجدران البيضاء – لن يمروا - . كان الدم يسيل من كتفه غزيرا ، وكان يرمي بيده السليمة حجرا وراء حجر ويكتب على جدران المنازل – لن يمروا – إلى أن أمسك به أصحابه بعدما فقد الوعي وحملوه إلى المستشفى .

وتسقط فاطمة .
ويسقط علي .
وتطير الحمائم في الجو فزعة .
وتعوي السيارات عندما يوجعها الحجر .


*****

منذ أيام ، سلمت علينا مذيعة في التلفزيون وقالت من وراء ابتسامة بلا معنى :
- صار الخبز يرمى به في صناديق القمامة .
ارتعدنا وخفنا لعنة السماء وأمي تقول :
- استغفر الله العظيم . كيف ذلك والكبار عودونا على تقبيل قطعة الرغيف إذا سقطت على الأرض ؟
وهمهم أبي تحت شاربه الكث :
- نحن لا نملك صناديق قمامة ، فلن نخاف لعنة السماء ولكننا سنخاف لعنة الأرض يا امرأة .
وأصاب الناس سعار فاشتروا كل شيء وكأن الحرب على الأبواب . كدسوا مؤونة شهر في المنازل تحسبا للطوارئ : الدقيق والكسكسي والمعكرونة والسكر والزيت ... وصار أصحاب الدكاكين يماطلون المشترين ، فلا يبيعونهم إلا بمقدار لأن الأسعار سترتفع بجنون . وكثر الخصام واشتدت الأزمة على الجميع .
وعاد مذيع في التلفزيون يردد في كل نشرات الأخبار :
- صار عملة البلدية يجمعون في اليوم الواحد مقدار جبل من بقايا الخبز اليابس . وصارت الكسرة طعاما للخرفان والبقر .
وقلنا ونحن نلحس الشفاه وطعم الخبز اليابس المخلوط بالماء الممزوج بقليل من السكر :
تبا للبقر . ما أسعده وهو يأكل من خبزنا حد الشبع .
وتذكرت جارجتنا نعيمة التي تأكل مع بقرتها من كيس واحد . أينعم يا عباد الله ، كانت الجارة وأولادها والبقرة يأكلون من كيس واحد . فعندما يعود زوجها محملا بكيس " العلف المركب " ، تأخذ الغربال فتضع فيه مقدارا من ذلك الخليط ثم تغربله كما يغربل الدقيق فتأخذ منه نصيبا لها ولأولادها وتعطي للبقرة نصيبا .
وقالت نعيمة بعد أن ابتسم المذيع الأنيق وذاب وراء زجاج التلفاز :
- لهذا ما عدنا قادرين على الخبز بعدما صار البقر يأكل من البسكويت .
يا للبقر المحظوظ .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:19 PM
سورة الخبز /03/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
31-12-2008, 06:00 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37507


سورة الخبز / 03
" الخبز المر سابقا "
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



إنني رأيته في تلك الأيام رأي العين ، فصدقوني ...
رأيت " الغول " الذي حدثتنا عنه الجدات يخرج من بين تلافيف الخرافة . غول مرعب في حجم جبل وقف في وسط ساحة القرية وهم بأسنانه يشحذها بمنشار كهربائي ، ثم أقعى على مؤخرته وظل يراقب المشهد دون أن يتكلم .
في تلك الأثناء قالت " حورية " لولدها " أمجد " :
- رح يا ولدي هات لنا كسرة خبز من دكان عمك أحمد .
فرد عليها الولد مغضبا :
- كسرة واحدة يا أمي ؟ ستكفي وما كانت كسرتان تقينا الجوع ؟
فردت الأم على احتجاجه بعد صمت طال دهرا :
- كسرة في الصباح وكسرة في المساء يا ولدي واحمدوا ربكم .
فزاد غضب الطفل وهو يغمغم :
- لقد صبرنا على اللحم والزبدة ، ولكن هل سنصبر على الخبز ؟
وذهب إلى الدكان .

هناك رآه واقفا عند الباب ، فسأل عنه أصحابه الأطفال الذين سكنهم الرعب :
- من هذا يا أحبابي ؟
وجاءه الجواب من الشيوخ :
- هذا هو الغول يا ولدي ... ألم تر كيف يمد يده إلى الخبزة فيأكلها في قضمة واحدة ؟
وراءه يخرج من هذا الدكان ليدخل الدكان الآخر . يأكل الخبز والأطفال ولا يشبع ، فيلحس السماء .
ويمد يده إلى الشمس يهم بأكلها . وعندما لا يقدر عليها ، يعود إلى الرجال فيأكل منهم اللحم ويشرب الدم ثم يقعي على مؤخرته في الساحة التي هجرها الجميع .
عند منتصف نهار ذلك اليوم ، تحلقت النساء في الأزقة ورحن يندبن ويلطمن خدودهن ووجوههن .
وعندما عاد الرجال من الشغل وما وجدوا الغداء جاهزا ما ضربوا نساءهن هذه المرة .
وناموا بثياب العمل .
في العشية علا الصراخ في الشوارع .
صاح أولاد المدارس : " نموت ، نموت ويحيا الوطن "
وبدا الخلق في التجمع في ساحات القرية .
وخرج العمال من الورشات بثيابهم الملطخة بالتراب والزيت .
وتركت النساء المنازل ولم يخفن صولة الرجال .
وتقاطر الأطفال بمحافظهم الصغيرة وقلوبهم تكاد تنط من صدورهم وقد أعجبتهم اللعبة .
وصاح الشباب : إذا الشعب يوما أراد الحياة ...
واندس الجواسيس بين هذه الجموع الهادرة يبحلقون في الوجوه ويكتبون في ذاكرتهم الأسماء .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:20 PM
سورة الخبز /04/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
01-01-2009, 05:53 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37542


سورة الخبز / 04
" الخبز المر سابقا "
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


" حورية ّ تسكن مع أولادها في غرفة واحدة . لا تعرف
" حورية " طعم النوم فوق السرير . تعمل طيلة اليوم وراء النول . تنسج الفرش البيضاء الصوفية المخططة بالأسود ثم تبيعها في أسواق المدينة لتشتري بثمنها من جديد صوفا من عند الجزارين وتعود بحملها إلى الدار لتصنع من هذا الصوف فرشا جديدة تبيعها وتشتري بثمنها صوفا آخر ....
" حورية ّ تقسم لجاراتها بأنها ما رمت أبدا قطع الخبز في القمامة . وتقول إن طعم الخبز اليابس المخلوط بالمرق الساخن لذيذ ويفتح النفس للأكل . ولا تدري لماذا يتهجم الناس في التلفزيون عليه ويهددون بقطعه عن أولادها .
قالت إنها ضربت مرة ابنتها الصغيرة التي رمت قطعة خبز على الأرض وإنها أرغمتها على أكلها مخلوطة بالتراب بعدما قبلنها ووضعتها على رأسها .
" حورية " لا ترمي الخبز في صناديق القمامة لأن لها صناديق أخرى لا تشبع ، تأكل الخبز الساخن ولا تعافه يابسا .



*****

جاءوا في الليل البهيم . جاسوا بأحذيتهم الثقيلة فوق القبور ، فتناثر الحجر تحت أقدامهم وتناثرت شواهد القبور . حفروا بعجلة حفرة كبيرة رموا فيها جثة " أحمد " ثم واروه التراب ... وزمجرت محركات سياراتهم في الجبانة تقلق راحة الأموات الذين أفاقوا من رقادهم الأبدي فتثاءبوا وهم يتساءلون فيما بينهم :
- هل هي الحاقة يا أصحاب ؟
ولأنهم لم يسمعوا نفخا في الصور ، فقد عادوا إلى النوم من جديد دون أن يعرفوا سبب هذه الجلبة .
في الصباح خط تلميذ صغير بإصبعه فوق تراب القبر المبلول برذاذ المطر :
" لن ننساك يا أحمد " .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:22 PM
سورة الخبز /05/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
01-01-2009, 05:57 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37544


سورة الخبز /05
" الخبز المر سابقا "
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس




بتر الأطباء في المستشفى يد أمجد التي كتبت رسائل الحب المعطرة ورمت بالحجر ...
كان يومها كالشيطان يتنقل في كل الأزقة بخفة قرد ... يدفع بالبطاطا المقصوصة للمتظاهرين ويجمع الحجر ...
" كسرة واحدة لن تكفي خمسة أفواه ... يا أولاد الكلب ، ماذا سنأكل إذا حرمنا من الخبز " ؟
يختبئ وراء المباني ويخبر الرفاق عن تحركات سيارات جنود مكافحة الشغب .
" ثمن الخبز ارتفع والبطون لن تشبع بعد الآن ... "
يصب البترول فوق العجلات الكبيرة ويرمي فوقها بأعواد الكبريت الملتهبة ، فيرتفع الدخان الأسود وتشتعل النيران وسط الشوارع .
" نحن لا نملك صناديق قمامة ، فلماذا نحرم من الخبز ؟
لماذا نحرم من الخبز اليابس ؟
أيها الغول الذي لا يشبع ؟
لماذا ... ؟
لماذا أيها الغول ؟
يلتقط بيديه القنابل المسيلة للدموع ويرمي بها بعيدا عند كتلة الأجسام السوداء ...
" لماذا لم تحاسبوا من يرمي اللحم في صناديق القمامة ؟ "
يلتقط قطع الرصاص الخارج من أفواه البنادق – مازال سخنا – يدسه في جيبه تذكارا لإخوته الصغار .
" أصحاب صناديق القمامة الملأى من فضلات الكروش التي ترتفع كالجبال لن يرهبهم ثمن الخبز الجديد ، وسيرمون به في كل وقت في صناديق الزبالة ... "
يشعل النيران في العجلات المطاطية ويملا الشوارع بالحجارة الكبيرة ...
ويصفر الرصاص أمامه ، فيعري له صدره .
" ماذا سنأكل إذا ارتفع ثمن الخبز ؟
هل سنأكل البسكويت يا سادة ... ؟
ماذا سنأكل أيها الغيلان التي لا تشبع ؟
قولوا ماذا سنأكل .... " ؟
في الصباح ، عندما خرج مع عمران وأحمد وذهبوا إلى ساحة الاستقلال كان الجو متوترا ، وكانت سيارات حرس مكافحة الشغب رابضة هناك ، ملأى بالبنادق والهراوات .
وصلته أحاديث الرجال الواقفين في كوكبة كبيرة وسط الساحة . كان رجل يخطب بصوت أجش ... ثم سكت عندما فح مكبر صوت :
- تفرقوا ...
قال شاب لزميله :
- ماذا سنأكل إذا طار الخبز من أيدينا ؟
رد على تساؤله شاب واقف بالقرب منه :
- كل لحما يا أخي ... كل من لحم الخرفان السمينة .
قال آخر :
- بل كل حجرا ... حجرا حلوا كهذا
وانطلق الرصاص .
فقذف الرجال السيارات الرصاصية بالحجر .
وفح مكبر الصوت مرة أخرى
- تفرقووووووووووووووووووووووا .....
ثم نزل من السيارات رجال يحملون الموت :
- تفرقووووووووووووووووووووووووووووووا ...
فطار الحجر .
وحط الحجر قريبا من الرجال والبنادق ،
فطار الرصاص .
وطار الحمام .
وفار الدم .
وسال العرق .
" نموت نموت ويحيا الوطن . "
وطار الرصاص .
وسال الدم .
" إذا الشعب يوما أراد الحياة ... "
وطار الرصاص .
... فلا بد أن يستجيب القدر . "
وطار الحجر .
" ولا بد للظلم أن ينجلي ... "
وطار الرصاص .
وسال العرق
" ولا بد للقيد أن ينكسر "
وطار الرصاص وطار الحجر .
" ومن لا يحب صعود الجبال ... "
وسال الدم .
" يعش أبد الدهر بين الحفر ... "
وطار الرصاص .
وسال العرق .
وسال الدم .
وطار الرصاص .
وطار الرصاص .
وطار الرصاص ...
وسال الدم
وحط الرصاص .
وحط ال......ر.....صاااااااااااااااااااااص .
فحط الحجر .
*****
مسح أمجد دمه في حائط " قصر الشعب " .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:24 PM
سورة الخبز /06/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
01-01-2009, 06:01 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37545


سورة الخبز/06
" الخبز المر سابقا "
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


*****
قال عمران :
وجدت نفسي محاصرا في وسط الشارع . حذرني الرفاق من أن كوكبة من حرس مكافحة الشغب اندفعت في اتجاهنا ، لكنني انهمكت في إشعال عجلة جرار كبيرة ولم أفق إلا والسناكي تلمع في أول الشارع ... قذفت بحجر في وجوه المهاجمين ووليت الأدبار ، فاصطدمت في الجهة الأخرى بالرصاص ... فوقفت مدة لا أدري ماذا أفعل ، ثم تصورت جدار منزل وسقطت في ساحته .كنت مازلت أنهج عندما تحطم باب المنزل وصفعتني الأيدي الغليظة والهراوات المطاطية ، ففقدت وعيي وترنحت ثم سقطت على وجهي . جروني من رجلي كما تجر الجيفة ، فاصطدم رأسي بالحجر المزروع في الشوارع ...ولم أفق إلا وأنا في مركز البوليس الذي تحول إلى معتقل .
رأيت وجوها كثيرة أعرفها .
ورأيت دما متخثرا .
ورأيت جراحا مازال الدم ينز منها .
وتحسست رأسي الذي انتفخ حتى صار أكبر من قلة المسجد الكبير .
ورأيت الغول .
ذلك الغول الذي كان يتنقل بين الدكاكين .
رأيته يلحس الدم السائل من الجراح ويمضغ الجماجم المهشمة ،فتكورت تحت جدار الزنزانة .
وقرأت سورة الخبز .
قرأتها منغمة كما ترتل آيات القرآن
فرأيت الزنزانة تتفتح كزهور الربيع
وتكبر
حتى صارت أوسع مما بين السماوات و الأرض
ورأيت الحقول تخضر
والقمح ينبت
والسنابل تتمايل
والحب يتكدس ذهبيا لماعا
والنساء تشعل النيران في الطوابين
والخبز ينضج
والأطفال يتخاطفون الخبز السخن
ويجرون ...
ويضحكون ...
ويضحكون ...
ويضحكون ...
والشمس تشرق بألف لون ....

محمد رشدي
23-12-2011, 05:25 PM
عانس/ قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي / تونس
13-01-2009, 09:46 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37905


عانس

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس



وضعت رقم هاتفها الجوال في منتدى الكتروني سيكسي،
فتهاطلت عليها المكالمات آناء الليل وأطراف النهار.
قالت : واو ...، ما أكثرهم أولاد القحاب
وصارت تختار منهم كل ليلة مثى وثلاث ورباع.

محمد رشدي
23-12-2011, 05:31 PM
حكاية الصياد الذي مازال يبحث عن حوت يونس/01/ ابراهيم درغوثي
22-01-2009, 12:13 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38065


حكاية الصياد الذي مازال يبحث
عن حوت يونس .


قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



ها أنا أرى السماء تلامس الماء ، فتتحدان في نقطة واحدة . والسمك الصغير يحوم حول السفينة ويقول خذوني . وماء البحر يغري العطشان :
-ا شرب ولا تخف ، فالموت واحد ، والرب واحد ، ولن تعيش يوما أطول من عمرك .
اشرب ولا تخف .
وأشرب رشفة ، فأتفلها بسرعة قبل أن تزيد إيلاما لحلقي المجروح .
أتفل الماء المالح ، وأتفل وراءه قلبي .
وأرى السحب تتزاوج فوقي ، في فضاء الرب الواسع ، فأصبر نفسي وأعللها :
عللاني فإن بيض الأماني فنيت والزمان ليس بفاني .
إن تناسيتما وداد قوم ، فاجعلاني من بعض من تذكران .
وأحاول عقلي عله يسعفني بقائل هذا الشعر .
وأنسى بعد قليل هذا الموضوع لأعود إلى جسدي المتيبس كجذع نخلة خاوية . وأعود إلى صاحبي أبحث فيه عن بقية حياة .
كنت قلت له عندما رأيته يهم بالشرب من اليم :
- ما أكبر غباءك يا صاحبي . تداوي العطش بماء البحر . وكان يرفع عينيه الذابلتين من التعب والسهاد ، ويقول :
- ما أكبر صبرك أيها الجمل .
وازدادت السحب التصاقا بعضها ببعض كقطيع غنم داهمه الذئب . وبدأ المطر في الهطول ، فنزعت قميصي ورفعته في الفضاء ، ما بين السماء والبحر . وقلت للماء المنهمر : - تعال بللني . بلل ردائي . بلل شعر رأسي . اطفئ النار المشتعلة في قلبي . اطفأني .
ورقصت وأنا ألوح للمطر بالرداء ، فرقصت السفينة . ورقصت الحيتان . ورقصت عرائس البحر .و رأيت صاحبي الممدد على ظهره فوق الخشب المبلول بالماء يفتح عينيه وينادي :
- اعطني كأس ماء بارد .
فرأيتني أفتح باب الثلاجة . وأختار له من بين القوارير الأبرد ، فأمزج ماءها بعطر الزهر وأسقيه حتى الارتواء .
وأعود إلى قميصي أصطاد به قطرات المطر الهاربة في كل الاتجاهات .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:32 PM
حكاية الصياد الذي مازال يبحث عن حوت يونس/02/ ابراهيم درغوثي
23-01-2009, 12:18 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38077




حكاية الصياد الذي مازال يبحث
عن حوت يونس /02
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


*****
خمسة أيام ونحن هنا ، مابين الماء والماء .
خمسة أيام ونحن نبحث عن رحمة الرب .
اعطنا يدك يا رب البحار والمحيطات والسمك المشوي والمجمد في كل برادات العالم .
ولكن هل يسمع رب البحار نداء بحارته ؟
ترى هل يسمع ؟
ترى هل يسمع نداء محرك السفينة المعطبة الضائعة وسط اليم ؟
هل تسمع يا رب يونس نداء جوعاك وسط هذه الصحراء الزرقاء وهم يأكلون السمك نيئا ويشربون الملح ؟
قلت لصاحبي :
- ارشف من الماء قليلا قليلا .
فرد على هذا النصح المر :
- ما أعظم صبرك أيها الجمل .
وواصلنا النداء لرب يونس لعل رحمته تطل علينا . ظللنا ننادي وننادي إلى أن استجابت السماء لندائنا بحوامة تطوف فوقنا . فنزعنا ملابسنا ولوحنا بها . لوحنا بالقمصان وبالسراويل وبالملابس الداخلية . ونادينا بأصواتنا حتى بحت . نادينا رب الطوافة ، ورب رب الطوافة ، ورب السماوات السبع ، ورب بحار العالم . ولم ترنا الطوافة . ولم يرنا رب الطوافة . ولم يرنا رب رب الطوافة . ولم يرنا رب البحار السبعة . فسقط صاحبي على ركبتيه وبكى .
قلت له :
- عوض البكاء ، ادع ربك يبعث لنا بحوت يونس ، أنت أيها الكظيم .
فقال :
- عندما أموت ، اذبحني بسكين حادة من الوريد إلى الوريد وتأكد من أن عنقي مقطوع . فأنا أخاف أن أستيقظ فأجدني في جوف الحوت . وما أنا بنبي .
وضعت يدي على رأسه المحموم فأخرج من جيبه سكينا تقطع الحديد ، وأعاد القول :
- اذبحني بهذه السكين يا صاحبي .
فعدت للحديث عن يونس وحوته :
- أما تأمل في الحوت أنت أيها البحار الذي ظل عن طريق الجامعة ، ودروس الحضارة وتاريخ المنمنمات واهتدى إلى أبواب الموانئ يبحث عن رزقه فوق ظهر الحوت ؟
قال :
- لقد نفق حوت يونس ، فلا توجع القلب الوجيع يا صاحبي ، وهاك السكين .

*****

محمد رشدي
23-12-2011, 05:32 PM
حكاية الصياد الذي مازال يبحث عن حوت يونس/03/ ابراهيم درغوثي
24-01-2009, 11:08 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38092


حكاية الصياد الذي مازال يبحث
عن حوت يونس / 03
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس




عندما ابتل القميص بماء المطر ، عصرته في فمي ، فأحسست بطعم العرق في حلقي . ومررت القميص المبلول على شفتي صاحبي فخيل إلي أنه يلعق بلسانه البلل . فقلت له :
- لم تصبر بما فيه الكفاية يا صاحبي . ها رب يونس يرسل علينا السماء مدرارا . ولكنك مت وملء جوفك البحر .
فقال :
- ما أكبر صبرك أيها الجمل .

*****
كان ماء البحر يقتل صاحبي .
والشمس الحارقة تقتل صاحبي .
وأبواب الجامعة التي أعطته شهادة بيضاء تقتل صاحبي .
والحوامة العمياء التي طارت فوق رأسينا ولم يرنا ربها تقتل صاحبي .
وسماسرة الميناء يقتلون صاحبي .
وأكداس السمك التي تعود وسط صناديق الثلج إلى جوف البحر تقتل صاحبي .
وتلويحة الحبيبة وقت الذهاب إلى البحر تقتل صاحبي .
وارتعاشة الحب فوق السرير تقتل صاحبي .
وحوت يونس يقتل صاحبي .
واذكر في الكتاب يونس إذ نادى ربه وهو كضيم يقتل صاحبي .
وسمسار السمك المربع الشكل وهو يقلب الصناديق باشمئزاز ليبخس حقها يقتل صاحبي .
وكيلو السمك الذي نبيعه في الميناء بمليمات ونراه في الشادر معروضا بعشرة دنانير يقتل صاحبي .
وحوت يونس انقرض بعدما علب لحمه سماسرة البحار وباعوه للكلاب المدللة في الشقق الفاخرة .
فامتلأ جوف صاحبي بالماء المالح .
صاحبي الذي ظل يردد في وهن :
- أنت أيها الصابر كجمل . لا تنسى ، اذبحني من الوريد إلى الوريد . فكثير على سماسرة الميناء أن يأكلوا لحمي الموزع على سمك البحار والمحيطات ، وأنا أنظر إلى موائدهم من أعلى عليين .
ويصمت صاحبي فيتكدس السمك فوق الطاولات .
السمك المقلي ، والسمك المشوي ، والسمك المحمر ، والسمك المعلب مع صلصة الطماطم والمعد للتصدير إلى موانئ المدن البعيدة . وسمك التونة السمين ، وسمك السردين المغناج ، وسمك البوري و......
وسمك القرش الذي يأكل التونة .
والتونة التي تأكل البوري .
والبوري الذي يأكل السردين .
والسردين الكبير الذي يأكل السردين الصغير .
وحوت يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأكل حوتا يأك..............................كل .................................................. .................................................. ............................حو.................... .................................................. ............................تا ..يأك............................................. ....................................
وسماسرة الميناء يأكلون أصحاب سفن الصيد .
وأصحاب سفن الصيد يأكلون البحارة .
والبحارة يرمون بالحوت في البحر . والبحر لا يقبل بالحوت الميت ، فيرمي به إلى الشاطئ . والحوت الميت يتدكس :
كدسا
فوق
كدس . كدس .
كدسا
فوق فوق
كدس . كدس . كدس .
كدسا
فوق . فوق
كدس . كدس . كدس
كدسا
فوق ،فوق
كدس . كدس . كدس . كدس .
وطيور البحر تأكل من الحوت الميت .
تأكل
تأكل ، تأكل ، تأكل ،
تأكل ، تأكل ، تأكل ، تأكل ، تأكل
تأكل ، تأكل ، تأكل ،
تأكل ، تأكل ،
تأكل
ت
أ
ك
ل
فتموت .
وتتكدس
فوق
أكداس
الحوت .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:34 PM
حكاية الصياد الذي مازال يبحث عن حوت يونس/04 والأخيرة/ ابراهيم درغوثي
26-01-2009, 05:14 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38145


حكاية الصياد الذي مازال يبحث
عن حوت يونس /04
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



ويمتلئ العالم برائحة الجيف .
فيستفيق صاحبي من موته .
وتقوم قيامته .
فيجمع السمك ، وينفخ فيه من روحه .
وينادي :
يا يونس .
أدع ربك ، لعل وعسى ...
وأسأله كيف عدت إلى عالم الناس يا صاحبي ؟
فيقول :
ما أكبر صبرك أيها الجمل .

