المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملف قصص ناس حدهوم أحمد


محمد رشدي
18-12-2011, 11:23 AM
لوثة العيد
22-11-2007, 02:59 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=24393


[size=24:890c5e79e3][color=darkred:890c5e79e3]عباس كان مواطنا على قد حاله . متزوج بعائشة . لهما ثلاثة أولاد أكبرهم لا يتجاوز السبع
سنوات من عمره . عباس يشتغل ( شغلانة) على قد الحال مثله . عباس رجل طيب يحب
أولاده لكن زوجته عائشة غير راضية بمستوى العيش الذي يوفره لها.ولأنها شرسة يملؤها
الطمع والخبث فقد نغصت عليه حياته وجعلته لا يتعلق بالحياة إلا من أجل أولاده الصغار
الأبرياء . طلب عباس من مشغله يوما أن يرفع له أجرته الى الحد الأدنى للأجور الذي
يضمنه القانون ولا يضمنه . فكان رد المشغل ( إذا لم يعجبك الحال بإمكانك ترك مكانك
لأولائك الذين ينتظرون خارج الورشة بفارغ الصبر ) فحمد الله السي عباس على المكتوب
كما يسميه هو نفسه.
أقبل عيد الأضحى ( المبارك ) وعباس ليس في جعبته ما يوفر به أضحية العيد التي
بالضرورة ترضى بها زوجته التي لا تجيد الا النكد حتى أصبح من عادتها . دق باب مشغله
طالبا قرضا فرده على أعقابه حسيرا . بدأ يستعرض معارفه وأصدقائه فلم يجد ولو واحدا
منهم باستطاعته تلبية طلبه . وفجأة أشرقت في ذاكرته فكرة اللجوء الى أبن عمه الطيب
الذي كان فعلا رجلا طيبا بالفطرة وقريبا يراعي رابطة الدم والقرابة . قصد عباس إبن عمه
وهو كله أمل بينما العيد لم يبق له سو ى أسبوع واحد بالتمام والكمال . قصده بالمدينة
المجاورة والقريبة لمدينته وأذناه يتراجع فيهما صدى لصراخ وضجيج أولاده بشكل مرعب
كلمات كان يسمعها كلما دخل البيت وهو منهوكا من عمله الشاق ( الحولي أبابا الحولي
أبابا ).
وجد عباس ضالته عند إبن عمه الطيب فلم يعد من عنده بخفي حنين بل رجع لبيته ومعه
أضحية العيد بجيبه في شكل مبلغ سمين يضمن الأضحية ولوازمها وفوق ذلك زوده الرجل الطيب بكلام كله مودة وإنسانية مفاده أن لا يستعجل إرجاع المبلغ متكلفا وأنه يمنحه
المهلة الكافية لذلك مهما طالت هذه المهلة .
كان عباس سعيدا لا تسعه الفرحة وهو يحضر الأضحية للبيت منتشيا ببهجة الأطفال
بالكبش الذي وصفته عائشة ب ( انه يحمر الوجه ) لكنها أضافت ساخرة ( كيظهر شيحمار
مات ) لم يدر عباس كيف تحولت الفرحة في داخله الى غصة حزن مبهم وشعر أنه في حاجة ماسة للبكاء .إختفى في المرحاض وأقفل عليه الباب واسترسل في نوبة هستيرية
من البكاء الحاد.الى أن شعر بارتياح كما لو أنه إغتسل من جميع همومه .
في الغد قامت عائشة باكرا ليس كعادتها وأحضرت الشعير للكبش فأكل الى أن شبع ثم
زودته بعد ذلك بإناء كبير من الما ء فارتوى لكن بعد دقائق معدودة إختنق وسقط أرضا لم
تدر ما تفعله إلا الإستغاثة بالجيران وما أن حضر أحدهم حتى كان الكبش قد فارق الحياة.
مساءا لما حضر عباس وأحضر العلف للكبش شعر بهدوء غير عادي فإذا به أمام الأمر
الواقع . لم يستسغ ما أخبرته به زوجته . دخل المطبخ ولم يكن حينئذ في وعيه فقد أفقده
مرض السكر ي صوابه ثم إلتقط يد المهراز النحاسي الذي يستعمل لطحن التوابل
بالطريقة التقليدية ثم خرج من المطبخ واقترب من زوجته وهو ى عليها بيد المهراز على رأسها فغابت عن الوعي دون أن يندلق الدم . تعالى صراخ الأطفال . إجتمع الجيران
ماتت عائشة . مات الكبش . ولم يمت عباس . تفرق شمل الأسرة . عباس في السجن
وعائشة في القبر . والأولاد في دار الجمعية الخيرية الإسلامية كما يسمونها .[/color:890c5e79e3][/size:890c5e79e3]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:24 AM
عشوشة والعيد
22-11-2007, 06:31 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=24402


[size=24:956914a004][color=darkred:956914a004]بالكاد إستطاعت عشوشة أن تتدبر مبلغ الأضحية . لقد أقبل عيد الأضحى ولم يبق له
الا أياما معدودة .
زوجها مريض وطريح الفراش منذ أشهر طويلة .وعمله بالأوراش لم يكن ليضمن له أي
حقوق تذكر . فتحملت عشوشة أعباء الأولاد ومصاريفهم لوحدها لأن لا أحد من أقاربها
كان ليساعدها .لأن هؤلاء الأقارب بدورهم لا حول لهم ولا قوة ( كلشي كيقول راسي راسي) . هكذا كانت تردد دائما .
جمعت عشوشة نفسها ودست المبلغ في محفظتها وتطوع أحد صغارها لكي يرافقها
الى سوق الأكباش بضاحية المدينة . فوضعت يدها في يد صغيرها عادل وقصدا معا
السوق وهي تتمتم بعبارات غير مفهومة تدعو الله لكي يسهل لها في أضحية تكون على مقاس ما بمحفظتها من أوراق مالية قليلة جمعتها بمشقة الأنفس .
حقق الله أمنيتها إذ للتو تمكنت من إيجاد خروف بثمن أقل مما كانت تتصور .حمدت الله
على الفرج وعمت الفرحة قلبها وقلب فلدة كبدها .كان السوق يعج بالكسابة والمشترين
والحمالين واللصوص وسيارات النقل وكانت الفوضى تضرب أطنابها في كل أرجاء السوق
غياب التنظيم وغياب حراس الأمن . الفوضى والهرج يعمان المكان فتشعر إن كنت إنسانا
كأنك في عالم سريالي عالم أهبل ومجنون .
كان على عشوشة أن تساوم سيارات النقل .الذين تمتليء بهم أماكن معينة بجانب
من جوانب السوق .فتركت طفلها عادل يحرس الخروف ريثما تعود اليه بعد تأمين مكانها
بسيارة النقل الجماعي حيث يختلط الخرفان بالبشر .
عادت مهرولة بعد أن حجزت المكان للخروف ولها ولإبنها .لكنها لما وصلت حيث عادل
يبست في مكانها .
الطفل يبكي . ولا أثر للخروف هناك .تطوع أحد اللصوص ليشرح لها كيف تمت عملية
نشل الخروف من عادل . لكن عشوشة لم تشعر - وبحركة لا إرادية - إنقضت على صغيرها بكلتا يديها . طوقت عنقه الغض . وخنقته ولم تتركه إلا وهو جثة هامدة .[/color:956914a004][/size:956914a004]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:25 AM
الكبش القاتل
23-11-2007, 02:14 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=24437


كان عيد الأضحى عل الأبواب . السيد قدور يوفر لأسرته - المتكونة من زوجته وطفلتهما
في ربيعها الثالث - حياة مترفة بحكم عمله في التجارة التي تدر عليه أرباحا طائلة .
أوصت الزوجة رجلها بأن يختار لها كبشا قويا وجامحا بقرنين ملتويين فكان لها ما أرادت .
أدخل قدور الكبش الى البيت السعيد قبل يومين من حلول العيد السعيد . تم ربط الكبش الجامح من طرف الحمال في فناء البيت الواسع لكن الحمال لما أوثق الحبل في
صارية من صوار ي الفناء ترك العقدة مرتخية وسهلة الفسخ .وبينما كانت الطفلة البريئة
تلعب في فناء الدار منشغلة بالكبش ومسرورة به . كان الكبش المتمرد يجر الحبل راغبا
في التخلص منه كانت العقدة تنفسخ شيئا فشيئا . وكان تحرش الطفلة به يزيده إصرارا
على التخلص من مربطه . في حين كانت الأم منهمكة في إعداد ( شهيوات العيد )
مع الخادمة داخل المطبخ.إنفرط مربط الكبش فصار حرا طليقا والصغيرة أمامه غير عابئة
بخطورة تحرره.
ضرب الكبش برجله القوية على أرضية الفناء وزفر زفيرا صعدت معه فورة من البخار الساخن من أنفه وانطلق بسرعة فائقة نحو الطفلة ونطحها بقوة ورمى بها نحو الجدار
فارتطمت به وانكتم نفسها وفاضت روحها الصغيرة .
صرخت الأم
انتشر الهلع في البيت
حضر قدور للتو
فقد الرجل صبره وأعصابه
صب البنزين على الكبش وأضرم فيه النار.

محمد رشدي
18-12-2011, 11:26 AM
رمضان والقلة
23-11-2007, 02:39 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=24438


زار الطبيب . ورمضان على الأبواب .
بعد الفحص تبين للطبيب أن عبد السلام يعاني من عدة أمراض مثل
السكر ي
وضعف القلب
وسوء التغدية
أوصاه بأن يقف عن الصوم خلال هذا الشهر ( الفضيل )
لأن الصوم يضر بصحته .ولما رأى الطبيب علامة إستفهام تطل من عيني عبد السلام
أضاف
إن الله سبحانه وتعالى يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر
وهو نفسه أعفانا من الصوم كلما كنا في حالة مرض أو سفر الخ.....
هز عبد السلام رأسه موافقا وخرج والوصفة الطبية بجيبه لكنه رمى بها جانبا واستهزأ بكلام الطبيب ونصائحه قائلا بصوت مسموع
الطبيب هو الله .
دخل شهر رمضان فصام عبد السلام اليوم الأول واليوم الثاني فتدهورت صحته لكنه لم
يأبه .
خلال اليوم الثالث خرج من بيته وبيده قلة مصنوعة من الفخار من أجل ملئها بالماء . لأن بيته المتواضع لا يتوفر على الماء
ملأ القلة من صنبور الحي. كان ذلك قبل آذان المغرب . أراد قطع الطريق السيار
وفجأة داهمه طفل بدراجته الهوائية وصدمه صدمة لم تكن عنيفة .سقط عبد السلام أرضا
فاضت روحه للتو كأنما كانت تنتظر سببا ما . لكن القلة لم تتكسر .
ربما لأنها لم تكن مريضة وصائمة كعبد السلام .

محمد رشدي
18-12-2011, 11:27 AM
هدية حلم للأستاذ بونيف
24-11-2007, 09:49 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=24510


[size=0][color=darkred:d99401e744]كنت نائما فحلمت هذا الحلم
كانت السماء بهية بجمال لم أر قط مثل جمالها
البدر في أحلى صوره ينير الكون والفؤاد
وأنا مشدوه بما أراه
كان البدر يتوسط حلقة من النجوم تحوم حوله كما يحوم المدعوون بعروس ليلة زفافها
كانت السماء بهية ببهاء لا أستطيع وصفه
فجأة تمزق البدر الى قطع متناثرة
إنكتب إسم الله على صفحة السماء المضيئة بالبدر الساطع
بقيت قطعة واحدة من هذه الأشلاء المتمزقة
إعتلت إسم الله
واستقرت في رقم 1 فوق كلمة الله
ثم إستيقظت من الحلم
وتساءلت لماذا ا لرقم كان أعجميا ولم يكن عربيا
سؤال حيرني ولحد الآن لم أجد له جوابا .[/color:d99401e744][/size:d99401e744]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:28 AM
قصة مهداة الى الأخ الكبير مصطفى مراد
25-11-2007, 10:51 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=24565


[size=24:e2587e1650][color=darkred:e2587e1650] قصة حقيقية
......................

خرجت من مكتبي لكي أشتري بعض الأوراق بينما تركت زبنائي ينتظرون لكي أحرر
لهم عقدا تجاريا . في طريقي نحو المكتبة القريبة من مقر عملي أوقفني مواطن مغربي يهودي وهو رجل طاعن في السن يسكن بالجوار . أحيانا كنت أرى بعض
المواطنين من أهل الحي يشاكشونه ويضايقونه بكلام يجعله يغضب حينما يذكرونه
بصدام وكان ذلك يغيضه وفي الحقيقة كان هذا العمل المشين يغضبني أنا أيضا
لأن الرجل ولو أنه يهودي بالنسبة الى هؤلاء . كان بالنسبة الي إنسان ولا تهمني عقيدته
وفوق ذلك فهو مواطن مغربي . وكان ذلك أثناء الحرب على العراق .
أوقفني هذا الرجل وطلب مني أن أخدمه أن أحضر له خبزة من المخبزة القريبة من
مكتبي ومن بيته . وقد إشتكى لي ضعف صحته لأنه لا يستطيع المرور في بهو يؤدي
نحو المخبزة لأن به بعض الأدراج التي لا يقدر رجل مثله طاعن في السن على إجتيازها
قلت له أن ينتظرني لحظة وعدت أدراجي وطلبت الإذن من زبنائي بعد أن شرحت لهم
الموقف . ثم إلتحقت به لكنني لم أجده في إنتظاري بل التحقت به أمام باب داره يهم
بالدخول فناديته سيدي سيدي لأنني خشيت أن تغيضه كلمة اليهودي .
إلتفت الي ثم إقتربت منه وقلت له أنا في خدمتك . أخرج من جيبه ثمن الخبزة ثم
أردف
خذ أيضا نصف درهم إضافي فلربما تكون الخبزة قد زيد في ثمنها . قلت له لا عليك.
أسرعت الخطى نحو المخبزة فوجدت الباب مقفولا . طرقت الباب ففتح لي على التو .
كان هناك مستخدمين يعرفونني لأنني معروف لديهم ولدى المدينة بكاملها .قلت أريد
خبزة . وكان المكان داخل المخبزة والمخصص لبيع الخبز - فارغا - لكنهم تدبروا أمر ي
ودخل أحدهم وأخرج لي خبزة ولم يرغب في أخذ الثمن . لقد كانوا شبه أصدقاء ولهذا
لم يرغبوا في أخد ثمن الخبزة . شكرتهم وعدت أدراجي نحو السيد الذي كان في
إنتظار ي وكذلك وجدته . أعطيته الخبزة . فبادرني
دعني أقبل هذا الرأس - يقصد رأسي - أحسست بالخجل لأن السيد طاعن في السن
وأنا اصغره بكثير . قلت له لا يصح ياسيدي أن تقبل رأسي فأنا أصغر منك وأنت
رجل طاعن في السن . وأضفت
أنا الذي يجب أن أقبل رأسك فقبلته لكنه بقي مشدوها من تصرفي
عدت الى مكتبي وأنا سعيد بما قمت به .
.................

ملحوظة
كتبت هذه القصة الحقيقية بارتجال ولهذا أعتذر للأخوة إن كان بها خطب .[/color:e2587e1650][/size:e2587e1650]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:29 AM
رؤيا مهداة لأستاذي الحاج بونيف
30-11-2007, 10:12 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=24807


[size=24:1e1b188c35][color=darkred:1e1b188c35]كنت أمشي في درب طويل لا مخرج لي منه
وفجأة وصلت الى آخر الدرب ووجدتني عند مفترق الطرق
وقف أمامي أوطوبيس أنيق وجديد يلمع وبدا لي كما لو أنه مثل حافلات الغرب الجيدة
انفتحت بابه في وجهي بطريقة أحدثت صخبا مصفقا بشكل ملحوظ
ثم اعتليت وامتطيت الحافلة
أوصلتني أمام بيت عربي كبير صباغته بيضاء بالجير
بينما وأنا أهم بالدخول التقيت امرأة تحمل طفلا بيدها اليمنى لم أبال بذلك ثم ولجت
البيت .
وجدتني دخلت حجرة واسعة فإذا بي أمام كرسي عادي وبسيط لكنه كان عرشا
لم أر قط في حياتي كرسيا مثله بسيطا ولكنه عرشا حقيقيا ( الدموع تنهمر من عيني
الآن وأنا أكتب ) أحدهم داخل السيبر شعر بي ولا أحسبه الا متعجبا من أمر ي لأنه
بالتأكيد لا يفهم ما يحدث لي .
كان شيخ كبير السن يجلس على هذا العرش يلبس قشابة مغربية بيضاء وبلحية
تصل الى صدره بيضاء كالحليب أو كالثلج كان غاضبا مني حينه كنت أنا جالسا على
أريكة فإذا بصبية صغيرة أنثى وضعت رأسها على فخدي كأنها تريد النوم مسندة راسها
على فخدي فتنحيت جانبا فبدأت تبكي تبخرت الطفلة ولم تعد موجودة .
نظرت الى الشيخ الذي كانت عظمته جلية لقد كان شخصا بهيا ورائعا لكنه كان غاضبا
مني ولكنني فهمت لتوي أنه يحبني . استويت واقفا وأردت أن أسأله عن وجود الله
لكنه ولى وجهه عني وفجأة ظهر شخص كما لو أنه هو الذي سوف يجاوب عن سؤالي
كان أسودا فاحما وطويلا وعريضا نظر الي ورفع كلتا يديه ثم أشار لأرضية الحجرة قريبا
منه فإذا بموقد من النار يستو ي على الأرضية التي أشار نحوها ثم ظهر قضيب من
الخشب في يديه وقال لي كلاما ليس هو كلامنا أو كلام نفهمه أو سمعته كان لغة
لا تشبه أية لغة فجاوبته متحديا بنفس لغته التي لا أفهمها . حينئذ وجه الي كلاما
عربيا قائلا
ألا تلعن الشيطان ؟ ألا تلعن الشيطان ؟ ألا تلعن الشيطان ؟ - ثلاث مرات -
ثم أضاف
بهذا سوف نكويك ووضع القضيب في النار وأخرجه للتو ثم أصابني به في رجلي
فشعرت بالألم الحقيقي واستيقظت مذعورا وقفزت من فراشي قفزة جعلتني أصدم
رأسي بسقف الحجرة التي كانت صغيرة وسقفها يزيد قليلا عن وقفتي . لأنها حجرة
صغيرة في سطح المنزل كنت أنام فيها وأسهر فيها على القراءة بعيدا عن أهل البيت عن
أسرتي التي كنت أعاني من سوء تفاهم معها. [/color:1e1b188c35][/size:1e1b188c35]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:33 AM
حلم يدعوني فيه والدي رحمه الله للدخول الى مسجد الحي
30-11-2007, 10:26 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=24809


[size=24:c91c6a8c7a][color=darkred:c91c6a8c7a]كنت أمر في طريقي أمام مسجد الحي الذي أسكنه
نظرت الى باب المسجد فرأيت والدي رحمه الله واقفا ببابه الرئيسي

دعاني الى الدخول بإشارة من يديه
فقلت له بصوت مسموع
أنني لست على وضوء
غضب وتنحى بوجهه عني ثم عاد أدراجه الى داخل المسجد
تبعته ولما دخلت وجدت نفسي أبحث عن حدائي
حضر بعض المخلوقات عرفت للتو أنها جاءت من الآخرة
شرعوا في البحث معي عن حدائي
فجأة وجدناه وسط إناء مملوء بماء صافي ولامع كالبلور
شكرتهم ودسست يدي في جيبي فأخرجت ما عندي من دراهم
وأعطيتها لهم ثم إنصرفوا ( كانت ثلاثة دراهم بالتمام والكمال [/color:c91c6a8c7a][/size:c91c6a8c7a]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:34 AM
النفاق
06-12-2007, 12:19 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=25071


[size=24:df2348ede7][color=darkred:df2348ede7]لا يعجبني النفاق
حياتي كلها كانت ضد النفاق
ولا أريد أن يكون المنتدى فيه قليل من النفاق
وإلا إنسحبت دون أن يسحبني أحد
أنا هكذا أريد الوضوح
فهل من وضوح
ولا أخفي عنكم أنني حاليا سكران
ويمكن لكم الآن أن تكونوا في حالة صلاة
وهذا لا يغير شيئا مما تريدون أو ما أريد[/color:df2348ede7][/size:df2348ede7]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:35 AM
إعترافات إمرأة
19-12-2007, 06:15 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=25854


[size=24:4d249beef4][color=darkred:4d249beef4]قبل الزواج
-----------------
قبل أن أتزوجه كنت قد تعودت على رؤيته من حين لآخر . فتثيرني عيناه الحز ينتين
وكان الحزن يضفي عليهما بهاءا وجمالا . غير أنني لم أكن أظن أن هذا الرجل الحزين
سوف يصبح زوجا لي في يوم من الأيام.
فبسبب تضارب الآراء حول شخصيته وأخلاقه . وبسبب إختلاف الناس في الحكم عليه
قررت أن أتصل به وأتقرب إليه وعللت ذلك مع نفسي بخلفيات مشبوهة .فقد كنت
أرملة بعد أن أعفيت ثلاث رجال من خدمتي .وكنت متعطشة لرجل غير الرجال الذين تزوجتهم أو عاشرتهم .فقد كنت دائما شادة في سلوكي وخصوصا مع الرجال. لأنني لم
أكن أجد فيهم مبتغاي .لذا بقيت أنتظر الرجل الذي يخفف عني وحشتي . كما كنت أحتاط من السقوط في أحضان من هب ودب خشية مغبة الندم .ولسيما وأنا جربته مرارا
وتكرارا لشدة تهوري .
ثم استقر إختياري على أحمد . الحزين المتكبر . واتصلت به .. كان اتصالي به مفاجئا له
إذ أحسست ذلك من نظراته الجميلة والحزينة . إنه يرتاب في أمري .. لكنه إستسلم
ودلج معي دارا من دور السينما بالمدينة .. وكان بودي أن أعفيه من أداء كل المصاريف
لعلمي بالفاقة التي يتخبط فيها . لكنه سبقني بإصرار وسدد كل المصاريف وفهمت للتو
أنني أمام رجل عجيب .. فقد وجدته بعدئذ مترفعا عن متاع الدنيا ولا يعرف الطمع اليه
سبيلا .. كرامته تأبى أن تمس شيئا هو أصلا للغير .لكن أشياءه وحقوقه كان يتصرف فيها
بسخاء يصل حد التبدير .
داخل السينما عرضت عليه خدمات يسيل لها لعاب غيره وعرضت عليه فلوسي ليتصرف
بها من أجل منفعته ..لكن مع الأسف كان رده مخيبا لتوقعاتي ..فقد رفض العرض وأبى
الخضوع للإغراءات .
لم أنم تلك الليلة
فقد كان رفضه شيئا مثيرا لأنوثتي فوجدت نفسي أمام طريدة صعبة .. فقررت أن أنتصر
عليه وأحقق غريزتي وصار في نظر ي أكثر إشتهاءا من ذي قبل . المهم هو أن أكون له
أن يعتصرني بين أحضانه ليفعل بي ما يشاء ..إنني جاريته .. هكذا كنت أفكر .. تفكير
إمرأة شادة تريد أن تشرب من نار الحب من خلال الرجل الذي وجدته مختلفا .. بعيدا
كل البعد عن رجال الساعة .
صرت شبه مجنونة مفتونة بمن تعلق قلبي به ولم يكن يخطر ببالي أن هذا الرجل سوف
يكون زوجي .... وبدأت القصة أو الحكاية . ( يتبع )[/color:4d249beef4][/size:4d249beef4]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:37 AM
القديس
19-12-2007, 06:49 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=25856


تعرفت عليه بعد أن كنت قد سمعت عنه الكثير من النعوت ... بعضهم كانوا ينعتونه
بالكافر ..والبعض الآخر بالمعتوه أو ( المسخوط ) وقلة قليلة من الناس كانوا يطلقون عليه
القديس .
لكنني لما عاشرته وجدته أقرب إلى القديس من أي شيء آخر .
فقد وجدت روحه حالمة وطيبة ومرهفة لدرجة فظيعة . لقد كان يدرك كل حركات الناس
وما يدور بخلدهم وبسرائرهم وكان يفهمني ويفهم ما يدور برأسي دون أن يكون مطلعا
على أحوالي .. ذكاؤه خارق للغاية يصيب دون أن يخطيء . وإذا حدث وأخطأ فإنه لم يكن
ليخطيء إلا في حق نفسه .وقلبه كان دائما مفعما بالحب لمن ( لا يحبهم أحد ) هكذا كان
يقول لي
أحب الفقراء والمضطهدين أحب المنبوذين والمعتوهين والحمقى .
كانت حجته في ذلك أن هؤلاء هم الأولى بالحب والعطف لأنهم محتاجون إليه ..أما الأقوياء
والسعداء لا أظنهم يحتاجون لذلك ..فأجدني والحالة هذه أمام منطق متين أمام شخص
ليس ككل الأشخاص . ولسيما والحق يقال
فأنا خبرت الكثير منهم حتى أصبحت وثيقة زواجي أطول وثيقة زواج لكثرة العقد والفسخ.
وقد قلت له ذات مرة بأنه الزوج الوحيد الذي وجدت فيه نفسي فضحك مليا ولم يصدق
رغم أنني كنت صادقة معه إلى درجة التضحية بحياتي من أجله .
قلت له ذات يوم أحبك ياأحمد
كان رده مخيبا لرجائي
قال لي
أنت وحش ..والوحش لا يعرف الحب
وذات يوم سألني هو سؤالا لم أكن أتوقعه
أنت سعيدة معي ؟
فترقرقت الدموع في عيني وأحسست بغبطة عارمة تملأ وجداني وقلت له
انا بجانبك أسعد إمرأة في العالم
ما أن سمع جوابي هذا حتى إنفجر باكيا بكاءا هستيريا حادا .. أدهشني لدرجة أنني
لم أفهم سبب هذا البكاء ولا الخلفيات التي كانت مستترة من ورائه.
بصراحة لما تزوجته شعرت أنني تزوجت فعلا . فقد بدت لي حياتي الماضية مع الرجال
الذين تزوجتهم من قبله . سخيفة وخسارة فظيعة
إلا أنني لم أستطع الإحتفاظ به فقد كان يطلقني بدون سبب ودون أن أقترف في حقه
ذنبا صغيرا أو كبيرا .ولما وصلنا الطلقة الثالثة أحسست أنني سأضيع بدونه وكانت آخر ليلة معه.. وكان آخر سؤال وجهته اليه
هل تحبني ياأحمد ؟
قال هذه المرة صادقا
أحبك أحبك ( بزاف ) وكانت الدموع تنهمر من عينيه الحزينتين
ثم افترقنا إلى الأبد ..

محمد رشدي
18-12-2011, 11:37 AM
مصممة أز ياء
21-12-2007, 10:46 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=25958


[size=24:a7349485bb][color=darkred:a7349485bb]عاشرته لمدة سنتين قبل أن نبرم عقد النكاح كما يسمونه . كنت أعيش معه ببيته في حجرة صغيرة على سطح المنزل . بينما أسرته تشغل الطابق الأول من البناية المتواضعة
أما الطابق الأرضي فكانت تسكنه عائلة مقابل سومة كرائية غالبا ما تدهب الى جيب
أحمد كمصروف يتدبر به أحواله. كنا سعيدين بتلك الحجرة الصغيرة . مساحتها لا تزيد عن
مترين على ثلاثة أمتار . كتب مبعثرة هنا وهناك . كلها تقريبا كانت لمفكرين وفلاسفة
وشعراء وروائيين أجانب . فراش متواضع جدا محشوا بالحلفة كان يدس الجرائد تحته
إتقاءا للبرودة. وكرسي صغير يستخدمه كطاولة يضع عليها بعض أغراضه .
كان عاطلا عن العمل . وحتى ما إذا افترضنا أنه وجد عملا . فإنه لم يكن قادرا على
التكيف مع الواقع ..فقد كان طبعه ومزاجه مختلفين . كان يغضب لأتفه الأشياء . فلك أن
تتصور عندما كنا متزوجان ذات يوم كان يقرأ رواية - الزوج الأبدي - لدوستفسكي الروائي
الروسي الكبير ..وكنت أنا أقوم بعملي المنزلي ففتحت صنبور الماء لغسل بعض الصحون
فأحدث ذلك صخبا أقلقه ثم إنفجر غاضبا وبكل سهولة طلب الطلاق . وفعلا في الصباح
تم الطلاق . لكننا عدنا معا للبيت كما لو أن شيئا لم يكن ..إلى أن عدنا من جديد لإعداد
وثيقة أخرى تلغي الطلاق.
كانت أفكاره يسارية متطرفة ومعارضة لكل ما يراه هو ويشعر به في المجتمع وكان لكل
ذلك أسبابه لأن معارضته للواقع كان لها ما يبررها . وهذا ما كان يجعله مستهدفا وملاحقا
ومراقبا ولسيما والمجتمع يمر بأحداث سياسية خطيرة وكان الجنرال أوفقير يسيطر على
دواليب النظام ووزارته هي أم الوزارات .
كان يبعث ببعض نصوصه الأدبية الى الجرائد الوطنية وبالخصوص جريدته المفضلة آنذاك
- المحرر - فما أن نشرت له لأول مرة حتى كاد أن يغمى عليه فرحا وكان قلبه يدق
بسرعة غير طبيعية . هكذا كان أحمد لما عرفته وأحببته . رغم أننا لم نكن متزوجين
بعد إلا أننا كنا نعيش كالأزواج . وقد تسبب لي ذلك في مشاكل قصوى مع أهلي
لكنني كنت قادرة على الوقوف في وجه التيار فهدفي الوحيد كان هو الإحتفظ به الى
الأبد . كنت قوية بمهنتي كمصممة أزياء وخياطة من الدرجة الأولى . فرغم وجود بيتي بحي
شعبي إلا أن زبوناتي كن يلتحقن به زرافات زرافات . وكان هذا العمل يدر علي دخلا جيدا
وكنت بذلك حرة في نفسي وأتمتع باحترام الجميع وإعجابهم . وعرفت حينئذ أن ضعف
المرأة في فقرها واعتمادها على الغير .
مرارا طلبت منه أن يتزوجني لتفادي كلام الناس وكان هو يبرر عدم موافقته في كونه
عاطلا بدون عمل ولا يقبل بأن تصرف عليه زوجته . وكنت أتفهمه . فهو رغم فقره وفاقته
كان يمتنع عن أخذ مصروفه مني في حين كنت أنا أدس له مبلغا بسيطا تحت مخدته
كلما غادرت الحجرة الى بيتي الذي غالبا ما كنت أجد من تنتظرني .وقد كانت أغلب الزبونات
موظفات وزوجات لأشخاص مهمين بالمدينة ومنهن من كانت في منصب النيابة العامة أو
قاضية حتى .وهذا ما جعلني بكل سهولة أساعد أحمد في حلحلة بعض مشاكله التي
ما أن شاع أمرنا حتى ظهرت غرامات كان القضاء حكم عليه بها بسبب تعاطيه للخمر
ومعاشرة بنات الهوى . في الحقيقة كان ذلك نتيجة طبيعية ( لعمايلو السودة ) كما يقول
الأستاذ الكبير مصطفى مراد . وقد سددت له كل تلك الغرامات الواحدة تلو الأخرى .
كنت مجنونة به
كنت أمارس الحب معه فأشعر برغبة جامحة في التهامه . كنت أحبه بجنون
وكنت أصرح له بذلك . كنت خلال شوط واحد معه أبلغ الرعشة الكبرى ثلاث مرات
فكان يقول لي
هل أنت مسعورة ؟
فأغضب وأصرخ في وجهه قائلة
ألا يحق لي أن أتمتع بزوجي ؟ . ( يتبع )[/color:a7349485bb][/size:a7349485bb]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:38 AM
وردة الأمل
23-12-2007, 07:14 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=26031


[size=24:a3696c785b]سأضحك ملء شدقي
وإذا أردتم سوف أبتسم فقط
لن ينالني بأسكم على الإطلاق
أنتم حنيني فحسب
أنتم سؤالي الجنين
وقصتكم بالضرورة سوف تتحول الى شعر
ولن أبتل بوحل الصخور
سأحول ظلامكم إلى نور
وبالأحرى سوف أهتم بقصور إنبثاقكم
ياللهول فقد تهاوت شئابيب جزعكم .[/size:a3696c785b]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:39 AM
أنا مجرم
01-01-2008, 09:57 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=26324


أنا مجرم
______

ذات مساء وجدته ينتظرني ببيته ليزف إلي خبرا سارا . قال لي بأنه سوف يشتغل كاتبا عموميا بإحدى الوكالات .ثم أضاف قائلا
يبدو الآن أنه بإمكاننا إبرام عقد الزواج.
أحسست بالسعادة تملؤني ولاسيما وكثرة القيل والقال سوف تنزاح عني إلى الأبد . وبعد أيام معدودة كان الزواج قد تم فعلا.
إنتقلت إلى بيته بشكل رسمي بعد أن تم إفراغ الطابق الأرضي من طرف تلك العائلة التي كانت تسكن هناك والتي عوضتها
ببعض المال لكي توافق على تسليم السكنى الينا .
إنقطعت عن تعاطي حبوب منع الحمل وبسرعة مدهشة وجدتني حاملة منه . وكنت سعيدة أكاد أطير من الفرحة فلطالما تمنيت
أن يكون لي طفل أو طفلة منه تملأ علينا حياتنا ولما أخبرته بذلك لم يبد أي إعتراض بل تمنى لو يكون الزائر الجديد أنثى
لكن بعد ذلك لم أدر كيف تبدل شعوره وبطريقة مفاجئة أدهشني لما أ سر إلي قائلا( إن هذا الجنين غير مرغوب فيه ولابد من
عملية إجهاض ) لكنني عارضته بشدة وأنا في أعلى درجات الغضب قائلة (هذا الجنين سوف يرى النور رغم أنفك ) لكنه كان ذكيا
بجوابه فاستطاع إقناعي .
لقد نسيت أن أذكر أن زواجي الأول كان قد أثمر طفلا توفي والده وبقي تحت مسؤوليتي أرعاه وأحبه بجنون إلى أن تعرفت
على أحمد حينئذ أصبحت كما لو أنني أتنصل من مسؤوليتي نحو إبني لأن وقتي كله كان للحب والغرام .وقبل الإنتقال إلى بيت
الزوجية قمت بإرسال إبني إلى أسرة والده أي عند جده .لكن هذا الأخير أعاده إلي بسرعة فائفة وفي حالة يرثى لها ظنا منه
بأنني أريد التخلص منه وإبقائه لديه . وعند عودته إلى بيتي لم يجدني هناك فالتحق بي بالبيت الجديد . ففاجأني حضوره وأربكني
واكتفيت فقط بالتحدث إليه ومساءلته بدلا من تقبيله كما تتطلب الأمومة . وهذا هو السبب الأساسي في تغيير الأمور وبروز فكرة
الإجهاض. ظن أحمد ما وقع لطفلي يمكن أن يحدث أيضا للوليد الجديد في حالة وفاته . فالمرأة صارت في نظره - عندما تعشق -
يمكن أن تستغني عن العالم بما في ذلك فلدة كبدها .فهذا هو لغز المرأة كما يراه هو .
أقنعني بأن العبء الأول والثاني سيكون علي لوحدي - إذا لم أقم بالإجهاض - وأنه سوف يعود الى أوربا . وقد رأيت ذلك تهديدا
حقيقيا جعلني أقبل بالإجهاض وأرضخ لمشيئته.
إتصلنا بطبيب ( بولوني ) الجنسية كان يعمل بالمدينة بإحدى المصحات وكان هو الوحيد ربما من كان يقوم بهذه العمليات المشبوهة
والممنوعة قانونا . وداخل مصحة كيتان تمت العملية . وكانت سهلة لأن الجنين لم يكن قد بلغ الشهرين .وقد تزامنت عمليتي مع
عملية أخرى مماثلة لزوجة مسؤول أمني رفيع المستوى بنفس المدينة .ولما حضر ذلك المسؤول إرتبك أحمد ظنا منه أن حضوره كان
من أجله. لولا زبونة أعرفها وهي أخت زوجة المسؤول المذكور أخبرتنا بأن الرجل حاضر هنا لأن زوجته ستقوم بالإجهاض أيضا
وصارت تستعرض بعض مشاكل الزوجين . وهذا كان قمينا بأن يسترد أحمد هدوءه وتدهب وساويسه.
أتذكر لما أخرجوني محمولة على السرير المتحرك من غرفة العمليات وكان أحمد ينتظرني وهو في حالة قلق علي . وهو منزو
في ركن من أركان صالة الإنتظار .كان وجهه يشرح ما بداخله من قلق وحيرة وربما ندم أيضا .وكنت أنا لا زلت تحت تأثير المخدر
وما أن وجدت نفسي أمامه حتى بادرته قائلة بعتاب حزين ( رز يتيني أحبي ).
أتى أحمد بطاكسي لحملنا الى البيت وكنت مسنودة عليه وهو يلفني بدراعه وأحيانا بكلتا يديه وكنت شبه مدمرة جسديا وروحيا
في البيت إستسلمنا للنوم وقبل حلول الفجر إستيقظ أحمد وهوفي حالة من الدعر والفزع . إستفسرته ما السبب فأخبرني بأنه رأى في
الحلم الجنين الذي تم إجهاضه رأى طفله وهو في ربيعه الخامس أو السادس بعينين سوداويتين يخرج منهما ضوء قوي كضوء
السيارة عندما ترسله الى البعيد . كان متأثرا بهذا الحلم وكانت الدموع تنهمر من عينيه وعلامة الخوف والندم باديتان على سحنة
وجهه وكان يهمس بعد أن دفن وجهه بين كفيه ( أنا مجرم أنا مجرم

محمد رشدي
18-12-2011, 11:40 AM
إعترافات إمرأة - 5 -
05-01-2008, 09:46 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=26552


الشيطانة
------------

قلت أنني أحببته .
ثم تزوجته . فحملت منه بسرعة لأنني كنت أريد أن أكون أما لإبنه
أو للعديد من أولاده . لكنه أراد الإجهاض لمجرد خطإ بسيط إقترفته
لأجله . أو ربما لأجل حبه . فوافقت على الإجهاض رضوخا لمشيئته .
لأنه كان معبودي ورجلي المفضل . لكنني لست الخاسرة الوحيدة .
الخاسر الأكبر هو نفسه ووحده . لم يكن يدر ي - وهو الشاعر -
بأنني الوحيدة وربما في هذه الدنيا من تصلح أما لأولاده . وأعر ف أنه
سيندم ندما عظيما عندما يفقدني وعندما يتخد له زوجة غير ي وأنه
سيكتب عني كثيرا وسأكون مادة دسمة لأدبه وسيبكي من أجلي كثيرا
كثيرا . لن أرحمه أبدا لأنه لم يرحمني وأنا ضعيفة بحبه .
ولنترك الآن كل شيء ونستمع اليه في نصه الأدبي الذي وصفني فيه
بالشيطانة وهو الشيطان الأعظم . وسأكتفي بهذا القدر من الكتابة لأن
ما خفي أجمل وأعظم .
الشيطانة نص أدبي نشر بجريدة الإختيار بتاريخ 25فبراير 1985.
-------------------------
سار هذا الشيخ أو الطفل على رحاب الحياة . وكان يطوف بسعة
مستكشفا حالة الطيور بما في ذلك ا لبوم يسامرها على السواء ويحكي لها
عن أحلام لذيذة ولو أنها لن تتحقق .
يجب أن تعلموا أن الحياة متشعبة يلذ لها المعرفة والحبور كالمرأة الفاقعة
صار هذا الشيخ أو الطفل طويلا طويلا
فانتهت به الرحلة حيث بدأ
إذن لما كان هذا التعب ؟ ما دمنا سوف نخلعه عنا عند إشارة المرور
التي تؤدي إلى مفترق الطرق .
ها هو الشيخ أو الطفل قد وصل إلى المفترق وطرح عكازته جانبا وجلس
الصعداء يسترجع ما قد حدث وما قد غفلنا عنه بنزاهة .
لقد أكلنا الإحساس بالذنب - دون أن يكون لنا ذنب - والتساؤل عما إذا كان
هذا العالم له هوية ما .
والناس تسير فرادى وسط الإزدحام المسرج والخوار البقر ي لا تعير إهتماما
لما جرى . وتنسحب فجأة بطريقة ذبابية والطنين يحجب لغة الكون الحقيقية
والشمس لا تدفيء الا العرين .
آه وكل شيء ينساب كالأحلام أو كالمياه في السواقي التي لا تخلو من
الضفادع . هكذا كان يحلم الشيخ هذه المرة ولا شيء بقي فيه من الطفل.
ومفترق الطرق يبتسم بارتياح شديد وإذا بشيطانة حلوة شيئا ما تنبعث من
جديد بدأت ترقص فوق الأرض . لم يكن لعلم النفس المعتاد ليطبق خطته
على هذه الشيطانة لأنها تستخدم حبال البهلوان في سيرها .
تصافحنا ونحن نضحك مع الرياح في ثقة ممزوجة بالحذر . وأحسسنا بأننا
متناقضين في خط الراحة . خطها على اليمين وخطي على اليسار . شرحنا
ذلك على طاولة - الريسيبسيون - ومع ذلك إتفقنا على أن لا نثق في الأيام.
ياللعجب .......
إن الأشياء تبدو في إختلاف مثير ومع ذلك تتفق فيما ليس بينها .
هذه الشيطانة تشبه الملاك المتمرد
يسرني أن أخلو بها دائما وراء الستار حيث هناك تنفجر الأحلام بعيدة عن
أعين المتلصصين على خيوط الفجر
هناك أفهم حكايات لا معنى لها ودون أن أحتاج الى وسائد الأمثلة والمعاجم.
وفي الصباح
سرنا على ضوء الشمس
نهتدي كالنحل
بخيوطها البلورية
وكنا نحس برغبة الأطفال
كطفلين ماكرين
وفي الطريق خاطبني لغز غير معهود
بلغة صامتة
ودس في جيبي شيئا من الحذر
ومشى
إلتفت الى الرصيف
كان قد إنتهى حلم الحلم .
--------------------------------------------------------------- (إ نتهى )[color=darkred:208158dda6][/color:208158dda6][size=24:208158dda6][/size:208158dda6]

محمد رشدي
18-12-2011, 11:41 AM
حان las fuentecitas
11-02-2008, 05:27 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=28085


حان las fuentecitas
ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

هنا مدينة سبتة هنا حان las fuentecitas
أنطونيو يملأ الكؤوس للزبناء . والمفربي مستخدم الحان يهيىء القطعة las tapas داخل المطبخ
شربت قليلا من الجعة ثم بدأت في الكتابة داخل رأسي . جاء طفل صغير ودخل وراء الكنطوار
يسلم على أنطونيو فحدست أنه إبنه . تكلم مع والده قليلا وفجأة رأيت أنطونيو يبكي
الدموع تنهمر من عينيه لكنه لم يتوقف عن عمله كان يخدم الزبناء وهو يبكي بشدة وبحرقة .
أنطونيو لازال يبكي ولا شيء تعطل في الحانة . تأثرت قليلا ثم إلتفت الى زبون بجانبي
كان إسبانيا سألته . لماذا يبكي أنطونيو ؟
قال لي إن أنطونيو له مشاكل مع زوجته . ثم أضاف إنه رجل عاطفي يبكي بسرعة والجميع
يعرف ذلك .
ترقرقت الدموع في عيني وصرت أبكي معه دون أن يشعر أحد بذلك لأن نظارتي السوداء
أعفتني من الحرج . فكرت أن هذا الشخص يشبهني فأنا أيضا أبكي كالطفل لأقل شيء يفاجئني
تذكرت كم أبكتني زوجتي حينما كان أولادنا صغارا وكانت تلعب معي لعبة الأوراق بواسطة
الأولاد لتضغط علي وفعلا كانت تهزمني دائما .
ناديت على أنطونيو وطلبت منه كأسا آخر ولما أحضره قلت له توقف عن البكاء وإلا تحول
الحان إلى مأتم . نظر إلي بعينيه المبللتين كأنه يعجز عن تفسير شيئا تعذر علي فهمه . فعلا أنا
لا أفهم مأساة الرجل .
تناقشنا أنا والزبون الإسباني في موضوع المرأة وانتهينا في آخر المطاف إلى أن المرأة لغز.
فجأة رن الهاتق . توقف أنطونيو عن البكاء . إلتقط السماعة بسرعة فائقة وتحدث لدقائق قليلة
ثم أشرقت ملامحه ولم يعد يبكي .إعتلت وجهه مسحة من السرور ونشطت حركاته . رفع من صوت المدياع
فعمت الموسيقى أرجاء الحان . فكرت للتو أن العالم المتحضر والعالم المتخلف يتشابهان في مسألة
الأنثى .
بالصدفة رأيت شخصا أمام الحانة يبيع باقات الورد . طلبت واحدة كلفتني بضعة أوروات أخدتها
ثم سلمتها للرجل لكنه إمتنع لأن الورود لا تعطى إلا للمرأة . لكنني أفهمته بأن هذه الباقة الجميلة
ليست له . تابعت قائلا خذها ياسيدي لزوجتك إنها عنوان الصلح بينكما . أخذها أنطونيو ووضعها
على الرف منتظرة ساعة الإقفال التي كانت على وشك .

محمد رشدي
18-12-2011, 11:42 AM
الطيف - إلى العزيز أحمد السقال -
20-02-2008, 10:16 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=28568


زارني كالطيف
لم أكن موجودا وحينما علمت بالزيارة
تحولت بدوري إلى طيف
اتصلت بالمنتدى أخذت رقم هاتفه
إتصلت
إلتحقت
كان الطيف حلما
تحولت إلى حلم
كان الليل جميلا والكأس عذبا
تبادلنا الكلمات
والإشارات والشعاع
ثم انسحبنا كما يفعل كل طيف

محمد رشدي
18-12-2011, 11:43 AM
حان la esmealda
22-03-2008, 07:27 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=29740


حان la esmeralda

هنا مدينة سبتة من جديد
شوارع المدينة نظيفة للغاية ومقفرة هذا اليوم إلا من بضعة أشخاص متناثرين هنا وهناك .
الحمام كالعادة ( las palomas ) ينتشر في الفضاءات الخضراء
السيارات الأنيقة ترتاح بهدوء وعلى شكل صفوف منتظمة ومتراصة عبر كل الشوارع والممرات توحي لك بأن أصحابها
مستكينين بمنازلهم يحتفلون مع عوائلهم هذا اليوم الذي يكتسي صفة دينية - la semana santa - فالإسبان شعب متدين
وشعب طيب ونبيل . وقد خبرت ذلك من خلال إقامتي ببلادهم لمدة طويلة جعلتني أحبهم وأحترمهم .
كل الأماكن الخاصة والعمومية على السواء مقفولة خلال هذه المناسبة . وحدي أنا ومرافقي ( حسن ) الصامت جدا والمهذب
جدا والشروب جدا .نبحث عن حانة نختبيء فيها من مفاجأة السماء التي من حين لآخر كانت تمطر وتتوقف لتعود لتمطر
من جديد كعادة كل شهر مارس الأحمق كما يسمونه . بالكاد صدقنا أن حانة ما (أخيرا) سوف تستوعب غربتنا .
إنها حانة la esmeralda .
ولجنا الحانة . كان الفضاء قانطا ربما أو هكذا بدا لي الأمر . بعض الزبناء يتجرعون الجعة كما بدوا لي من نافذتي
منهم من كان يشرب الشاي . التلفزة كانت تعلن أخبارا سيئة عن العراق وأفغانستان وبؤر متوترة أخرى بما يكفي من
التصدع والقلاقل المعتادة . ثلاثة أشخاص من السكان الأصليين يقفون مع آلة تزدرد قطعهم النقدية والتي تتقيأ من حين لآخر
نقودا من أحشائها لبعض المحظوظين النادرين . تناولنا أنا وصديقي قطعا - las tapas - تعطى عادة مع المشروب الجعوي
وكؤوس النبيذ . شخص يبدو أنه مدمن وليس له ثمن الكاس كاملا . فلم يلب النادل طلبه . نال عطفي فسددت له بضعة كؤوس
أرسل إلي ابتسامته كتعبير عن إمتنانه . فجأة تقيأت الآلة قطعا نقدية كثيرة ومسترسلة . إستغربت للتناقض الذي يكتنف لعبة الحياة
( شخص لا يجد ثمن كأسه في حينه تصب الآلة الصماء والعمياء نقودا أكلتها بالتقسيط لتتقيأها بالجملة ) دخل شخص آخر للتو
وانقض على آلة أخرى مماثلة بجانب الأولى ثم بدأ يطعمها بالقطع النقدية يخرجها من جيب بنطلونه . لم أكن أنتظر رد فعلها
فجأة أحسست كأن شيئا من داخلي أخبرني بأن الآلة سوف تخرج أحشاءها إلتقطت كأسي بسرعة جنونية والقيت بالجرعة الأخيرة
في جوفي فإذا بالتخمين صار صحيحا . سمعت رنين النقود ينهمر وهو يملأ فضاء الحانة بشكل صاخب جعل الأعناق كلها
تلتفت نحو المصدر .لقد تقيأت الملعونة كنظيرتها المحاذية لها . حظ آخر ينضاف لنظيره ايضا . قلت في نفسي هذا يحدث لأنني
موجود هنا . بدا لي هذا الظن سخيفا لأنه من فعل الخمرة التي تجعلنا ننسب كل شيء لنا كأننا محور العالم بينما نحن لاشيء
بالمرة .
سددت الفاتورة وسألت صاحب الحانة عن إسم هذا المكان . لوح لي بإسمه قائلا إنه bar la esmeralda . و لكي أكتب شيئا عما شعرت
به طلبت منه الإذن فوافق على ذلك. تصافحنا ثم خرجت وصديقي - حسن - بعدما عانقت الشخص المدمن مقبلا جبينه في حين
هو شكرني على مبادرتي الطيبة نحوه . خرجنا وابتلعتنا المدينة الجميلة داخل حافلاتها الأنيقة مثلها مثل بساتينها وسكانها الذين
تبدو عليهم تنمية حقيقية وليست وهمية وتقيأتنا الحافلة اللا معة النظيفة عند الحدود لنواجه عالما مختلفا .

محمد رشدي
18-12-2011, 11:44 AM
البسيط والهيئة العليا
24-03-2008, 05:55 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=29799


أنا شخص بسيط للغاية
هكذا أشعر دائما ولا أتنصل أبدا من بساطتي لأنني أشعر بها في داخلي وأتحلى بها بإرادتي وبدونها .أحيانا أفتخر بها أمام كل من يظن نفسه من
الهيئة العليا . لكن حينما يوجه إلي شخص من هذه الأخيرة أو غيره هذ ه البساطة على سبيل الإهانة لا أنزعج بل أشعر بعبثية المسألة وتشدني رغبة
جامحة للضحك إلى درجة أكاد من خلالها أن أستلقي على ظهري وقفاي من فرط الضحك المقهقه والمجلجل. أنا الحائز على شهادة البساطة من طرف
الهيئة العليا ورغم ذلك أشعر من حين لآخر كما لو أنني إله. ربما هذا من فرط بساطتي.
كتاباتي لا يقرأها إلا قلة من الجماجم لأن رائحة الثوم تنبعث منها وذلك بسبب إدماني على حبة منها أو حبتين كل ليلة عندما أستعد للنوم ذلك كدواء
لحنجرتي المتهالكة بغرام التدخين . أحيانا لما أشرب وأثمل أشعر بالحواجز تختفي تباعا فأرمي بالرداء كما قلت في إحدى قصائدي فأنا لا أعود
حينئذ أحتاج لحواجز تردعني أو رداءا يستر عورتي لأنني أصير إنسانا فقط وأبالغ في إنسانيتي وأشعر كما لو أنني الوحيد الذي يتزين بهذه الخصلة
التي لا أجني من ورائها إلا الخسران المبين في هذا الزمن الفاقد لذاكرته .ولا أعود أرى سواي إلا حيوانا بالقناع .
لا أدري لماذا أتذكر طفولتي كثيرا عندما أريد معالجة أمر ما داخل نفسيتي المتوترة وبالخصوص ما سوف أحكيه الآن عن فقيه تعلمت ودرست على يده القرآن في الكتاب والذي نسميه في المغرب ( المسيد ) كان هذا الفقيه جلادا وسجانا ومنظره يوحي بذلك وله أنف كبير يجعلك تتذكر شيئا ما .
رجل مولع بالقضبان إذ كل مرة يأتي بقضيب مختلف ليخلطه بالمجموعة التي لديه منها القصير والطويل والمتوسط ومن المجموعة تلك يختار واحدا
حسب المسافة التي تفصل بينه وبين الضحية الجديدة .عندما يتحرك غالبا ما أكون أنا أفضل ضحاياه ( والحق يقال ) فقد كان يحسن الإختيار عندما لا يكون
هناك شغب . فهو لا يهنأ له بال إلا إذا أكل أحدنا علقة جيدة .وكنت أنا من أحسن المشاغبين داخل حجرة الدرس ا (لمسيد) .وكان يردد مرارا على مسامعنا
بأن ( العصا خرجت من الجنة ) وكنت أعرف أنه يكذب رغم حدود سني .لأن العصا القبيحة لا يمكن أن تخرج من الجنة الجميلة . هكذا كنت أقنع نفسي .
ذات صباح أجلسني عن قصد بجانب طفل متخلف عقليا وكانت رائحة البول تصدر عنه فتكاد تعميني . كدت أنفجر من الكدر فقد تعذر علي التنفس وكان هو
يرمقني بمكر شديد ويلعب بيديه الإثنتين بقضيب من قضبانه كان يستفزني . قررت أن أهرب فسنحت لي فرصة كانت نادرة ثم هربت .
في الغد جاء بي والدي بعد وصول الخبر للبيت بسرعة فائقة . ونظرا لكون والدي كان يعاملني بحنان بالغ لذا فهو لم يقل للجلاد تلك المقولة التي كانت تقال باستمرار في مثل هذه المناسبات الإستثنائية ( أنت تدبح وأنا أ سلخ ) ورغم ذلك ما أن إختفى أبي عن الأنظار حتى رأيت الجلاد يدفع بقضبانه جانبا مما يوحي
بأنه سوف يعفو عني . لكن الأمر كان أبشع من أكلة القضيب . إنقض علي وخنقني كما لو كنت قي مثل سنه ثم صار يهو ي على رأسي بقبضة يده التي
شدها كما لو أنه يقبض على شيء داحل كفه وتابع الضرب على رأسي قي المواقع الحساسة بعضم الأصابع وكنت أصرخ وأتألم وهو يضرب بشدة ويقول
( هاك البوليسي ) ولم أفهم لماذا كان يصفني بذلك الإسم . ربما لأن بذلتي التي كنت ألبسها قريبة الشبه ببذلات رجال الأمن آنذاك.
لما برد جنونه جلس القرفصاء وكان جل الأطفال ( المحاضرة ) يقرؤون القرآن بالجهر وبسرعة بسبب الرعب الذي بثه في الفضاء . لكنه كان يبتسم بخبث
بينما كنت لا زلت أبكي وكأنني مصاب بالحمى لحرارة جسمي وما يشبه الماء يتسرب من أنفي . وإذا بي أرقب تحركاته وقد أدخل يده اليمنى من فتحة جلبابه جهة اليمين فلم أفهم كيف أن يده تتحرك صعودا وهبوطا مكان عضوه التناسلي لكنني متأكدالآن من كونه كان يقوم بفعل مخجل . ( الإستمناء ).
هذه ندف من ذكريات طفولتي البعيدة أتذكرها كما لو وقعت البارحة. ولبساطتي المفرطة أشرك فيها قرائي الذين يكرهون رائحة الثوم فيها . فالقراء لا
يرغبون اليوم في مثل هذه التفاهات بينما أنا أراها غليضة وتكبر معنا ويجب تجنبها حتى تكبر مستقبلا طفولة أحسن من طفولتنا ومن هنا تكون المعالجة
فالغرب مثلا عالج أمراضه بفضحها وليس بالتستر عليها أما نحن نترك المستور مستورا ليبقى كل شيء على حاله من هنا لا يتغير شيء عندنا ....
( ليس هناك أحسن مما كان ) كما يقال .
من فرط بساطتي تنفتح أمام عيني الكثير من الأشياء التي يجب مناقشتها وأحيانا أعجز عن تبليغها للآخرين رغم أهميتها وحتى اللغة التي وجدتها في متناولي لا تفي بالغرض وإلا علي أن أكتب على طريقة( نيني ) في خلط اللغة الفصحى بالدارجة المحلية . إن البساطة في حد ذاتها مشكلة فلولاها لكنت
على الأقل من أصحاب الهيئة العليا ...رئيسا ...مديرا ...حاكما ....فقيها ...حينئذ تستطيع أن تطمئن على نفسك وأوداجك منتفخة وتمشي كالطوس في مشيتك والكل يحترمك وينافقك أيضا . لكن أن تكون بسيطا معناه أن يكون كل شيء فوق كاهلك . أو على ظهرك . ووالدي لم يحترم بساطتي عندما كنت
طفلا وقال لي حانقا علي
( سيتعجب فيك الشيطان ياولدي ) لكنني لم أفهم ما معنى هذا الكلام ولا زلت لا أفهم ... ربما أنتم تفهمون أريد تفسيرا لمقولة أبي رحمه الله.

محمد رشدي
18-12-2011, 11:46 AM
لحظة ضعف
28-03-2008, 11:25 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=29980


هي الغابة ملئى بالأصوات
وحنين الناي يرفل من بعيد
والأجواء بعيدة المدى
غير مفهومة أقلام المشاة
غير مفهومة لغة الكون
يلتئم شملها فيعود ليستأنف السير
ضروب من الخطوات تصطدم بعضها
ببعض
عيون الله وحدها
تبصر العبرة واللحن
والشوق المفتون
قفل باب الوكالة المكتوب على يافطتها ( الرزق على الله ) واختفى في الحانة البعيدة التي
تذكره بالبحر . كان حينئذ برفقة الظل المهووس بالسحاب . بدت له الأشياء منقولة قبل أن يحتسي
قنينة الخمر . وفجأة تجرع الهواء المحروق ففاضت فيه نشوة الروح
هبط يرقب نفسه وهو يتكلم
كانت السهام تنطلق من قمة قدائفها من الأوراق الخضراء فلم يكن ليلقي البال إلى رماحه
العشبية فقد كانت تصيبه عن غير قصد .امتد بصره في ساحة الداكرة منقبا في هوسه عن أشياء
لم تكن لتسمى لأنها لم تبذر بعد . ارتطم بالبعد وصار يفكر تفكيرا لا إسم له - لقد كان محاصرا
بنفس البعد - بعدها وبعد أن شعر بالأشياء وهي توشك أن تفلت منه كما عنتر نحو الفر
لا حول ولا قوة إلا بالله
ما هكذا كان الأوائل
قد تكون الأمور على حق ولكنها قد تكون فلا شيء محقق . هذا ما قاله في نفسه بينما
نفسه لم تستطع هجر الصوت . لغة الكون أحس بها وهي تزمجر مع أمواج البحر بأشيائها
المختلطة فظن أنها تخاطبه .هكذا حسب العمر ومع ذلك كان يحس بأن الأوضاع روحيا كانت
على خير . فما من مرة واحدة كذب هذا العمر . صدقيني أو كذبيني أيتها الشجر أيها الحجر
كلميني عن أنثى الدهر ياللهفة الشوق للشوق .
تأملوا ثيابكم فقد قتلنا العصافير بالرعب ولم ينس الأمل ما بصدد الريح والنور وقليلا من الورد.
إسألوا شكري عن هوية الرأي ؟ فهو بدوره بلا رأي ولا تسألوا كلماته فكلكم تجيدون فن
النقل . وهل بقي لنا غير زحام الشوق ؟
إسألوا إن شئتم خيالكم البعيد القريب وارموا الشباك فلن يقبلها منكم البحر . كل هذا فقاعات
تنطفيء بالجدوى فليصبر الصبر .
فجأة إنتبه لما يفكر به _ ربما كان لغوا ربما كان سرابا - فالكلمة عاجزة عن جماع شتات الصوت
هدذا كان يردد في صمت .
هاكم حجتي
عندما يتكلم الببغاء يعني ذلك أن ليس لنا حجم
فتشوا في صندوقكم المملوء بالعرائس يالحسرة ما قلنا وما نقول
غير ذي جدوى موال الفن أفليس الكون أصم ؟
أدرك أنه حار في الأمر وأدرك أنه في لحظة ضعف هذا هو كل ما في الأمر .
.................................................
نشرت هذه القصيدة بجريدة الإختيار المغربية بتاريخ 18- 24 - مارس 1985

محمد رشدي
18-12-2011, 11:47 AM
للاعربية
02-04-2008, 01:29 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=30118


ولج النادي الليلي الذي كان يعج بالساهرين
شرب بضعة كؤوس ثم التحق بالمنصة الصغيرة حيث الفرقة الموسيقية التي تؤنس الفضاء . أدى أغنيته المفضلة
ياللي تعبنا سنين في هواه عامل نفسه ما يعرفناش
بعد العمر ده كله معاه سابنا وقال راجع ولاجاش
إهتزت القاعة بالتصفيق في نفس الحين دخلت سيدة بدا للحاضرين أنها زائرة جديدة وغريبة عن المكان وعن المدينة . حطت رحالها بركن
من أركان الصالة وحيدة . كانت شقراءا ونحيلة بقوام ممشوق وعينين مشعتين .
أنهى أغنيته وعانق الكنطوار يشرب كأسه وعيناه لا تفارقان الزائرة يراقبها باهتمام بالغ . أرسل لها كأسا من النوع الذي تشربه فحيته برأسها
بأدب بالغ فعرف من نظراتها أنها محتاجة الى رفقة ما . جلس بجانبها دار الحديث بينهما فعرف من خلاله بأنها من منطقة بعيدة .
سيارة الطاكسي تشق بهما الطريق وسط الليل الصامت نحو الضاحية حيث الشقق المفروشة تنتظر أصحاب الوقت الضائع مثلهما . داخل الشقة إحتواهما سرير متواضع . عجز عن ممارسة الحب معها ربما بسبب ثمالته كما قالت له . بقي قليلا ثم استسلم للكرى .
فوجيء بهزتين قويتين على صدره أخرجته من النوم فزعا . لم تكن بجانبه فلمحها تختفي بين فتحة الباب خارج الحجرة . هم بأن يعرف ما يحدث
أدرك في حينه أن المسافةالزمنية التي تفصل الهزتين على صدره وموقعها بباب الحجرة غير منطقية فتأكد له أن إيقاظه بتلك الطريقة لم يكن من طرفها
أراد أن يتحرك من السرير وبشكل غير متوقع إستوت في لمحة البصر إمرأة بجنب الباب كانت تلبس البياض بشكل ملفت كالعروس في ليلة زفافها لم
يتمكن من تمييز ملامحها جيدا لكن شعرها المنسدل على كتفيها هو ما ركز عليه كان مشتتا كأن ريحا ما تدفعه للوراء .بدت كحورية من حوريات
القصص الغرائبية .فأومأت إليه ( وقد فهمت ) موقفه المندهش بأن يتلكأ فهي آتية حالا . ثم اختفت دون أن تخرج من الباب مثل جنية ساحرة .
هنيهة قصيرة دخلت الزائرة . لم تكن هي التي جاء ت برفقته . كانت لها ملامح أخرى أخدته قشعريرة في شعر رأسه .أفهمته
بأنها كانت في المرحاض وحكى لها كيف أحس بهزتين قويتين على صدره وهي تنفلت من باب الحجرة وأكدت له بأنها لم تفعل بل انسلت من الفراش

برفق حتى لا توقظه . ثم أخيرا قالت له بأن السيدة التي بعثت بالحجرة كانت السيدة ( للاعربية ) وهي جاءت من مدينة بعيدة لزيارتها بتطوان.
قال لها بأنه لم يفهم لكنها ابتسمت وقالت له لا يهم أن تفهم أنت .
ضمته إليها وقبلته في عينيه ثم استسلما معا في لحظة حب جارفة
كان البحر يرسل هديره من بعيد
والمطر يهطل بشدة والرعد يحدث فرقعات صاخبة
طلبت منه في الأخير أن يصحبها لزيارة السيدة التي حضرت معهما داخل الحجرة
شعر بالرغبة في ذلك لكنه لم يستطع خوفا من سخرية الآخرين...

محمد رشدي
18-12-2011, 11:48 AM
البسيط والهيئة العليا - 2 - سيرة
06-04-2008, 09:37 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=30264


ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

كنت دائما أحلم بالبساطة لأنها ثقافتي التي علمني إياها والدي رحمه الله . تربيت عليها وتغذيت بها . فقد كان والدي متدينا أكثر من اللازم
وعلمني منذ نعومة أظفاري أن أحب البسطاء والبساطة والقناعة وكانت هذه هي حياة الأسرة . وكان ذلك ما نطبقه على أنفسنا بالفعل .وكان دائما
يردد على مسامعنا مقولة يزعم هو أن النبي محمد ( ص ) هو قائلها ( اللهم احشرنا مع الفقراء ) والفقراء هم طبعا البسطاء .
دائما تأثرت بوالدي كان هو مدرستي الحقيقية التي شكلت أسلوب حياتي . كان بسيطا جدا عطوفا على الفقراء متسامحا مع الخطأة والضالين
ولا يحقد عليهم بل كان يطلب لهم الهداية . وكان مدمنا على الصلاة في وقتها إلا في حالة الإستثناء بسبب الضرورة . أما صلاة الفجر لم يكن
ليتركها لما بعد وقتها ولو يوم الجمعة الذي كان يوم عطلة بالنسبة إليه فقد كان يصلي الفجر ويرجع إلى فراشه ودائما بالمسجد مع الجماعة . وكان يأخذني
معه كل فجر إلى المسجد وأنا طفل صغير فأنصاع صاغرا إلى أن كبرت قليلا فتمردت عليه فكان مضطرا لكي يعفيني منها بعد صراع غير قليل.
رغم بساطته المفرطة كانت جنازته حاشدة فقد توفي بعد صلاة العشاء مباشرة وكان علينا أن نواريه التراب بعد صلاة العصر الموالي رغم عدم تمكن
بعض الأقارب والأصدقاء من الحضور لعدم وجودهم بالمدينة .وأثناء انطلاق موكب الجنازة سمعت أحد الواقفين احتراما لمثل هذه الحالات يقول -
أنظر إلى الأغنياء كيف ترافقهم الأعداد الغفيرة من الناس - ولم يكن يدري ذاك الشخص بأنها جنازة رجل من عباد الله البسطاء . لكنه فعلا كان غني
الروح قانعا بالستر والكفاف والغنى عن الناس . كانت له الفرصة لكي يرتقي بنفسه وأسرته في سلم المجتمع بكل سهولة لأن ذلك الزمن غيره اليوم تعقيدا وتمنعا . كم من الفرص الذهبية ضاعت بمحض إرادته بسبب القناعة التي يتحلى بها ويبثها في كل أفراد أسرته . وكانت شقيقتي الأكبر سنا مدرسة
تدرس البنات في إحدى المؤسسات الحكومية فما أن طلب منها زوجها البسيط أيضا ( مجرد ضابط صف آنذاك ) أن تتخلى غن وظيفتها حتى لبت رغبته
وتفرغت لشؤون بيتهما وأولادهما . ولم تندم رغم ارتقاء نظيراتها إلى أرفع المناصب فيما بعد أي بعد فجر الإستقلال. كان الوالد بسيطا حتى في حتىفي تجارته
يقوم مع شريكيه بجلب السلع المختلفة من البوادي المجاورة لبيعها بالجملة بالمدينة والتي كانت آنئذ بنسمة محدودة لا تزيد عن بضعة آلاف من المواطنين
وبضعة مئات من الأجانب الذين بقوا بالمدينة مستقرين كموظفين وتجار ورجال أعمال . كانت بضاعته تعم كل دكاكين المدينة القديمة . فحتى السمن البلدي
الذي يزود به متاجر حارة العيون والمطامر المتواضعة كان يخرج من بيتنا .لكن شهرة هذا السمن البلدي الرفيع كان يستفيد منها صاحب الدكان المعروف
بالحاج كريمو بدلا من والدي .
كنت طفلا حينذاك في مرحلة الصبا لا يتجاوز عمري الستة عشر ربيعا وكنت من نجباء التلامذة خلال المرحلة الإبتدائية والثانوية لكنني أيضا كنت من الفاشلين
في مادة الحساب والرياضيات بينما المواد الأدبية أحرز على أعلى النقط . وكان أساتذتي يتباهون بي كطفل أديب أجيد قراءة النصوص الأدبية والشعر مارا
على كل أقسام المؤسسة أتلو أمامهم نصوصا كانت تسجل على الآلة المسجلة ليعاد سماعها فيما بعد بأمكنة أخرى مجهولة لدي . عند حصولي على شهادة
- البروفي - الثانوية وخلال هذه الفترة بالذات أصيب والدي بمرض في القلب لم نكن نعرف خطورته وبأنه سيودي بحياته في القريب .
أصبت بالزكام فرافقني والدي عند الطبيب الإسباني - ماطي - أعطاني وصفة السيروم الخاص بالزكام . فاغتنمت الفرصة لأطلب من أبي أن يكشف عن قلبه
فوافق بعد إلحاحي فنبهه الطبيب إلى ضرورة ترك الملح وأمره بأن يعود إليه بعد شهر وزوده بوصفة دواء وبشره خيرا . لكنه لم يعمل بنصيحة الطبيب فقد
ظل يأكل الطعام بالملح مرددا مقولته المتكررة ( الطبيب هو الله ). وتوفي ذات ليلة بعد أن ذهب إلى الحمام البلدي ليغتسل وزار الحلاق وصلى صلاة العشاء
الأخيرة من حياته . بعد ذلك دارت الأيام بوجهة مختلفة وكان موعد الأسرة مع قدر سوف يقرر هو الوجهة التي أراد .
لم يترك لنا الوالد سوى بيتا يسترنا يتكون من سكنتين متواضعتين إحداها مأوى لنا وأخرى أكريناها بثمن لم يكن يغنينا عن الحاجة .ورصيدا متواضعا
نصفه تقريبا كان زادي لمصاريف السفر إلى أوربا للعمل هناك . والنصف الآخر استهلكته الأسرة مصاريفا لها خلال بضعة شهور. لتصبح بعد ذلك على
باب الله. سافرت مع أحد أقارب صديق صباي وكان شخصا نبيلا فما أن وصلنا إلى هولاندا حتى صدمت بالأمر الواقع . حجرة واحدة بأربع أسرة لأربعة
أشخاص تنازل لي الرجل النبيل عن سريره بينما هو افترش الأرض ملحا علي أن أقبل . لم أنم فقد كنت أبكي كالطفل وأنا الطفل لقد دارت الأيام فعلا
الأسرة بعيدة .... الوالد رحل ..... الواقع بئيس .... وخالجتني الرغبة في العودة .... لكن إلى أين ؟

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 11:49 AM
البسيط والهيئة العليا - 3 - سيرة
12-04-2008, 02:22 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=30452


س حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

لم أنم تلك الليلة
لكنني غفوت عند ظهور خيوط الفجر الأولى . فاستيقظت متأخرا ودون أن افطن لخروج العمال الى عملهم بالسكك الحديدية كما فهمت من حوارهم ليلة
البارحة . فجأة فتح مرافقي الباب وأفهمني بأنه لم يوقظني من النوم حتى أرتاح من أعباء السفر . ثم تناولنا الفطور بمطبخ البيت الذي يستعمله جل
الساكنة . وخرجنا للبحث عن العمل . وعلى بعد أمتار غير قليلة من البيت نبهني مرافقي إلى معمل صغير لم أتمكن من معرفة إختصاصه وطلب
مني أن أدخل إليه للإستفسار عن العمل . كيف سأفعل وأنا لا أتكلم اللغة الهولندية ؟ ثم أنني أجد نفسي عاجزا عن القيام بذلك . فأنا لم أقم بشيء
مماثل من قبل بل كنت طالبا مدللا لا أجيد إلا قراءة الشعر والخروج مع فتاتي والإدمان على الأفلام السينمائية . لكن الأمور تغيرت الآن نحو
الأسوأ ويجب أن أستعد لها وأتكيف مع الواقع . صار مرافقي يشجعني لكن بدون جدوى . إنه يحس بالإحباط وبأنه وضع نفسه في ورطة
عندما جاء بطفل مثلي إلى الغربة ( يجب إرجاعه إلى أحضان أمه ) ربما هذا ما كان يفكر فيه . عدنا أدراجنا وداخل البيت تسلل هو الى حجرة أخيه
أو قريبه - لست متأكدا - بينما أنا بقيت ساهما لا أدري ما أفعل حينئذ سمعت وشوشة جعلتني أقترب من الباب فاختلست كلمات من الحديث الذي
كان يدور بينهما ( عليك أن تتخلص من هذه المصيبة التي جئت بها من المروك ) أحسست كأن خنجرا طعنني في قلبي . أخيرا أصبحت عبئا على
الناس رغم نقودي فمابالك لو كنت بدونها . أحسست بالرعب . تسربت الى الحجرة حيث نمت بالأمس ولفني الذهول وقبل أن أجمع شتاتي
فوجئت بمرافقي يدخل علي ويبادرني بهذا السؤال ( قلت لي من قبل أن صديقا لك يوجد ببلجيكا أعندك عنوانه ؟ تأكدت حينئذ بشكل قطعي أن
الرجل يريد التخلص مني بكل صراحة . قلت نعم لدي عنوانه .
وجدت نفسي بحقيبتي داخل محطة القطار ولم أستطع تمالك نفسي فقد هزمتني دموعي من جديد كالعادة - المجهول ينتظرني - قال مرافقي
لا تبكي .. قلت له .. هل النقود التي لدي كفيلة بإيصالي إلى المغرب ؟ إبتسم ثم قال ’ لديك مبلغ مالي يأخذك إلى أمريكا ثم يعيدك مرتين.
ثم أضاف ( إذا لم تعجبك بلجيكا سافر إلى جبل طارق وهناك إسأل عن شخص معروف في تلك الصخرة وهو صديقي إسمه (.....) فسوف
يساعدك عندما يعرف بأنني أرسلتك إليه .
وصلت بروكسيل فبدت لي أقل جمالا وأهمية من أوطريخت الهولاندية . تفقدت صديقي فوجدته بسهولة كما لو أنه كان في إنتظاري . فرح
كثيرا مثل طفل . وفعلا كلانا كنا طفلان لا نتجاوز السابعة عشرة ربيعا .لكنه كان أيضا تائها بلا مأوى وبلا عمل ويعيش حياة عبثية يأخذ
كل شيء بالمزاح وانعدام الجدية . فقد كان يسكن مع شخص متزوج وله أولاد رق لحاله فآواه ربما إلى حين .فقصدناه باقتراح من صديقي لكي
يسمح لي أن أشاركه مأواه ببيته . فما أن سمع الطلب حتى ثارت ثائرته وانفجر غاضبا وأمرنا بالإغراب عن وجهه.
إلتقينا ببعض الأشخاص من مدينتنا وكانوا أيضا مشردين تائهين .. ساعدوني على إيجاد سكن يأويني داخل بناية مهترئة مليئة بالمهاجرين منهم من
يتوفر على رخصة العمل والإقامة ومنهم من هم بدونهما مثلنا . تجندنا أربعة للبحث عن العمل فكنا يوميا ندرع العاصمة ذهابا وإيابا مشيا على
الأقدام الى أن تضررت أقدامنا لكن بدو جدوى . في نهاية الأمر عثرنا على العمل بورشة كبيرة داخل العاصمة كان واحد منا هو اذي يقوم بدور
المستفسر عن العمل أما الثلاثة ننتظره بعيدا قليلا كما لو أننا حريم .تم تسجيلنا والإحتفاظ بجوازات سفرنا لتسوية وضعيتنا القانونية .
استأنفنا العمل يم غد فتفرقنا داخل الورشة بعد تحديد مهمة كل واحد منا . وكانت مهمتي هي نقل الأخشاب الطويلة والثقيلة من مكان إلى آخر ولما
حملت خشبة واحدة وهممت بنقلها جاءني مسؤول الورش وأمرني بإضافة أخرى .حملت الخشبتين على كتفي- وكمبتديء - كان التوازن يختل مع كل
خطوة فأبدو كما لو أنني أرقص إتقاءا لأي تصادم مع الأشخاص المنتشرين بساحة الورشة . تحاشيت شخصا من خلفي فإذا بي أصدم الباطرون
صاحب الورشة وكان فلامانيا عنصريا أصبته بالخشبتين في قلبه فتألم واضعا يده عليه وهو يصرخ من الغضب والألم باللغة الفلامانية لم أع منها
سوى كلمة ( passport ) فهمت حينئذ أنني مطرود حتما . دخلت حجرة خلع الملابس للم مستلزماتي من أجل الرحيل فغلبتني دموعي من جديد
ولم أستطع إيقافها كنت أبكي بحرقة شديدة وكنت لا أريد أن يراني أحد على تلك الحال . فجأة دخل شخص إسباني الجنسية كان بناءا يشتغل في
الورشة وما أن رآني على تلك الحال حتى بادرني بكلمته الطيبة .. no llores Hijo . tu heres hombre y los hombres no lloran . hay que
.aceptar tu testino
لا تبكي يابني .. أنت رجل والرجال لا تبكي .. عليك القبول بقدرك .

محمد رشدي
18-12-2011, 11:50 AM
البسيط والهيئة العليا - 4 - سيرة
14-04-2008, 11:30 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=30552


ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

وجدت العمل وما أن إشتغلت لساعة حتى وقع ما وقع فتم طردي في حينه . أما رفاقي فقد تم فصلهم أيضا في نفس اليوم . أحدهم كان يسكن معي في ذلك الفندق
الذي لا يحمل منه سوى الإسم . كان لقبه ( الحابش ) رجل في سن والدي أتى به القدر إلى بلجيكا ولم يكن حظه أحسن من حظي . كان سكيرا معروفا في الحي الذي
أسكنه بتطوان - الباريو - لكنه هنا لا يشرب لظروفه الخاصة وعدم توفره على النقود . رمت به الفاقة ومسؤولية الأولاد إلى الغربة مثل كل المعوزين مثلي . لقد
كان في حينا بالباريو يتاجر في الأثاث المستعمل والمهتريء وكان لا يجني من ذلك سوى القليل وكان يلتجيء إلى الخمر الرديء لينسى بؤسه . وحتى هنا لا زال مسكونا بحرفته إذ كلما لمح دولابا أو كرسيا أو أية قطعة أثاث كيفما كان شكلها يقوم في الحين بتقييمها وتحديد ثمنها المفترض . وكان ذلك يضحكنا كثيرا .
ذات مساء تركته في الحجرة ممدودا وتسللت إلى حانة مجاورة طلبت جعة واسترسلت في التأمل لقد كان ذهني مشوشا لا أدري كيف أتصرف فالحياة هنا صعبة
وبائسة والعمل شاق ونادر وفكرت في ما إذا نضبت فلوسي التي بحوزتي سأنتهي لا محالة مشردا أنام تحت القناطر كما حدث للكثيرين مثلي . شعرت بالمأزق والقلق
وادلهمت الرؤية لدي . فجأة دون أن أشعر وجدتني أطلب زجاجة كاملة من النبيذ فرأيت في عيني النادلة ما يشبه الإستغراب أو الحذر لكنني سبقتها للكلام وأفهمتها
بأنني سآخذ الزجاجة معي لكنها نصحتني بأن أعرج عى دكان ليس بعيدا حيث ثمنها أقل بكثير . لكنني قلت لها هات لا يهم الثمن .
دخلت الحجرة وأنا أتصنع المفاجأة وبيدي زجاجة النبيد وضعت كأسين على طاولة صغيرة لا تشبه الطاولة في شيء ثم دعوت رفيقي لمشاركتي لكنه رفض كما
لو أن رفضه جديا وما أن بدأت أشرب دون أن ألح عليه ثانية حتى استوى جالسا وطلب كأسا له. أتينا على القارورة كاملة فشعرنا بتأثيرها علينا . انطلقت أغني
منشرحا بفعل الخمر فاجتمع علينا عدد غير قليل من ساكنة الفندق البئيس مثلنا وتحول الفضاء إلى شبه حفلة بينما انضم إلينا بعضهم للمشاركة في الشرب وكذا في
تسديد ثمن الزجاجات التي أرسلنا في أثرها وتطوع ( علال ) لإحضارها . وبدأ الرقص والهرج إلى أن إنتهى أخيرا إلى شجار وفوضى بين فئة تتوفر على
أوراق الإقامة وأخرى بدونها وتم تهديدنا بالشرطة بسبب نقطة ضعفنا وكان علينا أن نغير المكان حتى لا ننتهي في عملية الطرانسفير للمغرب .
إلتجأت أنا و ( علال ) إلى سكنى أحد الأصدقاء ريثما نحدد موقفنا النهائي - القاء أو السفر - فإذا بالقدر يوجهنا نحو إسباني فقد جمعتنا الصدفة بشخص إسمه
( البيضاوي ) يتاجر في الملابس المستعملة ( el trapo ) كان ينقل سلعته من بروكسيل نحو الجزيرة الخضراء لبيعها ويعود أدراجه ولم يكن ل ( علال )
مصاريف السفر التي علينا أن نسددها للرجل لذا كان علي أن أسدد تلك المصاريف لكلينا .
امتطينا السيارة المليئة بالطرابو في الإتجاه الممطلوب وقبل أن نصل كان علينا أن نقضي ليلة واحدة بضاحية من ضواحي مدينة غرناطة .نام ( البيضاوي )
في الفندق الذي ركن بجانبه سيارته بينما نحن بقينا داخل السيارة نلتحف الملابس غطاءا لنا إتقاءا للبرد القارس من ذلك الشهر فبراير 1966 .
من الجزيرة الخضراء إنطلقنا أنا وعلال عبر البحر في باخرة صغيرة كانت خاصة بنقل المسافرين نحو الصخرة ( جبل طارق ) هذه الباخرة الصغيرة كانت
تنطلق من وإلى الصخرة بشكل دوري طوال اليوم . وذلك في ظرف وجيز لقصر المسافة . وفي الصخرة بحثنا عن السكن أولا فلم نجد سوى فراش واحد في بيت
يسكنه العديد من المهاجرين . وكان (علال) خالي الوفاض شعرت بالذنب مسبقا إذا ما تخليت عنه فوجدتني بإرادتي أتنازل له عن المأوى - طبعا بعد تسديد
ثمن كرائه لمدة أسبوع . بينما أنا اتجهت نحو المدينة الصغيرة المجاورة للصخرة عبر البر وتسمى (la linia ) هناك قضيت ليلتي بفندق متواضع لأعود أدراجي
في الصباح متفقدا صديقي ( علال ) الذي ما أن خرج لمقابلتي حتى بادرني قائلا ( إذهب إذهب حتى لا تراك النصرانية وانتظرني بالمقهى ) بقيت مشدوها
مما سمعت . كيف لم يفكر هذا الشخص في مآله لو لم أسدد له المأوى ؟ طأطأت رأسي وانسلخت عن المكان وابتلعتني شوارع الصخرة ثم ولجت أول حانة
في طريقي متأملا في هذا العالم الغريب ومندهشا متسائلا مع نفسي كيف يتنكر رفيقي هذا لكل الجميل الذي أسديته له ودون أن يرف له جفن ؟
وما أن شربت بضعة كؤوس وجدتني أقفز لحلبة الحانة أرقص على وقع أغنية للفرقة الإنجليزية ( البيطلز ) الخنافس . كنت أرقص بجنون وكان جسدي يكتب
برقصاته المعبرة قصة للحياة جعلت الحضور بالحانة يصفق بحرارة وإعجاب .
- يتبع-

محمد رشدي
18-12-2011, 11:51 AM
البسيط والهيئة العليا- 5 - سيرة
20-04-2008, 01:54 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=30738


أنا الآن بجبل طارق ( الصخرة ) وعلي أن |أتدبر شؤوني علي أن أجد العمل والسكنى أولا. تذكرت
الشخص الذي أوصاني مرافقي بهولاندا أن أتصل به من أجل المساعدة فتوجهت للتو للبحث عنه . إتصلت به مساءا أفهمته بأن فلان أرسلني إليه لكي يساعدني على إيجاد السكنى والعمل . ما أن
وطئت كلمة مساعدة أذنيه حتى أحسست برعشة عصبية بدت على محياه بما يشبه تشنج ملامحه قال
(سأدلك على مدخل عمارة ( portble ) هناك تستطيع أن تنام بعد منتصف الليل يكون سكان العمارة
قد أخلدوا للنوم ) لقد ظن الغبي أنني بلا نقود وأطلب اللجوء بمسكنه . إنصرفت عنه دون أن أرد
على إقتراحه . ولجت مقهى يجتمع فيها المهاجرون قتعرفت على بعض منهم وكانوا من مدينتي من
نفس الحي الذي أسكنه - الباريو - تطوع مصطفى ورافقني عند سيدة تقوم بكراء أماكن للمبيت وهي
من السكان الأصليين بالصخرة ويسمونهم ( llanitos ) حجرة واحدة صغيرة بفراش واحد وبثمن معقول
فشكرت إبن الحي على فضله وودعني . بينما أنا إستسلمت للنوم فقد كنت منهوكا وقد أخذ مني التعب
نصيبه . ولم تكن حينئذ لدي حقيبة حوائجي لأنني أودعتها بمكان إيداع الأغراض - consigna - بالجزيرة
الخضراء. نمت بحوائجي وكان المكان غريبا علي لكنني كنت راضيا عنه .
تلك الليلة رأيت والدي في الحلم كان يلبس لباسا غريبا وكان آتيا من الآخرة حسب إنطباعي في الحلم . كان أناس غرباء يأخذون بساعديه يمينا ويسارا
وفوق رؤوسهم طرابيش غريبة حمراء ينتهي طولها إلى الأعلى كشكل السهم الذي يشير إلى السماء .إقترب والدي مني فأحسست بالرهبة الخوف لكنني طردت عني الخوف عندما إستعدت فجأة تفكيري في كون أبي رغم وفاته فهو والدي لن يؤذيني . إحتضنته وقبلته علي جبينه كما كنت أفعل وأنا طفل صغير . فإذا به يرضي علي ثلاث مرات ( وكذا كان يفعل دائما في كل حلم لاحق )
قبلني أبي في عنقي فأحسست بلمسة فمه كما لو أن الأمر جدي وحقيقي لأن تلك القبلة كانت
قوية أيقظتني من النوم . قفزت من فراشي كان المصباح بجانبي أنرت الحجرة بسرعة . شعرت بالخوف كان الفجر لم ينشر بعد خيوطه البيضاء . لم أستطع النوم بقيت متوجسا كما لو أنني
سأرى أشباحا . هذا أعاد إلي مرضي القديم فمنذ طفولتي وأنا أخشى الظلام ولا أستطيع النوم
بمفردي أو في حجرة خاصة بي ولا زال هذا المرض يسكنني لحد الساعة .
وأنا أكابد هذه المعاناة لست أدري كيف خطفني النوم من جديد ولم أشعر إلا صباحا بطرق خفيف
على الباب أيقظني من نومي فتحت الباب كانت صاحبة البيت تخبرني بأن شخصين يسألان عني
ثم أفسحت لهما الطريق . تفضلا . كان مصطفى وعلال . ثم نبهتني إلى كوني نمت بالحجرة وهي
مضاءة ( has dormido con la luz encendida ) . إغتسلت ثم خرجنا إلى شوارع الصخرة .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 11:52 AM
البسيط والهيئة العليا - 6 - سيرة
30-04-2008, 11:40 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=31143


ناس حدهوم أحمد
AHMEDNAS.01@HOTMAIL.COM
الحوار المتمدن - العدد: 2266 - 2008 / 4 / 29


لمدة أسبوع تقريبا ( علال وأنا ) نبحث عن العمل لكن القدر يبدو لي متربصا بي يريد أن يمرغ أنفي في الحضيض لكن لحد الآن لم ينجح فكلما بدا لي بصيص من الأمل الوهمي أجده في انتظاري . فقد تم إرسالي من طرف مصلحة إيجاد الشغل ( يسمونها بالصخرة MAPAWA ) إلى أوطيل كبير متاخم
للبحر . لكنني وجدت من جديد نفس القدر يتربصني متجسدا في شخص مغربي من مدينة طنجة كان هو حظي العاثر ينتظرني فما أن إستفسرته
عن المسؤول حتى بادرني ( لماذا تريده ؟ ) شرحت له بأنني أبحث عن العمل ولدي إرسالية بخصوص ذلك أخذها مني وسألني من أي مدينة أكون ؟ قلت
من تطوان . ثم قطع كل خيط للأمل قائلا ( لقد سبقك أشخاص تم دمجهم ولم يعد هناك مكان آخر شاغرا نحيلك اليه ) وأضاف
ثم أنني المسؤول الوحيد هنا المكلف بإدماج المهاجرين ولهذا لا داعي أن تدخل الفندق فقد إنتهى الأمر .
لم أكن حينئد أعلم أن العنصرية التي توجد بين أهل البلد الواحد أسوأ من تلك التي توجد بين الأعراق والأجناس . فقد أخبرني أحد معارفي بالصخرة ( فيما بعد)
بأن خطئي الأساسي الذي ضيع مني فرصة الشغل هو تسليمي إرسالية العمل لذلك الشخص الطنجاوي لأنه لم يكن إلا شخصا عاديا وليس مسؤولا كما زعم فهو بحكم
إنتمائه إلى مدينة طنجة يكره التطوانيين وهذه عداوة دائمة ومعروفة بين الجانبين وهنا بجبل طارق نتعامل كما لو كنا اعداءا وليس أبناء الوطن الواحد. وميدان
كرة القدم مثلا يعكس هذه العداوة الوهمية عندما يلتقي فريق طنجة وفريق تطوان في مباراة لكرة القدم فيسقط من الجانبين عدد غير قليل من الجرحى
والضحايا . وهذا لا يزال يحدث لحد الآن مع الأسف الشديد داخل الوطن.
الأسبوع الذي سددت فاتورته من أجل الإيواء بدأ يتقلص . والفلوس التي بحوزتي تتآكل يوما عن يوم . والأيام الآتية تشير عقاربها نحو الأسوأ .
أنا و ( علال ) إكتشفنا لعبة جديدة لكسب الفلوس . هناك بالصخرة بعض السلع ثمنها رخيص نحملها الى الجزيرة الخضراء فنبيعها للغجر فنكسب ما نستطيع
به تغطية مصارفنا وبالخصوص بعض المعاطف الخاصة بفصل الأمطار .وكلما تكرر السفر بين الجزيرة والصخرة يرتفع المكسب لكن جمارك الجزيرة
كانوا دائما بالمرصاد لمثل هذه الحالات التي تسمى بتهريب السلع .وهذا العائق كنت أتجنبه كثيرا بينما ( علال ) كان أكثر جرأة مني لكن هذا التهور كان
يفيده أحيانا كثيرة . وقد إستطاع أن يكسب قدرا من المال لا بأس به . مما حذا بي أن أطالبه بتسديد ما بذمته من دين لفائدتي ( تكاليف السفر من بلجيكا
إلى الجزيرة وكذا ثمن المأوى لمدة أسبوع ) علما بأنني لم أحتسب له مصاريف الأكل الذي كنت أسدده نيابة عنه لأنه كان خالي الوفاض .لكن رد فعله كان
مخيبا لآمالي فقد تنكر لكل ذلك وأصبحنا على شفا التعارك بخصوص ذلك لكنني فضلت التخلي مضطرا عن مستحقاتي وقررت الإنفصال نهائيا عنه
- لكن -كان ذلك إلى حين فقط - لأن الأقدار سوف تجمعني به من جديد بالعاصمة مدريد حيث سنفتح صفحة جديدة لأيام بؤس جديد .

محمد رشدي
18-12-2011, 11:53 AM
البسط والهيئة العليا - 7 - سيرة
04-05-2008, 01:18 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=31302


الصخرة والجزيرة الخضراء قريبتان من سبتة بل هما على مرمى بصر . إذن بيتي قريب مني لا تفصله إلا كيلومترات معدودة. علي أن أقوم بزيارة أهلي وفتاتي التي لم أتذكرها ولو برسالة واحدة أخبرها عن حالي
لكنها كانت تستقي أخباري عن طريق والدتي وإخوتي فقد كانوا يحبونها ويحترمونها لدماثة أخلاقها العالية
إشتريت من الصخرة بعض الحاجيات بثمن بخس لأتاجر فيها ببيعها بتطوان وأعود أدراجي . تطوان مسقط
رأسي كنت أحبها كثيرا ولم أكن أتوقع أنها سوف تتحول من حمامة إلى غراب كما هي عليه اليوم .
كان حلولي بتطوان بلا هدايا للأحباب وكان لي عذ ر في ذلك لأنني رجعت خالي الوفاض إلا من بؤسي
وخيبتي . لقد عاد الطائر الحزين إلى عشه يجر فشله . وكان ذلك بالنسبة لسكان الحي بمثابة العار . لأن أوربا
بالنسبة لهم مصدر الغني والرفاهية ومن يعود من هناك عليه أن يبرهن على ذلك وإلا أصبح مثلي حديث
الخاص والعام ( لقد عاد الفتى الخائب يجر خيبته ) هذا ما كان يقولونه عني . أما أنا فلم أكن أبالي بهذه
التفاهات .
وصلت البيت ليلا . كان ذلك مفاجئا وصادما لوالدتي وإخوتي . عانقتهم بحرارة وكانت جدتي حاضرة تلك
الجدة الحنونة التي في الحقيقة هي أمي الأولى . كانت دائما تدافع عني وتداري شغبي وزلاتي المتعد دة
والمتكررة . بيتها القابع بالجبل المتاخم للمدينة جهة الشمال كان هو ملاذي حينما أهرب من عقاب الوالدين .
تحلق حولي إخوتي وهم متشوقون لما سأحكيه لهم عن بلاد الغربة وأدركوا من خلال حديثي أن تلك الحاجيات
التي أتيت بها لم تكن هدايا لهم بل من أجل المتاجرة فيها وأعود أدراجي إلى الصخرة من جديد كما فهموا بأن
المال الذي أخذته منهم بددته ولم يعد لدي شيئا أتركه لهم بعدما نضب ما كان لديهم من رصيد تركه الراحل .
صارت والدتي تبكي وسمعت جدتي تواسيها قائلة ( لا تبكي ياإبنتي فما دمت أنا حية فلا تخشين شيئا ولنحمد الله
على عود ته بالسلامة ) فكرت بأن الأمر صعب ولابد لي من العمل لأتحمل مسؤولية إخوتي القاصرين ووالدتي
الأرملة . فشقيقتي الأكبر سنا والتي كانت مدرسة بالمدينة تركت العمل قبل وفاة والدنا ورافقت زوجها لتهتم بأسرتها وهي بعيدة عن البيت . وثمن السومة الكرائية للسكنى السفلى التي تتوصل بها الوالدة كل شهر لا تغطي مصاريف البيت . إذن ما العمل ؟
شاع خبر رجوعي خائبا ( بين ساكنة الحي) وأصبحت حديث الأهالي . وكنت أعترف مع نفسي ومع غير ي بأنني
بالفعل فشلت في إيجاد العمل .
بعت تلك الحاجيات وبقي لي مكسب بسيط بد د ته بين حانات المدينة ولم أحتفظ إلا بتكاليف السفر . إلتقيت
بفتاتي وصارحتها بحالتي وبؤسي ففهمت ظروفي وتأثرت لحالي وطلبت مني البقاء لتتوسط لي كي أعمل
بجانبها في إحدى الشركات بالمدينة حيث هي تعمل فقد توفي والدها قبل وفاة والدي واضطرت إلى العمل بمتجر
من متاجر الشركة في بيع قطع الغيار وكانت تدير شؤون المحل كإدارية وعرضت علي العمل وفي الحقيقة كانت
فكرة منقذة لكنني بأنانيتي كنت أرى هذه الوظيفة لا تناسب مستواي الدراسي أو الإجتماعي لأنني كنت حائزا على
الشهادة الثانوية ( البروفي ) وكانت قيمتها آنذاك رفيعة وبوساطة ما توصلك إلى مناصب محترمة . ( 1967 ) .
بمناسبة سفري أقامت فتاتي حفلة راقصة بالموسيقى الأجنبية ببيتها تم استدعاء شلة الفتيان والفتيات من مجموعتنا
حيث كانت تجمعنا حياة راقية آنذاك لا يعرفها غيرنا في الحي برمته أو بأحياء أخرى بالمدينة . كنا نعشق السينما
ونقيم الحفلات والرحلات لقد كانت أيام زاهية لا تنسى . وفتاتي كانت مدللة لأنها وحيدة والديها . وكان والدها يشتغل
في القضاء كموظف . وكان من السكان العريقين بالمدينة وإسمه الشخصي هو نفس الإسم الذي أحمله . كان يحب إبنته حبا جما . كما كان غرامنا مكشوفا للمدينة كلها وإسمينا على لسان الجميع . لذا كان الكل يتنبأ لنا بخاتمة الزواج لكن القد ر كان له حكم آخر .
أقيمت الحفلة في بيت فتاتي وكانت حفلة وداع رقصنا ومرحنا وضحكنا وخلال صخب الموسيقى والرقص قالت لي فتاتي بأن والدتها تريد استفساري عن شيئ ما ولما انفردت بي الوالدة سألتني إن كنت آخذ منها مبلغا
ماليا لشراء هدية لإبنتها عند عودتي . ففهمت الرسالة . إنها عتاب لعدم تقديم هدية كما يقتضي الواجب لحبيبتي
لكنني لم أشرح لها ظروفي بل اكتفيت فقط بأن قلت لها ( سأفعل إن شاء الله عند عودتي ولا داعي لأخذ المبلغ)
فهي لم تكن تعلم بظروفي وبأنني أعظم بائس في هذا الكون .
ناقشت فتاتي بخصوص هذا الإحراج مع والدتها ففهمت أنها لم تكن تعلم بما يدور في رأس والدتها .
إنتهت الحفلة وانسحب الجميع بعد توديعي وبقينا لوحدنا حزينين ترقبنا الوالدة من مسافة غير بعيدة كانت تأخذ بيدي رغم وجود والدتها لم تكن تخفي حبها عن أحد كانت نبيلة صادقة وطييبة وحليمة وسمراء جميلة ويأخلاق
حميدة . ودعتها وودعت أهلي وودعت المدينة وانتقل الطائر الحزين بحزنه ولوعته نحو الضفة الأخرى وهناك
كان على موعد مع أحداث وأحداث وأحداث .....
--- يتبع ---

محمد رشدي
18-12-2011, 12:02 PM
البسيط والهيئة العليا - 8 - سيرة
14-05-2008, 05:48 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=31865


وجدت نفسي في الجزيرة الخضراء . قررت دخول الصخرة لكنني تراجعت في الحال عندما تحسست ما بجيبي من نقود . لم تكن كافية لتسديد المأوى لمدة أسبوع.
ففضلت المكوث حيث يمكن لي أن أتدبر أمري لمدة يومين أو ثلاثة . قصدت مطعما رديئا صاحبه أمازيغي أطلقوا عليه لقب ( بوشلاغم ) لأن شواربه تكاد تغطي فمه وجزءا من أنفه. ما أن دخلت وأخذت مكاني بإحدى الغرف حتى سمعت نداءا بإسمي . إلتفت إنه (علال من جديد ) لا بأس فأنا أيضا محتاج إلى رفيق. شربنا الحريرة
قام كل واحد منا بتسديد وجبته الرديئة ثم خرجنا للشارع الفسيح . لم يكن لنا إتجاه محدد. دخلنا حانة وجدنا بها أشخاصا مغاربة ينوون السفر نحو هولاندا . وما أن لعبت الخمرة الرخيصة برؤوسنا حتى نشب صراع بين( علال) وأحدهم
تدخلت فورا من أجل فض النزاع. توجهت أنا وعلال نحو أحد فنادق الدرجة الأخيرة وحجزنا فراشين ونمنا حتى العاشرة
من صباح الغد. طرح علي علال فكرة الإنتقال إلى العاصمة مدريد . كنت خائفا من التشرد لكنني إستسلمت لمشيئة القدر.
لم يكن لدينا ما يكفي لحجز التذكرتين حتى العاصمة . فاقتصرنا على حجز تذكرتين إلى مدينة قرطبة ولما وصل القطار
تعمدنا عدم النزول وتظاهرنا بالنوم ظنا منا بأننا بهذه الطريقة يمكن وصول العاصمة دون تسديد الواجب . بينما الأمر لم
يكن كذلك . وعندما قطع القطار بضعة أميال فوجئنا بمفتش التذاكر يوقظنا من نومنا المصطنع وطلب التذكرتين وبعد
تفحصهما صاح غاضبا وبعصبية ( إن قرطبة بقيت في الخلف ) تدخل بعض مسافري المقطورة متأسفين لنا لكن الرجل
كان ذكيا فصاح في وجه المدافعين عنا ( إنني أعرف هؤلاء المغاربة ) أوقف القطار للتو بواسطة جرس خاص لمثل هذه الحالات وألقي بنا في الخلاء وتابع القطار سيره.
مشينا ميلا أو ميلين مشيا على الأقدام في الأراضي المقفرة إلى أن خرجنا للطريق السيار حيث لجأنا إلى محطة بيع
البنزين هناك حيث تتوقف بعض الشاحنات للتزود بالوقود أو لتناول الوجبات وشرب القهوة . طلبنا من سائق شاحنة
مساعدتنا بنقلنا إلى العاصمة إذا كان متجها نحوها . توجس منا أول الأمر لكنه بعد ذلك وافق وسدد نيابة عنا قهوتينا
لقد كان رجلا نبيلا بحق . وفي الطريق لمح لنا بأنه تعرض للسرقة من قبل حينما نقل شخصا غريبا بشاحنته .أفهمته
بأننا لن نقدم على مثل هذا العمل وطمأنته شاكرا ومستسمحا على هذا الإزعاج. وخلال الطريق كان الرجل يتحدث
عن إسبانيا والديكتاتور فرانكو الذي كان خانقا لأنفاس الإسبان فقد كان واضحا من خلال حديثه بأن الشعب الإيبيري
يكره فرانكو كرها شديدا.
وصلنا العاصمة ونزلنا من الشاحنة بجانب محطة القطار التي كانت تسمى ( atocha ) وتمنى لنا الرجل الطيب حظا
سعيدا بعد أن صافحنا بحرارة وشكرت له هذا الجميل الذي بقي مخلدا في ذاكرتي وجعلني أحترم الإسبان وأكن لهم
إحتراما عميقا .
في نفس المحطة تعرفنا على محمود الجزائري كان شخصا واثقا من نفسه . أدخلنا إلى مطعم شعبي بعدأن سألنا إن كنا
جائعين فأخبرناه عن حالتنا لكن الغريب في الأمر أنه زعم عدم توفره على النقود ثم أشار علينا باتباعه وقال أنه سوف يتدبر الأمر. إنتقل بكل هدوء وثقة في النفس إلى إحدى الطاولات الشاغرة وأشار علينا بالجلوس . حضر النادل فطلب محمود وجبة غالية الثمن ترددت أنا في طلب وجبتي لكنني بارتباك شديد فضلت وجبة رخيصة وهي
عبارة عن صحن من اللوبياء بينما( علال ) طلبه كان مماثلا لطلب محمود . شرعنا في الأكل وكنت مرتجفا مذعورا
أما رفيقي فقد كان عاديا تماما . أكلت شيئا من وجبتي ثم راقبت النادل وهو يدخل بهوا يؤدي إلى المطبخ فيتسلم من
هناك وجبات الزبائن . فاغتنمت فرصة اختفائه ونهضت مرتجفا فأوقعت الكرسي – الذي أجلس عليه - أرضا فأحدث
صخبا لفت نظر الزبناء فلاحظوا إرتباكي كنت أنا قد أطلقت ساقي للريح وتبعني علال مهرولا . وبقي الجزائري
الذي لم نعرف ما حل به ولا كيف واجه هذا الموقف المخجل .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:04 PM
البسيط والهيئة العليا - 9 - سيرة
15-05-2008, 06:57 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=31918


البسيط والهيئة العليا – 9 – سيرة

لم يعد بالجيب إلا بضعة بسيطات لا تفيد في شيء . العمل في تلك الفترة نادر للغاية . إسبانيا ضعيفة وباقتصاد ضعيف والعملة الإسبانية منخفضة بالمقارنة مع الدرهم المغربي بنسبة خمسين في المائة . لا أتوفر على مأوى وكذلك هو الشأن
بالنسبة لرفيقي . فأصبحت محطة القطار ( atocha ) هي بيتنا وقاعة الإنتظار هي حجرة نومنا لفترة زمنية محددة
في يومين أو ثلاثة . حتى مستخدمو المحطة إنتبهوا إلى تشردنا فكان عليهم أن يقوموا بطردنا . لكننا إكتشفنا مكانا
آخر للنوم داخل قطار مركون غير بعيد عن نفس المحطة بمقطورات فخمة كنا ننام داخلها مع بعض المشردين
من أبناء البلد . وفي النهار كنا نبحث عن العمل وأخيرا وجدناه . أحسست بفرحة عارمة عندما ضرب لنا المسؤول
موعدا في الغد لاستئناف العمل. أحسست وكأنني ولدت من جديد وشعرت بالأمان . كان العمل مرهقا ووسخا وصعبا
لكنني كنت سعيدا به . إنه عمل شحن وتفريغ وتوزيع الفحم الحجري على مخابيء العمارات وأماك أخرى . ورغم
صعوبة هذا العمل فقد كان برنامج الشغل لا يخضع لعدد الساعات بل لعدد الحمولات المفرغة والمشحنة وبعدها يمكن
للعامل أن يغتسل ويذهب لبيته ولو في العاشرة صباحا وفي حالة مضاعفة الحمولة تكسب الضعف من الأجر. لهذا كان
العمل بهذه الشركة يتميز بالجدية والخفة والإتقان في شحن وتفريغ الحمولة وكان العمال يتفرقون على شكل مجموعات
وكل مجموعة تتكون من أربعة أفراد . وكنا أنا وصديقي عبارة عن صبيين بالنسبة للإسبان فكانوا يتهربون منا لعدم
خبرتنا وعدم قدرتنا على إنجاز العمل بمثل مستواهم . لأننا غير مدربين على هذا العمل الشاق. وحينما كنا نغتسل
تبقى عيوننا سوداء بدرجة مفرطة فنبدو كما لو أننا من الشواد الذين يكتحلون لتحسين مظهرهم . وهذه هي المشكلة
التي كانت تقلقني . لم نشتغل سوى أيام معدودة . فقد أصبح العمال يشون الإضراب لامتناعهم عن العمل معنا . ولهم الحق
في ذلك فقد تساهلوا معنا أكثر من اللازم ولن يبقوا كذلك إلى مالا نهاية. حتى الإدارة تعاطفت معنا حينما لاحظوا مهنتي
بالجواز كطالب أو تلميذ ( estudiante ) خلال تلك الأيام المعدودة وقعت لي حوادث لا تنسى . في اليوم الأخير
تم إرسالي مع فوج من أربعة إسبان ورفيقي مع فوج آخر مماثل . إشتغلت من الثامنة صباحا حتى العاشرة ليلا لإتمام
أربع حمولات شحناها لنفرغها في مخزن ( تحت الأرض ) بعمارة شاهقة . ولأنني لا أتقن عملية الإفراغ فقد تم إنزالي
إلى المخزن ومعى أداة - الرفش – لكي أسهل المأمورية بساعدي مستعملا الأداة لإنجاز المهمة المضنية وكنت
أستنشق غبار الفحم الأسود وكدت أختنق وطلبت التناوب على هذه المهمة لأخرج من ذلك القبر لكن الثلاثة رفضوا بدعوى
عدم قدرتي على العمل وعدم إلمامي به. باختصار كان يوما أسودا أكثر من سواد الفحم لن أنساه طوال حياتي . وفي
العاشرة ليلا إنتهى العذاب فقصدت الشركة كي أغتسل فكانت مقفلة . أصبت بصدمة صاعقة . رباه كيف أستقل الحافلة
وأنا على تلك الحال بينما أفراد الفوج لم أدر كيف اختفوا متعمدين تركي لورطتي . إنني على حال سيء لا يبدو مني
سوى أسناني البيضاء . كان موقفي أفظع مما يتصور وعلي أن أتدبر أمري في الوصول إلى الفندق الجماعي وهو عبارة
عن مأوى العمال غير قريب عن مكان وجودي . كان الوقت ليلا . خلال هذه الظروف القاهرة يستطيع الإنسان أن يبدع
حلولا لورطته لا يقدر على خلقها في ظروفه الطبيعية . إستحضرت في الحين الخطوط العريضة لجغرافيا العاصمة وبدأت
أخطط كيف أسلك بتلك الحال نقط العاصمة دون اللجوء إلى وسيلة المواصلات . وأخطط كيف أتسلل وكيف أختصر
التقاطعات كي أتفادى نظرات ودهشة الناس وجزعهم من حالتي . كنت كجندي في معركة يخشى الوقوع تحت نظرات العدو . وفعلا خرجت سالما بأقل الخسارات – رغم بعض المفاجآت البسيطة – وأنا أقطع المسافات الطويلة كاللص الذي
لم يسرق شيئا ولكنه في موقف لص . كنت أهرب من عيون الناس كالمجنون أريد أن أحقق هدفا واحدا بأي ثمن وهو
الوصول إلى المأوى الجماعي العمالي وسط العاصمة حيث العمال كالجنود ينامون كالعبيد في صالة شاسعة كأيام الحرب
خلال العالميتين . حيث يخرج العمال كل صباح في صفوف كل واحد يقبض على كسكروطه ويختفي إلى غاية المساء .
وصلت البنسيون وأنا لا أصدق بأنني وصلت لكنني كنت قد وصلت فعلا . لما رأتني السيدة المسنة التي تدير المكان صرخت لم تكن تعرف بأنني واحد من ضيوفها البؤساء لقد كانت حالتي حالة أسطورية . دخلت للإغتسال من غبار الفحم وأحسست بسعادة مدهشة وأنا تحت الماء الساخن أستعرض يومي التاريخي الكالح داخل ذاكرتي التي كانت
كآلة تسجيل راقنة . لقد نجحت في أن أصون كرامتي وأتجنب سخرية الماكرين والخبثاء أو إشفاق المشفقين .
حينئذ والصابون على جسدي أحسست في رغبة جامحة لكي أستمني ففعلت . أوقفت الرشاشة والتحفت بالمنشفة
ولبست لباسي ودخلت صالة الموتى وأخذت مكاني بجانب قبور الحياة ( هنا الإسبان هنا البرتغال هنا المغر ب هنا
الجزائر ) خليط من الأمم البائسة . دخلت في نوم عميق حلمت خلاله أنني على قمة جبل شاهق وأنا مهدد بالسقوط
أتفادى السقوط أتجنبه لكنه يرافقني في كل خطواتي ولكنني نجوت . ولم أسقط .
إستيقظت صباحا على إثر هزات خفيفة فإذا بي أمام علال وشخص آخر يضحكنا كثيرا بسبب كلامه وحديثه عن نسيبته
ليس له من حديث إلا عن والدة زوجته التي تركها بالمغرب تحرس لع الزوجة . أخبرني ( علال ) بأن العمال سيشنون
إضرابا ضدنا . وفعلا ما أن وصلنا الشركة تم استدعائنا من طرف الإدارة وأخبرنا المسؤول باستحالة العمل بسبب رفض
العمال لنا . توصلنا بأجرة الأيام التي بذمة الشركة ووقف طاقم الإدارة إحتراما لنا وصافحنا الواحد تلو الآخر ونصحنا
المسؤوول بأن نبحث عن عمل أفضل وأضاف بأنه مستعد لقبولنا من جديد في حالة عدم إيجاد بديل . كانت مجاملة إنسانية طيبة ترفع المعنويات فحسب . كنا نعرف بأننا لن نعود إلى هذه الشركة مهما كانت الظروف . وانصرفنا .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:05 PM
البسيط والهيئة العليا - 10 - سيرة
18-05-2008, 11:13 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32045


البسيط والهيئة العليا – 10- سيرة
البنسيون الجماعي العمالي كان عبارة عن مجمع يختزل كل بؤس الضيوف الذين يقيمون فيه . لذا كان السعر الذي نسدده
بسيط جدا ( 55 بسيطة يوميا ) لكل فرد . وهذا المبلغ الزهيد كان يغطي المبيت مع الجموع وكسكروط الصباح ووجبة العشاء المتواضعة .ولا حق للمقيم في اقتراح نوعية الوجبتين . أما الإستحمام فقد كان محددا في مرة واحدة كل أسبوع .
أما أي خدمة خارج هذا البرنامج فيجب أن تسدد لكن بثمن أقل مما هو عليه خارج المجمع . كانت أجرة العامل ضعيفة
وساعة العمل لا تقل عن عشرة في اليوم الواحد. بينما العطلة تبدأ بعد زوال يوم السبت وتنتهي يوم الأحد . كانت أجرتي كسائر العمال هي ألف بسيطة أو أكثر بقليل أسبوعيا . وكانت المعيشة موازية لتلك الأجرة بشكل دقيق ومحسوم . فبخمسة وعشرون بسيطة تستطيع أن تأخد مكانك في مطعم شعبي بئيس وتتناول صحنا من الحساء أو اللوبياء أو العدس
أو الحمص تليها وجبة السمك أو الحم أو البيض بالبطاطس مع قطعة من الخبز وقدح من النبيد بدلا من الماء . كانت إسبانيا
تمر بظرف دقيق كانت منغلقة على نفسها ورغم أن الشغل متوفر لأبناء البلد إلا أن الأسرة الفقيرة عليها أن تشتغل بجميع
أفراد طاقمها لكي تعيش بشكل طبيعي .والشعب الإسباني كان عليه أن يتحاشى الحديث في السياسة له الحق فقط في الدردشة في الرياضة ولعبة الثيران . ونحن المهاجرون لا يسمح لنا بالعمل إلا في ما هو شاق ومهين أحيانا .
وجدنا العمل أنا ورفيقي في ورش لتعبيد الطريق السيار وكان ذلك بضاحية مدريد منطقة تسمى ( arabaca ) وكان علينا أن ننتقل إلى مأوى أقرب من العمل داخل بيت عائلي – زوج وزوجة وطفلين صغيرين وجدتهما – كانت مهمتنا الحفر
وشحن التراب على ظهر الشاحنات . كان هناك جيش من العمال على امتداد الكيلومترات بالطريق السيار . وكنا سعيدان
بهذا العمل . لكن ما أن مر أسبوع حتى تم فصلنا من جديد والسبب هو نفسه كما من قبل بشركة الفحم إذ لم تكن لدينا تقنية
الشحن عندما نلقي بالتراب على ظهر الشاحنة كان يتشتت فيصيب العمال الإسبان في عيونهم بفعل الريح أحيانا أو لعدم
إتقان كيفية الشحن .فكان العمال يتبرمون لذا تم فصلنا بعد توصلنا بأجرتنا الأسبوعية . ثم انتقلنا للعمل بأوراش البناء بنفس
المنطقة وكانت بضعة شهور كفيلة بتحويلنا إلى عما ل حقيقيين .
أقبلت بوادر العام الجديد 1967 فقل العمل وندر من جديد وأصبحنا نفتقده . وكان الفصل شتاءا البرد قارس والجو ممطر
وفكرت في العودة إلى الوطن قبل أن أتشرد . رفيقي رفض مما جعلني ذلك أتلكأ في الرجوع وأتردد إلى أن أنهيت بعض المال الذي كان مخصصا للسفر . إنفصلنا أنا ورفيقي وبقيت لوحدي قلقا تملأني الحسرة .
دخلت القنصلية المغربية بالعاصمة كانت مكتظة بالمواطنين الراغبين في تجديد جواز سفرهم . كانت المعاملة غير لائقة من طرف القنصلية (التصريف بدلا من الترحيب والمساعدة ) وكان إحتجاج المواطن يزيد العلاقة تأجيجا . بعد عناء
وانتظار وصلت إلى الشباك طلبت من الموظف تمكيني من تذكرة السفر للعودة إلى وطني لأنني مشرد وبدون إمكانات
مادية . أفهمني الموظف بأن هذه المساعدة تتطلب سحب الجواز مني . وبكل المرارة التي أختزنها في داخلي أخرجت جواز السفر ووضعته بين يديه . كان ذلك مفاجئا له بل وحتى صادما لأن لا أحد يستطيع مقايضة الجواز بمجرد تذكرة
السفر ذات الثمن المتواضع آنذاك .فتح الموظف جواز سفري وتفحصه ثم سألني
أأنت طالب ؟ قلت بلى سيدي .
ما مستواك ؟ قلت - الشهادة الثانوية – وأضفت – حصلت عليها سنة 1963 – إستغرب وأضاف
كيف يمكن أن تكون حاصلا على ( البروفي ) وأنت هنا؟ هذه الشهادة قد تمكنك من وظيفة محترمة ببلدك
قلت - كما تر ى - إنني هنا . نهض من مكانه ودخل مكتبا قريبا منه لبضع دقائق ثم سمعت عون القنصلية ينادي
بإسمي . أدخلني المكتب فإذا بي أمام شخص تبدو عليه ميزة الرئاسة لم أدر إن كان هو القنصل نفسه أم نائبه .فبادرني
قائلا - سأساعدك نظرا لكونك تتوفر على مستوى دراسي محترم . سأبعثك إلى السفارة عند المبعوث الثقافي فهو
رجل نبيل وطيب وسوف يساعدك لا محالة . شكرته . فأمرني بالإنتظار خارج المكتب ففعلت . رأيت الموظف يكتب
على آلة كاتبة ويلتقط المعلومات من جواز سفري ولما انتهى وضع الرسالة داخل ظرف وقفله وختم على الظرف وسلمه إلي .
دخلت السفارة المغربية التي كانت على ما أعتقد بشارع ( nuniez de balboa ) سألت عن المبعوث الثقافي . أدخل
العون الرسالة وبقيت أنتظر لدقيقة أو دقيقة أو إثنتين بعدها أذن لي بالدخول كان المبعوث الثقافي رجلا في الأربعين من عمره جميل المحيا وأنيق كان المكتب مؤثثا بشكل رفيع يدل على قيمة صاحبه ومعه بعض الأفراد شبابا خمنت أنهم
طلبة . ما أن دخلت حتى إنسحبوا معتدرين بأدب فوجدتني وجها لوجه أمام السيد .أمرني بأدب أن أجلس ثم انشغل
بقراءة الرسالة وطلب مني مبتسما أن أحكي له مصابي . فحكيت له كيف توفي والدي وكيف جئت لأشتغل بعد انقطاعي عن الدراسة مضطرا من أجل تحمل مسؤوولية أسرتي . وكيف أصبحت مهددا بالتشرد لانعدام الشغل الخ ...
قال
أنت لا زلت شابا يافعا وأنا سوف أساعدك وأقوم بالواجب فبادرته بالشكر والإمتنان . رن الهاتف فسمعته يشرح
كلمات عربية فصحى ويدلل بمصادرها لمكلمه ثم أقفل الخط بهدوء ثم نظر إلي ووضع يده على زر فدخلت سيدة
إسبانية في الثلاثين من عمرها طويلة القامة وجمبلة ومهذبة . بادرها باسمها – senorita paz - تحدث اليها بالإسبانية عني وعن ظروفي ومستواي الدراسي وطلب منها أن تبحث لي عن منحة من أجل الدراسة هنا بالعاصمة
خرجت لدقائق قليلة ثم عادت مبدية عن أسفها معللة عدم قدرتها على مساعدتي بسبب رأس السنة الذي كان على وشك
قائلة بأن الظروف حاليا لا تسمح . فأصر عليها بأدبه المعهود بأن ظروفي صعبة وبأنها يمكن أن تلتجيء للأصدقاء
في هذه الحالة (amistades ) لعلهم ينقدون موقفي . أحسست بالخجل والحب معا أمام هذا الرجل الكريم وتراء ى
لي كما لو أنه بمثابة والدي . خرجت السيدة ثم بعد هنيهة عادت تحمل بشارة لم تكتمل . سمعتها تخبره بأن هناك منحة
ضعيفة تقدر بأربعين بسيطة يوميا بالإضافة إلى وجبة من الأكل يوميا أيضا في معهد لدراسة التصوير بالكاميرات التلفزيونية فأضاف المبعوث الثقافي بأنني يمكن أن أخصص المبلغ للمأوى ولكنني لا أستطيع الصمود بوجبة واحدة في
اليوم . تأسفت السيدة وانسحبت .
قال لي السيد بأنه سوف يرسلني عند صديق له بتطوان إسمه الأستاذ السباعي وهو مسؤوول بوزارة التربية الوطنية وسوف يساعدني لإدماجي في التعليم كمعلم . شكرته . فأخذ الهاتف واتصل بالقنصلية وطلب منهم منحي تذكرة السفر دون سحب الجواز مني . ثم خاطبني بكلام لن أنساه مدى الحياة قائلا
والله العظيم ياولدي لو كان لدي متسعا ببيتي لأخذتك معي إليه بين أسرتي فالله يعلم أن أولادي ينامون على أسرة
مثبتة فوق بعضها . شكرته متأثرا ونهض واقفا وصافحني بحرارة مسلما إلي الرسالة التي كتبها بخط يده . عدت
إلى القنصلية التي قامت بالإجراءات اللازمة وابتسم الموظف اللطيف في وجهي قائلا
لن نأخذ منك الجواز .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:06 PM
البسيط والهيئة العليا - 11 - سيرة
21-05-2008, 10:03 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32190


ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

ها قد حطتني الباخرة بميناء سبتة بعد أن لفظني الترام بالجزيرة الخضراء . وصلت نقطة الحدود لكي أدخل التراب الوطني .كان أول سؤال بادرني به شرطي سيء
ما هذه الحالة ؟ يقصد لباسي ( الجنز ) وفوق رأسي قبعة أمريكية بشعري المسترسل والذي لم يخضع للحلاق منذ عدة شهور.ربما كنت أبدو له كراعي بقر متجهم . وأضاف
أأنت هبي ؟ قلت ممتعضا ( وهل هذا شأنك ؟ ) لم يرق له جوابي السؤال . فأطلق العنان ليده القذرة وصفعني . حاولت فعل شيء لم أحدده لكنني كتمت غيضي
مبتلعا هذه الإهانة ومع ذلك لم يترك لي وقتا لذلك فدفعني بوحشية وأجلسني على كرسي متهالك كاد أن يتكسر بفعل تثاقل جسدي ثم زاد قائلا( مال دين موك ؟ )
حضرتني شهية لكي أقطع لسانه لكنني للتو سيطرت على فورة غضبي كي لا أزيد المشكلة تعقيدا لأنني الخاسر الأول والأخير . بقيت محتجزا بدون تهمة طوال اليوم
بدون أكل ولم يسمح لي حتى بالتدخين إلى أن حضر الرئيس وكان رجلا طبيعيا أطلق سراحي فور مجيئه .
دخلت تطوان ليلا . كنت في حالة نفسية سيئة للغاية وبدا لي العالم ضيقا لا يسعني رغم شساعته ومساحته وبدا لي البشر كحيوانات شرسة . لكنني لما وضعت رحالي
ببيت والدي أحسست بالأمان والسكينة وبدأت أستعيد شريط حدث نقطة الحدود .واختلط حزني بخيبتي حينما حدست ما ينتظرني من أسئلة شامتة من معارفي وأصدقائي
غدا صباحا . كيف أشرح لعؤلاء حقيقة الظروف بالنسبة لنا كمهاجرين ؟ كيف أوضح لهم عدم تأقلمي مع الغربة المحكومة بالأشغال الشاقة أو ندرة العمل ؟ كيف لي بإقناعهم بخطأ ظنونهم وسداجتها ؟ وبأن أوربا للأوربيين وليست للغرباء مثلنا ؟ كنت أسابق الأحداث فكأني بهم يحدجونني بنظراتهم الشامتة والساخرة فأكاد أنفجر
من الغيض . علمت فتاتي بقدومي فحضرت وكانت هي الوحيدة التي قابلتني بابتسامتها المرحبة وبحديثها المتسامح والفرحة تملأ قلبها الطيب لا تريد مني سوى وجودي وحضوري لم تكن تطلب شيئا مني لكنني ككل خائب فاشل كنت أداري وجودي بأنانية مريضة يشوبها نوع من عدم الإهتمام بها وبصدق عواطفها النبيلة.
أسرتي يئست مني .لقد تأكدت من أنني لست ذلك العضو العائلي الجدير بإحلال محل أبي الراحل لحمايتها من غدر الزمان . لذا كان علي أن أكتشف أن والدتي
إضطرت للخروج للعمل لإنقاذ الأسرة . علمت للتو بأنها تشتغل بالحمام البلدي الخاص بالسيدات وهو على مقربة من بيتنا بأجرة تكاد لا تسمن ولا تغني من جوع .
كان هذا الخبر الغير المتوقع الضربة القاضية لما تبقى من كرامتي أمام ساكنة الحي التي كانت دائما بالمرصاد لكي يذكرونني بفاجعتي كلما أردت النسيان ولو
للحظة. صرت إنسانا منغلقا منطويا على حزني هاربا دائما من التجمعات أو الحفلات التي كنت فيما مضى بطلها ونجمها المفضل . وتكالبت علي الشماتات
والشامتون والمنتقمون من ماضي اللامع والجميل . وحدها فتاتي كانت تقف إلى جانبي ولم تتغير . ومع ذلك فأنا الذي كان عليه أن يتغير نحوها ولم أكن قادرا
لأبادلها جميل سلوكها وعواطفها النبيلة .دفنت نفسي حيا في المقاهي الرخيصة أدخن القنب الهندي وسكنتني الرغبة في الهروب من كل شيء وعدم القدرة على
مواجهة الواقع المر . وتحولت إلى إنسان زاهد لا يرغب في شيء ولا يطلب شيئا بالمرة . ولا يستقبل أحدا ولو من الأقارب ولم أعد أرى أحدا بما في ذلك
إخوتي ووالدتي وهم أعز الناس إلي .
لم تكن والدتي لتفهمني وتفهم هذا الطفل المصدوم بل صارت تعاكسني وتوجه الضربة تلو الأخرى لما تبقى من كبريائي واشتعل الخلاف والتحدي بيننا
وبقدر ما كنت أحبها بقدر ما صرت أكرهها أو هكذا توهمت .
ودارت الأيام والشهور قبل أن أعود من جديد إلى الغربة فقد كانت أهون علي من غربة الوطن وضراوته . أهون علي من عتاب ذوي القربى وظلمهم
وتحولت إلى شاعر حقيقي أشعر أكثر من اللازم وأفكر أكثر مما ينبغي وأتعذب لأتفه الأشياء وادلهمت الدنيا في عيني وهيأت نفسي للرحيل نحو العالم
الواسع والشاسع الذي كان ينتظرني بأحداثه حلوها ومرها .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:07 PM
البسيط والهيئة العليا - 12- سيرة
23-05-2008, 10:33 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32272


البسيط والهيئة العليا – 12 – سيرة
..........................................
هيأت نفسي للسفر والعودة إلى إسبانيا من جديد . نحن الآن في الشهر الثاني أو الثالث من سنة 1968 فلربما إنفرجت
الأوضاع الإقتصادية ولعلني أجد عملا أنقد به الظرف الراهن ولو مؤقتا وأساعد أسرتي . إن الشخص الذي أرسلني إليه المبعوث الثقافي من سفارة المغرب بإسبانيا لم يقم بالمطلوب بل صار يماطلني إلى أن تأكدت من عدم
جدوى الإتصال به .
كان علي أن أتدبر مصاريف السفر بطريقتي الخاصة . وكانت حينذاك مائة درهم توصلك إلى حدود إسبانيا مع فرنسا
فلمجرد أن تحول المائة درهم تلك إلى العملة الإسبانية تصبح ألفي بسيطة . وقد رافقني خلال هذه الرحلة صديق ملقب ب ( تمودة ) وآخر يسمى ( محمد الطويل ) هذا الأخير رفقته ستنتهي بمدينة سبتة ويعود أدراجه. بينما ( تمودة ) سيواصل المشوار معي . وصلنا نقطة الحدود الإسبانية فوجدنا طابورا من العابرين يقفون مصطفين للوصول واحدا واحدا لشباك مراقبة الجوازات وكانوا خليطا من الاجناس المختلفة . لاحظت أن المغاربة لوحدهم يشيرون عليهم بالوقوف
أمام حائط المكتب ريثما ينظرون في أمرهم بينما الأجناس الأخرى يتم ختم جوازهم فيعبرون بطريقة طبيعية . أحسست بالدم يغلي في عروقي إنه تمييز عنصري سافر ومبالغ فيه ولم يسبق لي أن رأيت مثله . لم أكن قد حددت رد فعلي
على هذه الإهانة لكنني لما وصلت الشباك وأدليت بالجواز المغربي أشار علي بالمثل .كان رد فعلي متهورا فقد رميت
بالجواز على وجه رجل الأمن الإسباني وقلت له باللغة الإسبانية ( sillalo ) قام من مكانه فسقط الكرسي خلفه وأحدث
جلبة خرج على إثرها من المكتب من باب خلفي مسرعا والتحق بي وأخذني من يدي فأسقطتها وقلت له غاضبا بلغته
( no me toques ) ثم أطلقت وابلا من الشتائم باللغة الإسبانية على كل مقدساتهم – وكان ذلك جاريا به العمل من طرف الإسبان نفسهم فهم لما يغضبون يشتمون مقدساتهم وكان ذلك عندهم أمر عادي - لم أكن لأسيطر على أعصابي
وتابعت قائلا ( ألسنا نحن كهؤلاء ؟ – وأشرت إلى الأجناس الأخرى – فإذا كان هذا الجواز غير صالح فعليكم أن تخبروا
سلطتنا بذلك . نحن نعاملكم بالحسنى ببلادنا وأنتم دائما تهينوننا . هذا الأسلوب العنصري يجب أن يتوقف . ) .
وقف رجال الأمن مشدوهين مبهورين أمام غضبي ولم أكن أتوقع ردهم المفاجيء بتلك الطريقة التي حدثت . فقد أخذوا
منا جوازاتنا وتم ختمها وسمحوا لنا بالمرور كسائر الأجناس الأخرى ودون أن ينبسوا ببنت شفة . لكن المؤامرة كانت تحاك داخل سبتة السليبة . وصلنا الميناء وكان علينا أن نودع ودائعنا بالمكان المخصص لذلك كالعادة (la consigna ) لأن الباخرة سوف تقلع بعد ساعة أو ساعتين وعلينا أن ندخل حانة لنشرب بعض المشروبات . كان محل إيداع الودائع ليس كعادته . كان هناك طفل مغربي صغير يبلغ نحو 12 سنة . كان يعبث بمفاتيح بيده ولما طلبنا منه
خدمتنا امتنع وهم بإقفال المحل . ثارت ثائرتي لكنني كتمت غيضي . عدنا للجلوس على كراسي خشبية موجودة بالباحة
الواسعة . وبعد برهة رأيت الطفل المغربي يستلم من بعض الإنجليز ودائعهم وأغراضهم فلحقت به فأعاد الكرة معنا مرة
ثانية وهو يعبث بالمفاتيح ويقول ( مقفول ) فلم أشعر – وكانت غلطة – أخدته من أذنه وقرصتها بلا رحمة فصرخ
الطفل من شدة الألم .فخرج عدد من الإسبان من مكاتبهم – مصلحة الصرف ومكتب حراسة للشرطة – وتحلقوا حولي محتجين فأظهر لي أحدهم بطاقة الشرطة ورافقتهم إلى مكتب الأمن الذي كان على بعد أمتار . وما أن أصبحت بالداخل
حتى بادروا إلى ضربي بلكمات وصفعات خفيفة فكان رد فعلي مضاعف وأصبت أحدهم في وجهه بلكمة قوية . وأحدثت جلبة كالصاعقة موجها شتائم بالإسبانية إليهم جميعا ( cobardes desgraciados ) واجتمع المسافرون خارج مسرح الأحداث وأصبحت الباحة مليئة بالناس إسبان وأجانب . توقف كل شيء . خرجت مسرعا في طلب رفيقي
- تمودة ومحمد الطويل - لكنهم هرعوا ورائي وأعادوني دون أن يسمحوا لهما بالدخول حتى لا يصبحا شاهدين .
للتو وبسرعة البرق تم إحضار والد الطفل المغربي . نهضت من مكاني ووجهت سؤالي إلى الوالد المغربي بلغتنا
( أأنت مغربي ؟ ) قال الرجل ( لست مغربيا ) إبتسمت ساخرا في وجهه وقلت له باللغة الإسبانية ليفهم الجميع
( aunque tienes la nacionalidad espanola siempre siguiras un puto moro y ellos te trataran
Como un hijo de puta moro ) .كانت هذه الجملة كفيلة لكي ينقلب الرجل المغربي ضد الأمن . فالتقط يد إبنه وقال لهم سآخذ إبني لا أريد شيئا من هذا الرجل – أي يتخلى عن متابعتي – قالها بالإسبانية وخرج
بإبنه . بقيت وجها لوجه أمام البوليس الإسباني فبادرني أحدهم قائلا ( ؟ a que hora sale su barco ) عرفت حينئذ
أنهم تخلوا عن متابعتي فقد أصبحت بدون تهمة . لكنني صدمتهم بجوابي ( no salgo en ningun barco es que me quedo con vosotro porque me habeis gustado ) فأصيبوا بالغضب من سخريتي اللاذعة
فقام أحدهم وتناول أوراقا وبدأ في كتابة المحضر على الآلة الكاتبة .
كنت جالسا أفكر في ما يحدث لي. وبدا لي العالم دنيئا في كل مكان . تذكرت الماضي الجميل وتذكرت غدر الزمن
ووالدي الطيب . وقبل أن تنهمر العبرات من عيني واريت وجهي بين كفي الإثنتين وبكيت في صمت وهدوء .
أحسست بيد حطت على كتفي برفق شديد فرفعت وجهي المبلل فخاطبني - وكان رئيسهم - (؟ has repentido
قلت ( no )
قال ( إذن لماذا تبكي ) قلت له ( أيهمك أن تعرف لماذا أبكي ) قال الرجل ( نعم يهمني كثيرا ياسيدي )
كلمة سيدي كان وقعها دافئا وجميلا على قلبي . أحسست بأنهم تعاطفوا معي وفهموا بأنني إنسان مثلهم ثم تابعت( إنني أبكي فقط لأنني مغربي إذ لو كنت إنجليزيا أو أمريكيا لما حدث لي ما حدث )
سمعت الرجل يقول لي بلغته الإسبانية ( que salga usted cuando pueda ) .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:08 PM
البسيط والهيئة العليا -13- سيرة
27-05-2008, 12:26 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32404


ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

نزلت من الباخرة في الجزيرة الخضراء . بعدما تخلى عني مرافقي ( تمودة ) بمدينة سبتة . خمنت أن ظنه ذهب بعيدا ربما حسب رفقته لي لن يخرج منها بسلام
وعاد أدراجه مع الصديق ( محمد الطويل ) . وإلا كيف أنه قبل السفر فكان يناشدني أن أسمح له باصطحابي وبعد الحدث صار يطلب مني أن أقبل اعتذاره
ويرجع من حيث أتى ؟ كانت وجهتي هذه المرة نحو مدينة سان سيبسطيان بمنطقة (guipuzcoa ) . سمعت أن هذه المنطقة يتوفر فيها الشغل بكثرة ككل مناطق الشمال
بالإضافة إلى وجود عدد من معارفي وأصدقاء الحي الذي أسكنه بتطوان يعملون هناك منذ مدة . هناك مثلا ( البرنوصي ومصطفى ولد القايد ميمون .و الملقب ب
- عريجة - لأنه يعرج قليلا . وعبد السلام المسمى ب _ الشرفة - وغيرهم .
وصلت هذه المدينة السياحية التي تنام جنب البحر مدينة جميلة وهادئة رغم الوجود الثوري البسكي الذي يطالب بالإنفصال . قصدت ( barrio iguia ) وهو حي شعبي يأوي مهاجرين إسبان جنوبيين ومهاجرين مغاربة وبعض البرتغاليين المتخلفين أكثر منا آنذاك . لم أجد صعوبة في إيجاد معارفي وأولاد
الدرب كما يقال في الجنوب عندنا بالمغرب . قاموا بإكرام وفادتي وقارعنا الكؤوس في العديد من الحانات بذلك الحي الشعبي الجميل . في حين كان مصطفى
ولد القائد يختفي من حين لآخر ثم يحضر . عرفت فيما بعد أنه إتصل بسيدة البيت الإسبانية وحجز لي مكان داخل الحجرة التي ينام فيها وتم وضع فراش
إضافي لي . كما تم أيضا مهاتفة رئيس الورش الذي يشتغل به يطلب منه الإذن لإحضار ي للعمل بجانبه بنفس الورش وكان هو أي مصطفى له الكلمة
المسموعة من طرف رئيسه لأنه يتمتع بالجنسية الإسبانية مررت إليه عن طريق والده الذي كان قائدا بالجيش الإسباني ولهذا كان يسمى بولد القائد ميمون .
كان هذا من حسن حظي أن اعاشر هذا الشخص النبيل والكريم لحد التبدير وكان رجلا شروبا لحد الموت . كل شيء تمت تسويته دون علمي . وانسجمت
مع أصحاب الباريو بما في ذلك المهاجرين الإسبان .كانوا طيبين ومتسامحين إلا بعضا منهم كما يحصل في أي مكان .كانت تجر ى من حين لآخر حفلات
تسمي بالإسبانية - verbena - حفلات للرقص . الرجل مع المرأة شبابا وشيوخا . وكانت الفتيات تسمح لنا بالرقص معهن . وبعضهن كانت تفضل المغربي
على الإسباني بسبب حرارة جسمه إذ عندما يلتصق الجسدان كان يحدث لنا الإنتصاب .وتكونت صداقات بيننا . لكن تقاليدهم كانت حينذاك تقبر هذه الصداقات لأنهم
لا يريدون أن تصل الى ما هو أكثر من الرقص .لأن فتاة تسمى - rosi - ضبطتها جارتي وهي في خلوة معي فوشت بها إلى والدتها فاختفت الفتاة إلى الأبد
وكان ذلك بسببي . أما المنزل الذي كنت أقيم فيه مع مصطفى . كان بجانب حجرتنا. أخرى لزوجين إسبانيين حديثي العهد بالزواج بدون أولاد . يخططان لمستقبلهما
ووجودهما هناك كان مؤقتا ريثما . كانا نبيلين وطيبين للغاية حتى أن الزوج كان يأتي بزوجته لحجرتنا أو في مطبخ البيت ونتبادل أطراف الحديث . أما صاحبة
البيت كانت في الثلاثين من عمرها . لاهي جميلة ولا هي عكس ذلك . لها إبنة في ربيعها الخامس أو السادس لست أعرف بالضبط . كانت طيبة لكنها عاشقة
لأنها تنتظرني كل سبت حينما احضر وأنا ثمل في الهزيع الأخير من الليل وهي بملابس شفافة كانت امرأة في الثلاثين تعشق شابا في العشرين من عمره أو
ربما أقل . لم أبادلها عشقا بعشق ليس لأنني لا أريد . لا . فقط لأنني غبي فقد كنت أقول مع نفسي ( ربما المرأة ليست نيتها في ذلك ) لكنني تأكدت عندما
عدت إلى المغرب وصلني خبر من مصطفى بأن شخصا يسمى ( علي ) انتقل إلى مكاني . وذات يوم دخل صديقي على حين غرة فضبطها غارقة
بين أحضانه . وهذا ما جعلني حينما أعود لم أذهب إلى ذلك البيت لكي لا أعكر الجو على العاشقين . وشاءت الظروف والتقيت بها في الشارع يوما بعد العودة
وسألتني لماذا لم أزرها بالبيت ؟ فوعدتها بالزيارة لكنني لم أفعل. ومرت الشهور على هذا المنوال متأقلما مع الحياة الجديدة وكنت قد نسيت العالم الذي أتيت منه
وأستطيع أن أجزم بأن كل شيء كان يسير على ما يرام . لكنني لم أكن أكتب للأهل ولا لفتاتي فقد كنت نسيت نفسي . لكنني كنت أستقي الأخبار بطرق
شتى .وقد قمت مرات قليلة بإرسال بعض النقود للأسرة لكن ذلك كان يتم نادرا .لأن أجرتي بالكاد كانت تغطي مصاريف العيش والتسكع أيام السبت
إلى غاية آخر الليل.
ذات يوم جئت للبيت مساءا فوجدت تليغرافا ينتظرني ويحثني على العودة عاجلا . وذلك من أجل التدريس كمعلم بالمرحلة الإبتدائية وقد أدلت شقيقتي الأكبر سنا
بشهادة البروفي ( الثانوية ) في ملف للعمالة آنذاك وتم استدعائي لأستأنف التدريس . جمعت أغراضي وساعدني مصطفى ببعض النقود وكذلك فعلت صاحبة
البيت لكنني رفضت استلام النقود منها بدعوى أنني أتوفر عليها وكان العكس هو الصحيح .
وجدتني بتطوان تسلمت الدعوة والتذكرة التي كانت على حساب العمالة وأصبحت بسيدي سليمان بمعسكر مليء بالجنود والمجندين . وأصبحت مجندا خاصا
لكننا لم نكن نلبس اللباس العسكري فكنا نقوم بتدريس الأطفال بالمدارس الإبتدائية الحكومية ونعود مساءا للثكنة حيث خصص لنا منطقة خاصة بنا وناديا
خاصا بنا وكنا نتمتع برتبة ضابط صف شرفيا فقط وكانت لنا بطاقات عسكرية في حين لم نكن ننتسب للجيش لأن ورقة التعيين كانت من وزارة التربية الوطنية
لكن الأجرة ( مائتي درهم ) شهريا كان القبطان الزيتوني والكومندان الحايك هما من يدفع لنا . أما المعلمين الأصليين بالمدارس التي كنا ندرس فيها فكانوا
يتوجسون منا . وكنت أنا أدرس بمدرسة للامريم للبنين والبنات وهناك تعرفت على أنبل إنسان في حياتي كان هو الناقد المسرحي المعروف حاليا الأستاذ
كويندي سالم . كان نبيلا وطيبا وثوريا . كنا نتفاهم كما لو أننا متشابهان في الأفكار .كان ذلك بالدار البيضاء سنة 1968 .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:12 PM
البسيط والهيئة العليا -14- سيرة
29-05-2008, 11:08 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32497


البسيط والهيئة العلي - 14 - سيرة

حي للامريم بالبيضاء حي فقير يسكنه من تقطعت بهم السبل . مديرة المدرسة سيدة من عائلة عريقة من أصل فاسي ( السقاط ) سيدة في منتصف العمر تتمتع بقسط
غير قليل من الجمال . مهذبة . أسندت إلي القسم التحضيري للذكور والإناث كان يضم تلامذة كرروا السنة الدراسية لعدم توفرهم على نقط النجاح . كنت أتناوب على
تدريسهم مع معلم أصله من شمال المغرب إسمه الأستاذ - أشندير - . أول شيء قمت به نحو هؤلاء التلاميذ هو محبتهم . والتفاني في خدمتهم ومساعدتهم . وأصبحت أجتهد من أجل تكوينهم إلى أن جعلتهم من أحسن تلاميذ الأقسام التحضيرية على الإطلاق. حولتهم من تلاميذ فاشلين إلى تلاميذ نجباء ناجحين . ورغم هزالة
أجرتي بصفتي معلم مجند فقد خصصت قسطا من هذه الأجرة لمساعدة الأكثر ضعفا منهم . أحببت هؤلاء الأبرياء حبا جما فبادلوني نفس الحب . عرفت ذلك من خلال
ذات صباح تأخرت عن موعد الحضور لعملي بسبب انعدام المواصلات بطريقة مفاجئة فكان علي أن أقطع المسافة مشيا على الأقدام فوصلت متأخرا بربع ساعة أو
أكثر . كل التلاميذ دخلوا أقسامهم إلا تلامذتي فقد كانوا ينتظرون بساحة المدرسة صامتين والحزن يملأ قلوبهم الصغيرة البريئة وما أن ولجت باب المؤسسة ورأوني
مقبلا حتى قفزوا كلهم فرحين مبتهجين بمجيئي محدثين جلبة وضجيجا يعبر عن سرورهم بي . ورأيت مديرة المدرسة تخرج من مكتبها لتتحرى سبب هذا الإنفعال
واستغربت للأمر لأن ذلك لم يحدث مع معلم آخر طوال مشوارها التربوي حسب اعترافها . فاجأني الموقف وانهمرت الدموع من عيني سعادة بما حصل وأنا أقف مع السيدة ملقيا عليها تحية الصباح . ثم قالت لي ( ماالذي يحدث معك أيها الرومانسي الكبير؟ ) دخلت القسم وأحسست أنني مع من يحبني فأديت واجبي بشكل مبالغ فيه
كان لدي تلميذ بدون أب يسمى ( سعيد ) في الغد قدمت لع هدية حداء رياضي . وأخرى ببشرة سوداء أهديتها بذلة بيضاء مدرسية لأنها كانت تلبس واحدة بهتت
وفقدت لونها لأقدميتها . ذاع صيتي لذى بعض أولياء التلاميذ وكان منهم من حضر للثناء علي . أيضا كان لدي تلميذ رغم ما بذلته من مجهود للرفع من مستواه
بقي على حاله وكان يتغيب بكثرة فتم طرده . جاءت والته الأرملة تتوسل إلي كي أعيده للدرس . فلبيت طلبها . شكرتني - وكانت لازالت شابة - قالت لي
( أين ألتقي بك ؟ ) كان هدفها غير بريء وظنت أن الخدمة لابد لها من مقابل . فرفضت هذا النوع من السلوك وصرفتها بأدب دون أن أجرح مشاعرها وكرامتها .
كانت علاقتي بباقي المعلمين علاقة طيبة لكن علاقتي بالصديق - كويندي سالم - الناقد المسرحي حاليا . كانت علاقة خاصة ومتميزة . كنا نحمل فكرا ثوريا منا معا
معجبون بالثائر ( تشيغي فارا ) وكان هو أيضا يحب تلامذته ويجتهد في خدمتهم . وكان معلمو المدرسة يجتمعون أحيانا أثناء أوقات الدرس لشرب المونادا
والدرد شة وكانوا يبعثون في أثرنا لمشاركتهم فكنا نعتذر بدعوى انشغالنا بالدرس وكان هذا الإمتناع عفويا منا لأننا لم نكن قد إتفقنا على ذلك مسبقا .
كنت متحمسا للأفكار الثورية وكانت جولتي في أوربا قد فعلت فعلها في نفسي . وكنت لا أخفي أفكاري عن باقي معلمي المدرسة . وخلال شهر رمضان من تلك السنة
كنت أجتمع بمعلم الفرنسية كان إسمه على ما أظن ( صالح ) وهو من وجدة . كنا نتوارى عن الأنظار بقسم من الأقسام ونتناول وجبتنا وكان كل المعلمين على علم
بذلك لأنني كنت أفتخر بتصرفي ذاك . وكان ( سالم ) لا يشاركنا الأكل لأنه كان يواضب على الصيام رغم أفكاره الثورية . لكنني كنت أحترم شعوره واختياراته .
وقد انتشر خبر تمردي وتفشى .
ذات صباح وأنا داخل القسم أستعد للدرس وبعد تنشيط تلامذتي كي أدخل في الدرس - وكانت هذه طريقتي في التدريس - سمعت طرقا على الباب كدت لا أنتبه له
ودخل سيد عليه علامات الواثق من نفسه أشرت على التلاميذ بالوقوف احتراما . صافحت السيد وقدم لي نفسه كمفتش تربوي حضر ليقوم بعمله . رحبت به . وناولته الكرسي ليجلس عليه . ووضعت بين يديه محاضر دروس اليوم وكان كل شيء لدي منظما وعلى أفضل حال .
كان لدي درس التلاوة لكن السيد المفتش أمرني بأن أدخل في درس القرآن الكريم . وفهمت الرسالة . مسحت درس التلاوة الذي كنت أكتبه قبل دخول التلاميذ للقسم
وكتبت بخط كبير وواضح ( مراجعة في مادة القرآن الكريم ) . ثم توجهت للتلاميذ بوابل من الأسئلة المكثفة بخصوص سور عديدة كنا قد اعتمدناها خلال
شهور خلت . وقمت بمسح للدروس السالفة لأعطيه جوابا على رسالته التي وصلتني بالفعل وعليه أن يفهم الحقيقة .
أردت أن ألمح له بأن أفكاري هي أفكار خاصة بي . أما ما أدرسه لتلامذتي فهو بالضرورة ما حددته الوزارة وليس شيئا آخر. بعد ذلك إقترح علي السيد
المفتش أن أدخل في درس التلاوة . فعدت من جديد لكتابة الدرس الجديد . فقام هو وناب عني في توجيه الأسئلة للتلاميذ فكانوا كلهم عن بكرة أبيهم يرفعون
أياديهم يتهافتون على الأجوبة . أحسست بالإنتشاء والنصر . كان كل التلاميذ في مستوى عالي من الحيوية والنشاط والتجاوب مع السيد المفتش .
في الأخير قادني نحو ركن من أركان القسم بينما دخل التلاميذ في وشوشة خفيفة ساعدتنا على التفرغ للحديث في الموضوع الذي أتى من أجله . ثم وجه إلي هذا السؤال
( كم معلم بهذه المدرسة ؟ ) قلت - كذ ا - قال ( بدون مجاملة أنت أحسن معلم بهذه المؤسسة . ينقصك فقط أن تعدل من طبيعة سلوكك حينها سوف يعانقك
التعليم ويحضنك بكلتا يديه ) شكرته وأثنيت عليه وعلى شهامته وسلم إلي تقريره حول الزيارة فكان تقريرا رائعا ينوه بمقدرتي وكفاءتي بصدد التبليغ وتنشيط
الجو التربوي داخل القسم . وصافحني مودعا .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:13 PM
البسيط والهيئة العليا - 15 - سيرة
30-05-2008, 08:54 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32522


طوال المدة التي قضيتها بالمدرسة . كان القدر يلعب معي لعبته فكأنني به يمتحنني من خلال ما يرسمه لي من أحداث غير عادية . كانت الثكنة العسكرية التي تأويني
تقع جنب عمارات عسكرية يسكنها ضباط عسكريون من مختلف الرتب وشاء القدر أن تكون شقيقتي إحدى ساكنة هذا الحي . لأن زوجها ضابط صغير برتبة ( أجودان
شاف ) كانت شقته بعمارة في الطابق الأول بينما الطابق الثاني تسكنه أسرة ضابط برتبة قبطان . وكان ببيت شقيقتي فتاة في السابعة عشرة من عمرها تساعد أختي
في أشغال البيت أتت بها من تطوان بعد أن استلمتها من يد والديها. وبطريقة أو بأخرى أرادت تلك الأسرة اجتذاب الفتاة لتعمل عندها ولكن بطريقة غير مقبولة وغير قانونية . لأن هذه الفتاة إذا رغبت في الإنتقال عند أسرة أخرى يجب أولا
إعادتها إلى والديها .تفاديا لعواقب شتى . ولأن الفتاة أرادت أن تنتقل أو أريد لها ذلك بطريقة غير سليمة فقد نشب الخلاف بين الأسرتين . وتم مهاجمة أختي ببيتها من طرف زوجة القبطان وأختها . علمت بالأمر وحضرت إلى المنزل لحماية شقيقتي من أي مكروه لأن صهري كان يعمل بثكنة بعيدة بضواحي البيضاء بمنطقة تسمى ( النواصر ) ولا يتواجد بالبيت إلا بعد المساء وأيام العطل . كان القبطان مكلف بشؤوننا كمجندين خواص وتحت إشرافه كنا نتسلم أجورنا .
إنتظرت حضور ه إلى بيته فالتقيت به على سلم العمارة وأخبرته بما حدث وطلبت منه التدخل لمعالجة المشكل
وإرجاع الفتاة إلى مكانها الطبيعي وتسليمها إلى والديها وبعد ذلك ينقلها إلى بيته إن رغب في ذلك . لكنه جاوبني بطريقة متعالية ومتغطرسة وحذرني على كوني أتكلم مع قبطان بالقوات المسلحة .
في المساء بينما كنت بحجرتي داخل الثكنة فوجئت بجلبة صاخبة من جراء وقوف سيارة ( جيب ) مستعملة الحصار بشكل مسموع . خرج منها أربعة جنود ورئيسهم واقتحموا حجرتي بشكل بث الرعب في نفسي وانقضوا علي وحملوني من
يدي ورجلي كما لو أنني مدان في قضية خطيرة وألقوا بي داخل ( الجيب ) وأقلعت بنا السيارة نحو مكتب الرئيس
الكومندار . كان محفوفا بالضباط بينما يقف جنبهم شخص برتبة - أجودان – متصلبا لا يتحرك .

من تكون أنت لتعترض طريق القبطان وتخاطبه بلا احترام أيها القذر ؟
قلت ( سيدي الكومندار ..... ) قاطعني غاضبا
إصمت . سوف أحلق رأسك وأزج بك في السجن
ثم أشار على الجنود وأخرجوني ووضعوني من جديد بسيارة الجيب . ظننت حينئذ أنني ذاهب إلى السجن لا محالة
لكنهم أرجعوني إلى مكاني وانصرفوا دون أن يؤذوني .
خلال ذلك المساء زرت شقيقتي وكان صهري حاضرا وغاضبا وكان ينوي الإتصال بالقبطان لتسوية مسألة الفتاة .
لكنني طلبت منه أن يعزف عن ذلك ونتصل بالشرطة لحسم مشكل البنت . وفعلا تم ذلك يوم غد وتمت التسوية بوساطة
الشرطة وانتهى الأمر .
بعد بضعة أسابيع تم نقل صهري من ضواحي البيضاء إلى غياهب الصحراء المغربية بمدينة قصر السوق وتم تجميد ترقيته لسنين طويلة .
بقيت بالبيضاء لوحدي طوال الموسم الدراسي وهدأت الأمور ولم يؤذيني أحد داخل الثكنة .
.

محمد رشدي
18-12-2011, 12:15 PM
البسيط والهيئة العليا - 16 - سيرة
04-06-2008, 04:52 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32652


كان لي نصيب آخر من تلك الأحداث . هذه المرة مع مديرة المدرسة . فقد أصدرت أمرا لكل التلاميذ بأقسام المؤسسة لكي يأتوا بدرهم أو درهمين لكل فرد
من أجل تجيير وصباغة جدران وأبواب المؤسسة . غير أن هذا الفعل يتكرر الآن ولا صباغة أو تجيير ولا هم يحزنون . قأصدرت أمر ي أنا كذلك لتلامذتي
لكي لا يدفعوا ولو سنتيما واحدا. ولكنها لما أن دخلت إلى قسمي أدهلتها المفاجأة . فبادرتني قائلة ( كيف ياأستاذ ؟ ولو تلميذ واحد ؟ قلت إن تلامذتي أبناء
فقراء . ونحن من يجب أن نساعدهم وليس العكس هو الصحيح . فاستشاطت غضبا ثم أضافت ( أنت لست إلا معلما مؤقتا ومع ذلك تبحث عن الأتعاب لنفسك) قلت ( أفضل أن أكون مؤقتا وأتنازل لكم عن أن أكون معلما رسميا في ظل هذه الأجواء . لأنني راحل ولا يشرفني أن أكون بينكم ) وأضفت
( إخرجي من القسم فورا ) وصفقت الباب من ورائها .
قرأت في عيون تلامذتي علامة الحيرة والذهول ليس استغرابا من تصرفي وإنما خوفا علي من عواقب هذا السلوك . فعلى الأقل كان علي أن أتصرف
بهدوء وبلا غضب وبدبلوماسية حتى .
كان زوج السيدة المديرة رجل أعمال له مشاريع بالبيضاء قيل أنها معامل النسيج . هكدا سمعت من بعض معلمي المدرسة . كان لا يفارق زوجته يظل بجانبها طوال اليوم يساعدها من حين لآخر كما لو أنه موظف بالمؤسسة . وكان رجلا مهذبا مثلها ولا يتدخل أبدا في شؤون المؤسسة . فرغم الخلاف الذي
نشب بيني وبين مديرة المدرسة وأحداث أخرى اختزلتها في حدث واحد لضيق الوقت . لم يتدخل أبدا في شأننا هذا كأنه غير موجود . وقد مر زمن طويل على هذه الأحداث فأجدني نادما على تصرفي مع هذه
السيدة فلقد كانت أخلاقها عالية . وكان علي أن أترك السيدة وشأنها مع تلامذة القسم فأنا لست وصيا على أحد. توالت الأيام والشهور على هذه الأحداث وأحداث أخرى شبيهة . وأصبحنا قاب قوسين من إجراء الإمتحانات والعطلة الصيفية . جاءتني السيدة المديرة وسلمت لي أمر ا بتوقيفي من طرف نيابة
التعليم . علي أن أرحل دون السهر على امتحانات تلامذتي لكنني أصررت على البقاء لأجل تحديد النقط ولكي لا يتم الإنتقام منهم بسبب خلافاتي مع المشرفة على المؤسسة . لكنها فرضت نظاما جديدا
يتمثل في تبادل الأقسام بين المعلمين فلم أجد بدا من ذلك سوى وصايتي لمن يبادلني القسم والتلاميذ.
كنت أشعر بالمهانة وبرغبة جامحة في البكاء لقد كنت مدمرا . لم تتح لي فرصة توديع تلامذتي . رحلت دون أن أتمكن من الإطلاع على قائمة الناجحين أو أساهم في كتابتها .
داخل الثكنة العسكرية كان لنا ناديا خاصا بنا . تباع لنا فيه الجعة بثمن بخس . شربت كثيرا مع الشاربين وشاركتهم في لعبة الأوراق ( لعبة القمار ) وكنا جميعا تسلمنا أجورنا كاملة وانتهت مدة التجنيد مع انتهاء الموسم الدراسي . وسوف لا نعود مجددا للثكنة أو للتدريس بعد أن تم فحصنا صحيا وتم الإحتفاظ ببعض الأفراد الذين ثبت إصابتهم بمرض السل .
إندمجت في لعبة القمار وخسرت كل ما لدي من نقود ولم يفضل لي سوى عشرة دراهم أخيرة . كنت يائسا من استرجاع فلوسي لكنني قطعت الورق وناديت على ( sota ) وهي عبارة عن فتاة
في لعبة الأوراق تلك . ففوجئت بخروجها في الورقة الأولى ضاحكة في وجهي فقفزت من الفرحة وتسلمت الورق لأقوم بالتفريق عند كل عملية قطع فكنت أربح وأربح بسرعة فائقة كما لو أن كل شيء
انقلب لفائدتي فكثرت النقود بين يدي وفي جيوبي وتم إنقاذ الموقف . لدي الآن ما يكفي للسفر إلى أوربا حينئذ توقفت تماما عن الإستمرار في اللعب تفاديا لأي انقلاب مفاجيء في اللعبة وذلك كثيرا ما
يحدث لبعض المحظوظين فيتحولون إلى خاسرين . ألح علي بعضهم لكي أستمر لكنني توقفت وامتنعت عن المزايدة . تحسست جيوبي وانتقلت الى حجرتي وانا مبتهج بالتحول الذي لم يكن يخطر لي على بال
زنمت نوما عميقا إلى غاية الصباح . وقد أخبرني بعضهم بأنني كنت أصرخ من داخل حجرتي بأعلى صوتي ( أنا الله أنا الله ) . ذلك ما أقوم به أيضا حينما أشرب أكثر من اللازم ويخونني العقل .
هكذا تفرق شمل المعلمين المجندين والتحقت بأوربا من جديد حيث سأمضي سنوات من عمري عابرا للقارات كبحار . بينما رفاقي المجندين تم دمجهم في وزارة التربية الوطنية التي كانت تسمى وزارة
التعليم آنذاك . ومنهم من وصل إلى أعلى المناصب كمدراء ومفتشين ليحالوا على التقاعد وهم في مستوى مادي محترم .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:17 PM
الرياح الوثنية
06-06-2008, 04:26 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32719


ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

تلاعبت الرياح الوثنية بوجودي الخاص
ثم رحل إزميل الحب وغابت قسمات الفاكهة أثناء هذا الرحيل ..
بقيت أجثاث العنبر لاصقة بتلابيب المكان تعبق برائحته الزكية ..
من حين لآخر أستيقظ من عتمات المكان
لأتنزه بين بساتين الحلم والإسقاط الناتىء فيه
ينزل المطر زخات زخات بعد سكون الصمت النازح نحو الموت
لن يفلح زئير الكلام لمجرد أنه كلام
بل تنبت من حين لآخر زنابق سوداء في باحة النزل فأرنو وحدي
نحو صحوة القلب التائه بلا خرائط عبر محيطات وصحاري بلا إله
بلا وصاية أو عناية تلائم هذا اللغز الذي يختلف كثيرا عن الثلج
تحولت إلى إنسان بلا عمامة
بلا كوفية تميزه عن باقي سيولته
صارت رائحة الكون لدي مجرد نزهة واحدة
تقرفني تلك النبرة في الخطاب التي تتسلح بخرسان العرق واللون
تقرفني مميزات تنحو بحثا عن دخان
عن علبة كبريت
صكوك للبيع هنا وهناك ويهودي البندقية يتوالد في كل مكان
وزمان جنبا إلى جنب مع ذلك العربي السمين تاجر القن
التلال حية معشوشبة الظلال تسع كل هذا المد
من الحلقات
السهول بدورها تتسع لرؤية العين وفحولة النسمات . والأنواع برمتها حاضرة ومؤثرة
في جنان الأمكنة ووحدها الطيور تتناشد غير عابئة برائحة البارود اللعين
والأفكار الصافية وحدها تنزف بينما الأشجار الباسقة الجذور تقف شامخة
على كتف السنون معلنة تفاهة العقائد المتناحرة عبر الدروب العتيقة التي تسكنها الدود .
ما بال شمسي لا تعشق غروبها ؟
ما بال صباحي لا يلتهم شروقه ؟
ما بال مسائي لا يصافح ليلي في المريء قبل الأوان ؟
ما بال الظهيرة لا تتلعثم في طريقها إلي ؟
ما بالني أنا لا أجف في حلقي كل يوم ميعاد أو ضربة تعلة ؟
سألبي طلب النسيان
وظنوني الغبية ستهرع ذات يوم نحو الرماية
ولو في حديقة طوفان ...