*****
مات صاحبي في اليوم الرابع من تقويم ضياعنا في البحر .أغمض عينيه ونام .
عندما ناديته :
- استفق أيها الميت . أما تأمل بحوت يونس ؟
قال :
لا أظن . فيونس كره البحر ورائحة البحر وظلام جوف الحوت .
اذبحني يا صاحبي من الوريد إلى الوريد ، ولا ترم بالسكين في البحر . قد تحتاجها . فلا ترم بها للحيتان .
فوضعت السكين تحت رأسي ونمت بجانبه .
وجاء حوت يونس وأنا نائم ...

*****
عندما فتحت عيني رأيت أطباء وممرضين حولي . كانت صورهم كالضباب . وسمعتهم يرطنون بلغة غير لغة أهل الجنة ...


dargouthibahi@yahoo.fr

محمد رشدي
23-12-2011, 05:35 PM
المغني / قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
29-01-2009, 12:37 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38212


المغني

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس

» اِقْرأ يا » حمّة « بصوت خافت. لا تغنّي يا ولدي ! ورتّل القرآن ترتيلا ! «
ظلّ المؤدّب يردّد هذه اللاّزمة كلّما علا صوتي في الجامع الكبير. يردّدها لنفسه وللعالَمين. ويستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم همْسا وجهْرا وَيُهمهم :
- في صوت هذا الولد غواية ! والعاقبة للمتّقين !
وما كنت أعرف الفرق بين الغناء والتّرتيل. الكلّ عندي سواء !
المهمّ أن تخرج الحروف والكلمات من حلقي حُلوة منغّمة، أطرب لها ويطرب لها أصحابي تلاميذ مجالس حفظ القرآن في مساجد الجريد.
أنطلقُ في القراءة فيكفّ الجميع عن الكلام، ويصمت المؤدّب أيضا ويكفّ عن الضّرب بعصاه على الألواح والجدران.
وينطلق صوتي رخيما، عذبا، يعبر الأزمان والأمكنة، فتخرج النّساء من منازلهنّ ويقفن أمام باب »الخُلوة« التّي كنّا نحفظ فيها القرآن. يقفن تحت لهب الشّمس وصهد » الشّهيلي « وكأنّهنّ خارج الوعي بالموجدات الحسيّة. وتعتريهنّ حالات من الوجْد فيبكين، ويتوجّعن أو يطوّحن بالشّعر في كلّ الاتجاهات أو ينحْن أو يغنّين ورائي. يردّدن الآيات بأصواتهنّ الرّخيمة إلى أن ينادي المنادي لصلاة العصر، فيعدْن لمنازلهنّ، ويقفن أمام الأبواب وَجِلات كطيور الحجل، يَرْقُبن بشغف خبط عصاي على حجارة الحيطان فيعطينني هدايا صغيرة : قطع نقديّة مثقوبة من الوسط، وحبّات حمّص مُملّح، وكسرة خبز، وقطعة من جبن الماعز اليابس وشربة ماء باردة من سِماط يتدلّى على كتف عجوز أقسمت برحمة العزيز أن تسقي كلّ يوم سِرْب طيور الجنّة الحافظين في صدورهم كلام الربّ .
ظللت أقرأ القرآن . أرتّله للمؤدّب وأغنّيه للنّساء إلى أن حفظت الستّين ولم أبلغ الخامسة عشرة من عمري فقال لي المُقرئ يوم « الِختمة »* :
- الآن أتمّ عليك الربّ نعمته فغادرْ هذا المكان يا ولدي وابحثْ لك عن طريق أخرى توصلك إلى وجه الله !
وعرفت طريقي .
هِمت في دروب الصّحراء . أخرج كلّ صباح بعد صلاة الصّبح أطرق أبوب المجدبة الكبرى . دليلي قلب تسْطع منه أضواء تقود خطاي إلى ظِلّ أشجار الطّلح والنّخيل . أتدبّر طعامي وشرابي من رُعيان الماعز والبُعران . أكرّر السّور صبْحا ومساء حتّى لا أنساها فينطفئ في قلبي النّور الذّي يهديني سواء السّبيل. وأغنّي ليلا في أعراس البادية. أغنّي للمخمورين والمجانين فتنفتح في وجهي أبواب السّماء.
في الخريف أوصلني أبي إلى جامع الفرْكوس(1). أجلسني جانب سارية وذهب. لم أتألّم كثيرا لضياع خطاه وراء الباب. ولم أتألّم لأنّ أمّي لم تدسّ في زوّادتي جبن الماعز. ولكنّني تألّمت لأنّني سأفقد همس المجانين في أذني، وصرير الجنادب، وثغاء الجديان، ونكت الهميان .
وجاء رجل بعد صلاة العشاء إلى ساريتي، طلبني، فقمت أسعى وراءه . قاد عصاي إلى بيت وقال :
- هذا سكنك يا ابن شيخ بني عامر. ستجد أكلك في ركن البيت الأيمن، وكُوز الماء في الرّكن الأيسر، وفراشك فوق الدِكّة. ووضع يدي على دكّة، قستها، فوجدتها ترتفع على سطح الأرض شبْران وبضعة أصابع فاطمأنّ قلبي .


(1) فرع جامعة الزيتونة في الجريد .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:37 PM
المغتي / 02/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
30-01-2009, 08:11 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38233


المغتي /02

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي/ تونس


قال وهو يتلطّف :
- هل أعجبك المكان ؟
قلت وأنا أجلس على الدّكة
- المكان بناسه يا سيّدي !
فعاد إلى التلطّف :
- سأصل بعد صلاة الصّبح لأصحبك إلى الجامع . أرجو أن تكون جاهزا بعد الصّلاة .
وأغلق الباب وراءه. وذهب .
وحفظت «سيدي خالد»(2) ثمّ «القطر»(2) فـ «الأشموني الأوّل»(2) و «الأشموني الثّاني»(2). ومرّت أربع سنوات كمرّ السّحاب. ونجحت في اختبار اللّغة. وتفوّقت في حفظ القرآن. وأبدعت في التّجويد. ولكن شيخ جامع «الفرْكوس» عاد إلى اللاّزمة القديمة :
- في صوتك غواية يا ولدي والعاقبة للمتّقين .
وأضاف بعد مدّة :
- الآن أتمّ عليك الربّ نعمته فغادر هذا المكان يا ولدي وابحث لك عن طريق أخرى توصلك إلى وجه الله !
وعرفت طريقي .
صرت نجم أعراس البادية .
أغنّي للنّساء، فيرقصن حتّى يسيل العرق بين النّهود والأرداف.وأقرأ الشّعر للرّجال، فيتهتّك أكثرهم حكمة ووقارا.
وأدخل المجالس بدون استئذان، فليس على المغنّي الأعمى حرج في الدّخول إلى خدور الغواني، والهمس في آذان البنات بكلام الغزل الرّقيق، وقراءة أشعار عمر بن أبي ربيعة على مسامع النّاهدات في غدوّهن ورواحهنّ.



(2) شروح لمتون في النّحو والصّرف تؤهّل حافظها للحصول على شهادة الأهليّة والدّراسة في جامع الزّيتونة .




ولم يكن الرّجال يعبأون بوجودي في منازلهم فقد هوّنت عليهم النّساء صحبتي وادّعين أمامهم بأنّني
أكثر براءة مـن طفل في المهد. ولم أدر إلى الآن كيف انطلى هذا الكذب على رجال عشائر الصحراء.
وكبرت وكبر حبّي لهذا العالم المليء بالسّذاجة والفجور. نمت ليال عديدة على أسرّة كبار ملاّكي قطعان الإبل والماعز صحبة نسائهم المتروكات للحرّ والقرّ. نساء صغيرات، لذيذات يطربن عند سماع همسة، ويذبن عندما أعضّهن في شحمة الأذن. واكتشفت بيسر مخابئ أسرار الضّرائر: المرأة الثانية المخذولة من زوج خلبت لبّه حناء الزّوجة الجديدة. والمرأة الثالثة المقهورة بالكحل في عيون الفتيات الصّغيرات والسّواك الطافح حمرة قانية في ثغور الكهلات.
وعيل صبر أبي فباع جنة نخيل ورثها عن أمه ودسّ ثمنها في جيبي وهو يقول:
- لعبتَ ما فيه الكفاية وجاءت الآن ساعة الجدّ. معك في جيبك عرق الأجداد وفي قلبك كلام الله فلا تفرط فيهما إلاّ في ما يرضيه.
ووضع يده على رأسي وقرأ سورتي" الفاتحة" و"يس" وأركبني القطار الذّاهب إلى «تونس».
بعد سنتين مات أبي وكنت قبل موته قد فرّطت في جيبي وفي قلبي. فرّطت فيهما في ما لا يرضي الله.

محمد رشدي
23-12-2011, 05:38 PM
المغني 03/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
31-01-2009, 12:21 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38260


المغني/ 03

الجزء الثالث

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس



أذكر إلى الآن ساحة المحطة. كانت ملأى بضجيج لم أعتده من قبل: أبواق سيّارات، ونداءات باعة، وصهيل أحصنة، وقرقعة عجلات.
ظللت ضائعا في هذا المكان. وخفت أن يكون أبناء العم قد نسوا موعد وصول القطار.
واقتربت منّي أصوات تسأل عن وجهتي فافتعلت الصّمم. وحطّ أحدهم يده على كتفي. لمس برنسي الجريدي الجديد فدفعته برفق وبقيت يقضا أحرس أدباشي إلى أن هجم عليّ الجميع دفعة واحدة بالسّلامات الحارة والشدّ على اليدين والقبل على الخدين.
جاء الأصحاب وأبناء العم الذين غادروا الجريد منذ أزمان للدّراسة وتحصيل العلم في جامع الزيتونة. فأكلت عقولهم الأغوال الحارسة لبوّبات هذه المدينة العجيبة. فضاعوا ونسوا الدّروب المؤدية للصحراء. قادوا عصاي إلى مساكنهم في أحياء المدينة القديمة وهم يسألون عن الرّمال المتحوّلة، ورياح الشهيلي، وهدير الجمال، وعصير الجمار المخمّر.
وجربت الجلوس في حلقات دروس الجامع الأعظم سنة كاملة، تعلّمت خلالها كيف أجوّد القرآن. وحفظت في داري كثيرا من الشّعر. وعشقت حكايات المجانين .
وثقلت على قلبي دروس النحو والصّرف والبلاغة. وركبنى الهمّ وأنا استمع إلى تقعّر الأساتذة الشيوخ أولاد العاصمة والحرير. فجنّ جنونى. فعدت إلى قراءة القرآن بصوت أغنّ أربك شيوخ الجامع والمصلّين. ظلوا يستمتعون بقراءتى أيّاما ثم دعانى ذات ظهيرة «القائم بأمرالله البيرمى» إلى مجلسه. امتحنني نصف ساعة ثم قال :
- في صوتك غواية يا ولدي ! أنت مسكون بالشّياطين فغادر هذا المكان يا يرحمك الله !
امتثلت لأمر الشيخ وبيّت في نفسي شيئا .
ظهيرة اليوم الموالي سبقت المصلّين إلى الجامع. وعندما رفع المؤذّن صوته مناديا لصلاة العصر كنت قد توسّطت المحراب. وضعت يدي وراء أذني ولعلع صوتي بموّال من الشّعر الملحون، شعر البادية المتاخمة لسباخ شطّ الجريد. ارتفع الصّوت صافيا كالنّقر على النّحاس ، لذيذا كنسائم الرّبيع المضمّخة بالعطر، حلوا كعسل النحل البري...
ارتبك كلّ من في المسجد فبقوا واقفين . وتردّد صوتي من جديد في أركان المسجد الجامع. ظلّ يتردّد إلى أن أنهى المؤذن نداءه. وكنت نشوان أطير بألف جناح وجناح. ثمّ فجأة هبطت عليّ السكينة ووقعت على الأرض. فتكأكأ عليّ الخلق، وجرّوني من رجلي خارج المسجد كما تجرّ الجيفة وألقوا بي خارج الأسوار المقدّسة.

محمد رشدي
23-12-2011, 05:39 PM
المغني 04/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
01-02-2009, 10:06 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38269


المغني / 04

الجزء الرابع

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس



كنت أتدحرج على الدّرجات حين بلغ سمعي صياح الشيخ البيرمي :
- ألم أقل لكم إنّ هذا الأعمى مسكون بالشّياطين !اضربوه بالسّياط إذا عاد مرّة أخرى أمام باب الله !
وانصرفوا إلى صلاتهم فانصرفت إلى مجالس أولاد العمّ. حدّثتهم بحديث «القائم بأمر الله» وما لقيته من مِحن وشدائد فهنّأوني بالسّلامة وأفسحوا لي في مجلسهم مكان الصّدر .
ودارت الكؤوس، فأنّ العود وطَنّ الطّار وارتفعت المواويل . ودار رأسي فقال قائلهم :
- « سارة » اليهوديّة تسأل عنك يا ابن شيخ بني عامر. ماذا لو زرت مجلس طربها معنا يا رجل!
وأخبروني أنّهم حدّثوها كثيرا عنّي وأنّها في شوق كبير لرؤيتي. وقالوا إنّها ستُجنّ إذا سمعت صوتي.
فوعدتهم خيرا ولكنّني تماديت في الذّهاب إلى الجامع الأعظم. وتمادى حرّاس الأبواب في ضربي بالسّياط ودحرجتي على الدّرج إلى أن يئست من رحمة ربّي فذهبت إلى دار «سارّة» اليهودية في حيّ «الحفصيّة».
ليلتها احتفى بي الجماعة. نصبوا لي سُرادقا عظيما وأجلسوني في صدره. وغنّت لي اليهوديّة. وضربت قيانها على العود. ورقصن. وجلسن في حضني. وأذقْنني فنونا من الدّلال لم تكن تخطر لي على بال.
وعندما همّ أولاد العم بالرّواح، طلبت منهم «سارة» أن تستبقيني في ضيافتها أيّاما ، فوافقوا .

وعلّمتني اليهوديّة الغناء كلّه في ستّة أيّام، وتوّجتني بتاجها في اليوم السّابع. فاستويت سلطانا على قلبها. أأمر فتطيع. وأطلب فتلبّي. والنّاس حيارى لا يدرون بأيّ سحر سحرتها إلى أن قالت لهم :
- لو تدرون بماذا يُدلّلني لابْتَلَعْتُمْ ألسنتكم ولمتّم كمدا !

محمد رشدي
23-12-2011, 05:40 PM
المغتي / 05/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
02-02-2009, 12:20 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38296


المغني /05

الجزء الخامس

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس


وواصل جماعة من عليّة القوم لومها. وكانت تباشير الرّبيع قد هلّت. فحوّلت مجلس غنائها من وسط قاعة الأنس إلى ساحة الدّار. وتهيّأت وهيّأتني وعند منتصف اللّيل احتضنت عودها ولامست أوتاره بريشة السّحر وطلبت منّي أن أغنّي :
« يلومني فيك أقوام أجالسهم
فما أبالي أطار اللّوم أم وقعا »
فغنّيت ! فأجدتُ
فقالت :
- أعد! فداك بايات تونس !
فأعدت، فطربتْ وصاحتْ :
- أعد! فداك سلاطين مصر والقسطنطينيّة !
وظلّت تضرب على العود وأنا أعيد الغناء إلى أن امتلأت السّطوح المجاورة لدارها بالوجوه:
نساء صبوحات كالأهلّة، ورجال كهول رموْنا بقطع ذهبيّة، وصبيان، وفتيات، وعجائز تابعوا الغناء همسا في الأوّل ثمّ جهر كهل بالبيت ورائي وتبعه آخر، وغنّت امرأة فجاوبتها أخرى.
وتحوّلت السّطوح إلى جوْقة تردّد هذا البيت الشّعري، و«سارة» اليهوديّة تضرب على العود إلى أن وقعت مغشيّا عليها فرشّتها جارية بماء الورد. وتعاون عليها الخدم والحشم فحملوها إلى بيت نومها وظلّوا في خدمتها إلى أن أفاقت. فسألت عنّي بلهفة. فقيل لها إنّني عدت مع صحبي إلى داري. فحلفت أن لا أنام أبدا في دار غير دارها ما دامت على قيْد الحياة. وبعثت خدمها في اثري فسبقوا وصولنا إلى البيت.
وحثّني أبناء العمّ على تلبية رغبة « السّلطانة » فامتثلت لأمرهم وعدت إلى دار المغنيّة اليهوديّة .
كانت «سارة» قد رتّبت الأمور. أوقفت صفّين من البنات على جانبيْ السّقيفة وأعطت لكلّ واحدة سكّينا وتفّاحة وطلبت منهنّ أن يقطّعن التّفاح حين أمرّ من أمامهنّ .
ومررتُ. فقطّعت البنات أصابعهنّ ونجا التّفاح .
فأقسمتْ « سارّة » بمُوسى وشمُوئيل، وسُليمان وحزْقئيل أن أَطَأَ هذه البنات حتّى تكفّ بقيّة نسـاء « تونس » عن لوْمها فِيَّ، وتخْرس ألسنة السّـوء. فصرت كلّ ليلة أشتـري الحرَام بالحلال. أدفع لواحدة أغنية وللأخرى موّالا. والبنات لا يجرأْن على صكّ الباب في وجهي .
يقلن لبعضهنّ :
- من يمكنها أن تمنع «يوسف» صاحب اليهوديّة عن فراشها ؟ فتمتلئ القلوب باللّوعة والصّدور بالشّهقات .
* * *

محمد رشدي
23-12-2011, 05:42 PM
المغني 06/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
03-02-2009, 12:25 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38328


المغني/06

الجزء السادس

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس




سمعت هذه الحكاية من مطرب غنّى في مهرجان «البُرْج» الصّائفة الفارطة. دعونا فرقة «النّجوم الزّاهرة» لإقامة حفل في «قفصة» فجاء أفرادها خفافا، مطربين شبّانا ومطربات فاتنات وراقصين وراقصات، وصاحبهم ساعة الوصول إلى مسرح الهواء الطّلق كهل يحمل في يده عودا ويضع في عنقه ربطة على شكل فراشة ويرتدي بذلة خفيفة من طراز أربعينات القرن الماضي .
هيّأ الجماعة الرّكح. وضعوا المصادح ومكبّرات الصّوت في أماكنها. وفرشوا الزّرابي. ونصبوا الكراسي. وجرّبوا الآلات الموسيقيّة، والرّجل، صاحب العود يدبّر معهم الأمور، كبيرها وصغيرها إلى أن امتلأ المسرح بالمريدين وابتدأ الحفل .
غنّت المطربات الشّابات. وغنّى مطربو الجيل الجديد. فرقص الحاضرون وصفّقوا . وهاج السّكارى وماجوا. وانتهى الحفل بوصلة للمطربـة « عائشة » عند منتصف اللّيل .
في فترات الاستراحة، كان الرّجل، صاحب العود يتوسّط الرّكح ويحتضن عوده ويغنّي. كان يُغنّي أغاني قديمة من التّراث، مرّة مصحوبا بدَنْدنات عوده، ومرّات بدون موسيقى.
يرتفع صوته جهوريّا يملأ الفضاء الواسع فتتردّد أصداءه في أجواء الواحة القريبة . ويلذّ للجمهور سماع آهاته ومواويله . فيكفّ الرّاقصون عن الرّقص وتخفّ الحركة في المدرّجات. وينشدّ الجميع إلى هذا الصّوت الطّالع من غياهب الزّمن .
وتعود المطربات الصّاعدات إلى الرّكح فيعود الهرج ويصمت المغنّي.
عند انتهاء الحفل، ذهبت لمقابلة قائد فرقة «النّجوم الزّاهرة» لأشكره ولأسأله عن هذا المطرب الكهل الذّي لم يحصل لي شرف التعرّف عليه قبل هذه اللّيلة، فبان الاستغراب في وجهه وكست الحيرة محيّاه وهو يقول :
- لقد أخبرني حين إلتقيته على الرّكح أنّه قائد فرقة دار الثّقافة للموسيقى الشّعبيّة !
فزاد استغرابي وبعثت العملة للبحث عنه فلم يجدوا له أثرا.
فسكتّ. وسكت قائد «النّجوم الزّاهرة» وكلّ منّا يظن أنّه مَقْلبٌ من مقالب الآخر. ثمّ نقدت الجماعة أجرتهم وودّعتهم على أمل اللّقاء بهم في مناسبة أخرى. وشغّلت محرّك سيّارتي، فقد وعدت الوالد بزيارة إلى البلد بعد الانتهاء من مراسيم حفل افتتاح المهرجان .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:43 PM
المغني 07 والأخير/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
04-02-2009, 12:40 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38354


المغني/07

الجزء السابع والأخير

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس



قريبا من القنطرة الرّاقدة فوق وادي « القويفلة»* رأيت صاحبي. كان واقفا على حاشية الطّريق. يحمل عوده بيد ويشير بالأخرى أن قفْ.
أوقفت السّيارة فجاء يركض. وأنزلت زجاج النّافذة فقال بصوت مشحون بالرّجاء :
- هل تسمح بأن أصاحبك إلى « توزر» يا سيّدي ؟
قلت :
- أولست المطرب الذّي كان يُغنّي على مسرح البُرجْ ؟
قال :
- أيْ نعم ! سمعت في الإذاعة أنّ «عائشة» ستغنّي في الحفل فحملت عودي وجئت إلى «قفصة».
استثارني ردّه ففتحت له الباب .
رئيس فرقة «النّجوم الزّاهرة» لا يكذب إذن ! وغناء هذا الرّجل لم يكن كما ظننت مقلبا من مقالبه!
فمن يكون هذا المغنّي ؟
وكأنّه حدس ما يجول في خاطري فعاد إلى الحديث عن عائشة وعن صليحة وعلي الرّياحي وحبيبة مسيكة ولوُرْداكاش واحتضن عوده وبدأ يُغنّي :
« بخنوق بنت المحاميد عيشهْ،
ريشهْ بريشه،ْ
وعامين ما يكمّلوشْ نقيشة.
يا كذّابهْ .
قُلْتْ نهار السّوق يا كذّابهْ
تعدّيتْ على حوشكْ امسَكّرْ بابهْ .
قلت نهار السّوق »
وتنهّد .
فقلت له :
- لماذا لمْ تعد إلى تونس مع فرقة «النّجوم الزّاهرة »؟
ولمّا لم يجب عن سؤالي أضفت بعد دقائق :
- أنا مدير المهرجان، وقد نقدتهم أجرتهم، فلماذا غادرت المسرح قبل انتهاء الحفل ؟
ظلّ مدّة ساكتا ثمّ قال :
- أنا « حمّة » ! « حمّة » ابن شيخ « بني عامر» .
كان المؤدّب يقول لي كلّما علا صوتي في الجامع الكبير :
- اِقْرأْ يا « حمّة » بصوت خافت. لا تغنّي يا ولدي ! ورتّل القرآن ترتيلا ...
ويستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم ويهمهم :
- في صوت هذه الولد غواية والعاقبة للمتّقين .