محمد رشدي
18-12-2011, 12:18 PM
البسيط والهيئة العليا - 17 - سيرة
12-06-2008, 04:57 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32884


البسيط والهيئة العليا - 17 – سيرة

عدت من البيضاء إلى تطوان وانضممت الى فرقة موسيقية صغيرة بالحي الذي أقطنه . يترأسها فنان من نفس الحي إسمه عبد العزيز يعزف على العود بمهارة ويغني كذلك بشكل شيد . كنت نحضر حفلات الزفاف وأفراح الميلاذ وسهرات أخرى مختلفة . وكان القسم الأكبر من الريع يسفرد به الرئيس . ولم يكن بمقرتنا أن نفعل شيئا كما لم يكن يهمني ذلك رغم فقر ي لأنني بالدرجة الأولى كنت هاويا ولست محترفا .
وقد شاءت الطروف أن يحضر بالمدينة وبنفس الحي - الباريو مالكا – ملحن شعبي يقيم بفرنسا كان يسمى عبد الرزاق الحسين لحن مجموعة من قصائد الزجل للأستاذ الغربي الذي كان معروفا على الصعيد الوطني
آنذاك . وقد إجتمع نفر من خيرة فناني تطوان وتكونت فرقة موسيقية أطلقنا عليها إسم الأركسترا العصري التطواني فكانت القيادة والرئاسة للفنان الشعبي عبد الرزاق الحسين وكان نائبه الفنان عبد العزيز فكنت أنا مطربا مع هذه الفرقة في نفس الوقت كنت كاتبا عاما أقوم بشؤون الفرقة الإدارية بينما صديقي سيمحمد
الشنتوف كان مكلفا على برامج السهرات مذيعا ومقدما ومنسقا . وعدد من المستشارين وأمين الصندوق تم
اختيارهم من الأفراد نفسهم وقد تم ذلك بدون أي انتخاب أو ما شابه ذلك . وكان عدد المطربين سبعة. أما
الأركسترا فقد وصل أعضاؤها الى الثلاثين فردا ونيف .
أقمنا أول الأمر تدريبا مكثفا حفظنا خلاله ما يقرب عشرة أغاني كلها للملحن المذكور وتم تخصيص اغنية
لكل فرد منا وكانت أغنيتي هي صباح الخير وللمطرب الوهابي أغنية – سبع أيام سبع أيام - وللآخر لا
يحضرني إسمه – اغنية للاحليمة - وهلم جرا .
أول شيء قام به الرئيس هو إحضار المصحف الكريم وأدينا القسم بوضع أيادينا عليه . حينئذ ركبني الشك حول نجاح هذا المجمع . وفعلا تحققت تنبؤاتي المشؤومة لاحقا. المهم هو أن الفرقة تألقت بالمدينة خلال أول سهرة أقمناها على خشبة أحد مسارح المدينة . ونجحت الصهرة بشكل ملفت للنظر .وكنت أنا ( هذا الشخص البسيط ) هو النجم الذي صفق له الجمهور طويلا بدون انقطاع مطالبا بأن أضيف أغنية أخرى قاطعا الطريق على مطربين آخرين كانوا ينتظرون دورهم . وعندما كنت أغني كانت أسرتي حاضرة ولأول مرة
في حياتي رأيت والدتي جنب إخوتي بالصف الأمامي وهي مندهشة مني وفمها مفتوح عن آخره . ألم يقل
أبي بأن الشيطان سيتعجب مني ؟ أثناء حياته ؟ ..
مع تصفيق الجمهور والصفير ومطالبته بأن أؤدي أغنية أخرى خرج الرئيس معترضا قائلا
( إنكم بهذه الطريقة لا تسجعوننا بل بالعكس . هناك مطربون آخرون ينتطرون دورهم وعليكم أن تستمعوا
لهم وبعد ذلك إحكموا عليهم ) وكان هو يتعاطف مع مطرب آخر يسمى الجديددي في حين هو لم يعطه أي
أغنية من تلحينه بل كان هذا المطرب يغني أغنية عبد الواح التطواني - طلمتيني - . لكن رغم هذا القمع لجمهوري والإستماع لباقي المطربين بقيت أنا النجم الأفضل لهذه السهرة . وقد كان بيننا مطرب أفضل مني
صوتا وهو الأخ الوهابي لكن الجمهور كان له الرأي الحاسم .
فوجئنا ونحن بدار الشباب حيث مقرنا الذي نجتمع فيه بدعوة من السيد العامل حاكم المدينة يطلب حضورنا
بمكتبه . لقد كانت هذه الدعوة علامة النجاح الأول الذي حصدناه في تلك السهرة . وكان علينا أن نلبي الدعوة فورا فتم اختيار وفدا صغيرا ينهض بهذه المهمة ( الرئيس ونائبه وصديقي منسق السهرات ) وتم تجاوزي وأنا بصفة الكاتب العام للأركسترا مما جعلني ذلك أحتج على هذا التهميش الذي فرضه الرئيس وحده . فاحتدم
الصراع ووصفني الرئيس بالصعلوك لأنني ركبت موجة الهيبز بسبب لباسي المهلهل . واقترح نائب الرئيس
أن يمدني ببذلة أحضر بها مقابلة عامل صاحب الجلالة على تطوان فرفض الرئيس الإقتراح .وكان علي أن
أتحدى السيد الرئيس لكنه فاجأني قائلا ( أنت مطرود ) قلت بغضب ( بل أنت المطرود ) حينئذ إلتفت إلى
الجميع قائلا ( إما أنا وإما هو فلكم الإختيار ) وانفض الجمع على هذا الإيقاع .
أثناء خروجنا من المقر دون تحديد الأمر النهائي . انفرد بي نائب الرئيس وطلب مني بغير قليل من الود
أن أنسحب مؤقتا بدعوى أن الرئيس رغم خطئه فإننا نعتمد عليه لأن كل الأغاني ملحنة من طرفه كما انه
يقود الأركسترا ومعارفه كلها من الأعيان ووجوده ضروري لنجاح الفرقة . كان علي أن أتفهم الموقف وأنسحب وتقديم إستقالتي التي بقيت بدرج مكتبي إلى غاية رجوعي إليه .
مر أسبوع كامل فإذا بنائب الرئيس يطلب حضوري . كان ينتظرني بمحل صغير بجانب مقهى كان يمتلكها بالحي الذي نقيم فيه . كنا نطلق عليه ( el cortijo - ) داخل هذا المكان البسيط كنا دائما نتدرب على الأغاني الرفيعة أيام الزمن الجميل . وهناك استمعت إلى ملحنين كبار وعازفين مهمين بالبلد حينما كانوا
لا زالوا في أول مسيرتهم . لن أنسى أبدا يوم حضر عازف مرموق مغربي اسمه الشاعر وكان يعزف قطعة
سيرة الحب مع الفنان عبد العزيز كانت لحظة رائعة وأنا لا زلت في مرحلة الصبا هاويا للفن بجنون .
المهم حضرت ملبيا دعوة نائب الرئيس فزف إلي خبر رجوعي للأركسترا وأن الرئيس الذي طردني هو
نفسه الذي يطلبني . رافقت النائب إلى مكان الرئيس ببيت أحد أقاربه صافحته ونهض واقفا إحتراما لي ثم طلب مني الجلوس وقدم لي كأس قهوة بالحليب . لكنه بدلا من أن يعتذر هنأني كمطرب أول بالفرقة على
النجاح الذي حققنه خلال السهرة منوها بقدرتي على إقناع الجمهور بموهبتي وأخبرني كذلك بأنه عند إنسحابي لم يستطع أحد حلول مكاني ورغم نقل أغنيتي إلى أفضل مطرب بالفرقة لم تكن هي نفس الأغنية
التي إستمع إليها أفراد الجوق عندما كنت أنا صاحبها . لقد كانت بدوني أغنية فاترة وباردة وهذا الأمر الواقع
فرض وجودي وأنا غائب عن الفرقة . وعن المكان .
عادت الأمور إلى طبيعتها . لكن شاءت الظروف من جديد أن ينشب خلاف جديد لكن هذه المرة بين الرئيس
ونائبه وكانت الضربة القاسية للفرقة وتشتت الشمل . وعاد الرئيس إلى مكانه بفرنسا وانتهت الفرقة بعد النجاح الكاسح الذي حصدته وجعلها فوق كل فرق وأجواق البلدة .
وكان علي أن أستقبل الرئيس مرة أخرى بعد سنة حيث وقعت معه عقدا أعفيه من أي مستحقات لفائدتي
وأقنع فقط بسماع نفسي وأنا أغني أغنيتي صباح الخير على أمواج الإذاعة الجزائرية آنذاك ولم أتوصل ولو بسنتيم واحد على ذلك . هكذا نحن .....

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:19 PM
حكاية بسيطة
14-06-2008, 09:27 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=32934


في الحقيقة جاءكم البسيط في حالة يرثى لها
ذلك كعادته في مثل هذه الأحوال
لكن
فقط ليحكي لكم حكاية تافهة بالنسبة لكم لكنها بالنسبة اليه
حكاية لها معانيها ودلالتها
لكنني أنا الحاكم المطلق في مثل حالاتي كمثل هاته
دعنا من شأننا الآن
ولنرجع لما حدث لي
كنت أستمتع بفلم أمريكي وشاهدت ما شاهدت
لكنني وبالصدفة داخل هذا الفلم شاء الفلم نفسه بمخرجه العبقري أن
يدس فيه - وهذا له دلالة كبرى - أغنية شعرها يقول

قلبي منقع بالنبيد وأنا في عز النشوة

المأساة كانت تستحق هذا الكلام الجميل
ولا داعي لكي أشرح هذه المأساة لأنها كانت مأساة طبقية
وأظن أن الوقت ولو كافيا أترك لكم الفهم لمخيلاتكم
قلبي منقع بالنبيذ
مع العلم أن المولهة لم تكن تشرب النبيذ
الحكاية وما فيها تتعلق برجل سيبناتور وخادمة نظافة لحجرات الفندق ذو النجوم
المتعددة
لست أدري لماذا هذا البسيط بكى بحرقة لما يحصل للآخرين
لكن الدلالة الكبرى تستقر في عبث القوانين
فجأة إنتهى الفلم رغم أنفه في صراع الطبقات ليوضح
أن الناس ليسوا بطبقاتهم أو إديلوجيتهم بل في الحب
فقط الحب الذي اختزل الطبقات في شأفة واحدة
إذن أنا يمكن أن أكون كما أنا عليه الآن
ولهذا أنا بسيط أكثر مما ينبغي
قلبي منقع بالنبيذ
مجرد كلمات ثلاث بمعاني جميلة لا يمكن أن تفهم إلا إذا استمتعنا بالفلم
وفلمهم الأمريكي بالتأكيد لا يشبه أفلامنا
إنه عالم آخر له مقاييسه ودلالانه وهذه هي القصة
وأنتم دعكم مع موروثكم الجميل والمقدس .
الذي لا يقدس من طرف العالم
فقط من طرف تخلفكم .
وهل نحن نشبه بتعابيرنا ما يحيط بنا ؟

ملحق
كنت عازم على قول أشياء لا علاقة لها
بما قلته ألان.

محمد رشدي
18-12-2011, 12:20 PM
البسيط والهيئة العليا- 18- سيرة
23-06-2008, 12:14 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33213


ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

بالصدفة إلتقيت بصديق الطفولة والصبا ( محمد الخمسي ) الذي يشتغل بهولاندا . إلتقيت به بتطوان فأخبرني بأنه مسافر بعد أيام وعرض علي مساعدته
فطلب مني مرافقته إلى هولاندا وكان يتوفر على سيارة فاخرة كما أعفاني من كل المصاريف خلال الطريق ووعدني بمساعدتي حتى أجد عملا بالديار
الهولاندية . وكان علي أن لا أرفض هذا العرض الكريم.
خرجنا ذات ليلة من تطوان بعد أن ودع كل منا أسرته فعبرنا الحدود وخلال وجودنا على ظهر الباخرة نحو الجزيرة الخضراء تعرفنا على فتاتين أجنبيتين
ودار بيننا حديث التعارف وعند اقتراب الباخرة من الجزيرة الخضراء تواعدنا على اللقاء بعد إخراج السيارة من الباخرة لكي نسافر نحن الأربعة في اتجاه
واحد. لكن صديقي محمد صرح لي بعد انصرافهما بأننا بدونهما سنكون أفضل ولم أدر السبب الذي جعله يستغني عن رفقتهما المغرية وخمنت وحدي
أن السبب ربما يكون تهربه من المصاريف ولسيما وأنا خالي الوفاض إلا من ألف بسيطة لا أقل ولا أكثر .
وصلنا نقطة الحدود الإسبانية الفرنسية - هنداي - كان هناك يهوديا معروفا حينئذ بعنصريته يكره المغاربة ولا يترك مغربيا واحدا يعبر الحدود عندما
يكون في الخدمة باستثناء من لهم أوراقهم بالبلدان التي يشتغلون بها . فلما تفقد هويتي وعرف وضعيتي أمرني بالرجوع وأمر صديقي بمتابعة سيره
وكان علينا أن ننفصل فودعني وزودني ببعض المساعدة المادية وتابع طريقه. فعدت من جديد إلى سان سيبسطيان حيث إنضممت إلى أصدقائي السابقين
البرنوصي ومحمد عريجة ومصطفى ولد القائد ميمون وعلي وغيرهم . كانت الأيام والشهور تمر عادية نشتغل طوال أيام الأسبوع وكنا لما نأخذ أجرتنا الأسبوعية الهزيلة نسدد بها مصاريف السكن والأكل ولا يتبقى لنا سوى القليل الذي كنا نبدده في كؤوس الجعة والنبيذ فنصبح من جديد يوم الإثنين نعمل وجيوبنا فارغة وهكذا دواليك .
لم يكن لدينا أوراق سوى بطاقة التأمين من حوادث الشغل - carta del seguro - كما كانت تسمى . وحتى هذه البطاقة لم يكن يتوفر عليها سوى القليل من المغاربة
لأن بعض المقاولات التي تقوم بتشغيلنا تتحفظ في تعميمها على الجميع .
كان يشاركنا هذه المرة في السكن بعض الأمازيغ من سكان القبائل الريفية شمال المغرب . كان هؤلاء مختلفون عنا تماما فقد كان أغلبهم لا يشرب الخمر
وأسلوبهم في العيش مختلف كذلك لأنهم يطبخون أكلهم ولا يأكلون في المطاعم وكان بعضهم يقتاتون على الخبز وزيت الزيتون ونادرا ما يطبخون كان همهم
الوحيد هو الإدخار لبعث النقود إلى البلد . وكانت صاحبة البيت تطلق عليهم لقب - ratones - بسبب طريقة عيشهم بالخبز والزيت . وكنا نضحك كثيرا
لذلك وكان أحدهم لقبناه - طمر - يودع فلوسه بحقيبته يضعها فوق الدولاب بعد أن يعدها كل مساء ليسلمها صباحا الى صاحبة البيت كوديعة ليتسلما مساءا
وهكذا تجري الأمور لديه . وإذا فتحت الباب ليلا تجده محملقا في الحقيبة حارسا لها كما لو أنه لا ينام .وتشاء الظروف أن يكون ضحية حادثة شغل توفي
على إثرها قبل بلوغه المستشفى .وضاعت فلوسه دون أن يستفيذ منها أو يبعث بها إلى أهله .إنها الحياة والأقدار أحيانا تفرض على الإنسان ما لم يكن في
الحسبان . أما مجموعة أخرى من هؤلاء وكانوا أربعة من أسرة واحدة يجمعون النقوذ ويضعونها في حقيقبتهم ويقفلون عليها الدولاب ويذهبون للعمل وعند عودتهم
كل مساء يعدون النقود ويرجعونها للدولاب المحكم الإغلاق .وفي يوم من الأيام جاء واحد من عمومتهم لكنه كان مختلفا قليلا عنهم وطلب اللجوء عندهم ولما
إطلع على أمر الحقيبة وعند إنصرافهم للعمل بقي هو بالحجرة فقام بتكسير اللوح الشفاف الذي يغلف الدولاب من الخلف وانقض على الحقيبة واستولى على
مبلغ قيل أنه ( خمسين ألف بسيطة ) وهو مبلغ مهم آنذاك . ثم أعاد الدولاب إلى وضعه السابق واختفى . ولما حضر الأربعة مساءا تم فتح الدولاب لعد الفلوس كالعادة فإذا بهم أمام الأمر الواقع . إتصلوا بالشرطة لكن اللص كان حينئذ قد عبر الحدود القريبة وكان يشعر بالحرارة والفلوس في جيبه ذلك
ما حكاه لنا عندما شاءت الظروف أن يرجع بعد مدة غير قصيرة إلى سانسيبسطيان .
كانت الشرطة قد عاينت المكان ومنحت شهادة تثبت الواقعة حيث إنتقل هؤلاء إلى تطوان لإخبار الشرطة هناك وتحرير محضر في النازلة . ولما كان
هذا اللص إبن العم أو من نفس النسب تمت تسوية المشكل دون رد فعل قضائي.
كان الجميع يعمل ويكد . منا من كان يتسكع ويبدد ما يتبقى لديه من نقود لا تفيذ . ومنا من كان يدخرها لبعثها لأسرته الفقيرة أو يسخرها في طريقة
إنتقاله الى بلد أفضل لأن إسبانيا كانت آنذاك بلدا فقيرا ويحكمه الديكتاتور فرانكو . أما من كانوا على شاكلتي فقد كانت جيوبهم تفرغ مع بد ء أول
يوم في الأسبوع السيزيفي والغير المحتمل لكن مع حلول يوم السبت فما أن نتوصل بأجرتنا الهزيلة البائسة حتى تجدنا ننسى كل العناء والشقاء .
وعلى هذا المنوال كانت تسير حياتنا فكنا كما لو أننا نبول في الرمال.

محمد رشدي
18-12-2011, 12:21 PM
البسيط والهيئة العليا - 19 - سيرة
24-06-2008, 06:05 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33261


ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

مضت حياتي رتيبة وعادية ولم يكن يعكرها سوى بعض الأحداث . فإسبانيا آنذاك كانت منغلقة على نفسها بشكل فظيع ولم تكن تهب عليها رياح أوربا الحرة الطليقة
من عقالها الماضوي والمتحررة من إرثها الظلامي الذي خربته الحرب العالمية الأولى والثانية. بل كانت إسبانيا تعيش عزلة مفروضة عليها أنهكت الشعب وجعلته
يتنفس بصعوبة تحت وطأة الخوف والقمع والديكتاتورية المطلقة ولم يكن لأحد الحق في أن يفكر عكس تيار فرانكو الأسود.
ذات يوم كنا خليط من المورو والإسبان نحتفل برأس السنة وقد لعبت الخمرة برأسي وأقدمت على الحديث في فكر الشيوعية ليس لأنني من أتباعها ولكن فقط
كنت أدلي برأيي في سلبياتها وإيجابياتها فما كان على الأصدقاء الإسبان إلا أن ينسحبوا ويتملصوا مما منت أخوض فيه من كلام لا يريد أحد سماعه . وقد همست في أذني صديقتي الوفية ( conche ) أن أصمت فورا وأحول إتجاه الكلام إلى وجهة مختلفة . وفعلا رجع كل واحد إلى مكانه عندما بدلت
الحديث إلى مجرى عادي بلا فكر أو سياسة . لقد كان العمال الإسبان مقهورين ولهذا كانوا متعودين على التنفيس عن أحوالهم بإلصاق بعض الصفات بنا نحن
المورو لم تكن عادلة بالمرة . فقد سألني أحدهم يوما قائلا ( إن كان لدينا ماء ؟ في بلادنا ) لم أكن أجيب على مثل هذا السؤال الغبي بل كنت أضبف
( لا نحن نعيش في الصحراء وتعودنا عليها ولم يعد يهمنا الماء إلا نادرا ) وأسئلة أخرى مثل ( أنتم تشترون المرأة ؟ كما تشترى البقرة ؟ ( كنت
أسخر منهم وأقول ( نعم كل رجل منا يتوفر على أربع بقرات أو زوجات في منزله ) لأنه لا فائدة من أن تشرح له ولا يمكن أن يصدقك .
وكنت في الحقيقة أريد الدفاع عن نفسي وعن قومي فلا أستطيع . لأن بعضا ولو قليلا من الحقيقة كان صحيحا ولو بشكل مبالغ فيه . ففي يوم من تلك الأيام الخوالي كنت داخل حافلة مرفوقا بمجموعة من رفاق العمل وهم إسبان وبرتغاليين ومغاربة وتوقفت الحافلة وبالصدفة كان لي موعد مع فتاتي بتلك
المحطة التي كنت أمر عبرها يوميا . ولما نزلت وعانقت فتاتي الإسبانية ( وهي نفسها كلفتني أيما مشقة كي أفهمها بأنني إنسان وربما أكثر من بني جلدتها ) وبينما
هي طوقت خصري بيدها وانصرفنا . سمعت العمال يصفرون ويصدرون ضجة كما لو أنهم رأوا عجبا . وقد أخبرني أحدهم من بعد بأن رئيسنا الذي نعمل
تحت إمرته خاطب العمال والراكبين على السواء قائلا ( mira el moro . le creeamos tonto cuando le comprabamos )
( أنظر إلى المغربي لقد حسبناه مغفلا عندما إشتريناه )
أثناء تلك الحقبة كان الإسبان منحطين بديكتاتوريتهم لكنهم الآن أحرا ر ا ومتفتحين ومندمجين في أوربا . ذلك بفضل الديمقراطية التي رفعت من مستوى أفكارهم وأيضا جيوبهم . أتذكر خلال تلك الحقبة كانت تسكن بالحي ( iguia ) فتاة مراهقة مؤذبة إسمها( روسي)جميلة بعينين خضراوتين لم أكن أحلم يوما
بأن فتاة مثلها ستتعلق بي. وكان سني لا يتجاوز العشرين ربيعا من عمري . إلتقت بي في مكان تعودت المرور منه عند عودتي من العمل كان هذا المكان
مغطى بالأشجار والنباتات مما جعله مؤهلا لاحتضان العشاق بعيدا عن أعين الفضوليين . كانت حزينة والأمر كان جديا قالت لي ( أنت لا تحبني بل تحب
- isabel - ولم يكن ذلك صحيحا البتة فقد كنت مخلوب العقل بها ومن أجلها وليس بغيرها . وقبل أن أجاوبها بالحقيقة ولسوء حظي كالعادة شاءت الظروف أن تضبطنا عجوز شمطاء من الجيران وما أن رأتها تغير لون فتاتي وأطلقت ساقيها للريح . تصوروا منذ تلك الفترة لم أرها ولم يظهر لها أثر .
وقد أخبرتني صديقتها ( laura ) بأنها أرسلت إلى الجنوب البعيد حيث مسقط رأس والدتها لقطع الصلة بينها وبين المورو الذي هو أنا . كنا في نظر
الإسبان كما لو أننا لسنا بشرا مثلهم نحب مثلهم ونحلم مثلهم ونبكي الفراق مثلهم . وبعد ذلك بقليل كتبت أغنية وضعت لها لحنا مقتبسا من أغنية
الدكالي - حبيب الجماهير - وهاهي الأغنية yo te quiro rosi احنا معاك معاك
yo te amo rosi دايما معاك معا ك
no puedo olvidarte
si tu me quieres yo te dare mi vida
comprendame comprendame te quiero te quiero rosi
لازالت هذه الأغنية محفورة في ذاكرتي لحد السعة وملهمتها هي rosi .
كانت لي صديقة لكنها ليست حبيبة ولكنها كانت تمارس معي الجنس بشكل سطحي ليس لأنها عذراء بل خشية الحمل ومرة ناشدتها الإيلاج فامتنعت
وقالت بأنها إذا حملت من مغربي فإن والدها سوف يقتلها . أما اليوم فقد تغير كل شيء وأصبح من السهل جدا أن تتزوج بإسبانية وتحصل على الجنسية فوق كل ذلك . لقد تغيرت الأمور بشكل جذري . أما في أيامنا لن يكن أحدا يصدقك بأن فتاة إسبانية تحبك وأنت مغربيا . في إحدى المرات
بعد ممارستي للجنس مع إحدى الصديقات في مكان مظلم وبعيد عن الأنظار فوجئت برائحة كريهة تنبعث من ملابسي . لقد كانت نجاسة أحدهم تبرز بالمكان
ولم ننتبه لشدة الظلام . وأصبحت في ورطة حقيقية وكان علينا أن نقطع المسافات الطوال على الأقدام والإبتعاد عن الناس قدر الإمكان وكانت المسكينة يكاد
يغمى عليها من الخجل . وصلنا وانتظرتني بباب العمارة في حين دخلت مسكني وغيرت ملابسي ومن حسن حظي لم تكن هناك سيدة المنزل.
لقد عانيت أيضا من أشياء أخرى قد لا ينتبه إليها غيري لكنني كنت ولا زلت مفرط الحساسية . كنت ألبس اللباس الأمريكي متأثرا بموجة الوجودية حتى
لا يعرفني أحد بأنني مغربيا . وكان في تلك الآونة هذا الوضع غريبا عن الإسبان وبالخصوص طبقة العمال . ركبت يوما قطارا لأصل إلى
عملي بإحدى الورشات ( وكنت متعودا على نظرات الناس ) لكن هذه المرة كان يجلس قبالتي رجل عجوز وما أن حملق في وجهي وهيأتي
حتى فتح فاه عن آخره ولم يقفله وكان علي أن أنهض وأقفله أمام الناس وأسمعه كلاما منطقيا آلمه . لأن العجوز على ما كان باديا للعيان
هو أنه لم ير شيئا في حياته البتة .
أما المشاكل في العمل والشارع بسبب هيئتي فحدث ولا حرج . وسأترك ذلك للحلقة المقبلة - الحلقة العشرين من السيرة - .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:22 PM
البسيط والهيئة العليا-20- سيرة
28-06-2008, 11:39 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33383


البسيط والهيئة العليا -20 - سيرة
ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail

مشاكل العمل كانت كثيرة ومتنوعة . فالعامل المهاجر وبالخصوص المغربي كان مقموعا ومهانا وعليه أن يقبل بكل أحواله السيئة . لأننا كنا نشتغل في ظروف غير قانونية وليس لنا الحق في بطاقة العمل والإقامة كما هو الشأن هذه الأيام. فقد كانت الشركات تتعاقد مع مقاولين يتحملون مسؤوليتنا ولم يكن هؤلاء سوى لصوصا يسرقون عرق جبيننا ويطردوننا أو يتم تصريفنا متى أرادوا ذلك دون تمتيعنا بمستحقاتنا .أما القانون بالنسبة لأبناء البلد فقد كان صارما مع المشغلين .
أتذكر ذات يوم تعرضت لحادثة شغل بسيطة فتم معالجتي داخل إحدى الحانات عن طريق شراء الضمادات والدواء من الصيدلية . وبسبب طبيعتي المتمردة فقد
كنت دائما أتعرض للصدام مع رؤساء الأوراش والمقاولين وكنت ألتجيء دائما إلى المصالح المختصة - el sendicato - التي كانت تتكفل بالدفاع عن مصالحنا ضد مشغلينا وكنت في الحقيقة آخذ مستحقاتي عن آخرها لأن المجتمع الإسباني آنذاك رغم نظامه الديكتاتوري كان مجتمعا غير فاسد .كان لديهم
ضمير حي . وكان القانون يفرض نفسه على الجميع . كان الضمير المهني موجود وحاضر باستمرار . كل واحد يقوم بواجبه على أحسن الحال ولم يكن
لديهم أي نوع من أنواع الرشوة على الإطلاق . كما كانت الجرائد الوطنية تخصص صفحة أو صفحتين للإعلانات عن مختلف الحرف والمهن المطلوبة
في سوق العمل . ولم يكن لنا نحن المغاربة الحق في ولوج مناصب شغل مريحة تحفظ كرامتنا بل العكس هو الصحيح فقد كنا عمالا موسميين نشتغل في
أحط المهن وأحقرها أما مناصب الشغل الجيدة فكانت تخصص للإسبان فقط . وليس لغيرهم . وهذا شيء طبيعي . ولما لم يكن لنا الحق في الحصول
على بطاقة الشغل والإقامة فقد كان بعض منا يتوفر على بطاقة التأمين ضد حوادث الشغل والمرض أيضا . فقد كان العلاج بالمجان بواسطة تلك البطاقة وقد
تعطى أيضا لمن لا يتوفر عليها من أصدقائنا فيحظى بالعناية . وكان لكل منا طبيب قريب من محل السكنى نلتجيء إليه عند الحاجة . أو يحضر لسكنى حاملها إن هو لا يستطيع مغادرة فراشه . كان المجتمع الإسباني يضمن لنا الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية على كل حال . لكن الأوراق الثبوتية والعمل المستديم
كان ذلك صعب المنال .وكنا مع ذلك نسقط أحيانا في شكل من أشكال العبودية المطلقة ..
ذات يوم كنت أشتغل في ورشة بناء بجانب مقر سكناي وكنت سعيدا لذلك . لأنني كنت أوفر الوقت ومصاريف النقل . وبينما أنا أشتغل ذات صباح جاء شخص
إسباني تبدو عليه أمارات البداوة كان رجلا متخلف وجلفا أقرب للحيوان منه للإنسان . تحدث إلى رئيسي وأشار إلي ثم جاءني الرئيس وسألني عن بطاقة
التأمين إن كانت موجودة لدي الآن . ظننت أنني سوف أنتقل إلى عمل أفضل ما دامت البطاقة مطلوبة . فأجبت بالإيجاب . فطلب مني أن أجمع أغراضي وأصطحب
البدوي المذكور . سرت وراءه وركبت خلفه على دراجته النارية الضخمة وانطلقنا . فوجئت به يبتعد عن المدينة - سان سيبسطيان - بينما كنت أظن أن الهدف داخا المدينة . وكلما استفسرته عن الوجهة يكذب علي ويشير بأن الهدف قريب . في حين وجدت نفسي مستسلما للأمر الواقع . وبعد أن قطعنا عدة
عشرات من الكيلمترات وقفنا في قرية صغيرة بورش كبير لا زال في بدايته . وحدد لي عملي مع شخصين برتغاليين بجانب آلة لخلط الرمال والإسمنت
والحجر المفتت لصنع عجين الخرسان المسلح وهذا العمل شاق جدا وعلينا أن نسرع ونكدح دون توقف لتغطية طلبات البنائين المكلفين بالخرسانة المسلحة
لأساس البناية المراد تشييدها . كانت الشمس تسطع بشكل رهيب والجو خانق كان ذلك في عز الصيف . ونظرا لكوني أسمر اللون فقد تشوهت حالتي
بفعل الغبار والكدح والشقاء وصرت شخصا أسودا كعبد . وكانت حالتي تلفت نظر المارة الغير المتعودين على رؤية مخلوقات مثلي . كنت بائسا حقيقيا .
ولم أعد أطيق نفسي وندمت ندما عظيما على إدلائي ببطاقة التأمين اللعينة . توقفت عن العمل وطلبت من البدوي تسديد ساعاتي الخدماتية لأنسحب . فأبى أن
يفعل ونصحني بأن أتصل برئيسي في الورشة السابقة لأنه هو من أرسلني . عدت أدراجي عبر القطار الصغير الذي يقطع المسافة من وإلى سانسيبستيان .وفي
الغد صباحا حضرت إلى مكاني بالورشة السابقة لكن الرئيس رفضني .
إتصلت بإدارة الشركة وشرحت لهم ما حدث وتفهموا أمري وحولوني إلى ورش صغير داخل المدينة وهو عبارة عن بيلا تكلفت الشركة بإصلاحها
وترميمها وتزليجها بزليج فاخر جدا . كان صاحب البيلا رجل طاعن في السن وله زوجة شابة فاتنة تقضي كل الصباح بجانب حوض السباحة متعمدة إظهار
مفاتنها للعمال فكأنما تريد إشغالهم عن عملهم وبالفعل فقد كان الجميع مفتونين بها وهي تأخذ حمامها الشمسي دون أن تسبح في الحوض .كان لها جسد رائع
يشبه في لونه المرمر الناصع . شعرها أشقر وناعم كالحرير . كنت أنا أختبيء في أماكن حيث لا يراني أحد فأتمتع بجسدها وأنا أستمني مراقبا حركاتها
وسكناتها وكان يتعذر علي التنفس وأنا أحلم بمضاجعتها .
هكذا قضيت ذلك الصيف كأنني شخص متزوج . لكن في الحلم فقط .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:23 PM
البسيط والهيئة العليا -21 - سيرة
01-07-2008, 10:54 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33483


ناس حدهوم أحمد
ahmed.01@hotmail.com

sansibastian مدينة جميلة ورائعة تتكيء على كتف البحر وتنام مستسلمة للحلم الإسباني الرزين . سكانها الأصليون الباسك إنفصاليون يكرهون فرانكو وطغمته الحاكمة . كانوا دائما يختلفون عن الإسبان كليا . ولغتهم حينما يتحدثون فيما بينهم تشعر بأنك تسمع لغة راقية فخمة كأهلها .أما الإسبان المهاجرين من
الجنوب إليها طلبا للرزق يشعرون بالنقص أمام هذا الشعب المتمرد المطالب باستقلاليته .
ذات يوم سبت تعرفت على مواطن مغربي أمازيغي ريفي أصله من شمال المغرب كان يشتغل في باخرة لصيد السمك. العمل بهذه البواخر شاق لكن الأجرة سمينة
للغاية . وقد تم التعارف بيننا داخل الحانة .( ميمون ) كان كريما للغاية يتسابق معي على تسديد كؤوس( cuba libre ) وهو مشروب قوي ومسكر . أفرطنا في الشرب وسكرنا . وكنت حينئذ مغرما بسماع الأغاني العصرية والرقص على إيقاعها المثير وكنت أختار الأغاني من الآلة الموجودة بالحانة بعد تزويدها بقطعة نقدية
بسيطة . كنت أرقص فكان المارة يتوقفون للفرجة بباب الحانة وكان ذلك يغيض صاحب المكان. وكان عليه أن يقطع تيار الكهرباء عن الآلة حتى يوقف الرقص وينفض الجمع الفضولي عن الباب . لم يناسبني ذلك وكنت ثملا للغاية . طلبت إعادة التيار فرفض طلبي وأخطأت في حق الرجل العجوز ووجهت له سبابا ولم يكن
من حقي فعل ذلك . هاتف الشرطة . أردت الخروج لكن زبناء الحانة إعترضوا طريقي إلى أن حضرت الشرطة التي كانت وقتها في الطريق الينا .كان صديقي ثملا
أكثر مني فقد كان غائبا عما يدور . حضرت الشرطة تمردت عليها لم يؤذني أحد لكن ما أن أدخلوني وصديقي داخل سيارة الجيب حتى صفعني أحدهم كنت أصرخ
( أنا فنان .. أنا فنان ) عرفت فيما بعد أن ذلك كان شيئا مضحكا . في الصباح حملتنا سيارة الشرطة نحو المحكمة . وفي بهوها تم إزالة القيد من يدنا ودخلنا
كأننا بلا حراسة وجلسنا على مقعد بجانب مكتب ( el juez ) ننتظر وكان بجانبنا سجين آخر إ سباني الجنسية وهو شاب في مقتبل العمر ينتظر دوره وكانت والدته تقول له ( لا تخف يابني فإن القاضي صديقنا ) . لكن الشاب كان منزعجا .
نودي علي بإسمي فدخلت مكتبا فاخرا وكان السيد الخويث عليه سيماء الوقار والهدوء وبجانبه كاتبه . طلب مني الجلوس بأدب متكلف . ومسح بعينيه محضر
الشرطة الذي كان بين يديه . ثم قال ( إنك متهم بالسكر وإهانة الشعب الإسباني الذي يستضيفك ببلده ) قلت ( سيدي أنا لا أنكر أنني أفرطت في الشرب لكنني لا
أعلم ما الذي حدث بالضبط ) بعد هنيهة صمت قلت ( هل سأذهب للسجن ؟ ) قال ( queda usted detenido ) كان ذلك بالنسبة لي كتجربة أولى صاعقا .
وصلنا السجن وعلى ما أذكر كان سجن ( martutini ) تم فصلنا عن بعضنا وأدخلوني زنزانة مزودة بالمرحاض . وبعد قليل أدخلوا طفلا غجريا إسبانيا عمره
لا يزيد عن 16سنوات. ( jitano ) قلت له ما تهمتك ؟ قال ( لاشيء ) لكنني ضحكت لأن هؤلاء مهنتهم هي السرقة الموصوفة ويكرهون العمل فهم يقولون
للعمل ( لا أنت لي ولا أنا لك ) حسب ما يحكى عنهم . بعد ساعات تم استبدال هذا الطفل برفيقي الأمازيغي . وبعد يومين كاملين تم إدماجنا معا في قاعة أو صالة كبيرة مع السجناء المختلفي الجنسيات لكن أغلبهم من الإسبان .
تم النداء علي للحضور بإدارة السجن . وجدت سيدة أنيقة ربما هي موظفة بالمحكمة تجلس منتظرة كان يفصلني عنها شباك صغير تحدثت عبره قائلة
( يجب أن تسدد ضمانة نقدية بألف بسيطة ويجب أن يسددها قريب لك أو صديق من خارج السجن حينها يطلق سراحك وكذلك هو الشأن بالنسبة لرفيقك ....
هذا كل ما هنالك ) وانصرفت بعد أن جمعت أوراقها . وعدت أنا أدراجي .
في تلك الصالة الكبيرة لاحظت شخصا يحمل خاتما كبيرا في أحد أصابعه وأظنه من الدهب الخالص . وكان خلال كل الوجبات التي كانت جيدة يعطى للجميع كأسا
من النبيذ لا أكثر. فكان عدد كبير من السجناء يمرر كؤوسه إلى ذلك الشخص صاحب الخاتم الكبير من تحت الطاولات وكان يشربها كلها الواحدة تلو الأخرى. وعلى ما يبدو فإن هذا الشخص تبدو عليه أمارات الثراء لكنني لم أعرف تهمته ولم أسأل عنها حتى .
عرف السجناء بأنني بتسديد الضمانة البسيطة يطلق سراحي . فقام أحدهم بجمع المبلغ البسيط لي ولرفيقي وقد ساهم في ذلك عدد غير قليل من السجناء . وكان علي أن أنتظر ساعي السجن لكي يقوم باستلامه مني وإيداعه بمصلحة ما بالمحكمة فيطلق سراحنا . وقبل أن يأت الشخص المطلوب بعد يوم أو يومين
نودي علي وعلى رفيقي وأمرونا بجمع أغراضنا . أردت إرجاع الفلوس للسجناء لكنهم أبوا ذلك بدعوى أن المبلغ بسيط . خرجنا من باب السجن فبدت لي الحياة
جميلة بشكل يتعالى عن الإيضاح كانت الشمس مختلفة والسماء كذلك وأحسست برغبة عارمة في الإرتماء على الأرض والتمرغ بترابها . كانت تنتظرني
السيدة التي أسكن ببيتها فهي التي سددت الضمانة لنا وقامت بعمل لم يقم به أحد من أصدقائي .ورغم إرجاع المبلغ لها أبت أن تتسلمه لكنني وضعته على
طاولة بمطبخ البيت وتركته لها لتأخذه .ما قامت به هذه السيدة له دلالته بينما أصدقائي لم يأبه أحد منهم بما وقع لي ولم يكلف نفسه مشقة الإهتمام .
كان الخير في هذه السيدة الإسبانية التي تصرفت كما لو أنها من عائلتي . إن مثل هذه الوقائع جعلتني أحب شعبا بأكمله .. وهذا ما يحدث لي مع
إسبانيا هذا البلد الرائع أحسبه بلدي الثاني . فقد فعلت معي سيدة عجوز كنت أيضا أقيم معها ببيتها قالت لي يوما ( إسمع ياأحمد إعتبر هذا البيت بيتك
وإذا حدث وبقيت بدون عمل فلا تنزعج كل ما تحتاجه ستجده حاضرا لك ) لكنني عملت المستحيل لكي لا يحدث ذلك .كنت دائما معتمدا على نفسي.

محمد رشدي
18-12-2011, 12:24 PM
البسيط والهيئة العليا -22-سيرة
03-07-2008, 06:58 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33533


البسيط والهيئة العليا – 22 – سيرة

حل بمدينة – سانسيبسطيان – صديق لي تعرفت عليه يوما بالعاصمة مدريد . وهو من تطوان ومن نفس الحي الذي أسكنه وكان ذلك لمدة محددة ثم افترقنا وأخذ كل واحد منا وجهته إلى منطقة معينة . أخبرني بأن مدينة – bilbao - - يتوفر فيها
الشغل ولا يمكن للواحد هناك أن يظل عاطلا . مما أغراني ذلك على الإنتقال إليها صحبته. كان همي الوحيد وشغلي الشاغل هو العمل فقد كنت عاجزا عن أن أعيش بطريقة أخرى . كانت سعادتي كلها تختزل في العمل ولو كان قاسيا .
وكنت دائما أحب أن أعتمد على نفسي . تلك هي سعادتي . وهكذا أصبحت أعرف كيف أحصل على قوت يومي بعرق جبيني . دخلت مدينة – bilbao - مصحوبا بالصديق ( عبد الواحد ) الذي إستعار له إسما مقتضبا من إسمه العائلي وهو – القماص - فكان يحب أن يسمي نفسه ( kamas ) لكي لا يثير الإنتباه إليه كمغربي كان عمره أقل بسنتين من عمري وكان متأثرا بموجة الوجودية التي إجتاحت العالم آنذاك. لكن شكلا فقط وليس فكرا . كان يلبس اللباس المثير
للإنتباه ومغرم بأغاني البلوز وملكته ( أريطا فرانكلين ) وكل الأغاني المتمردة . كان هذا الأسلوب قريبا من نفسي فارتميت معه في هذه الأجواء . ونظرا لكون مدينة ( بيلباو ) مدينة عمالية فقد كانت حالتنا هاته مثار دهشة للعمال ونحن نعيش في وسطهم إن لم أقل مثار سخرية كذلك . إلا أن بعضهم كان يميل إلى التعاطف معنا وتقبل غرابتنا . كنا نسكن معا ونشتغل معا ونرتاد المراقص والحانات معا ولا نفترق أبدا كان هذا الشاب موضع ثقة . وبقدر ما جلبت لنا
حالتنا هاته الكثير من المتاعب والسخرية فقد كانت أيضا سببا في التعرف على فتيات جميلات دفعهن فضولهن إلى التقرب منا حيث سيدركن من بعد أننا أناسا مثل بني جلدتهن أو ربما أفضل من الكثيرين من أبناء البلد. وسنكون السبب في تغيير رأيهن عن عالمنا العربي والمغربي على الخصوص . بنينا معا علاقات رائعة لم تكن في الحسبان إن لهن أو لنا . وإن كنت أنا قد تعرفت على فتاتي في هذه المدينة وأخرج معها بانتظام . لكن طعم الصداقة مع الفتيات كان
أروع من الحب الذي كان يجمعني بفتاتي . فكنا صديقي وأنا نخرج مع الفتيات الصديقات في رحلات متكررة نحو الطبيعة ونتمتع بدفيء صداقتهن وأصبحنا في حكم الإخوة وكنا لمجرد أن نفترق عنهن لأيام معدودة حتى نعود ونلتقي كما يلتقي الأحباب بعد طول غياب .
إنني عاجز عن شرح تفاصيل هذه الصداقة العجيبة لكنني سأختار فقط حدثا أو حدثين مختزلا ملحمة عشتها مرة واحدة في حياتي ولن تتكرر أبدا وربما كان الشأن بالنسبة إليهن هو كذلك. أربع فتيات وأحيانا خمسة . منهن أختان
شقيقتان ( كونتي و مريم ) وأسماء الأخريات لا أدري كيف خانتني ذاكرتي ونسيت أسمائهن . كن جميعهن خفيفات الظل
رشيقات وجميلات يملؤهن الحبور والبهجة ومتخلقات بأخلاق عالية فيها نوع من الكرامة والشرف . لم يكن قصدهن الحب أو الزواج بل صداقتنا كانت بريئة وكنا نحترم إرادتهن . ورغم وجود فتاتي لكنها لم ترق إلى مستواهن الإجتماعي والفكري . ورغم إنضمامها إلينا أحيانا كانت تبدو معهن قاحلة أو أقل مرتبة منهن . ومع مرور الأيام كانت
صداقتنا تكبر وتزداد وثوقا وتجذرا وهن كن كل يوم يزددن فهما أكثر لنفسيتنا وتعمقا فيهما فيغير ذلك من مفاهيمهن السابقة . كان كل شيء يتجدد بيننا باستمرار وتكبر هذه الصداقة كما تكبر الأشجار بتؤدة وبهدوء وبصمت وتأني .
إلى أن ولد الحب بيني وبين ( مريم ) في لحظة واحدة وبسرعة خاطفة وبإحساس غير متوقع . كان ذلك ذات مساء
داخل غابة بجبل إسمه ( archanda ) كنا نصعده بواسطة الفونيكولار وهو عبارة عن حافلة صغيرة معلقة في السماء
بأسلاك كهربائية . كما أن هذا الجبل كان أيضا مقر عملنا هناك بورشة كبيرة تقام فيها بناية ضخمة لمعهد ترعاه الكنيسة
الكاثوليكية . وكانت ايضا بهذا الجبل مطاعم فاخرة ومقاهي حديثة يزورها علية القوم بواسطة سياراتهم الفارهة عبر طريق سيار يلتوي كالأفعى بين صخور الجبل الجميل . كان هذا الجبل أيضا مزار العشاق الفقراء مثلنا الذين
يستعملون – الفونيكولار – في صعودهم ونزولهم ويتمتعون بأسرار الجبل العظيم وغابته الشاسعة .
في العمل كنت وصديقي ننطلق عند الواحدة زوالا لتناول غذاءنا في مطعم يملكه أفراد من عائلة واحدة ملتحمة . وكانت هذه العائلة من - الباسك – أحبتني حبا كريما فقد كنت أبدو لهم خفيف الظل بما كنت أروي لهم من نكت وأغني وأرقص داخل مرقص المطعم على أغاني كنت أقترحها عليهم وكان الجميع يتحلق حولي يراقب حركات جسدي التي
كانت تروي قصة . وكان الجميع يشهد ببراعتي في الرقص لقد كان الرقص جنوني وهوايتي في آن .
وكان العمال على وقع ما يشاهدونه يظنون بأن تلك العائلة كانت ترمي من وراء ذلك إلى زواجي من إحدى بناتها
لكن ذلك لم يكن صحيحا البتة . حتى أن العائلة الكريمة دعتني لكي أترك العمل بالورش وأشتغل معها في المطعم وكان
شرطهم الوحيد هو حلق شعري الطويل والتخلي عن هندامي المهلهل لكنني رفضت لأنني كنت ضد مصالحي الشخصية أو مجنونا عن جدارة واستحقاق .
ولن أنس أبدا يوم أن ودعت هذه الأسرة الكريمة فقد رأيت عيون أفرادها رجالا ونساءا تغرورق بالدموع . قلت لهم ( شكرا لكم ) وأنا أودعهم . أجابوني كلهم بصوت واحد كتلاميذ المدرسة ( gracias a usted senor ahmed ) كانت الدموع تسيل من عيني وأنا أتجه نحو الباب كما يسيل الماء العذب الصافي من الغدران .كانت
هذه العائلة كما لو أنها عائلتي .
أعود إلى الصديقات ونحن داخل أدغال غابة ( أرتاندا ) بأشجارها الباسقة ورائحتها الزكية كنا نفترش الأرض
المعشوشبة النقية وعلى حين غرة إنطلقت أصوات الفتيات الملائكية في غناء حزين حزين جدا لم أكن أفهم كلام الأغنية لأنها باللغة الباسكية الرائعة لكن بالتأكيد فهمت الحزن المبثوث فيها فقد ولج قلبي واعتصره ولم أشعر كعادتي
المرضية إلا والدموع في عيني . وبعد لحظة انتبهت الفتيات لبكائي الخافت . اقتربت - مريم – مني ووضعت يدها حول عنقي من الخلف وحضنتني برفق . أخدت يدها ثم تركته يحط على العشب ثم ارتميت أرضا وصرت أضرب بكلتا يدي على الأرض بقوة وأنتحب . أصبت بنوبة بكاء هستيرية وتحول المشهد كله إلى جنازة بدون ميت . وانخرط الجميع في البكاء وتعانقنا في مشهد لا أستطيع وصفه بدقة إلن أن بدأت تخفت نوبة البكاء رويدا رويدا وطبق صمت غريب على المشهد . فجأة إنقلب كل شيء إلى ضحك فقهقهة . إنتهى بأغنية مرحة تدعو للرقص ثم وقف الجميع وتشابكت الأيدي وتم رسم حلقة جعلنني داخلها وهن يتهادين مع كلمات الأغنية . إختلط في داخلي الحزن
بالفرح والدهشة . وكان صديقي يراقب ما يحدث على مبعدة منهن ومني حدست أن الغيرة كانت بادية على وجهه
هكذا فكرت .
عند نزولنا من - الفونيكولار- أسفل الجبل . دخلنا حانة فقد كنا على ظمأ . طلبت كؤوس الجعة الباردة وسددت ثمنها
واتجهت نحو آلة الغناء كعادتي أستمع إلى أغنية - البلوز – ل. أوتيز ريدينك - بينما واحدة من الفتيات اقتربت مني
وطلبت الإذن لتشرب كأسي الذي كان لا زال ينتظرني على الكنطوار فأشرت عليها بأن تشربه . وقبل أن تفعل سمعتها تقول مندهشة ( que bueno ) .
وقبل أن نصل إلى المكان الذي تعودنا أن نفترق فيه جاءتني أخت - مريم - وأفشت لي سرا لم يكن في علمي
قالت لي بأن شقيقتها - مريم - تحبني ومغرمة بي . وكما لو أنني سمعت شيئا تافها قلت ( وماذا عن فتاتي ؟ )
منذ ذلك اليوم إختفت - مريم - من حياتي ولم تعد تأتي مع الأخريات . ولم تكن تدري تلك الفتيات أو إحداهن
على الأقل بأنني كذلك كنت مغرم بتلك الجميلة مريم دون أن تحدثني نفسي بإفشاء سري كما فعلت هي . لقد
إحتفظت بحبي في قلبي لأنني كنت أشعر بمركب نقص . أنا المغربي الكادح لا حق لي في الحب لا حق لي في
الحلم .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:25 PM
المهمش
06-07-2008, 04:24 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33646


في الحقيقة هو صديقي جال معي العالم عندما كنا بحاران بإحدى البواخر التجارية
عشنا وقائعا وأحداثا كثير ة وعجيبة .
مثلا بكوسطا الريكا قضينا ليلتنا ذات وقت مع فتاتين بحجرتين منفصلتين
كان هو يسمع وقع فحولتي ويتجسس علي من إحدى الثقب ... لا يهم
في الصباح سددت فاتورتي للسيدة التي كانت معي
بينما هو بدأيتلعثم يريد أن يتنصل من واجبه . كان علي أن أصرخ في وجهه
لكنه أصر على عدم تسديد فاتورته فكان علي أن أسدد له .
ذات يوم ونحن نسير جنبا إلى جنب فوجئنا بصراخ فتيات وسط الشارع
التفت تعرفت عليهن وهن ينقضضن علي بشكل جنوني يتسابقن لتقبيلي وهن يصرخن
غير مباليات بأبناء جلدتهن . كنت مبهورا بما يحدث لأنني لم أكن أظن أننا سنلتقي بعد الغياب
الطويل وبهذه الصدفة التي تشبه الموعد .
دخلنا الحانة كنا كلنا في حالة هستيرية حتى أنني لم يبق لدي وقت لتقديمه اليهن أو تقديمهن
إليه . كان هو ينظر ولا يسأل ربما لأنه لم يفهم . أردت أن أدخن . دسست يدي وهي ترتعد داخل
جيبي ثم فتشت كل جيوبي لم يكن لدي تبغ . قلت له خذ أرجوك أريد التبغ هاته بسرعة ..
قال
إذهب أنت
لم يكن لدي وقت للتفكير
قلت لهن ( دقيقة واحدة أريد أن أدخن سأعود حالا )
خرجن من ورائي وبقي هو وحده ينتظر
لكننا لم نعد . ولم يكن ذلك بإرادتي . كان ذلك من إقتراحهن .

.................................................. ...................................
كتب هذا النص بشكل إرتجالي حاليا . معذرة إذا كان ناقصا من الناحية الفنية .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:26 PM
البسيط والهيئة العليا-23-سيرة
08-07-2008, 03:23 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33698


ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

أتوقف لأتذكر ما نسيته من أحداث وقعت لي بفرنسا .كنت حينها متواجدا بتطوان مباشرة بعد إنهائي خدمة التجنيد وكان مكتب الشغل يقوم بتسجيل المواطنين من أجل
إحالتهم على اللجنة التي تتكفل باختيار من سيحظى بعقد العمل بفرنسا. كانت اللجنة مكونة من أجانب على رأسهم يهودي لكنه لم يكن سيئا بل العكس هو الصحيح.
إلتحقت بمكتب الشغل الذي كان غاصا بالبشر لكن التلاعب في عملية التسجيل هو سيد الموقف. فكنت أول المحتجين . وقدت مجموعة من المجندين نحو قصر العمالة
نطالب بعرضنا على اللجنة بصفتنا مجندين أنهوا خدمتهم ولهم حق الأولوية في عقد العمل. لكن المسؤول عن هذا القسم بالعمالة رفض مقابلتي وأمر بإقفال الباب في
وجهي كأنه في بيته وليس في إدارة مكلفة باستقبال المواطنين وحلحلة مشاكلهم . كان علي أن أقابل السيد مدير الديوان الذي خرج بنفسه على إثر ضجة وقعت بباب مكتبه. كان رجلا طيبا ونزيها سألني عن سبب هذا الإحتجاج فشرحت له الموقف مع مسؤول قسم التجنيد . فأمر بحضوره . وأعطى الأمر بإحالتنا على اللجنة.لكن
المسؤولين الثلاثة( مندوب الشغل ورئيس قسم التجنيد ومدير مكتب الشغل ) تعمدوا إبقاءنا للجولة الأخيرة وحين واجهت اللجنة وكان رئيسها يهوديا لكنه لم يكن سيئا
رغم لباسي الغريب وشعري المسترسل فقد إمتحنني وجاوبته على أسئلته وظهرت عليه علامة الإرتياح إلي . فأراد أن يعكرها المسؤولون الثلاثة بواسطة إعطاء
الإنطباع للجنة بأنني مشاغب وفوضوي . حيث وجهوا لي سؤالا ( أنت الذي أثرت الفوضى داخل العمالة وا شتكيت السي...... -وهو رئيس قسم التجنيد - إلى السيد
مدير ا لديوان ؟ ) قلت ملتفتا إليهم ( نعم هو أنا ) ثم أدرت وجهي نحو رئيس اللجنة . نظر هذا الأخير إليهم باستخفاف ثم التقط ورقة ووضع خاتما عليها قائلا (مقبول).قالها بعصبية ضدا على هؤلاء ربما لأنه يفهمهم . تم عرضنا على الكشف الطبي مرتين . الأولى بتطوان والثانية بالدار البيضاء وكان الأطباء أجانب وتم
فحصنا كما تفحص الماشية وخرجت من الفحص الطبي الدقيق منتصرا. وتم توقيع العقود والتحقنا بفرنسا .
خلال رحلتنا كان يقودنا شخص أجنبي لكنه تركنا بالعاصمة الإسبانية مدريد بعد إسناد المهمة إلي بصفتي عبرت الحدود من قبل . وسلم إلي خريطة لكي أهتدي بواسطتها نحو الهدف لكن الخريطة كانت خاطئة وربما عن قصد . لأنني كنت أمشي على هديها وبالتدقيق داخل أنفاق ميترو باريس فكنا ننتهي حيث بدأنا .
كانت الجماعة التي أقودها بعض منها مجلبب . فكنا نبدو للناس كفرقة استعراضية تثير السخرية والضحك . ولسيما حينما كان بعض منا يتعثر في الآخر ونتشتت
كالماشية وأعود من حين لآخر للم الحشد الذي كان يبدو للناظرين كقوم قادم من كوكب آخر . غضبت وانطلقت وحدي لأننا تحولنا إلى مسخرة خاصة .
أخيرا وصل كل واحد منا بطريقته مستعينا بأحد ما غالبا ما يكون من القلائل الطيبين الموجودين في كل مكان من هذا العالم الغريب.
تم جمعنا في معسكر عمالي وانقسمنا إلى جماعات وكل جماعة تم تسليم مأوى لها ( بنكالو ) بسخانة كهربائية غير أوتوماتيكية ضررها أكثر من نفعها .
وأفرشة تشبه ما يستعمله العسكر أيام الحرب . نطبخ أكلنا داخل المأوى كيفما اتفق ولم يكن لدينا مراحض أو حمامات سوى حفرة كبيرة فوقها خشبتين نستوي
عليهما عند قضاء حاجتنا وعلينا أن نحذر الإنزلاق فقد يؤدي ذلك إلى كارثة .كانت الحياة مستحيلة . وكنا أحيانا يتم نقلنا ليلا إلى أوراش بمدن أخرى وخلال
السفر نتبلل بماء المطر وتتبلل أغراضنا كنا كجنود في حرب قذرة لا تنطبق علينا صفة العمال أو الشروط الموجودة بالعقد. وكانوا يتفننون في تعذيبنا .
كما الشاحنات التي تنقلنا كانت قلاعها مثقوبة فيتسرب ماء المطر فتتبلل أفرشتنا التي كنا نحملها معنا . كنا بدون كرامة . ولما وصل السيل الزبى ولم نعد
نطيق الوضع تناقشنا في الأمر واتفقنا على أن أقود أنا الإحتجاج .ذات يوم ونحن في المعسكر العمالي الكبير حضر رئيس الأوراش الذي يتفقدها طوال ساعات النهار بواسطة سيارته( البيجو )وكان رجلا عنصريا يعامل العمال بطريقة غير لائقة . أمرنا بجمع أغراضنا من جديد ( قارورات الغاز والملابس والفراش واللحاف والصحون إلخ ..) طلبت حينئذ من هذا الرئيس أن يأتي بالحافلة إن كان ينوي نقلنا إلى أماكن أخرى . لكنه كان خسيسا . فرد بالإيجاب وطلب منا إخراج أغراضنا وتسليم مفاتح السكن . ففعلنا . لكنه جاء بنفس تلك الشاحنات اللعينة .كان رد فعلي غاضبا فقد شتمت فرنسا ومساواتها وطلبت منه إعادة
المفاتيح للرجوع إلى أماكننا ريثما نتصل بالمصالح التي ترعى حقوق العمال . لكنه أشار علي بعضوه التناسلي كما يفعل صعالكنا . فبصقت في وجهه أمام
العمال. فانتفض غاضبا مزمجرا فوقفت كالمارد وهددته بما هو أفضع فدخل غمده. لكنني شعرت به مهانا فلو كان له مسدسا لستعمله ضدي بدون شك .
كان المطر يهطل فألقيت بكل أغراض المجموعة إلى الوحل والماء وتبللت أفرشتنا ولم تعد صالحة للإستعمال. ثم قدت المجموعة من ورائي نحو مكتب اليد
العاملة ولم نجد المسؤول الكبير بل فقط سيدة في منتصف العمر . طرحنا المشكل فالتقطت السماعة وهاتفت الشركة . وأثناء إنصاتها إنفعلت والتفتت نحوي
مبهورة مشدوهة محملقة في وجهي قائلة ( أووووو ) . عرفت حينها بأن أحدا ما أخبرها بأنني بصقت في وجه المسؤول الكبير .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:27 PM
البسيط والهيئة العليا - 24 - سيرة
08-07-2008, 10:53 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33708


ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

صارت تتكلم لبضع دقائق مع الشركة ثم وضعت السماعة . وخاطبتنا قائلة ( إن كل مطالبكم ستلبى وعليكم أن ترجعوا إلى أماكنكم . إنتهى الأمر ) .
حضر ممثل الشركة بسيارة كبيرة ( fourgonette ) وحملنا إلى المعسكر العمالي واستلمنا مفاتيح السكن وتم إحضار أفرشة جديدة . غدا صباحا حضر المسؤول
الكبير وكنت أنا قابع داخل - البانكالو - فدخل رفيقي عبد الواحد وأخبرني بأن الجميع صعد الشاحنات . لقد تخلى عني الجميع رغم كل شيء . كيف تم
ذلك ؟ لست أدري . قلت لرفيقي بأننا علينا أن نصمد لكنه أخبرني برضوخه للأمر الواقع قائلا ( ذل فرنسا ولا ذل البلد ) . بقيت لوحدي وفكرت
بأنني ربما سأتعرض للإنتقام في هذا المعسكر العمالي الرهيب . أحسست بالخذلان والمهانة فقمت وجمعت أغراضي وصعدت الشاحنة مع الرفاق وكان المسؤول يقهقه بضحكة مجلجلة وكأنه في هيستيريا . لقد هزمني .
إنطلقت الشاحنة بالمجموعة تنهب الطريق نهبا . وخلال مرورنا ببعض المدن الصغيرة كان يطلب منا أن ينزل شخصان أو ثلاثة وأحيانا واحدا فقط .

قلت لرفيقي (عبد الواحد الشباق )إنزل مع من شئت وأينما شئت . لكنه فضل البقاء معي . إلى أن بقينا الأخيران وصلنا إلى قرية نائية بها ورش كبير لا زال في بدايته . نزلنا وخاطبني السائق قائلا ( بهذا الورش مسؤول ممتاز وطيب . حظا سعيدا ) كنت أظن أنه يسخر منا لكنني فعلا إكتشفت أن الأمر
صحيح . فالمشرف على الورش رجل إنساني وطيب بالفعل . ومع ذلك سنختلف وسأرحل عنه . لأن كرامتي كانت مشروخة وكانت أكبر من أن يعالجها
شخص طيب . توالت الأيام ثقيلة وكان كل شيء عادي وبلا مشاكل أو إهانات . وذات يوم قام المسؤول بتعييني بباب الورش وأعطاني مكنسة لكي
أكنس بها التراب الذي يسقط من الشاحنة عند خروجها لإفراغ حمولتها بعيدا بمكان ما . كانت المكنسة بيدي كجندي ببندقيته واقفا طوال الوقت بباب الورش
وأشعة الشمس تلفح وجهي فتحوله إلى لون أسود يثير فضول المارة والمسافرين من داخل سياراتهم وكأنني حيوان قادم من كوكب مختلف . كنت أفضل عملا
آخر داخل الورشة ولم يرقني هذا العمل الذي حولني إلى فزاعة على الطريق السيار .
كما أن رفيقي توصل بالإستدعاء لاستلام بطاقة الإقامة وكذلك جل الرفاق من مجموعتي باستثناء أنا الوحيد الذي إحتفظت إدارة الشركة باستدعائي لأنها
كانت تفكر في الإستغناء عن خدماتي بسبب ما حدث . لكنني إتصلت بإدارة الأمن القريبة من القرية بمدينة صغيرة مجاورة وأخبرت المسؤول بأن الإستدعاء
ضاعت مني . فقام وبحث في ملفات فوق طاولته وبعد إجراء إداري روتيني يتعلق بالكشف عن هويتي وإسم والدي ووالدتي إلخ.. تم تسليم بطاقتي وعدت أدراجي
سعيدا بذكائي . كان علي الآن أن أحل مشاكلي بطريقتي وبما أن بطاقة الإقامة توجد بجيبي . فكرت في تغيير الشركة بأخرى وبعمل أفضل .
كنت محتاجا لكي أقضي وقتا في مرقص أو نادي ليلي أستمع للموسيقى التي كانت شفائي . كما كنت أفعل بإسبانيا . لكنني لا أعرف مثل هذه الأماكن
للتسلية ولسيما وأنا في منطقة نائية وقروية . طلبت عنوانا لمرقص أو نادي من سائق فرنسي يأتي من حين لآخر إلى الورش بشاحنته حاملا مستلزمات الورش .
وذات سبت تهيأت ووضعت النقود في جيبي وأخذت سيارة أجرة من المدينة المجاورة وسلمت للسائق العنوان فانطلق بعيدا ولم أكن أظن أن الهدف خارج المدينة .
نزلت بقرية أخرى بعيدة ببضعة كيلمترات . سمعت أصداء موسيقى تأتي من مكان ما على مقربة وأشار علي السائق بالإتجاه صوب مصدرها . سددت الواجب
وانطلق لا يلوي على شيء. لما اقتربت من مصدر تلك الأنغام وجدت جميع الحاضرين عجائزا وشيوخا يرقصون على أنغام الكورديون . كان المكان عبارة عن
كراج واسع ليس إلا . بالتأكيد هذا ليس هو المكان المطلوب . تراجعت للوراء وتجولت بالقرية وأنا أفكر بأن من أعطاني العنوان ورطني عن قصد وسخر مني
أو أن السائق فعل فعلته . رأيت سيدة تسقي حوضا للأزهار بباب بيتها وحييتها بأدب وسألتها عن فندق أو حافلة نقل نحو المدينة لكنها اعتذرت وقالت بأن القرية
لا يوجد بها فندق وأن الحافلة تنتهي من خدماتها قبل السابعة مساءا وكان الليل قد بدأ يسدل ستاره على المكان ويزيد من كربتي وشملني القلق والحيرة والندم .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:28 PM
البسيط والهيئة العليا - 25 - سيرة
09-07-2008, 03:38 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33735


وقفت على حافة الطريق السيار أتذكر الوجهة التي جئت منها مستقلا سيارة الأجرة فتعرفت عليها
بسرعة فائقة دون أي اجتهاد. لأن الطريق الثانوي الذي خرجت منه للتو هو نفسه الذي عرجت عليه
سيارة الأجرة عندما إنعطفت يمينا لكي تلج القرية . قفلت راجعا عبر هذا الطريق السيار الذي كانت
تمر به سيارات وشاحنات مختلفة بسرعة خاطفة في الإتجاهين المعاكسين . وكان من العبث أو من الجنون أن أقف لأتدبر أمر وسيلة نقل في تلك الساعة من بداية الليل. وكان ركضي لساعات في إتجاه المدينة كافيا لأصل أخيرا إليها وتأكدت من أنني وصلت فعلا . كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل - الواحدة ونيف - صباحا. وكل الأماكن من مقاهي وحانات قد أقفلت . وتهت متجولا بأزقة وشوارع المدينة لا أعرف ماذا أفعل . فإذا بسيارة تقف بجانبي وأشار إلي شخص بداخلها لكي أركب . لفني الخوف . لكن راكب السيارة كما لو علم ما يدور بخلدي فأشار علي ثانية بأن أصعد السيارة وبطريقة جعلتني أطمئن إليه. وسبقني إلى فتح باب السيارة وركبت . سألني عن هويتي وجنسيتي وسكناي فجاوبته بصدق كعادتي . أخبرته عن الورشة التي أقيم داخلها فاتخد وجهة القرية وبينما نحن في الطريق فوجئت به يتحسس بيده عضوي التناسلي ففهمت توا أنه شادا . لكنني سمحت له بمداعبة عضوي من خارج السروال ولم أدر كيف مددت يدي لأتحسس مؤخرته فإذا بها تقع على محفظته بجيبه الخلفي فسحبت يدي بسرعة البرق حتى لا يظنني لصا . حينئذ فهم شعوري فسحب هو بدوره يده وكان عضوي التناسلي منتصبا بفعل الكبت والحرمان لشهور عدة . سألني إن كنت أسكن لوحدي قلت له بأن صديقا يشاركني السكن . أوصلني إلى باب الورشة وقفل راجعا من حيث أتى .
حمدت الله على وصولي سالما ودخلت سكناي فلم يكن صديقي موجودا هناك. عرفت فيما بعد أنه زار
العاصمة باريس وبالصدفة إلتقى بشخص كان رئيسا للفرقة الموسيقية بتطوان التي كنت مطربا فيها
إنه عبد الرزاق الحسين . قام هذا الأخير باستضافته في بيته عندما عرف أنه يسكن معي ويعمل
كذلك بنفس الورش الذي أشتغل به . وأسمعه أغنيتي - صباح الخير - التي لحنها لي . سأله عن أحوالي .ولما عاد من باريس حكى لي هذا الخبر وأدهشني لأنني لم أكن قد حكيت لرفيقي عن اية
فرقة أو شيئا من هذا القبيل . لو كنت فكرت آنذاك في الإتصال بهذا الشخص بباريس لكان مصيري بفرنسا قد تغير بشكل جدري . لكن أحداث الغربة تجعلنا دائما مصيرين وليس مخيرين .
كان رفيقي ( عبد الواحد ) تأتيه نوبة عصبية تجعله يجمع ملابسه وأغراضه لترك العمل والعودة إلى المغرب . فكنت أنا من يقف في طريقه وأجعله يسترد الأمل ويهزم اليأس فيعود لطبيعته ويستمر .
( وهو حاليا متزوج بسيدة فرنسية وله معها أولاد ويزور تطوان مع أسرته كل عطلة سنوية ثم يقوم
بزيارتي لمكتبي بمقر عملي من حين لآخر) . ولما رحلت عن الورش بكي لفراقي لأنه بقي وحيدا
والتزم الصبر إلى أن حصل على وظيفة أخرى وبنى حياته الجديدة . أما أنا فقد إتصلت بادارة الشركة لتصفية حسابي ولما توصلت بمستحقاتي أخرج المسؤول من درج مكتبه تلك الإستدعاء التي تم حجزها . قائلا( يمكن لك حاليا أن تسحب بطاقة إقامتك من إدارة الأمن بهذه الإستدعاء
مادامت الشركة تحررت منك ) لكنني تركت يده مبسوطة وأخرجت بطاقة إقامتي من جيب سترتي وقلت له ( أشكرك فالبطاقة هاهي ) بقي مندهشا فهو لم يفهم كيف تسلمت هذه البطاقة . ولم يكن الغبي يعرف بأنني أذكى مما كان هو يتصور . إنني لا ألوم هؤلاء الفرنسيين وأتفهم إحاسيسهم فهم لا يطيقون الأشكال الإنسانية المتخلفة وهذا من حقهم .
فرنسا لم تكن قط من البلدان التي تستهويني ويحلو لي العيش فيها . أهلها عنصريون أكثر مما ينبغي . فكثيرا ما رأيت ممارسات فظيعة وعنصرية لا يمكن أن تحدث في بلدان أخرى . فالفرنسيون
لا يهضمون المغاربة والجزائريين إنهم يعاملوننا كما يعامل الحيوان . وأستغرب للناس الذين إضطروا للعيش في فرنسا وأشفق عليهم. قد يكون رأيي هذا مبالغ فيه قليلا. لكنه رأي دقيق وصحيح .
إن فرنسا هو البلد الأكثر عنصرية في أوربا ويليه بالدرجة الثانية بلد بلجيكا . شيء رهيب أن يعيش الإنسان في هذين البلدين . ولهذا إنصرفت عن فرنسا غير آسف أبدا رغم حصولي على الإقامة .
ودخلت مدينة - بيلباو - الإسبانية من جديد . إنها المدينة التي قصيت فيها أجمل أيام حياة غربتي .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:29 PM
البسيط والهيئة العليا - 26 - سيرة
14-07-2008, 10:47 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33914


البسيط والهيئة العليا – 26 - سيرة

وصلت ( بيلباو ) واتجهت مباشرة إلى شارع - سانفرانسيسكو- حيث يقيم ويجتمع المهاجرون المغاربة فالتقيت بأصدقائي ومنهم ( فارس ) و ( الحادوش ) و( سي مصطفى الملقب ب – الشريف -) وعدد آخر من رفاق الحي.
وهناك تعرفت على ( ميكي ) الذي سيصير صديق العمر . والذي كان آنذاك أصغرنا سنا . إلتحق ( البرنوصي )
أيضا بنا . وكان قد إلتحق ب ( بيلباو ) مصحوبا ب ( فارس ) بعد أن إلتقيا في العاصمة ( مدريد ) .
كنا نتلاقى في حانات شارع ( سانفرانسيسكو) بشكل يومي . البعض كان يشتغل والبعض الآخر لا زال يتسكع
وكان – محمد الطنجاوي - متزوج بإسبانية وله معها بنتين واحدة لازالت رضيعة . كان هذا الشخص رجلا كريما
وطيبا وسكيرا أيضا وكان هو الملاذ دائما لمن تقطعت به السبل من الرفاق . وقد حكى لي يوما أن صديقا لنا
إسمه ( السوسي ) إستضافه ببيته فجاء يوما ثملا ولم يجد ما يأكله فأكل عصيدة الرضيعة ولما استيقظت الزوجة ليلا
لم تجد ما تعطيه للرضيعة لأن عصيدة إبنتها أكلها الضيف . فقام الزوج بطرد ه من البيت في جنح الليل .
تعرفت على ( ميكي ) في حانة - إلخيطانو - وهي حانة البؤساء من الإسبان والمهاجرين يؤمها الجميع لأن الوجبات
كانت بخسة وكذلك النبيد . فرغم مجيئي من فرنسا ومعي بعض النقود لكنني استهلكتها عن آخرها ولم يبق لدي سوى ساعة جميلة وجيدة بمعصمي تطلعت إلى بيعها لأفك بها عوزي . وكان – ميكي - حينذاك يشتغل في نقل العمال بواسطة عبارة على ضفتي نهر - بيلباو – وكان هو ملجؤنا في اقتراض الفلوس منه ريثما تفرج أزمتنا .
أما( فارس )لما كان بالعاصمة كانت له خليلة عجوز إسبانية الجنسية تدفع له مقابل نزوتها الجنسية . ولما إلتقى
مع – البرنوصي - إستضافه ببيت عشيقته العجوز وطلب منها وجبة للطرفين فغضبت غضبا شديدا وقالت له
بلغتها الإسبانية ( veneis a chulearme los dos ! ) وقامت بطردهما من بيتها فالتحقا ب – بيلباو – وكنا
نضحك كثيرا من هذه الواقعة . أما ( الحادوش ) فكان يعشقه رجل شاد وكان هذا الأخير يشتغل في الحانة فكان
ملاذا لنا جميعا نأكل ما نشاء ونشرب ما نشاء ولا نسدد شيئا . حتى أنه إكترى بيتا على نفقته ووضعه تحت
تصرفنا . وكان( الحادوش ) يكرهه لأنه يحب النساء ويكره الشواد .
أما - ميكي - فقد كان فتى يافعا ويتحفظ في مشاركتنا تسكعنا ولم تتوطد علاقتي به إلا مستقبلا عندما عدنا
كلانا إلى تطوان بصفة نهائية .
هاتفت فتاتي وضربت لها موعدا ورافقني - فارس - أثناء لقائها . وبالصدفة تعرفنا على فتاة أعجبت برفيقي
فضربنا موعدا آخر في الغد بحانة – las claveles - المقابلة لمفوضية الشرطة بمكان يسمى – siete calles -
في الغد وصلنا في الساعة المحددة . لاحظنا أثناء دخولنا الحان فتاتينا تتحدثان لشخص مجهول لدينا وكان إسبانيا
لم يكن ذلك تصرفا منهما مشبوها بل كان عاديا . غير أننا تصرفنا حسب تقاليدنا المتخلفة . تجاهلنا الفتاتين وأخذنا
ركنا بعيدا عن الفتاتين المنتظرتين . وكان ذلك كافيا ليشوش ذهنيتيهما وقد أثار ذلك حنق الشخص الذي كان شرطيا سيئا . فتقدم نحونا وجلس مشتركا معنا الطاولة وبدأ يحدق فينا بطريقة لا تطمئن . ثم أقدم – فارس – على
التحدث إليه بنوع من الإطرا ء فظننا أننا نخشاه . فأقدم على صفع رفيقي - فارس – لكنني قلت لرفيقي ( إتركه لي ).
سحبت علبة السجائر من جيبي وقدمت له سيجارة قائلا ( خذ لك سيجارة لتهدأ أعصابك ) وبحركة من يده أسقط العلبة
أرضا . ثم أضاف ( أنتما - macarras ) ومنذ شهور وأنا أتتبع خطواتكما ) لكنه كان يكذب فأنا لم أصل - بلباو-
إلا في ظرف أسبوع واحد وكذلك هو الشأن بالنسبة لرفيقي . إذن هذا المريض سقط في الفخ . قلت له ومن تكون
حتى تتبع خطانا ؟ قال ( إنني شرطي ) استويت واقفا وضربته بقبضة يدي الإثنتين المتلاحمتين ورميت به نحو الخلف . كنت غاضبا بشدة سقطت كؤوس من طاولة بالجوار وصرخت الفتاتين الجالستين بتلك الطاولة المجاورة
تدخل نادل سمين فرميت به جانبا كما ترمى قطعة قماش . وصل رجال الأمن على الفور . حينذاك رمقت فتاتي
تنظر إلي بفم مفتوح وهي مشدوهة أمام الحدث الغير المرغوب فيه . خاطبني الكومسير قائلا ( لا ترغمني على
استعمال العنف ) . اتجهنا نحو المفوضية هناك تأكدت أن الرجل المضروب شرطي بثياب مدنية وصار يردد مقولته السابقة ففندت كلامه بالإدلاء بالجواز الذي يحمل تاريخ عبور الحدود الفرنسية مع إسبانيا وكذا بطاقة الإقامة
فتبين جليا أن الرجل كاذب ومفتر ي . أما صديقي فقد صرفوه لحاله لكي لا يكون شاهدا وضحية الشرطي السيء
وأضاف هذا الأخير مشيرا إلى لباسي ( أنظر إليه كيف يلبس ) أجبت الكومسير ( أنظر إليه كيف يريد أن يلبسني
لباسا على ذوقه وعقليته ) كان جليا وواضحا أن هذا الحمار خائب كبير وكنت أحس بأنني قوي وانتصرت على
إبن الكلب الذي أراد أن يسخر منا فنال عقابه . سمعت الكومسير يوجه سؤاله له ( هل تريد متابعته ) قال الخائب
وعلامة الخيبة تشرق من وجهه ( أنا لا أريد أية متابعة ) .
وضع الكومسير يده على كتفي واتجهنا معا نحو باب المفوضية وخاطبني بهدوء ( لا أريد أن أراك بمقدار نصف
كيلومتر من هذه الحانة ) اتجهت صوب البار وأخرجت فتاتي واختفينا .
في الغد رجعت إلى نفس الحانة وطلبت كأسا من الويشكي وأخذت جرعة جيدة وخرجت بالكأس في يدي ووقفت في الباب المقابلة للمفوضية وصرت أحملق في إتجاههم . لم يتحرك أحد منهم لينفذ الوصية . كنت أعلم جيدا أن وصية الكومسير لم تكن حكما صادرا عن القضاء . لذا فالأمر تافه ولن يجد من ينفذه .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:30 PM
البسيط والهيئة العليا - 27 - سيرة
16-07-2008, 08:12 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=33966


البسيط والهيئة العليا – 27 – سيرة

كان شارع sanfrancisco ومحيطه الحي الذي يتجمع فيه المغاربة ويقيمون ببعض منازله . لأنه أيضا تجمعا سكنيا
للمهاجرين الإسبان القادمين من منطقة الأندلس وكاليسيا وبوركوس وغيرهم من المناطق الفقيرة باسبانيا آنذاك. فكان هؤلاء المواطنون الإسبان الباحثين عن حياة أفضل في شمال إسبانيا يستضيفون شخصا أو شخصين بين ظهرانيهم مقابل بضعة عشرات من البسيطات في الأسبوع . وكان بجانب هذا الشارع فضاء يطلق عليه las cortes وهو ماخور تصطف الحانات على جانبيه وأينما ولجت تجد المكان مؤثثا بنساء الحياة كما يقول الإسبان نفسهم
Mujeres de vida نساء الحياة . وكانت بينهن نساء مغربيات لكنهن كن قليلات يحسبن على رؤوس الأصابع . هذا الفضاء يستقطب ليلا مختلف الشرائح الإسبانية والبحارة الذين تقف بواخرهم على أرصفة ميناء
Bilbao وكذا بعض المهاجرين الذين يهوون التسكع ليلا والتخلص من الكبت من حين لآخر .
كنا جميعا نتسكع ليلا في هذا الفضاء وكنا نأتي على رصيد الأسبوع برمته خلال ساعات من وجودنا بهذا الماخور . فكنت رغم توصلي بأجرتي كل سبت .وبمجرد أن أدفع أجرة المأوى أجدني أندفع لتبذير ما لدي دون أن
أفكر في وجبات الأكل خلال الأسبوع الطويل وما أحتاجه من مصاريف أخرى ضرورية .لأنني كنت قادرا على تدبر
الأمر بخصوص الأكل فكل الأماكن هناك أستطيع أن أقضي بها حاجتي دينا أسدده آخر الأسبوع بدون تماطل. وأحيانا ألتجيء إلى صديقي - ميكي - الذي كان يفك أزمتي ويصبر علي إلى حين . وذات يوم وكان يوم إثنين أصبحت
خالي الوفاض ومن حسن حظي زار الورشة المقاول الذي شغلني فقصدته قائلا ( أريد قرضا ياسيدي .. إذا كان ممكنا ) فاستغرب أمري قائلا ( حقيقي لا أصدق .. كيف يمكن أن تتوصل بأجرتك يوم السبت وبعد غد أو بعد
غد تطلب القرض ؟ .. هل تذهب إلى las cortes ؟ ) قلت نعم سيدي . دس يده في جيبه وناولني ورقة
نقدية من فئة ألف بسيطة وقال لي ( هذه ليست قرضا . ولكنني أقرضك نصيحة وهي - إذا لم تكن تدخر قسطا من
أجرتك ياولدي عليك أن تنتحر برصاصة في رأسك - ) وقد فكرت كثيرا في نصيحته ورأيتها بديهية ومعقولة .
لكنني لحد الساعة لازلت كما كنت ولم أتغير . لم أتعود إدخار شيئ في حياتي رغم المال العميم الذي هدرته و
هدرته بكل عبثية . ولحد الآن لم أفكر في الإنتحار . لأنني أحب الحياة وأرى أنها تستحق كل عبثي هذا ولا مبالاتي بخصوص هذه الأشياء التي يحرص عليها الناس كما لو يحرصون على حياتهم . فالإنسان سوف يموت في
المستقبل إذن الإنسان ليس له مستقبل . ذلك ما قاله - كنفاني - . كل الطرق على السواء كما قال - سارتر - .لكن
المقاول el gayego لا يفكر بنفس الأسلوب الذي أفكر به . ومع ذلك هو على صواب .
في هذا الفضاء المؤثث بالنساء الجميلات تعرفت على سيدة حسناء وشقراء وكانت أكثر سنا مني كان عمرها
ضعف عمري أو أكثر وكانت تقول لي دائما بأنني أشبه إبنها كثيرا ولا أدري لماذا كانت تروقني وأفضلها على الأخريات الشابات . وأصبحت زبونها المفضل وكنت عندما أضاجعها كنت أقبلها في فمها ليبقى فمانا متلاصقان إلى
آخر الشوط. كانت رائعة بشكل رهيب وكانت لا تتأفف من لعابي وأنا ثمل . قالت لي يوما ( سنتضاجع بطريقة الكلاب ) – stilo perro - وفعلا فعلنا ذلك.
كل هذه الأحداث كنت أحكيها لفتاتي وصراحتي تجعلني أبدو مجنونا في نظر الغير لكنها كانت تتحملني لأنها كانت تحبني وعندما تحبك المرأة إفعل بها ماشئت إنها الحقيقة .
أتذكر يوما إقترح علي صديقي- فارس – أن ألبس ولو يوما واحدا لباسا أنيقا وكان هو مولع بالأناقة اعترضت أول
الأمر لكنني رضخت لإقتراحه اخيرا . لبست سترة جديدة وبانطلون رائع وقميص أبيض وكرافتة زاهية وحداء لامع
أعارني هوكل شيء . وانطلقنا في شوارع المدينة . كنت أثير إنتباه الناس بشعري المنفوش وشاربي الأسود وملامحي الغجرية وأناقتي التي أضفت علي منظرا رائعا . قال لي صديقي أن الناس لم تعد تلتفت إليه كما من قبل.
كنت أشعر كما لو أنني نجم شغل المارة . ففكرت أن أعرج على فتاتي لأتباهى بشخصي كالطوس . فاجأتها وهي بمقر عملها بشركة تدير خزائن ومستودعات تجارية وكانت موظفة إدارية بتلك الشركة administrativa
سألت عنها وبعد هنيهة حضرت وما أن رأتني حتى إنبهرت بقيت مشدوهة فهي لم ترني على تلك الحال قط وطالبتني مرارا كي أتأنق وأرمي بالأسمال جانبا فكنت أرفض . يومها أحسست بها أنها ستطير من الفرحة وجرتني
من يدي وأدخلتني عنوة إلى مكتبها وقدمتني إلى رفيقاتها في العمل وكن أوانس في ريعان شبابهن وأجمل منها
بكثير. لم يكن هناك مبرر لإدخالي للمكتب لكنها فعلت وطلبت الإذن وخرجنا معا قبل وقت مغادرتها المعتاد.
سرنا ثلاثتنا نحو مقهى راقي ( la arriaga - هناك جلسنا نشرب ( el batido ) كنا ببلادنا لم نكتشفه بعد . كما
أنه بتلك المقهى يباع بثمن مرتفع . أخذتني ما يشبه غيبوبة تفكير في الوطن والأسرة ولما استعدت يقظتي سمعت
فتاتي تخاطب رفيقي( فارس ) قائلة ( سأقدم لك صديقة جميلة سوف تتعرف عليها وتحبها . وفعلا تم ذلك لكن
الفتاة تبرمت من تصرفاته ولم تكن تتحمل مثل الأخرى . كان سلوكنا مع الفتيات شرقيا في طبيعته .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:31 PM
البسيط والهيئة العليا - 28 - سيرة
23-07-2008, 03:36 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34154


ناس حدهوم أحمد
AHMEDNAS.01@HOTMAIL.COM

شارع SANFRANCISCO يكون كل يوم أحد مسرحا إ ستعراضيا . هذا الإستعراض يقوم به المهاجرون المغاربة القادمين من منطقة الريف بشمال
المغرب . إنه استعراض تلقائي يتحول إلى فرجة لدى المواطنين الإسبان . هؤلاء المهاجرين الكادحين من أجل لقمة العيش لم يكن سلوكهم مثل سلوكنا نحن
القادمين من المدن والحواضر . هم لا يؤمون المقاهي والحانات أو ما شابه ذلك . فهم يكرسون أوقاتهم كلها للعمل وادخار العملة الصعبة لإرسالها للأهل
أو الرجوع بها عند العودة. لذا كان يوم الأحد بالنسبة لهم يوم عطلة ولكن فقط في المساء أما الصباح فيخصصونه في البحث عن أسواق لاقتناء المواد
الغذائية بثمن بخس وكانوا دائما يكتفون بالضروريات في أحسن الأحوال. وكان مساء يوم الأحد هو يوم جولة تتحدد في الصعود والهبوط عبر الشارع المذكور
إلى أن يحل الليل ليعودوا إلى مخادعهم والإنشغال بتهييء وجبات اليوم الموالي لحملها معهم إلى مقرات عملهم. وهكذا دواليك . وخلال تجوالهم عبر الشارع
الطويل كانوا يسلمون على بعضهم البعض بالأيادي ويكررون ذلك كل المساء في نقطة الإلتقاء ولما كانوا كثيرين فقد كنت ترى ذلك السلام يتكرر بشكل
يبعث على الضحك والعجب أيضا مما يجعل المواطنين الإسبان حائرين في فهم هذه الظاهرة الغريبة لهؤلاء الناس . وقد كان لباسهم البدوي أيضا يضفي
عليهم الكثير من التساؤل من طرف الإسبان . ونظرا أيضا لكون هؤلاء الإسبان بدورهم قادمون من الريف الإسباني فلربما كان بين هؤلاء وأولائك نوع من التقاطع في التفكير يجمع بين الدهشة بالنسبة لهؤلاء واللامبالات بالنسبة لأولائك . وكان الإستعراض الأسبوعي شيء مثير بالنسبة للجميع. وكنا نحن القادمون من المدن والحواضر وأغلبنا طلبة تدرجوا في أقسام التعليم الإبتدائي والثانوي نستاء كثيرا من سلوك هؤلاء بسبب ما ينسجه الإسبان من القصص الخيالية والغير
الصحيحة حول el moro هذا الإسم كان يجمعنا كلنا في نظر الإسبان ويضعنا في سلة واحدة.
إجتمعنا يوما خمسة أفراد أو ستة منهم ( أنا والسي مصطفى الملقب بالشريف وفارس وغيرهم ) سي مصطفى كان آنذاك متأثرا بالفكر الشيوعي دون أن يكون كذلك في سلوكه وتصرفاته . أما( فارس) فقد كان ليبراليا وتقدميا ومنسجما مع الإسبان . وآخرون مثل ( الحادوش )و ( الطنجاوي ) فقد كانوا تابعين لنا
بصفتنا نخبة الجماعة المثقفة والتي تقرر ما سنقوم به .
فكرنا في تأسيس ما يشبه الودادية كما هي اليوم . لم يكن همنا هو نقد نظام ما أو فكر ما ببلادنا أو بالبلد الإسباني مثلا . بل هدفنا كان هو تأسيس مكان نسميه ( بيت المغرب ) وكنا نخطط للتنسيق بين بيلباو ومدريد عبر بعض الشركاء الذين أعجبتهم الفكرة . وكانوا من أصدقائنا . وكنا وضعنا برنامجا إختصرناه في
النقط التالية
- عدم التدخل في الشؤون السياسية للبلدين المغرب وإسبانيا
- تأسيس صندوق مالي يساهم فيه كل المهاجرين المغاربة ا لمنخرطين وذلك من أجل مساعدة المهاجرين المتدفقين أي الجدد الملتحقين ببلباو ومساعدتهم
على إيجاد العمل والمأوى.
- وضع استراتيجية من نوع تجاري بإحداث مقهى للمشروبات الغير الكحولية داخل بيت المغرب ويكون ريع هذا المشروع التجاري تابعا للصندوق
المالي لبيت المغرب . لكي نستطيع القيام بمهامنا على الوجه المطلوب .
- إعطاء دروس للمهاجرين الأميين وتعليمهم اللغة الإسبانية لتطويرهم ودمجهم في المجتمع العمالي الإسباني كأناس قادرين على التواصل والذوبان
في نسيج الفضاء العمالي الإسباني .
هذه هي الخطوط العريضة التي قمنا برسمها بشكل عفو ي وتلقائي ( نحن الثلاثة ) واستدعينا كل المهاجرين المغاربة إلى إجتماع تأسيسي داخل مقهى
تتواجد في رأس الشارع المذكور يمينا قبل بلوغ القنطرة الوحيدة هناك والتي كان يمر تحتها عربات يجرها القطار من وإلى نقط صناعية محددة داخل هذه
المدينة الصناعية الهائلة.
قمت بتحرير موضوع الخطاب وألقيته على الجموع الغفيرة التي استجابت بشكل غير متوقع . وتمت مناقشة الموضوع وإقناع الجموع الحاشدة بالبرنامج
إلا أننا لم نستطع إنجاح المخطط بسبب تهورنا وعدم جديتنا . ويحضرني أنه عندما كنا نناقش البرنامج دخل علينا صاحب المقهى وسألنا عن موضوع
تجمعنا ومناقشتنا فاضطررت لكي أكذب عليه كذبة بيضاء وقلت له بأننا نناقش قكرة تأسيس فريق كرة القدم فاقتنع الغبي وانسحب .
كان فرانكو يمنع على الإسبان أي تجمع سياسي أو مشكوك في أمره فما بالك بالمغاربة الذين كانوا في نظر الإسبان قوما لا أهمية لهم على الإطلاق.
وما أن أنهينا الإجتماع حتى عانقنا الكنطوار نعاقر الكؤوس ونغني ونرقص . وكان هذا بالنسبة للبدو الذين حضروا الإجتماع كافيا لكي يسحبوا ثقتهم
منا ويعودوا لاستعراضهم الأسبوعي ونحن إلى تسكعنا وكأن شيئا لم يكن .
- يتبع--

محمد رشدي
18-12-2011, 12:32 PM
البسيط والهيئة العليا - 29 - سيرة
25-07-2008, 03:20 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34204


البسيط والهيئة العليا – 29 – سيرة

الشعب الإسباني خلال المرحلة الفرانكوية كان منغلقا على نفسه . لم يكن له القدرة بتاتا على إبداء رأيه بحرية أو إنتقاد النظام السياسي للبلد . لا حق له في الإحتجاج أو المطالبة بحقوقه المشروعة في الحرية
والإنعتاق من الإستبداد . كان آنئذ هذا الشعب مقموعا عن بكرة أبيه . وكنا نحن المهاجرون المغاربة نتواجد بهذا البلد الجميل - بطبيعته وبيئته وأهله - بشكل غير قانوني باستثناء مغاربة سبتة ومليلية المحتلتين فهم رغم
حملهم للجنسية الإسبانية وتمتعهم بحقوق المواطنة الناقصة كانوا كذلك يحملون معهم سمعتهم المسفوكة. ونحن رغم كل هذا وذاك كنا نستفيذ من التغطية الصحية والعلاج المجاني . لم يكن بالمجتمع الإسباني بطالة
ورغم ذلك فلكي تعيش الأسرة الإسبانية بكرامتها يجب أن يشتغل جل أفرادها عن بكرة أبيهم . أما الأطفال فيمنع عليهم العمل لكنهم يعملون في حالة واحدة فقط لتعلم المهنة واستيعابها - aprendices - .
لم يكن بالمجتمع الإسباني جرائم خارج سيطرة الأمن كانت الجريمة تكاد تكون منعدمة لأن العقاب كان صارما . سجون البلد كان لديها الحد الأدنى من الآدمية والإنسانية . النظافة مضمونة والتغدية جيدة والعمل
مضمون لك ولو سجينا .
الكنيسة كانت محترمة من طرف السلطة . لكنها كانت تشتغل في حدود إختصاصها وكان الشعب الإسباني
يكره الكنيسة وخصوصا العمال فقد كانوا كلما غضبوا شتموا رموزها .ولم يكن هناك من يحاسبهم على
تلك الفلتات . كانت الكنيسة تعيش في رفاهية على حساب المؤمنين باديولوجيتها لكنها كانت باردة كجثة وتؤدي دورها المنوط بها في لامبالات عما يحدث من حولها .
رغم هذه الديكتاتورية الغاشمة كنت كملاحظ أرى فيها نوعا من الوطنية وحب البلد . وكان الإعلام لديهم
إعلام بلا فم لكنه متقدم فكأنه يعلم بنهاية مرحلته لذا كان يهيء نفسه للرحيل أو للتغيير . كانت لهم سينما
متخلفة نسبيا عن الركب الحضاري لأوربا لكن النظام كان يسمح بعرض أهم الأفلام العالمية التي تشتغل على الحرية والديمقراطية وتقدم في وصلات للشعب وهي مدبلجة لكي يفهم ما يروج من أفكار في هذا العالم . حضرت هناك عروضا سينمائية رائعة مثل - زوربا اليوناني - الدكتور زيباغو - وغيرهما
كثير من الأفلام التي تجعلك عندما تخرج من دور العرض إنسانا مختلفا عما كنت عليه حين ولوجك لها.
كان حينذاك الشعب الإسباني يتكون في صمت وبهدوء ويتم تحضيره من طرف النظام نفسه للمرحلة
المقبلة لكي يدخل من تحت عباءة أوربا المتحضرة . كان كل شيء مخطط له . وكان النظام الأمني بالبلد صارم لكنه يحترم نفسه فلا مجال هناك لاستدراج أي مسؤول لتقبل الرشوة أو شيء من هذا القبيل
كما كان هذا النظام يراقب شعبه ويحميه في نفس الوقت . كنت واقفا يوما بمحطة حافلات وبالصدفة رأيت سيدة بجانبي تبكي لم أفهم لماذا لكنني كنت متأكدا من أن مشكلتها خاصة . فجأة مرت سيارة أمنية
مسرعة فرمقت السيدة فاستعملت الحصار وأحدث ضجة وضخبا ملفتين ونزل الرجال وأحاطوا بالسيدة يسألونها لكنها كانت تبكي وتشير بيدها أن لا داعي لحضورهم . فركبوا سيارتهم وانطلقوا بسرعة البرق .
بقيت مشدوها أمام ما رأيت ومعجبا بهم في نفس الوقت . كان نظام الأمن يحترم نفسه ولم يكن بين زبانيته لصوص أو متسولون . كانت أجرتهم سمينة لكي لا يمدوا يدهم للمواطن .
كانت لقمة العيش مضمونة والعدل العادي مضمون والعلاج مضمونا لكل الناس بما في ذلك نحن المهاجرون المغاربة البؤساء . الشغل موجود للجميع لذا قام المشرع الإسباني بسن قانون الكسلاء
- la ley de gago - أي معاقبة كل من يتهرب من الشغل ويريد العيش مجانا .
وكنت أتساءل مع نفسي
لماذا الأمور عندهم تسير على الوجه المطلوب وبما تشتهي سفنهم بينما عندنا الأمر معكوس ؟
لماذا المؤسسة الدينية عندهم تلزم الحياد ولا تتدخل في السياسة بينما عندنا المؤسسة الدينية تتجند دائما
لتخدير العباد ؟
الجواب ليس في علم الغيب بل نعر فه جميعا .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:33 PM
البسيط والهيئة العليا - 30- سيرة
04-08-2008, 04:57 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34487


البسيط والهيئة العليا – 30- سيرة

قضيت سنوات بمدينة bilbao - - كنت خلالها قد نسيت نفسي وكنت دائما حزينا في أعماقي بسبب بعدي عن الوطن والأهل . وكنت أجدد نسيان نفسي كل آخر الأسبوع . حيث أدفنها في الكأس حتى الثمالة لأجدد تعاستي
عند كل أول الأسبوع فأعكف من جديد كعادتي على العمل الشاق الذي لا أجد مفرا منه سوى بالصبر عليه .
فتاتي التي شغلت نفسي بها لم تكن في مستواي الفكري ولا العاطفي لكنها كانت لها أسبابها فقد إشتكت لي مأساتها
ذات يوم قالت بأن والدها ( الأعور ) رمى بها في صغرها لإحدى المدارس الخيرية الدينية حيث تربت هناك بدون حنان كافي . وقالت أيضا بأن والدها لم يقبلها يوما في حياته فقد بخل عليها هذا الأب الجبان حتى بقبلة
لن تكلفه شيئا. هذا الأعور نفسه ما أن علم بأن ابنته تعاشر مغربيا حتى ثارت ثائرته وغضب لمدة طويلة وسجنها
ولم يعد يتركها تخرج من البيت إلا اضطرارا فلولا العمل لما خرجت أصلا . فهربت من البيت وطلبت مني أن أهرب معها إلى مدينة barcelona - - لكي نبني حياتنا هناك بعيدا عن والدها . لكنني رفضت لأنني لم أكن أريد أن أصدمها . يكفيها صدمة الأب ولن أزيدها صدمة الحبيب . كنت أعرف أنني سأرحل يوما ما . فأنا مكتوب علي الرحيل دوما هو قدري فلم أكن أعبأ بالأمكنة ولا حتى بالزمن والوقت . وكان القدر خصمي الوحيد بعد نفسي
كان يترصدني في كل مكان وزمان لكن هذا القدر كان يفهمني ويعلم من أي صنف من الناس أكون . هو الذي حرمني من متابعة دراستي رغم نبوغي . هو الذي خطف والدي من أحضان أسرتي وأنا لازلت صبيا مغلوبا على أمري . وهو الذي قدف بي خارج بلدي ومرغ أنفي في التراب والحضيض كأنه بي يقول لي ( خذ أيها
المغرور التافه أيها المتكبر ) وكلما كنت أحل بأرض من أرض الله الواسعة كانت برامجها كلها تنقلب ضدي .
تقف كل العوائق في وجهي وكل الحواجز في طريقي . نفسي أيضا كانت تفكر ضدي فكلما جاءتني فرصة ذهبية لا يمكن أن تأتي لغيري إلا وكنت أرفضها دون شعور مني دون أن أعطي شرحا لنفسي على ما أنا أقدم
عليه من رفض . وكلما عرضت علي خدمة أنفع بها نفسي وأصلح بها أحوالي كنت أجد نفسي رافضا لكل ذلك دون
سبب أو مبرر . لم يكن لدي شيء جاهز سوى الرفض لكل شيء . وكنت أحيانا أقول مخاطبا ذاتي ( أنا مريض ) لكن شيئا بداخلي كان يرفض أيضا حتى أن أكون كذلك . لكن شيئا واحدا كان إيجابيا في سلوكي ودون
شعور مني هو التزامي نحو الآخر بالتصرف الأخلاقي وعدم إيذاء غيري . كنت دائما أتصرف بحكمة وبأخلاق
عالية فكان الإسبان أول الأمر يتوجسون مني لأنهم لهم أحكامهم المسبقة بخصوص جنسنا ونوعنا . وما أن يفهموني على حقيقتي حتى يبادروا إلى تكريمي . أحببت كثيرا من الناس . أغلبية المواطنين الإسبان كانوا آنذاك
أناسا طيبين ومتخلقين فتكونت لدي صداقات وأصبحت أعيش مع أناس يحبونني ويحترمونني ولكنني لم أقم قط بسلوك يسيء إلى قومي وبني جلدتي قبل أن يسيء لغيرهم . كنت أحسن سفير لبلادي في الغربة وتركت مكاني
دائما نظيفا جدا . لكن البعض من هؤلاء الإسبان كانوا فعلا أوغادا لا يحبون أن يروا مني سوى الجانب العرقي
وكانت فصيلتي في نظرهم شيء لا يطاق . ومع هؤلاء كنت أتصرف تصرفا مختلفا كنت أؤذيهم بلساني لأنني
كنت أدافع عن نفسي وعن كبريائي وعزة نفسي . كنت مثاليا في كل شيء حتى في غضبي وكنت أكاد أصرخ
في وجوههم قائلا ( إنني إنسان ولست بأقل منكم ) . كانت لدي ولا زالت كرامة وعزة النفس تجعلني أحميها من الآخر ومن نفسي كذلك . واستطعت أن أجعل من بعض الإسبان أحبابا وأصدقاءا حقيقيين لم يتوفروا لي من قبل في وطني الجاحد . ولما كنت أرحل من مكان ما أرحل وأنا أبكي بينما من أودعهم كانوا يبكون كذلك مثلي. كان الحزن دائما مرافقا لرحيلي .
كنت أسكن بجانب مرقص يسمى ( la jaula ) - القفص - كنت أقضي ساعاتي بعد الإنتهاء من العمل في هذا المرقص لقد كان لدي الرقص طقسا مقدسا كما لو أنني أصلي وكان رقصي لا يعرفه الإسبان كانوا ينظرون إليه
كرقص غريب عنهم ولا أبالغ أنني إكتشفت أو أبدعت أشياءا في الرقص لم أكن أراها في ذلك الوقت وصارت
متداولة اليوم ومن حسن حظي أن الكثيرين كانوا يعيبونها أثناء قيامي بها في تلك الفترة من جنوني . وكان الكأس
من الشراب في ذلك المرقص بسيطا ثمنه لأن الرواد كلهم كانوا طلبة وطالبات وطبقة متنورة من الناس المتحضرين .
كنت أول الأمر أبدو لهم غريبا بلباسي المتهدل . وبعد أكثر من سنة تعودوا علي وتعودوا على رقصي وصرت فنانا معترفا به في المرقص ومعلمة به . أو ظاهرة قلما توجد بمرقص آخر . ويوم قررت الرحيل تسرب الخبر عن طريق فتيات كن صديقاتي فتم إيقاف الموسيقى وإخبار الرواد برحيلي فتم تكريمي وتقدم صاحب المرقص وكان رجلا ملتحيا هو الذي قاد هذا التكريم وتم إلقاء كلمة من طرفي أبنت فيها حبي للإسبان
وللبلد الإسباني ورقصت على المنصة رقصتي الأخيرة على إيقاع أغنية - البلوز - للفنانة الكبيرة ملكة البلوز
Areta franklin ثم ودعت . لأنتقل إلى مرحلة أخرى من حياتي في الغربة لأتعرف على عالم البحار
والمحيطات والقارات المختلفة من عالمنا الكبير والشاسع .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:34 PM
بكاء الروح
31-08-2008, 01:33 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=34878


استيقظت باكرا هذا الصباح رغم أن اليوم يوم أحد. تناولت فطورا بالبصل والبيض وزيت الزيتون ثم
استلقيت على سريري وأحسست بالقنوط . فتحت جهاز التلفزة عرجت على الجزيرة التي لم تعد تروقني بسبب تسويقها لخطاب القاعدة ونقله للسدج من الناس . إستوقفني فيلم عندما كان الأب
يحاور إبنه بعصبية وشدني الحوار اليه . قال الإبن لأبيه بأنه سيسافر إلى لندن لأنه قد تم قبوله
للدراسة في المعهد الملكي للموسقى .رفض الأب هذا القرار وهدده بكونه إذا ما فعل فسوف
يقطع علاقته بالأسرة ويفقدها إلى الأبد . ظلا ينظران لبعضهما البعض وتعانقا . خرج الفتى وأقفل
الباب من ورائه ثم نفذ قراره .
داخل المعهد الملكي للموسقى بعد أن فطن الأستاذ للعبقرية التي حلت بالمعهد تجند لصقلها
وقام بواجبه بترشيد مسار الفتى النابغة . ومع كل تألق يحققه العازف على البيانو كانت الدموع
تنهمر من عيني دون توقف . كان يجهد نفسه بالعزف المكثف فأصيب الفتى بتشنج عصبي
في أصابعه ومحياه فاضطر المعهد الملكي للموسيقى إلى نقله للمصحة حيث تم تطويقه
بطاقم من ملائكة الصحة يخدمونه إلى أن خف وعاد لطبيعته .
في الإقامة التي خصصها له المعهد وكانت مزودة ببيانو ليعزف عليه . كانت كل ملابسه ومستلزماته مبعثرة هنا وهناك كان كل وقته يخصصه للعزف فلا ينام مما جعل الجيران يحتجون
عليه مما حذا بالمسؤول عن الإقامة إلى حرمانه من العزف بطريقته الخاصة . خرج هائما على
وجهه يبحث عن حبيب الروح إنه مهووس بالعزف ولا غنى له عن ذلك . فجأة أطل من واجهة زجاجية
على محل بداخله أشخاص من الجنسين يستمتعون بوقتهم رمق بيانو متقاعد داخل المحل أصيب
بالجنون طرق الباب الزجاجي يريد الدخول .لا أحد فتح له الباب كانوا يشيرون بأيديهم قائلين
لقد أقفلنا المحل. في الغد رجع . وجد الباب مفتوحا دخل لا يلوي على شيء . ذهب مباشرة
نحو البيانو . وجلس على مقعده . إستغرب الجميع من تصرفه . قال أحدهم سأخلصكم منه . أوقفه
الآخر قائلا
إتركوه لي . اقترب من الفتى يسخر منه . بدأ العزف بطريقة تركت الجميع مبهورا مشدوها لما
يسمعون من لحن وبراعة لم يشاهدوها قبلا . صفق الحاضرون وأصبحوا يعشقون أنامله .
الدموع لا تتوقف من عيني وأصبحت أنفاسي تتقطع . الفتى في كل سلوكه وتصرفاته طفل
حقيقي . وهو لا يبالي بما يحيط به وكأنه يعيش لنفسه ولذاته . الناس أصبحت تحب أصابعه
الدهبية وعليها أن تتحمل كل حماقاته . تألق على خشبات مسارح لندن من نجاح الى نجاح
يعزف بطريقة تأخذ الألباب فتقف الجماهير مصفقة بحرارة وإعجاب والدموع تجري من عيني
وأنا أبحلق نحو الشاشة .
جاء والده على فجأة لزيارته بعد أن وصله خبر عبقرية إبنه الخارقة عبر صفحات الجرائد والقنوات
التلفزية . علق الأب ميدالية من عنده على صدر فلدة كبده ثم اختفى . خرج العبقري للتو راكدا
مبتهجا كالطفل يقفز في الشوارع مبتهجا بميدالية والده بوشاح كان بالنسبة له قمة المجد . كان
يهرول ويقفز ويسبح في نافورات لندن كالمجنون . الدموع لا تريد أن تتوقف من عيني كما لو
أن السعادة سعادتي .
تزوج الفتى بسيدة جميلة ورائعة وقعت في غرام أصابعه إنها تعبده وأنا لا زلت أبكي . وبحرقة .
هو يتصرف كالطفل مع زوجته سعيدا بها وهي تحب كل حماقاته . وعندما يعزف في مسرح
كانت تصعد الخشبة وتقبل أنامله وتبكي إنها تعبده .
فكرت وأنا أبكي كيف يحمي الغرب عباقرته وتمنيت لو كنت من هذا القوم وفكرت أيضا كيف
يدمر العرب عباقرتهم وكيف ينفونهم خارج البلاد في أحسن الأحوال . ودموعي لا تتوقف .
آخر لقطة في الفيلم خلال حفل كبير في مسرح كبير بلندن العظيمة الراقية . الفتى المجنون
بأصابعه يعزف وكانت ترافقه أركسترا عظيمة مثل عظمته وقامت القيامة . تصفيق لا مثيل له .
فرحة لا مثيل لها . قام العبقر ي من مقعد البيانو ووقف وقفته الساحرة سحر أنامل يده
حيا الجمهو ر وشرع يبكي وزوجته تقبل يده وتبكي وأنا كما لو أنني واقف بجانبهما أبكي
بكاء الروح .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:35 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا
08-10-2008, 01:13 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35684


الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا
.................................................. ....
من مدينة – بلباو - قررت أن أنطلق نحو العمل على ظهر باخرة تجارية كبحار . فقصدت الميناء للبحث عن العمل . بالمينا كان هناك عدد من البواخر التجارية مصطفة على جانب الرصيف . أول باخرة صعدت إليها كانت تحمل
علم الدانمرك . سألت عن مكتب القبطان فأرشدني إليه شاب في مقتبل العمر مبتسما في وجهي وكذلك هو الشأن بالنسبة للقبطان ما أن عرف مطلبي حتى أبدى أسفه مبتسما قائلا ( complet ) فعدت أدراجي مستسمحا . فكرت
أن مثل هذه البواخر التي تحمل أعلاما لدول متحضرة ومتقدمة لا يمكن أن تقبل بتشغيل أمثالي من سلالة مختلفة كليا عن سلالتهم . فجربت حظي لدى باخرة بائسة تحمل علم - بانما - كان أفراد الطاقم كلهم يتحدثون الإسبانية .
ولما اتصلت بالقبطان بغرفة القيادة وسألته عن العمل سألني إن كنت قد إشتغلت بحارا من قبل . فقلت نعم فطلب مني الرجوع بعد يومين ولما هممت بالهبوط عبر السلم نحو الرصيف وجدت أحدهم ينتظرني ليعرف إن كان القبطان
وافق على تشغيلي . فاخبرته بأنه علي الإنتظار يومين فطمأنني وبشرني خيرا . وسألني بدوره إن كنت اشتغلت بحارا من قبل وسألني عن إختصاصي ومن خلال الحديث بيننا إكتشف جهلي بأمور العمل فصارحته بالحقيقة
وبأنني أطلب العمل بالبحر لأول مرة . كما عرف جنسيتي وعملي بأوراش - بيلباو - فاستضافني في غرفته وقدم لي مشروبا واجتمع نفر من البحارة بالغرفة وعلمت أن جنسياتهم مختلفة لكنهم جميعهم من أمريكا اللا تينية
( الأوندوراس وبانما وكواطيمالا وكولومبيا ) أحدهم كانوا يلقبونه بالبطة وفعلا كان لقبه مطابقا لشكله . أما الآخرون فقد كانوا هنودا بشكل عيونهم باستثناء الكولومبي كان شكله مطابقا لشكل الإسبان .
من خلال الحديث الذي دار بيننا فهمت أن القبطان يوناني الجنسية أما مهندس غرفة المحركات فقد كان إسبانيا . بينما رئيس الربابنة العاملين على سطح الباخرة كان من أوندوراس . عرفت أيضا أن هؤلاء إرتاحوا إلي ويحتاجونني لكي أخرج برفقتهم وأكون مرشدا لهم كي أدلهم على الأماكن التي يريدون ارتيادها . وكان هناك
أمريكي يسمونه - الجانكي - يعمل بالباخرة البئيسة وبأجرة بئيسة قبل بها فقط لكي يعبر المحيط الأطلنطي
فارا من التجنيد وفعلا حالته كانت تعبر عن أفكاره . لقد كان غريب الأطوار . عندما يخرج من الحمام بعد أن
يغتسل كان يخرج عاريا تماما بالمنشفة على كتفه ورغم ما كان يحدثه سلوكه هذا من صفير وصخب من طرف البحارة فقد كان لا يهتم لذلك بل كان يرنو اليهم مبتسما إبتسامة غامضة كما لو أنه يحتقر تخلفهم .
كانت هناك غرفة أو غرفتين شاغرتين شغلت واحدة أنام فيها وآكل وأشرب على حساب الباخرة مع البحارة في
المقصف كما لو أنني واحد من طاقم الباخرة . وانسجمت مع البحارة وأصبحت صديقا لهم أخرج معهم وأدلهم على
الأماكن التي يريدونها . كما أن الأمريكي نفسه - الجانكي - رافقته إلى قنصلية الولايات المتحدة بالمدينة من أجل تسوية وضعيته كما قال . والبقاء بأوروبا وهذا كان هدفه . وأثناء مرافقته كان يقف أمام لوحة ما أو صورة تعبر
عن الطبيعة فيبحلق فيها بإمعان لعدة دقائق مركزا بنظره عليها لا يلوي على شيء وغير عابيء بي حتى . وكنت من حين لآخر أنبهه وأطلبه أن يتحرك . وكان لباسه مهلهلا مثلي ويضع شريطا حول رأسه كالهنود الحمر
وفي الأطوبيس إذا كان المقعد أمامه شاغرا كان يطلق رجليه فوقه ويصوب بصره نحو المجهول مركزا عليه .
كان هذا السلوك يثير إعجابي . وأشعر بالفخر مع نفسي وأنا برفقته .
مرت بضعة أيام وذات صباح كنا نتناول فطورنا في مقصف الباخرة وفجأة دخل القبطان وبادرني غاضبا
متسائلا عن وجودي على ظهر باخرته . فقلت له بأنه هو الذي وعدني بالعمل بعد يومين كما قال من قبل
لكنه أمرني بالرحيل فورا فقمت من مكاني ولاحظت وجوه البحارة علتها فورة غضب هاديء وفتور جلي
فقد كانوا قد تأقلموا معي وأصبحنا أصدقاءا وكانوا يظنونني مبحرا معهم لا محالة . وقبل أن أرحل صافحتهم
واحدا واحدا وكانت علامة الحزن بادية على محياهم وقد لاحظ القبطان ذلك . وما أن خطوت بضعة خطوات سمعت القبطان ينادي علي فالتفت نحوه فقال لي إن كنت أريد العمل بصحيح فقلت له إنني موجود هنا من أجل
العمل الذي وعدني به . فأمرني بأن أحضر جوازي وأغراضي إن كانت لدي أغراض . فشكرته وأطلقت ساقي للريح ورجعت بعد ساعة أو أكثر بقليل ومعي حقيبتي التي كانت مودعة بمحل الودائع والأغراض بمحطة القطار لأنني كنت شبه مشرد . كنت سعيدا بعملي الجديد كبحار وأبحرنا نحو كندا ولأول مرة سوف أقطع الأطلنطيك على ظهر باخرة بئيسة وسط جبال من الأمواج .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:36 PM
ج 2 من سيرة البسيط والهيئة العليا - 2 -
21-10-2008, 05:44 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35818


الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا - 2 -
ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

الباخرة تشق طريقها نحو أدغال المحيط الأطلنطي متجهة نحو كندا . أحوال الطقس سيئة للغاية . الأفق يبدو ضبابيا ونفسي ترتجف إنها أول مرة في حياتي أركب أهوال البحر لأكون وجها لوجه مع أمواج المحيط العملاقة. تذكرت يوم كنت في - بيلباو - مصطحبا البحارة وننتقل من حان إلى حان لا زلت أذكر عندما إلتقينا
بالقبطان في إحدى الحانات وكان ثملا كان يتباهى بكونه سيقطع المحيط خلال فصل الشتاء وبأنه قادر على ذلك رغم خطورة المهمة . لم أفهم آنذاك مغزى كلامه
أما الآن وأنا متورط في ركوب هذه الباخرة البئيسة أ شعر بأن الرسالة وصلتني لكنها وصلت متأخرة . وفجأة كما لو أنني استيقظت من غيبوبة ووجدتني أشعر بخوف شديد . لكن رغم رداءة الأحوال الجوية كانت الباخرة تتغلغل رويدا رويدا داخل المحيط الشاسع ولا أدري كيف تذكرت ( مغامرات كريسطوبال كولومبوس )
ربما مر من هنا بالذات أ لم ينطلق من إسبانيا ؟ كان يبدو لي البحر لانهائيا ومرعبا وبدا لي أيضا كما لو أنني سأدفن هنا بين هذه الأمواج ولن أعود أبدا إلى بيتي
ووطني.كانت الباخرة تتمايل ذات اليمين وذات الشمال فأحسبها كما لو أن المحيط سوف يبتلعها على الفور.أصبت بالدوار فلم أستطع المكوث على سطح الباخرة لما كنت أ شارك البحارة في بعض الأشغال أو على الأقل كنت أهم بذلك . فأرسلني الرئيس إلى مخدعي مستهزئا بي بينما البحارة كانوا يتضاحكون فيما بينهم . كنت أحس
بالغثيان فوضعت إناءا بجانب فراشي والباخرة تميل بشدة نحو الميمنة وأخرى نحو الميسرة .
عند حلول ساعة وجبة الغذاء جاءني بحار إسمه ( el pato ) فوجدني في حالة سيئة وأخبرني بأن القبطان علم بحالة الدوار الذي أصبت به فقال للبحارة ساخرا مني
( لقد كنت أعلم أنه بحار لكن في اليابسة ) وضحك الجميع من سخريته . كما أخبرني أيضا بأن صراعا نشب بين القبطان ومهندس غرفة المحركات بخصوص الرجوع أو الإستمرار في الإبحار لكن رأي أحدهما غلب على رأي الآخر فاستمرت الباخرة في اتجاه المحيط. لمدة يومين وأنا طريح الفراش بعدها صار الدوار يتضاءل مفعوله واستطعت بعد ذلك أن التحق بسطح الباخرة وأشارك البحارة في عملهم الذي لم أكن قد إستوعبته بعد.
ذات ليلة تحركت العاصفة وهاجمتنا الأمواج العملاقة وأصبح الخطر جاهزا . تكسر سلم الباخرة الذي يصلها بأرصفة الموانيء عند الرسو بها . تكسر أيضا الرادار
اللاسلكي الذي يسهل الإتصال بمصالح الإنقاذ. ودوى صوت جرس الإعلان عن حالة الطواريء وهرع الجميع لمواجهة الخطر. شعرت للتو بأن الموت قدر لابد منه
كان إحساسي به كما لو أن روحي ستخرج مني قبل غرق الباخرة في ظلام المحيط. ولم أعد أفهم ما يجري حولي لم أعد أسمع سوى الصراخ الممزوج بإصدار الأوامر والهرولة . بعضهم كان يربط خاصرته بالحبال المتينة مع أوتاد العنابر الحديدية وهم يتحركون في كل اتجاه. ويتفقدون أشياءا لم أكن أعرف خصوصياتها وكنت عاجزا عن مشاركتهم نشاطهم المحموم. كنت كالأبله لا أدري كيف اجاريهم فيما يفعلون ولا كيف أساعدهم لأنني لأول مرة أتواجد على باخرة تجارية . اختفيت
في المقصف القريب وجلست على المقعد المثبت بأرضية المقصف وتشبثت بالطاولة المثبتة هي الأخرى. كان الموقف رهيبا .وفجأة دخل الرايس وأ شار علي غاضبا أن أخرج لسطح الباخرة لمساعدة زملائي. واختارني لكي يتم ربطي بالحبال لأقوم بمهمة إعادة السلم لوضعه الطبيعي وربطه بحبل متين ريثما يتم تلحيمه عند هدوء
العاصفة. رباه .. كيف يمكن لي أن أقوم بذلك وأنا بلا تجربة في مثل هذه الأحوال ؟ هم أيضا يدركون بأنني لا أستطيع إنجاز هذه المهمة ..إذن ربما هذه مؤامرة
للخلاص مني ولن تكون سوى حادثة شغل لا أقل ولا أكثر . فكثيرا ما سمعت مثل هذه الحوادث المتعمدة وقعت لبعض البحارة العرب والإفريقيين . فامتنعت عن
الرضوخ للأمر. فسبني وشتمني الرايس فأرجعت له الشتيمة بأقبح منها . تطوع أحدهم وكان هنديا من الأندوراس وأنجز المهمة بحنكة ودراية فائقة وبشجاعة
نادرة. ثم سحبوه إلى الأعلى على سطح الباخرة . فخاطبني الهندي ( أنظر إلى الرجال أيها المخنث ) قلت له طز عليكم كلكم.
لا أتذكر كيف حدث ثم تحسنت أحوال الطقس بشكل جذري وصار المحيط أمامي صفحة هادئة ومنبسطة كأنه سهل مترامي الأطراف أضاءته خيوط الفجر الأولى
فبدا لي كلوحة لأفق ساحر مكللا بسماء صافية وزرقة بثت في أعماقي إحساسا بالأمان والطمأنينة والسلام. لا أدري لماذا ساد الباخرة وجوم غريب وغير عادي
وكانت نظرات البحارة مصوبة لبعضهم البعض كأنهم يتحدثون بلغة العيون . ثم تسلل كل واحد نحو مخدعه في هدوء تام أبهرني . ولم يبق إلا من يشتغل في غرفة
القيادة وغرفة المحركات. حتى المطبخ الذي من عادته أن يفتح بابه في هذه الآونة ظل مغلقا إلى غاية الواحدة بعد الزوال عندما دبت الحركة وبدأت عملية إفراغ
المياه التي غمرت ممرات الباخرة وأرضية المخادع وكذا العنابر .كل تلك المياه تم إفراغها بواسطة محرك يمتص الماء ويلفظه خارج الباخرة .أما الحمولة التي
كانت من أ سلاك دائرية أصيبت بالبلل وسمعت بأنها أصبحت فاسدة .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:37 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-3_
27-10-2008, 03:41 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35941


الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا- 3-
ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

لقد إنفرجت أحوال الطقس وتحسنت وانبسط المحيط أمام الباخرة البئيسة صاغرا كالحمل الوديع واختفت تلك الأمواج العاتية وشقت الباخرة طريقها في سلام طوال الأيام والليالي المتبقية من الرحلة.
وصلنا مونطريال الكندية ورغم بؤس الباخرة ومظهرها المتواضع رافقتنا قوارب عدة مرحبة وكانت كلها قوارب لصبيان وشباب في مقتبل العمر.هم أبناء لعائلات ثرية اشترت لأبنائها تلك القوارب لتلهو بها في نهر ( سان لورنس ) العظيم .فكان هؤلاء الصبية يهرعون بقواربهم نحو البواخر الزائرة مرحبين يلتفون حولها مشيرين
بأياديهم الغضة مبتسمين . حتى سلطات الميناء بدورها كانت ترفع علم كل باخرة مقبلة وتعزف نشيدها الوطني أثناء عبورها مدخل ذلك النهر الكبير الذي يطوق خصر منطريال في ولاية كيبيك.كما أن سربا من البعوض هاجم الباخرة عند رسونا بالميناء وكان لون هذا البعوض أشقرا . لم أر في حياتي بعوضا أ شقر وتخيل لي كما لو أنه لا يؤذي أو هكذا توهمت . زارتنا أيضا سلطات الميناء ( الجمركية) واتخذت إجراءاتها الروتينية كما تفعل مع كل البواخر الزائرة وأعطي لنا
الإذن من أجل زيارة المدينة الجميلة .لكننا كنا بدون إمكانات مادية لأن الشركة الوصية على الباخرة تخلت عنا وأهملتنا لأن الحمولة لم تعد صالحة والخسارة كبيرة. زارتنا التلفزة الكندية أيضا ووقفت على حالتنا المزرية وتفقدت الباخرة التي لم تكن تتوفر على أية ضمانات للإنقاذ أو ما شابه ذلك . فحتى قوارب النجاة كانت مثقوبة. وخلال الزيارة تم التقاط بعض الصور ونحن ندخن لفافات الشاي لأننا كنا بدون تبغ والتقطت لنا صورا أيضا ونحن نأكل الأرز حافيا.وتم تمرير الريبورطاج بعد يوم واحد على الساعة السابعة مساءا. بعد ذلك تم تزويد الباخرة بالمؤونة وتم إحالة قضيتنا على القضاء الذي قرر بيع الباخرة لتسديد أجور البحارة وترحيل كل واحد منا إلى وطنه.
كندا بلد متحضر نصف سكانه آنذاك من مواطنيه بينما النصف الآخر من المهاجرين بجنسيات مختلفة .كان من عادة البحارة عند رسو بواخرهم بالموانيء . أول شيء
يقومون به هو البحث عن المواخر. لكن في ذلك البلد لم يكن لديهم مواخر ولا عاهرات محترفات . وكان على البحارة أن يحتفظوا بكبتهم إلى وقت آخر وإلى بلد آخر.
كنا نبدو لذلك العالم كما لو أننا جئنا من كوكب آخر. كنت أكتشف ذلك من خلال نظراتهم المتسائلة. أما القضاء لديهم مستقل ومنصف بالضرورة لأنه القضاء.
لذا صدر الحكم ببيع الباخرة وتسديد مستحقات البحارة وترحيلهم. حضر للباخرة مكتب الهجرة وتم توزيع التذاكر بينما أحد البحارة هرب من المطار لأنه لا يريد العودة إلى بلده. نزلت بمطار طنجة بعد تغيير الطائرة بالعاصمة الإسبانية مدريد. وكان أو سؤال وجهه لي الجمركي بالمطار ( كم معك من الدولار ؟) ليس لدي
سوى بضع دولارات ( قلت للجمركي ) . فلم يصدقني . وأضاف ( كيف تأتي من كندا بدون دولار ؟) قلت - كما ترى - . أخضعوني للتفتيش ولم يجدوا شيئا .
وسمعت أحدهم يحدث زميلا له قائلا ( إنه هبي ) .
وبعد مرور 15 يوما وصلتني حوالة بمائة دولار بعثها المحامي إلي وشرح لي بأن المبلغ يخص مستحقات الترحيل. وأخبرني بأنه سيرسل مستحقاتي بعد بيع
الباخرة . وفعلا بعد أكثر من سنة توصلت بها وأخبرني المحامي بأن الباخرة بيعت بمبلغ ( 111000 دولار ).

محمد رشدي
18-12-2011, 12:38 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-4-
27-10-2008, 04:33 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35942


الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا - 4 -
ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

كندا بلد متحضر ومتقدم جدا..شعرت حينما كنت أتجول في مدينة منطريال كما لو أنني أتجول في الجنة. شكل المباني منظم تنظيما محكما ودقيقا. الشوارع نظيفة بشكل ملفت . والناس منظمة أيضا في سيرها في تصرفها وأحرار بشكل عجيب . فهناك رأيت شخصا أنيقا بالكرابط يسير جنبا إلى جنب مع شخص يلبس
لباسا هبيا وغير منظم. حافلات المدينة جديدة ولامعة والركاب يحسبون على رؤوس الأصابع .لأن الناس كلها تتوفر على سياراتها الخاصة .
أتذكر يوما مررت بشارع تصطف فيه يمينا ويسارا أماكنا للهو والترفيه وهدر الوقت الضائع . فوجئت بشخص أنيق وسمين يقف بباب مكتوب على يافطته
gogo وعلى اليمين صور لنساء عاريات . وكان الرجل يرحب بي ويشير كي أتفضل فدخلت وكان يسير وأنا أتبعه وكلما وصل إلى درج صغير كان ينبهني كي لا أتعثر. وأجلسني على كرسي أمام طاولة وساعدني على الجلوس بطريقة فيها الكثير من الإحترام. كان هناك زبناء يكرعون الجعة ويتفرجون على عرض فوق مسرح
صغير ترقص عليه امرأة رائعة وعارية تماما. كل النادلات عرايا ومن خدمتني ووضعت امامي جعة حيتني وولت نحو الكنتوار وكانت مؤخرتها عارية إلا من شريط
داخل ثنية خاصرتها . استمنيت بطريقتي الخاصة ودون أن يشعر بي أحد وأفرغت شحنتي داخل بنطلوني . كان ثمن الجعة آنذاك لا يزيد على دولار واحد في بلد
مستوى الدخل للمواطن فيه مرتفع بشكل يغري كل زائر بالبقاء والعيش هناك .
لاحظت أيضا بالميناء مستخدمين نسميهم نحن في المغرب ( الحمالة ) غير أن الفرق لديهم هو أن الأثقال كانت تهزها الرافعات الأتوماتيكية وليس كما عندنا
آنذاك تهزها أكتاف البشر. وعندما يرن جرس إنتهاء الأشغال ينصرف العمال بعد أن يلقوا ببذلات العمل في مؤخرات سياراتهم الفارهة ولا يتركون وراءهم إلا
الدخان المنفوث.
كندا بلد يبقى زائره مذهولا ومبهورا وخصوصا إذا كان من العالم الثالث . شكل الحياة لديهم مختلف وكذا شكل الناس وعقلياتهم مختلفة عنا بشكل
مروع . كان يسعدني دائما أن أجلس بساحة jose feliciano وسط مونطريال الجميلة. ساحة تغري بالجلوس على العشب أو على الكراسي الخشبية النظيفة
للتأمل في الطريق السيار وهي تدب بحركة السيارات الفارهة والأنيقة وهي تمر مسرعة ويوحي إليك هذا المشهد أنك في بلد يستحق كل الإعجاب . كنت
أتمنى أن أظل هناك إلى الأبد لأشارك الناس وقتهم وسعادتهم. لكن البقاء بكندا كان حينئذ يحتاج إلى ضمانة من أحد أصدقائك أو معارفك ممن يتوفرون
على بطائق الإقامة . لكنني لم أ كن أعرف أحدا هناك رغم وجود العرب من جنسيات مختلفة وكذلك الهنود وجنسيات أخرى متنوعة.

محمد رشدي
18-12-2011, 12:38 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-5-
29-10-2008, 03:37 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=35988


من جديد أصبحت في تطوان. وبعد حصولي على مائة دولار التي أرسلها إ لي المحامي من منطريال كمستحقات خاصة بالترحيل . بت أفكر في العودة إلى بلباو من
أجل الإبحار ثانية بباخرة تجارية .. ربما هذه المرة قد أحظى بعمل جيد على ظهر باخرة جيدة. وبسرعة البرق أصبحت في بلباو. إلتقيت بفتاتي من جديد فوجئت بها قد وضعت مولودا دون زواج. أخبرني - ميمون- الريفي - بائع( penchitos muronos ) في حانة من حانات حي - siete calles - بأنه رآها مصحوبة بشخص إسباني يتجولان معا بالحي التقليدي المذكور . هاتفتها وأخبرتني بالحدث الغير السعيد . والتقينا وناقشنا المشكل . قلت لها كيف يمكن لفتاة محترمة أن تلد
دون زواج وبهذه الطريقة فأخبرتني أن هذا الوغد وعدها بالزواج ولما قضى حاجته اختفى نهائيا وتركها تندب حظها. قلت لها بأنني كمغربي لم أفعل ما فعل
بك هذا البائس الإسباني . وشرحت لها كيف كنت أضاجعها دون أن أقدف داخل فرجها تفاديا لمثل هذه الورطة .وكانت مكتئبة وحزينة . احتضنتها وقبلتها وواسيتها في
مصابها . وفي الغد أرسلت صديقتها تطلب مني أن أساعدها وأتزوجها وأتبنى إبنها بشكل رسمي . وحاولت صديقتها أن تغريني بكون فتاتي هاته تملك منزلا
حيث سنعيش فيه معا والزائر الجديد. لكنني لم أقتنع بالفكرة فأنا قررت قبل مجيئي إلى بلباو أن أبحر على ظهر باخرة تجارية لأكتشف العالم فقد أبهرتني كندا
ولابد لي من زيارة المزيد من البلدان الأخرى . فالعالم رائع هكذا بدا لي رغم الفواجع التي تفاجئنا من حين لآخر. فالحياة تستحق مغامرتنا وبالخصوص بالسفر
والتنقل من مكان لآخر. وهذه فرصتي لن أتنازل عنها .
إلتقيت بالبرنوصي وفارس والآخرين . كما شاءت الظروف كذلك أن نتعرف على شخص من جنسية مصرية وكان أسود البشرة وأبيض الروح لكن عيبه
الوحيد هو الكذب . كان يكذب بشكل مكشوف ومن جملة ما قال في هذا الشأن - بأنه متزوج بسيدة حائزة على الدكتوراه بينما هو أمي - وقال بأنها لا تخرج
قط لوحدها وأنها لما تخرج تكون بصحبة جميع أفراد الأسرة وتخصص لهم حافلة إلخ .. لكنني لم أكن لأفند ترهاته فأتركه على هواه .
كان هذا المصري يشتغل في باخرة يونانية بقبطانها وبحارتها كلهم بجنسية يونانية وقد توسط لي لكي أعمل بحارا بباخرته كما أن الحظ شاء أن نجتمع بمقهى
تسمى - la arriaga - المصري وفارس وأنا ومعنا فتاتين وقد دخل القبطان مصحوبا بمرافقيه فقام المصري للسلام عليه فتقدمنا نحن أيضا لتحيته . وكان ذلك
كافيا لكي يأخذ القبطان عنا فكرة حسنة فقبل بسرعة طلبنا للعمل لديه ببخارته.
كانت الباخرة متجهة نحو إفريقيا السوداء - نيجريا - وبالضبط إلى العاصمة lagos - وكان على الطاقم أن يخضع لإجراءات روتينية في عيادة طبية من
أجل تحصيننا من الأمراض التي يفترض أن تصادفنا في إفريقيا. وبينما نحن نستعد منتظرين سيارة فوركونيط أرسلتها الأجانس خصيصا لذلك . إذا بشخص
يدخل الباخرة وهو في حالة يرثى لها بملابس متسخة وعليه أمارات البؤس يسأل عن القبطان الذي كان واقفا معنا . إنه طالب عمل كبحار . ولم يكن القبطان ليلبي
طلبه. وفجأة سألني الزائر ( ألم تتعرف علي ياأخي أحمد ؟ ) حدقت فيه . إن الوجه كما يبدو مألوفا لدي .. ولكنني لم أتعرف عليه .قال ( أنا المغربي الذي
التقيت به بمنطريال وزرت معي باخرتي القبرصية . حينئذ تذكرت فعانقته وقبلته بحرارة فبقي القبطان مندهشا من هذه الصدفة العجيبة . وخاطبني القبطان
قائلا ( أهو صديقك ؟ ) قلت ( نعم سيدي إنه صديق وبحار محنك وهو في أمس الحاجة إلى العمل وهذا يبدو من خلال حالته السيئة ) طلب القبطان جوازه
ولما تناوله منه وجده منتهي الصلاحية . فقال أنا متأسف لا يمكن له أن يبحر بهذا الجواز . أحسست بالحزن الشديد وناشدت القبطان قبوله وفي مرفإ آخر
سيجدد جوازه بقنصلية بلاده . سألني - أحقا يمكن له ذلك ؟ - قلت بلى وبكل تأكيد .
أبحرنا ثلاثتنا من جنسية واحدة . على ظهر الباخرة الكبيرة . كان فارس يشتغل نادلا . والمغربي ( وهذا هو الإسم الذي أطلقناه عليه ) كان يشتغل زياتا
بغرفة المحركات . بينما أنا كنت أشتغل مراقبا للفرن الذي يزود الباخرة بالحرارة وكان يشتغل بالدييزل . وهذا العمل كان يطلق عليه داخل الباخرة بالإنجليزية
( فاير مان ) . وهو عمل يختزل في مراقبة ساعة الحرارة كي لا يتجاوز عقربها إشارة حمراء وبالتالي لا ينخفض نحو رقم محدد ويتجاوزه . وفي نهاية
الأمر عندما أسلم الحراسة لزميلي يجب أن يكون الفرن نقيا بدون جمر ملتصق في حواشيه الداخلية بحيث يجب خبشه بمخلب حديدي ليستقر في الوسط فيذوب بفعل
النار ويختفي وهكذا يسلم الفرن للآخر خاليا من الجمر .
نيجريا عالم عجيب وغريب ومبهر لكن بتخلفه وبؤس سكانه رغم أن هذا البلد عضو في منظمة الأوبيك .... وهذه هي المفارقة .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:39 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-6-
30-10-2008, 04:27 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36014


الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا -6-
ناس حدهوم أحمد
ahmednas.01@hotmail.com

رست باخرتنا في ميناء يسمى ( port apapa ) بالعاصمة النيجرية - lagos - ومكثنا بهذا البلد ما يقرب الأسبوعين تقريبا. وكنت ألاحظ عمال الميناء يشحنون عنبرا من عنابر الباخرة بمادة أولية صفراء مطحونة كالدقيق. كنا عندما يحين وقت الأكل نقفل الأبواب التي تؤدي إلى المقصف. لأن عددا كبيرا من النيجريين كانوا
يتدفقون على باب المطعم وهم ينادون ( chop chop ) أي الأكل . وكنت أنا من حين لآخر أخرج لهم في يدي بعض الأطعمة . وكانت الباخرة تمتليء بهؤلاء كل
واحد منهم يبحث عن مصدر رزقه . بعضهم يعرضون أنفسهم كمرشدين وآخرون يبيعون سلعهم إلخ .. كان البلد يغرق في الجوع والفقر المذقع .
داخل الميناء كان هناك نادي ليلي إسمه ( توانتي وان ) 21 . فوقه نادي آخر بالطابق العلوي ( توانتي تو ) 22 .في الأسفل نساء بشرتهم سوداء . بينما فوق كانت
هناك نساء بيض أجنبيات يأتين من بلدان أخرى لاحتراف الدعارة . وهذا النادي لا يؤمه البحارة البسطاء مثلنا لأن أثمنته مرتفعة بينما في الأسفل كان مكاننا .
داخل المدينة لك أن تتصور العجائب والغرائب . فعلى سبيل المثال رأيت يوما في ساحة داخل المدينة وأمام نافورة معطلة . امرأة سوداء على ظهرها رضيعها ملفوفا في خرقة كيفما إتفق لها . وهي منحنية على غسيلها ونهديها العجفاوين تلامسان الأرض وهي منهمكة في الإعتناء بغسيلها. كما رأيت كذلك بأحد الأزقة
أربعة سود يتبرزون وهم يتحدثون لبعضهم البعض وعندما وقفوا تركوا غائطهم على ورق مقوى كل واحد لف حاجته ورمى بها جانبا في ركن الزقاق. رأيت كذلك عددا غفيرا من الناس تنام في الشوارع . الطقس حار لذا كانوا لا يحتاجون لأغطية .كما لاحظت هوة عميقة بين الغالبية العظمى من الشعب البائس
وقلة قليلة منهم ترفل في بحبوحة من العيش وتركب السيارات الفارهة وتلبس شراشف فضفاضة بألوان مثيرة . الشعب يرزح في التخلف والجهل والفقر المذقع
ولن أكون ظالما إذا قلت بأنهم يعيشون كالحيوانات الأليفة . كما لاحظت رجال الأمن عندما يحضرون لايطلبون من مواطنيهم بطاقات بل يشهرون هراواتهم ويضربون بلا رحمة وكيفما إتفق لهم المزاج . لكنهم لا يمسون الأجنبي ولا يسألونه عن الهوية.
داخل النادي الليلي تعرفت على مواطنة نيجرية إسمها ( fatimu ) قالت إنها مسلمة بينما هي تعلق الصليب في عنقها ولما استفسرتها عن تناقضها صرحت بأنها
تفعل ذلك حتى يتركها صاحب المحل تدخل النادي . كانت تناشدني أن آخذها معي في الباخرة وتقول بأنها لا تطلب شيئا سوى (chop chop ) - الأكل -
اما الجنس كانوا يسمونه ( yigi yigi ) جيكي جيكي - .
تعرفت على واحدة فأخذتني إلى بيتها وهو عبارة عن حجرة واحدة لكنها مجهزة بفراش وبآلة غناء وخزانة مشروبات روحية مختلفة . كان يقع بيتها في ممر تصطف
على جانبيه حجرات عدة وما أن وصلنا فتحت الأبواب وخرج أطفال من كل الأبواب يطلبون الصدقة انحنيت على ركبتي وعانقتهم واحدا واحدا وقبلتهم وناولتهم
دولارا لكل واحد أو واحدة . رأيت رفيقتي تكاد تطير من السعادة بسبب ما فعلت . ولما دخلنا المخدع بدأت تتعرى قلت لها إنتظر قالت ( جيكي جيكي ) قلت أريد
أولا سماع الموسيقى ثم الشراب وبعد ذلك - جيكي جيكي - . رقصت على أنغام البلوز وهي عارية تنظر وتنتظر ولما ضاجعتها ست مرات كانت تطلب المزيد قلت لها كفى .
صباحا سمعت طرقا خفيفا على على الباب . جاءت سيار الطاكسي لتلحقني بالباخرة . سددت لها مستحقاتها بسخاء وخرجت فلحقت بي وطلبت مني تكرار الليلة
دون أن أسدد. لكنني لم أفعل . في الطريق كان شرطيا بزيه الرسمي يقف على قارعة الطريق ينتظر من يلحقه بعمله فطلب السائق مني الإذن فوافقت . وبعد
إيصاله لمقر عمله شكرني ومضى . حينئذ أخذنا وجهة الباخرة .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:40 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا/7/
01-11-2008, 02:26 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36051


ذات يوم كنا ثلاثة / فارس والمغربي وأنا / توجهنا نحو المدينة وبعد أن تجولنا قليلا ولجنا حانة وسط العاصمة وكانت مليئة بالمحترفات . أخذنا
مكاننا في القاعة وكان كل واحد منا تؤنسه واحدة . في النهاية عند خرورجنا. واحدة منهن وكانت صديقة المغربي وربما هو طلب مرافقته ألحت على
إصطحابنا نحو الباخرة .فخرجنا الأربعة . وفي الطريق كان علينا أن ندفع لمجموعات من النيجريين كانوا يعترضون طريقنا متسائلين إلى أين نأخذ
مواطنتهم . لكن ما أن ندفع لهم حتى يفسحوا لنا الطريق مبتسمين مرحبين . أخبرتنا الفتاة السوداء أن الشرطي الحارس بباب الميناء يجب أن
ندفع له ستة ليبرات حتى يدعنا بسلام . بباب الميناء سألني الشرطي أين نأخذ المواطنة النيجرية فقلت له بإنجليزيتي المفككة /
آيم أفريكان ذيز كير أفريكان
نو بيزنز
ذيز وومان أند مي مرياج
أفريكان ويذ أفريكان نوبروبليم.
إطلع على جواز سفري ثم سمح لنا بالمرور دون استخلاص الستة ليبرات .
في الباخرة كان مخدعي يشترك معي فيه المغربي بينما / فارس / كان في مخدع لا يشترك فيه معه أحد. أدخلنا الفتاة وكان على المغربي أن يدهب للحراسة بغرفة المحركات لأن وقت حراسته كان قد حان . بقيت الفتاة معي بالمخدع . فأقفلت عليها الباب وأوصيتها بأن لا تفتح لأحد. وقصدت المغربي بغرفة المحركات
وقال لي المغربي بأنه يسمح لي بمضاجعة الفتاة رغم أنها صديقته . لكنني قلت له بأن هذا لا يصح. وكنت صادقا في دخيلتي . لكن عندما دخلت المخدع صارت تتعرى دون أن أطلب منها ذلك . فلم أستطيع السيطرة على غريزتي فضاجعتها مرتين . ولما خرجت قاصدا المقصف . تسلل / فارس / اليها وطرق
الباب وزعم أنه المغربي ففتحت له . فسدد وضاجعها . وأخبر البحارة الآخرين فلما عدت وجدت طابورا منهم واقفين صفا واحدا يدخلون الواحد
تلو الآخر فيسددون ويضاجعون . أخبرت المغربي ما أقدمت عليه رفيقفته فغضب غضبا عظيما وتخاصم معها فخرجت من مخدعنا وصارت تنتقل من مكان
لآخر لم يكن يهمها إلا الدولار. قلت للمغربي لماذا أنت مهموم ؟ إنها ليست زوجتك ياأخي فلتدهب إلى الجحيم .
لحظت بهذا البلد المتخلف العديد من العرب أغلبهم من اللبنانيين والمصريين . لهم مشاريع تجارية ومنهم من يشتغل مهندسا أو ما شابه ذلك .
ك-لك الأجانب الأوربيين يشتغلون أيضا في عدة فروع إدارية وتجارية . ويعيشون حياة مترفة . كما أن قبطان الباخرة حذرنا كي لا نبتعد
عن العاصمة ونأخذ الحيطة في كل شيء. حتى لا نصاب بأذى من طرف الزنوج . وحكى لنا قصة قال بأنها حقيقية وقعت في منطقة ريفية
خارج/ اللاغوس / وهي كالتالي
كان هناك في تلك المنطقة مبشر إنجليزي يعيش مع زوجته وإبنيه الطفلين . كان يقوم بالتبشير ونشر العقيدة البروتيستانتية . وفي غفلة من الزوجين قام الزنوج
قام الزنوج بخطف الطفلين البريئين واختفوا . فلما فطن المبشر للأمر الخطير أخبر السلطات النيجرية بذلك . قامت القيامة وتم تمشيط المنطقة عن
بكرة أبيها فعثرت السلطات على الطفلين الصغيرين داخل طنجرتين كطبيخ للأكل فوق النار . فكان أثر هذه الفجيعة مدمرا للزوجين أحدهما أصيب
بالجنون والآخر توفي للتو. وتابع القبطان قائلا
قامت السلطات النيجرية بدفع تعويضات تقدر بإثني عشرة مليون ليبرة لفائدة الضحيتين المدمرتين. والعهدة على الراوي قبطان الباخرة اليوناني.
/ يتبع /

محمد رشدي
18-12-2011, 12:41 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-8-
02-11-2008, 01:30 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36068


خرجت الباخرة من ميناء (port apapa )متجهة نحو أوربا حيث علينا أن نشحن سلعا مختلفة (cargo general ) من موانيء فرنسا وبلجيكا وألمانيا ثم سنبحر
ثم سنبحر نحو وسط أمريكا لنوزع هذه السلع المختلفة على موائيء كوسطا الريكا وكواطيمالا وبانما وآيتي والأندوراس وأخيرا سندخل ولاية
طيكساس من أجل ( reparacion ) . لم يكن بقاءنا بالموانيء الأروبية طويلا فخلال يومين نكون قد أنهينا مهمة الشحن.
خلال رحلتنا من نيجيريا نحو فرنسا وبعد إبحارنا بيومين فوجئنا بزنجيين من نيجريا كانا مختبئين داخل الباخرة ولم نكتشفهما إلا عندما غلبهما
الجوع فكشفا أمرهما مضطرين . كانا ينحنيان لنا كالعبيد ويطلبان منا ( chop chop ) على حد تعبيرهما . حضر القبطان فصار يعتدي عليهما
بالضرب صفعا وركلا فأثار غضبي بسلوكه الحيواني فتدخلت دفاعا عن الزنجيين وقلت له ( لا حق لك في الإعتداء على هذين الشخصيبن لأنهما
ليسا مجرمين إنهما يبحثان عن لقمة العيش التي عزت في وطنهما القذر . عليك أن تسلمهما لرجال الأمن في أقرب ميناء وقبل ذلك يجب تقديم
المساعدة لهما وإطعامهما . هذا ما يجب عليك أن تفعله ) إنتفض القبطان مزمجرا وغرمني خمسة لبرات لكنني حذرته من أن يفعل لأن ذلك سيكون
له ردة فعلي . سأل عن النادل ( فارس ) وأمره بإطعام الزنجيين خارج المقصف كالكلاب حسب تعبيره . لكنني أسرت لرفيقي ( فارس ) أن يقوم
بإطعامهما داخل المقصف كسائر البحارة وأنا أتحمل مسؤولية ردة فعل القبطان. فقام( فارس) بإطعامهما كما أمرته . فعلم القبطان بذلك عن طريق
أحدهم وحضر من جديد مزبدا مرغدا موجها إلي سؤاله ( من هو القبطان ؟ أأنت ؟ ) قلت له بأن هناك قانون يحكم الجميع بما في ذلك كلينا . هذين
الزنجيين رغم بشرتهما السوداء فهما مثلنا بشر وعليك أن تتصرف وفق القوانين والأعراف الإنسانية . حينئذ قال ( أنت مفصول من العمل في أول
ميناء ترسو فيه الباخرة ) . ثم انصرف وبينما هو ذاهب إلى مكتبه افهمته بأن عليه أن يدفع حسابي ويسدد تذكرة السفر إلى وطني وكذلك الشأن
بالنسبة لرفيقي . لكن ما هدد به لم ينفذ تماما . الزنجيان بقيا بالباخرة يشتغلان كالحمير وأجرتهما تدخل جيب القبطان. وكانا راضيان بذلك . أما نحن
لم يستطع فصلنا من العمل لأنه بفرنسا لن يجد من يعوض منصبينا ولا ببلجيكا ولا بألمانيا لأن موانيء هذه الدول تكون مملوءة عن آخرها بأحسن
البواخر والبحارة مطلوبين حتما . فالتزم القبطان الصمت كمالو أن شيئا لم يكن . كما أن التهديد باقتطاع الغرامة أيضا لم ينفذ . وبالمقابل صرت بعد
الحدث أتمتع باحترام إضافي وخاص من لدن جميع البحارة باستثناء بحار عجوز يوناني كنت قد شتمته سابقا لأنه أخطأ في حقي بدون مبرر.
كان البحارة يحبونني والمهندس الأول كذلك حتى أنه لم يكن يتفقد الساعات الإضافية التي كنت أقدمها له ولم يكن يطلع عليها حتى. وكنت أتوصل
بمستحقاتها دون أن أؤدي خدمات بهذا الخصوص إلا نادرا .
صارت الأمور على المنوال الذي يروقني وازداد نفوذي بالباخرة ( أقصد النفوذ المعنوي ) وفي ميناء بلجيكا نزل شخص يوناني لأسباب لم
أعرفها وبقي مكانه شاغرا ( فايرمان ) فعوضت - فارس - به بعد أن لقنته دروسا في الحرفة وكنت أظل بجانبه إلى أن تمكن من أمره .
وفي مدينة ( هامبورك الألمانية ) تم شحن أخر حمولة بالعنبر الأخير وخرجنا في اتجاه المحيط الأطلسي وكان ذلك بالنسبة إلي المرة الثانية
التي أقطع فيها هذا المحيط العملاق . ولما كانت الباخرة جيدة وكبيرة الحجم ولما كان الفصل صيفا فقد كانت الرحلة رائعة بلا مشاكل تذكر.
- يتبع

محمد رشدي
18-12-2011, 12:42 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا=9=
11-11-2008, 09:53 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36194


قطعنا المحيط الأطلنطي بسلام وأول ميناء رست باخرتنا فيه بأمريكا الوسطى كان بدولة كوسطاريكا على ما أعتقد. كان الميناء بمدينة صغيرة بجانبها
غابة شاسعة من أشجار الموز . لم أكن أظن أن هذه الفاكهة الممتازة كانت تعطى مجانا تقريبا. فقد كان يدخل الباخرة عدد وفير من الأشخاص يعرضون بضاعتهم من الموز مقابل علبة واحدة من التبغ الأمريكي. فتحول مخدعي كمتجر لبيع الموز بلا زبائن فكنت آكل الفاكهة اللذيذة بسرعة حتى لا تنضج كثيرا فتفسد لأن الفصل كان صيفا . أهل هذه البلاد لهم كبرياءهم فرغم فقرهم لم أصادف قط شخصا يمد يده طالبا الصدقة . فالموز موجود بكثرة ولا يمكن للفقير أن يظل جائعا. وكسائر
الدول المتخلفة فقد كانت الحانات مملوءة عن آخرها بالفتيات المحترفات وسنهن لا يزيد على الثامنة عشرة على أكثر تقدير. والمتعة لا تكلف غاليا . فبدولارين يمكن للبحار أن يأخذ فتاته وينصرف بها . ومن سوء حظي فقد عاشرت فتاتين أصبت من إحداهما بمرض جنسي نسميه بالمغرب ( التصفية ) وكان علي أن أعالج في مصحة .
أما في ميناء آخر بدولة - آيتي - فقد كانت هذه البلدة رهيبة في تخلفها كدولة نيجريا أو أكثر بقليل. الفساد الشامل والزنا بالفائض وفي كل مكان كما
كانت هناك فتيات بيض يأتين من كولومبيا للإسترزاق بأجسادهن. وبأثمان بخسة للغاية . وقد شاءت الظروف أن أرافق فتاة مراهقة سوداء إلى مخدعها في حي صفيحي ومارست معها الحب بجانب شخص لم يكن يفصلنا عنه سوى رداء أو رواق وكنا نسمع شخيره ولما أسألها كانت تقول لي ( لا تأبه ) وعندما أردت تسد يد ثمن النزوة أمرتني أن أدس الفلوس في يد الرجل النائم الذي ربما كان يصطنع الشخير. كنا نلج الحانات الصفيحية ونشرب فكانت الفتيات في عمر الزهور تصطف
قبالتنا بفناء صغير يستعرضن مفاتهن فيختار البحار ما يعجبه من تلك الزنجيات لقضاء ليلته الحمراء.
آيتي بلد متخلف وفقير إلى أقصى الحدود . كذلك دولة كواطيمالا هي أيضا متشابهة وإن كانت بدرجة أقل . الفقر والضياع ولربما كانت الحياة بالمدن الكبرى أخف
ولكن لن يكون الإختلاف كبيرا. ثم عرجنا على الأندوراس هذا البلد الذي يرزح أيضا تحت نير التخلف الشامل . لكن هذا البلد حباه الله جمال النساء . لم أر في
حياتي جمالا في البلدان الأخرى بمثل روعة نساء الأندوراس . كنت أجلس على قارعة الطريق بحانة من الحانات وأرقب أسرابا من التلميذات
وهن يجتزن الشارع . فتيات يأسرن القلب بجمالهن الخلاب. لا أظن أن هناك مكانا على الأرض يتوفر على هذا البهاء الأنثو ي .آخر محطة رست بها باخرتنا
هي بانما حيث ستعبر خليجها الذي يتحكم فيه الأمريكان . لنتجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية وبالضبط ولاية طكساس.
أحداث كثيرة ومتنوعة لا يمكن أن أختزلها بسرعة فالأمر يتطلب سنينا لكتابة مذكراتي في هذا الفضاء المختلف .فقد كانت حياتنا رائعة بالفعل ونحن على ظهر هذه الباخرة رغم ما شابها من أحداث لم تكن عادية . لكن العمل مع اليونانيين يستحق التسجيل - كان الأكل جيدا والوجبات الثلاث في أحسن مستوى ويمكن لنا أن نتعامل
أيضا مع ثلاجة التغدية والمؤونة في أي وقت أردنا وكان ذلك متنوعا . أما حينما كنا نصل أي مرفأ كان مطبخ الباخرة يقدم لنا الأكباش المشوية معطرة بالزعتر
وكنا لا نشبع من هذه الأكلة بسبب طعمها اللذيذ. أما الأجرة فكانت متواضعة مقارنة مع البواخر الإسكندنافية والألمانية والأوربية على العموم . لكن أحسن البواخر
على الإطلاق هي بواخر الولايات المتحدة .
ودعنا أمريكا الوسطى واتجهنا نحو الولايات المتحدة الأمريكية ورسونا في بلدة صغيرة ميناءها دخلناه عبر النهر - نهر كبير - ولم يدر بخلدي آنذاك تسجيل
الأسماء لكل الأماكن التي أظنها الآن مهمة لكتابة المذكرات . لكن صور تلك الأماكن لا زالت راسخة في ذهني ولن أنساها ماحييت . وهنا في ولاية طكساس
عشت أحداثا أثرت في حياتي كثيرا أحداثا عجيبة فانتظروها في الحلقات القادمة وفيها حدث الموساد الإسرائلي أيضا .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:43 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-10 -
16-11-2008, 12:43 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36283


رست باخرتنا بميناء بلدة صغيرة في ولاية طكساس من أجل إجراء عملية صيانة للآلات والمحركات . وقبل دخولنا إلى الولاية عندما كنا في عرض البحر كان جل
البحارة ينهبون العنابر ويسرقون معدات مختلفة وكان الجميع يشارك في هذه الجريمة بما في ذلك القبطان باستثناء المهندس الأول وضابط . لاحظت ذلك ذات ليلة بالصدفة لما انتقلت من غرفة المحركات إلى حجرتي بعد انتهاء دورية الحراسة . وقد أراد أحد البحارة أن يشركني معه في العملية المشبوهة فاعتذرت ودخلت مخدعي. كما أنني حذرت ( فارس ) كي لا يقحم نفسه في هذه الشبهة وأفهمته بأن هذه السلع مسجلة ولا يمكن أن يكون المصير عاديا . أما البحار المصري فقد شارك اللصوص في عمليتهم. وكان مخدعه مليئا بآليات مختلفة وزرابي وكانت لديه آلة خياطة كان ينوي نقلها إلى بيته في مصر حسب تصريحه. وكان أيضا سعيدا بذلك كان يرقص على أنغام آلته الموسيقية ويقول ( حنبضع ياحمد حنبضع ) ولكن عندما تم ضبط الحادث وإيقاف المتورطين قلت له ( حنحبس يابراهيم حنحبس) وضحك الجميع من كلامي بما في ذلك المتورطون ). وقبل أن تنقل السلع إلى مخادع أصحابها كانت في البداية مخبأة في غرفة المحركات وكنت أراقب ذلك بحذر شديد. لكنني و (فارس) وحتى المغربي بقينا بعيدين عن الشبهة . كما أن البوليس كانوا أذكى من اللصوص . فقد حضر الجمارك أول الأمر ( بوليس كوستم ) وقاموا بإجراءاتهم العادية وانسحبوا لحالهم. وبعد أيام قام كل واحد بنقل سلعه وبضائعه إلى حجرته وكان كل واحد منهم قد إطمأن لما لديه وظن نفسه قد خرج
غانما . سالما. لكن الأمن الذي كان مكلفا بالبحث في القضية كان هو الآخر يخطط بطريقته الخاصة وربما كان بالباخرة من يطلعه على مجريات السلوك الجماعي.
ذات صباح كنت في الحراسة فلاحظت المهندس الثالث مصحوبا بشخص غريب عن الباخرة , خمنت بأنه شرطي وشعرت كما لو أنهما يتحدثان عني لكن الحديث
لم يكن يتعلق بقضية الباخرة بل كان المهندس الثالث يخبر الرجل أنني أدخن الماريوانا . ولما كانت علاقتي به مشوشة بسبب إمتناعي عن العمل معه خلال الساعات الإضافية فقد كان يحرض رجل الأمن علي ولسيما وهو مورط في السرقة .وفعلا كان ذلك صحيحا فقد كان ظني في محله . سألني رجل الأمن ( سمعت بأنك تدخن
الماريوانا ) وكان يقولها بالإسبانية وباللكنة الاتينية . قلت ( أدخن أحيانا حينما أجد شخصا يدخنها ) سأل عن حجرتي لكي يفتشها ثم انسحب. أصبت بالقلق فقد كان
لدي سجارة محشوة أعطاها لي صديق يوناني هو أيضا مورط في السرقة . نزل (فارس) نحو غرفة المحركات وأخبرني بأن الباخرة باغتها رجال الأمن صباحا
وهم يشهرون مسدساتهم ويقومون بإيقاف البحارة واحدا واحدا وتجميعهم بالصالون الكبير. صاروا يفتشون مخادع البحارة ويخرجون السلع المختلفة ويضعونها داخل
صناديق كبيرة على رصيف الميناء وكانت تلك الصناديق هي نفسها التي توضع فيها النفايات ببلادي تأتي بها البلدية خصيصا لذلك وكان لونها أصفر.
سلمت الحراسة لفارس وعند خروجي من غرفة المحركات وجدتهم في انتظاري وقال صاحبي الذي زارني مع المهندس الثالث ( فتشوه جيدا ). قادوني إلى الصالون
ومن ثمة بعد هنيهة إلى حجرتي للتفتيش. سألني المهندس الأول إن كنت متورطا قلت له لست كذلك. ففرح وهنأني . لكنني كنت قلقا بسبب السيجارة .
تم إصطحابي من طرف رجلين أمنيين نحو مخدعي وتم العثور على السيجارة ثم أريد لي أن أتحمل مسؤولية علبة ماريوانا وجدت على ظهر الباخرة أثناء الإقتحام
وهي لا علاقة لي بها وأعرف صاحبها . أخيرا تحولنا كلنا إلى موقوفين لا نستطيع مغادرة الباخرة التي كان رجل أمن عجوز يحرس مدخلها وهو مسلح بمسدس
يشهره كلما اقترب أحدنا منه وكان لديه راديو للإتصال.
بعد يومين أو ثلاث تم نقلنا إلى إدارة الأمن التي لم يكن رجالها يلبسون اللباس الرسمي . كانوا كلهم باللباس المدني . وبعد النداء بإسمي دخلت عند المحقق. كان رجلا
رزينا ويتكلم الإسبانية بلكنتها اللاتنية . وناولني بطاقة بحجم كبير مكتوب عليها بعدة لغات باستثناء العربية ( يمنحني القانون الحق في عدم الجواب على أسئلة المحقق
إلا بمعية الدفاع . وفي حالة عدم توفري على إمكانية مادية لتسديد أجرة الدفاع فإن القانون يحيلني على عنوان أسفل البطاقة يدافع عني مجانا ) . قررت أن أخوض
التحقيق لوحدي لأنني متأكد من براءتي و من العلبة اللعينة . قلت للمحقق بأن العلبة ليست علبتي كما أعرف لمن تكون إلا أن إخباري عن صاحبها سيكون بلا دليل
وغير مجدي . وفجأة أشرقت فكرة في مخيلتي وأنا أنظر للعلبة وهي ملفوفة بجريدة يونانية فأضفت ( سيدي المحقق إن هذه العلبة ملفوفة في جريدة يونانية وهذا دليل
قاطع على أن صاحب العلبة يوناني . قال الرجل نعم هذا صحيح . ثم فاجأني مشيرا إلى عنوان بالجريدة طالبا أن أقرأه . لكنني بقيت مصوبا نظري إليه وأضفت
قائلا - لقد قلت لك بأنني لا أقرأ اليونانية - فوضع المحقق يده على الزر ودخل شرطي يحرس الباب فقال له ( هات شخصا يونانيا ) قال الشرطي لرئيسه
( من فيهم ؟) قال ( أي كان ) فأدخل يونانيا يشتغل بمطبخ الباخرة فبادره المحقق قائلا ( إقرأ هذا العنوان - مشيرا إلى عنوان آخر بالجريدة ) فقرأه اليوناني بسهولة
لا تصدق . انسحب الرجلان . فنظر إلي المحقق وقال لي ( يمكن لك الإنسحاب فأنت حر .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:45 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-11-
18-11-2008, 04:48 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36339