* * *
قبل الوصول لباب « توزر » ببضعة كيلومترات طلب منّي أن أوقف السّيارة، وعندما امتثلت لأمره، احتضن عوده وفتح الباب وغاب في الظّلام .
وواصلت طريقي، فوجدت أبي واقفا أمام باب دارنا تنهشه الحيرة.
سألني:
- لِمَ كلّ هذا التّأخّر ؟
فأخبرته بقصّة « حمّة » ابن سيخ بني عامر .
ولمّا استغرب سألته : فيم العجب ؟
فقال :
- هو ابن عمّك يا ولدي ! مات قبل أن تولد بثلاث سنوات . ذهب إلى تونس للدّراسة فتولّه بمغنّية يهوديّة علّمته الضّرب على العود والغناء في دور الأكابر. فنسي القرآن وحفظ الشّعر والطّقاطيق.
ولمّا سمع أبوه الخبر طرده من رحمته وظلّ حزينا مجروح القلب إلى أن عَيَّرَهُ به خصيم فمات كمدا.
ومات « حمّة » منذ ثلاثين سنة. شنق نفسه في عمود كهرباء «عام النّكسة» بعد أن هربت «سارة» اليهوديّة إلى «إسرائيل» بأيّام قليلة .


وادي القويفلة : واد يحدّ ولايتيْ توزر وقفصة على بعد ستّين كيلو مترا من قفصة

dargouthibahi@yahoo.fr

محمد رشدي
23-12-2011, 05:44 PM
بغلة ابن خلدون قصة قصيرة جدا لابراهيم درغوثي
07-02-2009, 11:01 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38417


بغلة ابن خلدون

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس

ذهب عبد الرحمان بن خلدون يطلب الإذن من تيمورلنك بمغادرة دمشق بعدما أهداه مخطوطا
يصف فيه حال بلاد المغرب كان الغازي قد طلبه منه عند مقابلته الأولى، فأذن له . لكنه استوقفه عندما هم بامتطاء بغلته، وسأله بلسان الترجمان:
بكم تبيعني بغلتك يا علامة العرب ؟

محمد رشدي
23-12-2011, 05:46 PM
هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/ 01/ قصة
10-02-2009, 09:30 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38483


هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي


أو الجريمة والعقاب ( سابقا ) * / 01

الجزء الأول


قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس




تنويه أول :
هبل هو الرب الذي عبدته قريش في سالف الأزمان . وكانت تمجده وترفعه فوق كل الأرباب .
ويا يوسف لا تنساني عند ربك .


*****


سأحكي لكم حكايتي ، فاسمعوا وعوا ، وإذا وعيتم ، فانتفعوا .
هي حكاية بسيطة جدا ، ولكن الجرائد جعلتها تكبر حتى سمع بها القاصي والداني . أما أنا ، فما زلت مقتنعا في قرارة نفسي بأنها حكاية صغيرة لا تستحق كل هذا الكلام الذي قيل حولها .
فهل ستقوم القيامة لأنني قتلت رجلا شيخا وزوجته العجوز ؟
أرأيتم كيف أنها حكاية بسيطة كآلاف الحكايات التي تقع يوميا في العالم ويقتل فيها الشريف والوضيع ، والمرأة والرجل ، والعاشق والمعشوق ، والسارق والمسروق ، والفاعل والمفعول به ، والزاني والفاضل ، والقحبة والشريفة ، والغني والفقير، والكبير والصغير ، ( هل أزيدكم ؟ )
إنها حكاية لا تستحق كل ما كتب عنها . لا تستحق دروس علماء النفس التي ناقشتها ، ولا محاضرات الأفاضل أساتذة الجامعات التي ألقيت في الكليات حولها ، ولا أطنان ورق الجرائد التي حبرها الصحافيون وملأوا بها الأكشاك ، ولا أشرطة السينما التي جعلت مني بطلا رغم أنفي .
إنها حكاية قتل بسيطة . فأنا قاتل عادي . لا أنتمي إلى فرقة من فرق الموت ، ولا إلى عصابة دولية تتاجر بأعضاء القتلى .
ببساطة أنا من قتل العم أحمد التابعي والخالة صلوحة دون أن يخامرني الشك لحظة واحدة أنني اقترفت جريمة . فقد قتلتهما بسهولة عجيبة حتى أنني احترت وأصابني العجب للسرعة التي ماتا بها ، فكأنهما كانا يترقبان منذ أمد بعيد ضربة المطرقة التي هويت بها في كل مرة على جمجمة أحدهما . ضربة واحدة بالمطرقة على مؤخرة الرأس ، ويسقط الجسد بين يدي بدون ألم ولا أنين . وبدون أن تسيل قطرة دم واحدة على الأرض . فقط ، قطرة أو قطرتان تخرج من الأنف ، فأمسحها بكفي ، وينتهي الأمر .
قلت لكم منذ البداية إنها حكاية صغيرة ، ولكن الجرائد نفخت في أحداثها حتى كبرت وفاحت رائحتها .
لست أدري لماذا كل هذا التهويل ؟ فالعم أحمد كان سيموت ميتة طبيعية بعد سنة أو سنتين على أقصى تقدير . والعمة صلوحة كانت كثيرة الشكوى من مرض الروماتيزم ، فأرحتها منه ، وأرحته منها بضربة صغيرة من مطرقتي .
هل تعرفون أنتم ، يا من أقمتم الدنيا على رجل واحدة أن العم أحمد التابعي رجل جاوز السبعين ، وكان يستفزني بنظارته الطبية ، وبحمالتي بنطلونه ، وبسيجاره الذي يتعالى دخانه في الجو كدخان قاطرة قديمة . فماذا لو لم أبادر بقتله ؟ أما كان السرطان سيقضي عليه ؟ سرطان الحنجرة والبلعوم يتغذى على السيجار . والعم أحمد يعشق السيجار يا سادتي الكرام . إذن ، حسب ظني واعتقادي أكون قد أرحته من ذاك المرض اللعين الذي كان سيفتك بحنجرته ، وكان سيسبب له آلاما لا تقدر على تحملها الجبال الرواسي .
ما كنت أعرف الرجل قبل اقترافي عملية القتل ، ولكنني كنت أعرف القصر . زرته مرة قبل عودة الشيخ وعجوزه من باريس . سألت عن واحد من أصحابي يعمل بالبناء فدلوني على القصر . ومن يومها ، وقعت في حب هذه العمارة التي صارت سبب قتل العجوزين .
أعجبني القصر ، فقررت امتلاكه بكل الطرق . وبما أنني فقير ، فقد عولت على الحظ . ووقف الحظ إلى جانبي مرة في حياتي ، إذ دعا الرجل صديقي للقيام ببعض أشغال البناء في المنزل لكنه اعتذر له بكثرة أشغاله ، ورشحني لتعويضه . فعملت في القصر . وقتلت الشيخ وزوجته ، وفزت بمعشوقي .
قبل ذلك ، كنت عندما أحن إليه ، أمر من أمامه ، فأتمسح على حجر سور الحديقة . وأطير كالفراش ، فأقع على الورد . أترشف من طله . وأعود إلى الشارع أذرعه آلاف المرات . ولا أتعب . ولا أمل .
وأغبط العجوزين على هذا النعيم .فيلا عصرية بطابقين على الطراز الأمريكي . تحيط بها الورود وأشجار الحور من كل جانب .وتطل شرفتها الكبيرة على البحر ، و يلمع قرميدها الأندلسي تحت أشعة الشمس ، وتفوح منها روائح الزهور في كل الفصول .
كنت أقول في نفسي : هذه الفيلا لا تصلح لهذين العجوزين . هذه تلزمها واحدة من حور العين ورجل من أهل الجنة .
وكنت أرى نفسي واحدا من أهل الجنة ، فقررت الاستيلاء على هذا القصر عندما سنحت لي الفرصة ، فقتلت العجوزين ، وسكنت القصر .
صحيح لم أسكنه كما الأسياد . ولكن ، وعلى كل حال ، وحتى وإن كنت في نظر سكان الحي مجرد حارس ، فإنني في نظر نفسي سيد هذا القصر ومولاه . أنام فوق أسرته ، وأستعمل كل الأجهزة العصرية الموجودة داخله ، من الفيديو إلى الثلاجة ، ومن البيك آب إلى جهاز التلفزيون الضخم الواسع وسع السماء . وأعوم في مسبح الحديقة . وأتجول في الشرفة المطلة على البحر . ويغبطني المصطافون على هذا النعيم الذي جاءني من وراء ضربة مطرقة .
البنات الجميلات بالمايوه يستلقين تحت الشرفة ،يسترقن النظر إلي ، ويطمعن في ابتسامة مني . وأنا أدخن السيجار ، وأربت على فروة القطة ، وأتجاهلهن .
طيب يا أسياد الحي .
أنا في نظركم مجرد حارس لقصر العم أحمد التابعي الذي دفنته هو وزوجته في رواق جانبي من أروقة القصر . رأيكم هذا لا يهمني . المهم بالنسبة لي أن المصطافين يظنون أنني صاحب القصر وسيده . فموتوا كمدا ، واقعدوا فوق إصبعي الوسطى . وإذا لم يكفكم إصبع ، فهاكم قبضة يدي . نحن جميعا أبناء آدم وحواء . نحن من تراب يا أبناء الزواني . فلم التكبر والتجبر ؟ لماذا تنظرون لقامتي العالية وبنيتي المتناسقة أكثر من أجسامكم المترهلة وقاماتكم القصيرة بعين المحتقر ؟ ألا تعلمون أن لا فرق بيني وبينكم إلا بلون الرخام الذي يزين القصر ؟ وإن كنتم تملكون قصورا من طابق واحد ، فأنا أملك قصرا من طابقين .
وأولادي يلعبون فوق قبر عمكم أحمد .
وأذكركم مرة أخرى بإصبعي الوسطى .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولله الأمر من قبل ومن بعد .
*****

محمد رشدي
23-12-2011, 05:47 PM
هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/ 02/ قصة
11-02-2009, 12:10 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38491


الجزء الاول:
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38483


هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/02
أو الجريمة والعقاب ( سابقا ) *

الجزء الثاني


قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس




عندما جاء موزع البريد أول مرة إلى القصر ، رأيت في وجهه صورة ملك الموت . وقلت في نفسي لنفسي سيقتلك هذا الرجل يا مسكين .
عرفت بنور قذفه الله في صدري أن هذا الرجل سيكون سببا في موتي . وتمنيت له ضربة بمطرقتي على مؤخرة رأسه المفلطح .
قلت له : أنا حارس القصر يا ساعي البريد . والعم أحمد سافر . سافر بعيدا . ركب صاروخا بعدما اقتطع تذكرة ذهاب بدون عودة .
وإن عدت ، سأبادرك بالمطرقة .
وأغلقت في وجهه باب الحديقة ، وعدت إلى بهو القصر . جلست أدخن السيقار ، وأفكر في هذه اللعنة التي لم أحسب لها حسابا .
كنت بين اليقظة والنوم عندما رأيت العم أحمد يخرج من قبره . رأيته ينفض التراب عن جفنيه ، ويعدل من بنطلونه ، ويمسح عرقا كان ينز من جبهته . جاء يمشي نحوي بخطاه الثقيلة ، فقمت أستقبله مرحبا كما نرحب بضيف عزيز .
قال : مع من كنت تتكلم ؟
قلت : مع موزع البريد .
قال : هو موعد الحوالة البريدية التي أتقاضاها كل شهر ، فلماذا لم تدق على القبر . كنت في غفوة ، ولم أستيقظ إلا عندما استمعت إلى اصطفاق الباب وراء الطارق .
هذا الساعي صديقي . كنت أحسن إليه لما كان يزورني . أسقيه مرة كأس ويسكي . وأطعمه مرة أخرى حبة شوكولاطة ، ولا أبخل عليه أبدا بالسيكار .
فلماذا حرمتني من رؤيته ؟
قلت : سيعود ، سيعود لا محالة يا سيدي . رأيت في عينيه إصرارا على العودة .
قال : لا تنسى أن تناديني إذا عاد .
قلت : سأضع تحت رأسك منبها يدق كل ساعة .
قال : لا تترك ورد الحديقة يذبل .
قلت : عد إلى قبرك ، وسأسقي الورد .
وعاد إلى قبره لينام . وذهبت أسقي زهور الحديقة .
أحلب السحاب وأسقي الزهور .
وأضحك للمصطافات . أشتري ودهن بالابتسامات فيتساقطن تحتي تساقط الفراش على الزهور . وأنا أختار ولا ترضيني إلا الكاعب الصبوح .
أقول لهن : جئن طوعا أو كرها . فيأتين طائعات . يجلبهن جمال القصر ورقة هوائه وشرفاته التي تطل على الأمواج المبعثرة على الرمل . فأنكح في اليوم الواحد أربعا . أدخل بهن مساء وأطلقهن عند الصباح .
ويعود موزع البريد ، فأسكت المنبه القابع عند رأس العم أحمد بقبضة يدي . أسكته حتى لا يسمع النداء .
وأقول للموزع : مت كمدا ، فأنا المصطفى . أنكح حور العين ، ولا أشبع . ولا تسألني مرة أخرى عن صاحبك .
صاحبك سافر إلى درب التبانة ولن يعود إلا بعدما ينفخ في الصور .
وأنا الآن سيد هذا القصر ومولاه .
- ألم يترك العم أحمد عنوانا أحول إليه حوالاته البريدية أيها الحارس ؟
- ستقتلني هذه الحوالة يا موزع البريد .
وأصفق وراءه الباب ، فيدق جرس المنبه اثنتي عشرة دقة . وتطلق المدافع اثنتي عشرة طلقة . ويندفع أفراد الشرطة العدلية داخل القصر كمردة من الجان .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:48 PM
هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/ 03/ قصة
13-02-2009, 03:03 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38556


الجزء الثاني:

http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38491

--------------------------------------------------------------------------------

هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/03

الجزء الثالث

أو الجريمة والعقاب ( سابقا ) *
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



حين لسع الفأس سوأة المرأة الراقدة في القبر بدون كفن قالت :
- آخ ... ما أحر برد الصبح دثرني يا ولدي ، فالبرد تحت التراب شديد .
وحركت يدها تغطي سوأتها .
- آخ ... ما أحر البرد تحت التراب يا ولدي .
وحركت الفأس التراب من جديد ، فقامت الخالة صلوحة . نفضت التراب عن شعر رأسها ، ومسحت عينيها وقالت :
- لقد سرقتني سنة نوم . هل شربت كأس الشاي ؟ سأذهب أسخن البراد وآتي بصينية اللوز المحمر .
وقفت العجوز وسارت باتجاه الطابق العلوي وهي تغطي سوأتها بيدها اليمنى ، وتحمل براد الشاي بيدها اليسرى .
قال الشرطي الواقف فوق رأسي كأنه واحد من زبابية جهنم ، حين رأى العجوز تغادر القبر الذي نفضت التراب عن بابه منذ حين :
- إلى أين تذهب العجوز ؟
قلت : ستعود بصينية الشاي واللوز المحمر.
هذه العجوز كريمة كأحسن ما يكون الكرم يا سيدي .ولكن مرض الروماتيزم اللعين ، دمرها . كم اشتكت لي من آلامه فقلت لها سأشفيك منه يا سيدتي . وضربتها بالمطرقة على الرأس ضربة واحدة . ما كنت عنيفا معها يا سيدي . والله الذي لا إله سواه ، إنها ضربة واحدة ، فسقطت على الأرض ونامت كما ينام الرضيع .
كانت في العادة تختار مجلسها قريبا من خلطة الملاط . تخرج كرسيا من الخيزران . تتفحصه جيدا قبل أن تفتحه ، ثم تبدأ في التوجع :
- ما ألعنك يا برد باريس .
وحين سألتها عن الحمامات الإستشفائية قالت :
- تعبت من التدليك ومن بخار الأحواض يا ولدي .
فقلت في نفسي أنا من سيريحها من هذا الألم ، وأهويت بالمطرقة على جمجمتها ، فسقطت على الأرض . مسحت الدم النازف من أنفها . وشربت كأس الشاي . وذهبت إلى داري أستريح من تعب الضربة .
في المساء ، عدت إلى القصر .حفرت جبا عميقا في أحد أروقته المهملة ، ثم ذهبت أتفقد العجوز وزوجته . وجدتهما يمارسان الحب بشبق ، فتواريت مدة خجلا حتى انتهيا . فناديتهما .
قالت العجوز : ماذا تريد يا ولدي ؟
قلت : لقد جهزت لكما الدار الجديدة . اهبطا لتستريحا و تناما في سرير الهناء الأبدي .
قالت : عمك أحمد لا يستطيع المشي ، تعال ساعده .أعطيته كتفي يتوكأ عليه ، فأعطاني جسده المنهوك كله .
وجاءت زوجته ، فتمددت بجانبه هامسة :
- دثرنا ولدي . دثر العجوزين العاشقين برحمة ربك .
تركت التراب يهطل حتى فاض الجب . وجئت بقطع الجليز المزدان بصور الورد والفراشات . ألصقت القطع فوق القبر، فعاد الرواق كسابق عهده يزدان بالربيع .
وقفت عند رأسيهما ، وقرأت الفاتحة ويس .ومسحت على وجهي بيدي الاثنتين . وترحمت عليهما وأنا أضع مفتاح القصر في جيبي .
وذهبت إلى البحر .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:50 PM
هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/ 04/ قصة
15-02-2009, 08:25 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38589


الجزء الثالث:

http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38556

--------------------------------------------------------------------------------------

هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/04


الجزء الرابع

أو الجريمة والعقاب ( سابقا ) *
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس

في المدة التي قضيتها في القصر ، أهذب حجر الجدران الناتىء وألمع جليز الممرات ، رأيت العم أحمد يقرأ في مجلدات كبيرة مذهبة الحواشي . وكان يكثر من الكلام مع زوجته عن تبني طفل يؤنس وحدتهما . سمعته يقول لها أكثر من مرة :
- ماذا لو اعتبرنا هذا الطفل حفيدا لنا ، نسيه ولد من أولادنا عندنا وذهب في حال سبيله .
وكانت العجوز تسخر من هذيانه ، وتضحك حتى تدمع عيناها وهي تردد :
- متى كان الأولاد ينسون الأحفاد عند الجدود أيها الهرم ؟
فيقوم يجري وراءها . فتهرب منه وتحتمي بي . تختبىء من الشيخ وراء ولدها . هكذا سمعتها تقول للعجوز . والعجوز ، يهمس في أذني كلما وقفت عند رأسه أقرأ من الكتاب سورة البقرة :
- لو سألتني ، لتبنيتك يا ولدي ، وأعفيتك من القتل .
لو سألتني لوهبتك قصري وذهب خالتك صلوحة ومجوهرات بايات تونس التي أممها بورقيبة ، وكنوز زبيدة بنت المهدي حرم الرشيد ، وزهور الحديقة ، والشرفة المطلة على البحر ، وسيجاري ، وقوارير الخمرة المعتقة .
أعرف أن التبني في شريعة الإسلام حرام . وأعرف قصة زيد بن حارثة الشيباني . زيد بن محمد .وأعرف أن زينب بنت صفية رفضت أن تسكن زيدا في قلبها ، فطلقها الرب من فوق سبع سماوات بمرسوم إلاهي مدموغ بطابع الألوهية . فعاد زيد إلى حارثة الشيباني . و صارت زينب تفخر أمام زوجات الرسول بأنها أكرم منهن . تزوجهن على الأرض . وتزوجها في السماء .
آه لو سألتني لتبنيتك يا ولدي ، فأنا لا وارث لي إلا بيت مال المسلمين .وأنت عملت في قصري أسبوعا ، فدخلت القصر من بابه الصغير ودخلت قلبي من الباب الكبير .
فلماذا لم تسألني عن التبني أيها المسكين ؟
عرفت حكايتك من صديقك البناء . فأنا لا أدخل داري إلا من أثق به . وأرعبني أن يعمل قاتل في بيتي . فعندما قال
لي صديقك أنك ، وأنت في ريعان الشباب ، قتلت طبيبا متقاعدا ، فحوكمت بالسجن المؤبد . لكن عفوا رئاسيا شملك ، فخرجت من هناك بعد عشرين سنة تتقن مهنة البناء ، رغبت في رأيتك . أحسست كأن شيئا خارقا سيقع في بيتي . ومع ذلك ، لم أتراجع عن استخدامك في البيت .
هل هو قدري الذي قادك إلى هنا ؟
آه يا رأسي .
إلى الآن ، مازال رأسي يوجعني كلما تذكرت مطرقتك .
لقد أخبرني صديقك أنك لم تكن تنوي قتل الطبيب . ولكنه أكثر من الصراخ عندما اكتشفك في بيته ، فخنقته حتى لا يفضحك . وقال إنك لم تكن تنوي القتل يومها ، وإنما السرقة فقط . فلماذا نويت قتلي ، وأنت تشرب من شاي خالتك صلوحة ؟
هل هو القصر الذي دفعك لقتلنا ؟
آه ، لو سألتني لجعلتك ولدي وأعفيتك من شر المطرقة .
على كل حال أنا لم أتحسر كثيرا على موتي ، فقد عرفت هنا أنني كنت سأموت بعد شهر . فقط ، أطلب منك أن تعتني بأزهار الحديقة وبقطتنا فافو . لا تترك قطط الجيران يلاعبنها . وأغلق الباب جيدا وأنت تنام ، فقد كثر السراق في هذه الأيام . وأرواح الموتى المسروقين لا تحصى ولا تعد بدءا من السماء الأولى حتى السماء السابعة .
لا تتركنا وحدنا يا ولدي في هذا القصر الشاسع ، فأنا أخاف الوحدة . وروحي ستصاب بالكآبة إذا أقفر القصر .
آه لو سألتني لجعلتك ولدي ونسيت زيدا وزينب . فما عادت هذه القصة تهمني من قريب أو بعيد .
لماذا لم تشتر لنا الحليب ياولدي ؟
فالأرواح أيضا يلذ لها شرب القهوة بالحليب .
والقهوة تصبح ألذ تحت الجليز المزين بالورد والفراشات الجميلة .
*****

محمد رشدي
23-12-2011, 05:51 PM
هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/ 05/ قصة
17-02-2009, 12:12 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38633


الجزءالرابع:

http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=447838#post447838

-----------------------------------------------------------------------------------------------------

هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/05

الجزء الخامس


أو الجريمة والعقاب ( سابقا ) *
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس



اقترب شرطي من الكرسي الهزاز الذي كنت أتأرجح فوقه وأمرني بالوقوف ، فلم أمتثل لأوامره . ظللت أتأرجح ذات اليمين وذات الشمال ، والرجل واقف لا يدري ماذا يفعل إلى أن وصل رئيس الفريق المكلف بإيقافي ، فأمسك بي من كتفي وهزني هزا عنيفا وهو يصرخ في وجهي :
- قم يا ابن الفاعلة . هل نسيتني يا مخنث ؟
أنا من أخرجك في المرة الفائتة من المحكمة ، وأنت تبكي وتقبل يد القاضي الذي حكم عليك بالمؤبد ، ثم أوصلك إلى باب السجن . هل نسيتني يا ابن القحبة ؟ أنا لم أنس مؤخرتك البضة ودموعك النازلة على خديك الطريين . يومها أشفقت على شبابك . أما اليوم ، فسأضع بيدي الاثنتين حبل المشنقة حول عنقك .
ودفع بي إلى اثنين من الشرطة شدا وثاقي شدا عنيفا وهما يرددان :
- لن يذهب تعب ساعي البريد هدرا . اليوم سيفرح بنجاحه في إقناعنا بأنك قاتل العجوزين .
ودفعا بي داخل سيارة سوداء وركبا على يميني وشمالي . وزمجر المحرك ، فأيقنت بالهلاك .
رأيت القاضي الذي أصدر حكمه بسجني مدى الحياة يبتسم بخبث ويقول لمن شفع في شبابي :
- ألم أخبركم أن لا مكان لها الوحش خارج السجن .
ولكنكم كابرتم . هاهي نتيجة مكابرتكم .
كم كرهت ذاك القاضي . كرهت نظارته الطبية المستديرة كقعر قارورة . وكرهت عينيه الصغيرتين اللماعتين وهو يتفحصني بهما من رأسي إلى رجلي ، ويصدر حكمه بصوت كريه كقزقزة منشار يقطع الخشب .
بعدها مسك شرطي بزندي وقادني إلى سيارة السجن الواقفة قرب باب المحكمة .
أعتقد أنا أيضا أنه هذا الرجل الذي عنفني قبل قليل .
كنت يومها أبكي . وكان ينظر إلي ويتشهاني بشبق ، ثم يمرر كفيه على خدي متظاهرا بأنه يمسح دموعي إلى أن وصلنا إلى السجن المركزي ، فأعطى الأمانة لأهلها كما قال و طعنني في صدري بسيف لسانه :
- آه يا مسكين . سجن مؤبد وأنت في هذا العمر .
وتلقفني السجان ، فرمى بي داخل قاعة فسيحة ، وأغلق الباب ورائي .
خمدت الحركة مدة دقيقة ، وأنا واقف قرب الباب ، ثم علا ضجيج زفة جاءت تستقبلني . تهليل وتكبير . وصراخ . وقرع على أواني الأكل . واجتمعت حلقة الذكر حولي . ولم يهدأ النباح وتقبيل خدي إلا عندما صرخ مارد في الجمع أن كفى .
وتقدم الرجل نحوي تتبعه بنت تحرك ردفيها ، وتتمايل بغنج ودلال .
قال الرجل وهو يشير بإصبع كالسكين نحو صدري :
- ما اسمك يا بنت ؟
- سمير . اسمي سمير يا سيدي .
- اصمتي لا تكثري من الكلام . أنت من الآن سميرة .
- بل اسمي سمير . أنا سمير يا سيدي .
- قلت أنت سميرة . وكفى . لا تزيدي حرفا واحدا .
ونظر في عيني كمن يهم بافتراسك . فطأطأت رأسي وأنا أردد :
- بل أنا سمير يا سيدي .
وهوت يده على صدغي ، فانفجر نور كالبرق من عيني ، ووقعت على أرضية الغرفة .
قال : ساعدها ياحمودة ، فوقع حمودة فوقي بعطره اللذيذ وهو يقول :
- قومي يا حبيبتي أجيبي سيدنا هبل .
فوقفت وأنا أرتعش كالطير المذبوح .
وجاء هبل . أمسكني من زندي ، ومشى . فمشيت وراءه . طاف بي نوادي السجن وهو يصيح :
- يا معشر قريش . لقد اشتريت هذا الغلام .
وحمودة وراءنا ، يصفق ويرقص ، ويطلق الزغاريد . والسجناء يباركون للشاري ويقبلون يده قائلين :
هنيئا مريئا يا مولانا .
وأنا أرتعش .
وحمودة يبكي .
قلت له : ما مصابك يا صاحبي ؟
فرد : مصيبتي فيك يا ضرتي .
وعاد إلى البكاء :
- و أنا يا مولاي . من لي بعدك يا سيد الرجال ؟
والرجل يصفعه على قفاه ، ويهدده بجمع يده قائلا :
- زين العروس يا حمودة . أريدها شهية هذه الليلة .
ومشيت وراء حمودة إلى دار هبل ، فأغلق الباب ورائي وارتمى على السرير يبكي .
قلت له : لم كل هذا البكاء يا صاحبي ؟
فقال : لم تعد لي حظوة عند هبل ، وأنت تزفين له عروسا هذه الليلة .
أغمي علي من شدة المفاجأة ، ولم أفق إلا وأنا أرقد مع رب السجن فوق سرير واحد . فكدت أموت من الخوف
لكنني ثرت عليه و وصحت في وجهه ، وضربته بيدي ورجلي ، وعضضته في كامل بدنه وأغلقت جسدي بكل مفاتيح الدنيا .
ولكن متى وقفت المفاتيح في وجوه الكبار؟
أصبحت بعد ترويضي زوجة لهبل . أتعطر، وأرقص مؤخرتي في وجوه السجناء ، وأضع أحمر الشفاه ، وألبس حامل النهدين ، وأطبخ الشاي لسيدي الذي يمتطيني فارسا مهابا متى سنحت له الفرصة . وأنا أحلم بقصر أسكنه وحدي .أحلم بقصر أمارس فيه الحب فاعلا مرفوعا بالظمة الظاهرة في آخره . أمارس الحب مع حور العين . أتزوج في المساء أربعا ، وطلق في الصباح أربعا .
وأموت قهرا ، وسيدي يناديني إلى سريره في ليل السجن الطويل .

محمد رشدي
23-12-2011, 05:53 PM
هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/ 06/ قصة
18-02-2009, 08:58 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38672


الجزء الخامس:

http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38633

--------------------------------------------------------------------------------

هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/06

الجزء السادس


أو الجريمة والعقاب ( سابقا ) *
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


لما شاهدت بيت نوم العجوزين قلت ، لقيتها ، هذا بيت النوم الذي وعدني به جبجائيل ، وأنا في زنازين السجن . نفس السرير العالي المذهب الحواشي . والشراشف المطرزة بأزهار الفل .والمساند الحريرية الحمراء . والفانوس الصغير الراقد بجانبي الأيمن . والشباك المطل على حديقة القصر .
قلت هذا قصري . وتعجبت لوجود العجوزين فيه . ولم أستغرب موتهما بتلك السهولة فكأنهما كانا يترقبان مجيء صاحب الأمانة ليسلما له أمانته .

*****


آه يا ليل السجن الطويل .
لما شبع مني هبل وملني ، صار يكتريني لمن يدفع أكثر .
في الليلة الأولى ، باعني لواحد من أصحابه يتاجر بالخمرة في السجن يبيع القارورة الواحدة بعشرين دينارا . وتوارد على لحمي تجار المخدرات ، والسجانة ، وأصحاب الحظوة عند هبل ، واختلسني فتوات السجن الآخرين عند غيبة رجلي . هكذا دهرا طويلا . ثم نزلت أسهمي في السوق بين ليلة وضحاها لما عرف الجميع أن رب السجن سلاني ، فأصبح الواحد لا يدفع لي مقابل المبيت في فراشه ليلة كاملة أكثر من دينار واحد .
وكبرت مصيبتي . فذات يوم وكنت أتهيأ للخروج من غرفتي جاء عندي هبل . لم يقبل قهوتي . ردها علي . وأمسكني من يدي ، وخرج بي إلى نوادي السجن .
ونادى مناد أن استمعوا إلى سيدكم . قال :
- يا معشر قريش ، لقد أطردت هذا الغلام من رحمتي ، فهو لكم سبيا مستباحا .
وانصرف .
تعلقت بردائه وطلبت غفرانه ، فقام يعنفني :
- لقد ولغت فيك الكلاب ، ولن يكون لي فيك نصيب بعد اليوم .
تركته حتى غاب ، وقلت للجمع الواقف حولي :
- من منكم يشتري هذه المؤخرة ؟
فسكتوا . تركت سروالي ينزل حتى الكعبين ، وقلت :
- هي لكم غنيمة حرب ، فمن يريدها له وحده يدفع لي مهرها رأس هبل .
تركوني عريان السوأة وانصرفوا ...
في تلك الليلة ، جاءني حمودة برأس الرب فوق صينية .
كان الرأس يقطر دما ، فرماه في حجري ، وقال :
- هو لك هدية لا مهر زواج .
كان الدم يشخب من العروق . وكانت العينان تبحلقان في حمودة بذهول . وكان الفم منفرج عن ابتسامة بلهاء وكأن لسان حاله يقول :
- هو أنت من ذبحني يا حمودة ؟
ترك الرأس في حجري . وتركني أبكي ، وذهب يقرع باب السجان . قال له :
- دونك وجثة هبل . هي لكم . لم أقتطع منها سوى هدية بسيطة لضرتي سميرة .
وصفق الرجل بيدية تصفيقا متواصلا موقعا مدة ربع ساعة حتى أفاق كل من في السجن . رأى الخلق الواقف عند جثة هبل عجبا . اكتسى جسم حمودة ريشا ، ونبت له جناحان مكان اليدين .
فصفق بجناحيه .
وطار ....
*****

محمد رشدي
23-12-2011, 05:53 PM
هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/ 07/ قصة
19-02-2009, 07:04 PM


الجزء السادس:

http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38672

--------------------------------------------------------------------------------

هبل يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي/07

الجزء السابع والأخير


أو الجريمة والعقاب ( سابقا ) *
قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي / تونس


قال لي المحقق :
- أين دفنت جثة العم أحمد ؟
- ماذا تقصد ؟
- ألم تقتل الرجل ؟
- ولماذا أقتله ؟
- أنا أسأل وأنت تجيب يا ابن الزانية . تكلم قبل أن أدخل في إستك هذه العصا .
- أنا لم أقتل أحدا . بل أنا قتيلكم يا سيدي .
وحرك في يده خيطا ، فاشتعل الكهرباء في كامل بدني . صرت فانوسا يلتهب نورا ونارا
قال :
- ألن تقول أين دفنت الجثة ؟

*****
الجثة .
آه . الجثة بقيت ثلاثة أيام مطروحة أمام مرحاض السجن حتى حام حولها الذباب الأخضر . وانتفخت البطن وسال الصديد من الوريدين المتورمين .
قال مدير السجن :
- سأجعلكم تتأدبون عن القتل . والله لن أدفن هذه الجثة إلا بعدما يخرج منها الدود ، ويملأ هذه القاعة القذرة .
انزوى كل واحد في ركنه متوجسا . وقل الكلام والحركة بين السجناء إلى أن كانت الليلة الرابعة . سمعنا طرقا على الأبواب مصحوبا بدمدمة قوية .خرجنا نستجلي الأخبار ، فرأينا هبل يسير في الأروقة مقطوع الرأس ، وحراس السجن يطلقون عليه النار . كان الرصاص يرتد عن جسمه المصفح . وكان يتبختر كعادته أيام العز . ومدير السجن يصيح " :
- ادفنوا غدا جثة هذا المسخ في السبخة الغربية .

*****
قال : زده عذابا ياشعبان . وتحرك خيط الكهرباء من جديد يحرقني ، فأموت جالسا على كرسي المهانة .
في اليوم السابع ، استوى المحقق على العرش بعدما انتزع مني الاعتراف .
قال مبتسما تلك الابتسامة التي تذهب إلى القلب كطلقة رصاص :
- خذوه إلى القصر ولا تعنفوه إذا عصى أوامركم . عاملوه بالمعروف ولا تشددوا فقد أخذ نصيبه وزيادة .
عندما فتح رجال الشرطة الباب ، رأيت تمثالا لساعي البريد .كان التمثال من البرنز البراق . حين وصلت بجانبه صاح :
- هذا قاتل العم أحمد وزوجته .
ونزل من قاعدته المنتصبة بشموخ وسط حديقة القصر .
سار أمامنا إلى أن وصل إلى مكان القبر ، وقال :
- احفروا هنا .
فانشقت الأرض ، وزلزلت زلزالها .
وقامت القيامة ...

تنويه ثان لقراء هذه القصة :
هذا النص نشر أول مرة بعنوان / الجريمة والعقاب . وبما أن هذا العنوان هو في الأصل لحبيبي الشيخ العارف : فيدور ميخائيلوفيتش دوستيوفسكي ، فقد قررت أن أغير عنوان قصتي بذاك المذكور في أعلى الصفحة الأولى . وأعتذر لشيخي دوستيوفسكي لأن استعمالي لعنوان روايته أزعج بعض المشتغلين بالأدب في بلاد العرب .
والله المستعان .
dargouthibahi@yahoo.fr

www.brahimdarghouthi.com

محمد رشدي
23-12-2011, 05:55 PM
الحرام / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي / تونس
22-02-2009, 09:03 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38765


الحرام

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس




عند العاشرة ليلا بالتوقيت المحلي يصل مع فريق عمله داخل البناية القاتمة.
يترك لهم فرصة لإعادة ترتيب وتأثيث طاولاتهم بالأجهزة القادرة على سماع دبيب النمل وهمس الجن. ثم يترقب حتى يصمت آخر كرسي متحرك، فيقصد طاولته. يضع السماعة فوق أذنيه ويبدأ في التنصت على هسيس الليل الصاخب عبر الأثير إلى أن وصله صوتها ببحته المتوجعة وهي تغازل طيفا في مكان ما من هذا العام الوسيع.
كان كلما سمع الصوت القريب البعيد، صوتها ، من بين مئات الأصوات الضاجة بالحنين واللوعة ، يصاب بالصمم.

محمد رشدي
23-12-2011, 05:56 PM
ذهب / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي/تونس
23-02-2009, 08:26 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38811


ذهب

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


كانت تقول لمن يلومها فيه من الأصحاب والأقارب إنه ذهب
إلى أن ذهب،
فصارت من يومها تزن الرجال، كل رجال الدنيا ، بميزان الذهب.

محمد رشدي
23-12-2011, 05:57 PM
تناص / قصة قصيرة جدا لابراهيم درغوثي/ تونس
28-02-2009, 07:32 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38905


تناص

قصة قصيرة جدا
ابراهيم درغوثي/ تونس


هذا العالم العجيب ،
هذا العالم الذي لا تحتمل خفته،
يمشي على سكة العمر كما يمشي الثقلان...
فبأي آلاء ربكما تكذبان.

محمد رشدي
23-12-2011, 05:58 PM
وقائع من أوجاع إمرئ القيس / 01/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
03-03-2009, 05:21 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=38963


وقائع من أوجاع إمرىء القيس/01

الجزء الأول


قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس

إلى زكريّا تامر ثانية

ترك امرؤ القيس دروعه عند السّموأل وذهب إلى اسطنبول. قال سأستجير بسلطان البَرَّيْن وخاقان البحريْن، الـملك الذي أتته الخلافة منقادة إليه تجرْجر أذيالها. ولن يخذلني هذا الـملِك وستكون هديّتي له سخيّة، سأجعل من نصف مملكتي مَصيفًا له ولجواريه.
في الطّريق، تنكّر في لباس راعي غنم، وركب سيّارة أجرة حتّى لا تكتشفه عيون الـملك الجديد الذين بثّهم في كلّ مفارق الطّريق. وحين أحسّ بالأخطار تحوم حول السّيّارة اكترى ناقة، ركبها وقطع بها الفَـيَـافِي والقفار إلى أن وصل عاصمة الخلافة العثمانيّة فقصد نُزْلا فاخرا ترفرف أمام واجهته مئات الأعلام. في الباب، استقبلته ثلاث بنات: واحدة شقراء والثّانية سمراء والأخرى بين بين. رأى في وجه السّمراء حبيبته “عُنيزة”. وقف مبهورا أمام زينتها فقالت له إنّها في الأصل نوميديّة ولكنّها تحبّ كثيرا العرب الذين يزورون أنْزال تركيا. ولتعبّر له عن إعجابها بهم قرأت له نُتَفًـا من:
“قِفَا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللّوى بين الدّخول فحوْمل”. وسألته إن كان يقصد بالـمنزل نزل “الكونْتينُنْتالْ” أو نزل “الأنْترْناسيُونالْ” ؟ قال: “لا هذا ولا ذاك، وإنّما قصدي كان نزل الْـ”بَالم بيتشْ”، وطلب منها أن تعطي علَفا للنّاقة.
في الغد، ذهب امرؤ القيس لـمقابلة ملك القُسطنطينيّة. وجد أمام القصر طابورا طويلا من الـمترقّبين. أراد أن يتخطّاهم فزجره حارس وطلب منه أن يقف مع الواقفين. قال إنّه أمير وإنّه لا يجوز له الوقوف مع الرّعاع. فقال الحارس: “سيّدي أنت في بلد ديمقراطيّ، لا فرق فيه بين عبد وأمير”. فكّر امرؤ القيس في سيفه وفي تأديب هذا الرّجل، لكنّه أرجأ الأمر قائلا إنّه غريب وإنّ هذا الحارس سيندم حين يعرف من هو. ووقف مع الواقفين إلى أن انتصف النّهار، ولـم يصل دوره، فطلب منهم عون الأمن مغادرة الـمكان والعودة في يوم آخر.
رجع الشّاعر إلى النّزل وأعطى لصرّاف البنك خمس ليرات ذهبيّة فأبدلها بليرات تركيّة ودولارات أمريكيّة، وذهب إلى غرفته. استحمّ وطلب غداءه بواسطة الهاتف الرّاقد بجانب سريره. جاءته مضيّفة بالغداء إلى سريره وسألته إن كان يريد أشياء أخرى. سألها إن كانت تعرف قَيْنة ابن الرّومي فقالت له إنّها أختها، وبدأت تغنّي، فأطربه صوتها حتّى إنّه طلب منها أن تغنّي له بعض الألحان التي وضعها الأخَوَان “رحباني” وغنّتها “فيروز”، وغنّت لفيروز فأجادت وأمتعته فطلب منها أن تعود بعد القيلولة. قالت: “حاضر أفندم” وخرجت.
ونام كما لم ينـم من قبـل !
وفي الغد، ذهب مبكّرا قبل أذان الفجر. ركب “تاكسي”، وقصد قصر الحكومة. وكالعادة كان الطّابور طويلا. وقال إنّه أمير، وقال له الحارس: “هنـا في القسطنطينيّة لا فرق عندنا بين أمير وغفير “. فوقف مع الواقفين. وأطردهم البوليس عند منتصف النّهار.
في اليوم الثّالث، لم ينم. سمع نشرة الأخبار الـمسائيّة. سمع الـمذيع يحكي عن عاصفة وصحراء وفرسان تُحشد وصواريخ وقنابل نوويّة والأمم الـمتّحدة وقبائل مُضر وعدنان وقحطان. ولم يفهم شيئا، قال هذا أمر لا يعنيني، وذهب إلى القصر. وجد الطّابور كما في الأيّام الخالية فأعطى رشوة إلى الشّرطيّ الـمكلّف بالحراسة والنّظام فوعده خيرا. قال له: “عد في الغد على راحتك”.
ذهب امرؤ القيس إلى النّزل، سهر في “الديسْكُوتاك” وراقص القينة أخت صاحبة ابن الرّومي، وشرب “الويسكي” و”الرّيكار” إلى أن طلع النّهار.

محمد رشدي
23-12-2011, 05:59 PM
وقائع من أوجاع إمرئ القيس / 02/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
06-03-2009, 08:00 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39015


وقائع من أوجاع إمرىء القيس/02

الجزء الثاني

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس

إلى زكريّا تامر ثانية


حين وصل في الغد أمام قصر الحكومة استقبله الشّرطيّ هاشّا باشّا، وطلب من الحاجب أن يدخله على مولانا السّلطان. ومن باب إلى باب ومن حاجب إلى حاجب وصل امرؤ القيس إلى قاعة اجتماعات حكومة مولانا القيصر. وقف “بوستانيوس” إجلالا للأمير العربيّ وسأله عن أبيه وعن أحوال مملكة “كِندة” فقال له: “أبي أعطاك عمرَه، وأحوالُ الـمملكة من سيّء إلى أسوإ”. وحكى له كيف جاءه النّعي وهو في مجلس شراب فقال: “اليوم خمر وغدا أمر”. وها هو الغد قد وصل، وها هو يعرض أمرَه.
قال: “سيّدي! إنّما جئتُ طامعا في معونة لأستعيد عرش أجدادي، ولك منّي حين أستردّه نصف منتوج الأرض من القمح والشّعير ونصف غلال الأشجار، التّفّاح والرّمّان والتّين والزّيتون والأناناس واللّيمون والـموز والخوخ والكُمثرى، وما حوَت الأرض في باطنها من الذّهب والحديد والرّصاص والبترول والغاز الطّبيعيّ، وألف أَمَة، وسأدفع أجور الجند بالدّولار الأمريكيّ”.
لم يردّ قيصر اسطنبول في الحين، وإنما طلب مشورة مجلس الوزراء الذي سيُعقد بعد أسبوع، مباشرة بعد صلاة الجمعة. قال للأمير العربيّ: “هكذا هي الدّيموقراطيّة يا أخي، فأنا لا أستطيع الإفتاء في شيء قبل مشورة المجلس وإقرار النّوّاب لتلك الفتوى ثمّ صدورها في الرّائد الرّسميّ لدولتنا الـموقّرة”. وسأله عن مقرّ إقامته فقال: “نزل “الـميريديان”. هزّ الامبراطور رأسه هزّا خفيفا وقال لحاجبه: “اِعتنِ بالضّيف العربيّ! لعلّ اللّه يجعلها غمامة !”
حين خرج امرؤ القيس طلب السّلطان مَشُورة وزير الـميمنة الذي لا يبخل في العادة على مولاه بالنّصح فقال:
“سيّدي! كما تعرف، حالنا هذه الأيّام في سوء، ودولتُنا في حرب مع الفرس، وهجمات حزب العمّال الكردستانيّ تكاثرت، ولم يفلّ مع الثّوّار الحصار والتّجويع. أرى سيّدي أن تماطل هذا الأمير حتّى ترى فيه رأيك”.
وطلب رأي وزير الـمَيْسَرة فدافع بقوّة على إعطاء الـمعونة للأمير حتّى يستردّ عرش أجداده وحتّى يكون عونا لـمولانا السّلطان في ذلك الجزء من الأرض، خاصّة بعد أن وقع اكتشاف البترول في صحرائه.
ودعا السّلطان مجلس النّـوّاب للتّصويت على اقتراح إرسال قوّة مع امرئ القيس، فتعادل الفريقان، ولم يَحسم السّلطان الأمر لأنّه ككلّ سلاطين الدّنيا ديموقراطيّ بطبعه. ووقع تأجيل البتّ في الـموضوع إلى جلسة قادمة. قال السّلطان: “… حتّى يختمر الـموضوع أكثر في أذهانكم”.
ومرّت الأسابيع تَـتْرَى، ولم يحسم مجلس الوزراء أمره. كان فريق الصّقور وفريق الحمائم يتعادلان في كلّ مرّة إلى أن ضجر السّلطان فطلب مشورة درويش باشا كاهن الامبراطوريّة، الذي طلب منه أسبوعا للتّفكير والبحث عن أَصْوب السبل حتّى يبرّ السّلطان بوعده للأمير العربيّ الذي قال له أوّل يوم التقاه: “لعلّ الله يجعلها غمامة !”
سأل درويش باشا أعوانه عن امرئ القيس فذهبوا يبحثون عنه. قالوا بما أنّه أمير فسيُسلّي نفسه بزيارة الـمتاحف وقاعات العروض الخاصّة باللّوحات الفنّيّة والـمسارح والـمواقع الأثريّة وقاعات السّينما.
بحثوا في تلك الأماكن فما وجدوا له أثرا.
قالوا ربّما ذهب في زيارة للمدن الدّاخليّة في الـمملكة. وترقّبوا عودته. ولم يَعُدْ. ذهبوا إلى كلّ مكان ظنّوا أنّه يخطر على بال الأمير، ولكن كان ظنّهم في كلّ مرّة يخيب.
وحين يئسوا من العثور عليه، قال لهم الـمفتّش الـمتربّص درويش أفندي: “عندي فكرة! لـماذا لا نزور “الكازينوهات” وبيوت اللّيل والحانات وقاعات الـرّقص ؟”
ردّوا بصوت واحد: “فكرة صائبة! كيف غابت عنّا كلّ هذه الـمدّة ؟”.
وفي غمضة عين تدرّج درويش أفندي إلى رتبة باي ووقع تكليفه بالبحث عن الـملك الضّليل.
زار درويش باي تلك اللّيلة كلّ الأنزال الفاخرة. وجلس في قاعات الرّقص. بحث بعينيه التي لا تكلّ عن امرئ القيس فوجده
يراقص القينة أخت صاحبة ابن الرّومي. كانا يرقصان على أنغام “الرّوك اند رول”. تريّث حتّى عاد الهدوء إلى الـمرقص. وذهب الشّاعر إلى طاولته الـمنصوبة في ركن قَصِيٍّ من القاعة فحيّاه قائلا:
“سيّدي الأمير ! أريدك في حاجة أكيدة، فأنا مبعوث مولانا السّلطان !”
قال امرؤ القيس: “السّلطان ! أيّ سلطان ؟”
قال درويش باي: “سلطان البرّيْن وخاقان البحريْن، مولانا الـمعظّم صاحب القسطنطينيّة”.
قال امرؤ القيس: “وماذا يريد منّي ؟”
ردّ الدّرويش: “يريدك في أمر يخصّ مملكة كندة”.
قال امرؤ القيس: “قل له لقد طويت صَفْحًا عن ذلك الـموضوع”. ثمّ تدارك وهو يضحك ويرفس الأرض برجليه:
ـ “قل للسّلطان أن ينصّبني ملكا على حانات اسطنبول”.
وأصابت البهتة درويش باي.
وعادت الـموسيقى إلى العزف، فقام الأمير إلى الرّكح تتبعه القينة الرّاقصة.
ولم يقل وداعا لدرويش باي !