للرجال فقط of man
كان بتلك البلدة الصغيرة بولاية طكساس حانة كبيرة وواسعة هي ملتقى الشواد من كل حدب وصوب . يؤمها فنانون شواد كل يوم سبت مساءا
لإحياء سهرة يحضرها الشواد من كل المناطق ويقدمون عروضهم الفنية بشكل مدهش ومتقن يبعث على الإعجاب. وعند تقديم العروض كانوا
يتبادلون الأدوار الجنسية بينهم . الرجل يتقمص المرأة .بينما المرأة تتقمص الرجل. وكانوا خلال تأدية أغانيهم يدافعون عن أفكارهم وشدودهم
ولم تكن السلطة تتدخل في نشاطاتهم . لكن عند انتهاء السهرة يحدث ما يشبه حالة طواريء بعد الخروج من المكان فقد كانت الشرطة بزيها
الرسمي تشهر زراويطها في وجه الرواد وتوجه كل مجموعة نحو سياراتها مستعملة العنف ضد من يقاوم هذا التوجه.
الجو العام داخل هذا الفضاء كان حميميا وغريبا أيضا فالرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة . ولأول مرة في حياتي رأيت رجلا بشاربه
المفتول يغازل ويقبل رجلا مثله بالشارب. وكذلك هو الشان بالنسبة للنساء. كان ذلك بالنسبة لنا مدهشا ولم نكن نحن البحارة في تلك البلدة الصغيرة
نجد مكانا آخر نرتاده سوى هذا الفضاء الغريب .
كل سبت كالعادة يقوم الفنانون الشواد بترتيب السهرة وفق سياستهم ووفق الدلالات التي يريدون عرضها على الرواد فقد كانت تدخل في حساباتهم
نضالاتهم ودفاعهم عن شدودهم فكانوا قبل انتهاء السهرة يغنون نشيدهم المتكرر ويشارك في الغناء الرواد وينهض الجميع في حميمية عجيبة
فتتشابك أياديهم وهم يتمايلون ويغنون مع الفنانين على الخشبة المثبتة مباشرة فوق الكنطوار نازعين أخيرا بيلوكات الشعر من فوق رؤوسهم بينما
النساء ينزعن شواربهم وهم يرددون جميعا بصوت واحد في موقف يشبه الموا قف النضالية السياسية
ديز ماي لوف ......ديز ماي لوف ............. ديز ماي لوف ............ ديز ماي لوف .
إن الشعب الأمريكي شعب عنيف لا يختلف كثيرا عن الشعب المغربي . لقد كنت دائما أجد تطابقا بين الشعبين. فقد رأيت يوما إثنان من الشواد
يتناحران بواسطة قوارير زجاجية مكسرة للظفر بغلام لا يزيد عمره عن 18 ربيعا.لم أر هذه الحالة إلا ببلدي وبهذه البلاد.
خلال أول يوم ولجنا فيه حانة of man كنا مجموعة من البحارة اليونانيين ومعنا ( فارس ) لم نكن حينئذ قد إكتشفنا الفضاء بعد. جلسنا وطلبنا الجعة
وبعد ذلك بدأت تتضح لنا الأمور على حقيقتها . حضرت فتاة أمريكية رائعة الجمال وجلست بجانب طاولتنا وكان يبدو من هيئتنا وسحناتنا بأننا غرباء
وما أن إستوت في جلستها حتى وقع ارتباك في المجموعة وأدار كل واحد منها كرسيه نحوالفتاة بشكل مضحك. لأن السرعة في فعل ذلك كانت جماعية
وفي لحظة خاطفة كان الكل يريد لنفسه الفتاة وبالخصوص ( فارس ) هذه كانت طبيعته الجرأة والإقدام في مثل هذه الحالات . لكنني الوحيد في
المجموعة بقيت هادئا ولم أحرك ساكنا لهذا الحضورالأثوي المفاجيء للجميع. لم يكن من أخلاقي أن أبدو سخيفا أو ملهوفا على أنثى بتلك الطريقة قط
رغم أنني كنت مكبوتا ومحروما لما يفرضه عالم البحر على الجميع . دار حديث تافه بين الفتاة والبحارة وهم يتسابقون في الحديث معها بين
بعضهم البعض. كنت صامت أراقب المهزلة وشعرت بأن الفتاة بنظراتها نحوي المتكررة كما لو أنها تريد التخلص منهم أو تأثرت بتميزي عنهم.
كان ذلك سببا لكي أقوم بضربتي وأنهي المسخرة . فاستويت واقفا وبحركة مؤذبة طلبت الفتاة أن ترقص معي . فلبت طلبي كما لو أنها كانت في
انتظاره. إحتضنتها داخل الحلبة على أنغام الموسيقى الهادئة وأحسست بالحرارة تسر ي في كامل جسمي وشعرت هي بالإنتصاب واستسلمت
لأحضاني بشكل كامل فقبلتها في جبينها فرفعت وجهها وسلمت لي شفتيها ونسينا الرقص . عرفت جنسيتي وتبادلنا حديثا كمن يود أن يعرف عن
الآخر كل شيء. ورصيدي المعوق من اللغة الإنجليزية لم يكن يشكل أي عائق بيننا . أو هكذا توهمت .
ولم يكن يدر بخلدي أن هذه المرأة ستتحول بسرعة إلى صديقة بحار مثلي وبأن قصة عجيبة ستتبلو بيننا بسرعة أيضا ولم أكن أعرف أن هذه
الأمريكية سوف تسلم لي مفتاح بيتها لأدخله متى شئت أثناء غيابها. كانت سيدة رائعة شادة وغريبة الأطوار . سألتني يوما
لما لا تتزوج ؟ هذا السؤال كان سيسعد كل بحار جاء للولايات المتحدة . لكنني قلت ( لا أستطيع ) قالت ( لماذا ) قلت لأنني فقير
قالت ( لا شك في أنك رجل مهم ) . كانت داخل بيتها تربي ثعبانا صدمني هذا الأمر وأصابني بالرعب . كنت أظن أن هذا الذي يحدث
ربما هو فخ قاتل لي . وكان ذلك خطئا فظيعا جعلني أقتل الثعبان وأنا في حالة سكر ولم أكن أعرف آنذاك أنها كانت تحب الثعبان أكثر مما
تحبني . فأفسدت كل شيء وبسرعة فائقة .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:46 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-12_
21-11-2008, 09:32 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36393


دخولنا إلى ولاية طكساس كان متزامنا مع العملية الإنتحارية التي وقعت بمدينة ميونيخ الألمانية والتي قام بها كوماندو فلسطيني موقعا مأساة للطرفين عملا بالمقولة
التي تقول ( علي وعلى أعدائي ) . ولهدا كان الإحتراس من العربي مسألة قائمة . بدأت أشعر برائحة اليهود تحوم من حولنا . وقد قدم لي ( فارس ) شخصا يهوديا
وكان بالنسبة لي دلك مسألة عادية لأنني كنت أحسب جميع الأجناس بشرا مثلنا . كان ديفيد يعلق على صدره نجمة داود . وكنا نتناقش في مسألة إسرائيل وفلسطين
كان هو يدافع عن موقعه بينما أنا كنت أيضا أدافع عن الفلسطينيين بصفتهم أصحاب حق أولا وأخيرا . وقلت له بصراحة أنني لا أعارض بأن يكون لليهود وطن
كسائر خلق الله ولكن ليس على حساب شعب بأكمله . ولم يكن نقاشنا يتحدد في هده القضية فحسب . بل كنا نتناقش في عدة مجالات. كما قلت له بأنه يعيش داخل
الولايات المتحدة ولا يعرف ما يجري حقيقة على الأرض داخل الوطن المحتل. كما قال بأنه يخدم قومه بتقديم المساعدة المادية كسائر اليهود الموجودين هنا.
كنت أنا صريحا معه بينما ( فارس ) كان حينما يسألونه عن جنسيته يقول بأنه بربر ي . وكان ديفيد يجاوبه بأن بربري تعني عربي .
دات مساء دعانا ديفيد إلى بيته كما قال . دخلنا فيلا كبيرة وواسعة تتوفر على حديقة ومسبح . كانت هده الإقامة مسيجة بسور إسمنتي قصير الطول . بمجهود قليل يستطيع الإنسان تسلقه والقفز خارجه. كان داخل الإقامة أربعة أشخاص . وقد أوحى لي دلك بأن البيت ليس بيته كما زعم. جلسنا في صالون الضيوف وكان الجو عاديا أول الأمر . وكانت التلفزة مشتغلة وكان الممثل فرانك سيناطرا يدير برنامجا لم أفهم موضوعه لعدم إلمامي باللغة الإنجليزية بشكل كافي. قال ديفيد
بأننا نحن العرب حينما يكون لدينا ضيوف نأتي لهم بالماء ليغسلوا أيديهم ثم نقدم لهم المائدة ونعود لنفس عملية الغسل بعد الأكل . وأضاف بأنهم عكس دلك. ثم طلب
مني مرافقته ففعلت فأدخلني مطبخا واسعا يشبه محلا تجاريا توجد به كل أصناف المأكولات المعلبة في أغلبها وأشياء أخرى لم أعرف محتواها كما اطلعني على ثلاجة البيت الكبيرة الحجم وفتحها معلنا بأنهم يسمحون للضيف لكي يأخد ما يريد بشرط أن يخدم نفسه بنفسه. شكرته ورجعنا إلى الصالون .
بعد ساعة ونيف بدأ جرس الإقامة يرن باستمرار وصار يتوافد على المكان مجموعات من الناس كلهم رجال أغلبهم بالشوارب . كانت وجوه صارمة نظراتها حادة .
وبهم شبه كبير بوجوه العرب . لاحظت أنهم لا يتقدمون للسلام بل كان كل واحد منهم يأخد كأسه وينتشرون في الحديقة على جانب المسبح . وكان واحد منهم من حين لآخر يفتي عليهم فينفدون ما يشير به في حينه. كما لاحظت أحدهم يقف متصلبا في موقع الباب واضعا يديه ودراعيه على صدره. دكرني برجل الأمن أثناء خضوعي للبحث بخصوص مشكل الباخرة. أحسست بالقلق في حين كان( فارس )غائبا عن هدا الإحساس تماما رغم تحديري له المتكرر. ومازاد الطين بلة هو لما قام بالتجرد من لباسه ولم يبق إلا بالتبان ثم قفز للمسبح. تقدمت أنا نحو المسبح ووقفت بجانب الرجل الدي أعطاني الإنطباع بكونه رئيسهم ( وكان عمله محاميا حسب
ديفيد حينما قدمه لي سابقا خلال إحدى اللقاءات العابرة ) . تجرد ديفيد من لباسه وكدلك هو الشأن بالنسبة لآخر لم أره من قبل . ثم قفزا معا إلى المسبح . بدا لي
كما لو يمزحان مع ( فارس ) وفجأة إنقضا عليه وهبطا به إلى قعر المسبح. أحسست كما لو أن صفعة أيقضتني .. رباه مالعمل ؟ فكرت في الهرب بنفسي وبدا لي سياج الحديقة أقصر مما تصورت من قبل . إنشق الماء كما لو مسته عصى موسى وصعد الثلاثة أولهم ( فارس ) كان مدعورا وهرع بسرعة فائقة نحو السلم في حين
كان ديفيد ورفيقه ةيضحكان ويتجهان معا نحو السلم للجهة الأخرى . لكن بهدوء . إلتفت إلى الرئيس أناشده الإنسحاب لنلتحق بالباخرة . أشار الرجل بيده إلى الحارس الواقف مكان الباب متصلبا . فحضر للتو . وأمره بأن ينقلنا إلى الباخرة . وكان واضحا أنهم أدركوا الخوف الدي إنتابنا .
داخل الباخرة جلسنا نتنفس الصعداء واختلط علينا عتابي له واعترافه باندفاعه وما يمكن أن يحصل لو أراد هؤلاء الإعتداء علينا . لم أكن أفهم أنا أيضا من هم
هؤلاء لكنني بعد مرور السنين على الحادث صرت أومن بأن أولائك لم يكونوا إلا أعضاء شبكة الموساد المنتشرة في البلد.

محمد رشدي
18-12-2011, 12:48 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا/13/
23-11-2008, 01:01 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36420


نتيجة لحادث السرقة الجماعية بباخرتنا فقد أصبح جميع الملاحين اليونانيين ينتظرون تنفيذ قرار ترحيلهم إلى اليونان وبالتالي محاكمتهم بما في ذلك القبطان. وكان
تأثير هذا القرار ثقيلا على نفسية البحارة لذا لم يعد هناك أي انضباط أو نظام كما من قبل . تحول كل شيء إلى فوضى وتسيب . وأصبح كل واحد يفعل ما يريد .
كما قام المكلف باقتصاد المطبخ / تيف إستطوار/ كهذا يسمونه . بفتح مستودع التغدية والشراب في وجه الجميع وأصبحت صناديق الجهة تنقل للمقصف وتفرق على البحارة ليسكرون . دخلت وفارس المقصف وكان البحارة يشربون الجعة. عرض علينا الزملاء مشاركتهم ففعلنا . وبينما نحن كذلك دخل الزنجيان اللذان يستغلهما القبطان بدون أجرة . قال أحدهما / أين جعتي ؟ / ظنا منه أن الجعة تدخل في حصة الوجبات . فسخر البحارة منه وصاروا يرشقونه بالزجاجات الفارغة ويقولون
له خذ جعتك أيها الزنجي القذر. فشعر بالإهانة وقنينات الفارغة تتقاطر على جسده . قبض اثنتين وضربهما مع بعضهما وهو في حالة عصبية هستيرية فتشتتت شظايا
الزجاج في المقصف بينما شظية واحدة أصابت / فارس / في إحدى فخديه لأنه كان يلبس سروالا قصيرا فجرح جرحا طفيفا . قال فارس للزنجي / أنظر ما فعلت بي /
قال الزنجي / إن كنت رجلا أخرج معي خارج المقصف / قلت لفارس فاجئه قبل أن يفاجئك . وسمعت جلبة توحي بأن جسدا ثقيلا هوى على أرضية الممر فالتحقت بهما فكان الزنجي تحت جسد فارس وهذا الأخير يوجه إليه اللكمات . أراد الزنجي الآخر حماية صديقه فتدخلت للتو واضعا يدي على صدره موقفا إياه
وقلت له بإنجليزيتي المعوقة / ون ويذ ون / واحد ضد واحد. أراد الزنجي أن يتمرد على قراري فانقضضت على عنقه والتففت عليه بدراعي /وكان/ بنجمين/ هذا
رياضيا مفتول العضلات لكنه كان نحيفا / إلتقطت زجاجة بيرة كما لو أنني سأهشم رأسه بها . فقفز صديقي اليوناني وشل يدي قائلا / لا ياأحمد لا / وانتزع من
يدي القارورة الصغيرة . حضر القبطان فانفجرت في جهه وكلت له الشتائم ووصفته باللص وبأنه ورط البحارة الأبرياء في عملية السرقة وبأنه سبب كل هذه
المصائب. لم يكن ينتظر مني هذه الإهانة فاصدر أمره للبحارة ليعتدوا علي لكن لا أحد تحرك من مكانه . أعاد الكرة مرة أخرى ولم يسمعه أحد. حينئذ هددني
بعدم تسديد سنسا واحدا من أجرتي وهرع نحو مكتبه فتبعته فشتمني بكلمة يونانية معروفة فرميته بكرس أصابه في رأسه إصابة خفيفة . فجأة وأنا أقصد الممر
رأيتهم أربعة يسرعون نحوي فأدركت الخطر المحدق بي وتسلقت سلم الباخرة الذي كان قريبا مني لآخذ المنحدر من السلم نحو الرصيف فرماني أحدهم بقطعة
حديدية وأصابني في إحدى رجلي لا أذكر الآن إن كانت اليمنى أم اليسر ى. عند وقوفي على الرصيف لم أستطع أن أخطو خطوة واحدة . أشرت على بعض الموظفين كانوا يقصدون مكاتبهم بمصالح الميناء الإدارية واخبرتهم بالحادث وطلبت الأمن فحضر فورا . رأيت فارس ينحدر من السلم نحو الرصيف ووجهه منتفخ بالكدمات
وآثار الإعتداء بادية على محياه على شكل بقع خفيفة خضراء . لقد نجوت فسقط في قبضتهم فارس . تم في الحين إحضار سيارة الإسعاف حملتنا نحو المستشفى
هناك تلقينا الإسعافات الأولية بعد الكشف بالراديو . ولم يكن لدي أي كسر في رجلي رغم الألم الذي أشعر به . سمعت سيدة أمريكية عجوز تقول بأن العر ب
يحبون العنف . قلت لها نحن نحب السلام ياسيدتي إنك خاطئة في حق العرب . وقامت أخرى بالدفاع عنا بطريقة مهينة مخبرة العجوز بأنها متزوجة بعربي لكنه
ليس من هؤلاء . إنه من الكويت .
تم نقلنا نحو الباخرة وكان هنام رجال أمن بالصالون والقبطان برفقتهم وعلى رأسه ندف من القطن للتمويه بكونه مصاب . وأخبر رجال الأمن بأنني شيوعي
جاوبه الرجل بأن هذا لا يهمه . قلت لرجال الأمن بأن هذا القبطان لص وقد دفع بحارته إلى السرقة فورطهم . كما أخبرتهم بأننا بدون أجرة منذ بضعة شهور
وأنني وفارس غير متورطين بالسرقة . وهذا كافي لإدراك الفرق بيننا . أمر رجال الأمن بتسوية وضعيتنا وتسديد أجورنا وإيجاد تذاكر السفر في أقرب وقت
ممكن. في الغد تم إتصال بين القبطان والوكالة التي تقوم بشؤون الباخرة وأخذ الإجراءات الإدارية اللازمة .
غدا عند الظهيرة كان كل شيء جاهز . وفي المطار كان ممثل الوكالة مرفوقا بالقبطان بينما نحن جاهزان للسفر . قال لي القبطان
/ إنني لا أضمر لك حقدا لكنني أريد أن أ نصحك / قلت نعم أنا مستعد لسماع نصيحتك فما هي ؟ قال / أنصحك بأن لا تتورط في شجار مع قبطان حينما
تبحر في باخرة قادمة . أنا لو كنت في البحر لرميت بك لليم /.
/ يتبع /

محمد رشدي
18-12-2011, 12:50 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-14_
24-11-2008, 03:41 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36441


لا تشتري العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأجناس مناكيد

هذا ما قاله الشاعر الكبير المتنبي في حق كافور الإخشيدي حاكم مصر خلال تلك الفترة . فهل ينطبق هذا البيت الشعري أيضا على الزنجيين النيجريين اللذين
قمت بحمايتهما أثناء رغبة القبطان في الإعتداء عليهما وإهانتهما ؟ فقد طلبت من ( فارس ) إطعامهما داخل المقصف مثل جميع البحارة وكان ذلك عكس ما أمر به
حاكم الباخرة . وتسببت لنفسي في متاعب كنت في غنى عنها . لكن رغم كل ذلك حينما تأجج الصراع بيني وبين القبطان إنضم الزنجيان إليه أثناء الإشتباك
وما أن نجوت كان ( فارس ) هو الضحية وأدى الثمن على يد الزنجيين نفسهما اللذان قام بإطعامهما وحفظ كرامتهما .
الآن إنتهى كل شيء وعلينا أن نغادر وقد توصلنا بمستحقاتنا التي كانت بذمة الباخرة . أخذنا الطائرة من طكساس نحو نيويورك وودعنا القبطان . أثناء
وجودنا داخل الطائرة تعرفنا على شخص من ساكنة المدينة العملاقة فعرض علينا استضافته لنا ببيته لمدة ثلاثة أيام كما قال . كما وعدنا بأن يأخذنا إلى الحي
الذي يسكنه العرب وقال بأننا هناك يمكن لنا أن نأكل الكسكس مما يعني بأنه ملم ومطلع على تقاليدنا وأعرافنا . لكن بسبب الحادثة التي وقعت لنا بولاية طكساس فقد خلقت في داخلي حساسية ضد كل طاريء جديد في حين فارس لم يكن ذلك ليترك أثرا على نفسيته . تكون لدي ما يشبه - البارانويا - من كل شيء
أما فار س فقد تمسك برغبته في مرافقة الشخص الغريب وصار يلح علي كي نرافقه معا . كما تعمد الشخص المذكور أن يعطينا إنطباعا بكون هذه الضيافة
آمنة . لذا أخبرنا بأن زوجته ستكون في المطار عند وصول طائرتنا لاستقباله . وفعلا لما نزلنا من الطائرة كانت في انتظاره سيدة حسناء يرافقها طفلان
صغيران لا يتجاوز سن أكبرهما الستة ربيعا. عانق الرجل زوجته وقبلها من فمها ثم عانق ولديه وأهدى أحدهما نجمة cherif والآخر مسدسا . قدمنا إلى زوجته
كصديقين تعرف علينا بالطائرة . ثم جدد طلبه لنا أمامها لمرافقته نحو بيته. لكنني اعتذرت من جديد بينما فارس يصر على أن نلبي دعوته . قام الرجل بالإطلاع على تذكرتي سفرنا ونقلنا بسيارة زوجته إلى المدرج الذي سوف تنطلق منه طائرتنا بعد قيامنا بإجراءات التأشير عليها من لدن المصالح المختصة داخل المطار.
لا زال فارس يلح علي لكنني قررت وعزمت على السفر نحو وطني . وفي الحقيقة فقد كانت فرصة البقاء ذهبية خصوصا وأن الرجل أراد مساعدتنا , لكن من يجزم
أن الأمر يخلو من ( إن ) إذ كيف يعقل أن يعرض عليك شخص غريب هذه الضيافة بدون سبب أو مبرر - فقط لله في سبيل الله - ونحن عرب سمعتنا
مسفوكة .
أخيرا أصبحنا داخل الطائرة الضخمة ( pan american ) طائرة عملاقة ورائعة سوف تنقلنا عابرة المحيط الأطلنطي نحو العاصمة البرتغالية لشيونة وهناك
علينا أن نستقل طائرة أخرى نحو البيضاء . وقد تملكني الخوف أول مرة عند ركوبي الطائرة لكنه اختفى بعد الإقلاع .
عندما كانت الطائرة تحلق قريبة من مطار النواصر بالبيضاء وتستعد للهبوط . رأيت من النافذة سهلا شاسعا بجوار المطار قاحلا مزروعا بالشوك وكان هناك
حمار بائس يرعى الشوك فتأكدت أنني وصلت أرض الوطن . وكان الفرق بين المطار الذي انطلقت منه والمطار الذي وصلت إليه كالفرق الهائل بين السماء
والأرض . فعلا لقد كنت في كوكب آخر .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:52 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-15-
27-11-2008, 01:55 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36509


في الدار البيضاء إلتقينا صدفة ببعض الأصدقاء من الحي الذي نقطنه ( الباريو مالقا ) كانوا يعملون
أساتدة في التعليم العمومي . وقد كان (فارس ) يفتخر بكوننا جئنا من - طيكساس - كانت هذه الكلمة سحرية بالنسبة لأصدقائنا ومعارفنا لأنهم لا زالوا يحتفظون في مخيلتهم منذ الطفولة عندما كنا جميعا نحضر أفلاما بسينما الحي ( فيكتوريا ) تعرض أحداثا مسرحها أرض طيكساس حيث رعاة البقر بمسدساتهم يتقاتلون وكان البطل دائما ينتصر على الأشرار . لذا كلما كنا نحكي لهم عن مغامراتنا
هناك كانوا داخل قرارة نفوسهم لا يصدقوننا وربما كانوا يسخرون منا . ولما وصلنا تطوان أيضا بعد منتصف الليل إلتقينا ببعض الأصدقاء والمعارف بالحارة التي نسكنها وبحوزتنا علب التبغ الأشقر وزعناها عليهم ونحن نفتخر بما حدث لنا من مغامرات في طيكساس . لقد كانت سينما الحارة أثناء طفولتنا تتخمنا بأفلام رعاة البقر الطافحة بالمشاجرات والمعارك الطاحنة ضد الهنود الحمر . كنت أشعر بأن أصدقاءنا لا يصدقون أننا زرنا ذلك البلد الخطير الذي لم يروه إلا على شاشة السينما
وكان يشعرني ذلك بالنشوة لأنه من العجيب والنادر أن تكون صادقا بينما لا أحد يصدقك . حينئذ أشعر بالتميز . وبأنني محظوظ فقط لكوني كنت في مكان لا يستطيع أحد أن يكون فيه ولو للحظة.
كان بحوزتي بعض المال أعطيت منه قسطا لأسرتي . وبددت طرفا مما لدي في المقاهي على المعارف والأصدقاء . وقد صادف مجيئي حلول شهر رمضان وكان هذا الشهر الجميل خلال الستينات والسبعينات تقام الحفلات في المقاهي وكان الفنان عبد العزيز يتوفر على مقهى تسمى
( مقهى المواعيد ) وخلال هذا الشهر يقوم بإثبات خشبة داخل المقهى يؤدي الجوق وصلاته فوقها
كنت أغني من خلالها أغاني مختلفة وكنت متمردا في لباسي وأفكاري وأدائي للأغنيات التي
كان الجوق يرافقني بآلاته فنطرب الجو ونسعد الجمهور البسيط الذي كان يحضر باستمرار طوال الشهر الكريم . كان الجمهو ر تأخذه الدهشة والإعجاب في آن من حركاتي وطريقة أدائي للأغاني وهم يروا هذا النمط من الأداء لأول وهلة . كان إسمي على كل لسان وشهرتي عمت الحارة إن
لم أقل البلدة برمتها . وكنت معروفا بإسم والدي ( الخمار ) كما أنني صرت أدخل الأماكن الشعبية
مصطحبا معي فتيات ولم يكن يحدث ذلك من قبل . لا أحد يجرؤ أن يدخل فتاة إلى مقهى شعبي
حيث يدخن القنب ( الكيف ) والحشيش من طرف بعض العموم . مما جعل رجال الأمن يتخدون موقفا
معاديا حيالنا . كما كنا نلج مقهى بساحة الفدان قلب تطوان النابض . ندخل بفتياتنا مقهى تسمى
( مقهى الجيلالي ) وذلك خلال فترة أوائل السبعينات . وبدأت المتاعب مع البوليس . من حين لآخر
يأتون للمقهى لإيقاف الفتياة واقتيادهن نحو مخفر الشرطة بباب التوت . وبعد يومين أو ثلاث يطلق سراحهن . وسارت الأحداث تتناسل بتضييق الخناق علينا وتحول الإيقاف مزدوجا وتم تقديمنا للنيابة العامة بتهمة الفساد وتعاطي الخمر ووصلنا إلى غاية السجن وإن لمدة قصيرة .
لم يبق لي إلا مغادرة الوطن من جديد فوطني لم يعد يطيق جموحي وتمردي ولسيما خلال تلك السنين التي يسمونها اليوم بسنين الرصاص . وكان فعلا كذلك . فلمجرد أن لا تروق مزاج رجل أمن
مثلا كان ذلك كافيا لتقضي أياما رهن الإعتقال بدون تهمة . كان زمنا يشوبه التسيب وانتهاك حقوق
الناس بدون موجب قانوني .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:53 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-16-
28-11-2008, 10:30 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36539


بسبب تمردي وجموح أفكاري واختلاطي بالفتيات والفتيان المتحررين . وبسبب احتلالنا لبعض الأماكن
العمومية . نقضي فيها وقتنا الضائع . صارت تنزل على رأسي متاعب لم تكن تنقصني . وكنت قد تعرفت
على فتاة في مقهى الرياض القريب من إدارة الأمن بناحية باب التوت . طلبت مني أن أكون صديقا لها
قلت فليكن ما دمت محتاج إلى صداقة أنثى تدفيء غربتي الآتية معي من أعماق وصقيع السفر .
كنا نقضي وقتنا نهارا بالمقهى التي يؤمها أشخاص من طينتنا . وبعد المساء كنا نرتاد مرقص تبقال
المتاخم لسينما ومسرح إسبانيول بتطوان . لم تكن هاته الفتاة تكلفني مصاريف لأنها تعرف أسرار
حياتي المعروفة عند الجميع . باستثناء تكاليف بسيطة كنت أسددها من المبلغ الذي كان لدي من عملي
كبحار.
ذات ليلة كنت وصديقتي قاصدين فندقا متواضعا كنا نلتجيء إليه من حين لآخر . فعرجنا على محطة الحافلات من أجل اقتناء شيء نأكله . وما أن وطئنا مدخل المحطة سمعت نداءا فالتفت نحو المصدر
فإذا بي أمام رجلي أمن باللباس الرسمي . أشار علي أحدهما بطريقة لم تعجبني ثم توقفت بمكاني
وأشرت عليه بأن يأتي هو وبنفس الطريقة التي استعملها معي . خطا نحوي أحدهما ولحق به الآخر
قاطعين الأمتار القليلة التي كانت تفصلنا . ثم طلب مني بطاقة الهوية . ولما لم تكن لدي البطاقة ناولته
جواز السفر . أضاف ( هات بطاقة الإقامة والشغل ) قلت ( وهل أنا بنقطة الحدود ببلاد أجنبية حتى
أقدم لك وثائق تلك البلدة ؟) رد غاضبا بكلام لا يليق بي أبدا فجاوبته بالمثل فرفع يده فتراجعت نحو الوراء وقلت له بأن أوراقي بيده وحذرته . في نفس الوقت خاطبت الجمهور الذي تجمع للتو ووضعتهم في
موقع الشهود . في الطريق نحو مخفر الشرطة الذي كان على مقربةمنا كانت الفتاة تهديء من روعي . كنت في حالة عصبية يرثى لها . كما لاحظت أن الأمر يحتاج إلى تفاوض وينتهي كل شيء .
لكنني لم ألتقط الفرصة التي ربما بقليل من الحكمة كانت سانحة لإنهاء المشكل .
داخل المخفر كان هناك مفتش الأمن أو الضابط وهو رئيس الديمومة من سكان الحي الذي أقيم به
صرح الشرطيان بأنني أردت الإعتداء عليهما أمام الجمهور - على حد قولهما - قلت للضابط بأنهما يكذبان
فضرب هذا الأخير بقبضة يده على الطاولة ثم قال ( المخزن لا يكذب ) أجبت (ومع ذلك يكذبان ) .
أصبحت داخل الزنزانة بينما الفتاة إقتادها الشرطي نحو زنزانة النساء . مرت خمسة أيام كاملة وأنا
في أسوإ حال بسبب الجوع والبرودة وأشياء أخرى . لم أكن قادرا على التحمل لكنني تحملت .
تم نقلنا بعد ذلك لتوقيع المحضر وكان مكتوبا بالإسبانية فقرأت tengo relaciones sexuales ect..
مما يعني الإعتراف بالعلاقة الجنسية . بينما نحن تم اعتقالنا في مكان عمومي . إمتنعت عن التوقيع
فأمر الضابط إرجاعي للزنزانة . حينئذ وقعت . عند النيابة العامة أردت توضيح المسألة لكن السيد
النائب قال ( إلى السجن .. فأنت متهم بالفساد وإهانة موظف الأمن ) . كانت أول مرة أطأ فيها السجن
ببلادي . دخلت عالما غريبا عني عالم لا يحتمل لكنني سأتكيف معه ولو لأيام قليلة . سمعت إسمي
ينطلق من كل أرجاء الصالة الكبيرة المزدانة بالسجناء فتعرفت على بعض معارفي من الحي الذي
أقطنه . كانوا كرماء ا معي وطيبين وقام أحدهم بالتنازل عن السرير لفائدتي بينما هو شارك رفيقا
له سريره . لحق بي رئيس حرس السجن يريد حلاقة شعري المسترسل فأخبرته بأنني غدا سيطلق
سراحي ولا داعي لذلك ودعم كلامي شخص سجين وهو رئيس السجناءداخل الصالة. وأسرته صديقة لأسرة حبيبتي التي أبعدتني عنها ظروف الحياة القاسية . فرحل رئيس الحرس ضاربا الموعد
للغد لكي ينفذ رغبة مزاجه .
حضرت المحاكمة كان هناك جمع غفير من أصدقائي ومعارفي بالحارة . كان القاضي رجلا نبيلا وطيبا
وهو شخص متزوج بسيدة إسبانية ومعروف بالبلد بطيبوبته . ومن حسن حظي أيضا كان ممثل النيابة
العامة رجلا لا يختلف عن قاضي الجلسة . فقد سمعته يطلب لي ظروف التخفيف مراعاة لظروفي .
تم إطلاق سراحي في يوم غد دون أن تتاح لرئيس الحرس أن يحلق شعري وقال لي بأنني
أفلت من مقص الحلاق . ولم تحكم المحكمة إلا بالغرامة لم أسددها لحد الآن لأنني لم أتوصل بأي
إشعار من أجل الأداء .
قبل أن أخرج من السجن قام أحد معارفي في الحي بتوجيه خطاب للسجناء قائلا
( إسمعوا أيها الإخوة إن الأخ - الخمار - تم إطلاق سراحه لذا أطلب منكم أن تصفقوا لحريته )
دوت القاعة بالتصفيق فأحسست بالسعادة أنستني همومي وأحزاني .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 12:54 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا/17/
06-12-2008, 12:21 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36687


بعد خروجي من السجن بيومين. كنت مصحوبا ببعض الأصدقاء ونحن داخل حانة ( ريبرطيطو) كان الوقت مساءا شعرت وكأنني في حالة نفسية
مضطربة. قلت في نفسي ( لن يخلصني من هذا الإضطراب إلا السفر ) جمعت شتات أفكاري واعتذرت للأصدقاء ثم خرجت من الحانة بعد تسديد
فاتورتي وأخذت سيارة طاكسي أوصلتني إلى البيت وطلبت من السائق الإنتظار جمعت أغراضي وودعت أسرتي وانطلقت نحو الحدود .
خرجت الباخرة على الساعة الثامنة نحو الجزيرة الخضراء . شربت بعض الجعة والتهمت كسكروطا خاصا وتنفست الهواء الجديد وأنا أتأمل أمواج
البحر الهادئة . فتبخر القلق والإضطراب في داخلي واختفى نهائيا. في الجزيرة الخضراء صادفت بباب الميناء شخصا إنجليزيا ملتحيا يقود
حافلة جل ركابها أجانب بمختلف الجنسيات باستثناء العرب . وسألني إن كنت قاصدا برشلونة فأخبرته بأن وجهتي هي مدينة بيلباو . لكنني فجأة
تساءلت مع نفسي ( لما لا أغير الإتجاه ؟ ) .امتطيت الحافلة بعد أن إستفسرت عن الثمن وسددت الواجب . وانضممت إلى الركاب الذين كانوا كلهم
هبيين وكانت الحافلة ستعبر نقطة الحدود الإسبانية الفرنسية عبر برشلونة وقررت أن أمدد الرحلة نحو بلجيكا وأغتنم فرصة وجودي مختلطا
بهؤلاء الأجانب وخلال وجودنا بنقطة الحدود طلبت من سائق الحافلة أن يدس جوازي وسط جوازات السفر لهؤلاء حتى لا ينتبه إليه حراس
الحدود فيمنعونني من العبور . وفعلا لم يتم تفتيش الحافلة أو الدخول إليها حتى . فقد إكتفى الحراس بإلقاء نظرة عابرة وسريعة من خارج الحافلة
ثم أشاروا عليها بالمرور دون تفقد الجوازات التي كانت بيد السائق وهو يتحدث إليهم. فكرت أن كل الجنسيات لا تلقى أية عراقيل بنقط
الحدود باستثناء نحن العرب كأننا مصابون بالجرب . المهم أنني حققت هدفي بمساعدة هؤلاء طبعا.
نزلت من الحافلة داخل التراب الفرنسي وأخذت القطار نحو بروكسيل البلجيكية . كنت أتوفر على عنوان صديقي ( بريشة ) الذي زودني به أثناء
وجوده بتطوان .
بعد رنة الجرس فتح الباب فإذا بي أمام الصديق بريشة . قفز من الفرحة وعانقني وأدخلني بيته المتواضع. كماأخذني إلى الحمام العمومي
واغتسلت من أوساخ وعناء السفر. وأصبحت شخصا آخر . كما شاءت الظروف أيضا أن ألتقي بصديق قديم عن طريق الصدفة وقد أخبرني
بأن حزبا شيوعيا ذو إتجاه ماوي يدافع عن المهاجرين ويساعدهم للحصول على أوراق البلد . فكان طبيعيا أن أتصل بمقر هؤلاء . كان
هذا الحزب يستضيف مجموعة من المهاجرين من مختلف الجنسيات وكان بعضهم قد دخل في إضراب عن الطعام وبينهم بلجيكيون ذكورا وإناثا.
كانوا مضربين عن الطعام لكنهم كانوا يشربون القهوة ويأكلون قطعا من السكر . راقني هذا الجو فتجندت للنضال معهم من أجل تحقيق مطالب
المهاجرين . كنت أحرر الخطب والتقارير باللغة العربية . وأقوم بطبعها على (الستانسيل ) وأظل طوال اليوم على قدم وساق دون كلل أو تعب .
كان إسمي الذي أطلقوه علي هو ( فولار) لأنني كنت أضع فولارا على رأسي مثل قراصنة البحر في الزمن الماضي. كان شخص بلجيكي يقود هذه
الحركة التي كان يرعاها الحزب الذي لم تكن لنا علاقة به . شعاره ( كل الحقوق للعمال ) وكان إسم هذا التنظيم - a.m.a.d.a - . وقد كنا نتلقى
المساعدات المادية المتواضعة من أناس لا يعرفهم إلا الرئيس. وقد إستطعت أن أنتزع من يد فتاة بلجيكية منصب رئاسة العلاقات الخارجية وكانوا
يطلقون عليها ( شاف دو بروبكند ) وكان ذلك عن طريق الإنتخابات . وقد غضبت الفتاة لذلك غضبا كبيرا . لكنني كنت ماهرا في هذا المنصب
فقد كنت أنظم مجموعات مختلطة الجنسيات وأوزعهم على نقط داخل بروكسيل وبالضبط بالأماكن التي يتواجد بها المهاجرون المغاربيون .
وكنت أخرج أنا أيضا مع مجموعتي ونقتحم أماكن عمومية كالمقاهي نخطب فيها ونجمع المساعدات المادية للمهاجرين بالمقر لشراء المواد
الغذائية للجميع . وكنت أنا الوحيد بمجموعتي من ينجح في التواصل مع الناس والوحيد أيضا من يأتي بأكبر مبلغ من المساعدات المادية .
قمنا بمظاهرة كبيرة داخل بروكسيل بمشاركة بعض المنظمات الحقوقية والجمعيات المدنية التي كانت تتعاطف مع المهاجرين وكان الرئيس
من يقود المظاهرة وكنت بجانبه نتبادل أدوار إلقاء الخطب . هو بالفرنسية وأنا بالعربية .وكان هذا الرجل من حين لآخر يغطي على وجهي
بواسطة جريدة كانت بيده أثناء بلوغنا بعض النقط وقد خمنت أنه كان يفعل ذلك إتقاءا لكاميرات التصوير لأنني كنت بلا أوراق ومعرض لخطر
الأمن . كان هؤلاء البلجيكيون حريصين على حمايتنا . وعند انتهاء المظاهرة أدخلوني في سيارة خاصة بينما سيارات أخرى كانت تتبعنا من الخلف
لعرقلة سيارات الأمن في حالة إقتفائها لأثرنا . كانوا أناسا طيبين ونبلاء ويحبون الخير للجميع . فقد عرضوا علي فتاة بلجيكية لأتزوج بها
للحصول على أوراق البلد فعزفت عن ذلك وقلت لهم إنني سأكون آخر من يحصل على الأوراق وكان جوابي هذا بالنسبة لهم مذهلا . كانوا
يحبونني ويعتنوا بي أكثر من اللازم . وقد كنت أتنقل من بيت لآخر مصحوبا بصديق مغربي أيضا إسمه( بوشنافة) لا زال هناك لحد الساعة.
كانوا يسمحون لنا بأن نشاركهم كل شيء ببيوتهم بما في ذلك اللباس . لم أر قط أناسا كرماء مثل هؤلاء . كما كان المقر محاذيا لحانة
صاحبها رجل برتغالي تابع للحزب . وكان بالمقر ممر يؤدي إلى الحانة نستخدمه عندما يداهم البوليس المقر وكان لا يحدث ذلك إلا نادرا.
تعرفت في هذا الجو على سيدة متزوجة بأستاذ جامعي ولها معه بنت مراهقة وطفل صغير لا يتجاوز الخمس سنوات . كنت آخذه صباحا نحو
المدرسة وكانت تطلب مني أن أدخل وأتصل بهيئة التدريس وأشرح لهم أفكار الحزب تسميها هي ( plat form ) لكنني لم أكن لأفعل لأن لغتي
الفرنسية ضعيفة . كانت هذه السيدة تميل إلي بشكل ملفت للإنتباه. كانت تقول لي بأن عيني تشبهان عيني جدها إلى حد كبير. وقد نبهني الرئيس
إلى كونها سيدة متزوجة فطمأنته بأنني ليست لدي أطماع جنسية أو غيرها مع هذه السيدة . وفعلا كنت أحترمها إحتراما عظيما . وقد كنا اثنان
ننام ببيتها وقد وضعت لنا فراشين بالصالون جنب البيانو الذي كنت أعزف عليه رغم عدم إلمامي بالعزف. كانت إبنتها المراهقة تنزل كل صباح
من الطابق العلوي للبيت فتقوم بتغيير لباس نومها بلباس مدرسي وتتعرى أمامنا ونرى جسدها الرائع فنكاد نصاب بالجنون . وقد أراد صديقي
أن ينهض إليها فمنعته وحذرته من تصرف غير لائق مع مراهقة بريئة . لكنه قام وعضوه منتصبا داخل التبان ومر من أمامها . ومنذ ذلك
الحين لم تعد الفتاة تنزل كعادتها لتغيير ملابسها أمامنا .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:55 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا/18/
07-12-2008, 12:44 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36716


هؤلاء الناس الذين يدافعون عن حقوق المهاجرين هم أعضاء في الحزب الشيوعي البلجيكي والذي
يطلق عليه/a.m.a.d.a / . هم ليسوا عنصريين كالآخرين من مواطنيهم . فقد رأيت مرارا وبأم عيني
عندما يأتي شخص مهاجر ويقف بجانب أشخاص بلجيكيين في محطة الحافلات كان هؤلاء يتحركون
مبتعدين قليلا عن الشخص المهاجر كما لو أنه مصاب بمرض معدي . لكنني في الحقيقة لا أعاتبهم
لأن بعضا منا يستحق هذه المعاملة وربما يستحق نفيه خارج البلد لأسباب عديدة ومنطقية.
عندما كنت أدخل بيوت أعضاء هذه الحركة التي تدافع عن مصالح المهاجرين ألاحظ بأن حياتهم منظمة ويعيشون في رفاهية وكنت أسأل الرئيس / كيف تدعون الشيوعية وأنتم تعيشون عيشة رغيدة ؟ / فكان
يجيبني قائلا / إسمع أيها الرفيق فولار إن المواطنين البلجيكيين كلهم يتوفرون على أسباب العيش
الكريم /.
كانت منازلهم مرصعة بصور ماوتسيتونغ وكانت لديهم كتب بأغلفة حمراء باللغة العربية تتحدث عن الفكر
الشيوعي الماوي وكانت أوراق هذه الكتب صفراء ومكتوبة بالحروف التي تكتب بها عادة الكتب الدينية
وذات ليلة نمت في حجرة مليئة بهذه الكتب . لكنني لما قرأت بضع سطور منها أحسست
بالحاجة إلى النوم . لم يكن قط الفكر الشيوعي قادرا على استقطابي لكنني دائما كنت أحترم مختلف التيارات الفكرية والسياسية بما في ذلك الفكر الفاشي.
كنت أستغرب من تصرفات تلك السيدة التي كانت تسلم إلي إبنتها الصغيرة كي ألحقها بمدرستها .
كنت أقول في نفسي / ألا تخشى هذه السيدة من أن أختطف إبنتها وأنا الغريب عنها وتجهل كل شيء عني وعن نواياي ؟/ . كيف لا تخاف على إبنتها الصغيرة البريئة وهي في قبضة رجل مهاجر
وغريب ؟ فقد يكون سيئا أو عدوانيا أو سيكوباتيا مثلا ؟.
كان بينهم شخصيات كنت أحدس علو مقامهم من خلال مشاهدة ورصد سلوكهم وهم يختلطون بنا من
حين لآخر . فقد كنا نقصد مكانا خاصا / بدا لي أن صاحب هذا المكان عضوا من جماعتهم / ونتناول هناك
وجبة العشاء التي كانت كعادتها / سباكيطي بالكفتة والجبن المطحون وصلصة حارة / مع قدح رائع
من الجعة الجيدة. ولم نكن نسدد ثمن هذه الوجبة بتاتا . فقد كانت ربما مسددة مسبقا من لدن الجماعة
وكانوا دائما متواضعين وعاديين ويحبون الخير للجميع وأمميين في عقلياتهم. كان بينهم عضو مغربي
قديم في حركتهم ويتوفر على أوراق البلد . علمت فيما بعد أنه تم اعتقاله بالمغرب لسنين طويلة ثم
رأيته منضما فيما بعد مع حزب الإستقلال . وحينما كنا ببلجيكا لم نكن على علاقة حميمية كنا على خلاف
واختلاف . وذلك لأسباب لا داعي لذكرها فكل رأس تعجبه طناطنه كما يقال وهذا موضوع آخر .
الفترة الزمنية التي قضيتها في كنف هؤلاء جعلتني أحترم غير ي مهما كان مختلفا عني لأن الإختلاف
لا يفسد للود قضية بشرط أن يكون هذان الشخصان متحضران .
زوجة الرئيس كانت سيدة حقوقية دخلت يوما بالصدفة إلى حانة البرتغالي المحاذية للمقر . فضبطتني
مع بعض الرفاق ندخن الماريوانا خلسة . فوجئت بها تبكي وتقول لي / أأنت تدخن هذه المادة الضارة
يافولار ؟/ كانت تبكي حقيقة . قلت مع نفسي / سيدة لا تربطني بها علاقة قرابة أو عاطفة تبكي من أجلي ؟ هذا لم تفعله من أجلي والدتي /. مثل هذه النمادج الإنسانية علمتني الكثير علمتني محبة الناس
على اختلاف جنسياتهم وعلمتني أيضا أن أكره أقرب الناس إلي إذا كانوا يستحقون مني ذلك.

محمد رشدي
18-12-2011, 12:56 PM
كائن بلا حواس
08-12-2008, 02:34 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36754


طار نحو الأعلى
نحو الفضاء اللا متناهي
كان يتجه بسرعة الصاروخ مخترقا طبقات السحب الكثيفة
تماما كما يفعل السوبرمان في الأفلام
أو أكثر بقليل .
عاين سهولا شاسعة بلا جوار
ألوانها ليست كالألوان التي يعرفها لدى الأعماق
وأنهارا بديعة ماؤها بلون النوم
وجبالا بقمم لا تشبه القمم في شيء
وجد الفضاء أكبر وأشمل من وصف الكتب القديمة
أكبر من العيون
راعه وجود طابور أكوام من السحب كالصوف تسير بتؤدة
نحو أبعاد متشعبة لا تخضع للسمع أو للإدراك المبهم
لم تكن هناك كائنات لحمية في محمية بلا منازع
ولأنه كائن لحمي في محمية متنازع عليها
فقد كان من اللازم عليه أن يبدل لباسه بآخر يقيه من فيروسات فضائية
فيروسات من غير الممكن ضبطها داخل المحور
وهو الذي يرى السماء فراغا مطلقا
يلفها صمت مطلق لكن الطنين كان هناك ذكره بطنين الصيف
لم يكن هناك حضور للشمس ولا للقمر كلص
كذلك لاحظ خلوا للرغبات
كان الظلام مضيئا ولا يتحرك
أما الكلام أو اللغو لم يكن هناك كمطلب
لا جدوى منه
لم يجد من يبادله الكلام والرأي
أراد أن يجرب فأصدر صوتا فكان يذوب فور خروجه من الفم
أراد أن يشم فذابت الرائحة قبل أن تلج جيب الأنف
أدرك أنه ضيع حواسه هناك في جنح الفراغ والصمت
قفل راجعا نحو معقله الأصلي ولما وصل
كان كل شيء بالنسبة له قد فات
أشياء كثيرة اختفت
لم يجد سوى ما يشبه محطة قطار
كائنات صاخبة ترحل وأخرى تحل وتصل
للمكان
كلها كانت كائنات بلا حقائب
حاول أن يندمج في لعبة اللحم
وجد نفسه غير قادر على السفر أو البقاء
فكر في أن يطير من جديد إلى الأبعد
هو الفعل الوحيد بقي لديه
فقد الحياة والموت معا
الآن صار ريحا تتسكع في الأعالي
وحيدا بدون سبب ولا مبرر.
......................
5/12/208 الباريو مالقا / تطوان .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:57 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا /19/
09-12-2008, 10:18 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36793


في بروكسيل كنت أعيش أحداثامختلفة بأحداثها حلوها ومرها . وكنت أنتقل ما بين مقر الحركة التي تدافع عن المهاجرين ومنزل صديقي الذي كان يأويني مؤقتا. كنت أشعر وأنا بمنزله كأنني في بيتي
وكان كريما معي ويحترمني . وكنت أتراسل أيضا مع صديق يقيم بالدانمرك الذي ربط لي إتصالا
مع صديق آخر بهولاندا كان رفيقنا في مرحلة الصبا والدراسة .
كانت ظروف بلجيكا آنذاك صعبة بالنسبة لمن لا يتوفرون على بطاقة الإقامة . وكان من حين لآخر تصادفني دورية الأمن بالشارع فيتفحصني رجالها بنظراتهم لجس نبضي وكنت أبحلق فيهم إلى أن
ينسحبوا إلى حال سبيلهم لأنني لم يكن لدي شيء أخسره . وقد حدث يوما كنت مرفوقا بصديق
يحمل رخصة مؤقتة بينما أنا لا أتوفر إلا على جواز سفري . وعند إنعطافة زقاق فوجئنا بدورية الشرطة
راكنة سيارتها جانبا تتصيد الغرباء . تقدم نحونا رجل الأمن وطلب أوراق الهوية فناولته جوازي بينما
الرفيق أعطاه رخصة مؤقتة يطلقون عليها / papier minister/ وهو بمثابة بطاقة الإقامة المؤقتة .
تفحص جوازي وسألني إن كانت لدي البطاقة فقلت له بأنني لا أحتاجها لأنني مجرد عابر نحو هولاندا
أخذ الرجل جوازي ورخصة مرافقي واتجه نحو السيارة حيث شركاؤه فتم الإتصال بالمركز وبعد حوار
بين هذا وذاك تم إرجاع الجواز إلي والإحتفاظ بصديقي ورخصته ثم انصرفت لحال سبليلي .
على هذه الوتيرة كانت تمر الأحداث ليس بالنسبة إلي فحسب وانما كذلك بالنسبة لكل المهاجرين
بما فيهم من يملكون بطاقة الهوية القانونية . لم أكن أرى تلك الحياة جديرة بأن يحياها الإنسان . كان
السكان الأصليين لا يحترمون المهاجرين ولا يقيمون لهم وزنا عادلا . حتى الأحياء التي يسكنها
المهاجرون قلما تجد فيها أشخاصا من البلد الأصلي. فحي / شكاربيك/ هو حي للمهاجرين المغاربيين
باامتياز. وكذلك هو الشأن بالنسبة لحي / مولامبيك/ الدكاكين والمقاهي أصحابها من المهاجرين .
وحينما تدخل مثل هذه الأحياء تجدها لا تختلف عن أحيائنا ببلدنا الأصلي .
ذات يوم ونحن ببيت الصديق بريشة جاءنا شخص من معارفه ومعه فتاة بلجيكية شقراء وجميلة .كنت أظن أن الفتاة عشيقته أو حبيبته لكنه بعد قليل ودعنا وانصرف تاركا الفتاة معنا . عرفت فيما بعد أنها
مصابة بالشبق الجنسي . ضاجعها صديقي أمامي مما جعلني ذلك أنسحب إلى المطبخ . كانت
تصرخ بشدة أثنا ء ممارستها الحب . مما يوحي بأنها شادة أو مريضة . طلب مني الصديق أن أمارس
الحب معها فارتبكت . كيف يمكن لي أن أتناوب على الفتاة مع شخص آخر . لكن صديقي ألح علي
بينما هي تشير إلي أن أجلس معها على حافة الفراش . كنت مرتبكا فلم أفلح ولم يحدث لي الإنتصاب.
إلتحق صديق يسكن بنفس العمارة فقام بممارسة الحب معها أمام أعيننا كانت تريد المزيد . قضت
ليلتها بفراش الصديق وصباحا إنصرف إلى العمل وبقيت معي في خلوة . قلت ربما سأفعل الآن وقد
أفلح لكنني عجزت من جديد فصرخت في وجهي لماذا ؟.
قضيت الوقت كله أفكر في حالة هذه الفتاة . وقد شاع خبرها في العمارة التي كانت سكنا للمهاجرين
العازبين . وقد حضر أحدهم عندما كان صاحب البيت موجودا وطلب منه أن يسلم له الفتاة عندما يقرر
الإستغناء عنها . وذلك ما حدث بالفعل فقد قال لها أخيرا / ستنتقلين إلى منزل جارنا / فوافقت في الحين وهي سعيدة . فانصرفت للبيت المجاور داخل العمارة حيث كان ينتظرها الآخرون . وتلك كانت
رغبتها . تأسفت كثيرا لحالة هذه الفتاة كان بها هوس جنسي لا يصدق وفكرت أيضا فيما إذا كانت
لها أسرة أم لا .

محمد رشدي
18-12-2011, 12:58 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-20-
15-12-2008, 08:43 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=36951


ذات يوم أحد كان صديقي بريشة في عطلة أسبوعية وكنا نجلس ثلاثتنا في بيته منتظرين وجبة الغذاء
الذي كنت أنا من قام بطهيه. كان صديقنا محمد الطويل قد إلتحق بنا للتو قادما من المغرب . فجأة رن
الجرس من الباب الرئيسي للعمارة وبإطلالة من النافذة رأيت في الأسفل شخصين لي بهما معرفة عابرة لكن الصديق صاحب البيت يعرفهما جيدا وكذلك هو الشأن بالنسبة لكل المهاجرين تقريبا فهما
معروفان ببخلهما أكثر مما يعرفه القراء عن بخيل الجاحظ . سمحنا لهما بالدخول بعد أن نبهني صديقي
كي لا أحضر الطعام إلا حينما ينسحبان . فقد شرح لي كيف أن من عادتهما أن يبحثا عمن يطعمهما
أو يسدد شيئا نيابة عنهما أثناء وجودهما بالأماكن العمومية . لقد كان الجميع يعرف عنهما هذه العادة
السيئة والتي تبعث على التقزز والإمتعاض . كنا نجلس والحديث يتشعب بيننا وكنا نتوقع خروجهما
بعد حين لكنهما على ما يبدو فقد إشتما رائحة الطعام وكانا بحكم دهائهما متأكدين من عدم تناولنا له بعد.
لذا بقيا مصرين على المكوث معنا لغاية تقديم الطعام .
أحضرت الطعام وأنا أنظر للصديق نظرة لها معنى واحد وهو أنهما لن يخرجا إلا بعد التهام وجبتنا .
عند حلول المساء قاما مودعين وأصرا علي كي أرافقهما إلى بيتهما لمعرفة المكان والعنوان فاعتذرت
لكنهما أصرا علي كما لو أنهما يرغبان في استضافتي . رافقتهما ولما دخلنا بيتهما كان أول شيء قاما
به هو إخباري بأن قارورة الغاز فرغت وبأن الدكان مقفول فاعتذرا عن عدم تقديم ولو كأس شاي .
هذا كان كافيا بالنسبة لهما كي لا يتم تقديم أي شيء إلى أن حان وقت النوم .
كان بالمطبخ سرير مهتريء بلا غطاء فلربما إلتقطاه من أحد مزابل بروكسيل . سلمت أمري للأمر
الواقع وقبلت بالنوم عليه والندم ينهشني بسبب مجيئي معهما . كان البرد قارسا بشكل مخيف فلم
أستطع النوم ورغم خجلي فقد حاولت أن أتجلد بالصبر لكنني لم أستطع النوم بسبب البرودة الرهيبة
فاعتذرت إستعدادا للإنسحاب .
لما خرجت وأقفلت الباب من ورائي سمعتهما يضحكان ويقهقهان . وبينما أسير في طريقي نحو
البيت الذي أتيت منه أصبت بالذهول والدهشة مما عاينت ومن أمثال هذه النمادج البشرية الخبيثة
واستغربت كيف أنني لم أسيء إليهما ليفعلا بي ما فعلاه ثم يقهقهان بصوت مرتفع متلذذين بإهانتي
وهما يعرفان بأنني لم أفعل إلا الإحسان إليهما ضد رغبة صديقي وصاحب البيت الذي يأويني .
كان واحد منهما فنانا تشكيليا رديئا أما الآخر فقد كان حمارا بشريا من النوع الرديء أيضا . وكما يقول
المثل العربي ( لقد وافق شن طبقه ) وندمت كثيرا على اصطحابهما إلى منزلهما كان علي أن أرفض
إصرارهما .
شاءت الظروف بعد سنين طويلة وكنت بتطوان فإذا بأحدهما جاء يبحث عني بلا حشمة . ومن سوء
حظه كنت خلال تلك اللحظة ثملا . ولما حضر ليصافحني تركت يده مبسوطة دون أن أعيرها اهتماما ووجهت إليه سؤالي بخصوص تلك القهقهات التي صدرت عنهما أثناء خروجي من بيتهما ليلا قاصدا بيت صديقي فلم يجد ما يقوله وبقي محملقا فبدا لي وجهه وجه كلب . فأعطيته درسا قاسيا أمام من
كان برفقتي وقلت له ( أغرب عن وجهي أيها الكلب الأجرب ).
ثم حكيت لمن كان معي القصة كاملة وختمتها بهذا البيت الشعري الحكيم
( إن أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمر د .

يتبع-

محمد رشدي
18-12-2011, 02:12 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-21-
17-12-2008, 08:12 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37042


كان الجو العام في بلجيكا وأوربا عموما يتسم بالعنصرية . فأبناء البلد لا يطيقون المهاجرين باستثناء
شريحة منهم كانت تتعامل بشكل طبيعي مع الغرباء مثلنا .
دخلت يوما إلى حانة عادية لكن صاحبها رفض وجودي وطردني مشيرا علي بيده كي أغرب عن وجهه
ففعلت . وللتو دخلت حانة أخرى متاخمة لها فعاملتني نادلة وكانت سيدة في منتصف العمر بأدب واحترام . ربما بعض من هؤلاء لهم أسبابهم هكذا فكرت . لأن بعض المهاجرين منا يتصرفون تصرفا يندى له الجبين وهناك من يقترف جرائما لا يطيق الإنسان سماعها. وذات يوم كان الجو حارا زرت
مسبحا عموميا وكان طبعا هناك مهاجرون وقد تزامن وجودنا مع حضور أطفال مدرسة ما صحبة مدرسهم
لاحظت هذا المدرس وهو يتوجس خيفة منا وكان خائفا على تلامذته لأنه كان يحافظ بشدة على جعل
المسافة الكافية بيننا وبين الأطفال . كان يبدو مذعورا . وكنت أقدر فيه تلك الروح المسؤولة . رغم
الإساءة التي كنت أحس بها كمهاجر . كنت دائما أجد الأعذار لهؤلاء لأنهم يبحثون بها عن سلامتهم .
إننا متخلفون ويجب أن نعترف بذلك . وهي الحسنة الوحيدة التي يمكن أن نحصل عليها لكي نعالج
آفاتنا . نحن نعاني الكبت وهذا واضح فكيف لا يخشى الرجل على مسؤوليته إزاء هؤلاء الأبرياء وهم أطفال ضعاف ؟ يجب أن نعترف بواقعنا المؤلم فلسنا كلنا صالحون ولا هم أيضا . ثقافة مجتمعنا
يرثى لها ولذا لم تعط أية نتيجة إيجابية وهذا يجب أن يكون مفهوما على الأقل لدى البعض منا . وإذا
تأملتم معي في أعماق سكناتنا وحركاتنا سوف تفهمون بشكل أفضل . نحن عنصريون أكثر منهم بشكل فظيع . مثلا
سبعون في المائة منا أميون تقريبا
أربعون في المائة تقريبا عاطلون عن العمل
أو يعيشون بطالة مقنعة وبدون تغطية صحية وبدون حقوق عامة ويعانون اضطراب كلي نفسي .
ومن ومن ومن الخ ....
فهل هناك عنصرية أكبر مما هي لدينا ؟
لهذا السبب بالذات كنت دائما أتفهم هؤلاء وهؤلاء وأولائك الذين على بالكم . وذلك قبل أن الأعذار
لنفسي . كثيرة هي الأماكن التي لا نستطيع دخولها في هذا البلد . وكثيرة أيضا هي الأماكن
المسموح لي بدخولها ولكنني أخجل من ولوجها من تلقاء نفسي وبإرادتي . هم يريدون التخلص
منا فلا يفعلون لأنهم يؤمنون بحقوق الغير وبرأي الغير ما دام هذا الغير يتوفر على قوانين البلد .
ثقافتهم تحتم عليهم هذا المسار . إعطاء لكل ذي حق حقه . بينما نحن غير ذلك وهاكم الأمثلة الحية
فالجزائر مثلا ( فقط مثلا لا غير ) عندما نشب النزاع بين هذه الجارة والمغرب . قامت الدولة وأقول
الدولة . قامت بطرد المغاربة المقيمين بالبلد( بطريقة قانونية ) طردتهم بطريقة مهينة من الجزائر
وجردتهم من كل أملاكهم أي سرقت عرق جبينهم الذي تصبب لعقود طويلة تصوروا معي أنها انتزعت
منهم فلذات أكبادهم أيضا وزوجاتهم الجزائريات ومنهم من حصل لي الشرف بمعرفتهم بصفتي كاتب عمومي حكوا لي كيف تم الإعتداء عليهم واهانتهم وأرسلوهم حفاة . فهل هناك عنصرية في الكون
مثل هاته ؟ هؤلاء لا يمكن لي أنا شخصيا أن أحسبهم بشرا ولسيما حينما يكونون في موقع المسؤولية . كذلك ليبيا أيضا وعليكم أن تستمعوا لمن هاجر إليها للعمل . أو على الأقل إستمعوا فقط
لقصاصات الأخبار التي حكت عن إبن الرئيس الذي اعتدى على خادمه المغربي وزوجته التونسية
وكيف قام القضاء السويسري بحجز هذا المعتدي وتم قطع البترول لأيام معدودة عن هذا البلد الذي
أجمل ما لديه هو قضاءه المستقل عن الدولة . ولا يهمنا هنا كيف أهان الرئيس وزيريه وهذا موضوع
خاص بهم طبعا . إننا لا زلنا صعالكا لكن ليس كلنا .
لذا فإنني أرى الغربيين بصفة عامة أقل إيلاما لنا من إخوتنا في الأرومة والدين واللغة وأشياء أخرى
فلم يكن من السهل الإندماج بين ثقافتين متناقضتين وكانت الأمور غير طبيعية . المهاجرون يعيشون
بأحياء خاصة بهم بينما أبناء البلد يحيون فيما بينهم وهذا من حقهم ومن ثقافتهم .
في هذا الجو وعندما كنت منزويا بكهفي سمعت رنة الجرس وبإطلالة من النافذة رأيت صديقي محمد
الخمسي واقفا أسفل العمارة بجانب سيارته الفارهة بمعطفه بوبر حيوان نادر فقلت لقد إنفرجت
كربتي لأنه صديق صباي ويفهمني كما يفهم الأخ أخاه .
بعد العناق قال ( معك جواز السفر ؟ ) قلت نعم
امتطينا السيارة وكان يشرح لي كيف حصل على عنواني وكيف أخبره صديقنا من الدانمرك عن حالي
ففوجئت به خرج عن العاصمة البلجيكية متجها نحو هولاندا . قلت له يجب أن آخد حقيبتي لكنه لم يعبأ
إكتفى بالقول ( ينتظرك بيت مجهز بكل ما تحتاج إليه ). وانطلقت السيارة كالسهم إلى غاية العاصمة
الهولاندية دينهاخ الجميلة والهولنديين الطيبين .
-- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 02:14 PM
الجزء الثاني من سيرة البسيط والهيئة العليا-22-
19-12-2008, 12:02 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=37101


دينهاخ عاصمة هولاندا الجميلة
مدينة هادئة وشوارعها نظيفة بشكل ملفت
بناياتها تكاد تكون معظمها بالقرميد وبلون خاص أهلها أناس طيبون ومسالمون
يسمحون للأجنبي بالإندماج معهم عكس ما هو الأمر عليه عند جيرانها
لم أر بهذه المدينة آنذاك أحياءا خاصة بالمهاجرين بل لا حظت هناك نوعا من الإندماج
أهلها يحبون الورد بشكل يثير الإعجاب والطمأنينة
حدائقها مفتوحة على الأنظار إن الخاصة منها أو العامة
كان هذا هو الجو السائد خلال تلك الفترة من أواخر الستينات وأوائل السبعينات
لكن الأمور تغيرت حاليا حسب ما تناهى إلى علمي أحيانا من الأصدقاء وأخرى من قصاصات الأخبار
لقد إنتشرت تقاليد جديدة بين المهاجرين أنفسهم والأسباب سأحتفظ بها لنفسي حتى لا يصيبني
ألم دون سبب .
العالم كله أصيب بالرعشة فالإرهاب تمكن من النفوس الضعيفة ولن أشرح أكثر
وصلنا منزل صديقي محمد . قدمني إلى زوجته الهادئة المتخلقة .
تسلمت حجرتي الخاصة بجانب حجرة أخ الزوجة
(إعتبر ياأحمد البيت بيتك ). أليست هذه الأرض طيبة بما فيه الكفاية ذلك ما قالته السيدة بنت البلد.
لكنني بطبيعتي الخجولة والحرج الذي أصاب به في مثل هذا الكرم .طلبت من صديقي أن يعجل
بمساعدتي على إيجاد الشغل في أقرب وقت ممكن كما وعدني لكنه قال ( لسنا على عجلة من
أمرنا ) فلم أجد إلا أن أذعن .
تعرفت على أشخاص هولانديين وآخرين مهاجرين
كان شتان ما بين هذا وذاك
كنا نؤم بارا صاحبه جزائري الجنسية الأصلية متزوج ببنت البلد ولهما طفل كالقمر
بالحانة يشتغل مهاجر مغربي يقول بأنه هارب من المغرب كسياسي وطلب اللجوء السياسي
وحجته إنتفاضة البيضاء
كانت السيدة الهولاندية سيدة محترمة وبأخلاق عالية لكن زوجها الجزائري كان يخونها مع عشيقته
الجزائرية . يوما إستعملني كوسيلة لإحضار العشيقة للبار ودون علم مني . لما رافقته قدمني إليها
وجئنا الثلاثة وشربنا داخل الحانة كؤوسا قدمتها لنا السيدة التي لم تكن تعلم . أخيرا أخبرني صديقي
باللعبة . كنت أؤدي دور العاشق دون أن أعلم بينما الخائن لزوجته كان يعلم .
تعرفت أيضا على دكتور هولاندي ودائما صحبة صديقي . تطوع بمحض إرادته كي يساعدني على إيجاد الشغل وحمل همي كي أحصل على العمل وأوراق البلد ولا داعي لإحصاء حسناته . كان
رجلا يحمل أفكارا مختلفة فقد أخبرني بأنه ترك وصية لأهله لكي يحرقوا جثته عندما يموت كان يفكر
في الموت كالهندوس . قال بأنه لا يريد أن يدفن . كنت أعرف أنه حر . كان رجلا طيبا ونبيلا وديمقراطيا
حتى النخاع . ولما كنت أتكلم وأطرح أفكاري كان صديقي مثلكم يقمعني ويريد إسكاتي فقال له
الرجل ( لا . إن له أفكارا حرة ومن حقه أن يطرحها على جميع الناس ) . لكن صديقي كان له رأي آخر
مثلكم . يريد أن أكون هو . وهذا سيساهم في فتح هوة بيننا فيما بعد.
جواز سفري أشرف على إنتهاء صلاحيته . اتصلنا بالقنصلية المغربية . قال المسؤول علي أن أجدد جوازي في المغرب . قلت له وما وظيفة القنصلية إذن ؟ قليل من التوتر كان كافيا لأنسحب .
الناس هناك من أبناء البلد يريدونني أن أبقى
بنو جلدتي يريدونني أن أرحل
كانت ردة فعلي شبيهة بما فعله بسترناك
عدت إلى وطني فأنا أكثر وطنية من غيري
وعلقت الجواز إلى الأبد ومنذ ذلك الحين وأنا هنا .
\[/COLOR]

محمد رشدي
18-12-2011, 02:16 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا- 1 -
19-06-2009, 05:54 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40872


مقدمة لابد منها
---------------

وأنا سأشرع في كتابة الجزء الثالث والأخير من سيرتي ( البسيط والهيئة العليا - لا يسعني إلا أن
أضع مقدمة قبل الدخول في الأحداث المنقوشة على ذاكرتي لأقول للقاريء بأن كتابة هذه السيرة جاءت مختزلة ومختصرة بشكل كبير للغاية . فقد تجاهلت عن قصد تدوين أحداث مهمة وعديدة لا حصر لها وكان لزاما علي أن أفعل . لأن سيرتي لا أظنها تشبه سيرة أحد مهما كان أو مهما علا شأنه . سيرتي شاسعة شساعة تستحق التثمين وأحداثها لا تعد ولا تحصى ولهذا السبب بالذات كتبت الجزء الأول والثاني بطريقة مفاجئة لأسباب يعرفها مصطفى مراد . كتبتها بتلقائية وبسرعة
مفرطة أثرت عليها بشكل من الأشكال لأنني كنت مجبرا على ذلك . فقد حسبتني أختار الأحداث التي أراها مهمة فوجدتني من جهة أخرى أو بشكل ما نسيت أو تجاهلت ما هو أهم وأنفع وحتى
أنني لا أدرك هذا الأمر إلا بعد فوات الأوان. ظروفي فرضت علي ذلك . فأنا لا يمكن لي بحال من الأحوال أن أوفق بين واجباتي المهنية والعائلية التي تتطلب كل وقتي وتركيزي . وبين متطلبات الكتابة لاسترجاع ذاكرتي وأنا أعاني مشاكل إضافية متنوعة ناتجة عن صدام دائم مع الحياة والأفراد منهم من هم أقرب الناس إلي . فالحياة دائما تفاجئني ولا زالت إلى حد الدهشة والانبهار كأنها تقول لي ( أنت أو لا أحد ) . ثم أنني لا أدري إن كانت هذه السيرة قابلة للإنتهاء في هذا الجزء الثالث بالذات أم علي أن أضيف أجزاءا أخرى متعددة وربما تكون تلك الأجزاء التي لم تنجز بعد هي الأهم والأصح بالنسبة للبعض . فخلال هذا الجزء الثالث بالذات وجب علي أن أتطرق إلى أحداث مهمة من تاريخ بلدي لأنها أتت في سياق زماني ومكاني مزدحم
أيضا بالمفاجآت الخطيرة وقد كان زخم هذه المرحلة مؤثرا بالضرورة على سيرتي وحياتي ولسيما وأنا الآتي من أوربا الحرة الملتزمة بحقوق الإنسان في حين كان وطني حينذاك يمر
بسنوات صعبة أطلقوا عليها فيما بعد ( سنوات الرصاص ) كانت تلك الحقبة لا تعير أي اهتمام لحقوق الناس وكان جهاز المخابرات يركز على أمثالي لأنه كان يحسب هؤلاء كما لو يشكلون
خطرا على النظام العام للبلد. في حين هؤلاء المشتغلين بحفظ الأمن بقمعهم وشكهم البالغ
الحساسية هم من كانوا الخطر الحقيقي على سمعة الوطن في الداخل والخارج . وقد أثبتت
الأيام صحة ما أقول بما لا يدع مجالا للشك.
كانت ظروفي صعبة بأحداث متشابكة متعددة جعلت مني كبش فداء ومعاناتي كادت تودي بصحتي النفسية والعقلية وصلت بي حد رؤية أشياء وهمية وسماع أصوات وهمية كذلك لم يكن
لها أثر إلا في ذاكرتي المتعبة وصمودي كان في صالحي رغم وجودي في قلب العاصفة.

- المؤلف -

محمد رشدي
18-12-2011, 02:17 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا- 2 -
21-06-2009, 11:55 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40906


أخيرا رجعت إلى وطني إلى تطوان المدينة التي تشوهت وتحولت من حمامة بيضاء وديعة إلى غراب
داكن اللون والسمعة . قررت أن أضع حدا لترحالي عبر أقطار المعمور . والذي لم يفدني في شيء من الجانب المادي . لكنه معنويا جعلني أدرك - وعن كثب - الفرق الهائل بين المجتمعات المتحضرة والمتقدمة والقوية والأخرى المتخلفة والضعيفة . عرفت جيدا أين هو موقعي وأين هو موقع عالمنا المتخلف والعجائبي. أدركت أيضا أن أوربا للأروربيين وليست لنا نحن الآتون من أصقاع التيه والعبث
بسحناتنا الدكناء وتقاليدننا المزعجة . لذا كانوا يتعاملون معنا بنوع من الحذر والتوقع أيضا. ومن إختار
منا ( رغم أنفه ) العيش بهذه المجتمعات الراقية عليه كذلك أن يقبل بوضعه الهامشي ويتحمل
نظراتهم القاسية والساخرة . فرغم قوانينهم المنصفة لنا بكثير مراعاة بقوانيننا المجحفة . ورغم احترام تلك القوانين لحقوق الإنسان التي تساوي بيننا وبينهم في الحقوق والواجبات إلا أن مواطنيهم لهم رأيهم الخاص . ثقافتنا الشرقية وتكويننا الأخلاقي والإجتماعي غير مستساغ من طرف هؤلاء فهم مقتنعون بأن الشرق شرق والغرب غرب . ولهذا نجد دائما الأجانب ( العرب والأفارقة) يعيشون في غيتوات على هامش المجتمع وفي وضعية غير لائقة وهم دائما موضوع شبهة .
هذا هو السبب الأساسي الذي حذا بي إلى العودة رغم أنني كنت مقتنعا ومعجبا بمنطق هذه الحضارة المبهرة لكنها ليست حضارتي ولا حضارة قومي الذي أنتمي إليه وعلي أن أعترف
بذلك .
كان جو المغرب مكهربا خلال منتصف السبعينات . وذلك على إثر الأحداث السياسية الخطيرة والمؤلمة الناتجة عن إنقلابات فاشلة قام بها متمردون عسكريون خانوا الملك مما جعل النظام
يأخذ الحيطة والحذر في كل من تبدو عليه أمارات الرفض والمعارضة . حقبة سميت فيمابعد بسنوات الرصاص . كانت أثناء تلك الفترة إختطافات تتم في واضحة النهار ومحاكمات غير عادلة وقاسية وتم إطلاق يد معاوني السلطة لتزج بالمواطنين الشرفاء والأبرياء في المعتقلات لأسباب واهية . المهم كان هو حفظ النظام ولو على حساب الحريات الفردية والعامة .
لم تكن لدي شهية الإنضمام إلى أي حزب من الأحزاب الوطنية لأن الشأن السياسي كان
يبعث على التقزز والغثيان . وكان التسيب هو السائد والإنبطاح الأعمى . لكنني لم أكن أخفي
تعاطفي مع حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية آنذاك. أيام الرجل العظيم الراحل عمر بنجلون وجريدته - المحرر - وكان ذلك يزيد من معاناتي ويعرضني للخطر . فقد كان بعض الخصوم
حينما أمر من أمامهم يشتمون الحزب المذكور لإثارة حفيظتي . لكن بوهيميتي ساعدتني كي
أنحو بعيدا عن التجمعات السياسية في حين موقفي كان سياسيا محضا و واضحا للجميع ومعلنا
بشكل سافر لحد التحدي .
كان علي أن أبحث عن عمل واتصلت بمكتب التشغيل وأرسلني إلى وكالة أسفار تحتاج إلى
مستخدم إداري وكانت هذه الوكالة لشخص معروف بالمدينة ما أن قابلته حتى بدا لي كما لو
أنه موافق على تشغيلي بمؤسسته لكنه اشترط علي تغيير هندامي بآخر أنيق واستغربت
كيف أفهمني بأنه علي أن أتصل بالعمال بالمعامل في حين لم أر رابطا يربط هذا العمل بأي
شكل من أشكال المعامل والعمال لكنني في نهاية الأمر عرفت أنها كانت سخرية مني لأن
الغبي كان يظنني مناضلا عماليا . حدد لي موعدا في الغد على الساعة السادسة ولما حضرت
ما أن دخلت الوكالة وجدت رب العمل يتوسط جماعة من أعيان المدينة فبادرني مهينا إيا ي
( أغرب عن وجهي وأشار بكلتي يديه كي أخرج ) بقيت محملقا لا أدري ماذا يحدث للحظة ثم
خرجت محطما وكنت غاضبا لأنني لم أستطع دفع الإهانة عني فقد كان الشرير الخبيث محتميا
بمن معه ولو كنت جاوبته بما يستحق لأصبحت في السجن لا محالة . كنت أيضا كلما زرت مصلحة
إدارية عامة من أجل وثيقة أو شهاد إدارية لا أتلقى إلا الإهمال والإنتظار الطويل . بدا لي كما لو كنت أتعرض إلى الإضطهاد الممنهج . تصور أن رجلا يبيع الكتب كنت أقتني منه بعضها. بالصدفة
كان معه رجل أمن .اقتنيت كتابا وانسحبت . لكنني لما عدت مرة أخرى طردني السافل دون أن أسيء إليه . فهمت أن رجل الأمن هو من كان وراء انقلاب الرجل ضدي .
أعترف أنني كنت مختلفا في كل شيء متمردا على الأوضاع المأفونة واشتعل نجمي الأسود
في المدينة وانطلقت الوقائع ضدي كما لو أنني في حرب حتى أهلي كانوا يكرهونني أو
يتحفظون من أمر ي وكانت والدتي تقول لي ( مصيرك الجنون ) لكنني من جهة أخرى كنت محبوبا
وأتمتع بالإحترام والإعجاب من طرف البسطاء والكادحين والمهمشين وكان علي أن أنتقل الى
هذا الوسط وأعيش فيه كريما ومناضلا بشكل من الأشكال.