محمد رشدي
23-12-2011, 06:01 PM
وقائع من أوجاع إمرئ القيس / 03/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
08-03-2009, 06:09 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39080


size=4]وقائع من أوجاع إمرىء القيس/ 03

الجزء الثالث


قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس
إلى زكريّا تامر ثانية[/size]


الهوامش

الهامش الأوّل:
“… ولَمَّا تولّى عرش السّاسانيّين كسرى أنوشروان بن قُباذ سنة 531 م أرجع إلى اللّخميّين نفوذهم وأعاد الـمنذر إلى عرش الحيرة، ففرّ الحارث الكنديّ هاربا بذَوِيه فطارده الـمنذر حتّى قتله وجعل يدسّ الدّسائس لأولاده فقُتل سلمة وشُرحبيل، وتنكّر بنو أسد لحجر والد شاعرنا، وأمسكوا عن دفع الأتاوة له فحاربهم وأعمل في رقابهم السّيف، وحبس أشرافهم حتّى شفع فيهم شاعرهم عبيد بن الأبرص فعفا عنهم، ولكنّهم عادوا إلى التَّـمـرّد حتّى قتلوه، فانقرضت بموته دوله نشطت إلى مناظرة الحيرة وإلى منازعتها البقاء. وهبّ امرؤ القيس بن حجر يحاول دعم ذلك العرش الـمنهار واسترجاع جانب من ميراثه الضّائع، فأخفقت مساعيه”.
تاريخ الأدب العربيّ
حنّا الفاخوري
الهامش الثّاني:
مات امرؤ القيس بسكتة دماغيّة. وكان يعبّ من قارورة “ويسكي”. حين أحسّ بصداع شديد، أمسك رأسه بيديه وجلس على الأرض. مات وهو يردّد: “ضيّعني أبي صغيرا وحمّلني دمه كبيرا”. ثمّ أسلم الرّوح فدُفن في مقابر الغرباء خارج أسوار مدينة اسطنبول. وقبرُه معروف فيها يزوره السّيّاح العرب في هذه الأيّام.
ـ وماذا عن: “أجارتنا إنّ الـمزار قريب…؟
ـ تلك حكاية من وضع حمّاد الرّاوية، نسج الخيال الشّعبيّ حولها أساطير كانت تُروى للملوك والأمراء للعبرة.
وقد أنكرها النّقّاد.
الهامش الثّالث:
ذهب الرّجل الذي نصّب نفسه ملكا على كندة بعد مقتل حجر والد شاعرنا إلى السّموْأل، وطلب منه أن يردّ له الدّروع والسّيوف والخيول التي تركها عنده امرؤ القيس قبل ذهابه إلى القسطنطينيّة.
امتنع السّموْأل في حصنه ورفض ردّ الدّروع إلى الـملك الجديد. وصادف أن كان ولَدُه خارج الحصن فأسَره الجند، وهدّد الـملك بقتله إن لم يُعطَ الدّروع.
ولكنّ السّموْأل أصرّ على رأيه مضحّيًا بابنه.
قال له الـملك: إنّ امرئَ القيس مات في حانة ولن ينفعك في شيء، وهذا ولدك بين يديّ فماذا تراك صانعا بالدّروع بعد قتله ؟
قال السّموْأل إنّه عاهد الشّاعر وإنّه لن يخلف وعده وإنّ التّاريخ سيُخلّد ذكره وسيُضرب الـمثل بوفائه.
وهمّ الـملك بذبح الولد. ساعتها أطلّت امرأة من أعلى أبراج السّور قائلة إنّها زوجة السّموأل وطلبت مفاوضة ملك كندة.
ذهب كبير الـمفاوضين إلى داخل الحصن فأعطته الدّروع وطلبت منه أن يُطلق سراح الغلام على أن يُذبح في الغد تحت السّور عبدٌ ويَدَّعِي الـملك أنّه ذبح ابن السّموأل فيُخدعُ التّاريخُ ويحتفظ زوجُها بمروءته.
وقد انطلت الخديعة على الـتَّـاريخ.

dargouthibahi@yahoo.fr
www.brahimdarghouthi.com

محمد رشدي
23-12-2011, 06:02 PM
طين / قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي/ تونس
09-03-2009, 10:19 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39110


طين

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


بدا المطر في الهطول مدرارا، ففاجأ هطوله الجميع.
كان الرجال في قمصان قصيرة الأكمام وكانت النساء في فساتين فوق الركب.
قطرات المطر الكبيرة كانت تترك حفرا على لحم الأجسام المتحركة بسرعة على الرصيف.
ثم بدأ الطين في الذوبان...ليسيل على الثياب والأحذية
أمام ذهول الجميع وارتباكهم وحيرتهم...
نظرت من خلال زجاج الشباك إلى الشارع فرأيت عجبا، الرجال والنساء يتحولون إلى أكداس من الطين اللازب تملأ الرصيفين.
ونقرت على صدري بسبابتي فطن طنين الخزف المشوي...

محمد رشدي
23-12-2011, 06:03 PM
الليلة الثانية بعد الألف /01/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
14-03-2009, 11:53 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39189


الليلة الثانية بعد الألف/ 01

الجزء الأول

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس


جاء رئيس حرس القصر يجري .
وجرت معه السواري .
وجرت معه الزرابي المفروشة على الأرض .
وجرى العرق .
وجرت رائحة إبطيه .
وجرى معه الخبر .

*****
دق الباب .
دق الباب دقات خفيفة .
دق الباب بأدب .
دق الباب .
باب مقصورة الملك شهريار .
دق الباب ووقف في وضعية / سلام خذ .

*****
خرج له الحارس .
حارس مقصورة الملك شهريار .
خرج شاهرا سيفه .
رأى حارس مقصورة الملك رئيس الحرس يرتعش .
ورأى على وجهه صفرة الأموات .
خاف حارس مقصورة الملك عندما قال له رئيس حرس القصر :
قل لسيدي السلطان أن يهرب
ماذا ؟ قال حارس المقصورة
عن السلطان أن يهرب .
سيدي
السلطان
يهرب .
نعم ، قل لسيدي السلطان أن يهرب عن طريق السرداب .
قل له : كل الأبواب الأخرى موصدة .
والقصر محاصر .
والعامة .
والسراق .
والعياق
والعيارون .
وسكان الأحواز .
والعبيد .
والأعراب .
و ...
يريدون لعب الصولجان برأسك .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:04 PM
الليلة الثانية بعد الألف /02/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
16-03-2009, 02:54 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39206




الليلة الثانية بعد الألف/02

الجزء الثاني

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس



وانسحب رئيس حرس القصر .
أدى التحية لحارس مقصورة الملك شهريار ، وانسحب .
خبط حذاءه المصنوع من جلد بقر الولايات المتحدة الأمريكية ، وانسحب .
مسح العرق من فوق النياشين وانسحب .
ولم يجرؤ حارس المقصورة على الدخول على الملك .
الملك شهريار .
ملك البرين وخاقان البحرين .
سيد العرب والعجم والروم والبربر .
الملك الذي :
أتته الخلافة منقادة * إليه تجرجرأذيالها
فلم تك تصلح إلا له * ولم يك يصلح إلا لها .

****
وحار حارس المقصورة في أمره .
والسلطان علمه ألا يقطع خلواته ولو انطبقت السماء على الأرض ..
وأعلن الروس الحرب على أمريكا .
وغزا ياجوج وماجوج البر والبحر .
وحار حارس المقصورة في أمره .
تلمس رقبته .
أحس بحد السيف باردا فوقها .
ورأى الدم يسيل فوق النياشين .
مسح الدم من على النياشين .
ومسح العرق البارد من على جبينه .
وخطا خطوتين نحو الباب .
باب مقصورة الملك .
جاءته قهقهات السلطان ممزوجة برائحة الصهباء .
وجاءته ضحكات شهرزاد .
وغمرته روائح البخور والند والعود .
وأصاخ السمع .
هنا خطوات تقترب .
وهناك خطوات أخرى تقترب .
وتقترب الخطوات أكثر فأكثر .
ثم ينفتح الباب .
فتح جندي باب القصر وقدم له ورقة .
لم يضرب له الجندي ، سلام خد ، حين قدم الورقة .
ولم يضرب له ، سلام خذ ، حين غادر المكان .

*****

محمد رشدي
23-12-2011, 06:10 PM
الليلة الثانية بعد الألف /03/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
17-03-2009, 06:35 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39224


الليلة الثانية بعد الألف/03

الجزء الثالث

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس



فتح الحارس الورقة .
قرأ : بيان من جبهة الإنقاذ الوطني .
باسم الشعب ، نعلن خلع الملك شهريار ، ونطلب من كافة حرس القصر تسليم أسلحتهم للجبهة ، ومساعدتنا على إلقاء القبض على الملك المخلوع . وكل من يخالف هذه الأوامر يعرض نفسه للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى ، ويعدم رميا بالرصاص .
( ملحوظة للقارئ : الرصاص في صورته الحالية ، لم يكن معروفا زمن الملك شهريار وربما يراد بالإعدام شنقا حتى الموت وإنما ذكر الرصاص إما سهوا أو استباقا للزمن . والله أعلم . )

*****
قرأ الحارس البيان مرة ثانية ...
وثالثة ...
ورابعة ...
ولم يعرف ماذا يفعل .
هم بخلع الباب .
أمسك بقبضة السيف وهم بخلع الباب .
لكنه تراجع في آخر لحظة .
هل هي مكيدة ؟
هل يريد السلطان اختباري ؟
ربما أراد السلطان معرفة مدى اندفاعك في الذود عن حياته .
وربما ...
وربما ...
وربما ...
فلا تغامر يا ابن الكلب ، وكن حذرا حتى لا تفقد رأسك . فما أسهل أن تأمر السلاطين بضرب رؤوس العامة .
وتبادر إلى ذهنه ما قالته زوجته البارحة بعد أن عادت من الأسواق .
زوجته قالت له إنها سمعت أكثر من واحد يقول إن السلطان لم يعد يهمه أمرهم .
فهو يسهر الليل .
يسهر الليل بطوله .
يسهر الليل بطوله يستمع إلى حكايات شهرزاد .
ولا يفيق من النوم إلا ليأكل أو ليذهب إلى الكنيف .
وتذكر أيضا ما قاله رئيس الحرس .
قال رئيس الحرس :
إن أعوان أمن السلطنة وسلطانها ، ضبطوا مناشير تحرض على الصراع الطبقي وتثلب السلطان وأرباب الدولة والوزراء .
واتهم – الشيوعيين – عفوا أقصد القرامطة .
قال إنهم رأس الفتنة هؤلاء القرامطة .
وشن حملة على الأحياء الفقيرة .
فشنق مجموعة من الرجال .
وعلقهم على أسوار المدينة .
وصلب مجموعة أخرى على الأبواب .
وبقر البطون .
وبتر الأطراف .
وهدم الدور
واغتصب الجند العذارى .
ونكل ، حتى يتعظ الآخرون ...

محمد رشدي
23-12-2011, 06:12 PM
الليلة الثانية بعد الألف /04/ قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي/ تونس
18-03-2009, 08:51 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39241


الجزء الثالث:

http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=455709#post455709

----------------------------------------------------------------------------------

الليلة الثانية بعد الألف/04 والأخير

الجزء الرابع والأخير

قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس


*****
وخطا حارس المقصورة خطوة نحو الباب .
لماذا لا أقتله أنا ؟
لماذا لا أقتل شهريار ؟
وراقت له الفكرة .
وصك أذنيه صوت السلطان الثمل :
- احك يا شهرزاد قبل صياح الديك .
- احك يا شهرزاد بعد صياح الديك .
- احك ولا يهمك ، فأنا سلطان الديكة .
وسلطان أصحابها .
لماذا لا أقتل شهريار بسيفي هذا ؟
وأقطع رقبته .
وأرمي برأسه للثائرين .
وغمرته روائح البخور
ودقات الدفوف .
وأصوات الغناء .
لماذا لا أقتل شهريار ؟
وأنصب نفسي شهريارا جديدا ؟

*****
واقتحم الحارس المقصورة .
وأفرغ رصاص بندقيته الآلية في رأس شهريار.
قلت بندقية آلية فلا تنزعجوا من هذا الخلط في استعمال آلات القتل ) )
ثم مسكه من لحيته المعطرة بالطيب
وذبحه من الوريد إلى الوريد .
ورمى بالرأس للثائرين وراء الأسوار .
فتفرقوا ...
ماذا قلت ؟
هل قلت : الثائرون تفرقوا ؟
نعم يا سيدي .
داسوا على الرأس بأحذيتهم ، وتفرقوا ...

*****
وجلس شهريار الجديد على كرسي السلطنة .
نادى شهرزاد .
شهرزاد الليالي .
شهرزاد التي لا تموت .
وطلب منها أن تحكي له .
قال :
- احكي يا شهرزاد ، ألف ليلة وليلة ...
عفوا ، ألف عام وعام ...

محمد رشدي
23-12-2011, 06:14 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي / 01
17-04-2009, 07:24 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39845


القيامة ... الآن


رواية قصيرة



ابراهيم درغوثي




" لئن اتبعت الشيطان يا رب ، فإني أظل ابنك لأني أحبك ، ولأن في نفسي سبيلا إلى الفرح الذي لولاه ما وجد الكون "

دوستويفسكي
الإخوة كارامازوف




الجزء الأول
علامات القيامة

أنا الذي رأى كل شيء .

قال عني أشرار الخلق : هذا رجل مجنون .
وأدخلوني المارستان ، فعشت " عاقلا بين" المجانين " سنين وسنين . ثم هبطت إلى الأرض من جديد . أجوب الشوارع التي ما عدت أعرف أسماءها ، وأعيش حياة جديدة على وقع الكوابيس .
هل صادف أن عشت مرة كوابيس تتكرر كل ليلة – تعيد نفسها كما هي – ثم تعاودك من جديد ، وأنت يقظ مثل كلب الصيد ، فتراها كما يرى اليقظان السائر في الطريق :
- شرطيا ينظم حركة المرور .
- أو سائحا أشقر يقبل امرأة في فمها ويرضع لسانها في وسط الطريق .
- أو زبونا متعجلا يطلب سجائر من أمام كشك لبيع الجرائد .
- أو جنائنيا يسقي أشجار الحديقة .
ثم تسكن هذه الكوابيس رأسك إلى أن تتحول فوازير شريهان التي يعرضها التلفزيون بعد صلاة العشاء مباشرة إلى صور وأحداث لهذه الكوابيس ، فيغيب الرقص والهز والغمز وتمتلىء الشاشة الفضية بجنونك بالألوان .
أنا الذي رأى كل شيء .
صرت مجنونا يجري وراءه الأطفال في الشوارع ، وتتعلق الكلاب بتلابيبه .
وبعد أن صرت مجنونا ، تفتحت أمامي العوالم المغلقة بمفاتيح الرحمان .
تعال معي نفتح الأبواب .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:15 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي / 02
18-04-2009, 06:57 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39863


الفيامة ... الآن / 02

رواية قصيرة

ابراهيم درغوثي



يأجوج ومأجوج


ملأوا الدنيا .
حطوا في كل مكان .
أكلوا – كالجراد – كل شيء صادفهم في طريقهم .
شربوا مياه الأنهار ، من " سيحون " و" جيحون " إلى
" المسيسيبي " و" الأمازون " ، حتى أن من وصل منهم متأخرا مص التربة الندية ، وقال :
- كان هنا ذات يوم ماء .

عود على بدء

" حتى إدا فتحت يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون . "
قرآن : سورة الأنبياء
الآية / 96

عندما وصل الإسكندر المقدوني المكنى بذي القرنين إلى آخر الدنيا بعد أن فتح كل العالم – من مقدونيا إلى سور الصين العظيم – ( هذا السور الذي يزوره الآن ملايين السياح بعدما صار واحدا من الأعاجيب السبعة ) .
قلت عندما وصل الغازي قريبا من السور / السد ، جاءه قوم يشتكون .
قالوا :
- يا مولانا وراء هذا السد ، قوم مفسدون . ما تركوا لنا الأخضر واليابس .
ماذا يا مولانا الجديد ، لو جعلت بيننا وبينهم سدا ؟

استطراد

أثبت التاريخ أن سور ابصين قائم قبل وصول ذو القرنين إلى أطراف الدنيا القديمة . وأنا أرجح أن عدة كيلومترات قد تهدمت منه – بين جبلين مثلا – بسبب العوامل الطبيعية ، كالزلازل مثلا . أو بفعل فاعل من البشر .
لهذا استجاب سيدنا الفاتح الجديد لرعاياه ، فشمر جنوده على سواعد الجد لبناء السد ودرء الفساد .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:16 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي / 03
19-04-2009, 04:10 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39886




القيامة ... الآن / 03

رواية قصيرة

ابراهيم درغوثي



بدء على عود

قال ذو القرنين : آتوني بزبر الحديد ، فوضع القطع بعضها على بعض كهيأة البناء فيما بين الجبلين ، حتى إذا ساوى بينها قال أنفخوا ، فنفخوا إلى أن صار الحديد نارا . ثم أفرغ فوقه النحاس ليلتصق ويدخل بعضه في بعض .
وقام السد عاليا حتى السماء .
ومن يومها وقبائل " يأجوج " و" مأجوج " ينقرون أسفل السد بمناقيرهم ، حتى إذا كادوا أن يخرجوا ، قالوا : نرجع غدا .
هكذا كل يوم .
مثلهم في ذلك مثل " سيزيف " . هو يحمل الصخرة من الهاوية إلى قمة الجبل . وتعود فتتدحرج من جديد .
وهم ينقرون السد ، حتى إذا قاربوا الخروج قالوا : نرجع غدا ...
ونعم سكان السهوب بالهناء وراحة البال . ونسوا أن وراء السد قوما مناقيرهم تدق الحديد المقوى بسبائك النحاس المذاب .
وكما ثبت " سيزيف " الصخرة فوق جبل " الأولمب " . وهي اليوم ثابتة هنالك بشهادة سائح بلجيكي جلس فوقها ، فأخذت له صديقته ثلاث صور رائعة الجمال عرضتها المجلات المهتمة بالدعاية للسياحة في العالم .
قلت : وكما ثبت " سيزيف " الصخرة ، حفر قبائل " يأجوج " حفرة في السد .
وخرجوا إلى الأرض الحرام ....
كيف تم ذلك ؟
تخلف واحد من جماعة " يأجوج " . واحد في حجم حبة الأرز . له ذنب ذئب ، ونابي خنزير ، وقرن في وسط رأسه ، فوق الجبهة . صار ذلك الرجل / حبة الأرز يخبط السد بقرنه ، فيسمع له دوي كقصف الرعود . ويخبط ، ويعاود الخبط . والسد يترنح ويرتج ، ألى أن فتح الثغرة .
عوى الرجل / حبة الأرز كالذئب ، ومر إلى الأرض الحرام . فرد أذنه اليسرى ، ونام داخلها . فقد كان للرجل شعر كثيف يقيه الحر والبرد ، و أذنان عظيمتان ، إحداهما من وبر كوبر الجمل يشتي فيها .والأخرى من جلد يصيف فيها .
في غد يوم الفتح ، جاءت " يأجوج " و " مأجوج " . رأوا ضوءا ينبعث من وراء السد ، ورأوا الثغرة ، فوسعوها كما وسع جند " داؤود " ثغرة " الدفرسوار" في الضفة الغربية لقناة السويس إبان حرب أكتوبر المجيدة التي انتصرنا فيها على كيان اليهود .
وخرجوا ، فملأوا الدنيا .

عود على بدء

قال الأوزاعي : الأرض سبعة أجزاء، فستة أجزاء منها
" يأجوج " و" مأجوج " وجزء فيه سائر الخلق .

عرضت قناة ال " سي آن آن " الاخبارية الأمريكية البارحة في شريط أنباء الساعة الثامنة مساء صورا لثلاثة من " يأجوج " و" مأجوج " ، قال المذيع إن جنود " المارينز " الذين يجوبون البحار السبعة على ظهر المدمرة " رونالد ريقن " ، قد أسروهم في جزيرة " سرنديب "
كانوا هكذا على ثلاثة أصناف :
واحد في طول حبة الأرز .
والثاني طوله وعرضه سواء ، شبر في شبر .
والثالث في حجم صاروخ " ديسكوفري "

محمد رشدي
23-12-2011, 06:18 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي / 04
21-04-2009, 08:48 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39928


القيامة ... الآن /04

رواية

ابراهيم درغوثي



بدء على عود

قال ذو القرنين : آتوني بزبر الحديد ، فوضع القطع بعضها على بعض كهيأة البناء فيما بين الجبلين ، حتى إذا ساوى بينها قال أنفخوا ، فنفخوا إلى أن صار الحديد نارا . ثم أفرغ فوقه النحاس ليلتصق ويدخل بعضه في بعض .
وقام السد عاليا حتى السماء .
ومن يومها وقبائل " يأجوج " و" مأجوج " ينقرون أسفل السد بمناقيرهم ، حتى إذا كادوا أن يخرجوا ، قالوا : نرجع غدا .
هكذا كل يوم .
مثلهم في ذلك مثل " سيزيف " . هو يحمل الصخرة من الهاوية إلى قمة الجبل . وتعود فتتدحرج من جديد .
وهم ينقرون السد ، حتى إذا قاربوا الخروج قالوا : نرجع غدا ...
ونعم سكان السهوب بالهناء وراحة البال . ونسوا أن وراء السد قوما مناقيرهم تدق الحديد المقوى بسبائك النحاس المذاب .
وكما ثبت " سيزيف " الصخرة فوق جبل " الأولمب " . وهي اليوم ثابتة هنالك بشهادة سائح بلجيكي جلس فوقها ، فأخذت له صديقته ثلاث صور رائعة الجمال عرضتها المجلات المهتمة بالدعاية للسياحة في العالم .
قلت : وكما ثبت " سيزيف " الصخرة ، حفر قبائل " يأجوج " حفرة في السد .
وخرجوا إلى الأرض الحرام ....
كيف تم ذلك ؟
تخلف واحد من جماعة " يأجوج " . واحد في حجم حبة الأرز . له ذنب ذئب ، ونابي خنزير ، وقرن في وسط رأسه ، فوق الجبهة . صار ذلك الرجل / حبة الأرز يخبط السد بقرنه ، فيسمع له دوي كقصف الرعود . ويخبط ، ويعاود الخبط . والسد يترنح ويرتج ، ألى أن فتح الثغرة .
عوى الرجل / حبة الأرز كالذئب ، ومر إلى الأرض الحرام . فرد أذنه اليسرى ، ونام داخلها . فقد كان للرجل شعر كثيف يقيه الحر والبرد ، و أذنان عظيمتان ، إحداهما من وبر كوبر الجمل يشتي فيها .والأخرى من جلد يصيف فيها .
في غد يوم الفتح ، جاءت " يأجوج " و " مأجوج " . رأوا ضوءا ينبعث من وراء السد ، ورأوا الثغرة ، فوسعوها كما وسع جند " داؤود " ثغرة " الدفرسوار" في الضفة الغربية لقناة السويس إبان حرب أكتوبر المجيدة التي انتصرنا فيها على كيان اليهود .
وخرجوا ، فملأوا الدنيا .

عود على بدء

قال الأوزاعي : الأرض سبعة أجزاء، فستة أجزاء منها
" يأجوج " و" مأجوج " وجزء فيه سائر الخلق .

عرضت قناة ال " سي آن آن " الاخبارية الأمريكية البارحة في شريط أنباء الساعة الثامنة مساء صورا لثلاثة من " يأجوج " و" مأجوج " ، قال المذيع إن جنود " المارينز " الذين يجوبون البحار السبعة على ظهر المدمرة " رونالد ريقن " ، قد أسروهم في جزيرة " سرنديب "
كانوا هكذا على ثلاثة أصناف :
واحد في طول حبة الأرز .
والثاني طوله وعرضه سواء ، شبر في شبر .
والثالث في حجم صاروخ " ديسكوفري "

*****
وتفرق " يأجوج " و " مأجوج " في كل مكان .
روى صحافيون شاهدوهم عن قرب أنهم يأكلون جميع حشرات الأرض ، من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق الله . وأنهم يتداعون تداعي الحمائم ، ويتسافدون تسافد البهائم ، حيث التقوا . ( صح أصله في كتاب القصد والأمم في أنساب العرب والعجم ) . وأنهم يتكاثرون تكاثرا عجيبا . وليس لله خلق ينمو كنمائهم ( لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده ) .
كما تحدثت وكالات الأنباء عن أنهم يمتلكون أسلحة كثيرة تندرج من الحجارة المصقولة ، إلى القنابل الذرية ، مرورا بالهراوات ، فالفؤوس والدبابيس ، فالسيوف ، فالرماح ، فالنبال ، فالمنجنيقات ، فالبواريد والمسدسات ، فالمدافع والدبابات ، فراجمات الصواريخ والقنابل العنقودية ، فالطائرات والبوارج الحربية ، فحاملات الطائرات ، فالغواصات والصواريخ العابرة للقارات ، فما لا عين رأت ، وما لا أذن سمعت ، وما لا يخطر على بال ...

بدء على عود

فيظهرون على الأرض، ويقول قائلهم : هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ، لننازلن أهل السماء . حتى أن أحدهم ليهز حربته إلى السماء ، فترجع مخضبة بالدم ، فيقولون : قد قتلنا أهل السماء .
في هذه الأثناء ، عم الرعب سكان الأرض سكان الأرض القديمة والجديدة . وهبط من بقي منهم على قيد الحياة إاى المخابئ المعدة للحرب النووية .
وجابت طائرات " الشبح " التي ضرب بها الأمريكان مدن العراق في حرب الخليج الثانية ، الصحاري والمحيطات . ضربوا " يأجوج : و: ومأجوج : بكل ما تملك التقنية الحديثة من ابتكار ، ولكن دون طائل ، فقد كانوا يتكاثرون تكاثر الجراثيم .
ووصل " المجهود الحربي " إلى حدود اليأس . وفكر سكان الأرض في الاستسلام على أن لا تكون معاهدة إنهاء الحرب مذلة للجنس البشري إذلالا كبيرا . ولكن المفاجأة جاءت من حيث لا يحتسبون ،فقد رأوا على شاشات الرادارات نوعا من الجراد يهاجم هؤلاء الذين قال عنهم كعب الأحبار إن أبانا آدم احتلم ، فاختلط ماؤه بالتراب ، فأسف كثيرا لذلك ، فخلق منه يأجوج ومأجوج .
حطت الدواب التي تشبه نغف الجراد على أعناقهم ، وامتصت منهم رحيق الحياة ، فصاروا يموتون يركب بعضهم بعضا .
وتكدسوا في مشارق الأرض ومغاربها .
وأنتنت الأرض من ريحهم . فبعث الله عليهم طيرا نقلت جثثهم إلى البحر . ونزل على الأرض طوفان كطوفان نوح ، فتطهرت من رجسهم .




رواية ثانية للأحداث

عاد " حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي " إلى هرم السلطة فيما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي ، فضرب الأمريكان الأرض بالقنابل الذرية ، واتهموا " يأجوج " و
" مأجوج " بإفساد الحياة على الأرض بعد ما أخرجوا الحكاية القديمة من بطون الكتب الصفراء .
ولنا عودة وتفصيل للأمر في مناسبة أخرى .




عود على بدء

قال كعب الأحبار:
ثم تسمعون الصيحة .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:19 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي /05
26-04-2009, 07:28 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39994


القيامة الآن / 01
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39845
القيامة الآن / 02
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39863
القيامة الآن / 03
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39886
القيامة الآن / 04
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39928




القيامة ... الآن / 05

رواية

ابراهيم درغوثي


الأعور الدجال
أو الحاوي الذي علمهم السحر



جاء راكبا على حمار ما بين أذنيه أربعون ذراعا .
صحت :
- هذا هو الحاوي الذي رأيته على خشبة الركح يعرض ألعابه .
ما سمعني أحد سوى الملاك الماشي على يمين " الدجال " .
سمعني وهز رأسه أكثر من مرة ، ولسان حاله يقول :
- صدقت .
واقترب " الدجال " أكثر ، حتى ملأ وجهه شاشة التلفزيون .
رأيت عينه العوراء هامدة كقعر قارورة خضراء . وقرأت كتابة على جبهته : كافر مكتوبة بكل لغات العالم ، من الهيروغليفية إلى الخط المسماري ، ومن العربية إلى الحرف اللاتيني .
ما عرفت من أين جاءني هذا الفهم باللغات القديمة والحديثة . فقد كانت كلمة كافر تضوي كما تضوي لافتات الإشهار. تشتعل وتنطفئ بسرعة كبيرة . وتتحول الكتابة من لغة إلى أخرى ، وأنا أترجم للخلق الذي تجمع حولي
وجاء صاحب الدابة ، فخطب فيهم :
- أنا ربكم الأعلى .
كان كلما وضع يده على حجر تحول إلى خبز حتى صارت الجبال خبزا . والناس جياع .والجوع عمر في كل مكان ، فجرى الأطفال وراء حماره يطلبون الخبز . تنادوا وجروا وراء الحمار ، فأعطى كل واحد منهم الخبزة والخبزتين . وتنابحت وراءه الكلاب ، فألقمها خبزا سخنا ، فسكتت عن النباح المباح .
وسرى الخبر في كل مكان ، فجاءه الناس من أقاصي المعمورة يحلمون بالخبز.
جمع صاحب الدابة جمهور الخبز في ملعب كبير لكرة القدم ، وراح يعرض أمامهم ألعابه .
أخرج صندوقا خشبيا كصناديق حواة السيرك . كان الصندوق مزخرفا بصور لوحوش غريبة وورود عجيبة . وكان في مثل قامة الإنسان ، فعرضه فارغا على الجمهور . ثم صفق ، فخرجت حسناء تستعرض جمالها فوق الركح . كانت تلبس حمالتي نهد وتبانا قصيرا جدا . الحمالة والتبان يبرقان ويلمعان بضوء يعشي البصر . والصندوق الفارغ معروضا على الجمهور .
ابتسمت الحسناء واقتربت من الصندوق بثبات ، ثم تمددت داخله . فراح الحاوي يقص الصندوق من وسطه مصحوبا بلحن موسيقي صاخب .
قسم الحاوي الصندوق إلى نصفين متساويين ، وفرق بينهما بأن أبعد الجزء عن الآخر ، ومر بينهما يتهادى كالطاووس . ثم أعادهما كما كانا ، ولمسهما بعصاه السحرية ، فخرجت الحسناء توزع بسمة عريضة على الناس المتجمهرين حول الركح .
لم تعجب اللعبة الجمهور فصاح :
- هات الجديد يا حاوي . هذه اللعبة نعرفها .
ورددوا بصوت واحد :
- نريد خبزا . نريدك أن تحول مدارج الملعب وحيطانه إلى " بسكويت " .
نريد الجديد يا حاوي ، فلا تكرر ما سبقك إليه غيرك .
وصفقوا ، وصفروا ، وهاجوا ، وماجوا .
لم يظهر الغضب على " سيد الحواة " كما توقع الناس ، وإنما دعا بالحسناء من جديد ، فجاءت تتثنى كغصن البان . أرقدها فوق طاولة ، ثم نشرها على الملإ ، بالمنشار من الرأس إلى أن فرق بين رجليها . وأبعد نصفي الطاولة ذات اليمين وذات الشمال ، ومشى بينهما .
ساد صمت رهيب أرجاء الملعب . وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير مدة حسبتها دهرا ، ثم أرجع الحاوي جزأي الطاولة كما كانا . وقال :
- قومي أيتها المرأة ببركتي ، أنا رب الأرباب .
فقامت ، ومشت فوق الركح وآثار المنشار تضوي على جنبيها .
ثم أشار بيده ، فإذا نهران يجريان ، يشقان الملعب من اليمين إلى الشمال ، ومن الشرق إلى الغرب .
أحد النهرين ماء أبيض يلمع كعين القط صفاء . أبرد من الثلج . وأحلى من العسل .
والآخر ، نار تتأجج . يفور ويرغي ، ويقذف باللهب في كل الاتجاهات .
نهران يتقاطعان ، ولا يلتقيان . يمر أحدهما تحت الآخر مرة ، وفوقه مرة أخرى .
والناس في هرج ومرج ، وقد ضلوا سواء السبيل إلى أن نادى مناد أن تعالوا إلى " رب العزة " المسيح عيسى بن مريم البتول .
تعالوا إلى شفاء ما بعده مرض .
ولبس الحاوي لبوس الأطباء ، وصار يداوي مرضى السرطان بأنواعه المختلفة : سرطان المثانة والمهبل ، وسرطان الثدي والبلعوم ، وسرطان الكبد والأمعاء ، وسرطان الدم ، وسرطان العظام .
وداوى الأكمه والأبرص .
ثم نادى عن مرضى " السيدا " ، فكان يضع يده على رأس المريض منهم فتعود له صحته ويقوم واقفا يستعرض عضلاته كأنه العداء " كارل لويس " .
وعاد المنادي ينادي :
هذا ربكم ، فاتبعوه .
فجرى الناس وراءه يتصايحون :
أين الخبز الذي وعدتنا يا ربنا ؟ أين المن والسلوى ؟
فدعاهم إلى التطهر أولا في الوادي الجاري . وأشار بيده إشارة غامضة لم يفهم الناس مدلولها ، فارتموا في الماء الأبيض ، فغرقوا ...
كانوا يتصايحون والغرق يأخذ بتلابيبهم . ويطلبون النجدة ولا من يسمع لندائهم . فطافت جثثهم فوق الماء ، يتقاذفها التيار .
كان الأعور الدجال يراقب المشهد من على ظهر حماره الأشهب الشبيه ببغل ، وما هو بالبغل .
ظل واقفا إلى أن اختفى النهران من الوجود ، وعادت ساحة الملعب كما كانت .
وعم الهدوء المكان ، فنخز الحاوي دابته وهو يصيح :
- أنا ربكم الأعلى ، فاتبعوني أهديكم سواء السبيل .


قال تميم الداري :
- وهذه واحدة من علامات قيام الساعة .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:20 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي /06
30-04-2009, 12:06 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40033


القيامة الآن / 01
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39845
القيامة الآن / 02
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39863
القيامة الآن / 03
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39886
القيامة الآن / 04
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39928
القيامة الآن / 05
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=466853#post466853





القيامة ... الآن /06

ابراهيم درغوثي

الدابة


" وإذا وقع القول عليهم
أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم "

قرآن : سورة النمل
الآية / 82




يومها حدث زلزال عظيم . تحركت الجبال ذات اليمين وذات الشمال ، وطغى الماء في البحار والمحيطات . وتساقطت ناطحات السحاب الواقفة في شوارع" نيويورك " على الأرض . وتحولت في غمضة عين إلى ركام من البلور المهشم والفولاذ والحديد .
وظهرت الدابة شيئا فشيئا " حتى بلغ رأسها السحاب ، وما خرجت رجلاها من الأرض " ( ذكره القتبي في عيون الأخبار) . فهرب الناس في كل الاتجاهات ، وتنادوا إلى الفرار .
حينها فقط ، عادت بهم الذاكرة إلى الشريط السينمائي الذي صور العملاق " كينغ كونغ " وهو يهاجم مدينة نيويورك . لكنهم هذه المرة عايشوا الأحداث بأنفسهم . صاروا ممثلين حقيقيين فارين في كل صوب ، والدابة تجري وراءهم .
كانت تحمل خاتم سليمان بن داؤود وعصا موسى بن عمران . ولكم أن تتخيلوا خاتما في حجم ماسورة عملاقة وعصا مثل سارية من سواري السفن التي كانت تجوب المحيطات في عهد الصراع على أعالي البحار بين الإسبان والأنجليز .
جرت الدابة في كل مكان . كانت تسم بالخاتم الكافر ، وتجلو على وجه المؤمن بالعصا .
وهرب الناس إلى المخابئ ، والدابة وراءهم أينما حلوا .
كان المنظر مرعبا فاق في فظاعته أفلام هيتشكوك . فالدابة أهلب ، كثيرة الشعر . لا يدري الرائي ما قبلها من دبرها هي التي جمعت من خلق كل حيوان .فرأسها رأس ثور ، وعينها عين خنزير ، وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن أيل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هرة ، وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير .
وبين كل مفصل ومفصل من مفاصلها ، اثنا عشر ذراعا .
( ذكره الثعلبي والماوردي ) .
وحينما انتهت من أمريكا وما حولها ، طافت في بقاع الأرض الأخرى من " سيبيريا " إلى صحاري " كالاهاري " ومن جبال " الهملايا " إلى سهول " الأنديز " .
وتناقلت وكالات الأنباء خبر خروج " الجساسة " التي ستحمل على ظهرها الأعور الدجال .
وحدثوا عن مدينة " نيويورك " التي صارت أثرا بعد عين
لم يصدق أحد هذه الأخبار ، فوقع الاتهام على رأس القيادة الصينية .
قالوا :
- لقد انتقم الصينيون من أمريكا التي ضربت الاتحاد السوفياتي السابق بالقنابل " الديموقراطية " ، فرد عليها الرجال الصفر بالقنابل النووية .
وحركت دول حلف شمال الأطلسي ترسانات أسلحة الدمار الشامل ، ووجهتها نحو مدن الصين الكبيرة . ( كل هذا حدث في غمضة عين . في بضع ثوان لا أكثر ) . ثم ظهرت " الجساسة " على شاشات التلفزيون ، في كل بيت على ظهر المعمورة .
رأى جميع الناس هذه الدابة التي " تعقا وتتكلم " . قالت :
( حين تكلمت فهم كل واحد حديثها مترجما آليا إلى لغته الأم ، مع العلم أنها كانت تتكلم بالعربية ، أو ليست لغة القرآن ؟ ) .
أنا الفصيل الذي كان لناقة نبي الله صالح عليه السلام . فلما قتلت الناقة ، هربت بنفسي ، فانفتح لي حجر بالجبل ، فدخلت فيه ، ثم انطبق ورائي .
عشت في أعماق الأرض حتى أذن لي ، فخرجت من حيث فار التنور . تنور نوح عليه صلاة الله وسلامه .
قال الصحافي الذي حاورها لفائدة شبكة " السي أن أن " :
- هل فار تنور نوح في أمريكا ؟
ردت الجساسة :
- أفي ذلك شك ؟ نعم يا سيدي فار التنور هنا ، في مدينة نيويورك بالذات .
فحق القول على القوم الظالمين .

قال الحافظ ، أبو الخطاب بن دحية في كتاب " البشارات والإنذارات " :
ثم ينفخ في الصور .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:22 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي /07
06-05-2009, 08:44 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40150


القيامة الآن / 01
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39845
القيامة الآن / 02
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39863
القيامة الآن / 03
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39886
القيامة الآن / 04
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39928
القيامة الآن / 05
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=466853#post466853
القيامة ... الآن / 06
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=467467#post467467


القيامة ... الآن / 07

الجزء السابع

ابراهيم درغوثي


قرون الشمس



هذه السماء الصافية لم نعهدها منذ زمن طويل .
فقبل أيام ، تراكمت السحب حتى سدت الأفق ، ثم انهمرت الأمطار . هطلت أمطار طوفانية كادت تأتي على الأخضر واليابس . ولم يعد للسماء صفائها إلا هذا اليوم .
كانت سعادة الجميع كبيرة بعودة الصفاء إلى السماء
فلم ينتبهوا في بادئ الأمر إلى أن شيئا خارقا قد وقع ، فظلوا في ممارسة أعمالهم الكبيرة والصغيرة التي اعتادوا عليها : يزرعون الحقول ويكتبون عرائض الاحتجاج ويمارسون الجنس ويدرسون في المعاهد ويتجولون مع الأحبة ويرشفون الشاي في المقاهي ويسوسون العالم ويدفنون الموتى ويسرقون المغفلين ويغتابون بعضهم و... فجأة انطلق صوت من حيث لا يعلم أحد :
- أين الشمس ؟ أين الشمس يا عباد الله ؟
ودوى الصوت في كل أصقاع المعمورة :
- أين ذهبت الشمس يا ترى ؟
بحث الناس عنها أولا بالعيون المجردة ، كما نبحث عن هلال رمضان في بلاد الإسلام ، ثم شغل العلماء التيليسكوبات العملاقة . ولكن بدون طائل ، فلا شمس هذا اليوم في السماء .
لا شمس في الغرب .
لا شمس في الشرق .
لا شمس فوق صحراء العرب .
لا شمس فوق الكرملين .
لا شمس فوق البيت الأبيض .
لا شمس هذا اليوم في السماء .
ومن جديد تناقلت وكالات الأنباء الخبر . فعم ذهول رهيب أرجاء المعمورة دام بعض الوقت ، ثم تحركت ماكينة الحياة :
خرج السحرة في الهند من معابدهم . رفعوا أيديهم إلى السماء وهم يتمتمون بأدعيتهم ثم تجمدوا في أماكنهم كالتماثيل .
وطاف كهنة اليهود بحائط المبكى .
ورتل الرهبان أدعيتهم في الكنائس الأورتدوكسية .
وخرجت العجائز بكوانين الجاوي والبخور في طول أرض العرب وعرضها .
ولكن عروس السماء ظلت غائبة . فلم تسمع نداءات المتلهفين ، ولم ترى التضرع والاستعطاف .
ظلت حيث لا يعلم أحد .
وساد ترقب مريع ، فقد مر اليوم الأول على الدنيا بدون شمس .
وجاء الليل ، فلم يطلع القمر أيضا .
وازداد الوجوم ، فصلى أئمة المساجد في كل العالم صلاتي الكسوف والخسوف .
ولكن لا حياة لمن تنادي .
ومما زاد في هول الموقف ، ارتفاع عواء الكلاب في كل مكان .
كان عواء مفزعا يقطع نياط القلوب .
وناح البوم فوق الأشجار .
وامتلأ الكون بالخفافيش الطائرة .
ومر اليوم الثاني كسابقه .
وجاء ليل الخفافيش مرة أخرى .
وما نام الخلق دقيقة واحدة . شغلوا أجهزة التلفزيون ، وترقبوا طلوع الشمس .
ظلوا سبعة أيام بليليها يتقلبون على الجمر ، إلى أن طلع القمر ، هلالا صغيرا كالعرجون القديم .
ثم طلعت الشمس وراءه .
كانا أسودين .
لا ضوء فيهما .
بلا نور ولا ضياء .
سارا متلازمين حتى بلغا سرة السماء ، فتوقفا .
لا ضوء فيهما .
لا نور .
لا ضياء .
ظلا هناك إلى أن وصل جبرائيل .
ملأ الملاك مابين الأرض والسماء ثم حط قربهما .
أمسك جبرائيل بقرون الشمس ، وأحكم قبضته على قرون القمر، وجرهما إلى المغرب .
عاد القمر صغيرا كالعرجون القديم ، ثم ذاب .
وطلعت الشمس من المغرب ، حمراء بلون الدم المراق على الأرض منذ ملايين السنين .





وقامت القيامة ...

محمد رشدي
23-12-2011, 06:23 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي /08
11-05-2009, 06:05 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40236


القيامة الآن / 01
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39845
القيامة الآن / 02
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39863
القيامة الآن / 03
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39886
القيامة الآن / 04
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39928
القيامة الآن / 05
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=466853#post466853
القيامة ... الآن / 06
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=467467#post467467
القيامة ... الآن / 07
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=469206#post469206




القيامة ... الآن / 08
رواية
ابراهيم درغوثي



الجزء الثاني :
البعث والنشور



النفخ في الصور

عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق " الصور " فأعطاه إسرافيل ، فهو واضعه على فيه ، شاخص ببصره إلى السماء ينتظر متى يؤمر .
قال ، قلت يا رسول الله مالصور ؟
فقال القرن .
قال :
قلت كيف هو ؟
فقال : عظيم .
والذي بعثني بالحق ، إن عظم دائرة فيه كعرض السماء والأرض . فينفخ فيه ثلاث نفخات :
الأولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق ، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين .


إنهم يسرقون القمر

وعن " آدم " بن " آدم " الآدمي قال :
سمعت دقا عنيفا على الباب ، وكان الوقت هزيع الليل الأخير . فقمت فزعا ، وفزع الأطفال النائمين جنب أمهم . وأصاب الفزع كلبنا الرابض الرابض قريبا من باب الدار ، فصار ينبح كالمجنون ، ثم عوى وخمدت حركته .
وانطفأ قمر آخر الليل ، فعم الظلام الكرة الأرضية .
قلت من وراء الباب :
- من الطارق في هذا الليل البهيم ؟
فسمعت همهمة وعزيفا كعزيف الجن :
- افتح يا " آدم " بابك .
قلت وقد رابني ما رابني من هذه الأصوات :
- ولماذا أفتح لكم الأبواب وقد سرقتم قمر السماء ؟
فقالوا في صوت واحد موحد كالرعد القاصف :
- افتح وإلا أوقعنا على رأسك السماء .
قلت ، وقد وضعت متاريس وراء الباب :
- جربوا .
ردت أصوات الجن "
- سترى .
وانشق السماء ...
وانخلع الباب ... فداسوني بأحذيتهم ، وهم يمرون فوق جسدي .
وملأوا بهو الدار ...

نفخة الفزع

قال أبو هريرة " :
فيأمر الله " إسرافيل " بالنفخة الأولى .
فييقول : انفخ نفخة الفزع ، فينفخ نفخة الفزع . فيهرع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله . فيأمره ، فيمدها ويطيلها ولا يفتر ...
فترتج الأرض بأهلها رجا ، فتكون كالسفينة في البحر تضربها الرياح .