محمد رشدي
18-12-2011, 02:18 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا 3
23-06-2009, 06:22 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40951


عن طريق الصدفة وبمقهى / رياض/ تعرفت عليها إسمها / م / تقيم بإسبانيا وتأتي إلى المقهى
لشرب قهوتها وتدخين سجارتها . شابة في مقتبل العمر . 18ربيعا . حسناء كلها حيوية وجمال وروعة. متمردة وجموحة لا تستسلم لسلطة المال لا ترضخ لمن يريد بل ترضخ حينما تريد .غير
مبالية بالتقاليد المفروضة على بنات جنسها . طارحتها السرير مرة واحدة وكانت رائعة لكنها لا
تستقر مع واحد لأن ذلك ليس من طبيعتها . كلما رأت شابا جميلا وسيما تعشقه ثم تغيره
كما تغير لباسها . قلت مع نفسي لن أخسرها فلتكن حرة . وبقينا صديقين . كانت محط اهتمام
شباب المدينة وكانت بجانبي دائما أرعاها وأحميها دون أن أقيد حريتها لذا داخل مجموعتنا لم
يكن أحد يمسها حتى أنا عزفت عن ذلك . وعندما ترغب في أحد عليها أن تفعل ذلك خارج مجموعتنا ولتسرق لحظتها الخاصة . كنا نرتاد المقهى - مقهى رياض - تقابل هذه المقهى إدارة
الأمن بحي باب التوت .هنا أسسنا مجموعتنا الخاصة وكنت أتزعم هذه المجموعة من الفتيان والفتيات لا لأنني أتوفر على سلطة ما . بل فقط لأنني كنت فقيرا أكثر من غير ي وموضوعيا
وديمقراطيا في سلوكي وأحترم الجميع دون أن أحتاج إلى استثناء ما . كان من ضمن هذه المجموعة عضوا أو عضوين يمولان تحركاتنا وكان لدينا جميعا هوس موحد وطفولي وبريء فنحن
لا نستعمل العنف إلا عند الضرورة وكان سلاحنا هو الحب وحده والأخوة والإحترام للأنثى على
الخصوص فهي التي تختار عشرتها الخاصة . كنا كما لو إخترنا بعضنا البعض بشكل تلقائي عفوي
وعندما كان يندس بيننا شخص غير مرغوب فيه لا يليق بنا لأنه لا يشبهنا . كان يتم عزله بطريقة غير مقصودة أو مخطط لها حتى لا نجرح كرامته وكثيرا ما كان ذلك الشخص الغير المرغوب فيه
يفهم من تلقاء نفسه فينسحب غير مأسوف عليه ومن تلقاء نفسه أيضا .
فتياتنا لم يكن يخضعن لسلطة المال وكثيرا ما كان يندس بيننا من يظن نفسه بأنه بماله سوف يفرض شخصيته على إحدى فتياتنا لكن المحاولة دائما باءت بالفشل وكنا نعرف ذلك مسبقا.
كثيرا ما فضلنا قضاء الليلة في أماكن متواضعة للغاية حتى لا نقضيها بموضع فاخر لأن صاحب
هذا الموضع ليس منا ولا يروقنا . وكثيرا ما قضينا الليلة في النادي نفسه - تبقال نادي ليلي
بجانب مسرح إسبانيول . نقضي الهزيع الأخير من الليل داخله بعد انصراف الجميع ولا نستيقظ
إلا زوالا حينما تأتي عاملات النظافة حيث يكون علينا أن نخلي المكان . فصاحب النادي خول لنا
هذه المكرمة لأنه كان يحترمنا جميعا .
كان بيننا شاب رائع ووسيم إسمه - مصطفى شلومو -شعره حريري يسقط على كتفيه وهو بوهيمي شكلا ومضمونا ويعمل بهولاندا وكان كريما بشكل يبعث على الإعجاب . كان بيننا أيضا شاب آخر إسمه - ميكي - إبن لعمدة متزوج بستة نساء وله 35 إبنا وإبنة . عمدة بالمنطقة التي ينتمي إليها وهي منطقة ريفية خلابة بنواحي شفشاون حيث يزرع القنب الهندي بكثرة لأنه
من خصوصية المنطقة . وكنا نسافر إلى بيت العمدة الكبير ويضع صديقنا كل شيء تحت تصرفنا
وكنا نختلط مع الأجانب من مختلفي الجنسيا ت إناثا وشبانا ونحيي أعراسا حقيقية . حفلات
الفلامينكو والتدخين الخصوصي والرقص كان يشبه ذلك مهرجانا نوعا ما . وكان السلام يسود
المنطقة إحتراما للأجانب الذين يصرفون هناك عملتهم الصعبة . كنا نعيش حياة رائعة في كنف
الطبيعة وكنا نتعامل مع فتياتنا كما لو كنا أزواجا . وكان بعض الأجانب يسألوننا لما نحن لسنا
كما الآخرين من بني جلدتنا .
ذات يوم وقع ما يشبه الخصام بيننا وبين فتياتنا فجمعن أغراضهن وحقائبهن وخرجن من البيت الكبير . قال - شلومو- - يجب إيقافهن وإعادتهن فلربما يحدث لهن مكروه . قلت . لا . سوف
يرجعن بعد لحظة . وبعد هنيهة قلق من طرفنا لمحناهن راجعات إلينا صاغرات . بخطوات متثاقلة
وهادئة ودخلن البيت الكبير وحططن رحالهن وبدأن يدخن بشراهة . إنطلقنا نحن في قهقهة
مجلجلة بعدها صار الكل بقهقه بملء فمه وتعانقنا وانتهى الخصام . كنا عائلة واحدة .
كانت بيننا أيضا فتاة من طنجة تسمى - الزهرة التاطة - وهي صديقة - شلومو - شقراء بعينين
خضراوين قصيرة القامة ونحيفة . وكانت رائعة في الفراش كما يقول صديقها أما هي فكانت تقول
بأن صديقها له عضو صغير لكنه حلو . كانت هذه الفتاة تحبني وتحترمني كثيرا . لم أعرف ذلك
إلا عندما قمنا بزيارتها بالفندق الذي تقيم فيه داخل المدينة وكانت نادرا ما تنام فيه لأنها تظل
تتسكع معنا أياما عديدة دون أن تحضر إليه وكانت تؤدي ثمن الإقامة بانتظام . فوجئت عند دخولي
لحجرة نومها. بصوري معلقة بالجدران . لم أكن أتوقع ذلك . تلك الصور إلتقطت لي أثناء أدائي
لأغنية ما مع الفرقة الموسيقية أو أثناء الرقص مع المجموعة . كانت توصي المصور لكي يحتفظ
لها بالصورة كلما إلتقط لي واحدة أو أكثر . كما أن رجال الأمن يوما قاموا بمصادرة تلك الصور من محل إقامتها عندما قمن بحملة - لاراف - بالمدينة .
ذات يوم دخلت دورة المياه فالتحق بي - الصديق شلومو - ثم قال لي
يمكن لك أن تضاجع الزهرة
قلت. هذا لا يصح ياأخي مصطفى إنها صديقتك
قال. إنها تريد ذلك وأنت تعرف . قلت
مستحيل . ثم خرجنا كأن شيئا لم يكن .
كانت بيننا - ف- أيضا .... فتاة خفيفة الظل مرحة تجدها دائما تضحك وتحكي النكت فكانت تضفي على الجو مرحا وبهجة . كانت تحب صديقها وهو من المجموعة . ولا أريد أن أشرح لأنها
حاليا متزوجة وعلينا احترام الأسماء . وقد شاءت الظروف أن يتحول صديقها إلى مليونير لكنه
يحترمها دون أن يستعرض إسمها في أي حديث يدور بيننا عن تلك المرحلة .
كانت هذه المجموعة تسترعي انتباه سكان المدينة . وكنا نجلس في المقاهي الشعبية وندخن
القنب الهندي ونشرب الشاي وكان ذلك يثير فضول العامة فتلك الظاهرة لم تكن موجودة
وكانت بمثابة فضيحة بالنسبة للأنثى . وهذا ما جعل رجال الأمن يلتفتوا إلينا ويشنون من حين
لآخر حملة تكون نتيجتها قضاء ليلة أو ليلتين بمخفر الشرطة . اعتقال الفتيات وحجزهن ثم إطلاق
سراحهن . وكنا نحن نأتي إلى المقهى المقابلة لإدارة الأمن ونجتمع خارج المقهى في انتظار
إطلاق سراحهن وقد حكت الفتيات يوما بأنهن كن بالحجز وأطل رجل أمن من النافذة ورآنا مجتمعين
منتظرين فقال للآخرين
أنظر إليهم مجتمعين فقد يقمن يوما بالهجوم علينا لتحرير قحباتهم .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:19 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا 4
24-06-2009, 04:03 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=40982


مرقص توبقال يتواجد بقلب تطوان بجانب مسرح وسينما إسبانيول بل هو جزء من البناية نفسها.
داخل هذا الفضاء كنا نقضي ساعاتنا الضائعة . كانت هناك فرقة موسيقية تتكون من معارفي وأصدقائي سبق أن أسسنا معا الأركيسترا العصري التطواني التي كنت مطربا أول بها . وكنت أنا النجم الذي يطرب الفضاء مع المطربين الآخرين بهذا المرقص
دون أن أطلب الثمن لذلك رغم فقري و كانت بوهيميتي زاهدة في كل شيء.
ذات ليلة بينما نحن رابضون بركن من أركان الباحة الخاصة بالرقص جاءت فتاة معروفة تستهلك حياتها
بمدينة طنجة . وسلمت على صديقتي ( م ) وجلست معنا ثم همت بالإنصراف فسألتها صديقتي عن وجهتها فأخبرتها بأنها ساهرة مع مجموعة ما. وبأنها لو كان بإمكانها لشاركتنا جلستنا .
كان هناك ركن فوق الكنطوار مباشرة خاص بالخواص . وهذا المكان لا يشغله أحد من الزبناء فهو
دائما شاغر ولا يسلم إلا للمهمين أو للكبار إن صح التعبير . وهذه الفتاة لما رأت ( م ) هبطت لتحيتها
ثم تعود . من ذلك المكان يمكن أن تطلع على كل ما يحدث بباحة الرقص وأركان المرقص كذلك
ولكن الموجودين في الأسفل لا يمكنهم تمييز من يوجد في ذلك الركن الخاص لأنه بدون إنارة .فقط
يعتمد على الضوء الذي يتسرب إليه من الأسفل . وقد كانت تلك الظلمة الخفيفة مطلوبة في هذه
الحالات لأن من يكون هناك وحده مع صديقته يمكن أن يعتبر نفسه في حجرة خاصة به.
أرادت تلك الفتاة أن تشاركنا جلستنا وفهمنا بأنها مرغمة وليست في طيب خاطرها فهناك رجال أمن .
بدا لي ذلك ليس طبيعيا . فسألتها عن إرادتها فقالت بأنها تريد الجلوس معنا . قلت لها
يمكن لك أن تجلسي . لكنها قالت
محفظتي يحتفظ بها أحدهم وبها كل أغراضي وبطاقتي الشخصية .
قلت لها
تعالي . وأخذتها من يدها وصعدنا السلم
السلام عليكم
وعليكم السلام
وجهت سؤالي للفتاة
أين محفظتك ؟
قالت ( عند فلان ) كانت عند رجل أمن معروف بالمدينة بقسوته
قلت للرجل
السيدة تريد محفظتها
ترك بصره مصوبا نحوي بتركيز كبير ورغم خفوت الرؤية عان لي الغضب المطل من عينيه
وناولني المحفظة بطريقة بطيئة وهادئة .
شكرا قلت. وانطلقنا نحو المجموعة .
لم يحدث أي رد فعل تلك الليلة رغم الإ حتمالات . لكن في الغد وبينما نحن كعادتنا داخل المرقص
فوجئنا باكتساح المكان من طرف رجال أمن بالزي المدني واقتادوا الفتيات وحدهن نحو الفروكونيط
الأمنية التي كانت رابضة بباب النادي . صديقتي وحدها اختبأت بحجرة مظلمة مخصصة لأشياء كهربائية لم يكن أحد يطأها لما تمثل من خطر أثناء اقتحامها . عاد من جديد رجل أمن وقصد تلك الحجرة
وأخرج صديقتي ( م ) وألحقها بالأخريات.
ظللنا كلنا في ذهول وحيرة وحزن شديد .
في الغد وجدنا بالمقهى بعضا منهن لكن فتياتنا لم يكن حاضرات . سألنا عن مصيرهن فكان الخبر
مفترضا . داخل السيارة الأمنية الكبيرة تم عرض إقتراحين على المجموعة
الأول / السهر والفرفشة
الثاني / المبيت داخل مخفر الشرطة
الثلاث ميم وفاء والزهرة إخترن قضاء الليلة تحت الحجز .
بعد ثلاثة أيام سيتم إطلاق سراحهن ولم يتم تقديمهن للمحكمة فقد كن بدون تهمة .
نحن سيأتي دورنا من بعد.

محمد رشدي
18-12-2011, 02:24 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا 5
25-06-2009, 03:05 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41005


صور من زمن السيرة
.....................................

أتحفظ من إدراج بعض الصور الأخرى
لأسباب موضوعية .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:25 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا - 6 -
30-06-2009, 02:56 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41089


كانت سنة 1975 عندما طفا على سطح السياسة الدولية ملف الصحراء المغربية فقام البوليزاريو
بإجلاء سكانها الصحراويين وحشوهم داخل مخيمات تندوف كنازحين هاربين من زحف متطوعي
المسيرة الخضراء . مطالبين بتقرير المصير . تزامن ذلك أيضا مع دخول الكاوديجو فرانكو في غيبوبة
طويلة الأمد إستعدادا للرحيل . كما لعبت السياسة الدولية دورها والظروف والأقدار لعبتها . فهب الشعب المغربي عن بكرة أبيه لمناصرة قضيته الوطنية الأولى . وتعبأت الجماهير الكادحة وراء ملك
البلاد الحسن الثاني رحمه الله . لم تكن تلك الجماهير معبأة بوعي سياسي بقدر ما كانت هذه
الجماهير تطمح في تحسين حياتها المعيشية فقد كا ن الشيوخ والمقدمون يعزفون على نفس
الوتر . وقد سمعت أحدهم يخاطب الجمهور الكادح بمقهى الحي قائلا لهم ( عندما تصلون إلى الصحراء حددوا ما تريدونه من بقع أرضية وضعوا الحدود لها وسوف تتكفل الدولة بتوزيع وثائق
الملكية لأراضيكم الجديدة ) . وكانت الناس تصدق ما يقوله المقدم.
إنسحب جنود الإستعمار من الصحراء حتى لا يصطدموا بجماهير المسيرة الخضراء العزل . فقد
كانوا لا يحملون سوى القرآن في أياديهم والطموح في تحسين أحوالهم المادية والمعيشية داخل
نفوسهم. كان المغرب يتفاوض مع موريطانيا بينما الجزائر تساند وتتبنى البوليزاريو التي كان يطلق عليها اسم - جبهة تحرير الساقية الحمراء وواد الدهب - وتأجج الصراع بين المغرب والجزائر بخصوص هذه المسألة الشائكة وحصد البوليزاريو تأييد غالبية دول المعمور . وكان المغرب في موقف ضعف رغم عدالة قضيته بسبب القلاقل السياسية التي حدثت وأظهرت النظام في موقف
سلبي بخصوص قضية حقوق الإنسان. واقتسم المغرب الصحراء مع موريطانيا مما أعطى ذلك
للقضية نكهة ليست في صالح النظامين المغربي والموريطاني على السواء . وانقسمت الصحراء إلى شطرين بين البلدين . لكن موريطانيا شعرت بأن هذه الخطوة ستكون خطرا عليها فتراجعت
وسلمت وزيعتها للمغرب الذي بعد ذلك أصبح سيدا على صحرائه .
كان الحسن الثاني رحمه الله عندما يخطب ويتناول قضية الصحراء يحذر المعارضين ويعدهم
بالأذى إن هم لم يلتفوا مع الشعب من أجل القضية المقدسة وهي الوحدة الترابية . ولم يخرج
عن هذا الإجماع سوى القلة من المواطنين تم الزج بهم في المعتقلات . فقط لأن رأيهم كان
مناوئا للقضية . ومنهم على سبيل المثال - ابراهم السرفاتي - الذي سيظل معتقلا لمدة 17 سنة
وبعد ذلك سيرد له الإعتبار فيما بعد وسيطلق سراحه وهو على الكرسي المتحرك منهوكا باعراض
السجن وأمراضه . ولا زلت أذكر المغفور له الحسن الثاني في إحدى خطبه يتكلم عن السرفاتي
ويصفه بالسيد . فهمت حينئذ بأن الملك الراحل كان يحترم هذا المناضل المعارض .
كانت آنئذ مشاكل البلاد شائكة واندلعت الحرب بين المغرب والبوليزاريو في حين الجبهة الداخلية
واهنة . أما أولائك المتطوعون للمسيرة فقد عادوا إلى مواقعهم سالمين وكانوا كلهم من المسحوقين وكان يبدو ذلك واضحا في الصور التي كانت تنقلها الكامرات الأجنبية وتركز على
بعض الأشياء عن قصد . عادوا لكن بخفي حنين فمطامحهم لم تتحقق حيث بدأوا يتنقلون بين
دوالب الإدارة من أجل العمل لكن بدون جدو ى . إلى أن ذابوا في اليأس .
في خضم هذا البحر الهائل من الأحداث والمشاكل كنت أدافع عن حريتي وآرائي الحرة وكنت أبدو للجميع مجنونا . وصرت منبوذا لا حق لي في أي شيء أينما اتجهت لا أجد سوى العراقيل
وأصبت بالإحباط واليأس . وكانت الأصابع تشير إلي من كل صوب وحدب . وأحيانا لما كنت أأو ي
إلى الفراش وأستعرض يومي وأحداثه أصاب بالرعب ظنا مني بأن زوار الليل آتون إلي لامحالة
ولا يختفى هذا الرعب إلا صباحا. كنت أحس بالإضطهاد وشملني الأذى بشكل مبرمج . لا لشيء
فقط لأنني إنسان أرفض التدجين .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:27 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-7-
01-07-2009, 05:50 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41110


بالأمس كان الشرطي العادي قادر على اعتقالك دون سبب أو مبرر سوى أنك لا تروقه أو لأن مزاجه كان معكرا وسيئا وصادفك في طريقه. كانت الإعتقالات عشوائية ومزاجية لا تحتاج إلى أمر أو إذن من
النيابة العامة . أما اليوم في عهد ملكنا الشاب محمد السادس فالأمور تختلف وتطورت نحو الأفضل
في مجال الحريات العامة. ولم يعد بمقدور أحد من رجال السلطة الإعتداء على المواطن بدون موجب قانو ني .
في تلك السنوات التي أحسبها غابرة كانت لدي سكنى للإيجار نتعاون بها على تكاليف العيش وتقع
أسفل إقامة الأسرة . إتصل بي شرطي كان يبحث عن مأوى ولم يكن متزوجا .وضرب لي موعدا معه
حيث يقيم في فندق متواضع من فنادق المدينة القديمة . لكنني تحفظت في الأمر لأن المكتري عازب
وأسرتي محافظة بينما مدخل البناية به باب واحدة تؤدي للطابق الأعلى كما تؤدي للطابق السفلي . ولا يمكن أن تتنبأ لما يمكن أن يحدث ولسيما والمكتري عازب ولا أعرف عنه شيئا .
كما خشيت من إنعكاسات الشطط في استعمال السلطة . فقررت كراء هذه السكنى لأسرة متزوجة . هذا أغضب الرجل فأضمر لي حقدا سيكون له رد فعل في الواقعة التالية
ذات مساء كنا أربعة - س - وصديقته و - م - وأنا . كان هذا الصديق الجديد يشتغل في مركب سياحي معروف بتطوان يسمى - قبيلة - وكان إطارا سياحيا لذا فهو يتوفر على إقامة خاصة به
بالمركب السياحي المذكور. إستضافنا كي نقضي الليلة معه . وكان علينا أن نأخذ سيارة طاكسي
لأنه لا يتوفر على سيارة خاصة . وبينما نحن نوقف الطاكسي ونطلب منه نقلنا إلى مركب قبيلة وقبل أن
يستوي كل واحد بمكانه داخل الطاكسي . فوجئنا برجال الشرطة يهرولون نحونا كأنهم بصدد إلقاء القبض على مجرمين . أنزلونا من الطاكسي واقتادونا نحو مخفر الشرطة الذي كان على
مقربة منا جهة ما يسمى بباب التوت . وبينما نحن في الطريق نحو المعتقل إلتقينا صدفة بمجموعة من الأشخاص معهم رجال أمن وكانوا كلهم ثملون . أحدهم من معارفي لأنه من أبناء
الحي الذي ترعرعت فيه زمن أيام الصبا . إلتجأت إليه طالبا التدخل لإطلاق سراحنا وفك الإعتقال
الذي كان بدون مبرر. وبدلا من الإستجابة المتوقعة أو الإعتذار عن التدخل . قام بشتمنا وركلني برجليه وأمر رجال الشرطة قائلا / غرقوا لدين مهم الشقف .
دخلنا مخفر الشرطة وأصبحنا في الحجز دون سبب أو مبرر يدعو لذلك. فقط لأن أحد هؤلاء
امتنعت عن تلبية طلبه في استئجار بيتي له بسبب عدم توفره على زوجة. كان مكان الحجز وسخا
والرائحة كريهة تنبعث من المرحاض الذي نقرفص بجانبه . صديقي نال منه التعب فارتمى على أرضية الزنزانة المبلطة نائما على الحضيض. لم أستطع النوم فقد كنت أسرح في غيبوبة خاطفة فأقع على الأرض وقد حاولت النوم واقفا . لعنت الحياة ويوم ميلادي وضقت درعا بنفسي .
في الصباح نودي علينا ودخلنا الأربعة مكتب العميد . من حسن حظنا كان هذا الرجل طيبا ونبيلا
بما فيه الكفاية . وبعد مناقشتنا فندنا ما ادعاه رجال الشرطة وصارحناه بالحقيقة . قال لنا بأنه لن
يحرر لنا محضرا ليحيلنا على النيابة العامة . وأضاف / ليس هناك ما يستدعي ذلك . لكن مجموعتكم خلقت وشوشة بالمدينة . ثم تابع مخاطبا إياي / لما لا تعود إلى أوربا ؟ ليس لك ما
تفعله هنا غير البحث عن المشاكل . شكرته وتم إطلاق سراحنا .
عند باب المخفر وجدت والدتي تقف في خنوع ومذلة منتظرة بعد أن أخبروها بأنني داخل المعتقل . عانقتها وقبلتها وانطلقنا نحو بيتنا . خلال الطريق كنت أتساءل في قرارة نفسي
/ لماذا والدتي أحيانا تكون قاسية علي وأخرى تكون في غاية الحنان ؟ / لابد للأمر من سبب.

محمد رشدي
18-12-2011, 02:28 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-7-
04-07-2009, 12:36 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41160


عاد - شلومو - إلى هولاندا حيث مقر إقامته وعمله. وعادت - م- إلى إسبانيا حيت تعمل وتقيم كذلك.
فتاة أخرى تسمى - راء - كانت قد إنضمت للمجموعة مؤخرا عادت أيضا مصحوبة بميم.
أما أنا فقد كنت علقت حداء السفر وقررن البقاء في بلادي نهائيا ولم تعد حياة الغربة والتجوال تستهويني .
أصبحنا نتحرك مابين - مقهى الجيلالي - والنادي الليلي - تبقال- وذات ليلة إنضم إلينا شخصان غريبان
عنا كنا نراهما من حين لآخر بالمقهى حدث ذلك عندما كنا نقصد شقة بالمدينة القديمة أعطاني مالكها المفتاح لقضاء ليلتنا بها. كنا ثمانية أربعة فتيان وأربعة فتيات إضافة للشخصين الجديدين . اللذان سينسحبان آخر السهرة .
في الغد على الساعة الواحدة زوالا إستيقظت على إثر صداع برأسي وكذلك على طرق بباب مدخل
الشقة في الأسفل. حسبت أن الشخصين عادا لتفقد المجموعة . هبطت السلم وفتحت الباب فإذا بي أمام نفر من رجال الأمن . اقتحموا البيت بدون إستئذان . حدث استنفار في الداخل وشملنا الهلع . وكان رجال الأمن يبحثون عن الضيفين المنضمان إلينا البارحة . فقد أخبرهم أحد الخبثاء بأنهما معنا بالشقة التي كانت معروفة لدى الجميع بصاحبها - كومينار - . إقتادونا نحو الإدارة ليلتحق بنا بعد ذلك الضيفان النحسين . تم عزلنا عنهما ليحالا على الغرفة الجنائية بسبب ملفهما الثقيل . بينما نحن
تم إحالتنا على الغرفة الجنحية بتهمة السكر والفساد. كانت محاكمة حاول دفاعنا تمتيعنا بالسراح
المؤقت للمجموعة برمتها لكن الرئيس كان له رأي آخر . فتم تمتيع أحدنا بالسراح المؤقت وشهرا واحدا
موقوف التنفيذ بينما نحن إستمر اعتقالنا لمدة شهر واحد حبسا نافذا . وسبب إطلاق سراح صديقنا
هو كونه موظف مع الدولة كما أن حضور والده الطاعن في السن كان له تأثيرا خاصا.
قضينا شهرا كاملا رهن الإعتقال وكنت خلال هذه المدة السالبة للحرية أأتي بالكتب من المكتبة
الموجودة داخل السجن وألتهمها إلتهاما فأجد المتعة الروحيةفي القراءة لا تضاهيها متعة أخرى .
وقد كنت أرقب ما يحدث في السجن من أحوال وممارسات وتجاوزات قانونية مفضوحة .
كان تعاطي المخدرات مسألة شبه طبيعية . ليلا كان يستدعينا رئيس الصالة ونحيي سهرات مكتومة
نطرب ونغني ونشرب الويسكي في حين كان الحارس يغض الطرف عنا ومن حين لآخر يطرق الباب
وبنبهنا للصخب الذي كان يفلت منا أحيانا خشية من وصوله إلى مدير السجن الذي كانت إقامته بجوار
المؤسسة السجنية.
الرئيس الثاني لصالة المعتقلين كان شابا يحمل علامة سيكطريس على وجهه نتيجة اعتداء بالسلاح الأبيض من طرف سجين آخر أكثر خطورة منه . هذا الرئيس الثاني كان يسرق من وجباتنا الخاصة
أثناء خروجنا للفسحة اليومية في الفناء مرة في كل يوم . قصدته وكان مجتمعا بصديقه الشاد ووجهت
إليه خطابا قاسيا جعله يقف غاضبا ينظر إلي في دهشة ويقوم بحركات وهمية ليبث الرعب والهلع في نفسي لكنني كنت أقوى منه بنية وعقلا وجرأة فلم يجد إلا أن يدخل في غمده ويحسب لي
حسابا خاصا. ولما حضر الرئيس الأول الذي كان يقضي معظم يومه خارج الصالة متجولا في أرجاء المركب السجني . طرحت عليه المشكل وأفهمت الجميع بأنني لست ممن يخشون الإصطدام في
حالة ضرورته . كان الرئيس الأول من سكان الحي ويكن لي الود والإحترام لعدة أسباب لا داعي
لذكرها . فنادى على نائبه ثم أمره بأن ينقل مكانه الى جهة المرحاض . وكان ذلك إهانة في حقه.
وأمام الملأ فلم يستطع الثاني هضمها.
بعد أسبوع أو أسبوعين تم نقل الرئيس الأول إلى مؤسسة سجنيه بالجنوب . فأصبح الثاني هو
الآمر الناهي بالصالة . وعند المغادرة كان السجناء كلهم يبكون حزنا على هذا الرجل الراحل عن المؤسسة لأنه كان نبيلا وعادلا وغير ظالم . وما أن أصبح خصمي المذكور رئيسا حتى صار يعتدي
على السجناء الضعفاء . لكنني قلت في قرارة نفسي ليضرب ما شاء ومن شاء لكن إياه أن يقترب من مجموعتي . وهكذا كان . وأصبح يتودد لي . لأن في مثل هذه الأماكن يجب أن تكون قادرا وإلا تحولت إلى كبش فداء.

محمد رشدي
18-12-2011, 02:29 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا - 8 -
05-07-2009, 11:35 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41170


داخل هذا السجن عاينت حالات فضيعة وخطيرة للغاية . فقد تم فصل مجموعتنا عن بعضها ولم أدر ما هو
السبب الداعي لذلك. فقد تم نقلي إلى صالة أخرى ليلتحق به آخر من المجموعة .
الصالة الجديدة يحكمها مجرم خطير محكوم بحكم من العيار الثقيل. جريمته مزدوجة فقد إغتصب
إبنته وقتل شخصا وأحرق جثته . كان هذا المجرم يتحكم في الصالة وبسجنائها وبجانبه شاب شاد يتعامل معه كما لو أنه عشيقته. كما لاحظت أنه قاريء نهم للقصص التي تختص في الجرائم . وتسمى هذه القصص عندنا بشمال المغرب -novelas- كان هذا الشخص يتقن اللغة الإسبانية
ويدمن قراءة هذه القصص المختصة في عالم الجرائم . كما اكتشفت أنه مريض بالزهري - سيفلس -
فكان يتعاطى حبوبا خاصة بهذا الداء . كنت أتجنب الصدام معه بل حتى الحديث نفسه كنت أتحاشاه
كان يبدو لي خطيرا ولا يتورع عن إصابة أي كان بالأذى . ذات مرة طلب مني أن أحلق شاربي
لكن بطريقة بريئة . فقلت له هل هناك سبب يدعو لذلك ؟ فقال لي ( لا مجرد إقتراح أبيض ) وأضاف
(ربما ستكون أفضل بدون شارب ) قلت ودون إظهار الغضب الذي يسكنني ( هذا شأني أنا وليس هو شأن أحد ) . فصمت . وبدا لي صمته غريبا . لكنه لم يكرر ذلك فيما بعد . وبدا لي من الأفضل أن أنتقل من هذه الصالة تحسبا لطاريء مفترض . لكنني كنت على استعداد لكي يكون موته على
يدي لو أراد إذايتي .
ذات ليلة فتح باب الصالة وتم تسليم صبي لا يزيد على السابعة عشرة ربيعا . للمجرم المذكور ومن
طرف حارس الديمومة في تلك الليلة. كنت أرقب أين سيضع الصبي البريء وكان بدويا يلبس جلبابة
فإذا به يضع له فراشا بجانبه أي في الوسط بين المجرم وعشيقه الشاد. كان ذلك بالنسبة إلي صادما ومؤلما .... رباه أكاد لا أصدق ما يحدث . من يحمي هذا الصبي من براثن هذا الذئب الكاسر ؟ كيف يحدث هذا بمؤسسة تابعة للدولة يسمونها إصلاحية ؟
صديقي بجانبي كان صامتا وحزينا كما لو أنه يعرف ما يدور بخلدي . وتمنيت للحظة أن أقتل هذا
السافل . همس لي صديقي في أذني نصيحته التي لم تكن مقبولة لدي ( تجاهل ياأخي أحمد
مثل هذه الأمور ولا تتسبب لنفسك في مصائب أنت في غنى عنها ) .
لم أنم تلك الليلة وكان يتسرب لآذان جميع السجناء وقع ما يحدث للصبي . هدأ كل شيء أخيرا
وفهمت أن صفقة كانت بين الحارس والمجرم . تلك الليلة رأيت حلما بل كابوسا
كان الظلام سائدا وأنا أهرب داخل نفق لا حدود له وكان يلاحقني مجهول لم أتبين ملامحه أو
صفته وكان يحمل بيده خنجرا كبيرا وكنت أجري مسرعا حتى لا يلتحق بي ووصلت جدارا
فطرت في السما ء كنت أطير والرياح تمر من حولي والسماء مظلمة حالكة حتى النجوم كانت
تكاد لا ترى . فجأة إستيقظت من النوم على إثر هزات خفيفة من طرف رفيقي ( أحمد أحمد أحمد) أخبرني السجناء كلهم بأنني كنت أصرخ كالديك كوكوعو كوكوعو كوكوعو
كان المجرم يقهقه بأعلى صوته ويقول باللغة الإسبانية ( Que Tio Tan Extranio ) أي
ياله من شخص غريب .
كما أنني أيضا إستغربت الأمر فقد كنت لا أفهم الرابط الذي يربط ما بين الكابوس وصراخ الديك
الذي كان بداخلي .
عندما حان وقت الخروج إلى الفناء إغتنمت الفرصة واتصلت بحارس السجن قرأت فيه الخير وكان رجلا طيبا مختلفا عن سائر الحراس . كان إسمه ( البصري ) لن أنسى جميله طوال حياتي
والذي قدمه لي وأنا في أمس الحاجة لهذا الجميل . طلبت منه أن ينقلني وصديقي إلى صالة أخرى وكنت متوترا وقد شعر بتوتري وقد ألححت عليه فأذعن لطلبي وأعادنا إلى مكاننا الطبيعي
حيث بقية المجموعة وسجناء من أهل الحي الذي أسكنه .
علمت بعد ذلك أن الصبي المغتصب تم دمجه بصالة القاصرين بالسجن . كانت صفقة مؤقتة .
جريمة بكل المقاييس شارك فيها حارس أمن المؤسسة الذي من المفروض فيه أن يكون حاميا
للصبي وينظر إليه كما لو أنه إبنه أو أخيه الصغير مثلا .
لم يستطع الله إنقاذ الصبي من الشر المستطير .
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:30 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-9-
07-07-2009, 03:37 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41222


داخل العنبر الذي عدت إليه مع رفيقي . أصبحت مع المجموعة كما من قبل . نقبع في ركن خاص بنا.
كما أصبح السجين رئيس العنبر يعاملنا باحتراس شديد ولم يعد يتطاول على وجباتنا الخاصة كما كان سابقا . في حين نحن لم يبق لنا سوى أياما معدودة لإنهاء العقوبة الحبسية المحكوم بها علينا . لكن
من سوء حظنا فقد حل بالعنبر سجينان جديدان نقلا من مدينة بعيدة إلى سجن تطوان لسبب ما. وكان
أحدهما مريضا بالسل فقد ظل الليل كله يعاني من نوبة سعال حاد ومزمن وكان يبصق في منديل لديه لهذا الغرض فلمحت بقعا من الدم رغم المسافة التي تفصل بيني وبينه بمتر أو مترين . ولما كانت
لدي فيتامينات - س 1000 - على شكل حبوب فائرة بمذاق البرتقال . فقد أعطيت هذا المريض المسكين بعضا منها تناولها فخفت لديه نوبة السعال بل كادت تختفي حتى . وفي الحقيقة كنت أخشى على نفسي من عدوى هذا الداء اللعين لذا كنت حينما أنام أضع على وجهي ( فوطة ) كما
نسميها أهل الشمال . على وجهي وأتحمل إنحسار التنفس لدي فأشعر كما لو أنني أختنق.
كانت الأيام تمر ثقيلة وكنت أضع في الحسبان مع نفسي شرحا أو تعبيرا لذلك مستعملا نسبية أنشطين .
وصل يوم الفرج وكنا ننتظر على أحر من الجمر اليوم الموعود القريب لكن حسب النسبية المذكورة
كانت الأيام تتمدد أكثر. إلى أن سمعنا أسماءنا بعد الزوال في ذلك اليوم القائض . قامت الإدارة بإجراءاتها الروتينية وأطلق سراحنا وخرجنا من الباب الكبير للسجن فأحسسنا كما لو ولدنا من جديد واختفى كل الحقد والكراهية من نفسي والتي كان السجن سببا أساسيا فيها . فقد كنا
أيضا داخل السجن نتعهد من تلقاء أنفسنا وبكل عفوية بأن نتوقف عن التسكع والمشروبات الروحية وتجنب المطبات . لكن ما أن أطلق سراحنا حتى عدنا من جديد إلى أجوائنا القديمة كما يقال عن حليمة وعادتها القديمة .
وصلت البيت فوجدت رسالتين تنتظراني واحدة من - شلومو - وأخرى من - م - كلاهما يلحان علي
أن ألتحق بهما حتى أن - م - أرسلت إلي ثمن التذكرة . غير أنني لم أجد لدي شهية للعودة
إلى أوربا . فقد قررت ما قررت بعد استخلاص الدروس والعبر من حياتي هناك . ولا أنتظر جديدا
فقد تبدلت نظرتي للأمور وأصبحت أفضل البقاء مع اليأس والمطبات المبيتة والمفاجئة على الحرية
والإنطلاق والمغامرة واللاجدوى . يكفيني أنني قضيت عقدا من الزمن متنقلا من بلد إلى آخر ومن قارة إلى أخرى دون نتيجة تستحق الذكر سوى أنني اكتسبت وعيا جديدا جعلني أتميز به عن
غيري لكنني بت بالمقابل غريبا عن أهلي وقومي وأصدقائي لكنني رغم كل هذا العبث كنت أكتفي بأن أكون صادقا على الأقل مع نفسي وهذا هو عزائي الوحيد .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:31 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا- 10 -
10-07-2009, 09:55 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41292


رباه
أشعر بأنني أصبحت إنسانا غريبا عن قومي وعن أهلي . ولا أحد ينظر إلي نظرة عادية . الكل يتوجس مني ياستثناء حواريي . مخبرو النظام يترصدون خطواتي يريدون معلومات كافية عني لتقديمها إلى الجهة المختصة . ولما كنت غير منظم مع أي حزب من الأحزاب فهم يريدون أن يعرفوا ما هي الجهة التي أنتمي إليها . أنا الذي لا أنتمي إلى أحد . فرغم تعاطفي مع اليسار
ومع الطبقات الكادحة إلا أنني لا أتفاهم مع أحد ولدي ملاحظات على الجميع . بما في ذلك من
يحيطون بي . الكل يشير إلي بالبنان ولا أحد يستطيع أن يدرك الحب الذي أكنه لوطني وقومي
إلى درجة أبدو بها في عيون المغفلين كما لو أنني العدو رقم واحد لهذا العالم الذي أنتسب اليه.
غير أنني بما لدي من إلتزام أخلاقي بحكم تربيتي وتكويني منذ طفولتي على يد مدرسة أبوية فقد
إستقيت كل سلوكي منها ونمت روحي وترعرعت في بيئة رومانسية جعلت مني هذا الشخص الرافض لكل شيء في حين لا أقدر على الصمود في وجه هذا التيار المتعملق المدمر لكل ما هو مسالم ومتشبث بقيم الحرية والإنعتاق من ربقة التخلف . فالوقت كان مدمرا بالفعل لكل ما هو
واضح وصريح . وعليك أن تكون ثعلبا أو منافقا لكي تستمر .
حل فاتح ماي من تلك السنة من سنوات الرصاص . نهضت باكرا كعادتي ودخلت مقهى المواعيد بالحي . مقهى لا يؤمها إلا الكادحون والمسحوقون وهي لا زالت لحد الآن على تلك الشاكلة كأن
شيئا لم يتغير فيها . خاطبت الرواد المقهورين قائلا
/ أيها الكادحون هذا يومكم . إنه اليوم الذي يتيح لكم أن تعبروا من خلاله عن بؤسكم وعن الظلم المحيق بكم . إنهضوا وثوروا ضد هذا الوضع الذي يحتقركم وطالبوا بتحسين أوضاعكم المزرية
المتردية . طالبوا بالعدالة الإجتماعية وبرفع مستوى أجوركم المتدنية . واجهروا بالحق وقفوا في وجه الظلم والمهانة فقول الحقيقة ليس جريمة فلا تخشوا أحدا . وعاش الشعب المغربي الكادح وعاشت الإشتراكية . / .
لم أكن أهتف بالإشتراكية لأنني من عشاقها . كنت أدرك أن ميولي لبرالية محضة ولم أكن أفهم
هذا التناقض الذي يعشش في داخلي .
لم يتزحزح أحد في المقهى من مكانه . بل كان الكل ينظر إلي في بلاهة وبداخلهم أسمع أصواتا
تقول - إنه مجنون - . لم يتحرك أحد قيد أنملة وبدا لي كما لو أنني ألقيت بهذا الخطاب في واد سحيق بلا رجع .
لم يكن يرافقني سوى صديقان إثنان هما بدورهما لا يدركان أبعاد خطابي اليائس . قصدنا وسط المدينة حيث ستنطلق جموع المحتفلين والمحتجين . خليط من البشر كل يهتف حسب هواه .
إندسست داخل الصفوف وانطلقت أهتف / عاش الشعب المغربي الكادح وليسقط الخونة .
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر

وكان من معي يردد هذه الشعارات التي هي كل ما كنت أملكه . وعندما وصلنا إلى ساحة الفدان / قلب تطوان النابض / رأيت صديقي - ميكي - جالسا في مقهى مشرفة على الساحة
تسمى مقهى الجيلالي . كان ينظر إلينا مبتسما . فإذا بي أصيح وعيني مصوبتين نحوه
ليسقط الحشيش
كان ذلك بمثابة شعار إهانة موجه إليه حسب ظنه . لأنه ينتسب إلى منطقة تزرع القنب الهندي ولا يمكن له أن يتنازل عن هذا الإمتياز فزراعة المخدرات كانت تدر على سكان المنطقة الملايين
بل المليارات من السنتيمات وهو واحد منهم . ربما لو كنت من سكان المنطقة لكنت مثلهم أيضا .
كان رجال الأمن يوجهون كامرات الفيديو نحوي وأنا أهتز مع الشعارات وأقفز حماسا وأضحك
في وجه الكامرات وأصرخ عاش الشعب المغربي الكادح .
إلتفت إلى الخلف فإذا بي أقود جموع غفيرة من الكادحين كلهم من سكان الحي ومن معارفي
لم أشعر بهم أبدا حينما إندسوا من خلفي وأنا في غمرة الحماس والهتاف . عرفت حينئذ أن
هؤلاء الناس يحبونني ويفهمون خطابي لأنه خطابهم الذي لم يفصحوا عنه أو لم يستطيعوا
الإفصاح عنه ففضلوا تكميم أفواههم طلبا للسلامة .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:32 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا -11-
16-08-2009, 05:31 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41621


قبل أن أتطرق لوقائع بعينها والتي تخص علاقتي بوالدتي وما كان يشوبها من توتر وصدام وصراع يتنافى مع طبيعة الأمومة. أريد أن أ سجل الأسباب
التي لعبت دورا في تشكيل الحالة النفسية لما هي عليه من قسوة وحقد لا شعوري نحوي بصفتي الإبن الضحية.
إن والدتي نمت وترعرعت يتيمة الأب . فقد كانت جدتي متزوجة بوالدها وهو رجل دين وفقيه معروف في بيئته البدوية بورعه وتقواه وكرهه للإستعمار المحتل
المحتل لأرضه ووطنه. كانت جدتي تحبه حبا جما وقد أنجبت معه طفلة واحدة هي والدتي التي كانت لا زالت رضيعة آنذاك. وبسبب معارضته للإستعمار الغاشم
إ ستشهد وهو ببيته يتناول غذاءه على المائدة ذلك حدث على إثر قصف مدفعي مباغث لبيته أرداه قتيلا على الفور.أثناء تلك الفجيعة حسب حكاية جدتي
بقيت والدتي مهملة في ركن بحجرة من حجرات البيت الوا سع وكانت نجاتها من الموت بمثابة معجزة لأنها كانت بحجرة متاخمة للمكان الذي كان والدها
يتناول فيه طعامه وحيث بقي جالسا وهو جثة هامدة. وبعد الكارثة بسنين معدودة تزوجت جدتي وأنجبت طفلا وطفلة وكان الطفل الجديد مفضلا لدى
جدتي على بنتيها غير الشقيقتين . وذلك ما كنت ألاحظه شخصيا وأنا طفل صغير . كانت جدتي تحب إبنها( خالي ) بطريقة مبالغ فيها وكان زوجها
مستقرا مع خالتي المتزوجة . هذه الظروف حسب اعتقادي هي التي ساهمت في تكوين والدتي وجعلتها في حالة غير طبيعية فكانت قاسية علي
بينما مع شقيقاتي كانت حنونة . ربما كان حقدها على أخيها غير الشقيق الذي سرق منها حنان الأم ينصب لا شعوريا علي فكنت كبش الفداء والضحية
كانت تعاني من يتم مضاعف .
أتذكر وأنا صبي زرت البادية موطن الوالدة الأصلي فرافقت جدتي نحو مقبرة زوجها الأول ( الجد الشهيد ) وما أن وصلنا الضريح فوجئت بجدتي
تسقط أرضا وترتمي على القبر وهي تصرخ وتولول كالثكلى وتستعرض بكلامها تاريخ الأحداث السوداء. كانت تفعل ذلك بهستيرية
وكان صراخها يملأ المكان . كان ذلك بالنسبة إلي حدثا أدركت من خلاله مدى درجة الحب الذي كانت تكنه للراحل الشهيد.
أما زوجها الثاني الذي كنت أناديه - بابا سيدي - فقد كان رجلا لا مباليا وغير مسؤول البتة . فقد كان والدي قد وفر له دكانا مجهزا بالسلع لكي
يباشر فيه التجارة وذلك أثناء طفولتي لكنه كان يترك الدكان ويتلهى بلعبة - الضامة - مع رفاقه العاطلين الكسلاء ويهمل الزبناء والدكان مما جعل
الناس تنصرف عنه فكان باب الدكان دائما يتجمهر حوله الشيوخ مراقبين لعبة -الضامة -بينما أنا الطفل المشاغب كنت أتسلل حينئذ نحو الداخل
لأسرق بعض الدراهم أنفقها على رفاقي في تناول الحلويات ودخول سينما الحي . وفي المساء يكون الخبر بالبيت حيث العقاب ينتظرني.
حكت والدتي وأنا صغير عن زوج والدتها أثناء عام الجوع. فقامت العائلة ( جدتي وزوجها ووالدتي التي كانت طفلة وخالتي التي كانت رضيعة )
بالهجرة نحو تطوان . وأثناء الطريق أراد زوج جدتي أن يتخلى عن إبنته المريضة ويتركها لمصيرها بين أدغال الفلاة . لكن جدتي إمتنعت
وأصرت على الإحتفاظ بإبنتها . كان هذا الزوج عديم العاطفة . وقد نجت خالتي من الموت المحقق وهي لازالت لحد الآن على قيد الحياة .
كان الناس أثناء ذلك العام لا يجدون ما يأكلونه ولهذا أطلقوا على تلك السنة - عام الجوع - . كما أن والدتي عندما كانت تحكي عن هذه
الحادثة أوصتنا بأن نحافظ على السر كي لا نتسبب في تعكير العلاقة بين خالتي ووالدها المنعدم الضمير .تساءلت وأنا طفل صغير عن مصير
والدتي وهي في كنف هذا الزوج الدنيء. ولا زلت أتذكر عندما كان يشتغل بدكان والدي . فقد ضربني أحدهم بكرسي وكنت أبكي بفعل الألم
وكان هذا الجد ينظر ولم يحرك ساكنا وكذلك فعل إبنه ( خالي ) لكن جدتي تدخلت وشتمت ذلك الشخص الذي كان أكبر سنا مني ورافقتني نحو
البيت . من هنا أفهم اليتم الذي إفتقدته والدتي خلال فترة معاشرة جدتي لزوجها السيء .
لا زلت أتذكر أيام الصبا آنذاك كنت أجلب المتاعب للأسرة ولم تكن والدتي تتستر عن أخطائي أو تتجاوز شكايات الجيران .فقد كانت تخبر
والدي حال دخوله البيت . كنت ربما في سن الرابعة عشر عندما ضبطتني الوالدة أضاجع بنت الجيران بسطح البيت . ووصل الخبر لوالدي
الذي عاقبني بصرامة خوفا علي من السجن . وقد إنتقمت من والدتي عندما كانت نائمة أثناء قيلولتها في ظهيرة قائظة حيث د سست بين بنان رجليها ورقة
وأضرمت النار في طرف من الورقة وما أن وصلت الشعلة إلى البنان حتى قفزت الوالدة مذعورة وانتصبت واقفة من شدة الألم.وتمت معاقبتي من طرف
الوالد ونسيت الأمر. لقد كنت صبيا غير عادي لكنني كنت شاعرا بالفطرة أكتب الشعر دون أن أكون ملما به. خلال هذا الزمان بالذات
كتبت قصيدتي الأولى عنوانها ( عودي)
يامنية الغد عودي ياحلم الهوى ارجعي
ياجنة الصبا ياروضة الحياة
عودي وانشدي وتحت غصن حناني غردي
تعالي وخذي بيدي وهيا لمكان بعيد
نباهي أ شعة الشمس ونسيل مع خيوطها
لنقف على النرجس
نشرب من ندى الزهر ونأكل ثمار الأثير
وننام على العشب الأخضر ونغطي غطاء الطيور .
هذه القصيدة حددت المسار الطويل لإبداعي الشعري والأدبي حسب اعتقادي .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:34 PM
شفشاون
18-08-2009, 04:41 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41638


بالأمس زرت مدينة شفشاون الجميلة والبسيطة كإله
ما أن وطئت رجلي أرضها المقدسة بالشعر
حتى وجدتني أتذكر فاطمة سالم
دخلت أم الربيع وشربت عدة جعات وأكلت السمك
ثم عرجت على وطا حمام
شعرت بحاجة ملحة كي ألتقي بفاطمة سالم وأتعرف عليها
كنت أفكر وأنا أتجول بين أزقة شفشاون بهذه السيدة أهي شابة أم مسنة
أهي جميلة أم عادية لكن بالتأكيد كنت أعرف أنها مثقفة وهذا يكفي .
فجأة وجدتني برأس الماء
فوضى عارمة أطفال يسبحون كانوا أطفال فقراء بالتأكيد
أكلت فاكهة الصبار
ثم انحدرت نحو وطا حمام مرورا بفندق صديقي المرابط El Parador
كلما مرت من أمامي فتاة كنت أكاد أن أسألها - هل أنت فاطمة سالم ؟ -
أحيانا فكرت في أن أصرخ
أين أنت يافاطمة سالم - بأعلى صوتي -
رأيت فتاة تمر من أمامي وهي عائدة من الحمام البلدي
ظننتها هي
قلت لها - كيف تفعل وأنت في وقت الصمايم - فضحكت وتابعت طريقها
حان المساء وفاطمة في ذاكرتي
أردت أن آخذ فندقا وأقضي الليلة في - شفشاون فاطمة -
فكرت بأنني أخشى النوم وحدي بحجرة ربما تكون بها أشباح
فقررت الرحيل
في الطريق مسحت الطبيعة الجميلة ببصري
وصلت تطوان التي أحبها وأكرهها وبقيت شفشاون وفاطمة بعيدين .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:35 PM
ببوع
20-08-2009, 06:45 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41667


كان الميترو في باريس مزدحما
بمختلف الألوان والأشكال خلال ذاك الصباح. شهر يوليز القائظ
جنسيات مختلفة ولكنها مقبولة
كوكطيل بشري متعدد الأشكال . لا بأس . فالدولة علمانية وشعب تجاوز تاريخه عندما كان ماشية
رقيقة.
فجأة دخل - ببوع - امرأة منقبة تلبس لباسا أفغانيا يشبه الغبار الأسود
لم يكن لذلك معنى
امرأ ة خيمة سوداء لا تعبير لها. قد يكو ن داخلها إجرام ما .
بدا ذلك للآخرين كأنها من كوكب أسود
الأفواه فاغرة
أمامهم مخلوق أزرق
بل أسود
داخل الميترو كانت هناك سيدة افريقية
فحصت المخلوق الغريب ثم وجهت لها خطابا
( لماذا لا تعودين إلى بلدك اللعين وتعفينا من لباسك المخيف ؟ )
خلعت المنقبة نقابها فإذا بها سيدة شقراء بعينين خضراوين ثم قالت للسيدة الإفريقية
( أنت من عليك أن تعود لبلدها . أما أنا فهذا مكاني وأصلي .)

بقي الكل مندهشا كأن الفلم فلم حقيقي

أنصحك بأن تزورين طبيبا نفسانيا . قالت الإفريقية
ثم أضافت
أو تذهبين لأفغانستان فهناك الكثيرات ممن تشبهنك شكلا ومضمونا .
أما هنا
دولة علمانية وشعب حر يفهم بأن المرأة ليست عورة أو فتنة
بل كما قال نابليون الفرنسي
المرأة التي تهز السرير بيمينها تستطيع أن تهز العالم بيسارها
والمرأة على هذه الشاكلة لا تحتاج لكي تتغطى.
إهتزت القاطرة بالتصفيق
وقامت المنقبة لتقف عند الباب فلفظها القطار عند المحطة الموالية.

محمد رشدي
18-12-2011, 02:36 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا - 12 -
27-08-2009, 04:28 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41764


بدأت العلاقة بيني وبين الأسرة تسوء باستمرار . قمت بعدة محاولات من أجل العثور على الشغل
لكن محاولاتي كلها باءت بالفشل . تقدمت لإجتياز مباراة مفتشي الشرطةومعاوني التنفيد بمدينة طنجة. وكانت هيئتي
وحالتي تجعل من هذا الهدف شبه مستحيل. لذا داخل قاعة الإمتحان نعتني رجل أمن ب ( الكينكي)
كانت لدي آنذاك الشهادة الثانوية التي تخول إلي شغل وظيفة محترمة لكن نظام الزبونية والمحسوبية كان هو السائد والمهيمن خلال تلك المرحلة . فقد خاض معي شخص من نفس الحي
المباراة وتم قبوله رغم مستواه الذي كان لا يزيد على الإبتدائي . أما أنا فلم أتوصل بأي جواب في
الموضوغ إن سلبا أو إيجابا . وخلال يوم الإمتحان إلتقيت بصديق لي وهو إبن مقاول كبير بالمدينة كان
يخوض المباراة أيضا حيث استنبطت من كلامه بأنه بسبب تنافسه مع غريم له قرر أن يدخل سلك
الشرطة لأن غريمه ذاك كان ضابط أمن . فهو رغم مستواه المادي الجيد كان يحلم بالسلطة .
هذا الصديق سألته إن كان يوافق على تشغيلي بمقاولة والده التي كان لها أوراشا عديدة بالعشرات بمدينة شفشاون الجميلة ومدن أخرى بشمال المغرب وجنوبه. فأذعن لطلبي بعد توجس بسيط ثم طلب
مني زيارته بمكتبه حيث سلم لي رسالة مقفولة سافرت بها إلى مدينة شفشاون الهادئة لأسلمها إلى المشرف على الأوراش وتم إدماجي داحل الإدارة كمراقب على سجلات حضور أو غياب العمال
وتم تسليم دراجة نارية من طرف الإدارة إلي كي أعرج يوميا مرتين في اليوم على المكلفين داخل
الأوراش بخصوص هذا الأمر. كان هناك إداريان كل منهما له اختصاصه . لكن الأمور كانت تسير بطريقة مرتجلة في حين كان الشخص المشرف على كل شيء شخصا مجرد بناء وكان أميا. لكنه
كان هو الكل في الكل. لأن الإدارة برمتها تحضع لمشيئته .
سكناي كانت مشتركة مع أحدهما وهي عبارة عن حجرة واحدة بها فراش لي والآخر للشريك .
أما الأجرة فكانت متواضعة أيضا غير أن مستوى العيش خلال السبعينات كان منخفضا وبإمكان
أي كان منا أن يقتصد ويدخر نصف أجرته شهريا. وبسبب نقاش فكري فلسفي مع شريكي في
الحجرة والمكتب . خلقت هوة بيننا . قام صباحا هذا الرفيق والتقط دراجتي النارية وانطلق بها فلم
أفهم وجهته . ظننته قصد مكانا ما لقضاء حاجياته الخاصة . لكنه لما عاد أشعرني بكونه طرد
مراقب ورشة ملعب كرة القدم الذي كان يحوي أكثر من خمسين عاملا . فأزعجني ما قام به
لأنه ليس من اختصاصه ثم أنه طرد أحسن مراقب للعمال من كل مراقبي أوراش شفشاون التي
كانت تقارب عشرة أوراش أو يزيد . ثم قال لي بأنني علي أن أترك مكتبي وأحل محل الشخص
المطرود لأيام قليلة ريثما نجد الحل . فهمت للتو أنه يريد إبعادي عن الإدارة ولسيما وأنه جس
نبضي خلال الأيام التي عاشرني فيها فتأكد له بأنني غير مهيأ لكي أجاريه في تجاوزاته التي
شعرت بها وأصبحت مطلعا عليها . وهذا هو الدافع كما يسميه علم النفس في كل هذه الحالات.
أخبرت المشرف على الأوراش بأنني راحل ولا رغبة لي في الإستمرار . فطلب مني الصبر حتى
يتسنى له إرسالي إلى ورش آخر جهة ( باب برد) على مبعدة من شفشاون بعدة كيلمترات. وقال لي بأنه لن يزعجني شيء هناك لأنني سأكون على رأس المكتب . وكنت أجمع أغراضي وكان رفيقي
الذي إختلق الأزمة بدوره يطلب مني البقاء ويحول دون جمع أغراضي لكنني قررت فسافرت
عائدا إلى تطوان .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:37 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-13-
30-08-2009, 01:49 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41801


أصبحت من جديد في تطوان. أشعر بأن هذه المدينة نفسها قد ضاقت درعا بي . بعضا من أصدقائي عادوا إلى المنفى . بينما أنا كنت قد قررت وحسمت أمري فأوربا رغم إعجابي بها إلا أن مكاني دائما
كان هنا في بلدي وليس في مكان آخر من العالم. لكن نفس هذا العالم الذي عدت إليه لفظني وظلت غربتي معي لا تفارقني . اعرف أنني كنت ولا زلت مختلفا عن غيري لأنني أفكر بطريقة
لا تستقيم مع واقع الحال والمجتمع . فالجميع يشيرون إلي بالبنان كشخص مزعج.
بالحي الذي أقيم فيه كان هناك مطعم شعبي نؤمه من حين لآخر رغم أنه ليس على مبعدة من
البيت . نعرف هناك صبي يشتغل لسنين طويلة في غسل الصحون وغير ذلك من أشغال المطعم
الكثيرة. عمره لا يزيد عن أربعة عشرة ربيعا . وجدته يبكي عند باب المطعم . سألته -ما به ولماذا يبكي؟-
عرفت بأن صاحب المطعم طرده لأنه كسر صحنا من صحون المطعم عندما كان يهم بغسلهم وتنظيفهم . قال الطفل بأن ذلك لم يكن مقصودا وأقسم على ذلك . كانت الدموع تسيل من عينيه صافية كماء الغدير . أحسست بالحزن الشديد فدخلت عند رب المطعم وناشدته إرجاع الصبي لكنه
أصر على موقفه المتعنت ونهرني قائلا _ هذا ليس شأنك _ .
كنت غاضبا لما دخلت والصبي مندوبية الشغل . وعرضت المشكل على المسؤول . فسألني من
أكون ؟ قريبه ؟ . قلت لا .إنني فقط أعرفه في المطعم وفي الحي وأعرف والدته الأرملة وهي
طاعنة في السن وهذا الصبي يعيلها . ثم أضفت - إذا كان مشغله يرفضه بعد السنين الطويلة التي
قضاها في خدمته . فعليه أن يسدد له تعويضاته طبقا للقانون المعمول به . سلم المسؤول إستدعاءا
لكي يبلغها الطفل لمشغله وحدد موعد المقابلة . تم توقيع صلح بين الطرفين واستلم الطفل
مستحقاته كاملة .
بعد يومين جاءني الطفل وبيده مبلغا ماليا زاعما بأن والدته أرسلته إلي حلالا طيبا كما قال .
أحسست بالخجل . أفهمت الطفل بأنني لم أقدم هذه المساعدة إليه لأنني أريد مقابلا لذلك
بل كواجب فقط . وأنني بكلمة شكر فقط كافية لطمأنتي . برقت عين الصبي دهشة وافتر فمه عن إبتسامة مذهلة وراح لحال سبيله . وبعد مدة وجيزة رأيته من جديد يشتغل بمطعم داخل المدينة
وهو حاليا لا زال يشتغل في قطاع المطاعم ولم يعد صبيا كما كان بل طباخا ماهرا .وكلما إلتقينا
صدفة يحضرني الحدث القديم لمجرد أن أراه.
أما صاحب المطعم بعد الحادث لم يعد يحييني كما من قبل . حتى نظرته إلي لا تكتمل . ورغم ذلك
كنت أزوره بمطعمه الجديد بنفس الحي وأتناول وجبتي وأعرج عليه وهو جالس القرفصاء وأسدد
واجبي النقدي ونتعامل كالغرباء كأننا لا نعرف بعضنا البعض أو كأن الحادث لم يحدث لكن الحدث
القديم كان دائما حاضرا في ذاكرتينا كلما جئت المطعم من حين لآخر .
هكذا كنت أدس أنفي دائما في أشياء لا تعنيني حسب المفهوم العام لكنها كانت تعنيني بالفعل.
أراها كما لو كانت واجبا علي. وعلى كل المواطنين أيضا . ففي أوربا مثلا كان الناس موحدين ضد أي سلوك غير مقبول . موحدين أيضا بجانب الحق والقانون. المواطنون الأروبيون أقوى سلطة في البلد لمجرد أن يكون الحق والقانون بجانبهم . وشعب في هذا المستوى لابد أن يكون شعبا له تكوينه الخاص .
ذات يوم أيضا عند خروج الأطفال من مدرسة الحي - الزواق - تعرضت طفلة لحادثة سير خفيفة وكانت الطفلة مذعورة وتريد الفرار نحو بيت والديها . بينما صاحب السيارة بدوره أراد الفرار من المسؤولية وكان لزاما علي أن أتدخل وأرغمت السائق على تحمل مسؤوليته وعرض الطفلة على الطبيب لمعاينة الإصابة . حضر الأمن ونقلنا الطفلة للمستشفى وتم القيام بالإجراءات اللازمة ثم
تم نقلي إلى مخفر أمن الحي حيث وجدت هناك والدة الطفلة فأخبرني الضابط بأن والدة الطفلة
ستتولى أمرها وعلي أنا أن أنسحب . لاحظت والدة الطفلة تنظر إلي نظرة شزراء فلم أدر سبب
ذلك . لم أسمع منها ولو كلمة شكر على وقوفي بجانب طفلتها .
أخذت طريقي نحو البيت وبداخلي صوت يقول
لماذا تتدخل فيما لا يعنيك أيها المزعج لنفسك ولغيرك ؟
من أنت حتى تتولى مساعدة الآخرين ؟ بينما أنت بسيط كما قال مصطفى مراد
وضعيف كالخروف كما يقول المثل .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:38 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا -14-
05-09-2009, 12:32 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41873


ذات مساء كنت مجتمعا ببعض الأصدفاء داخل مقهى الحي . إتفقنا على أن ندهب سوية إلى سينما
- أبيندا - لحضور عرض لفلم من الأفلام الجيدة التي كانت تعرض من حين لآخر على شاشة هذه السينما المعروفة بتاريخها قبل الإستقلال وبعده . فقد كانت من أحسن دور العرض السينمائي والمسرحي بالمدينة. وبمنطقة الشمال قاطبة إذا ما استثنينا مدينة طنجة.
بعد اقتناء التذاكر دلجنا قاعة العرض لكنها كانت مليئة عن آخرها ولم يكن هناك ولو كرسيا واحدا شاغرا
وكان لزاما علينا أن ننتظر ريثما ينتهي العرض لنأخذ أماكننا . وقد كنا سبعة أو ثمانية أفراد . لكننا رغم
انتهاء العرض لم نتمكن من إيجاد أماكنا لنا لأن التذاكر كانت تباع بالشباك دون الأخذ بعين الإعتبار لعدد
المقاعد داخل القاعة . أصبنا بالضجر من طول الإنتظار الذي كان بلا جدوى . تطوعت كعادتي دائما
لكي أتصل بالمسؤول والبحث عن حل . إما مضاعفة ثمن التذاكر وأخذ مكاننا بالقاعة السفلى
الممتازة . أو إرجاع النقود وإرجاء مشاهدة العرض للأيام الموالية . أذكر أن دور السينما بالمدينة أيام الإسبان كانت منظمة وتعرض أفلاما جيدة باستمرار لكنها لما سلمت للمغاربة إنقلبت الأمور رأسا على عقب وتحول فضاء السينما إلى واقع يشوبه التسيب والفوضى وعرض الأفلام الرديئة
باستثناء هذه القاعة فقد كانت من حين لآخر تعرض فلما جيدا كما يحدث الآن. هذا أيضا ما وقع في قطاعات أخرى مثل النقل وغيره . فلما ذهب الإسبان تدهورت أحوال المدينة للأسف الشديد.
إقتربت من المسؤول المغربي فامتنع عن سماع إحتجاجي ونهرني كما لو أنني أطلب منه صدقة
وأشار بيده كي أنصرف متفوها بكلام لا يليق به أو بي . مما جعلني ذلك أثور في وجهه وأعامله
بالمثل فاجتمع عدد غفير من المواطنين الذين كانوا هم أيضا يفتقدون أماكنهم وخرج أيضا من في
القاعة . قام هذا المسؤول بإصدار أمره للمستخدمين بإقفال الأبواب واستدعاء رجال الأمن . وذلك
ما حدث بالفعل . جاءني شخص أعرج معروف كممرض بقطاع الصحة وهو من معارف الشخص الذي
إشترى جميع دور العرض بالمدينة ومن المتملقين له . وقال لي بصوت مرتفع سمعه كل الحاضرين
- إن هذا السيد هو صاحب ومالك هذه القاعة - مشيرا بيده نحو المسؤول الغاضب . لم أتمكن من
ضبط نفسي فانفجرت في قهقهة تلقائية لم أستطع كتمها لأن ما سمعته فعلا كان مضحكا للغاية.
تبعني الجمهور بضحكه الذي وصل حد القهقهة فاصبح الفضاء مرحا وأحس المسؤول بالخذلان وأن
الأمور تنحو لصالحي . أما بالنسبة إلي فما حدث آخر لحظة كان عبارة عن جس لنبض الجمهور دون
قصد مني مما جعلني ذلك أشعر بارتفاع معنوياتي وكان العكس هو الصحيح بالنسمة لغريمي
وخصمي البليد . وأيضا لذلك المتحسرف الذي لا يستطيع أن يفهم بأن السينما هي بالدرجة الأولى
قاعة عرض عمومية .
فتحت الأبواب ودخل رجال أمن ثلاثة بلباسهم الرسمي . قفز المسؤول نحوهم بطريقة ملفتة ومضحكة وأشار إلي وهو يخاطبهم - هذا هو زعيمهم - .
كان رفاقي كلهم قد إختفوا وتركوني لوحدي . إستفسر الرجل الأعلى رتبة -
ما الذي حصل ؟
لقد أثار الفوضى في القاعة ومعه عصابة إختفت عند مجيئكم . مضيفا أيضا بأنني حاولت الإعتداء
عليه.
وجهت سؤالي للجمهور
أيها الناس هل أثرت الفوضى أو حاولت الإعتداء على هذا الشخص ؟
رد الجمهو ر بصوت موحد

لا . لا . لا.
قلت
أهو كاذب ؟
رد الجمهور من جديد
كاذب كاذب كاذب

بقي رجال الأمن في ذهول مما يحدث
قلت لرجال الأمن بأننا نتوفر على تذاكر في حين لا نجد أماكنا لمشاهدة العرض رغم طول الإنتظار . هذا هو كل ما في الأمر .
تقدم رجل الأمن نحو المسؤول وأمره قائلا
عليك بإيجاد المكان له ولرفاقه أو نأخذكم إلى المفوضية
شكرت رجال الأمن بعد ولوجنا القاعة المكيفة ولم يطالبنا أحد بمضاعفة ثمن التذكرة . وبعد
مشاهدة العرض خرجنا في هدوء وأدب نحو الفضاء الخارجي وأنا منتشي بانتصار ي فقد كنت
قبل ذلك خائفا من أن تقلب القفة علي وذلك ما كان يحدث غالبا لكل محتج أو طالب حق
في ذلك الزمن الذي لا زال قريبا ونخشى أن يعود .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:39 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-15-
07-09-2009, 05:49 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41898


صارت تحدث لي أشياء غريبة لا أفهمها . وبشكل تلقائي ومفاجيء . وكنت أعزو ذلك إلى إدماني
للقنب الهندي . وربما الخمر أيضا تحدث بعض الإختلالات في الرؤية والسمع . كأن ترى مثلا شبحا
أو تسمع أصواتا . خلال هذه المرحلة من حياتي رأيت شبحا اقتحم الجدار وتجاوزه رأيت ذلك بأم عيني
لكن مرة واحدة . وسمعت أصواتا في أذني تشتمني .
خلال هذه المرحلة التي لم تدم طويلا . كنت ألتهم الكتب الفلسفية والأعمال الأدبية لكبار المفكرين
والفلاسفة العالميين مثل - فريدريك نيتشه - و-شوبنهاور- و-هايدجر- و- كنط- و-فولتير-و-سارتر-
و-دانتي-و-فرويد-و-بافلوف-وغيرهم مثل - جيمس جويس - و- نيكولاس كزانتزاكيس - إلخ ....
كنت متأثرا بهؤلاء الرجال الكبار تأثيرا كبيرا وبالخصوص بالفيلسوف - نتشه - كنت أظل الليل بطوله أقرأ مثل هؤلاء العباقرة ولا أنام إلا في الهزيع الأخير من الليل. وكنت أجد متعة لا توصف
ولذة تشبه اللذة الجنسية وأنا غاطس في بحر من الأفكار العميقة التي غيرتني بالمرة وجعلتني
لا أشبه إلا نفسي.
كان يطيب لي أن أمارس الرياضة بسطح منزلي صباحا . أما في المساء فكنت امارسها صحبة
صديقي ميكي بنادي الكاراطي . حيث تعلمت مباديء أولى في هذا الفن وأصبحت أحسب
نفسي كما لو أنني بطل من أبطال هذه الرياضة. كنت أخرج من حين لآخر في الصباح الباكر أركض
نحو التلال القريبة من حينا حيث المراعي الممتدة والهضاب والسهول قرب قرية - سمسة -
أستنشق الهواء الطلق النقي المتشبع برائحة الأعشاب الزكية المختلفة . وذات صباح وصلت
محارث سمسة واعتليت هضبة وسط التلال المنبسطة أمام ناظري فرأيت حمارا بائسا على مبعدة مني ولم يتسن له رؤيتي لأنه كان مديرا ظهره إلي وكان يرعى الكلأ . والذباب ينط فوق
جثته الحية . ظهره كان مليئا بالندب كأنها محفورة على جلده بفعل الشقاء الذي يعانيه كسائر حمير
البلد. ركزت بصري عليه وظل نظري مصوب إليه كأنني مجبر على ذلك وبعد مرور مدة زمنية وأنا
على تلك الحال أحسست كأن نظرتي المركزة تلك ثقبت ظهره فإذا به يلتفت ثم يرجع إلى وضعه
لكنه ظل مشغولا بي وتعددت إلتفاتاته وعلى حين غرة قلب وضعه وأصبح ينظر في إتجاهي
ودون أن تصدر عني أية إشارة بدأ يخطو نحوي إلى أن وصل وأصبح وجهه في متناول يدي
وكانت سحابة من الذباب تحط على جانب عينيه فبدا لي ذلك مزعجا كما لو أن الذباب فوق عيني
فرفعت يدي أهش بها على الذباب لتخليصه منها لكنه ذعر كما لو أنني سوف أؤذيه فكان يسحب
رأسه بسرعة مع كل حركة يدي وأعدت الكرة تلو الأخرى إلى أن تأكد من سلامة نيتي . قلت له
بصوت مسموع كأنني أكلم إنسانا مثلي - أنا آسف لكلينا لأننا ولدنا في هذا الحيز من الكرة
الأرضية . إنه حظ سيء . ما أن سمع كلامي حتى قفل راجعا إلى مكانه وأنا أنظر إليه لدقائق عديدة لكنه لم يلتفت هذه المرة ولم يعرني أي اهتمام إلى أن مللت من الإنتظار فتابعت طريقي
وأنا أفكر في هذا الحيوان الفريد من نوعه والمتعود على الصبر والغارق دوما في التأمل والمتمرد
حينما يبالغ الإنسان في إجهاده. بدأت أدرس سلوكه فأدركت أنه فهم كلامي وانتشى به وعاد
إلى مكانه أي إلى مصيره وهو يعي أن الإنسان مثله كمثل الحيوان لا فرق بين الإثنين إلا من
حيث تكوينه الزماني والمكاني . فالحيوان الذي دجنه الإنسان وأصبح يرافقه في الزمن والمكان
لابد من أن يفهم لغته وربما دخيلته أيضا . لو كان للحيوان تكوين بيولوجي كالإنسان لأصبح سيدا
له وولي نعمته.
تذكرت الآن كيف أن الحزب الديمقراطي بالولايات المتحدة الأمريكية الذي يتناوب على السلطة
مع الحزب الجمهوري . جعل الحمار شعارا له . إذن لم يكن ذالك من قبيل الصدفة أو العبث وإنما
هؤلاء يفهمون ويستمدون الحكمة من صبر هذا الحيوان وذهوله حينما يستسلم للتأمل .
أنا أيضا دائما وجدت نفسي معجبا ومتعاطفا مع هذا الحيوان المتغابى وكنت خلال سهراتي مع
رفاقي وأصدقائي أسألهم
- ماذا تفضل أن تكون ؟ حمارا أم ذئبا ؟
كان كل واحد منهم يفضل أن يكون ذئبا لا حمارا
بينما أنا وحدي كنت الإستثناء وبأعلى صوتي وبدون خجل كنت أقول لهم
أفضل أن أكون حمارا على أن أكون ذئبا
لأنني أكره الذئب وأحب الحمار
تماما كما قال سقراط العظيم
أحب أن أكون مظلوما على أن أكون ظالما
رغم ما بين المقولتين من فرق واضح فأنا أرى المقولتين متقاربتين .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:41 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا -16-
11-09-2009, 01:46 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41954


كنا نفر من الأصدقاء جميعنا من سكان حي -الباريو - كان بيننا الملقب ب - مورو - والمسمى -ادريس
دلحسن- وآخرون . كنا نقرفص قبالة مكان معروف ب - غرسة الرهبان - سميت كذلك لأنها في زمن
الإستعمار الإسباني كانت ديرا للرهبان ومسرحا لطقوسهم الدينية . كانت المناظر الطبيعية خلابة
ولم يكن أخطبوط البناء قد عم المكان بعد كما هو الحال عليه في يومنا هذا .
كنا نختلي بأنفسنا لنعاقر كؤوس الخمرة بعيدين عن أعين الفضوليين . وقد تأخر بنا الوقت ذاك اليوم إلى
غاية المساء . وكانت الخمرة قد فعلت فعلها في رؤوسنا لذا كنت كعادتي أغني وكانت الأغنية
للسيدة أم كلثوم - الحب كله - كان ستار من الظلام ينتشر على المكان رويدا رويدا . وبينما أنا أؤدي
الأغنية كان قطيع من الماشية يمر بمحاذاتنا وهو خليط من المعز والأغنام والأبقار يحرسها كلاب
ثلاث . رفعت عقيرتي بالغناء وأنا أرنو نحو القطيع كأنني أغني له . وفجأة خرج حيوان وانفصل عن القطيع وكان من فصيلة المعز وأخذ طريقه نحو مجلسنا . ظللت كذلك وأنا أراقب الضيف القادم الينا إلى أن وصل ودلف حلقتنا واقترب مني دون غيري . كان الكل مندهشا غير أنني لم أستغرب
الحدث فالحيوانات أيضا تعشق الغناء والموسيقى وتفهم ما لا يفهمه البشر وذلك فقط عن طريق الفطرة التي زرعها الخالق في خلقه . تحسست وجه الحيوان وكأنني قمت بتحيته ثم انسحب
وقفل راجعا من حيث أتى واندس د اخل القطيع .
قلت للأصدقاء بأن هذا الحيوان جاء لتحيتنا لأنه صديق قديم توفي وتقمصت روحه جسد حيوان ولما سمع بصوتي تذكرني فلم يشعر إلا وهو داخل حلقتنا لتقديم التحية .
إنفجر الجميع ضحكا. لأن المزحة كانت غير قابلة للتصديق. ثم شرحت لهم نظرية تقمص الأرواح
القديمة منذ عهد اليونان . لكن أصدقائي لم يهضموها بل اعتبروها مزحة إضافية .
لازلت لحد الآن أتذكر هذا الحدث الذي جعلني دائما أرى الحيوان بنظرتي الخصوصية كوجود قائم بذاته مثلنا ووجوده لا يختلف عن شكل وجودنا . فما يدور برأس وخلد الحيوان لهو أهم وأهم
مما يدور في رؤوسنا الفارغة كما يقول الشاعر - إليوت - في قصيدته الرجال الفارغون أو
الرجال الجوف . إن القدرة الذهنية للحيوان تفوق قدرتنا نحن البشر . غير أننا بيولوجيا وجسديا
نفوقهم ببعض الفوارق مثلا كشكل اليد والرجل والقدرة على الكلام وليس النطق .
كما أننا نستطيع أن نقوم ببعض الأنشطة بسهولة بينما الحيوان لا قدرة له على ذلك . لكن تفكيره
لا يقل عن تفكيرنا وربما نكتشف يوما قدرته المذهلة في التفكير .
وتحضرني واقعة سأختصرها فيما يلي
كنت أحج إلى مخبزة صديق لي بالحي الذي أسكنه . لقضاء فترة من الليل هناك مع بعض الأصدقاء
نتجادب أطراف الحديث وندخن القنب الهندي . كان داخل المخبزة هر فريد من نوعه يتمتع بعطف العمال والضيوف على حد سواء . وكان سعيدا بإقامته هناك لذا كان يرحب بالضيوف ويقفز إلى
أحضانهم متلمسا حنوهم عليه . وذلك ما فعله معي كأحد ضيوف المخبزة . لكنني كنت أخشى القطط منذ صغري ونعومة أظفاري . لذا كلما قفز إلي مسدت ظهره وأنزلته أرضا لكن في المرة
الثالثة نهرته وأنزلته بطريقة لم ترقه على ما يبدو . فذهب بعيدا بزاوية تقابلني ثم صار يتفحصني
بشكل دقيق أخافني . بدوران الحديث بيننا نسيت الهر وخرج من تفكيري نهائيا . لكنني شعرت بعودته لكن بطريقة مختلفة لم يكن يهتم بي لكنه قرفص أمامي ولم ينظر إلي مما جعلني ذلك
أنسى أمره . وبطريقة مفاجئة وفائقة هاجمني هجوما وهميا بخخخخخخخخخخخ. قفزت من مكاني
مذعورا بينما الكل إنفجر ضاحكا وتعالت القهقهات د اخل المخبزة بشكل صاخب بينما أنا لم أتمالك
نفسي من الدعر والدهشة من مزحة القط الثقيلة .
ورغم انقطاعي عن الحضور للمخبزة لمدة طويلة إلا أن الحديث عن هذا الهر يفرض نفسه دائما
تلقائيا كلما إلتقيت بالصديق صاحب المخبزة. وقد أخبرني يوما بأن القط توفي . ففاجأني ذلك .
وحزنت حزنا عظيما . ومن خلال حكاية الصديق عن الطريقة التي مات بها القط . فهمت بشكل قاطع
بأن موت القط كان عملا إنتحاريا بمحض إرادته . لم يكن موتا طبيعيا . وقلت مع نفسي
لقد تعب المسكين من الحياة فقرر أن ينام تحت عجلة الشاحنة التي تزود المخبزة بالدقيق
وذلك ما لم يفعله قبلا .
كما أن احترامي زاد لهذا القط الطبيب . لأنني منذ ذلك الهجوم الوهمي الذي أصابني بالهلع
لم أعد أخشى القطط . فقد أصبحت أتعامل معها بشكل طبيعي وبدون خوف . كان هو سبب شفائي وكان طبيبا فرويديا
ماهرا .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:43 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-17-
13-09-2009, 04:30 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=41989


كان ذلك ذات صباح. بعد أن قضيت الليل كله متسكعا مع بعض الأصدقاء . لم أدر الدافع الذي جعلني
أشرب زجاجة كاملة لوحدي من الويشكي من نوع - جوني والكر - ومن سوء حظي أنني سمعت حينئذ خبرا سياسيا فجرني . وكنت أتناول الفطور ذاك الصباح عند المسمى - أبادريس - المشهور داخل السوق المركزي بالمدينة . في الطابق الأعلى - وقد كان عدد غفير من الزبناء فتيانا وشبانا يؤمون
هذا المكان لتناول طبقا من اللوبياء اللذيذة التي كان يتقنها الرجل بشكل عجيب . فضلا عن أكلة
الكفتة المشوية بنفس الصالصة التي توضع فوق اللوبياء أيضا مع زيت الزيتون الحر . كنت في حالة ثمالة شديدة . وقد صعقني خبر على أمواج الراديو مفاده أن إسرائيل فازت بميدالية دهبية للأغنية
التي تقمدت بها ل ( فيسطيبال أوروبزيون ) موضوعها حقوق الطفل . من هناك إنطلقت نحو المقاهي العمومية التي كنت أحج إليها في أوقاتي الضائعة وكنت أخطب وأنا في حالة عصبية
يرثى لها . كان ذلك آنذاك شيئا خطيرا تقرأ عواقبه . كنت أصيح في الناس
( أيها المواطنون إن إسرائيل تقدمت للفيسطبال الأوروبي بأغنية تتحدث عن حقوق الطفل وربحت
الرهان . إن دولة إسرائيل تحترم أطفالها وليس هناك على أرض إسرائيل طفل واحد مشرد وليس
لديهم طفل واحد يمسح الأحدية أو يشتغل في الأعمال الشاقة وليس هناك طفل واحد بلا مقعد
في المدرسة. بينما نحن العرب كل العرب لهم أطفال مشردون وبلا مقعد بالمدرسة ويشتغلون
في مهن شاقة .) .
كنت ألتقط كرسي المقهى كالمجنون وأضرب به أم رأسي بعنف دون أن أشعر بالألم كنت كالنار
ملتهبا .
توجهت نحو الحافلة المتوجهة إلى الحي الذي أقطنه وامتطيتها وشرعت في إعادة تكرار نفس
الخطاب . داخل الحافلة كانت هناك نساء يتضاحكن من خطابي لم أعرهن أي اهتمام. في حين لم
يفهمن شيئا مما أقول سوى أنني مجرد سكران لا أهمية لما يتفوه به .
نزلت بالحي وطفت على المقاهي أمسحها بخطابي حول حقوق الطفل المغربي والعربي عموما
مرددا كلاما لم يستوعبه أحد. فوجئت بمجموعة من الشباب يلتفون حولي ويخبرونني بأن رجال الأمن في طريقهم إلي . لكنني لم أبال فقد كنت مستعدا لدخول السجن وكانت لدي رغبة ملحة
في ذلك من تأثير المشروب الروحي القوي . لم أشعر إلا وأنا داخل بيتي وعرفت فيما بعد بأن بعض الشباب هم من ساعدني على ولوج البيت تفاديا من أي مكروه . كان رجال الأمن قد وصلوا
إلى مقهى المواعيد القريبة من بيتي وسألوا عني . داخل البيت تسببت في إزعاج أسرتي
ووجهت كلاما سيئا لوالدتي مما حذا بها فيما بعد إلى تقديم شكاية ضدي . وتم استدعائي من طرف الشرطة القضائية للإستماع إلي. وتم تقديمي في حالة سراح أمام السيد النائب بتهمة
التهديد والإساءة للأصول .
فال السيد النائب
أنت تهدد والدتك وتعتدي على إخوتك
قلت
لا ياسيدي إنني لا أهدد أحدا
إن والدتك تتهمك بذلك
قلت إن هذه السيدة دمرتني ودمرت حياتي
فكر السيد الوكيل برهة وهو يحدق في المحضر ثم أضاف
كان علي أن أعتقلك لكنني سوف أطلق سراحك لتحضر جلسات المحاكمة في حالة سراح
لكن عليك أن تعاهدني بأن لا تسيء إلى والدتك
قلت أعاهدك ياسيدي وأشكرك كذلك .
ظللت أنتظر إستدعاء المحكمة واتصلت بوالدة صديقي عبد السلام الملقب ب - أودو - وطلبت
منها أن تتوسط لي مع الوالدة وتطلب منها التنازل عن الشكاية لكن والدتي امتنعت عن
مسامحتي وأصرت على متابعتي قضائيا . وذلك ما كان بالفعل . وقد حز في نفسي كثيرا
وترك شرخا في داخلي لن يبرأ .
وسنطلع على بقية القصة في الحلقة الموالية .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:44 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-18-
25-09-2009, 02:17 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=42168


الأم دائما تضحي بالغالي والنفيس من أجل إنقاذ إبنها من السجن . أما أنا أمي أنا فقد كانت سببا مباشرا في دخولي السجن. فعلا . توصلت باستدعاء من المحكمة للمثول أمام القضاء وكان يؤازرني
محامي لم أكن أعرف أن شقيقه كان طبيبا خاصا للملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله . فالمكتري
الذي يستأجر السكنى السفلية من بيتي هو من دل أسرتي على هذا المحامي عندما كنت غائبا عن
البيت لأيام معدودة. حضرت أول جلسة فتعرفت على دفاعي . وكان شقيقه الطبيب الخاص للملك الراحل قد توفي في حادثة الصخيرات على يد الإنقلابيين العسكريين . لذا كان هذا المحامي له حساسية خاصة إتجاه كل معارض . علما بأن المعرضة لم تقم بأي انقلاب بل كانت فقط تسعى إلى
تحسين أوضاع الشعب وتدعو إلى الإصلاح . ولم أكن أنا منضويا تحت لواء أي حزب من الأحزاب لكنني
كنت الجندي المجهول المتعاطف مع الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية وكنت مولعا بصحيفة الإتحاد
- المحرر - وكان دفاعي يسألني لماذا أقرأ جريدة المحرر . لم يحدث بيني وبين المحامي أي خلاف خلال جلسات المرحلة الإبتدائية كما أن الوالدة لم تحضر أي جلسة وكان عليها أن تفعل وتتنازل عن الشكاية حتى لا تتم إدانتي . صدر الحكم بشهرين حبسا نافذا وأنا في حالة سراح. فكان لزاما علي أن أستأنف الحكم وذلك ما قمت به.
كان يرأس محكمة الإستئناف رجل قانون حاصل على الدكتورة في القانون. وكان يدير الجلسات بحنكة وكفاءة لا تتوفر لأي كان . وأيضا كان يتمتع بهيبة كبيرة داخل أسرة القضاء و دخوله للمحكمة كان يثير الإرتباك
في صفوف الموفين والمحامين على السواء . وكان هذا الرجل يصدر أحكاما قاسية ضد عتاة المجرمين بالمدينة ولهذا كان الجميع يخشى المثول بين يديه . تم استدعائي لجلسة أولى بمحكمة الإستئناف وكان الكتور هو من يدير الجلسات ويتعامل مع الملفات بكفاءة عالية يشعر بها المرء رغم عدم إلمامه بالقانون. وحينما وصل دور ملفي لاحظت تغيير الرآسة حيث أسندت لمستشار بينما الكتور أخذ مكانه. وقف بجانبي دفاعي وكانت أسرتي حاضرة بما في ذلك والدتي . سألني الرئيس بينما الدكتور كان صامتا يراقبني . ( إنك تسيء
إلى والدتك وتعتدي على إخوتك) . قلت - ألتمس مساءلة إخوتي فهم موجودون داخل القاعة . فقفز المحامي معترضا قائلا( ألتمس من المحكمة مسامحته وتمتيعه بظروف التخفيف). لم يرقني تصرف الدفاع وشعرت كما لو أنه ضدي . وفعلا كان كذلك . فنهرته أمام المحكمة وصرحت برغبتي في الإستغناء عنه . وأشرت إليه
بطريقة غير لائقة. إنتفض الدكتور وأشار بيده نحو الحراس وأمر باعتقالي . فتم ضمي للمتقاضين المعتقلين
وأصبحت معتقلا. بعد نحو ربع ساعة تم اقتياي نحو مكتب النائب وكان فلسطينيا يعمل في القضاء منذ مدة طويلة وهو رجل معروف بطيبوبته فقد كان إنسانا صالحا. خاطبني قائلا( كيف تخرق نظام الجلسة وترفع يدك أمام الدكتور .....؟ ) . قلت إن دفاعي يتصرف كما لو أنني مذنب وهذا ما جعلني أغضب وأخرج عن قواعد اللياقة . أضاف السيد الفلسطيني ( إننا ناشدنا الدكتور كي يتجاوز خطأك ويطلق سراحك بشرط
أن لا تعود إلى المس بوالدتك . كما تابع قائلا ( ثم عليك أن تأتي غدا وتطلب الدخول عند الدكتور وتعتذر
وتقبل يده . كانت المفاجأة بالنسبة إلي حينما صدر الحك بتأييد الحكم الإبتدائي. فاجتاحني القلق . إتصلت
بالمحامي الذي كان غاضبا مني وأشار علي بالإتصال بكتابة الضبط لإيقاف الحكم ريثما نستأنف الحكم وتحرير مذكرة النقض والإبرام . وكانت نيته توريطي بالحضور لإلقاء القبض علي . لأنني محكوم بشهرين
حبسا نافذا. وعندما اتصلت بكتابة الضبط أخبرني المسؤول بأن حضوري يالمكتب يتطلب إعتقالي ولهذا علي أن أنصرف . ثم أضاف ( سوف لا ننفذ عليك الحكم وعليك أن تنصرف ة حالا ) . لكنني أصررت على البقاء وإيقاف الحم فغضب المسؤول وطلب بطاقتي واحتف بها وطلب الملف لاتخاذ إجراءات الإعتقال
وتدرج الملف بعدة مكاتب أخرى . وفي أحد المكاتب فتح الموظف الملف فألقيت نرة خاطفة وقرأت على ورقة صغيرة مكتوب عليها ( محاكمة شكلية ) .ثم طلب مني الموظف الخروج والإنتظار وكنت قادرا على
الخروج من المحكمة والإفلات من السجن . وقد جاءني النائب الفلسطيني وأمرني بالإنصراف فأخبرته
بأن البطاقة الشخصية توجد لدى كتابة الضبط . فانصرف غاضبا . ثم إحالتي على السجن . وفي الطريق تذكرت قبل دخولي إلى المحكمة وكنت جالسا في مقهى ألتهم كسكروطا وأشرب عصيرا وكان على مقربة مني أشخاص يلعبون لعبة ( البارتي ) ففلت منهم ( الدادو ) وهو عبارة عن قطعة صغيرة مربعة حجرية عليها
أرقام من واحد إلى ستة . واستقر أمام رجلي فلمحت رقم أربعة وهذا الرقم فأل سيء لأنه يدل على السجن.
قلت مع نفسي - هذا هراء – لكن الفأل تحقق وكان ذلك المساء مكفهرا والسماء ملبدة بالسحب الداكنة والرياح تزمجر في الأعالي بشدة تبعث على الخوف .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:45 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-19-
26-09-2009, 06:11 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=42192


كان ذلك المساء عبوسا مكفهرا وقد خيم السواد على المدينة معلنا حلول الليل. كنا قد وصلنا باب السجن القابع بجانب سوق - باب النوادر- تمت إجراءات تسليم المعتقلين كلهم باستثناء شخصي البسيط . إستغرب الموظفون أمري فقد جئت بدون ملف . وهل هذا معقول ؟ حضر مدير السجن وقد
كان رجلا معروفا بالمدينة كبطل للعبة ورياضة الشطرنج وكان يعرج قليلا . وكان أيضا رجلا طيبا .
وجه إلي سؤاله ( ما أمرك يابني وكيف جئت عندنا بلا ملف ؟) قلت إنني حوكمت في حالة سراح وتهمتي الإساءة إلى الأصول وهاأنا جئت بيدي لأنفذ الحكم . نظر إلى الحراس وقال . شيء غريب
يحدث الآن . كيف يرسلون لنا معتقلا بدون ملف ؟ سأهاتف محكمة الإستئناف فورا . ثم انسحب .
بعد لحظة عاد وقال بأن المحكمة قد أقفلت أبوابها ولا أحد هناك ليرد على الهاتف .
- ستقضي الليلة معنا وغدا نرى في أمرك . أضاف.
دخلت الصالة المكتظة بالمعتقلين لدرجة لا تسمح بالمزيد . كان هناك معتقلون يفترشون أرض المرحاض . تنازل أحد المعتقلين عن مكانه بايعاز من حارس الصالة الذي يسكن بالحي الذي أقيم
فيه . قبل النوم تجادبت أطراف الحديث مع بعضهم واعتذرت لأستسلم للنوم وقبل ذلك طلبت من النائمين بجانبي أن يقلبا وضعهما ويضعا رجليهما جهة رأسي تفاديا لأنفاس بعضنا فلبيا طلبي
واستسلمنا للنوم . كان حلمي كله كوابس متقطعة مسالك وعرة ومنعرجات وجبال شاهقة والرعب خوفا من السقوط . وهذا الحلم تكرر لدي عدة مرات.
صباحا طلبتني الإدارة وأخبرتني بالحكم. لقد وصل الملف أخيرا . وعلي أن ألبس بذلة السجن القذرة
هذه البدلة التي تحولت إلى ما يشبه الورق المقوى بسبب الأوساخ المتراكمة والقمل والبرغوت
إنها بدلة مرعبة وعلى السجين المحكوم أن يلبسها . ورغم وشاية أحد الأشرار فقد أعفتني منها الإدارة
مشكورة .قام أحد المعتقلين وكان متواجدا بالصالة المجاورة بإرسال فراش ومخدة وغطاء إلي إنزويت
بهم في ركن بجانب الممر وكنت سعيدا بذلك لأنه شبه إمتياز لا يتسنى إلا للخواص من المعتقلين.
في الغد حضر ت شقيقتاي لزيارتي وما أن وقفت أمام الشباك الذي يفصلني عنهما حتى انخرطت في نوبة من البكاء وتسلمت المؤونة وانصرفت أدراجي نحو الصالة . لقد كان قلبي مفعم بالحزن
والألم وكان شرخا كبيرا قد أدمى روحي المنكسرة . ومع ذلك ورغم كل شيء فقد كنت أصدح بالغناء
طوال النهار أما ليلا فقد كان السجناء ينامون على حكايات وقصص كنت أحكيها عن بودلير ورامبو
وبعض الأدباء البؤساء والسياسيين المظلومين . وكنت أستعمل اللغة العربية الفصحى في الحكي
رغم أن من بالصالة لا علاقة له بالثقافة والمعرفة لكنهم كانوا يفهمون .
صادف وجودي هناك يوم عيد المولد النبوي الشريف وقبل ذلك كنت قد تعرفت على سجين متهم
بقتل زوجته وكان لازال شابا. قرأت في تعابير وجهه وسلوكه براءته كنت متأكدا بأنه غير قاتل .
كنت قد سألته يوما ( لما لا تصارحني وتكون صادقا معي بخصوص تهمة قتلك لزوجتك ؟) أقسم لي
بأنه لم يفعل وصدقته . وكان ملفه في يد الدكتور رئيس المحكمة. خلال ذلك اليوم الذي كان عيدا
تم تقديم أكلة اللحم لكنه كان رديئا وبعض المشروبات الغازية وصدحت الموسيقى عبر الممر ووصلت إلى فؤادي . حدث لي شيء غريب لا أستطيع توضيحه ومع ذلك سأحاول وصفه . فقد
عانت لي الموسيقى والأغنية التي كانت للسيدة أم كلثوم رأيت ذلك كما لو أنني أرى ماءا يتسرب
أرضا عبر الممر ويدخل الصالة ويلج قلبي بشكل لا أستطيع رسمه أو التعبير عنه .تلك الأغنية
خرجت حاليا للتأكد منها وأعرف عنوانها من صاحب دكان بالحي يبيع الأسطوانات لكن للأسف وجدته
مقفولا . ولهذا سأكتفي بالتعبير عنها بكلمة تقولها الأغنية ( كما قد عهدت ) أي لازلت على العهد .
وقتها أخذتني نوبة بكاء حاد وسقطت أرضا أضرب بيدي على أرضية الصالة فاجتمع علي السجناء
يصبرونني ويذكرونني برجولتي . وما أن هدأت رفعت عيني المبللتين بالدموع فرأيت صاحبي
المتهم بقتل زوجته يبكي مثلي . تأكدت حينها أن الرجل بريء بشكل حاسم لأن في عرفي
القاتل لا يمكن له أن يبكي . بعد أيام معدودة حلت الجلسة الأخيرة للمتهم فأصدر الدكتور ( علوش)
وهذا إسمه حكما بالبراءة لفائدة البريء ولما دخل الصالة وأخبرني ببراءته كدت أجن من فرط السعادة وعانقته بين أحضاني وبكينا معا من الفرحة . في نفس المساء أطلق سراحه وأصبحت
أكن الإحترام الكبير والحب الصادق لذلك القاضي العظيم . وبينما أنا جالس بمكاني متقرفصا أرقب حركة الأشخاص وشغبهم أحسست بشعور غريب وعجيب يكتنف أعماقي وكانت سعادتي لا توصف وكما لو أنها بدون سبب وتخيلت نفسي سعيدا بدرجة عالية لا علاقة لها بالجسد كانت سعادة
روحية محضة جعلتني أمتنع عن تقبل سراحي لو تم اقتراحه علي . أحسست كما لو أنني لا أريد
الخروج من السجن . دام ذلك فقط دقيقة أو أكثر ثم اختفى ذلك الإحساس ثم عدت إلى معاناتي
وحزني من جديد .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:46 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا -20-
07-10-2009, 12:09 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=42364


مرت أيام العقوبة المحكوم بها بطيئة تكاد لا تتحرك أو بالكاد تفعل ذلك. كنت أنتظر إنتهاءها على أحر من الجمر . من حين لآخر كان يأتي فقيه السجن من أجل تدريس مادة الفقه للمعتقلين وكنا نذهب إلى حجرة
الدرس الباردة وهي متاخمة لزنزانة - الكاشو - الرهيبة والمخصصة للخارجين عن قوانين السجن . كان
يتم حشونا بهذه الحجرة التي تقع بسرداب بارد ومظلم لا تزوره الشمس إطلاقا . نجلس القرفصاء على
حصيرة باردة متشبعة بالرطوبة وكان منظرنا يشبه حالة تلاميذ الكتاتيب القرآنية التي كنا نحج إليها في
طفولتنا لحفظ القرآن . ولم يكن الفرق كبيرا بين الزمنين . الفقيه الذي يقوم بتدريسنا كان منظره بئيسا
للغاية جلبابه نظيف يميل بلونه الرمادي إلى لون باب السجن وغموضه . كان يحدثنا عن سيرة النبي محمد - ص - وعن زوجته عائشة لكن ما كان يحكيه لنا لم يكن كله صحيحا فبدا لي كما لو أنه رجل شبه أمي ولا يحمل من التدريس سوى الإسم . وكان جلوسنا إليه جلوسا بمثابة عقاب لنا إذ لم نكن
نشعر بالرغبة للحضور إلى حجرة الدرس . وكنا ننتظر اللحظة التي نتحرر فيها من بؤس تلك الساعة الثقيلة .
كنت أجد السلوى والنشوة في الكتب الأدبية التي أبحث عنها في مكتبة المؤسسة السجنية وبالخصوص كتاب - المناهل - . كانت هذه الكتب هي خلاصي من واقع المعقل الغير المحتمل .
أما في الليل عندما يحين وقت النوم ويتم إطفاء الأضواء أنطلق في الحكي فيكون الصمت مطبقا
على الصالة كما لو أنها مأوى للأموات . بالفعل كان المعتقلون ينامون في صفوف متراسة جنبا
لجنب بشكل دقيق كما تصطف الجثث الخالية من الحياة داخل ثلاجة الموتى . كنت أحكي عن أدباء
نالوا قسطا وافرا من المعاناة والشقاء خلال حياتهم .و أحيانا أخرى أحكي قصصا أختلقها من بنات
أفكاري مرتجلا أحداثها مستعملا خيالي وبتلقائية وعفوية في حين هي التي كانت تروف المعتقلين
فيناقشونها معي نهارا في الغد طالبين المزيد منها .
أغلبية السجناء كانوا يتعاطون المخدرات يحصلون عليها كل بطريقته . ولم أكن أنا أقوى على
تعاطيها فقد كانت تصيبني بالبارانويا والرعب فأتخيل نفسي كما لو أنني في قاع هاوية لا خلاص
منها . لذا كنت أكتفي بالتبغ لكي أستطيع تحمل وجودي بشكل طبيعي ومحتمل .
كانت تزورني حبيبتي التي ستصير فيما بعد زوجة لي . كانت هذه السيدة النبيلة توفر لي كل ما أطلبه وما لا أطلبه أكثر من أسرتي . كانت تقف بجانبي خلال تلك المحنة تغنيني عن الأمومة التي
كانت سببا في اعتقالي . كما كانت تمد رئيس الحرس بالنقود فقط لكي أكون مرتاحا وعلى أحسن
حال.
إنتهت مدة العقوبة وخرجت من الجحيم فأحسست كما لو أنني ولدت من جديد . وجدتها في انتظاري
فتعانقنا بحرارة وشعرت كما لو أنها تتلمس بجسدها الملتصق بجسدي حركة الإنتصاب لدي في
حين لم يكن لدي نفس الإحساس لذلك . كنت فقط مهتما بحريتي .
كانت الشمس تسطع بشكل عجيب كما لو أنني أراها لأول وهلة لقد كانت مشاعري تحتفل
بانعتاقي أو هكذا توهمت .
وصلنا البيت وتنفست الصعداء داخل حجرتنا وشعرت بالأمان والطمأنينة التي افتقدتها طوال أوقات
العقوبة واختفت مخاوفي بشكل جميل . كان لون الحجرة جديدا فقد تم صباغتها باللون الأحمر الذي كان يروقني ووجدت كتبي تنتظرني مبتسمة وآلة الغناء كما تركتها كما لو أن أحدا لم يشغلها
من بعدي . فتحت حبيبتي الآلة كانت نفس الأنغام . وردة الجزائرية وخوليو إكليسياس الإسباني
لكن كلبي الأمين لم يكن هناك بسطح المنزل فقد إختفى . سألت عنه فأخبرتني شقيقتي بأنه
في غيابي لم يكن يتركهم ينامون كان يدق برجليه على أرضية السطح وينبح فاضطر أخي لأخده
بعيدا وتركه في الخلاء وعاد للبيت بدونه . تألمت كثيرا لأجله وفكرت في أحواله وأصابني الدعر
عندما خمنت أنه لن يكون بخير بدوني .
لكن الحقد والغضب الذي كان يسكنني داخل سراديب المعتقل إختفى نهائيا وأحسست كما لو
أنني كنت في أشد الحاجة لذلك العقاب وقد صفت نفسي وتطهرت روحي من الأذران وشعرت
بالرغبة الملحة في المصالحة مع والدتي وبحاجتي إلى أن أعانقها وأقبل جبينها طالبا الصفح
لكنني لم أجد الجرأة لكي أفعل ذلك .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:48 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العلي-21-
13-10-2009, 12:48 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=42480


تعرفت عليه في حانة - بوشتة- المسماة - إيديال - . رجل مثقف في ريعان شبابه . مثقف وقاريء نهم
لأمهات الكتب بينما هو من كوادر وزارة المالية بالمدينة . وجهه قمحي اللون بعينين خضراوتين جميلتين
لولا أن صلعته كانت بارزة تزيد من توضيح لون عينيه . أما أنفه وفمه فقد كانا دقيقين بشكل عجيب . فكان يبدو لي كتمثال لشخصية تاريخية لم تطوها السنون بعد. كان يقرأ ما أكتبه بشغف وحينما أتلو عليه نصوصي يتنصت إلي باهتمام بالغ. فطلب مني أن أمده بكل ما لدي ليطلع عليه . وفعلا أتيته بنصوصي الأدبية المدونة بدفتر من فئة المائة ورقة . محاولات أكتبها وأنا في أول الطريق وكانت بالكاد تظهر
من حين لآخر على الصفحات الأدبية بالجرائد الوطنية مثل الإتحاد الإشتراكي وجريدة الإختيار التي
كانت تديرها شاعرة مغربية معروفة على الصعيد الوطني . كان هذا الشخص قد تحول في مدة وجيزة
إلى صديق حميم . وكان متزوجا وأب لطفل واحد إسمه - رمسيس - فقد كان متأثرا ومعجبا بالفراعنة
هكذا قال لي . وكنت أزوره بمكتبه بإدارة المالية فيستقبلني ببشاشة وباعتزاز ملحوظ . ولم أتعود قط أن أجده غارقا في عمله لأن المكتب الذي كنا نجلس داخله لم يكن يشبه المكتب في شيء لأنه خالي من الملفات أو الأوراق الإدارية . جئته يوما فلم أجده لكنني لما طرقت باب المكتب لمحت دفتري
على الطاولة مفتوحا مما أوحى لي ذلك بأنه كان للتو يقرأه . وانتابني الشك والريبة في أمره . وتساءلت مع نفسي - لابد أن أعمالي يطلع عليها غيره - لكن ذلك لم يثر في نفسي شيئا فقد كنت
معجبا به كل الإعجاب . كنا نسهر في بيته و بطبيعتي الخجولة لم أتبين ملامح زوجته حينما كانت تضع
لنا قطعا من الأكل لنتناولها مع الخمر . كان ينادي عليها باسمها الذي هو نفس إسم والدتي . يقول لها تعالي فالصديق أحمد صديق حميم وحقيقي . إنه حقا فقير لكنه غني الروح . وحينما يثمل كان يتكلم
مثل الفراعنة هكذا يبدو لي في حينه . كنا نتناقش في الفلسفة والأدب والسياسة وكان على اطلاع
واسع في مثل هذه الأمور . لم يكن مثلي متمردا أو ثوريا .أما منزله فكان بسيطا للغاية ومتواضعا لدرجة لا تناسب هيئته الأنيقة والطموحة . وكانت لديه مكتبة بالبيت مليئة بما لذ وطاب من الكتب
القيمة لكبار المفكرين والأدباء العالميين . ولما أزور بيته بصحبته لا يكون ذلك إلا لمعاقرة الكؤوس . وعند انتهاء السهرة كان من عادتي أن أحمل معي كتابا من كتبه وكنت أشعر كما لو أنني أحمل معي
فلدة كبدي أو كنزا من الكنوز . أتذكر أنني يوما حملت معي كتاب داروين - أصل الأنواع - .
قال لي يوما - أيها الشاعر المبجل - هكذا كان يخاطبني عندما تشرق الخمر في صلعته - إسمع
يضيف - إن هذا العالم فيه جنس العرب واليهود وهما من سوف يوسخان هذا العالم ويلوثانه لأنهما
سبب كل البلاء -
لم أكن أهتم كثيرا لهذه المقولة لأنني كنت أظنها خاطئة . لكنني اليوم وأنا أتذكره وأتفقده أتمنى من كل قلبي أن تجمعني به صدفة ما فسيكون ذلك يوما عظيما في حياتي . لأذكره بمقولته لأنها بالفعل صحيحة إلى حد كبير .
ذات ليلة كنا معا داخل بيته وكانت سيدة البيت كعادتها تضع قطعا من البوفتيك والجبن والدجاج أمامنا ونحن نشرب الخمر وكان الوقت صيفا والسماء كانت مزدحمة بالنجوم فتبدو كاللآليء المضيئة
وكنا نجلس خارج البيت في باحة يلتف حولها جدار يحفظ للبيت حرمته . وقد جعلنا ذلك نتفرج على روعة وجمال السماء . لم أكن بسبب خجلي أتطلع لوجه سيدته عندما تقترب منا لخدمتنا . لكنني رمقت
خيال سيدة حامل ببطن منتفخ عرفت أنها حامل . كما كان من عادتي أن أتحفظ في قضاء حاجتي
الخصوصية في بيوت الناس . كنت أجد ذلك عيبا حينما يستضيفني أحد . لكنني حينذاك وجدتني مرغما
أتوق لدخول بيت الراحة . ربما من فرط الأكل والشراب . ولأول مرة رغم زياراتي المتعددة لبيته سألته عن وجهة المرحاض . قام فورا ودلني عليه فدخلت وأردت إقفال الباب علي لأقضي حاجتي لكن المرحاض لم يكن له قفل من الداخل . من سوء حظي تعذر علي قضاء حاجتي فصرت أتعصر
وأتعصر لكن بدون جدوى . بقيت على تلك الحال أحاول وأحاول وأتعصر وأتعصر وطال بي الوقت
في الداخل مما حذا به أن يعرف السبب ففتح الباب علي ووجدني على تلك الحالة وأنا أتعصر
بشدة ثم قال لي - ستلد زوجتي هذه الليلة - نهضت وعدلت من بنطلوني وأنا في حالة نفسية غامضة لأن الرغبة في قضاء حاجتي إختفت بسرعة فعدت إلى مكاني . بعد دقائق معدودة سمعنا
صراخ السيدة إنه ألم المخاض والولادة . ثم قال - ألم أقل لك ؟ - وأضاف إنهض ياأخي لنأتي
بالمولدة. قصدنا دار عائلة السيدة وطرقنا باب بيت بالجوار ورافقتنا بعض النساء . عدنا إلى مكاننا
نشرب الخمر ونتأمل في روعة النجوم في السماء وننتظر الفرج . فإذا بنا نسمع صراخ الوليد الجديد
وجاءت على الفور سيدة أخبرتنا بأن الزائر الجديد ذكرا . قلت لرفيقي مبروك يا .......... عانقني وقبلني
من جبيني ففعلت نفس الشيء قبلت جبينه البارز والفرحة لا تسعني .
خلال الهدوء الذي جاء بعد العاصفة قال رفيقي
هذا الوليد الجديد لن أعطيه إسم الفراعنة كأخيه بل سأطلق عليه إسما من أسماء الأنبياء
قلت ما هو الإسم
قال
إلياس .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:48 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-22-
13-10-2009, 11:19 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=42501


أريد إضافة حلقتين أخريين للحلقة المنصرمة بخصوص صديقي المثقف عملا بنصيحة كبيرنا مصطفى
مراد بشأن التفاصيل التي تحدث لي مع الآخرين .
خلال هذه المرحلة من تاريخ بلادي تفشت المخدرات بشمال المغرب . لذا كان المغامرون والعاطلون ومن لا صنعة له وآخرون من عشاق المال الفاسد . كل هؤلاء كانوا يتاجرون في هذه المادة التي تسمى
( الشيرة ) . بدأ مخدر الشيرة ينتشر بشكل مخيف ويزحف بويلاته ليغطي الأماكن العامة والأحياء المهمشة وقد كانت فلول السياح الأجانب ولسيما الفقراء منهم يتعاطون لهذه المادة ويختلطون بالمغاربة مما ساعد ذلك على انتشارها بسرعة فائقة وكنت أنا من ضمن هؤلاء الشباب الذين وقعوا في فخها وابتلعهم الشرك .فكنت أدخنها مع المدخنين المغاربة والأجانب. كانت موجة كبيرة وضخمة
من الهبيين تدخل المناطق الشمالية خصيصا لتعاطي هذه العشبة واقتنائها سريا لحملها نحو أوربا .
فعم رواج كبير المنطقة وانتعش الإقتصاد بشكل واضح . وأصبح بعض المغاربة أثرياء يلعبون بالأوراق
المالية في الأماكن السياحية المختلفة . ورغم أن هذا النشاط كان محضورا إلا أن بعض التساهل
أو غض النظر كان عاديا ومعمول به مقابل تسديد الدعائر . وبما أنني كنت عاطلا عن العمل فقد كنت مجبرا لأشارك مشاركة ولو من حين لآخر كي أغطي مصاريفي الضرورية فكنت أتدبر أمري لحيازة
كمية قليلة من تلك المادة فأبيعها بالتقسيط وكنت أخشى الوقوع والسقوط في مطبة تودي بي للسجن
فكنت أحتاط كثيرا من عواقب هذا النشاط الممنوع . فرغم وجود أصدقاء يعرضون علي سلوك هذا الطريق ويعفونني من تسديد ثمنها مسبقا إلا أنني كنت أتهرب من ذلك ولا أذعن إلا نادرا .
صديقي ولو أنه لا علاقة له بالأمر. لكنه رغب في إتاحة فرصة لي كي أتدبر بعض النقود. فاتصل بشخص يعرفه وهو من سكان المنطقة الكتامية وكان ذلك صدفة فتحدث إليه فقام هذا الأخير باحضار كمية
قليلة من الشيرة لا تزيد على رطلين أو ثلاثة ومن النوع الجيد وسلمها لي . فقمت أنا بدوري بتسليمها
لشخص مختص في بيعها سدد لي ثمنها . أخدت المبلغ الذي يصل إلى خمسة آلاف درهم وكان في
ذلك الوقت مبلغا محترما . اتصلت بالصديق وطلب مني انتظاره بالحانة المقابلة لإدارة المالية فانتظرته
طويلا ولساعات قليلة ولم يحضر. في حين كان هو يراقب خروجي لباب الحانة من حين لآخر ولاحظ
قلقي .وفجأة حضر . قلت له لماذا هذا التأخير ؟ قال لي مبتسما : بصراحة كنت أراقبك وتأخرت متعمدا لأشجعك على الإنصراف بالفلوس لوحدك . لكنك لم تفعل . وقلت له ; أتظن بي سوءا ؟ قال ; لا . وحتى
لو فعلت لم يكن ذلك ليغضبني . هذا المبلغ كله سننفقه بمدينة طنجة في الشراب والنساء . وأضاف
أيضا ; سأفرفشك ياأخي أحمد جزاء أمانتك . قلت : لكن يجب قبل ذلك أن نعطي الرجل ثمن بضاعته
قال ; لا عليك إنه صديقي أعطاني هدية أقتسمها معك.
قبل بيع تلك البضاعة كنا نحتسي الشراب ببيته وفي آخر السهرة قام هو لينام مع زوجته وولديه
بحجرته الخاصة بالنوم . وكانت بالبيت فتاة قاصرة عمرها نحو ثلاثة عشرة سنة ظننت أول الأمر أنها
ربما خادمة لكنني من خلال حديثه فهمت أنها أخت زوجته . كانت هذه الفتاة تخدمنا بإحضار الأكل لنا
من حين لآخر .
من غريب الصدف هو أن الفتاة استسلمت للنوم بنفس الصالون الذي كنا نجلس فيه على كنبة بالقرب
من المكان الذي افترشته لأنام عليه بعد أن أعطاني صديقي فراشا وغطاءا .
أطفأت النور واستسلمت طلبا للكرى لكنه تعذر علي . وبفعل الخمرة تأثرت بوجود الفتاة بالقرب مني
وانشغلت بالأمر . فإذا بي وجدتني دون أن أقرر ذلك أحبو على ركبتي ويدي كطفل يريد اختلاس شيء ليس له . تقدمت نحو الفتاة وتناولت يدها في الظلام وقبلتها ورجعت نحو فراشي بهدوء
وأحسست بالريق قد نشف في فمي وحنجرتي من شدة الخوف والقلق وأحسست وأنا أقوم
بذلك كما لو فقدت كرامتي . لكن الفتاة القاصرة صعقتني بكلامها عندما قالت لي ; لماذا هربت أأنت
خائف ؟ ما أن سمعت كلامها ذاك حتى أخذتني البارانويا وقلت إنها مآمرة .
قمت استعدادا للرحيل وأضأت الصالة وجمعت أغراضي وأنا مضطرب إضطرابا عظيما . فتحت باب البيت الرئيسي وخرجت ثم أقفلت الباب وانطلقت نحو الشاطيء الذي كان خاليا ومظلما وهدير
الأمواج كانت تدخل أذني كما لو أنها سنفونية طبيعية تحكي شيئا غامضا لا أفهمه . كان بحر مرتيل
يهدر بأمواجه كما لو أن البحر يحدثني عن موضوع غير مفهوم .كنت منتشيا وأشعر بسعادة مبهمة
وكنت أردد :
سبحانك ياإله
سبحانك ياعظيم
سبحانك ياجليل
سبحانك ياكريم.

محمد رشدي
18-12-2011, 02:51 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا -23-
16-10-2009, 07:18 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=42555


إلتقيت من جديد بالصديق الفرعوني فبادرني متسائلا عن خروجي من بيته خلال الهزيع الأخير من الليل. فحكيت له عن الفتاة القاصر التي نعتتني بالخائف والهارب من تأثيرها . فوعدني بأن يتحرى الأمر
ويناقشه مع زوجته.
غادرنا تطوان في اتجاه طنجة مدينة البوغاز العجيبة . وانتقلنا من حانة إلى حانة ومن مرقص لآخر وكنا نشرب بشهية وبدأت الخمرة تلعب دورها رويدا رويدا وفجأة وبالصدفة التقيت بفنان يترأس فرقة
موسيقية وهو عازف ماهر للعود أفسح المجال لي لكي أغني فأديت أغنية محرم فؤاد - ياوحشني
ورد علي - وانضممت من جديد للصديق الدي كان محفوفا ببنات الهوى . فجأة لمحت واحدة ترمقني من بعيد اقتربت منها فلاحظت أنها عوراء ترى بعين واحدة . سألتها عن سبب عاهتها المستديمة فأخبرتني
بأنها نتجت عن حادثة سير . تأسفت . قلت لها بأنها رغم كل شيء لازالت تحتفظ بجمالها . فعلا لقد
كانت كذلك. أحسست بأن شيئا فيها يجلبني ولربما بسبب تلك العاهة بالذات فطلبت منها الإنضمام معا للصديق . وكان هو أيضا تعلق بواحدة سمرتها داكنة . فكرت لو كما أساء الإختيار لكنني تراجعت عن
الفكرة ولم أفصح له عنها فأنا كذلك أتيت بفتاة بعين واحدة رغم أن المكان يعج بالفتيات على كل الأشكال والأذواق .
أصبحنا - بعد تسكع غير قليل بين الأماكن الليلية بالمدينة المشتعلة - داخل فندق - ريتز - ودخل
كل واحد منا بعروسه . كانت فتاتي لذيذة بشكل عجيب هكذا أحسست لم تتركني أنام وكانت
لي الشهية التي استجابت لها . لكن في الصباح استيقظنا على جلبة بحجرة الصديق تحرينا الأمر
فكان بينهما صدام . قال الصديق بأنها لم تستجب في الصباح عندما أراد تكرار اللعبة وقال بأنه
سدد أجرتها وعليها أن تذعن . كان صديقي غاضبا ويصفها بالعنطيزة . سألتها مدعما رأي الصديق
فأجابت قائلة - لقد تعبت من النكاح وكرهته ياأخي - وتأثرت بكلامها وأعطيتها ورقة مالية محترمة
وافترقنا .
عدنا إلى تطوان ولدى وصولنا قال صديقي بأنه يرغب في شراء هدية لزوجته ولابنيه رمسيس وإلياس . إشترى لهم أحدية جميلة وبعض الحلويات الممتازة . وقبل أن يأخذ كل واحد وجهته نحو
بيته - وكنا في حالة إجهاد بسبب السهر والخمر والتعب - قال ; تمعن ياأخي أحمد في غرابة أطوار
الإنسان . أختار أنا فتاة عنطيزة بينما أنت تختار فتاة بعين واحدة . بالتأكيد نحن كلانا شخصان غير
طبيعيين . ثم طأطأ رأسه وامتطى سيارة الأجرة . تركني محملقا ومذهولا إلى أن إختفى مع
السيارة في الأفق البعيد .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:53 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا- 24-
19-10-2009, 07:51 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=42623


الشرير
هذا هو اللقب الذي أطلق عليه من طرف سكان الحي . وفعلا لقد كان شريرا بكل ما تحمله الكلمة من
معنى . لم أكن أعرفه إلا من خلال نظرات عابرة . فشاءت الأقدار أن أتعرف عليه بإحدى الحانات . فهذه الأماكن قد تعرفك بالصالح والطالح . لاحظت راحتا يديه دائما مبللة بالعرق صيفا وشتاءا . وكنت أعتقد أن هذه الحالة نتيجة لمرض بسيكولوجي . والرجل كان عبارة عن كمشة من الأمراض النفسية وعلى رأسها
السادية لأنه كان يتلذذ بمعاناة الناس .
تصرفاته كانت تسيء للجميع ولم تكن لديه أخلاق إطلاقا. فصدمت أول الأمر وبعد ذلك صرت أشفق عليه لكنني كنت أتجنب الأماكن التي يتواجد بها لكنه بعد أن تعرف علي عن كثب صار يبحث عني في كل
الإتجاهات وبحكم طبيعتي كنت أتدرع بأسباب واهية لأتجنب مصادقته فكان يقول لي غاضبا :
- نحن نحبك ونحترمك وأنت تتجنبني
- أنا حينما لا تكون النقود بجيبي لا أذهب لأي مكان
-من طلب منك أن تسدد شيئا تشربه
- يجب أن تفهم بأنني لا أقبل بأحد أن يسدد فاتورتي نيابة عني
- إحسبها ياأخي سلفا وقرضا .. هه .
ولما كنت من حين لآخر أصطحبه لشرب الخمر كان دائما ينشب بينه وبين أحد ما عراك نتدخل من أجل إنهائه . كان يفسد كل شيء بفعل سيء من أفعاله المخجلة . كالثعبان ينهش في أي كان
لمجرد أن يدير ظهره وأحيانا كثيرة يسيء إلي أيضا لمجرد أن أغيب لفترة في المرحاض مثلا . وكان يكره النساء لكنه يرغب بجنون في مضاجعتهن ولم يكن له حظ مع إحداهن بتاتا . وهو يشوه سمعة أي كان حتى ولو كان شقيقه . كان يفعل ذلك بالباطل وبدون حق .
ذات يوم جاءني مهرولا وطلب مني أن أركب معه سيارته - سيمكا - اعتذرت فصار يناشدني ويلح ويلح وكان عدري حقيقيا . لم يكن بجيبي سوى دراهما معدودة . لا تسمن ولا تغني من جوع. لبيت طلبه بمرارة واضحة . وبينما نحن متجهان نحو - مرتيل - رمق مومسا تسير على رصيف الطريق
فتوقف للحظة ثم دعاها فتأملت في كلينا ثم ركبت . انطلق مسرعا نحو غابة- كابونيكرو - مرورا بمرتيل
وتوقف بمكان مقفر . إصطحبته المومس داخل أشجار الكاليبتوس . بقيت منتظرا ثم نزلت لأستنشق رائحة الطبيعة والبحر . وبعد مدة ليست بالقصيرة خرجا من بين الأشجار وكانت حانقة ثم
قالت لما وصلت إلى السيارة ;
لم أر رجلا متوحشا مثلك . ألم تضاجع إمرأة في حياتك ؟
تفوه هو بكلام يهين المومس فقطعت كلامه مخاطبة إياي ;
ألا تريد أنت مضاجعتي ؟
قلت لها بأن طبيعتي وأخلاقي لا تسمح بقبول التناوب على امرأة واحدة من طرف إثنين .
وأضفت - حتى لا أجرحها - ;
ربما لو إلتقيت بك لوحدك كنت سأفعل .
تحركت السيارة لتلفظها بمكان أشارت هي به علينا . ثم طلبت من الرفيق ثمن المضاجعة
لكنه قال لها بأنه خالي الوفاض وليس له ما يمكن أن ينفحها به . فظهر الغضب على وجهها واحمر
بسبب تلك الفورة العصبية . ثم قالت له ;
- لنحسبها صدقة
فرد اللئيم ; وهو يبتسم ابتسامته البشعة قائلا
صدقة بالفرج مقبولة أكثر من أية صدقة أخرى مهما كان نوعها .
أساءني ما فعل لتك المومس المقهورة وتمنيت لو كان لدي نقوذ آنذاك لتصرفت نيابة عنه بسلوك
غير مهين لها . بقيت حزينا لما صفعت باب السيارة وانصرفت . فإذا به يسألني ;
- أتعاطفت مع القحبة ؟
- هذه السيدة لها ظروفها القاهرة ربما أقوى منها جعلتها تستسلم أو ربما قرأت فينا الخير - كان يقهقه ويقول : سيدة . سيدة . يقول سيدة . وهو يقهقه وأضاف
- أعرف أنك دائما رومانسي تتعاطف مع أي كان فأنت معروف بعاطفتك هذه . أما أنا أكره القحاب
أكره القحاب . كررها بصوت عالي وبغضب .
فجأة راودتني فكرة الإنسحاب وأشرت عليه بالتوقف لكنه لم يتوقف بل تابع سيره وهو ينظر إلى
الأمام ويخاطبني قائلا :
- سنشرب معا لترا أو لترين من النبيذ - كنا قد دخلنا المدينة - وتوقف بجانب - حانة شالة - وأضاف;
- إن المراكشي سيضع لنا قطعا جيدة على الكنطوار - ويقصد بالمراكشي النادل وهذا كان إسمه
المعروف عند الرواد .
دخلنا الحانة وأنا أسأله :
إذن لما كذبت على المومس وقلت لها بأنك بغير نقود ؟
قال بعصبية ; إنها قحبة ياأخي ألا تفهم ما معنى القحبة ؟
وكانت عيناه تبرق بالشر مثل آلة التلحيم التي يشتغل بها داخل ورشته . التلحيم أثر على بصره
ولهذا كان وجهه دائما يبدو بشعا بفعل ذلك . وجدت الفر صة السانحة فانسحبت بهدوء وتركته
مع شره المستطير .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:55 PM
الجزء الثالث من سير ة البسيط والهيئة العليا-25 -
19-01-2010, 07:19 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=43690


الشرير لم يعد شريرا في نظري فقد شعرت فجأة وكأنني فهمت حزنه والكثير من أسبابه. وصرت أكثر
إستعدادا للقبول بأذاه لأني في نفس الوقت كنت أدرك أن الشر ليس إلا مرضا . لهذا له فيروساته
المؤذية . فانجرفت معه نحو هاويته ونحن متناقضان بشكل فضيع للغاية. لقد حكى لي مرة بأنه جاء ليلا
للبيت وكان ثملا بشكل زائد ثم نام وفي الصباح إستيقظ فأصيب بالدهشة لأن سروال النوم لديه كان
مقلوبا وكان يقسم أو يؤكد بأن السروال لم يكن كذلك عندما استسلم للنوم. وبقيت علامة الإستفهام
ماثلة لدينا بدون جواب . وكنت أفكر مع نفسي بأن حياتنا دائما تحدث فيها أشياءا لا نفهمها . فأنا أيضا إستيقظت ذات يوم فلمحت بقعا زرقاء على دراعي كما لو أن أحدا عضني أو ضربني فترك
الأثر . ولم أدر كيف حدث ذلك بينما أنا نائم في مكان آمن ومستقر . سألت عن هذه الظاهرة فقيل لي بأن الأعصاب تحديدا تفعل ذلك .
الشرير كان محل الحدادة لديه مواجها لمنزل ضابط سامي بالامن الوطني برتبة كومندان وكان هو يلتقي بالرجل أحيانا بالورشة وأخرى بباب المنزل المقابل وكان سعيدا بمعرفة ذلك الضابط
ويحسبه صديقا . وبما أنني شخص مشبوه سياسيا فقد كنت أعرف بأنه لن يتوانى عن التبليغ عني
للرجل فقط للإساءة إلي . وكنت أجهل ما يحكيه له عني أو ربما كان يخبره بما يحدث لنا دائما .
وكانت لدي حساسية مفرطة إتجاه هذه العلاقة . وشاءت الصدفة أن يتعرض الكومندان إلى حادثة
سير كما شاءت الصدفة أيضا أن يكون سائقه شخصا تربينا معا أثناء مرحلة مبكرة من حياتنا لأن
والديه كانا من جيراننا بحارة العيون خلال فترة الإستعمار وكنت لا زلت طفلا . توفي الكومندان أثناء
الحادثة ونجا سائقه بأعجوبة من الموت المحقق. أخبرني بالفجيعة ونحن داخل حانة - شالة-
وصعقني الخبر لأنني كنت أحترم الراحل بسبب حضوره لمخفر الشرطة يوم تعرضنا للتوقيف
بسبب سكرنا البين . فتم إطلاق سراحنا بسبب تدخله. وهذا جعلني أتخذ موقفا نبيلا حيال الرجل
مقابل المعروف الذي أسداه لنا .
لكن الشرير كان ينظر للأشياء بطريقة خصوصية فكان يوحي إلي كما لو أن الرجل مات بسببي
فكان يوجه إلي هذه الجملة : أنت شريف . الخوف منك ياأخي . لكنني كنت أتغابى لكي لا أفهم
وكنت أتساءل مع نفسي إن كان وراء الأكمة ما وراءها فلربما هو يعرف ما لا أعرف .
جاءني يوما وهو مرتبك وفهمت سبب إرتباكه بعد أن ركبت سيارته وصارحني بأن فلانة تريدني
وهي مع فتاة أخرى في انتظارنا . الفتاتين من نفس الحارة وواحدة أخت لصديق . إلتقى بهما فنظم
اللقاء على شرط أن أكون حاضرا . إلتقط الفتاتين وما أن ركبتا حتى إنطلق الشرير كالسهم لا يلوي على شيء . وأخذ وجهة المضيق هناك إشترى زجاجتين من النبيذ وأربع سندويشات وهرع
نحو جبال مدينة الفنيدق وهو يسابق الريح وبسرعة خطيرة أدخلت الرعب إلى قلبي . طلبت منه
أن يخفض من السرعة لكنه لم يبال فصرخت في وجهه كي يقف وشتمته . توقف . وفتح باب السيارة ونزل ثم اتجه نحو الصندوق الخلفي لسيارته وأخرج عصا حديدي وهددني به وكنت أنا في
حالة غضب عارم وقلت له بأنني سوف أقوم بإدخال هذا القضيب الحديدي في مؤخرته . الشرير
دائما جبان . أرجع الحديدة إلى مكانها وأقفل الصندوق ثم خاطبني قائلا ; لن تركب سيارتي .
ضحكت مليا بمرارة وقلت له ; إن أنا ركبت سيارتك لن أكون حينئذ إلا نذلا خبيثا مثلك . حينئذ
وبكل ثقة قال للفتاتين ; هيا بنا . كنت أنا قد جلست القرفصاء على قارعة الطريق بين تلك الجبال
المقفرة . وكانت المفاجأة ولم أكن أتوقعها بسبب الخطر الذي كان يحدق بالفتاتين بذلك المكان
المقفر . إمتنعت الفتاتان عن ركوب سيارة الشرير وجلستا بجانبي واحدة عن يميني وأخرى عن
ميسرتي . - سنبقى مع أحمد - ما أن سمع رأيهما حتى ثارت ثائرته وهددنا بكونه سوف يرسل
إلينا عصابة . وهدد أيضا بإرسال الدرك . لكنني شتمته وبصقت عليه وأحسست بأنني أسد حقيقي وقادر على حماية الفتاتين فقط بسبب الموقف الذي إتخذتاه نحوي . تابعت بنظري السيارة
إلى أن غابت عن البصر . بدأت أفكر كيف أتخلص من الورطة . وبعد مدة زمنية قصيرة لمحت هدفا
قادما من بعيد ما أن إقترب حتى ظهر جليا . لقد كانت سيارة فوركونيط من نوع مرسيدس 207 ورفعت
يدي فتوقفت وكانت مليئة عن آخرها بأشخاص . طلبت من السائق المساعدة وأخبرته بأننا في ورطة . أشار علي بأن
أنتظره . ثم أنزل أولائك الأشخاص بعيدا عنا وعاد إلينا وحملنا نحو مدينة الفنيدق . أخبرته بأنني
خالي الوفاض وقد أعود يوما لأرد له الجميل . وشكرته ثم توجهنا نحو
قارعة الطريق من جديد تأهبا لأوطوسطوب . لا أحد يقف فقط بعض المتسكعين الذين كان
هدفهم هو الفتاتين لكن الفتاتين لا أكثر. إلى أن لاحت سيارة من بعيد كانت متجهة نحو المضيق
رفعت يدي فتوقفت وحملتنا نحو المضيق . وكان صاحبها يجلس بجانبه صديقه بالمقعد الأمامي وخلال
الطريق ومن حديثهما عرفت بأنهما شخصان محترمان ويشتغلان ربما إطارين بإدارة الدولة .
دخلت دكان - حسن - ومعي الفتاتين وحكيت له القصة من طقطق إلى السلام وعليكم . وأعطاني
قرضا وسندويشات وركبنا سيارة طاكسي أوصلتنا إلى تطوان سالمين .
في الغد عدت إلى المضيق وسددت للصديق ما بذمتي نحوه واستضفته لشرب بعض الجعات
إكراما له على معروفه الجميل . وخلال الحديث الذي كان يدور بيننا قال لي ;
كيف ياأخ أحمد ترافق ذلك الوغد الملقب ب ....................... يقصد الشرير .
هذا الصديق الذي أقرضني النقود هو نفسه اليوم صاحب مطعم وحان -شيكو - بالمضيق ومن أجمل الأماكن السياحية بالمضيق ..
........................

محمد رشدي
18-12-2011, 02:56 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-26-
26-01-2010, 10:16 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=43777


رغم الواقعة التي حدثت لي مع الشرير ورغم غضبي الشديد منه. فقد وجدني بعد أيام قلائل ثملا
بحانة - شالة - الشعبية . فصار يتودد إلي ولم يكن لديه أثر للإحساس بالذنب على ما اقترفه. في
حين كنت أنا لا زلت أرى الشر واضحا في نظراته البشعة من جراء تأثير آلة التلحيم على بصره بسبب
مهنته التي كان يمارسها يوميا في ورش الحدادة الذي كان مصدر دخله . كنت قادرا على مسامحته
واتخاذ الحيطة منه أيضا لأنه لن يتوانى عن تكرار ما هو طبيعةمجبولة في سلوكه. قام باحتساء قارورة كاملة في لحظة خاطفة وهو يقول ; نحن الآن متساويان . وبعد هنيهة طرح علي اقتراحا ;
لما لا نقوم بجولة ؟ قلت ; في جبال الفنيدق ؟ فضحك مليا ثم أضاف ; لن يتكرر ذلك أيها الرجل
الطيب . فضعفت روحي أمام إطرائه وسألته عن المكان الذي ينوي الدهاب إليه فقال بأن كابو نيكرو
ملائما بالمناسبة . ووصف لي الفضاء الذي سوف نقصده بكونه خاص بالأجانب وهناك تستحم الفتيات الأجنبيات وهن عرايا فذكرته بأن هذا المكان ممنوع على المغاربة المكبوتين مثله فضحك
ضحكته المجلجلة واتهمني بأنني مكبوت أكثر منه وبأنني مدمن على العادة السرية رغم حظوظي
الوفيرة مع الفتيات .
وصلنا كابو نيكرو فركن سيارته - سيمكا - في إحدى المواقف الخاصة بالسيارات ثم توجهنا نحو مركب
سياحي يقف حارس مغربي ببابه وكنا في حالة سكر واضح للعيان وكان هو يحمل آلة الغناء في يده واقتحمنا المكان رغم محاولة الحارس المغربي لثنينا عن الدخول . وما أن أصبحنا في الداخل
حتى تعلقت بنا أنظار الأجانب نساءا ورجالا مستغربين وجودنا ونحن ننظر بنظراتنا الشرهة كما لو
جئنا من عالم متوحش . كنت أنا أسرق النظرات إلى النهود العارية التي زادتها أشعة الشمس
بهاءا فبدت لي كحبات الليمون الرائعة أو كحبات الرمان المبهجة وشعرت بسعادة مبهمة وكانت
مياه حوض الماء صافية وبراقة كمياه الغدران وبدا لي العالم هناك ملونا بألوان عجيبة وزاهية وأحسست
كما لو أنني في الجنة . إستيقظت من غيبوبتي على إثر حضور رجل في مقتبل العمر يقف أمامنا
ويطلب منا الخروج ويخبرنا بأن الفضاء خاص بالأجانب وممنوع على المغاربة . وكانت النظرات
مصوبة إلينا كأنها سهام ثاقبة وبدا كأن حالة طواريء حلت بالمكان والرجل يستعجل رحيلنا . ضحكت
من الرجل وقلت له ممنوع على من ؟ قال على المغاربة . كيف تمنعون عنا أماكنا على أرض وطننا
فنحن لسنا في فرنسا ؟ نحن على أرض الوطن , وأضفت ; إذهبوا أنتم إلى بلدكم أو إلى الجحيم
وكنت أتكلم بلغة فرنسية ركيكة ورديئة لكنها كانت مفهومة لدى الرجل الشاب الأجنبي وكان هو يعلق صفارة على صدره مما يوحي بأنه مكلف بحراسة المكان .
ثم سطونا على طاولة كانت شبه خالية وجلسنا واضعين آلة التسجيل على الطاولة البيضاء كأننا في بيتنا . وبعد دقائق معدودة رأيت دركيين مقبلين نحونا . أشارا علينا بالوقوف واقتادانا نحو الخارج وكنا نسير أمام الدركيين مطأطئي الرأس وكنت أتكلم أنا بفرنسيتي الرديئة قائلا ومتلعثما بسبب
ثمالتي ; نوسوم با دوكلوشار .
وكان أحد الدركيين يبتسم ساخرا من فرنسيتي .
وصلنا موقف السيارات وكان الرفيق يستعطف الدركيين ويخبرهما بأن ورش حدادته فيه أشغال
الزبناء وسوف يظل مقفولا خلال العقوبة مما سيلحق به ذلك الكثير من الأذى . كما أخبره بأنه صديق فلان الدركي المعروف بالمنطقة وهو رجل سكير كنا قد إستضفناه فعلا ذات يوم وشربنا
معا وكنا عندما ننتقل من حانة إلى أخرى كنت أنا أعطي مكاني بمقدمة السيارة للدركي الضيف
إحتراما له وإكراما أيضا لمهنته فقد كان هذا السلوك من طبعي دائما مع أي ضيف . فسمعت أحد
الدركيين يجيبه قائلا ; صحبك د الطاسة ياك ؟ .
رمق الدركي الآخر الجريدة على مقعدي الأمامي فالتقطها وكانت تلك الجريدة آنذاك كافية
لكي تقودك نحو التحقيق إنها جريدة المحرر لسان حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية
ومدير تحريرها هو الشهيد عمر بن جلون الذي إغتاله أحد الإسلامويين خلال السنوات الحالكة
من تاريخ البلد .
تفحصها الدركي ثم رمقني بنظرة حادة ورمى بها على نفس المقعد ثم قال لنا ;
هيا أغربا عن وجهي لا أريد أن أراكما بهذه الناحية . إنها منطقة نفوذي . وأشار بأصبعه محذرا
شكرناهما وتنفسنا الصعداء ونحو نخرج من المنطقة بسلام غير مصدقين خاتمة المغامرة وغير
ثملين كما كنا من قبل .

محمد رشدي
18-12-2011, 02:57 PM
ضياع وضياع
01-02-2010, 01:36 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=43833


الإحساس بالضياع
والإثم الوجودي
الإحساس بالذنب والتفاهة والإحباط
الإحساس بالفشل والدناءة.
هذه الأحاسيس كلها تجمعت داخل كيانه .فتمنى لو كانت له القدرة على الإنتحار ليتخلص منها ومن حياته التافهة دفعة واحدة . فقد أصبح غير قادر على حمل وجوده . حياته وحياة البشر في نظره مجرد فضيحة. لا شيء مقام على الشكل الصحيح كما يعتقد دائما . مشاكل العالم كله تكاد تفجر رأسه العنيد.
تذكر للحظة الفلم الذي عرضته إحدى الفضائيات على الشاشة الصغيرة ليلة البارحة . أثرا بالغا تركه
الفلم على نفسيته المنكسرة . إنها قصة أسرة تتكون من زوج ناجح وزوجة جميلة وابنهما الذكي ذو الثامنة ربيعا من عمره . كان الطفل محور الأسرة وقلبها النابض . فجأة شاء القدر أن يقحم رجلا مجرما قتل زوجته الخائنة وقطع جثتها إربا إربا بلا رحمة . مباشرة من السجن كان الرجل السجين
يحضر لبيت هذه الأسرة السعيدة ليقوم بتشديب حديقتها ثم يعود أدراجه مساءا نحو قلعته المقفولة بإحكام جيد على السجناء مثله . تعلق به الطفل الصغير قبل أن تتعرف والدته عليه . وقد لاحظت ذلك فسألت زوجها إن كان في ذلك خطر على فلدة كبدهما فطمأنها بأن السجين محل ثقة مؤكدة.
ما أن كلمته لأول وهلة حتى وجدت نفسها تسأله عن تهمته لتتأكد فأخبرها بأن ما سمعته كان صحيحا. وبأنه قتل زوجته لأنها خانته بالفعل. وجدت نفسها ترتمي في أحضانه دون أن تجد سببا لذلك . الطفل البريء صادف خروج السجين من بيت النوم الخاص بوالديه فلم يفهم لماذا كان هناك
وقالها لمديرة شؤون البيت ومربيته . كان السجين مرتبكا ومهرولا لأن المفاجأة لم تكن متوقعة عندما
حضر الزوج ورأى بأم عينيه الفضيحة وكانت زوجته بشعرها المنفوش ينم شكلها على أثر المضاجعة
المحمومة التي حدثت بينها وبين العشيق السجين .
هربت معه . البحث عن العاشقين على قدم وساق . أخذها عند صديق فنان في النحت كالسجين أيضا
فهو بدوره كان فنانا نحاتا مثله . واختبئا عنده ببيته . بعد أيام معدودة صارت السيدة شاردة وساهمة
من هول ما حدث لها . سألها فقالت له بأنها لا تستطيع البقاء بعيدة عن فلدة كبدها . قال لها بأنه
يرحب بابنها أيضا .
حضرت للبيت سمح لها الزوج برؤية إبنها . بعدها طالبها بالعودة إليهما ونسيان عشيقها نهائيا . لكنها
رفضت وقالت له بأنها لن تكف عن محبته . ودون وعيها إستدرجت رجال المباحث فألقوا القبض
عليه.
عادت للبيت وكان القدر يتهيأ للعبة أخرى ضدها كانت هي الأخيرة والقاضية . على ضفة النهر المجاور للقصر الذي تسكنه كانت تجلس وهي في حالة حزن فضيع ونسيت إبنها وهي تفكر
في العشيق . إبنها الذي كان يصطاد السمك الصغير بقارورة يحاول إدخال سمكة داخلها فجرته
السمكة نحو وسط النهر دون أن يشعر بالخطر فغرق دون أن تنتبه والدته لذلك . لم تسترد وعيها إلا
بعد أن كان الطفل قد فارق الحياة .
لم يعد من شيء يجمع الأسرة حاليا . بموت الطفل إنتهى كل شيء . ومن برج المصحة العقلية التي
دخلتها الزوجة المنبوذة للعلاج رمت بجسدها من الأعلى فسقطت نحو الأعماق المخيفة . قالت لمن تجمع حولها وهي تلفظ آخر أنفاسها ; دعوني وشأني .

هذه القصة أثرت على نفسيته الممزقة . فلاذ بالخمرة كعادته هاربا من نفسه ومن العالم . إلتقى
بصديقه - ف - وخططا لقضاء ليلة حمراء مع فتاتين . الصديقين لهما وجه حزن واحد موضوعه الخلاف مع الزوجة. وكلاهما كان لهما أولاد .
داخل شقة من شقق مرتيل المعدة سلفا لمثل هذه المناسبات إجتمع الأربعة . الصديق كان سباقا
لمن هي الأصغر وترك الأخرى السمينة والأكبر سنا له . فتقبل الأمر . مر كل شيء بسلام . غناء رقص سكر . سميرة التي تسابق إليها الصديق سكرت ولاذت بسريرها الذي تبولت عليه لسبب
ما . أما هو فقد دخل مع أمينة السمينة إلى حجرتهما الخاصة . قال لها ها أنت الآن مع رجل مهم
فقالت له بأنها هي أيضا إمرأة مهمة . قالتها بنوع من الجدية التي أقنعته فصدقها . ولما لا ؟
لم يحدث له الإنتصاب رغم كل المحاولات المتكررة والمتنوعة . كان شبه رجل ميت . فعزت هي ذلك
لتأثير الخمر . بعد برهة قام للصالون من أجل تدخين سيجارة فوجد صديقه جالسا في الظلمة
يفكر في اللآشيء أو في كل شيء . سأله فأخبره بأن سميرته لم تستجيب له بل كانت تدفعه
عنها كلما اقترب منها . وربما تبولت لكي لا يقترب منها . خرجت أمينة وعلمت بما يحصل فلم تقل شيئا بل تفوهت بكلمة واحدة ; إنها ثملة . ولاذت بالصمت . طلب هو نفسه من أمينته أن تنام مع
الصديق لكنها رفضت . فأفهمها بأنها ليست زوجته بل هي ليلة عابرة . لكنها تشبثت بقرارها وقامت غاضبة ودخلت حجرتها . تاركة الباب مفتوحة . أسر لصديقه بأن يدخل الحجرة ويحاول معها
وطلب منه إقفال الباب . بقي صامتا ينتظر ما يحدث ولما شعر بالصمت ظن بأن التبادل قد تم فعلا.
دخل الحجرة الأخرى عند سميرة التي كان سيختارها لو أن صديقه أتاح له فرصة ذلك . كانت لازالت ثملة وسروالها مبلل والفراش كذلك . جردها من سروالها المبلل صار يقبلها ويعانقها أحس بها لذيذة لكن الإنتصاب لم يحدث أيضا رغم كل محاولاته . لكنه وصل للرعشة الكبرى دون أن
يكون عضوه منتصبا .
لم ينم بقية الليل لأن تفكيره كان مشردا ولم يكن راضيا عن نفسه . في التاسعة صباحا بعد أن رأى نور النهار يدخل من فتحات أروقة النوافذ فتح الحجرة الأخرى وأيقظ الصديق الذي كان ينام جنب أمينة . أخيرا طلبت منه أمينة الثمن مضاعفا لأنه نام مع المرأتين وكان على أمينة أن تأخذ من الجانبين وكان هو عليه أن يسدد للفتاتين .
تعانق الجميع مودعين بعضهم البعض وافترق الجمع .
كان الحزن يخيم على نفسية الصديقين وهما راجعان إلى تطوان مودعين مرتيل الآ ثمة .
الإحساس بالضياع . الإحساس بالذنب . والتفاهة والإحباط . الإحساس بالفشل والدناءة .
هو وحده كان إحساسه يفوق إحساس صديقه بإحساس آخر إضافي ومدمر إنه الإحساس
بالإثم الوجودي الذي لا يكون عادة إلا مع الشعراء والأدباء والفلاسفة .
ولما لفظته سيارة الأجرة أمام باب مقهى المواعيد بالحي الذي يسكنه بادره نادل المقهى قاءلا ;
نحمد الله لأننا نراك دائما بخير .
ردد مع نفسه قائلا ; فعلا نحمد الله على السلامة . أما النقود فتهون .

محمد رشدي
18-12-2011, 03:00 PM
العقل الباطن والدعم الفني
02-02-2010, 07:00 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=43857


أعرف أنني مريض وأن والدتي هي السبب المباشر في مرضي الجميل .
أعرف أيضا أن والدتي توفيت منذ بضعة سنين .
لكنني عندما إستيقظت ذات ليلة من النوم لأدخل المرحاض وأفرغ مثانتي كالعادة
رأيتها واقفة بباب الحجرة تنظر إلي بنظراتها الشزراء والمخيفة
أزاحت الستار الذي لم يكن حقيقيا وخرجت أو إختفت لست أدري
أنا بالتأكيد لم أكن نائما
أعرف أنني كنت في تمام وعيي كما أكون دائما وأنا متجه نحو المرحاض
توجهت نحو المصباح المثبت بباب الغرفة
رجعت هي لتقف من جديد بالباب نفسها حيث كانت من قبل
شهقت لرؤيتها ثانية
شهقة شهقتين ثلاث
لم أستطع التنفس وكان صراخي متقطعا مع حدوث الشهقات وتحول إلى زعيق
إستيقظ من في البيت بما في ذلك من في الطابق الأعلى وأضيئت الأضواء في كل أرجاء المنزل
لم تكن والدتي هناك حيث رأيتها . أين اختفت ؟
رباه ما رأيته كان حقيقيا ولم يكن حلما على الإطلاق . لقد كنت مستيقظا وفي تمام وعيي
من فعل ذلك أهو العقل الباطن ؟
قرأت في كتب علم النفس بأن العقل الباطن أقوى من العقل نفسه .
صرت أخشى النظر إلى ذلك المكان الذي كانت تقف فيه والدتي الراحلة في تلك الليلة
أنا أعرف بأن ذلك من فعل العقل الباطن ومع ذلك أتجنب النظر إلى المكان المحدد.
بعد أسبوع أو أقل
إستيقظت كعادتي كل ليلة واتجهت نحو المصباح لأضيء النور وفي الظلمة رأيت شبحا
واقفا بعين المكان في نفس المكان بالضبط
لم أشعر بالرعب كما من قبل . خطوت بهدوء نحو المصباح فأضيئت الحجرة
كانت هناك زوجتي واقفة كالنصب ففهمت أن زوجتي أرادتني أن أصاب بالرعب والفزع كما
من قبل لكن عقلي الباطن أخبرني ودعمني وانكشفت لعبة الزوجة الدنيئة
العقل الباطن قام بحمايتي من اللعبة الخادعة السادية
مثل هذه الزوجة ألا تستحق كل خيانات العالم ؟
كيف لا ولعبتها خيانة واضحة وحقيقية
العقل الباطن يحتاج الآن إلى الدعم الفني
الدعم الفني وحده قادر على مؤازرتي في مثل هذه الحالات الشادة وأيضا على شفائي .
ربما الزوجة أقسى علي من عقلي الباطن الذي ربما له أسبابه
لكن الزوجة لا أسباب لها بل هي التي من واجبها أن تقف بجانب زوجها هذا إذا كان مريضا طبعا.
الزوجة أقسى من عقلي الباطن ومن أمي كذلك .
أنا محتاج إلى الدعم الفني
وبعض من الناس يعرف قيمة الدعم الفني في علم النفس العيادي .

محمد رشدي
18-12-2011, 03:02 PM
الجزء الثالث من سيرة البسيط والهيئة العليا-27-
03-02-2010, 12:02 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=43863


لقد إنتهيت .
قالها الشرير وهو يعدل من شعر رأسه . قلت له كيف ذلك ؟ قال بأن المشاكل تراكمت عليه مع الزبناء ومع مالك الكراج إضافة إلى عدم تسديد الكمبيالات التي تخص الماطريال الذي اقتناه
بالدين . قلت له ما عساه يفعل ؟ قال بأنه سوف يبيع الماطريال والسيارة ويرمي بالمفاتيح
لصاحب الكراج دون تسديد الكراء للشهور التي تراكمت عليه . وسوف يهرب الى الدار البيضاء
فهناك سيفتح صفحة جديدة لحياته وينتهي من صداع الرأس على حد تعبيره .
على الساعة الثامنة مساءا من ذلك اليوم كنا ثلاثة داخل سيارة رونو وهي في ملكية رجل
جاء ليشتر ي قطع الماطريال الخاص بالحدادة . كان المساء حزينا ونحن ننتظر الشرير وهو يضع
الآلات المبيعة في صندوق السيارة . شعرت بالدموع تنهمر من عيني لم ينتبه لها الرجل القابع معي داخل السيارة بسبب الظلمة التي كانت تكتنف المكان . وقلت مع نفسي إنه مصير كل شر وكل سلوك غير مسؤول فلا ينفعنا في هذه الحياة إلا السلوك النزيه وفعل الخير واحترام
القيم الأخلاقية الكونية الثابتة .

في مدينة طنجة أحسست بالشرير قد تغير تماما وانبهرت كأنني أرى شخصا مختلفا فلقد
أصبح طيبا للغاية وزادت دهشتي عندما تقدم عند متسول ونفحه دراهما . ثم ونحن صامتين نمشي في الشارع قال لي - أرجو أن تسامحني ياأخي أحمد على كل إساءة إليك . قلت له
إنني أسامحك فلا ضير عليك .
قضينا بضع ساعات داخل حانة من حانات المدينة وكان هو يرتب كل شيء وقد أوصى النادل
بأن لا يأخذ مني شيئا بدعوى أنه المتكلف بالمصاريف . أخيرا أصبحنا داخل فندق رفقة فتاتين
حملتنا إليه سيارة خاصة . أردت تسديد الفتاة فامتنعت مبدية إعترافها بتوصلها بأجرها من مرافقي .
لما كنا نمارس الحب وكان ذلك على وقع آذان الفجر قالت الفتاة - بأن هذا فأل حسن .
صباحا ودعته بمحطة المسافرين فأخذ كل منا وجهته .
إختفى لمدة خمس سنوات ولم يظهر له أثر لكنه عاد إلى تطوان بعد تلك المدة وهو يحمل رضيعة كانت ثمرة زواجه مع سيدة من مدينة سلا . هذه الأخيرة لم تقتف أثره عندما سرق
ابنتهما ولاذ بتطوان . لقد جعلها تكرهه وتكره ابنتها منه . لأنها لم تسأل أبدا عن إبنتها وعن مصيرها
إلى غاية الآن حسب المعلومات التي إستقيتها من شقيقه . أدى عقوبة السجن لبضعة
شهور لأنه كان مبحوثا عنه من طرف العدالة . تعهدت والدته بالإهتمام بالرضيعة ولما كبرت قليلا صار
يعتدي عليها بالضرب المبرح حسب الشقيق دائما . إضطرت العائلة إلى إدماج الطفلة بمؤسسة
خيرية بالمدينة . حزنت كثيرا لذلك وكان يتعكر صفو أوقاتي كلما أخبرني أخوه بما يحدث للطفلة
البريئة والوحيدة . إلى أن عرفت يوما أن شخصا قادم من فرنسا تزوجها عن طريق الإتصال
بالمؤسسة الخيرية ورافقته إلى بلا د الثلج والضباب . وأسعدني الخبر كثيرا وفرحت فرحا
عظيما وقلت مع نفسي بأن الله لا ينسى عباده .
أما الشرير فقد هاجر إلى برشلونة منذ سنين طويلة ولم يعد . لقد إختفى وأصبح في خبر كان .

محمد رشدي
18-12-2011, 03:03 PM
قصة إبني أمين مع المدرسة
13-06-2010, 09:03 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45353


بكل تلقائية أكتب لكم قصة واقعية حدثت لإبني أمين نا س حدهوم مع مدرسيه

من سوء حظ إبني أنه يسقط دائما في أردأ المدرسين
ومن حسن حظه أنه كان من نوابغ التلاميذ على الإطلاق وهذا بشهادة مدرسيه نفسهم
كان دائما متفوقا ويحصل على أعلى النقط
خلال المرحلة الأولى من الإبتدائي مر كل شيء بسلام
وعند السنة الأخيرة قاده حظه العاثر إلى قسم به مدرس مسخ ولم أكن أعلم بأنه كذلك
وإلا كنت قد قمت بالمستحيل لأنقله إلى مكان آخر أو إلى مدرسة أخرى إذا اقتضى الحال
كان هذا المسخ هدفه هو النقود
الساعات الإضافية كنت أسددها مضاعفة لأرضاء المسخ
فاشتم رائحة النقوذ مني وبكل وقاحة طالبني بتزليج بيته على حسابي الخاص فغضبت
غضبا شديدا وودعته مستشاطا . فكان ذلك كافيا لكي ينتقم مني في إبني البريء . ماذا فعل؟
نظرا لكون إبني نابغة ولم يكن من الهين أن يرسب . فقد إبتدع طريقة جهنمية لكي يضربه
في صميم إرادته ونفسيته . قال له بأنه عليه أن يهيىء نفسه لجائزة آخر السنة كأفضل
تلميذ . أخبرني إبني فصدقته بسرعة لأنه مشهود له بذلك . تهيأ أمين وحضر لتسلم الجائزة
لكن عندما تم الإعلان عن الجائزة إعطيت لتلميذة لم تكن في مستوى إبني فتم إحباطه .

إنتقل إبني إلى مرحلة الثانوي
كان حظه عاثرا أيضا فسقط في فخ مدرسة مسخ أيضا . لماذا هي مسخ ؟
كانت تنادي جل التلاميذ بالميكروبات وبالحمير وبالألفاظ النابية وكان إبني دائما يشتكي
من هذا الأمر . كنت أنا قد تصرفت مع المؤسسة الجديدة بشكل حضاري فأهديت المكتبة
المدرسية دواويني الشعرية . ولم أدر حينئذ بأن طاقم المدرسة منضم في أغلبيته إلى
حزب إسلاموي . لذا عند قراءة أعمالي من طرف هؤلاء تحول إبني البريء إلى المغضوب
عليه . وتحول إلى هدف يساء إليه . لما كانت المدرسة تطرح أسئلة في القسم أثناء الدرس كان إبني
سباقا إلى الجواب على كل سؤال . رفع يده مرة أخرى لكي يجاوب فأحبطته المدرسة
المسخ قائلة / إسقط يدك أيها الحمار فلست وحدك الموجود بالقسم /
إبني لم يهضم الإهانة لأن كرامته تشبه كرامة والده . فشتمها نعم شتمها وخرج من القسم
غاضبا ورشق القسم بالحجارة . لم يكن إبني مصيبا حينما أخطأ وذلك ما قلته للسيد النائب
الذي تفهم خطأ إبني وهاتف المؤسسة لكي يتم تسجيله من جديد وبأمر صارم وغاضب
قلت للسيد النائب بأن إبني سوف يكون هدفا سهلا للإنتقام فطمأنني بأنه موجود وسوف
يتابع مشوار التلميذ بكل ما لديه من إهتمام . أخيرا تم الإنتقام بعد أن تم نقل السيد النائب
وتغييره بنائب آخر .
كان علي أن أنقل إبني إلى مؤسسة خاصة . هذه المؤسسة لم تكن تخلو من تجاوزات
أولا / شخص يعمل نادلا بالجوار كان يأتي لباب المؤسسة لبيع الحشيش للتلاميذ
ثانيا/ حارس المؤسسة كان متواطئا مع بائع الحشيش لأنه كان يمده بالأتاوات
ثالثا/ المدير كان يتكلم بيده بدلا من فمه ولا يرحم بتعامله العسكري هفوات التلاميذ
مثل التأخير أو الشغب البسيط. . والنتيجة كانت أن تعلم إبني في هذه المؤسسة تدخين
اللفائف ثم الحشيش .
الآن إبني كره الدراسة ويشتغل في الحراسة 12 ساعة في اليوم بأجرة لا تنفع في شيء
بأجرة لا يمكن بحال من الأحوال أن تغطي مستلزمات العيش .
ملحوظة / نسيت أن أخبر القاريء بأن مدرس إبني كان عندما يصبح هندامه المدرسي
وسخا يسلمه لإبني قائلا/ خذه لوالدتك كي تنظفه /. وكانت زوجتي تنظفه لأنني أمرتها بذلك
فقد كنت مقروصا من أصابعي فتؤلمني ولا أستطيع التمرد خوفا على إبني ومع ذلك دمره المسوخ
الذين كانوا يحملون صفة المدرسين .