ليلة الفزع

وارتجت جدران البيت . وتساقطت الكتب من فوق جدران المكتبة .
لست أدري لماذا يمقت هؤلاء الرجال الكتب ؟
رأيتهم يدققون في العناوين ، ثم يكومون الكتب كدسا كبيرا في ساحة البيت ، وينهالون عليها رفسا بأحذيتهم الثقيلة .
سال العرق على جبيني وأنا أستمع إلى الاحتجاجات تصلني من وسط النيران .
اختلطت أصوات كارل ماركس وأبي حيان التوحيدي وابن رشد وحسين مروة ونجيب محفوظ وتولستوي ويوسف القعيد ولينين ومحمود المسعدي ودوستويفسكي والطيب التيزيني وأبي الطيب المتنبي .
ونهنهت نوال السعداوي ، واحتجت ، وقالت إنها ستشتكي هؤلاء الهمج للجامعة العالمية للنساء الديموقراطيات .
والتهب كدس الكتب .
وفاحت روائح شواء اللحم الآدمي .
شممت روائح اللحم الطازج ، ورأيت حصان عنترة العبسي يتخبط وسط اللهب أمام عبلة التي كانت تمسح
دموعها بكف يدها المخضبة بالحناء .
ورأيت لينين كما كان وقت ثورة " السبعطاش " يرتفع فوق الحرائق ، ويخطب في الساحة الحمراء . سمعته يحرض الروس ومن والاهم من أمم الاتحاد السوفياتي السابق ضد يلتسين ومافيات مترو موسكو .
وسمعت التوحيدي يصرخ :
تعالوا أحدثكم عن " الليلة الثامنة عشرة " من كتاب الإمتاع والمؤانسة .
والرجال ، الذين كمردة الجن يدسون القمر في جيوبهم ، ويبقرون الحشيات ، ويفرغون الحقائب الملأى بالثياب الداخلية الوسخة ، ويفتشون داخل آلة الغسيل ، فيخرجون منها القمائط الملوثة بسلح الطفل الرضيع والسراويل الملطخة بدم الطمث . ويفتشون داخل القلب ، وفي وسط العيون ، في جيوب قمصان الأطفال وداخل أصص الأزهار ، بين حشائش الحديقة وداخل بيت الخلاء .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:24 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي / 09
21-05-2009, 12:09 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40398


القيامة الآن / 01
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39845
القيامة الآن / 02
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39863
القيامة الآن / 03
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39886
القيامة الآن / 04
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39928
القيامة الآن / 05
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=466853#post466853
القيامة ... الآن / 06
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=467467#post467467
القيامة ... الآن / 07
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=469206#post469206
القيامة ... الآن / 08
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=470750#post470750


القيامة ... الآن / 09

رواية

ابراهيم درغوثي

الجزء التاسع


الشياطين الطائرة


قال أبو هريرة :
فتميد الأرض بالناس على ظهرها ، وتذهل المراضع ، وتضع الحوامل ، وتشيب الولدان ، وتطير الشياطين هاربة من الفزع .




" الشهيري " يعاود الظهور

لمن لا يعرف " الشهيري " أقول
إنه واحد من جلاوزة رواية عبد الرحمان منيف:
" الآن هنا ... أو شرق المتوسط مرة أخرى "
أما " هلال " فهو سجين سياسي مذكور في نفس الرواية .

وأخرج الشهيري المسدس الذي قتل به هلالا بدم بارد ، فلوح به في فضاء الغرفة ، ثم أعاده إلى غمده .
قال وهو يقطع كلماته تقطيعا مقيتا :
- أتعرف هذا المسدس يا ابن القحبة ، لقد قتلت به أكثر من واحد ، فلن يثقل على قلبي دمك الوسخ .
وامتدت دم الشياطين تصفع وجهي والقفا .
تخبط في كل الاتجاهات . تركل بالأحذية ملبين الفخذين ، وتضرب بعصي البلاستيك على الحاجب وفوق الأنف .
فيتدفق الدم من كل المخارج ، ويسيل على ثياب النوم البيضاء ، يلطخ الكراسي وأرضية الغرفة وبدلات الجلاوزة .ويبكي الأطفال بأصواتهم الحادة ، ويتشبثون برداء الأم ، فتربت على أكتافهم الصغيرة وتغمض لهم الأعين بيديها الباردتين ليصمتوا مدة قصيرة ، ثم يعاودهم البكاء ، فيزمجر الشهيري في وجوههم أن كفوا يا أولاد الزنى .
فتهمد الأصوات ،
والحركة .





نفخة الصعق

قال أبو هريرة :
فيمكث الخلق في ذلك البلاء ما شاء الله . إلا أنه يطول عليهم .
ثم يأمر الله إسرافيل ، فينفخ نفخة الصعق ، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض .





الرقص مع الذئاب

أتذكر: ( من رواية " الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى ) أن " الشهيري " جاءني بعد شهر من اغتيال " هلال " . لم يأت وحيدا . كان يحيط به عدد من رجاله ، ومع ذلك كان مرتبكا :
- ها يابن العريفي فتح الله عليك أم بعده عاصي قلبك ؟
نظرت إليه بسرعة ، ولم أجب ، فتابع :
- الظاهر بعده الحصان خالك ، وظني أنك أبد ما تصير آدمي ...
ابتسم ، ثم أضاف وهو يهز رأسه :
إذا ظليت ميبس راسك ، ترى دواك عندي . والدواء هذه المرة ما هو فشكة وكفى المؤمنين القتال ... لا ، راح أموتك ألف موتة ، راح أموتك كل يوم ...

ويأتيني صوت من حيث لا أعلم :
دلنا على مخبإ السلاح يا " آدم " .
ما عندك سلاح . طيب يا "آدم "
وآلة سحب المناشير .
طيب ، ما عندك آلة لسحب المناشير .
قل لنا فقط من رمى كلاب فرق مكافحة الشغب بالحجارة ؟
قل هذه فقط يا "آدم "
طيب لا تعرف . ومن ملأ الحيطان بكتابة ضد حكومة سيد الأسياد ؟
جميل . لا تعرف أيضا .
وهذه يا"آدم " .
من سب الحبيبة أمريكا ؟
هذه أيضا لا تعرفها . معليهش . ومن حرض على الإضراب ؟
من لعب بعقل الشعب الكريم وجعله يخرج مهتاجا للشوارع فاضطررنا للقتل دفاعا عن النفس .
هم يطلقون علينا حجارتهم ، ونحن نطلق الرصاص . حجارة برصاص ، والبادي أظلم .
ولا تريد الكلام يا ابن الفاجرة . سترى . سأجعلك تتكلم من دبرك .
ويخرج صاحب الصوت من حيث لا أدري . يخرج
" الشهيري الجديد " . يحرك عصاه ، عصا المايسترو ، ويرقص . فيرقص جلاوزته رقصة المجانين .
يدورون حولي في حلقات . حلقة داخل حلقة . يضربون بالسياط وبقضبان الحديد . ويملأون وجهي بصاقا . ويملأون الغرفة بالروائح الكريهة . روائح نتنة تخرج من أفواههم ومن تحت آباطهم .
ويضربون . ويضربون بلا كلل ولا ملل . يشدون شعر الرأس ، ويضربون .
ويضعون أصابعهم في عيني ، ويضربون .
ويضربون كمن يضرب حجرا في حجر .
ويضربون .
ويطلبون مني أن أدور معهم داخل الحلقة الكبيرة .
يضعون عصابة على عيني ، ويطلبون مني أن أدور داخل الحلقة دوران الدراويش ، أصحاب الطرابيش العالية .
وأدووووووووووووووووووووووووووووووووررررر....فيدور معي العالم .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:25 PM
القيامة ... الآن / رواية قصيرة / ابراهيم درغوثي /10
02-06-2009, 10:42 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40575


القيامة الآن / 01
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39845
القيامة الآن / 02
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39863
القيامة الآن / 03
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39886
القيامة الآن / 04
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=39928
القيامة الآن / 05
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=466853#post466853
القيامة ... الآن / 06
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=467467#post467467
القيامة ... الآن / 07
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=469206#post469206
القيامة ... الآن / 08
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=470750#post470750
القيامة ... الآن / 09
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?p=473067#post473067




القيامة ... الآن / 10
رواية
ابراهيم درغوثي/ تونس


انتحار ملك الموت


قال أبو هريرة :
فإذا خمدوا ، جاء ملك الموت إلى الجبار ، فيقول :
قد مات أهل السماء والأرض إلا من شئت . فيقول ( وهو أعلم ) : ومن بقي ؟ فيقول ملك الموت : أي رب . بقيت أنت الحي الذي لا يموت . وبقي حملة العرش ، وبقي جبرائيل وميكائيل واسرافيل . فيقول الرب : ليمت جبرائيل وميكائيل . وأقول : أي رب يموت جبرائيل وميكائيل ؟ فيقول اسكت .إني كتبت الموت على كل من تحت عرشي . فيموتان .
ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول : أي رب قد مات جبريل وميكائيل . فيقول الرب ( وهو أعلم ) ومن بقي من عبادي ؟ فيقول ملك الموت : بقي اسرافيل ، وبقيت أنا . فيقول ليمت حملة عرشي ، فيموتون . فيأمر الله عز وجل العرش فيقبض الصور من اسرافيل .ثم يقول : ليمت اسرافيل . فيموت .
ثم يأتي ملك الموت ، فيقول : مات حملة عرشك ومات اسرافيل . فيقول ( وهو أعلم ) فمن بقي ؟ فيقول : بقيت أنت الحي الذي لا يموت . وبقيت أنا .
فيقول أنت خلق من خلقي . خلقتك لما رأيت .فمت .
فأموت .

دراكيلا

محمد علي الحامي وفرحات حشاد : مناضلان نقابيان تونسيان . مات الأول في حادث مرور بالسعدودية بعدما نفته فرنسا من تونس في بداية القرن العشرين . واغتيل الثاني – وهو مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل - في تونس في أوائل خمسينات القرن الماضي



أفقت حين لسعتني صعقات كهرباء هزت بدني هزا ، فارتعشت كالمقرور رعشات خفيفة لكنها مؤلمة عدت بعدها للحياة شيئا فشيئا .
وجدت نفسي داخل قاعة نظيفة بها طاولة فوقها باقة أزهار اصطناعية ومنفضة سجائر وكرسيان ومكتبة صغيرة تكدست فوق رفوفها الكتب .
رأيت وراء الطاولة شبحا بدأت ملامحه تتكشف لي كلما أفقت من الدوار ، ولكنها تعود فتضطرب حين تغيم الرؤية وتبزغ نجوم شديدة اللمعان أمام وجهي .
وأخيرا تمثلت الشبح . هو رجل في الأربعين . يضع نظارة طبية على عينيه . ويلبس بدلة أنيقة يميل لونها إلى الرمادي .
قدم لي الرجل سيجارة " مارلبورو " وقهوة سخنة يصاعد منها البخار ، وحدثني بود كبير .
قال إنه ليس كالآخرين ، وطلب مني أن أنسى ما فات ثم تركني أترشف قهوتي على مهل وأعب من دخان السيجارة . وبهدوء شديد وقف ، واتجه نحو المكتبة ، ثم رأيته يختار كتابا مجلدا تجليدا فاخرا فيضعه فوق الطاولة ويعود للجلوس .
نظر في عيني بحنان كبير بعدما أنهيت قهوتي وسيجارتي وقال :
- هل تعرف أننا تحترم حقوق الإنسان أكثر من اللازم ؟
قلت ، وطعم السيجارة يخنق أنفاسي :
- أكثر من اللازم .
وتركته يتكلم عن الضمانات الموضوعة للمشبوه فيهم في حالات الاحتفاظ تقديسا لحرية الفرد وصيانة كرامنه الجسدية . عن التصديق على الاتفاقيات المتعلقة بحماية حقوق الانسان وحرياته العامة بما في ذلك الاتفاقيات الخاصة بمنع التعذيب والعقوبات المهينة .
وقال كلاما كثيرا ...
وعدت للدوران مع الدراويش أصحاب الطرابيش العالية .
والحلقة تضيق ...
والسن المربوط في عنقي يؤلمني .
وعدت إلى رجلي المنتفختين من الضرب حد الانفلاق .
ولحمي المحروق بأعقاب السجائر .
وأنا أرقص مع دراويش " قونيا " رقصة " الملوية "
أدور معهم في حلقة الرقص .
أدووووووووووووووووووووووووووووووووووووووورر
وأدوووووووووووووووووووووووووووووووووووووورر
وأدوووووووووووووووووووووووووووووووووووووورر
حد الإغماء ...
والرجل الجالس قبالتي وراء الطاولة يقرأ في كتابه عن الرجم والقطع والقتل .
عن التعذيب والصلب والاحراق .
عن السلخ عند الفاطميين ، وحشو جلود بني آدم بالتبن وتعليقها فوق الأسوار .
عن جلد عظام الأموات .
عن قطع الغذاء والحشو بالماء المغلى .
عن الخنق بوسائد الحرير .
عن الشنق وسمل العيون ودس السم .
عن إدخال المغضوب عنه إلى حمام محمى ونسيانه هناك يوما وليلة .
عن دفن الأحياء في سراديب .
والرجل الجالس فبالتي وراء الطاولة يحكي عن فضاعات المعتضد والمعتمد ، والقاهر ، والحاكم بأمر الله ، وعن سيف الدولة وعضد الدولة ، والناصر لدين الله ، والمستكفي ، والقائم بأمر الله .
وعن ...القائمة لن تنتهي ، لهذا فضلت السكوت عن بقية الأسماء .... ) . ثم أدنى مني الكتاب وقال :
أنا مغرم بالمطالعة يا رجل . هل ترى تلك الكتب ؟ هي مكتبتي الخاصة . اشتريتها بعرق جبيني ، ولم تدفع الدولة فيها مليما واحدا .
أنا أعشق الأدب والتاريخ . على فكرة . هل تعرف "الشهيري " بطل رواية عبد الرحمان منيف " الآن هنا .... أو شرق المتوسط مرة أخرى " ؟ أنا متأكد من معرفتك به . لقد تدربنا سويا ب" أمريكا " لكنني لا أحبذ طريقة عمله . هو لا يعجبني كثيرا ، فهو رجل جلف ... بدوي يا أخي ..
لا يعرف القراءة ، ولا يحب الفنون .
ووضع الكتاب أمامي فقرأت الحروف المذهبة : " الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ، أو عصر النهضة في الإسلام " .
تركني أقرأ عنوان الكتاب وأعيد قراءته إلى رأى الملل في عيني ، فرفعه من على الطاولة ، وأعاده إلى مكانه في الرف وهو يقول :
- " آدم متز " مستعرب ذكي أعطى الحضارة الإسلامية حقها ، ولكنه جعلنا نبلع الدواء المر بعدما غلفه بطبقة رقيقة من الحلوى . هل سمعت تلك القائمة من الفضاعات التي كان أمراء المؤمنين يمارسونها ضد السجناء ؟
ومع ذلك أنا أعشق كتابات هؤلاء المستشرقين . أحسهم يتحدثون عن حضارتنا وديننا بدون عقد ولا خوف من سيف الرقيب الذي سينهال على أعناقهم لو تحدوا الحد المسموح به لدى الباحث المسلم . و... فجأة ، التفت ناحيتي وبادرني بالسؤال :
ماذا لو حدثتني قليلا عن تاريخ " الاتحاد العام التونسي للشغل " ؟ عن محمد علي الحامي وفرحات حشاد ؟
لقد بلغ سمعي أنكم تؤكدون أن " وكالة المخابرات المركزية الأمريكية " هي التي دبرت مقتل محمد علي الحامي في السعودية ، وأن فرحات حشاد قتله تونسيون ولم تقتله عصابة " اليد الحمراء " الفرنسية .
ما رددت على أسئلته واستفساراته فانتقل بالحديث إلى قلب الحدث . قال :
- من أين جئتم بالأسلحة التي كدسها أعضاء النقابات في مقرات الاتحاد بتونس وصفاقس وسوسة ؟
فانفجرت . جاء انفجاري عفويا . لم أخطط له . فقد عزمت على عدم الرد عليه ولو أرغمني على الكلام بفوهة المسدس ، ولكنني ما قدرت :
- هذا غير صحيح . إنه تدبير من ميليشيات " الصياح " . هذا افتراء على الشغالين .
فقال بهدوء عجيب :
- لا تغضب يا أخي . إنها مجرد أسلحة نارية خفيفة وبعض السكاكين والعصي الغليظة التي يمكنك أن تشاهد نماذج منها معروضة أمام هذه الغرفة .
ولما سكت . واصل ساخرا :
- هل صحيح كنتم تنوون الاستيلاء على السلطة بهذه الأسلحة البدائية ؟
ثم أضاف بعد قليل من الصمت :
- وأنت ، هل كنت تطمع في وزارة أم سفارة ؟
ولما استفزه سكوتي صاح :
- تريد أن تنصب لأسيادك المشانق في الساحات العامة يا ابن الكلبة الجرباء .
فجأة انتفض الرجل في مكانه ، وسال عرق غزير على جبينه وعلى عنقه ، واسود وجهه ، وانتفش شعر رأسه ، وكبر ناباه حتى أصبح الواحد في طول ناب " دراكيلا " ، وبدأت النيران في الخروج من خياشيمه .
قلت : هذا " دراكيلا " حقيقي .
واقشعر بدني ، فحاولت التماسك . لكنه لم يترك لي الوقت لشد أنفاسي ، فقد قام كالإعصار المدمر . اجتاحني بسرعة كبيرة ، فطرحني أرضا وغرز نابيه في عنقي .
وعضني عضا شديدا حتى فار الدم من الجراح ، فجثا على ركبتيه فوق جثتي ، وراح يلحس الدم ....
ودار دراويش " قونيا " حولي . حركوا طرابيشهم العالية ، وأمالوا الرؤوس يمنة ويسرة ، وبدأوا في الدوران . داروا حول أنفسهم ثم داروا حول العالم .وحولوا الأفلاك السيارة في سماوات الرب إلى تحت قدمي . ثم بدأت حلقة الرقص تضيق . وبدأت أختنق . والحلقة تزداد ضيقا . وأنا أزداد اختناقا ، فأحاول الصراخ لكن الصوت المقهور داخل الحلق لا يقدر على الاندياح . وأحاول مرة ومرة إلى أن ينفجر البركان ، فيغمر السهول والجبال ويغرق سفينة نوح وبوارج الأسطول السادس والغواصات الذرية والصواريخ العابرة للقارات وكل سفارات البيت الأبيض وجواسيس " الكريملين ومعابد الرب ونواقيس العذراء والمخبرين الصغار بمعاطفهم الشهباء ونظاراتهم العمياء والمتاجرين بأنياب الفيل والمارغوانا والحشيش المغربي وبكلاسين الفتيات الصغيرات وأكلة لحوم البشر وقرصان المحيطات والعمائم الحريرية وكتب التدجيل الصفراء وكتب الخطب الرئاسية والأناجيل المحدثة وأصنام الرؤساء المنصوبة في الساحات العامة .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:27 PM
عاقر / ق ق جدا / ابراهيم درغوثي/ تونس
03-06-2009, 11:49 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40592


عاقر

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس




يداها تستقبلان على مر الساعة أطفالا كأنهم اللؤلؤ والمرجان.
يصلون من هناك، من وراء الغيب بعيون مغمضة كعيون الجراء حديثي الولادة وأفواه صارخة.
تنظر القابلة للأيادي والأرجل الخابطة في كل الاتجاهات بلا مهارة، وينطلق من صدرها صراح مكتوم، إلا أنا...

محمد رشدي
23-12-2011, 06:28 PM
الديك الذهبي/ قصة قصيرة جدا / ابراهيم درغوثي / تونس
10-06-2009, 06:39 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40702




الديك الذهبي

فصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


تنام العيون المتعبة، عيون ربات البيوت ورجال الأمن
وحراس الليل ومتعهدي حفلات الرقص
وشبان النت ورجال الأعمال...
وتظل عينه ساهرة
تنتظر طلوع الفجر...
وصوته مجلجلا يذكر بالصباح الجديد.

محمد رشدي
23-12-2011, 06:29 PM
عاشقة في الأربعين / قصة قصيرة / مها عزوز / تونس
17-06-2009, 04:02 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40826


عاشقة في الاربعين

قصة قصيرة

مها عزوز / تونس


بماذا ستنعتها الالسن ؟ بما ستصفها العقول ؟ ما موقف الزوج منها و هي تخفي طي
الجفن طيف غيره ؟

ما موقف الابناء منها و هي ترى نفسها تاخذهم على شفا الهاوية ؟

تراقب نفسها في المراة الكبيرة في غرفة نومها

هذا الجسد؟؟

لم يعد له ذلك الهيف الساحر و هذا الصدر قد هدات هزّته و هذا الشعر اين حزم

السنابل التي لطالما بعثرتها يمينا و شمالا

انها تحس بالفعل ان هذا الجسد فد هدأ و لكنه ما خبا

مازالت هذه النظرة في عينيها تعنّيها

تتحاشى ان تجعلها تصادف اي عين غريبة ,,, تغرسها كلما سارت هنا او هناك

في الرصيف

تكاد تعد كل البلاط الذي يقلها من بيتها الى مقر العمل


و لكن العين ترتفع لتتلافى عثرات الطريق فتواجه عين المار في الطريق و عين

الزميل و عين المدير
تلاحظ ان الجميع يحرص على الالتقاء بنظرتها و الابتسام ابتسامة عريضة

تسمح لشفتيها بالانفراج وفي حركة لا ارادية تزيح شعرها الى الوراء تقبل على
الادارة تلاحظ ان الجميع يهب لخدمتها يناديها الجميع " ماادام ّ تتورد وجنتاها ,,,

يلتمع احمر الشفاه الذي حرصت ان تجعله خافتا

تحس ان موجة حر تلفها فيتضوع في المكتب مزيج عطور الصباح بدأ من جال

الاغتسل و انتهاء بالقطرتين اللتين توضعان خلف الاذنين


تغادر مكتب الزميل تعود الى مكتبها لقد حرصت منذ زمن ان لا تعمل معها الا زميلة انثى

و ازدادت اصرارا عندما ظهرت فتوى الارضاع في الازهر
تعودت اغلب الموظفات ان يمررن بها في مكتبها لانها القاعة الوحيدة الخالية رسميا من الرجال ,,, يجئن ينكتن

يضحكن يتبادلن اخبار ليلة البارحة بمآسيها و ملذاتها

يطرين انوثتها التي لم تزدها الايام الا شبابا تقهقه تقولّ انا امّكن انظرن الى سنواتي ا
لاربعين و لكنه اليوم جاءها صارما ليقول " من الان فصاعدا ستكونين السكرتيرة

الخاصة بالمدير الجديد

عادت الى مكتبها لم تقل شيئا كانت التعليقات الممازحة

التي تضمر حقدا تلاحقها
اخذت حقيبة يدها و ارادت الخروج و على الباب كان مدير القسم واقفا فسالها
مها الى اين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ما انتهت الحصة بعد
و خطتك الجديدة تفترض منك انضباطا اكثر
قالت و هي تتململ :
لست على ما يرام,,, سابعث وثيقة طبية , قد يتواصل غيابي اكثر من يوم انا فعلا مرهقة
لاحقتها ضحكة من زميلتها التي تقول
استعدادات جديدة ضرورية فالمدير جديد
لم تعرها اهتماما القت بجسدها وراء عجلة القيادة ادارت المحرك لم تفكر كثيرا الى اين ستقصد ذلك ان" الكليو" الرمادية قد تعودت على حالات تشنجها فسارت تتخذ الطريق الساحلية
الكورنيش" لي قروتّ" شاطئ الكهوف
مكانها المفضل

كان الوقت صباحا و قوافل العاشقين لم تهل بعد و المقاهي مازالت بطيئة الحركة لذلك فضلت ان تبقى بسيارتها و ان ترخي راسها على المقعد و ان تفكر بهدوء
ماذا يقع ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لها؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لحياتها ؟؟ لعقلها؟؟؟؟
الايامها القادمة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ بحياتها لم تكن على هذا الاضطراب الذي تعيشه الان ؟؟؟؟؟
ايصح ان تقول انها عاشقة ؟ ايمكن ان تصارح نفسها بهذه الحقيقة ؟
تعذبت صباح هذا اليوم وهي بين ذراعي زوجها ؟؟؟ احست

ا ن الكلمات تتمرد عليها ؟؟؟ للمرة الاولى تواجه نفسها هل كانت بين ذراعيه ؟؟؟ ام كان بين طيات جسدها ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لماذا تنكر ان تلك العاطفة قد خبت و منذ سنين ؟؟؟ لماذا
تحر ص على ان تجمل ما بينهما و قد اضحى قبيحا
تستمع الى صديقاتها و قريباتها و هن يقلن
الحب يخبو اكيد و لكن العشرة هي الاساس ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ و تضج نفسها العشرة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ماذا تعني ان تكون بنت اصول فتستمع الى صراخه فيها سخطه عليها تحميلها مسؤولية كل ما يقع له من مشاكل في الشغل و مع الاصدقاء و الطقس
؟ ان تصبر على فاقته اذا حل موسمها ان تعينه على تكديس الارباح اذا تفتحت مرازيب الثروة كل هذه امور لم تعنها يوما و لكنها تعودت على ممارستها و لكنها في هذه الايام تعيش شعورا مختلفا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الرجل الجديد في حياتها ؟؟ الذي دخل بلا استئذان ليبعث مشاعر قد اندفنت منذ زمان ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

تململت في مقعدها الوثير , عاودها الام و صعد الى حلقها كم من المرار . لقد استسلمت له
كان في امكانها ان تزيحه عنها
لكن قوتها كانت واهية , و كان جبارا جاء لتوه من غرفة الجلوس كان ينال حظا من الاشرطة الغربية التي لا يشاهد الا بعد ان ينام الجميع
تدرك جيدا انه لم يكن قد ركز انتباهه في مشاهدة الاشرطة بل و تعلم ايضا انه قد نام طول الوقت و لكنه قد اقتنص لقطة او لقطتين مما تبثه قناة م6 تكفي لتثير فيه كل ثورة العالم كل غضب العالم كل نقمة العالم و جاءها مغتاضا ثائرا غاضبا فجاة تحولت في عينيه الى كل الذين اساؤوا اليه يجب ان يطأهم يسحقهم كما اساؤوا اليه
اقبل عليها جاءها في دبر تالمت قالت حرام لماذا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ اي ذنب اقترفت في حقك ؟ لم يسمعها لانه كان لاه عنها ينتقم من اللصوص و الخونة و المتواطئين
عاودها الالم
انتابتها تلك الرغبة التي الحت عليها البارحة و هو ينزاح عنها في ان تلقي نفسها من الشرفة نظرت الى شجرة الكرم الوارفة تحت غرفتها ساءها ان تلوث الكرم بقذارتها تبينت زهيرات الزنبق اليضاء آثرت ان لا تفزعها بالفضيحة عادت الى فراشها تكورت على نفسها ابتلعت حبة منومة حبتين ثلاثا تعلم جدا انها لن تموت هي تعلم فقط ستصبح اكثر فتورا لا غير غطت في نوم عميق لم تفق منه الا على صوت المنبه يدعوها الى الخروج الى العمل
و في السيارة تجملت و بعثرت شعرها و و ضعت بعضا من احمر الشفاه
كات تعلم انها اشد ما تكون اغراء عندما يمتزج الحزن في عينها بهذا السعي الى التقنيع

رفعت خصلات شعرها الى الاعلى خفظت مرآة السيارة المعلقة في السقف اوهمت الفضاء من حولها انها تتفقد ماكياجها مسحت زاويتي عينيها فما ازداد السائل الذي سح منهما الا انهمارا و عاودها صوت امها و هي تلقي اليها في لهجة صارمة

" المراة الحريصة على زوجها تحفظ سره و لا تفضحه ,,, و اضافت بلا اكثراث
كل الرجال هم هكذا و كلنا نحتمل و نتناسى و نتجاهل "
هكذا قالت امها هذا الصباح فصرخت في وجهها ّ وهل حدث هذا معك ؟؟؟؟ّ"
فجاة رات القيامة تقوم و المقدسات تشهر و قميص عثمان ينشر على المنبر و اصوات المصلين يدعو على الظّلمة بعيد صلاة الجمعة و يعيبئ الجيوش للانتقام

تركت البيت وخرجت و قد اشتعلت الفتنة فيه ,,



ادارت المحرك تركت الساحل عادت أدراجها الى المدينة توقفت عند اول مغازة لبيع الملابس الداخلية النسائية
اشترت لنفسها قميص نوم قاني اللون بقماش مخملي دسته في حقيبة يدها و عادت الى الشغل

انتهى

محمد رشدي
23-12-2011, 06:31 PM
كنيش/ قصة قصيرة جدا لابراهيم درغوثي
13-08-2009, 05:47 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41587


كنيش

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي



كلب أمريكي صغير من فصيلة الكنيش يسير وراء رجل مخنث يمضغ الشوينغوم و يهز ردفيه في وجه العالم .
كلب أمريكي صغير، نظر من تحت شعر حاجبه الكث إلى نصب الحرية ثم رفع قائمته الخلفية اليمنى و... بال على قاعدة النصب.
كلب أمريكي صغير يعدو وراء رجل مخنث تحت أضواء الكاميرات في ساحة الحرية.

محمد رشدي
23-12-2011, 06:32 PM
الفانوس / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي
15-08-2009, 08:38 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41611


الفانوس

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي

مهداة إلى محمد البدوي



مدد العمال خطوط النحاس بين عواميد الكهرباء منذ الصباح وخصوا العامود المنتصب في شارعنا بفانوس يبرق تحت أشعة الشمس الزاهية وذهبوا في حال سبيلهم، بينما كنت مع أترابي من صغار الحي نحتفل بالنور الذي سيبدد عنا ظلمات الليل ونترقب غروب الشمس لتطلع شمسنا الجديدة كعروس الجن براقة تخطف الأبصار.
وغاب نهار طال حتى كدنا نيأس من غيابه، وعيوننا معلقة
بالسماء تستطلع تباشير النور الجديد.
لكن الظلام الذي ازداد حلكة، تكدس بثقله فوق الأجفان المشرعة والعيون التي أعياها الانتظار...

محمد رشدي
23-12-2011, 06:35 PM
صرخة قهر / قصة قصيرة / عتيقة كلفاع / المغرب
18-08-2009, 07:30 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41639


أنشر بين أيديكم هذا النص للأدبيبة الصديقة :
عتيقة كلفاع

هو نصها الأول هنا في منتدانا من المحيط الى الخليج

راجيا أن ترحبوا بها صديقة جديدة للمنتدى



صرخة قهر

قصة قصيرة

عتيقة كلفاع / المغرب


خط العدل آخر لمساته بوثيقة النكاح...وهو بدلك قد انتزع آخر خيط يربط تلك العصفورة المغردة من عش االابوين...وسيحملها قارب الزواج بشراع الحب المزعوم إلى بيت حبيبها.
طاطات غالية رأسها وعلت محياها حمرة الخجل' ثم تسللت لغرفتها تحت وابل من الزغاريد والأهازيج وكل درة بكيانها تزغرد من النشوة لاقترانها بسعيد فقد دفنت ولعها به أياما و شهورا وجفناها لم يداعبهما النوم....شوق الغرام تملك قلبها واسر عقلها ودب بين أضلعها ........... سعيد هو رجلها التي تطرب أذناها عند التقاط اسمه وتتكهرب يداها كلما صافحته والعين تغرق و تدوب في بحر الحب وهما يتبادلان كلام العيون فتستشعراطرافها تسبح في آفاق السعادة.
اقبل عيد العشاق أهداها وردة حمراء.....امسكتها بيدين مرتعشتين....طبعت عليها قبلة....اشتمتها بفؤادها قبل أن تدخل عبقها من انفها الدي استنكر كل رائحة الا روح الحبيب.سكرت بخمر الحب تمايلت وكأنها ترقص من الطرب اقترب منها سعيد وهمس لها
أنت القمر في دجاي وشمس ساطعة في سمائي....
تطلق آهة اهتز لها كيان سعيد وقالت: رأيت حبي في عينيك عصفورا محبوسا بين جدران مقلتيك....سجينا يأبى فراق سجانه ...عاشق حرية يرفض مغادرة قضبان زنزانته......سمعت حبي في قلبك نبضات تصدح بسيمفونية الحب لا يسمعها الا كل عاشق ولهان.
تحقق الحلم بعد شهور كأنها الدهور.....أقيم العرس احتفاء بقلبين تحابا حبا عنتريا وقيسيا.....حضرالمدعوون من كل فج عميق يتأبطون هدايا كل حسب ما استطاع إليه سبيلا...أما الأب فقد افرغ جيبه وأثقل كاهله بدين لن يتملص منه حتى آخر رمق من عمله...لاباس فالإسراف في الحفلات هو موضة العصر... وسيتكلم المدعوون ...ستتغامز النساء...تهمس امرأة وقد غطت فمها حتى لا يقرأ فضولي الكلمات على شفتيها.
الطباخة: لم تحمر الدجاج جيدا والحلواني لم يقم بحشو كعب الغزال باللوز بل فقط بالكاكاو الممزوج بنكهة اللوز انه زمن الغش.
تجيبها جارتها وهي تصلح هندامها وكأنها تتعمد إبهار كل نساء الحفل بدمالجها وخواتمها ....المسكينة لاتظن أن الكل يعرف انه الذهب الفالسو . لم تعجبني هده النكافة فنفسها مقطوع ...والتكاشط قديمة يشويني فيها نكافة.
يرقص الحاضرون ويترنمون على موسيقى الشعبي والعصري تؤديها فرقة الجوقة.....أما الجيران المساكين الدين لم ينلهم نصيب من الدعوة فالجفى والسهر حليفهم ورائحة الطعام تداعب أنوفهم وتدغدغ معداتهم.....
عاشت غالية مع زوجها أحلى أيامها..........مرت شهور المشمش...لم تفارق السعادة عشهما.. رزقا بطفلة جملت حياتهما..جاءت الثانية بدأ سحاب الحب الزائف ينقشع فسعيد يرغب بشدة في الولد ليرث اسمه...عجلت المسكينة. بالحمل الثالث..قصدت عيادة الطبيبة النسائية وكلها ثقة بأنه الذكر في أحشائها و معظم النساء يؤكدن لها دلك لان وجهها مشرق و بطنها مكور...على عكس حمليها السابقين.......تصعق بخبر الطبيبة بعد فحص الأشعة
(مبروك أنها عروس جميلة) وتعود لبيتها وهي تحمل خفي حنين وتجر اديال الحسرة والألم.....فيستقبلها زوجها بابتسامة ماكرة "بشريني اهو ولي عهدي".
تغرس رأسها ببن اضلعها وهي تحاول لملمة جراحها وتفادي غضبه وتقول: ليس بيدي بل الله هو الخالق. فهم قصدها فأجابها بقنبلة من الجفاء و الشرر يتطاير من عينيه...كانت كلماته كسنان انغرست بصميم قلبها: أنت وعاء للإناث فقط....سأتزوج امرأة أخرى... يطرق هنيهة ...تحسبه سيراجع كلامه...لكنه يستطرد قائلا: للأسف فهده المدونة الغبية ستحرمني من حقي الشرعي امتعضت غالية من كلامه الجارح...ذرفت مقلتيها دموعا تناثرت كاللؤلؤ على خديها المتوردين...قالت لا عليك يامن احبني ووعدتني بان أكون النور الوحيد الساطع في سمائه...سأعطيك الموافقة...و سأنتظر انبلاج الصبح لارتاح من هدا الكابوس الذي يطبق على صدري.
توقف الزمن عند هدا الحد.....كفت عقارب الساعة عن التمايل..وصل الضغط لفم القنينة لدلك ستنفجر تماما كالبركان ادا ثار وفار سيقدف حممه باحثا عن المتنفس..وستجرف وتحرق الأخضر واليابس تمنت غالية لو عادت القرون للماضي السحيق وعاشت في العصور الاميسية حيث كانت المرأة هي من تملك زمام الأمور تجمع كل الرجال الدين طارحتهم الغرام فتصوب على واحد منهم تعتبره الأب الحقيقي لأبنائها. هذه المرة لم يكن الليل طويلا بل مر كومضة برق.حسبت أنها ربما تعيش في حلم بيد أنها تفاجأ بسعيد وهو يرمقها بعيون متلهفة تستعجلها ومن يدري فقد تضعف وتتراجع استشعرت بجسدها وهو يغادرها..مشت برجلين مستعارتين...صمت أدناها..تعتم النهار أمام عينيها...تقلص حجم كل البشر من حولها..وقعت بيدين مرتجفتين على القرار..أجهشت بالبكاء فغادرت مهرولة للبيت هناك عبات نفسها وبناتها للموت .هي النهاية والشبع من الحياة حتى التخمة...أمسكت بناتها...وعدتهن بنزهة لو عرفن لاستعرن نعل الغول وطرن به هاربات….فتيات جميلات كأزهار النرجس.الأولى تتطلع لتدرس وتتخرج طبيبة وهي تعد أقاربها ببراءة الأطفال بمعالجتهم با وسائر المعوزين بالمجان ...الوردة الثانية تتمنى أن تصبح معلمة تقضي على آخر عتمات الجهل...ستاخد والديها للحج بسيارتها الحمراء..رسمتها في مخيلتها....فكيف ايتها الغالية ستقتلين نساء يعول عليهن بلدهن....سرعت الأم وتيرة خطواتها ويداها المتجمدتان قد اطبقتا على يدين صغيرتين ناعمتين تصرخ الملاك الأول ماما انك تؤلمينني ارجوك وتقول الثانية انتظري يا حبيبتي حتى يمر القطار فقد انحبست أنفاسي وارغب الان في استراحة تهاطلت دموع الام و من عيون جالت بها حولها وهي تتفوه باخر كلماتها وداعا يا دنيا وداعا ايتها الارض باهلها الظالمين وداعا احبتي يقترب قطار الموت....يدوي صفيره منذرا بموعد الحمام......انه الان عن كثب...ترتعد أطرافها....تضم فلدات كبدها........ترسم أخر القبلات على خدودهما....تصرخ الفتيات ماما احدري احدري القطار ابتعدي ابتعدي ترتمي وقد دفعت بناتها بقوة حتى لا تكع اوتجبن خيم الحزن على كل الكون....بكت الاحجار والأشجار وانكمشت الطيور في الأوكار وصلت قلوب البشر للحناجر ونطقت الالسن بالاستغفار لها من كل المنابر.....وستبقى قصة غالية خالدة في ذكرى كل امرأة قدرها أن لا تنجب إلا الإناث......كل امرأة عانت من حيف الرجل وتسلطه.....

محمد رشدي
23-12-2011, 06:36 PM
يوميات مجاز " عفوا زبال " عتيقة بواردي / المغرب
24-08-2009, 02:50 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41713


صديقتنا عتيقة مازالا تتعثر في الدخول الى المنتدى
لهذا سأنشر مكانها هذا النص الجميل
حتى تتعلم الدخول وحدها

وسأترقب ردكم على نصها



يوميات مجاز

"عفوا زبال"


عتيقة بواردي / المغرب


أفاق على المنبه اللعين الذي كره رنينه المزعج قبل صياح ديكة الحي الكئيب, "براريك" قاتمة حزينة كقلوب ساكنيها,يسمع ترنيمات جارهم السكير الذي عاد وقد بلغت منه الخمرة مبلغها,يغني تارة, ويسب ويلعن تارة أخرى " الله يلعن الحكومة اللي غلات علينا الدقيق , حتى الشراب (ولينا تنشربو الألكول) وحتى هو غالي". ; والزيت والخضرة
ضحك زبالنا المحترم مبارك و قال : العن من تشاء وكيفما تشاء فالحكومة لا تهتم بكلامكم ولا تخاف من البهائم مثلكم ولكنها لن تسمح بأبسط منه من لسان مثقف حكيم,فكل الحكومات تتمنى أن تموت ضمائر وعقول مواطنيها حتى لا يحاسبوها و يقفون لها شوكة في الحلق,لا تعجبوا من كلام هذا الرجل فهو مجاز في الحقوق وللأسف لم يتمكن من نيل حقه المستحق في العمل وهو الآن موظف مع البلدية كزبال بأول السلم وشتان مابين درجة سلمه ودرجات سلم الوزير أو النائب المحترم ,لا مجال للمقارنة بين جيب الأول النحيل وجيب الثاني المتضخم.

هيأت له زوجته الطيبة زينة المجازة أيضا في علم النفس إبريق شاي ووضعت بجانبه قطعة خبز اصلب من الحجر, فقد مضى على خبزها أكثر من يومين ,لن يفرطوا فيها بل يسدون بها رمق جوعهم , توضأ وصلى ثم التهم بعض القطع المغمسة في الشاي حتى لا تتأذى أسنانه أكثر مما هي عليه , ارتدى تلك الملابس الخاصة بالزبالين المحترمين ووضع القفازات اللازمة للشغل ثم ودع زوجته ,اطل إطلالة حنونة على أبنائه الذين استغرقوا في سبات عميق تحت موسيقى الإمطار وهي تنقر على السقف ألصفيحي , فقد ألفوا ذلك ولو قدر وتملكوا شقة كسائر العباد فأبدا لن تغمض لهم جفون لأنهم هناك سيفتقدون تلك الأصوات. تمتم وهو يرمي رجليه .خارج براكته: بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله , ومن هنا بدأ مغامرته النهارية مع عالم الزبال, تجلد رغم شراسة الصقيع وغزارة الأمطار وتوجه قاصدا البلدية ,هناك قام بعمله الأولي وهو تنظيف المقر المبجل, ثم امتطى الشاحنة ذات الروائح الخاصة مع صديقه صالح, العجيب في الأمر أن الابتسامة لا تغادر وجهه الوضاء ,ولسانه لا يكف من الجود على زملائه والمارة بكلمات تسليهم وتضحكهم.
شرع مبارك في تنظيف الأزقة والشوارع من قمامات وزبال تجود بها ساكنتها,ويظهر من ذلك أن هؤلاء يعانون من الشبع ولا مجال هنا للحديث عن أزمة الجوع .
"ذاك الزبال ابن الحرام (داز بكري) أو في الليل قبل ما نرمي الزبال", تلتقط أذن مبارك هذه الكلمات فيقترب من المرأة ويلقي عليها التحية ويأخذ من يدها حاويتها المتسخة وهي واقفة مذهولة لأنها تسرعت في الحكم وهو عائد لامتطاء الشاحنة,يسمع صرخات من امرأة "انتظر أيها الزبال"وتتمتم : "مالكم زربانين ياك تيخلصوكم على خدمتكم" ينظر إليها زبالنا المحترم نظرة استغراب ولا يجيبها فلا مجال لنقاش,غبي مع هذه المرأة المسكينة, لكن رجلا من سكان الحي يجيب وهو ساخط : ألا لا تتقوا الله في نفوسكم وفي هؤلاء الرجال الذين لا يعرفون لذة النوم ولا الراحة (باش يجمعوا ليكم زبلكم وديروا روسكم فبلاصتهم واش تقدروا تتحملوا ريحة الزبل؟ واش من خلاص علاش تتكلموا راه الأجر ديالو الشهري تخسروه في يوم واحد ).
يكبر مبارك هذه الشهادة من ذلك الرجل ولكن لو قالها ألف شخص آخر أو مليون ماذا سيغير ذلك في الأمر؟ الزبال هو الزبال والأجر هو الأجر والحال هو الحال والمستقبل له ولأبنائه مجهول ولكن شيئا واحدا يعزيه ويعطيه الأمل وحب الحياة هو يقينه بان الرزق في يد الله فلو كان بيد البشر لمات كل فقير ومحتاج ومقهور جوعا وعطشا لان المكلف بخزينة الأرزاق سيتعب لا محالة من..توزيع الأموال على أصحابها وسيستحوذ عليه الطمع تمر الساعات طويلة ومتعبة عند رجلنا المناضل ويعود لبيته عندما ينشر الليل أثوابه الحالكة....تستقبله زينة بابتسامة عريضة وترحيب يليق بالملوك وتدعوه لأخذ حمام لكم إن تتخيلوا كيف سيكون وسط دار صفيحية لا تتوفر على ابسط حقوقها لا ماء ولا كهرباء ولا دورة مياه ورغم ذلك يشكر مبارك ربه ويتناول مع أبنائه عشاء متواضعا وهم يمرحون ويتمازحون وبمجرد ما يضع رأسه على المخدة يستغرق مباشرة في النوم ولا ينتبه إلا على المنبه ليستقبل يوما جديدا من مغامراته مع الازبال .

محمد رشدي
23-12-2011, 06:37 PM
فطام / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي / تونس
31-08-2009, 08:11 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41817


فطام

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


مد الصبي يده إلى صدر أمه الرحيم وأخرج الثدي الممتلئ برحمة الرب
ثم قرب فمه الصغير بشفتيه الحمراوين اللذيذتين كحبتي كرز من حلمة الثدي
ولكنه ارتد كالمصعوق.
على الحلمة طعم لم يعتده، مر كما العلقم.
رفع ناظريه يبحث عن عيني أمه ، لكن وجهها كان في مكان آخر لم يقدر
على تحديده...

محمد رشدي
23-12-2011, 06:39 PM
هاتف جوال/ قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي
23-11-2009, 11:32 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=43048


هاتف جوال

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي

إهداء : إلى بلقاسم البوعمراني


أفقت على رنين الهاتف الذي كنت قد وضعته في أول الليل على الطاولة الصغيرة المنتصبة قرب سريري. كنت في برزخ بين اليقظة والنوم ، فقد اشتد سهادي ولم يغمض لي جفن إلا في الساعات الأخيرة من الليل فأسكت الرنين دون أن أفتح عيني وعدت إلى النوم.
في الصباح وأنا أراجع أرقام الهواتف التي اتصل بي أصحابها وأنا نائم ، وجدت رقمه وقد تكرر عدة مرات...
وتذكرت أنني غافلت المشيعين لجثمانه إلى القبر ودسست هاتفه الجوال بين ثنايا الكفن قبل أن يهال عليه التراب...

محمد رشدي
23-12-2011, 06:40 PM
بلاك ووتر / قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي / تونس
01-01-2010, 06:39 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=43506


بلاك ووتر

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس


لا ...
لا ...
لا تطلق النار... إنه كلب...
قالها بعصبية وهو يرفس رجل صاحبه الجالس معه في المقعد الخلفي من
سيارة الهامر التي كانت تشق شوارع المدينة الصامتة وسط ظلامها.
فأعاد رشاشه إلى وضع السلامة وهو يسب ويلعن.
لكن فجأة عاد صوته العصبي إلى الصراخ:
اضرب...
اضرب...
هناك ثلاثة أطفال يصوبون نحو السيارة بنادقهم الخشبية.
اضرب بلا رحمه هذه الكلاب السائبة...

محمد رشدي
23-12-2011, 06:41 PM
أسنان الشيطان/ قصة قصيرة جدا/ ابراهيم درغوثي/ تونس
10-01-2010, 08:39 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=43571


أسنان الشيطان

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي/ تونس

إلى فلاحي فلسطين

وقف والحسرة تأكل قلبه وهو ينظر إلى أسنان الشيطان
تغوص في قلب الأرض لتنتزع منها في بضع لحظات شقاء عمره.
وتمضي الآلة ذات الفم الجهنمي تاركة وراءها أشجار الزيتون
ملقاة بجانب حفر كالقروح المفتوحة.
ويظل هناك واقفا أمام المدى...وقلبه يضج بالغضب
وينضخ بالقيح والضغينة...

ابراهيم درغوثي
03-03-2012, 07:51 PM
ما اكبر هذا الجهد عزيزنا محمد رشدي
تستحق عليه كل الحب والتقدير

محمد رشدي
04-03-2012, 06:46 AM
ما اكبر هذا الجهد عزيزنا محمد رشدي
تستحق عليه كل الحب والتقدير


ولك من الحب والتقدير أضعاف مضاعفة أخي العزيز