محمد رشدي
18-12-2011, 03:05 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-1 -
13-06-2010, 04:54 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45355


إنتهت سنوات السبعينات ودلفت السنة الأولى من الثمانينات وكنت لا زلت أتسكع هنا وهناك بدون
عمل . كما كنت يائسا من إيجاد العمل رغم بحثي الجدي عنه ورغم إحرازي على بطاقة الشغل من
مكتب التشغيل بالمدينة. كما أن تجريبتي القصيرة بمدينة شفشاون كإداري بشركة -العوامي-لم
تجد نفعا. فقد إنصرفت بمحض إرادتي بسبب التلوث الإداري والإرتجال وانعدام الثقة في المستقبل.
لم يكن يخطر على بالي بأنني سوف أشتغل كاتبا عموميا في يوم من الأيام وبأن هذه المهنة سوف
يكون مقدرا لي أن أمكث فيها لغاية الآن وأنها ستكون مصدر لقمة عيشي .
شاءت الظروف أن ألتقي بسيدة عرفتها قبلا أيام صباي لفترة قصيرة ثم افترقنا . جاءتني ذات مساء
وسألت عني ولما علمت بذلك إستغربت أشد الإستغراب . كانت هذه السيدة مصممة أزياء وكانت
أرملة ولها إبن لم يتجاوز الطفولة بعد وهي نفس المرأة التي ستكون مادة خامة لكتاباتي ومصدر
إلهام لي لأكتب عنها (اعترافات إمرأة) و(القديس)و(مصممة أزياء)و(أنا مجرم)و(الشيطانة) . وكل هذه المواضيع موجودة بسجلي الأدبي بمنتدى من المحيط إلى الخليج فقد قرأها ربما كل الأفراد تقريبا
كما أنني نشرتها في كتاب وقرأها الكثير من معارفي وقد شغفوا بها أشد الشغف والإعجاب في
مدينتي تطوان .
إلتقينا من جديد وطال لقاؤنا واستمر ونشأ بيننا حب قوي وجارف ومتبادل . كانت هي ميسورة الحال بفضل دخلها الجيد من مهنتها أما أنا فقد كنت في موقع لا أحسد عليه أكتفي فقط بالنزر القليل الذي تذره علي سكنى مؤجرة أسفل بيتي لعائلة فقيرة . أجرة سومة كرائية لا تصمد أكثر
من أسبوع في أحسن الأحوال. وكنت من حين لآخر أتدبر أمري من هنا وهناك بطريقة أو بأخرى .
كانت هذه السيدة تساعدني رغم نفوري الطبعي من كل مساعدة . فعزة النفس لدي كانت
تصيبني بالحرج والعار عندما أنهض من النوم بعد انصرافها فأجد مبلغا من النقود تحت مخدتي
كانت كريمة معي لأنها كانت تحبني ومعجبة بأخلاقي ومرارا قالت لي / أنت تستحق وقوفي بجانبك
لأنك لست كالرجال الذين عرفتهم. كلهم كان هدفهم فلوسي إلا أنت . وتنزع سلسلتها الدهبية
من جيدها وتعلقها في عنقي ( وأنا أرفض ) قائلة / دعها على الأقل نكاية بحاسديك . كانت سيدة
نالت إحترامي ومحبتي عن جدارة واستحقاق . كانت تشعر بي وتقدر ظروفي جيدا وتفهم روحي الحزينة . كنت أرفض أن آخذ منها شيئا وهذا بالذات ما كان يجعلها تتعلق بي أكثر . هذه الظروف
جعلتني أبحث عن العمل وأضغط على نفسيتي لأتأقلم مع الواقع المتعفن . كنت أحبها ولا زلت ولن أخجل وأنا الرجل المتزوج والأب لثلاثة من الأولاد أن أقول أحبها ولازلت أحبها إلى أن أموت .
وأحيانا أحلم في يقظتي بأن زوجها توفي وزوجتي توفيت فتزوجنا ونحن في هذه السن من
شيخوختنا. لازلت أحلم بها ولما أستفيق من حلمي أشعر كما لو أن روحي تحترق بفقدانها . ومع
ذلك حينما نلتقي صدفة نحترم الفاصل الذي بيننا .
جاءت الفرصة لكي أشتغل فقد كانت تطلب مني الزواج فأرفض لأنني شبعت نميمة اللئام وهي
كذلك شبعت وشوشتهم أيضا واحتجاج أسرتها التي كانت تخشى على نقودها مني لكن هذه
السيدة كانت تقول لي / أنا وحدي أفهمك ياحبي وهذا يكفيني / كانت تقولها بعصبية ووجهها
تعلوه فورة الدم لثقتها فيما تقول .
كنت أجلس ب - زنقة الزاوية - بمدينة تطوان مع صديق بدكانه الصغير أسفل الفندق الذي تركه
المرحوم والده . الصديق الذي عاشرني وعاشرته بالديار الإسبانية وكنا نسكن معا ونشتغل
معا ونبذر أجرتنا معا في التسكع والخمر ونساء الحياة سويا . وكان فاشلا أكثر مني فقد عدنا
خاليا الوفاض لم ندخر شيئا للعودة .
زنقة الزاوية هي زقاق مثل زقاق المدق لنجيب محفوظ . هناك خليط من العائلات وبينهم عائلات
عريقة تطوانية لهم أخلاقهم وأعرافهم وكانوا يبدون متحضرين وكانت العائلات العادية التي تسكن
في هذا الزقاق تبدو عليهم صفة الإعجاب بالحضارة التطوانية . في هذه الزنقة كانت توجد زاوية
مولا ي عبد القادر محج نساء كثيرات يتبركن بهذا الولي الصالح ولذا سميت الزنقة بإسمه . هنا
في بداية الزقاق كانت الوكالة التي سوف أشتغل فيها وتسمى / وكالة الأزهر / تملكها عائلة توفي
ربها لكنها كانت عائلة مستورة . سألت عني الصديق فاتصل بي ببيتي وعرض علي العمل فلبيت
الطلب بسرعة فائقة وبغبطة بدت على محياي وعلى محيا إمرأتي التي كانت تعيش معي ببيتي
بدون عقد زواج . قلت لها سنتزوج الآن وغمرتنا السعادة سعادة كبيرة قبل أن أبدأ العمل . تلك
الليلة تناكحنا جيدا وعدة مرات ولم نشبع كانت شهيتنا مفتوحة عن آخرها .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:06 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيأة العليا-2-
21-06-2010, 04:16 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45416


بدأت العمل بالوكالة المتواضعة ( وكالة الأزهر) وخلال الأيام الأولى كان نادرا ما يأتي أحد للكتابة
ولكنني كنت قانعا بالنزر القليل الذي لا يجدي نفعا. في نفس الوقت أبرمت عقد الزواج مع سيدتي
لكي نخرس به نميمة بعض اللئام الذين لا شغل لهم سوى الخوض في سيرة غيرهم .
لازلت أتذكر يوم دخلت لأول مرة بيتها الأنيق الذي كان من أحسن البيوت بذلك الحي الفقير . أخطب
ودها من والديها الكريمين والطيبين. تم كل شيء بسهولة وكنت خجولا وأشعر بالفشل أيضا . وهي من كانت ترفع معنوياتي وتقول لي بأن أحدا لن يحرجني أو يستفسرني عن حالتي أو مهنتي .
وفعلا لم يكن هناك أي إحراج على الإطلاق حتى أنني والحاضرين من الأسرة لم نتطرق للموضوع
الذي نحن بصدده والذي جئت من أجله واكتفت السيدة المعنية بالأمر بالإشارة عند آخر الجلسة
بالإشارة فقط مشعرة والدها بموعد توثيق الزواج لكي يكون حاضرا يوم الغد أمام العدلين . كانت
هي قد رتبت كل شيء وأصبحنا زوجين على سنة الله ورسوله.
عندما كنت أذهب للعمل كل صباح وأدخل المفتاح في قفل الباب أشعر بالخجل والمهانة بسبب
نظرات الفضوليين المصوبة إلي من أبواب ونوافذ الزقاق . ومع مرور الأيام بدأت
أتعود على واقع الحال كما صار يتقاطر على مكتبي العمومي زبناء عديدون رفعوا من مستوى
الدخل المتواضع الذي كنت أقتسمه مع الأسرة المالكة للمحل .
كتاباتي كانت ملتهبة تنبض بالرفض للواقع والتمرد على على الأوضاع . ولم أكن أدري أن ذلك
سوف يجر علي مشاكل كنت في غنى عنها . كنت أتعاطف مع المشتكين وأغضب لأجلهم وليس من
أجلي . كل ذلك كان ملفتا وجعل مكتبي محجا لمن يعتبرون نفسهم مظلومين. كما أثثت جدران المحل
بمقولات مأثورة لكبار الفلاسفة والأدباء والشعراء العالميين كلهم من الغرب . وكان بعض الزبناء
ينتبهون لذلك وآخرون يناقشونها معي . كما كنت أيضا خلال موسم الإمتحانات يتقاطر على مكتبي
طلبة وطالبات كلية العلوم الإنسانية بمرتيل بضاحية تطوان لنسخ بحوثهم على الآلة الراقنة وكنت
أجد لذة كبيرة في مناقشة أفكار تلك البحوث مع أصحابها وأحيانا أساهم في إغنائها بإذن منهم
وتعرفت على شعراء شباب سألتقي بهم فيما بعد خلال ملتقيات وتظاهرات ثقافية بمدن أخرى
من المملكة. وانخرطت لأول مرة في الشأن الثقافي بكتاباتي الأدبية المتواضعة.
كنت مولعا حينئذ بالقراءة والتحصيل الحر ببيتي وبالمكتب عندما تسنح الفرصة . أقتني أمهات
الكتب لفلاسفة وشعراء ومفكرين وأدباء عالميين . وكانت تتوفر تلك الكتب القيمة والرائعة بجميع
المكاتب وبأثمان مناسبة في متناول كل القراء. كنت متأثرا بالفيلسوف الكبير - فريدريك نيتشه -
ومجنونا به . كذلك -الشاعر هولدرلن - كنت مأخوذا به وكذلك الشأن بالنسبة لشعراء إنجليز وفرنسيين
كذلك كنت معجبا بالمستر إليوت وقصيدته - الأرض الخراب - أو -الرجال الجوف - . وعلاقته الأدبية
ب - عزرا باوند. وآخرين كثيرين . كانت الأفكار تتلاطم في رأسي فتكاد تفجره . وكان يبدو لي
الواقع الذي نعيش فيه عبثيا ولا يطاق .
إعتقد بعض الكتاب العموميين المغفلين بأنني جئت لأمارس السياسة في هذه المهنة وأبحث عن الزعامة فبادروا بتحركات تم على إثرها استدعاء مجموعة معينة من أصحاب المهنة بالمدينة
وأجروا إنتخابات شكلية ومغرضة أسفرت عن إختيار نقيب يمثلهم . وقد فعلوا ذلك في سرية تامة
ولم أكن أنا من ضمن المدعويين لحضور التجمع الذي شيء له أن يجرى بمجمع الصناعة التقليدية
بالمدينة. داخل قاعة مغلقة حسب ما أخبرني به كاتب عمومي يطمع في الزعامة في تنافس
محسوس مع الفائز الذي صوتوا أو لم يصوتوا عليه . وقد طلب مني أن أوقع معه عريضة احتجاج
فرفضت . لم تكن تهمني مثل هذه التفاهات . فأنا بعيد كل البعد عن التجمعات السياسية أ و
غيرها ولا أقبل إلا بما هو ثقافي محض.
إنتقلت بزوجتي من بيتها إلى بيتي بعد أن عوضنا تلك العائلة التي كانت تشغل السكن الأسفل
من البيت بالإيجار . عوضناها بقدر من المال وقمنا بإصلاحات طفيفة وإدخال أثاث زوجتي إلى بيت
الزوجية . كما قامت هي بنقل زبوناتها إلى البيت الجديد الذي اصبح يعج بالنساء طوال النهار
منهن المتزوجات ومنهن من يشغل مناصب مهمة في المدينة ومنها القضاء وكثيرا ما صادفت
ببيتي قاضية معروفة لدى أهالي تطوان . كانت زوجتي تتقن مهنتها بشكل يبعث على الإعجاب
كانت تملك أنامل ذهبية . مصممة أزياء بارعة وتحسن معاملة زبوناتها بتواضع كبير.
هذه السيدة كتبت عنها الكثير وعن تلك المرحلة التي للأسف لم تدوم طويلا . وسأدرج سيرتي
على لسانها خلال الحلقات المقبلة .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:07 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-3-
23-06-2010, 09:48 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45436


اعترافات إمرأة
........................
قبل الزواج
كنت قد تعودت على رؤيته من حين لآخر فتثيرني عيناه الحزينتين وكان الحزن يضفي عليهما هالة
من البهاء والجمال . غير أنني لم أكن أظن أن هذا الرجل الحزين سوف يصبح زوجا لي في يوم من الأيام . فبسبب تضارب الآراء حول شخصيته وأخلاقه وبسبب إختلاف الناس في الحكم عليه
قررت أن أتصل به وأتقرب إليه وعللت ذلك مع نفسي بخلفيات مشبوهة فقد كنت أرملة بعد أن
أعفيت ثلاث رجال من خدمتي وكنت متعطشة لرجل غير الرجال الذين تزوجتهم أو عاشرتهم . فقد
كنت دائما شادة وخصوصا مع الرجال . لأنني لم أكن أجد فيهم مبتغاي لذا بقيت أنتظر الرجل الذي يخفف عني وحشتي وأحتاط من السقوط في أحضان من هب ودب خشية مغبة الندم. ولسيما
وأنا جربته مرارا وتكرارا لشدة تهوري . ثم استقر إختياري على أحمد الحزين والمتكبر واتصلت به ..
إتصالي به كان مفاجئا له إذ أحسست ذلك من نظراته الجميلة والحزينة . إنه يرتاب في أمري
لكنه استسلم ودلج معي دارا من دور السينما بالمدينة .. وكان بودي أن أعفيه من أداء المصاريف
لعلمي بالفاقة التي يتخبط فيها . لكنه سبقني بإصرار وسدد كل المصاريف وفهمت للتو أنني أمام
رجل عجيب. ووجدته بعدئذ مترفعا عن متاع الدنيا وبعزة نفس لا يعرف الطمع إليها سبيلا.
كرامته تأبى أن تمس شيئا هو أصلا للغير لكن أشياءه وحقوقه كان يتصرف فيها بسخاء يكاد
أو يصل حد التبدير .
داخل السينما عرضت عليه خدمات قد يسيل لها لعاب سواه . عرضت عليه نقودي ليتصرف بها من
أجل منفعته .. لكن مع الأسف رده كان مخيبا لتوقعاتي . فقد رفض العرض وأبى الخضوع للإغراءات
لم أنم تلك الليلة فقد كان رفضه شيئا مثيرا لأنوثتي فوجدت نفسي أمام طريدة صعبة. فقررت أن
أنتصر عليه وأحقق غريزتي وصار في نظري أكثر إشتهاءا من ذي قبل . المهم هو أن أكون له
أن يعتصرني بين أحضانه وليفعل بي ما يشاء .. أنا جاريته .. هكذا كنت أفكر .تفكير إمرأة شادة
تريد أن تشرب من نار الحب ولهيبه ومن خلال الرجل الذي وجدته مختلفا كليا وبعيدا كل البعد
عن رجال الساعة .
صرت شبه مجنونة به مفتونة بمن تعلق قلبي به ولم يكن يخطر ببالي أن هذا الرجل سوف
يكون زوجي ... وبدأت القصة أو الحكاية .

_ يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:09 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-4-
23-06-2010, 10:20 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45437


إعترافات إمرأة
...........................
القديس

تعرفت عليه بعد أن كنت قد سمعت عنه الكثير من النعوت .. بعضهم كانوا ينعتونه بالكافر .. والبعض
الآخر بالمعتوه أو ( المسخوط) وقلة قليلة من الناس كانوا يطلقون عليه القديس. لكنني لما عاشرته وجدته أقر ب إلى القديس من أي شيء آخر . فقد وجدت روحه حالمة وطيبة ومرهفة
لدرجة فظيعة . لقد كان يدرك كل حركات الناس وما يدور بخلدهم وبسرائرهم وكان يفهمني ويفهم
ما يدور برأسي دون أن يكون مطلعا على أحوالي .. ذكاؤه خارق للغاية يصيب دون أن يخطيء
وإذا حدث وأخطأ فإنه لم يكن ليخطىء إلا في حق نفسه . قلبه كان دائما مفعما بالحب لمن ( لا
يحبهم أحد ) هكذا كان يقول لي ( أحب الفقراء والمضطهدين أحب المنبوذين والحمقى ) وكانت حجته في ذلك أن هؤلاء هم الأولى بالحب والعطف لأنهم محتاجون إليه .. أما الأقوياء والسعداء
لا أظنهم يحتاجون لذلك .. فأجدني والحالة هاته أمام منطق متين أمام شخص ليس ككل
الأشخاص ولسيما والحق يقال فأنا خبرت الكثير منهم حتى أصبحت وثيقة زواجي أطول وثيقة
زواج لكثرة العقد والفسخ.
قلت له ذات مرة بأنه الزوج الوحيد الذي وجدت فيه نفسي فضحك مليا ولم يصدق رغم أنني كنت صادقة معه إلى درجة التضحية بحياتي من أجله . قلت له ذات يوم أحبك ياأحمد فكان رده
مخيبا لرجائي قال لي أنت وحش .. والوحش لا يعرف الحب . وذات يوم سألني هو سؤالا لم
أكن أتوقعه / أأنت سعيدة معي ؟ / فترقرقت العبرات في عيني وأحسست بغبطة عارمة تملأ
وجداني وقلت له أنا بجانبك أسعد إمرأة في العالم . ما إن سمع جوابي هذا حتى انفجر باكيا
بكاءا هستيريا حادا ... أدهشني لدرجة أنني لم أفهم سبب هذا البكاء ولا الخلفيات التي كانت
مستترة من ورائه .
بصراحة لما تزوجته شعرت أنني تزوجت فعلا . فقد بدت لي حياتي الماضية مع الرجال الذين
عرفتهم أو تزوجتهم من قبله سخيفة وفظيعة . إلا أنني لم أستطع الإحتفاظ به فقد كان يطلقني
بدون سبب ودون أن أقترف في حقه ذنبا صغيرا أو كبيرا . ولما وصلنا الطلقة الثالثة أحسست
أنني سأضيع بدونه وكانت آخر ليلة معه أطعمني فيها لعابه وكنت أحس بحلاوته كما لو أنني أبتلع سائلا أو ترياقا لروحي التي كانت منكسرة . وكان آخر سؤال وجهته إليه وأنا مطلقة
/ هل تحبني ياأحمد / قال هذه المرة صادقا / أحبك أحبك ( بزاف) وانطلقت الدموع منهمرة من عينيه الحزينتين ثم افترقنا إلى الأبد .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:10 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا - 5-
23-06-2010, 11:15 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45438


إعترافات إمرأة
.......................
مصممة أزياء

عاشرته لمدة سنتين قبل أن نبرم عقد النكاح / كما يسمونه / كنت أعيش معه ببيته في حجرة صغيرة
على سطح المنزل . بينما أسرته تشغل الطابق الأول من البناية المتواضعة . أما الطابق الأرضي فكانت
تسكنه عائلة مقابل سومة كرائية غاليا ما تذهب إلى جيب أحمد كمصروف يتدبر به أحواله . كنا سعيدين
بتلك الحجرة الصغيرة مساحتها لا تزيد عن مترين على ثلاثة أمتار أو أكثر بقليل . كتب مبعثرة هنا
وهناك . كلها كانت تقريبا لمفكرين وفلاسفة وشعراء وروائيين أجانب . فراش متواضع جدا محشوا
بالحلفة كان يدس الجرائد التي ينتهي من قراءتها تحته إتقاءا للبرودة . وكرسي صغير يستخدمه
كطاولة يضع عليها بعض أغراضه . كان عاطلا عن العمل وحتى ما إذا افترضنا أنه وجد عملا فإنه
لم يكن قادرا على التكيف مع الواقع . فقد كان طبعه ومزاجه مختلفين . كان يغضب لأتفه الأمور
فلك أن تتصور عندما كنا متزوجين . ذات يوم كان يقرأ رواية الزوج الأبدي ل/ دوستوفسكي / الروائي الروسي الكبير . وكنت أنا أقوم بعملي المنزلي ففتحت صنبور الماء لغسل بعض
الصحون فأحدث ذلك صخبا أقلقه ثم انفجر غاضبا وبكل سهولة طلب الطلاق . لكننا عدنا معا
للبيت كما لو أن شيئا لم يكن . إلى أن عدنا من جديد لإعداد وثيقة أخرى تلغي الطلاق .
كانت أفكاره يسارية متطرفة ومعارضة لكل ما يراه هو ويشعر به في المجتمع وكان لكل
ذلك أسبابه لأن معارضته للواقع كان لها ما يبررها . وهذا ما كان يجعله مستهدفا وملاحقا
ومراقبا ولسيما والمجتمع يمر بأحداث سياسية خطيرة .

كان يبعث ببعض نصوصه الأدبية إلى الجرائد الوطنية وبالخصوص جريدته المفضلة آنذاك
- المحرر - فما أن نشرت له لأول مرة حتى كاد أن يغمى عليه فرحا وكان قلبه يدق بسرعة
غير طبيعية . هكذا كان أحمد لما عرفته وأحببته . ورغم أننا لم نكن متزوجين بعد إلا أننا
كنا نعيش كالأزواج . وقد تسبب لي ذلك في مشاكل قصوى مع أهلي لكنني كنت قادرة
على الوقوف في وجه التيار فهدفي الوحيد كان هو الإحتفاظ به إلى الأبد.
كنت قوية بمهنتي كمصممة أزياء وخياطة من الدرجة الأولى . فرغم وجود بيتي بحي شعبي
إلا أن زبوناتي كن يلتحقن به زرافات زرافات . وكان هذا العمل يدر علي دخلا جيدا وكنت
بذلك حرة في نفسي وأتمتع باحترام الجميع وإعجابهم وعرفت حينئذ أن ضعف المرأة في
فقرها واعتمادها على الغير . مرارا طلبت منه أن يتزوجني لتفادي كلام الناس وكان يبرر
عدم موافقته في كونه عاطلا بدون عمل ولا يقبل بأن تصرف عليه زوجته .
وكنت أتفهمه . فهو رغم فقره فقد كان يمتنع عن أخذ مصروفه مني في حين كنت أنا أدس
له مبلغا بسيطا تحت مخدته كلما غادرت الحجرة إلى بيتي الذي غاليا ما كنت أجد به من
ينتظرني . وقد كانت أغلب الزبونات موظفات وزوجات لأشخاص مهمين بالمدينة ومنهن من كانت
في منصب النيابة العامة أو قاضية حتى. وهذا ما جعلني بكل سهولة أساعد أحمد في حلحلة
بعض مشاكله التي ما أن شاع أمرنا حتى ظهرت غرامات كان القضاء حكم عليه بها بسبب
تعاطيه للخمر ومعاشرة بنات الهوى . في الحقيقة كان ذلك نتيجة طبيعية ( لعما يلو السودة ) كما
يقول أستاذنا الكبير مصطفى مراد . وقد سددت له كل تلك الغرامات الواحدة تلو الأخرى .
كنت مجنونة به . كنت أمارس الحب معه فأشعر برغبة جامحة في إلتهامه . كنت أحبه بجنون
وكنت أصرح له بذلك . كنت خلال شوط واحد معه أبلغ الرعشة الكبرى ثلاث مرات فكان يقول
لي / هل أنت مسعورة ؟ / فأغضب وأصرخ في وجهه قائلة / ألا يحق لي التمتع بزوجي ؟ /.

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:11 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا -6-
24-06-2010, 07:43 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45452


إعترافات إمرأة
.........................
أنا مجرم

ذات مساء وجدته ينتظرني ببيته ليزف لي خبرا سارا . قال لي بأنه سوف يشتغل كاتبا عموميا
بإحدى الوكالات ثم أضاف قائلا / يبدو الآن أنه بإمكاننا إبرام عقد الزواج / أحسست بالسعادة تملأني ولسيما وكثرة القيل والقال سوف تنزاح عني إلى الأبد . وبعد أيام معدودة كان الزواج قد تم فعلا . إنتقلت إلى بيته بشكل رسمي بعد أن تم إفراغ الطابق الأرضي من طرف تلك العائلة
التي كانت تسكن هناك والتي عوضتها ببعض المال لكي توافق على تسليم السكنى إلينا.
إنقطعت عن تعاطي حبوب منع الحمل وبسرعة فائقة ومدهشة وجدتني حاملا منه . وكنت سعيدة
أكاد أطير من الفرحة فلطالما تمنيت أن يكون لي طفل أو طفلة تملأ علينا حياتنا ولما أخبرته بذلك
لم يبد أي اعتراض بل تمنى أن يكون الزائر الجديد أنثى . لكن بعد ذلك لم أدر كيف تبدل شعوره
وبطريقة مفاجئة أدهشني لما أسر إلي قائلا / إن هذا الجنين غير مرغوب فيه ولا بد من عملية
إجهاض / . لكنني عارضته بشدة وأنا في أعلى درجات الغضب قائلة / هذا الجنين سوف يرى النور رغم أنفك / لكنه كان ذكيا بجوابه فاستطاع إقناعي .
لقد نسيت أن أذكر أن زواجي الأول كان قد أثمر طفلا توفي والده بعد ولادته بسنين قليلة
وبقي تحت مسؤوليتي أرعاه وأحبه بجنون إلى أن تعرفت على أحمد حينئذ أصبحت كما لو أنني أتنصل من مسؤوليتي نحو إبني لأن وقتي كله صار للحب والغرام . وقبل الإنتقال إلى بيت
الزوجية قمت بإرسال إبني إلى أسرة والده أي عند جده . لكن هذا الأخير أعاده إلي بسرعة فائقة
وفي حالة يرثى لها ظنا منه بأنني أريد التخلص منه وإبقائه لديه . وعند عودته إلى بيتي لم يجدني هناك فالتحق بي بالبيت الجديد . فاجأني حضوره وأربكني واكتفيت فقط بالتحدث إليه
ومساءلته بدلا من تقبيله كما تتطلب الأمومة . وهذا هو السبب الأساسي في تغيير الأمور
وبروز فكرة الإجهاض . لقد إلتقط بعين الشاعر فلاشا مهما حلله بعقل العالم النفساني .
لقد ظن أحمد ما وقع لطفلي يمكن أن يحدث أيضا للوليد الجديد في حالة وفاته . فالمرأة صارت
في نظره عندما تعشق يمكن أن تستغني عن العالم بما في ذلك فلدة كبدها . فهذا هو لغز المرأة
كما يراه هو. فأقنعني بأن العبىء الأول والأخير سيكون على عاتقي لوحدي إذا لم أقم بعملية
الإجهاض . وأنه سوف يعود إلى أوربا . وقد رأيت ذلك تهديدا حقيقيا وجديا جعلني أقبل وأرضخ
لمشيئته .
إتصلنا بطبيب ( بولوني) الجنسية كان يعمل بالمدينة بإحدى المصحات وكان ربما هو الوحيد من
يقوم بهذه العمليات المشبوهة والممنوعة قانونا . داخل مصحة( كيتان) تمت العملية وكانت سهلة
لأن الجنين لم يكن قد بلغ الشهرين بعد. وقد تزامنت عمليتي مع عملية أخرى مماثلة لزوجة
مسؤول أمني رفيع المستوى بنفس المدينة . لما حضر ذلك المسؤول إرتبك أحمد ظنا منه أن
حضور الأمن كان من أجله . لولا زبونة أعرفها وهي أخت زوجة المسؤول الأمني أخبرتنا بأن
الرجل حاضر هنا من أجل زوجته التي تزامن إجهاضها بإجهاضي عن طريق الصدفة . وصارت
تستعرض بعضا من مشاكل الزوجين . هذا كان قمينا بأن يسترد أحمد هدوءه وتدهب وساويسه.
أتذكر لما أخرجوني محمولة على السرير المتحرك من غرفة العمليات وكان أحمد ينتظرني وهو
في حالة قلق علي. كان منزويا في ركن من أركان صالة الإنتظار لقد كان وجهه شاحبا يشرح
ما بداخله من قلق وحيرة وربما ندم أيضا وكنت أنا لازلت تحت تأثير المخدر وما أن وجدت نفسي أمامه حتى بادرته قائلة بعتاب حزين ومتسامح / رزيتيني أحبي / .
أتى أحمد بطاكسي ليحملنا إلى البيت وكنت مسنودة عليه وهو يلفني بدراعه وأحيانا بكلتا يديه وكنت شبه مدمرة جسديا وروحيا . في البيت إستسلمنا للنوم وقبل حلول الفجر إستيقظ أحمد
وهو حالة من الدعر والفزع . إستفسرته ما السبب فأخبرني بأنه رأى في الحلم الجنين الذي
تم إجهاضه رأى طفله وهو في ربيعه الخامس أو السادس بعينين سوداوين يخرج منهما ضوء قوي كضوء السيارة عندما ترسله إلى البعيد . كان متأثرا بهذا الحلم وكانت الدموع تنهمر من
عينيه وعلامة الخوف والندم باديتان على سحنة وجهه وكان يهمس بعد أن دفن وجهه بين كفيه
( أنا مجرم ... أنا مجرم ) .

محمد رشدي
18-12-2011, 03:12 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-7-
24-06-2010, 10:13 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45454


إعترافات إمرأة
........................
الشيطانة

قلت أنني أحببته
ثم تزوجته فحملت منه بسرعة لأنني كنت أريد أن أكون أما لإبنه أو للعديد من أولاده . لكنه أراد
الإجهاض لمجرد خطإ بسيط إقترفته بسببه ولأجله وفي سبيل حبه .
فوافقت على الإجهاض مكرهة رضوخا لمشيئته لأنه كان معبودي ورجلي المفضل . لكنني لست الخاسرة الوحيدة . الخاسر الأكبر هو نفسه ووحده . لم يكن يدري - وهو الشاعر - بأنني الوحيدة
وربما في هذا العالم من تصلح أما لأولاده . و كنت أعرف أنه سيندم ندما عظيما عندما يفتقدني
وعندما يتخد له زوجة غيري وأنه سيكتب عني كثيرا وسأكون مادة دسمة وخامة لأدبه وسيبكي
من أجلي كثيرا. لن أرحمه أبدا لأنه لم يرحمني وأنا ضعيفة بحبه . ولنترك كل شيء ونستمع إليه
في نصه الأدبي الذي وصفني فيه بالشيطانة وهو الشيطان الأكبر والأعظم . وسأكتفي بهذا
القدر من الكتابة لأن ما خفي أجمل وأعظم.
الشيطانة نص أدبي نشر بجريدة الإختيار المغربية بتاريخ 25 فبراير 1985 .
.................................................. .................................................. ...............................
سار هذا الشيخ أو الطفل على رحاب الحياة
كان يطوف بسعة مستكشفا حالة الطيور بما في ذلك البوم يسامرها على السواء
ويحكي لها عن أحلام لذيذة ولو أنها لن تتحقق
يجب أن تعلموا أن الحياة متشعبة يلذ لها المعرفة والحبور
كالمرأة الفاقعة
صار هذا الشيخ أو الطفل طويلا طويلا
فانتهت به الرحلة حيث بدأ
إذن لما كان هذا التعب ؟ مادمنا سوف نخلعه عنا
عند إشارة المرور التي تؤدي دائما إلى مفترق الطرق
هاهو الشيخ أو الطفل قد وصل المفترق
وطرح عكازته جانبا وجلس الصعداء يسترجع ما قد حدث
وما قد غفلنا عنه بنزاهة
لقد أكلنا الإحساس بالذنب دون أن يكون لنا ذنب
والتساؤل عما إذا كان هذا العالم له هوية ما
والناس تسير فرادى وسط الإزدحام المسرج والخوار البقري لا تعير اهتماما لما قد جرى
وتنسحب فجأة بطريقة ذبابية والطنين يحجب لغة الكون الحقيقية
والشمس لا تدفىء إلا العرين
آه كل شيء ينساب كالأحلام أو كالمياه في السواقي التي
لا تخلو من الضفاضع
هكذا كان يحلم الشيخ هذه المرة ولا شيء بقي فيه
من الطفل
ومفترق الطرق يبتسم في ارتياح شديد وإذا بشيطانة حلوة شيئا ما
تنبعث من جديد
بدأت ترقص فوق الأرض
لم يكن لعلم النفس المعتاد ليطبق خطته على هذه الشيطانة
لأنها تستخدم حبال البهلوان في سيرها
تصافحنا ونحن نضحك مع الرياح
في ثقة ممزوجة بالحذر
وأحسسنا بأننا متناقضين في خط الراحة
خطها على اليمين وخطي على اليسار
شرحنا ذلك على طاولة الريسبسيون
ومع ذلك إتفقنا على أن لا نثق في الأيام
ياللعجب
إن الأشياء تبدو في اختلاف مثير ومع ذلك
إتفقنا فيما ليس بيننا
هذه الشيطانة تشبه الملاك المتمرد ويسرني أن أخلو بها ودائما
وراء الستار حيث هناك تنفجر الأحلام
بعيدة عن أعين المتلصصين على خيوط الفجر
هناك أفهم حكايات لا معنى لها ودون أن أحتاج إلى وسائد الأمثلة
والمعاجم

في الصباح سرنا على ضوء الشمس
نهتدي كالنحل .. بخيوطها البلورية
كنا نحس برغبة الأطفال
كطفلين ماكرين
وفي الطريق خاطبني لغز غير معهود
بلغة صامتة
ودس في جيبي شيئا من الحذر
ومشى
إلتفت إلى الرصيف
كان قد إنتهى حلم الحلم.

محمد رشدي
18-12-2011, 03:13 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-8-
04-07-2010, 08:49 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45541


زنقة الزاوية هو زقاق طويل بمساحة عرضها لا يقل عن ثلاثة أمتار . يبدأ من نهاية شارع محمد الخامس
وينتهي إلى جانب شارع عبد اللطيف المدوري المعروف ب - الطرنكات- تصطف على جانبيه منازل متواضعة لكن الزقاق لا يخلو من بضعة بنايات كبيرة لا تزيد عن ثلاث .تشبه قصور صغيرة بأبواب عريضة
وديكور قديم وأصيل . خشبها من النوع الجيد. قصور صغيرة لكنها مزينة بأجمل الزليج النادر الذي لا
يمكن أن تجده بأسواق اليوم . صممت بالطابع الأندلسي لأن ساكنيها تطوانيون ذو أصول تنحدر من
الأندلس . عائلات عريقة ومتحضرة تختلف عن الأهالي كليا . في بداية الزقاق فندق شعبي متواضع
للغاية صاحبه صديق تعرفت عليه باسبانيا حيث كنا نشتغل ونسكن معا . بجانبه مطعم ( عمي عبد الله )
مطعم شعبي متواضع أيضا. لكن الوجبات التي تقدم للزبناء لها شهرة كبيرة في كل أرجاء المدينة . هذا
المطعم يستعمل الفحم في طهي الدجاج البلدي ولحم الضأن ولم يعتمد قط على الغاز لذا كانت
وجباته لذيذة ودسمة وبثمن مناسب . يحج إليه الزبناء من كل صوب وحدب . ووجباته تنفذ عند الثالثة والنصف
بعد الزوال . لما يفتح الباب على الساعة الثانية عشرة قبل الظهر يملأ المكان الصغير والضيق عن آخره في ظرف
نصف الساعة ويبقى البعض ينتظر خارجا إلى حين . كان يساعد ( عمي عبد الله) رجل في منتصف العمر يعرف ب - عبد الواحد- يحفظ جميع طلبات الناس في عقله ولا يخطيء وحينما يتقدم الزبون لتسديد
الوجبة نسمع دائما (عبد الواحد )يقول جملته المعهودة ( زيدلعاندو ) . كما كان المطعم يؤمه أيضا زبناء مختلفون
يأتون ومعهم أدواتهم لحمل الطعام ناضجا إلى بيوتهم . كذلك بعض النساء فقد كن يحضرن لشراء وجبة
( الشوية ) اللذيذة والمتخمة بالذهون لتناولها بالبيت مع الأسرة . كانت شهرة هذا الرجل بلغت حظها عند
النساء كذلك . كان الرجل هادئا وسعيدا بوضعيته. ورغم أنه متزوجا لم يكن له حظ في الأولاد . لذا كان
يعتني بالقطط .ولما يكون في عطلة من عطل الأعياد يأتي خصيصا لإطعامها .
كان هذا الزقاق أيضا فضاءا للولي الصالح - مولاي عبد القادر الجيلالي - لذا زاد هذا الأمر من
شهرة هذه ( الزنقة ) فقد كان هذا الولي محج العديد من الزوار الذين يطمحون في بركته . وأغلب
زواره كن من النساء . فنادق بئيسة أيضا كانت تتوسط الزقاق . إندثرت ولم يبق إلا فندقين لا نجوم
لهما ولا حتى أصفار . لأن رائحة الرطوبة كانت تنبعث بداخلهما بسبب عدم دخول الشمس
إليها بل وللزقاق برمته . كذلك كانت ببناية صغيرة متواضعة شقة عبارة عن ماخور يقصده
بعض الأشخاص لقضاء حاجتهم وينسحبون في سرية تامة . وكان ذالك واضحا للعيان .
قبالة مكتبي منزل لعائلة محترمة من أصل شفشاوني . رب البيت رجل مرح يتكلم بسخرية
ونقد لاذعين للأشياء وللأمور وللأشخاص كذلك . يشتغل نجارا في محله الكبير بشارع الوحدة وهو
المحل الذي سيبيعه فيما بعد وينتقل إلى مدينة المضيق ليتابع حياته ومهنته من جديد.
صاحبة المكتب العمومي سيدة ارملة توفي بعلها وترك لها بيتا من طبقتين وأولاد كلهن إناث وذكر واحد متبنى
لكنه يعيش بشكل طبيعي رغم علمه بوضعه . السيدة امرأة تقارب السبعين من عمرها طبعها
قاسي وعنيف لكنها مراوغة . في هذا البيت تشتغل خادمة لازالت طفلة لم تحض . أتذكر يوم
جاءها دم الحيض وكانت قد خبأته عن سيدتها ففطنت هذه الأخيرة لذلك فأذاقتها شر العقاب فقد
سمعت البكماء تصرخ وعرفت أن السيدة ربما تؤذبها عن شيء إقترفته . طرقت الباب ففتحت
ربة البيت وطلبت منها أن تتوقف عن ضربها فأفصحت لي عن الحدث فقلت لها بأن رد فعلها شيء
طبيعي هي لم تفهم ما يحدث لها . وأضفت بأن الطفلة لم تقم بأي فعل يستوجب العقاب . كانت السيدة قاسية
للغاية وقد تحدثت معي ابنتها المدللة والوحيد التي بقيت بالبيت و لم تتزوج بعد . قالت لي في هذا السياق
بأن والدتها قاسية ولكنها لن تتخلى عنها .


يتبع-

محمد رشدي
18-12-2011, 03:15 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-9-
09-07-2010, 06:07 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45619


إنسابت الأيام والشهور بسرعة وأحسست بأنني بدلت وتيرة حياتي بشكل كامل فقد كنت متسكعا وأصبحت أشتغل كما تبدلت نظرة الناس عني بالكامل . صرت شخصا إيجابيا ومنتجا.
كما كنت في ذلك الزقاق جديدا وغريب الأطوار بالنسبة للسكان . تحسن مستوى الدخل في
ظرف بضعة شهور . وأصبح مكتبي محج زبناء من كل أنحاء المدينة وصرت أستقبل أيضا أناسا
لم يكونوا ينظرون إلي بارتياح . تعرفت على طلبة أيضا من خلال بحوثهم التي كنت أنسخها لهم
على الآلة الكاتبة وكذا على أدباء وشعراء شباب يحملون هم الإبداع . وبدأت تظهر كتاباتي
ونصوصي الأدبية على صفحات أهم الجرائد الوطنية . وكان ذلك إنجازا كبيرا بالنسبة إلي حتى
أنني لم يكن لدي ما أفتخر به سوى تلك النصوص التي كنت أشهرها في وجه كل من يريد
التقليل من أهميتي . حتى بعض أصدقاء الدراسة والطفولة الذين كانوا قد نسوني عادوا
يتذكرونني ويقومون بزيارات من حين لأخر لمكتبي منهم الموظف والأستاذ وو.....
لكنني كنت أقضي معظم أوقاتي بعد العمل أو أيام العطل مع أصدقاء التسكع والليل وبالضبط
( ميكي وفارس وشلومو وأحيانا تجتمع بنا - م - ) بعد أن كان الشمل قد تفرق . وكان - ميكي -
ومصطفى شلومو - هما من يمولان جلساتنا بالمطاعم الفاخرة والنوادي الليلية والحانات أيضا.
لم أكن قادرا على تحمل تلك المصاريف وأحيانا بسبب عزة نفسي أسدد مثلا ولو وجبة واحدة
أو بضعة كؤوس لأعود للبيت خالي الوفاض كما لو أنني لم أشتغل ذلك اليوم أو ذاك الأسبوع.

كان أصدقائي لا يستغنون عني رغم ما كنت أسببه لهم من متاعب بسيطة بحكم طبعي ومزاجي
المرهفين حيال نظرتي الوجودية وموقفي السياسي بخصوص الأوضاع التي لم تكن عادية بالمرة.
ذات يوم تعرفت على ضابط سامي لما إلتحقت بأصدقائي المتسكعين كان هو قد سمع عني ولاشك
وعن تمردي لهذا أخذ مني موقفا حساسا . كان يقول لي ونحن نتناقش بأنني سوف أموت شهيدا
كنت أرفض ذلك . أو كنت أحس به كتهديد لأن الرجل ليس شخصا عاديا إنه برتبة كومندار بالجيش
وكنا نشك في أمره . لذا كنت أنا أيضا أقابل تهديده بتهديد آخر أكثر خطورة . قلت له ( سيعلم
الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) فسكر الرجل وثمل ثمالة متمردة ونشب الصراع بيننا بينما
الأصدقاء لا أحد تدخل لفائدة أحد من الطرفين بل كانوا يتفرجون وينتظرون الخاتمة .
إمتطينا سيارة المرسيدس وتنازلت عن مكاني في المقدمة للضابط إحتراما لمكانته وهذا كان طبعي وتردد الرجل أول الأمر لكنه أخيرا قبل بعرضي . وكان الصراع محتدا بيننا ويأخذ شكل
المزاح لكنه كان صراعا حقيقيا . وصلنا مشارف المدينة وهددني الضابط فأثار حفيظتي وقلت
له ( إخرج من غمدك ) فأمر صديقي -ميكي - بالتوقف أمام ثكنة في طريق مرتيل فتوقف . نادى
على العسكري الذي قدم التحية له .فأمره بإحضار رئيس الدورية ( شاف دو بوسط ) وقبل أن يمثل أمام
الرجل لكزت صديقي بعنف وقلت له تحرك ياأخي ولا تذعن له . فتحرك . لكننا لما وصلنا إلى
ثكنة -باب العقلة - التي كان الضابط يشتغل بها إنقض على المقود محولا إياه نحو دخول الثكنة
بينما صديقي كان يعارض . لا خوفا علي بل خوفا على نفسه لأننا كنا في حالة سكر طبعا. توقفت
السيارة وسط الطريق معرقلة السير وسمعنا منبهات السيارات من ورائنا طالبين المرور فلم
يجد صديقي إلا أن يذعن ويقتحم الثكنة العسكرية التي قام الحارس ببابها برفع الحاجز وأصبحنا في
الداخل . نزل الضابط وكذلك فعلنا فقام بإصدار ا لأمر للعسكري لإلقاء القبض علي . وضع يده على
مرفقي فأسقطت له يده وقلت له ماذا تفعل ؟ قال بأنه أمر الكومندار . بغضب قلت له أتقصد
السكير ؟ فكما لو إستيقظ من غفلته رفع الحاجز ودفعني خارجا وهو يقول إذهب يامصطفى ؟
في الطريق بدوت مستغربا في الأمر . فأنا لست مصطفى . لا شك أن الرجل يعرفني ونسي
إسمي .
مع الطريق أسير غاضبا فتوقفت السيارة من جديد لتقلني . صعدت وسمعت حديثا يحكي ما وقع
من بعدي . أخبروني بأن -الكولونيل - حضر بعد خروجي بوهلة فغرق الكومندار في خجله حينما
تساء ل العقيد عما يحدث فأخبره العسكري بأن الزاوار ( الثملون ) هم أصدقاء الكومندار .
أمر العقيد برفع الحاجز وخرج الأصدقاء بينما الكومندار بقي صامتا أمام رئيسه .
في الغد إلتقيت بالكومندار بحانة - شالة - الشعبية . عانقني وقبلني كما لو أن شيئا لم يحدث
كان رجلا سكيرا بمعنى الكلمة لكنه والحق يقال كان نبيلا وطيبا فقد رأيته مرة بنفس الحانة
ينتزع حداءه من رجليه ويعطيه لشخص بائس . ثم أمر - النادل - بأن يذهب لبيته الذي كان على
مقربة ليأتيه بحذاء آخر . كان أيضا حينما يثمل يسب ويشتم ولا يخشى أحدا . فكرت أن حرب
سوريا ضد العدو الصهيوني وكذا حرب البوليزاريو ضد الجيش المغربي كان لهما تأثير على نفسيته .
كما أيضا كنا نشك في أمره فلربما كان من المخابرات . وأذكر يوما أردت تسديد فاتورته فرفض ولم يستغل غباوتي.
لقد توفي رحمه الله متأثرا بمرض المعدة المزمن وتشمع الكبد لإفراطه في شرب الخمر. كان عظيما لكنه كان
مجنونا أيضا.

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:16 PM
مجرد إحتمال - الإهداء للعزيز مصطفى مراد -
11-07-2010, 07:26 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45663


هل جاء فقط ليبحث عن نفسه القديمة ؟ تلك النفس التي تقعى في جزء جانبي من العالم الذي
كان في السابق يحسبه حقيقيا . الآن لم يعد حقيقيا في نظره وهو الذي كما لو استيقظ صدفة من
أجل تلك الحقيقة عينها لطالما عذبته لعنتها فقد كان كلما اقترب منها تختفي أو تتحول إلى ضرب من
ضروب العبث.
الآن هاهو في عالمه القديم وجها لوجه أمام الأمر الواقع . لم يدر كيف حدث وسافر في رحلة
الأحلام بقلبه المحطم. لم يدر كيف فارق نفسه القديمة وعانق أخرى جديدة اكتسبها فجأة وهو
عابرا بها للأكوان دون عتاد دون أدوات يختزل بها الزمن ويخترق بها الأسرار . فمن ساعده على
هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر ؟ أهو الخيال ؟ أم أمرا جاء به المجهول الذي لا هو ولا أحد يقدر
على اختراق مكنوناته . ؟ .. لا أحد يمكن له أن يعرف المعرفة الحقة ولا هو أيضا عرف بداية القصة
رغم أن القصة نفسها كان هو بطلها المفترض .
والآن يكتشف نفسه الثانية أي الجديدة التي بها سافر في مدارات الأكوان عبر المحيطات الهادرة
والمتعددة بعد أن ترك نفسه البدائية خلفه في عالم أعمى بالفطرة . اليوم بعد مرور لحظة خاطفة
مقارنة بالزمن الماضي الزائف الذي هو من خصوصيات العالم المتخلف . بينما في دورة الحقيقة
وزمنها الحقيقي كان يقطع السنين الضوئية بلا حساب وبلا عدد فرأى الأفق اللامتناهي بلا زمن
بلا شمس تضيئه وبلا ظلام يحجب عنه الرؤية فقد كان السفر بلا معدات من عالم جاء منه وربما بلا
أسباب حتى سوى ضربة حظ. . فالعالم برمته هو نتيجة لضربة يانصيب موفقة وقد عانى في السابق
أيضا من غيرها وقد كانت مدمرة .
الآن جاء فحسب ليبحث عن تلك التي كانت نفسه القديمة والتي خلفها من ورائه ولم يكن يعرف
أن نفسا جديدة ستولد منه وله أثناء الرحلة وهاهو عاد بها ليلتقي بالأخرى . وهكذا إستقامت له
المقارنة بفهم حقيقي ولرؤيته الجديدة .
عاوده حنينه الأول فانتصب مبشرا برؤيته الجديدة الوليدة لكن لا أحد صدقه لأن لا أحد يعرف الحدث
المبني للمجهول . وهذا المجهول نفسه هو المؤسس الحقيقي للحدث الخاص به . لا أحد يستطيع
استيعاب المستحيل وهو الذي كان سفره جميعه عبر طرق المستحيل لم تتوفر إلا له وليس لغيره
كيف قطع تلك المسافات التي لا حدود لها وكيف عاد ثانية إلى دنيا الحدود والممكن ؟
هو الذي عاد من رؤية تلك الأكوان التي تعج بالأحياء المختلفة والموحدة في اختلافها بشكل عجيب
ومبهر . هو الذي استوعب العالم الجديد فكيف يشرح لعالمه القديم والأعمى نظريته المستكشفة؟
كل ما كان يقتنع به من قبل تلاشى بعد العودة كما يتلاشى الغبار مع الرياح الداهمة .
لم يعد هذا مكانه فلغته اليوم هي غير لغة الأمس إذن بماذا يخاطب الممكن؟ وهو العائد من
فضاءات بخطاب مختلف وموحد وبرؤية فوق بنفسجية . وبتواصل مع المستحيل بلا ألسن أو إشارات
والمكان غير محدد وكل يوم له إكتشاف جديد . كل الرسوم بدقة متناهية والأحياء كالأشباح تبتسم
لنظام لا يعترف بالممكن . فالولادات مرتبة والموت لا علاقة له بالآلهة التي تتبدل كالأنظمة . وكل
الهمم تسير بقوانين الصدفة .
الأبواب الآن إختفت من رأسه
والموت بالنسبة له بلا مفهوم معين وبلا هدف معين وبلا أفق معين وإلا ما معنى الرحلة ؟
نام قليل هو الذي لا ينام
عندما استيقظ من الغفلة وجد نفسه الثانية الجديدة ممتلئة بالحكمة
فاقدا للهوية وما جدوى الهوية وهي ليست موحدة ؟
سافر دون أن يدري
عاد وهو يدري
ضاعت منه نفسه القديمة
وكيف حصل ذلك ؟
لا يدري وأيضا يدري في آن
وهل من المنطق أن يكون زمن الرحلة مجرد افتراض ؟
.................................................. ....
باريو مالقا - تطوان - المملكة المغربية
صباح 10-07-2010

محمد رشدي
18-12-2011, 03:17 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-10-
16-07-2010, 03:12 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45750


أثناء هذه الفترة بعد الإجهاض وبسبب خلاف بسيط كالعادة تم الطلاق بيني وبينها رغم الحب المتبادل
الذي كان يجمعنا. كنا مثل طفلين نستخف بوثيقة الزواج الثبوتية دون أن نشعر أو نقصد ذلك . فقد كنا
نطلق ثم نعود معا إلى بيت الزوجية كأن شيئا لم يكن . ولم يكن ذلك بإرادتها فقد كنت أنا السبب في كل
ما يجري حولنا. لكن هذه المرة كان الطلاق للمرة الثالثة أي طلاقا بلا عودة . وبقينا معا رغم نقلها لأثاثها
وكل حاجياتها نحو بيتها . ولما كانت تخرج صباحا إلى عملها كانت نوافذ الجيران تفتح لتطل الرؤوس الفضولية بعيون تحصي أنفاسها وكان ذلك يؤلمها . كيف لا وهي تشعر برنين الضحكات
والوشوشات وهي المغلوبة على أمرها أمام هذا الرجل الطفل الذي يحلو له أن يتلاعب بها فقط
ليستعرض قوته ومهارته كإنسان غير عادي . فقد قالت لي يوما بأنني أضحكت عليها خصومها
وأعداءها . وكنت أعرف ذلك بل وأتعمد تلك الأحداث وكثيرا ما تساءلت مع نفسي لماذا أفعل ذلك.
ربما كنت أنتقم من والدتي القاسية فيها . هذا يتكرر مع كل أنثى قابلتها في حياتي فكلهن كن
يعشقنني ولم أستطع الإحتفاظ ولو بواحدة منهن . الطلاق الثلاث في الشرع معناه النهاية وعلى كل
واحد منا أن يأخذ وجهته لكننا لم نفترق . فقد إقترحت علي أن تعقد مع أحد أقاربها شكلا فقط ولن
يمسها ثم يفسخ العقد لنستطيع الزواج من جديد. لكن وثيقة الطلاق كان مكتوب عليها هذه الجملة / حتى
ينكحها رجل آخر / لما قرأتها شتمت من كتبها وهي غاضبة قائلة / إبن العاهرة / . قلت لها بأن الزواج
الآن لكي يكون صحيحا عليك أن تنكح من طرف رجل غيري ويطلقك بعدها وأنا لن أقبل بهذا الوضع.
وعلى هذا الإيقاع إفترقنا . ولكي تخلصها عائلتها مني قدمت لها أحد أصدقاءها . وكان رجلا وسيما
ومطلقا ولا زال شابا وأب لبنتين من زواج سابق من مفارقته التي كانت خائنة. علمت بالأمر وأحسست كما لو أنني
أريد أن أسبقها . وفعلا جاءت الفرصة .
ذات يوم وأنا بمكتبي العمومي كان معي رجل سمسار فإذا بسيدة تقتحم المكان . في ريعان
شبابها بدت لي جميلة ورائعة هكذا توهمت . حررت لها شكاية برب العمل الذي كانت تشتغل
لفائدته. كانت تشتكي من سلوكه العدواني . قلت لها لما لا تتزوج وتترك العمل . قالت بأنها لحد الآن
لم تجد الرجل المناسب الذي وصفته ب ( ولد الناس) تدخل السمسار بسرعة فائقة قائلا / هاهو
ولد الناس الذي تبحثين عنه . وكان يعرف بأنني مطلق حديثا. فوافقت للتو . وسألتها إن كانت تجدني
مناسبا لها . أشارت بنعم . شرحت لها ظروفي المتواضعة فقبلت بها وكان العائق الوحيد هو عدم
توفري على المهر ومصاريف الزفاف . قالت هي لابأس فهي سوف تتكفل بالأمور وكان ماكان .
باعت أساورها وأعطتني نقود المهر أرجعتها لها عند العدلين . كنت ذلك الصباح بالمكتب العمومي
فجاءت باكرا وناولتني النقود وانصرفت لألتحق بها بمصلحة التوثيق. وجدتها صحبة والدها وانهمك
العدلان في تحرير العقد بينما أحدهما ابتسم لي وبارك الزواج قائلا / لقد كتب الله لك الزواج من
أسرة طيبة /. لكنني بدت لي تلك الإبتسامة صفراء ومزيفة .
قبل لقائي بالزوجة الجديدة كنت قد تعرفت على سيدة جميلة وفارعة الطول بقد ممشوق أتت من
مدينة طنجة تبحث عن صديقة لها تسكن بالجوار فلم تجدها بالبيت فطلبت مني السماح لها بأن
تستريح منتظرة بمكتبي في انتظار ظهور الجارة لكن المساء حل والصديقة لم تظهر بعد . قالت
لي بأنها تأخرت وعليها أن تذهب لمدينة شفشاون لزيارة إبنها الصغير الذي يعيش هناك مع والده
الذي طلقها وتزوج أخرى . لكن على ما يبدو فإن الحال قد فات ولن تجد حافلة لفوات الأوان . وطلبت
صراحة أن ترافقني لقضاء الليلة معي . سألتها كيف تثق بي دون سابق معرفة وهي تحمل بعض
الحلي على عنقها وقرطين بأذنيها وإسورة بيدها ؟ قالت بأنها إطمأنت إلي وأضافت بأن أولاد الناس
سيماهم على وجوههم . كنت وحيدا بالطابق الأرضي من بيتي وكان ذلك ممكنا . لكنني فضلت
أن نسهر عند صديق . شربنا أنا والصديق أما هي فلم تشرب . قالت بأنها لا تشرب ولا تدخن .
في آخر الليل طلبت من الصديق أن يزودنا بأغطية قال بأن الغطاء لزوجته ولا يمكن أن نستعمله
وعلينا أن نكتفي بغطاء واحد . كان ذلك كافيا لكي يغضبني . قلت لرفيقتي هيا بنا فلدي بيت من
ملكي الخاص . وخرجنا إلى الشارع قاصدين بيتي وكنت أنا معروفا بالحي كأحد أعيانه . بينما هي
أصيبت بالخوف عندما عان لنا جماعة من السكارى في ركن من الشارع يقارعون الكؤوس .قلت
لها بأن لا تخشى شيئا فإنها مع رجل معروف بالحي ولا يستطيع أحد أن يسيء معه التصرف. مررنا
بالجماعة وقد أدخلت يدها تحت دراعي وضمته بقوة إليها لقد كانت خائفة . تلقيت تحية الجماعة ورددت
عليها بالمثل وتابعنا طريقنا إلى غاية البيت وأصبحنا في الداخل ورأيت عينيها تبرقان من السعادة
ضاجعتها بطريقة هائلة وكانت لذيذة . في الصباح أيقظتها وأعطيتها مبلغا كي تشتري التذكرة وأشياءا أخرى وقبلتها
مودعا على أمل اللقاء بها لاحقا في آخر الأسبوع وانصرفت .
بعد هذا الحدث بالضبط تم إبرام عقد الزواج بالزوجة الجديدة وقبل أيام من موعد الزفاف خلال آخر
الأسبوع حضرت الزائرة وكنت بالمكتب ومعي بعض زبنائي . طلبت مني الخروج للحظة فخلوت
بها خارج المكتب وقالت لي بأنها أتت لقضاء الليلة معي . ودون أن أفكر قلت لها بأنني تزوجت
كانت بالنسبة لها صدمة وغضبت غضبا شديدا ظهرت فورته على محياها ثم قفلت راجعة من حيث أتت دون أن تتفوه ببنت شفة . لقد ظنت بأنني كاذب وأردت التخلص منها فحسب . لكن الحقيقة لم
تكن كذلك . سبب رفضي كان هو وسواس قهري داخل رأسي صور لي الأمر فخا ينصب لي .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:20 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا -11-
18-07-2010, 12:51 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45770


--------------------------------------------------------------------------------

إنسجمت بسرعة فائقة وبسهولة غير عادية مع مهنتي الجديدة ككاتب عمومي كما أن تلك الأسرة
صاحبة المكتب إرتاحت إلي وكانت سعيدة بما كنت أدفعه لها كل مساء وهو نصف المدخول كما هو
متفق عليه بيننا وكما هو معتاد بخصوص هذه المهنة. كنت أمينا ومجتهدا أيضا بما فيه الكفاية لكي
أحقق مردودية جيدة . وبطول المدة التي كانت تتمدد أياما فشهورا بوتيرة مسرعة إزداد عدد الزبناء .
فقد كنت أتعامل معهم بصدق وعطف شديدين . وأفكاري الثورية زادت من ثقة الناس بي . وأصبح
مكتبي قبلة لكل المظلومين وأحيانا كنت أتقاضى ثمنا رمزيا وأخرى أخدم الفقراء مجانا. لكن بعض
الإنتهازيين كانوا يغتنمون الفرصة بسوء نية إستغلالا لعواطفي المتعاطفة مع البؤساء من شعبي
فكانوا يرونني كما لو أني مغفلا مما جعلني ذلك أحتاط من مكرهم وخبث نواياهم.
لقد جعلتني هذه المهنة أطلع بشكل واسع على مأساة الناس وأعايش عن كثب مشاكلهم ومن
خلال الحالات التي تعرض علي بشكل يومي بدت لي آفات المجتمع كارثية . وكان ذلك ينعكس
على كتاباتي المهنية والإبداعية على السواء . لكن هذ ه الآفات زادت من متاعبي النفسية إذ كلما
تعاطيت مع إحداها تصيبني بحزن عميق أظل على إثره مهموما ومعكر المزاج وعصبيا دون أن
يكون لذلك موضوعا محددا في ذهني . كانت مشاكل الناس تؤثر علي بشكل فضيع وينعكس
ذلك على بيتي وعلاقتي بأسرتي التي هي أيضا أصبحت أسرة جديدة . فكنت ألتجيء إلى الخمر
لأنسى مصابي فيزيد تعاطيه من مأساتي فأنفجر منتقدا سياسة النظام الذي أصبحت منبوذا
في نظره أكثر من ذي قبل . كنت غير قادر على تحمل الوضع ولسيما والأمور لم تكن عادية أو
مقبولة نتيجة للتجاوزات الخطيرة التي كان يقترفها بعض رموز النظام السياسي في البلد دون
أي اعتبار للقانون أو لحقوق الإنسان المعمول بها عالميا . فزدت تمردا على الأوضاع التي كانت
تنتن أكثر فأكثر آنذاك.
فاجأني ذات يوم حضور عون المحكمة لمكتبي يطلبني كي ألتحق بمكتب السيد وكيل الملك.
ذلك كان بسبب شكاية حررتها بطريقة مزعجة باحتجاجها بالنسبة للمسؤولين فحضرت للتو ومثلت
أمام المسؤول القضائي الذي من حسن حظي كان رجلا نبيلا . وكان معه بالمكتب عدد من
النواب . بادرني بالسؤال التالي / من تكون أنت حتى تشير علينا بما يجب اتخاذه من قرارات ؟/
قلت وقد إستبد بي الخوف والقلق / لست ياسيدي إلا كاتبا عموميا أنقل ما يصرح به الزبناء لا أقل
ولا أكثر/ . لقد كان بمقدوره أن يأمر بالتحقيق معي من طرف الضابطة القضائية . لكنه نظر إلي
مليا ثم قال لي / إنسحب إلى مكتبك . وقريبا سوف أقوم باستدعاء كل الكتاب العموميين لكي
نوجهكم ونرسم لكم النهج الذي سوف يحدد مسؤوليتكم / . إنصرفت إلى مكتبي وبعد أسبوع تقريبا كان جل الكتاب العموميين بالمدينة مجتمعين داخل قاعة من قاعات المحكمة الإبتدائية
في انتظار المسؤول القضائي . لما دخلت القاعة وجلست قرب بعضهم فوجئت بنفورهم جميعا
مني وهناك من قام وبدل مكانه . فكرت أنني كنت السبب المباشر فيما يحصل . وبعد قليل
ولجنا جميعا مكتب السيد الوكيل حيث ناقش معنا موضوع الكتابة وزودنا بإرشادات بخصوص
المهنة وسن لنا ضوابطا يجب الإلتزام بها موضحا بأن انسياقنا بعواطفنا مع الحالات أحيانا لا
يكون إيجابيا مضيفا بأن بعض المشتكين قد لا يكونون صادقين تماما وليسوا أبرياء وضرب لنا
أمثلة لحالات مثلت بين يديه . ثم توجه بتوبيخ شكلي خفيف إلى الكتاب العموميين بشكل عام
منتقدا الكتابات التي تدخل أدراج المحكمة وهي مليئة بالأخطاء الإملائية والأسلوب الغث محتجا
عليهم قائلا / إذا كنتم غير قادرين على توضيح الحالات المعقدة والتي تتطلب كفاءة وجهدا
فلا ضير ولا بأس إن أنتم قمتم بتوجيه الزبناء في هذ الحالة نحو مكتب هذا الكاتب الذي
أمامكم ( وأشار نحوي دون أن يلتفت إلي ) / كانت هذه المبادرة الطيبة التي أثلجت صدر ي
كافية لكي تعوضني عن النفور الذي قابلته منهم عند ولوج القاعة . ثم توجه إلي مباشرة قائلا/
أنت . عليك أن تختم جميع كتاباتك التي تزود بها زبناءك بخاتم المكتب الذي تعمل به ولتكن
مختومة حين تصل المحكمة ولتتحمل مسؤوليتك / هل هذا مفهوم ؟ / قلت نعم سيدي هذا
مفهوم . ثم أضاف موجها كلامه للجميع / إن مكتبي مفتوح دائما لكم . ففي حالة أي طاريء
أو مشكل يتعلق بمهنتكم ككتاب عموميين عليكم الإتصال بي/ . وأشار علينا بالإنصراف قائلا /
أعانكم الله / .
كان الجميع يظنون بأن عقابا ما سيحل بي إلا أن الأمر كان مختلفا عن ظنونهم. وبسبب الخاتم
الذي كنت أضعه على كتاباتي تزايد عدد الزبناء على مكتبي الذي أصبح معروفا بما فيه الكفاية
وتنامى المدخول بشكل ملحوظ .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:32 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-12-
20-07-2010, 06:55 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45809


فضاء زنقة الزاوية يذكرني بفضاء زقاق المدق للروائي الكبير الفيلسوف نجيب محفوظ . بأشخاصها
وأسرارها وأخطائها وأشياء أخرى . فرغم وجودي داخل مكتبي بصفة دائمة إلا أن وجودي كان
يلتقط أحداثا وإشارات وأسرار ا كانت من خصوصيات هذا الفضاء العجيب . ( عمي عبدالله ) ومطعمه
المتواضع هو أول من كنت أحييه كل صباح ومساعديه ( عبد الواحد والفقيه ) اللذان يعملان معه . رائحة
الطعام اللذيذ تبدأ مع الصباح وتنتهي بعد الظهيرة فيقفل المحل على موعد مع الغد. هناك أيضا مطعم
آخر لكنه من النوع الرديء صاحبه رجل ريفي أمازيغي لا يأكل عنده أحد باستثناء بعض المهاجرين
الأمازيغيين البؤساء الذين حلوا بالمدينة من أجل كسب لقمة العيش التي عزت في مناطقهم الأصلية
وكذا بعض الإناث المومسات من الدرجة الأخيرة . وطعام هذا المطعم لا يؤكل حتى ولو كان الإنسان
يتضور جوعا . كل صباح يخرج رب البيت الشفشاوني فيبادرني بالتحية ثم يبدأ نهاره معي بالتنكيت
ونقد الأوضاع والأشخاص بسخرية لاذعة تنتزع مني الإبتسام والضحك بلكنته الشفشاونية الجميلة
وكان يستهويني سماعه وهو يتحدث بتلك اللكنة التي يزم بها على الكلمات وهي خارجة من فمه
أما البناية الملتصقة بالبيت الشفشاوني ذو الثلاث طبقات أبرز من يقيم بها سيدة تشتغل في تزيين
العرائس وكان يطلق عليها ب ( المشطة ) حسب تقاليد البلد . كانت سيدة متزوجة برجل عجوز لا يجمع
بينهما سوى وثيقة الزواج الرسمية . كانا متنافرين على الدوام . فهو رجل داخل سوق رأسه وهي
كانت خارج عالمه بشكل مطلق . هي طموحة تريد العيش فوق بينما حقيقتها تستقر في الحضيض.
كانت تتبنى إبنا لها ليس من صلبها لكن والحق يقال فهي كانت تحبه حبا جما وتعتني به وتضحي
من أجله . بالصدفة كنت ذات يوم أمر بجوار قصر كبير برياض شاسع يقع جهة ( باب العقلة ) فضبطتها
واقفة في ذهول تام تنظر داخل القصر . متكئة على البوابة الكبيرة وهي تمعن النظر إلى خضرة
الحديقة المزهرة وأشجارها كانت تحملق بدهشة وعشق كبيرين وتنصت لزقزقة العصافير التي كانت
تتسكع في الداخل بين الأشجار. ربما أيضا كانت تحدق لحركات العائلة المقيمة بهذا القصر البديع
ولمستخدميه وهي حزينة تندب حظها العاثر . كانت هذه السيدة صديقة للعجوز صاحبة المكتب العمومي الذي جرني أيضا حظي العاثر للعمل فيه . وكانت تنتقدها وأحيانا تشتمها معيبة عليها
سلوكها العدواني والقاسي . كانت تعلم أيضا بأنني لست من أولائك الذين ينقلون أخبار الناس وكلامهم للآخرين ولهذا لم تكن تحتاط أبدا مني حين توجه لها الإنتقاد أو القدف .
أما صديقي الذي سبق وجمعتني به الأقدار كذلك بإسبانيا فقد كان يفتح دكانا له أسفل الفندق
فيبيع فيه مستلزمات ومعدات الخياطة التقليدية المخصوصة بالنساء. كنت أجلس معه نتجادب أطراف
الذكريات . وكان هو ذو طبيعة معروف بها تتجلى في بحثه الدائم عن فرصة تقوده لشرب الخمر
ينوب عنه دائما الآخر في تسديد ثمنها . وكنت أنا أستضيفه من حين لآخر إلى -البار- رغم أن مستواه
الإقتصادي أفضل حالا . كان أيضا بهذا الزقاق طبقة من عائلات بورجوازية صغيرة أبناؤها جلهم يعملون
في القطاع الإدار ي . ذكورا وإناثا . حياتهن تختلف عن العائلات الأخرى التي كانت بالكاد تكافح من
أجل لقمة العيش . وعلى رأس هرم هذا الزقاق العائلات التطوانية الأصيلة المنحدرين من الأندلس
عائلات ثرية ولهم نفوذ ومنهم من كان يزاول السلطة مثل باشا او لهم قريب سفير للمملكة في بلد ما
سلوك هؤلاء كان مختلفا عن الآخرين ومستوى عيشهم أيضا كان رفيعا إقاماتهم أيضا في مستوى
عيشهم وأخلاقهم وتقاليدهم . ولم تكن هذه العائلات تختلط بمن دونهم شأنا . حفلاتهم كانت تترك
الزقاق في ذهول مما يحدث . وتأتي السيارات الفارهة لتحط نساءا بزينة مبهرة رافعين تكشيطاتهن حتى لا تلمس أرض الزقاق الوسخة ويتبخترن كالفراشات الملونة والزاهية ليختفين
داخل فضاء الحفل تاركين الغصة في قلوب الناظرين البسطاء.
هنا كان علي أن أقضي سنينا معدودة أصبحت خلالها كما لو أنني أحد سكان هذا الزقاق الجميل
والعجيب وبت أحبه وأحب هذه الأطياف الإنسانية المختلفة كما لو أنها عائلتي الثانية . كنت أفكر دائما في
لو كنت أتوفر على كفاءة وعبقرية نجيب محفوظ لأصبحت أنا أيضا صاحب رائعة من الروائع الأدبية
العالمية تسمى - زنقة الزاوية .

- يتبع

محمد رشدي
18-12-2011, 03:36 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-13 -
25-07-2010, 10:41 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45860


أحداث كثيرة ومثيرة كانت تقع بزنقة الزاوية العجيبة .كلما تذكرتها الآن أجدني أحن إلى ذلك الزقاق
الذي تغير الآن ورحل عنه بعض ساكنيه وتحولت قصوره الصغيرة تلك إلى أماكن سياحية يؤمها الزوار
الأجانب على مدار السنة . أتذكر صديقي صاحب الفندق المتواضع عندما كان والده على قيد الحياة .
كان رجلا أمازيغيا من منطقة الريف بعقلية بدوية تقليدية فرغم سخطه من سلوك إبنه السكير إلا أنه كان يعطف عليه
ويحبه ويتحمل حماقاته . ذات يوم ضبطه في حالة ثمالة يترنح قرب الفندق ويكاد يسقط أرضا من فرط ما شربه من خمر
رديء . كان يرفع عصاه التي لا تفارقه ويهوي بها على رأس إبنه ويشتمه بلكنته الريفية التي يعجنها
بالكلمات الدارجة فكان يؤنث الدكر كما يجعل الدكر مؤنثا . كان ذلك يثير الضحك حقا . لكن إبنه رغم
سكره لم يكن يرفع رأسه في وجه أبيه فهو يظل جامدا كالتمثال كما لو أنه لا يشعر بألم الضربات . جعلني
هذا الموقف مندهشا ومعجبا بهذا الصديق الذي يحب والده ويحترمه بشكل عجيب . جعلني ذلك
أيضا أتذكر والدي عندما كان يؤذبني كنت لا أتحمل الألم فأصرخ وأتوسل إليه وأحيانا أفر بجلدي
هاربا من الضربات المتتالية . إبن أختي أيضا .في صباه كان مثل هذا الصديق يصمد لضربات والده المتتالية
عندما اكتشف والده ذات يوم أن إبنه يدخن . فلما كان صهري يعنفه لم يكن يبالي . كان دائما يثيرني هذا التصرف.

كان بهذا الزقاق رجل ثري ومزواج يسكن بالبناية المقابلة لمكتبي . نقل أسرته الأولى إلى منزل آخر
من منازله المتعددة . وأحضر زوجته الثانية وكان له معها طفل واحد بينما الأولى كانت قد أنجبت له اربعة دكور وأنثى . كان الرجل له نقطة ضعف واحدة هي الجنس وكان متدينا . إستقر مع الزوجة
الثانية بهذا الزقاق وكانت الأمور تسير بشكل عادي إلى أن وقعت الواقعة . ذات صباح حضر رجال
الأمن على حين غرة وكانت المفاجأة الفضيحة . جموع من السكان والمارة احتشدوا امام البناية
بينما رجال الأمن ضبطوا الزوجة وعشيقها داخل بيت الزوجية فاقتادوهما نحو المفوضية وكان بصحبتهم
الزوج المخدوع وأبنائه من الزوجة الأولى وكان أحد الأبناء يصفع العشيق ومن حين لآخر ينقض على
عضوه التناسلي راغبا في اقتلاعه لولا تدخل رجال الأمن . كان المشهد فظيعا وكانت الفضيحة قد
أثرت على الزقاق برمته . الزوجة الخائنة كانت تغطي وجهها هاربة من العيون المحملقة ومن عارها.
أما العشيق فقد كان يغلب اللون الأصفر الزعفراني على سحنته . عيناه كانتا شاردتان فيهما رعب واضح
وبعد المحاكمة وصل الخبر للزقاق لتلوكه الألسن وتزيد من حدته . الحبس لشهور عديدة والطلاق
من الزوجة الخائنة . لكن الرجل المخدوع أعادها إلى البيت بعد خروجها من السجن ورجعت إلى
أحضانه من جديد . لكن حياتهما كانت تحمل بثور ذلك الحدث المؤلم . وقد شاءت الظروف أن تحضر
الزوجة الخائنة إلى مكتبي مصحوبة بطفلها البريء الذي كانت والدته القاسية بفعل الصدمة تصفعه
وتؤذيه وتعتدي عليه بدون سبب أو مبرر لذلك . كان يؤلمني عذاب ذلك الطفل البريء الذي لا ذنب
له فيما حدث سوى أنه إبن لوالدة قاسية ومريضة ولوالد مزواج وجاهل . أرادت تسجيل دعوى
كيدية فهي تنتقم من الزوج ومن الإبن معا . كانت قاسية وشريرة أو هكذا بدت لي .طردتها
بهدوء وأدب من مكتبي .
بعد مرور السنين الطويلة وانتقالي من الزقاق شاهدت مؤخرا الرجل الثري يمشي دون عصا تقوده
كما يفعل مكفوفو البصر وهو يطلب الصدقة / شي خبزة لله .. شي خبز ة لله / بقيت مشدوها
ولم أعرف كيف حصل ذلك وأصبح الرجل لا يملك خبزة يأكلها ولم أجد تفسيرا لذلك . أما الناس
الذين يعرفونه فكل واحد منهم يعطي تفسيرا مختلفا لحالة الرجل . إنها لعبة الحياة ولعبة المرأة ولعبة
تعدد الزوجات . لكن روحي ظلت حزينة لا تفكر إلا في ذلك الطفل البريء متسائلا عما يمكن
أن يكون قد حل به في مثل هذه الظروف اللعينة .

_ يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:38 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-14-
01-08-2010, 08:47 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45956


ذات مساء إلتحق بمكتبي الصديق عبد الله . قفلت المكتب وولجنا حانة من حانات المدينة . بعدها
إنتقلنا إلى مدينة -المضيق- هناك بمطعم ( شيكو ) تناولنا عشاءنا مع زجاجة نبيذ من الصنف الجيد
إلى أن حان منتصف الليل فكان من البديهي أن ننهي الليلة داخل النادي الليلي - الشاطيء الذهبي-
تلك الليلة بعد احتساء كؤوسا من الويسكي أديت أغنية مع الجوق . قبل الغناء دائما كنت أتلو مقاطع
قصيرة من شعر سميح القاسم وأدونيس ومحمود درويش . كانت هذه عادتي التي يعرفها الجميع.
تلك الليلة قرأت أيضا قصيدة من قصائدي بعنوان ( سيدة الشعر ) :
سيدتي مجنونة
ملكت مني روحي سؤالا يطير
فيحط على قلبي
جاثما
وأنا في غمرة الضحى
ألهث نحو المساء الحزين

أين لي من رفيق ؟
غيرك أنت ياسيدة
يامجنونة
علمتني الأمل الرهيب
وأنت تدسين في أنفي
شقشقة العصافير السليبة
تعريني
من نهاري من ليلي
فأفقد العصا
وأرمي بالرداء

سيدتي
حلو هو هذا القيثار
هذا السيف البتول

مشتت هذا الشدو
راحلا
عبر الحلم الممنوع

قلبي يستحم بالنار
والعطش هو الأساس.

أثناء القراءة كنت أعيد الجملة الشعرية على الجمهور ( وأنت تدسين في أنفي شقشقة العصافير)
مرارا وتكرارا .
لما خرجنا من النادي كان ضوء الفجر ينشر خيوطه البيضاء . كانت شقشقة العصافير تملأ الكون
بشكل لم يسبق له مثيل .
كان الصباح يتميز بشقشقة عجيبة وكنت أنبه الصديق إلى ذلك وأنبه سائق الطاكسي الذي
لم يكن يفهم ما يدور . نزل الصديق وهو يترنح أمام باب بيته وتابع الطاكسي طريقه نحو بيتي.
نفس الإحتفال الكوني لا زال مستمرا . دخلت منزلي وكنت متعودا على تلك الشقشقة كل صباح
شقشقة العصافير بسطح منزلي فقد كان يروق لها التغريد الذي كان يوقظني من النوم لألتحق
بعملي . لكن هذا الصباح كان الإحتفال فوق العادة كما لو أن طيورا أخرى إنضافت للحفل .
وأنا داخل البيت أتلاعب بثمالتي أحسست وكأن الحفل أقلقني ودون أن أدري سببا لذلك صرخت
صرخة مدوية وبأعلى صوتي وبغضب شديد :
( إسكتوا أيها الحمير )
فإذا بالطيور تسكت بشكل موحد منفذة أمري الخطير . وساد صمت مطلق .
منذ ذلك الحين ولحد هذه الساعة لم تعد الطيور تشقشق على سطح منزلي كعادتها .
لكنني ندمت ندما عظيما على فعلتي المتهورة تلك . إفتقدت ولا زلت تلك الأصوات المغردة التي
كانت لا تخلف ميعاد صباحي .
أحيانا يحدث أن أخجل من نفسي لأنني كثيرا ما كسرت الأشياء الجميلة بتهوري .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:49 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا -15-
01-08-2010, 09:49 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=45958


تشجيع بعض الأصدقاء هو الذي دفعني كي أقرر إجتياز إمتحان الباكلوريا موسم 1983 . قدمت
ملفي مع الأحرار لأنني كنت قد إنقطعت عن الدراسة سنة 1963 بعد حصولي على شهادة (البروفي) أي الشهادة الثانوية كما كانوا يسمونها آنذاك. وقد صادف يوم الإمتحان شهر رمضان من تلك السنة . ومن سخرية القدر حضر نفس المسؤول الأمني صحبة زوجته أيضا والذي كان قد حضر
بالمصحة حيث أجريت عملية الإجهاض لزوجتي الأولى وزوجته . كان وجوده بالمؤسسة بصفة مراقب
أمني في حين وجوده مع زوجته كان له معنى إضافيا أيضا وربما تشجيعا لها.
دق جرس الإستراحة بعد اختبار مادتين وكنت أول من دخل المرحاض من أجل التدخين . أشعلت
سيجارتي الأولى وبدأت أدخن وكنت أظنني الوحيد من يفطر رمضان خلال هذا اليوم الحساس لكن
بعد برهة وجيزة إمتلأ المكان بالمدخنين المفطرين وأصبح الموقف عاديا تماما كأننا لسنا في شهر الصيام . عدنا من جديد إلى الأقسام لنمتحن في بقية المواد الأخرى . كانت الأسئلة بالنسبة إلي
سهلة لكن المواضيع التي كتبتها كانت كفيلة لإحالتها على قسم الشرطة السياسية . كان التمرد
واضحا في أفكاري . كما كنت أخشى أيضا من الرياضيات لأنني كنت فاشلا كبيرا في هذ ه المادة.
وانتهى كل شيء بسلام ولم يبق إلا الإنتظار والترقب .
وبعد أسبوعين كنت قابعا بمكتبي فإذا بالخبر يصلني فصعقني . كانت عين الصديق تبرق بالفرحة
عندما أزف لي الخبر المبهج قائلا : هنيئا لك ياأستاذ أحمد .
وقفت أمام قائمة الناجحين التي لم تكن تزيد على 32 شخصا من مجموع الألف ونيف الذين
خاضوا غمار السباق لنيل الباكلوريا التي كانت مهمة آنذاك وضامنة لمستقبل محترم . أحسست
لما رايت إسمي بالقائمة . بشعور غريب وعجيب داخل أعماقي وبدت لي الحياة كما لو أنها إكتست لونا جديدا وملأها نور ساطع . كنت شبه مجنون لقد كادت الفرحة أن تصيبني بأذى
لم أشعر من قبل بفرحة توازي فرحتي بهذه الشهادة العجيبة . كنت أحس برغبة جامحة في أن
أصرخ في الشارع معلنا فوزي ذاك . كما تزامن هذا مع خبر لم يكن سارا بالنسبة إلي وهو
خبر حصول الحمل لزوجتي الجديدة . هنأني أهلي وأصدقائي لكن زوجتي وأسرتها كانوا استثناءا
فقد غمرهم الصمت والترقب كأن حصولي على الباكلوريا يعد نحسا لهم . صاحبة المكتب نفسها
بدت حزينة وهي تخاطبني : الآن ستودعنا ياأحمد . أليس كذلك ؟
كانت هذه الشهادة آنذاك كفيلة بضمان منصب شغل محترم يقيني شر العوز والبطالة . إلا أن
الأمر سيكون بالنسبة إلي مختلفا . كان بالمدينة مركز تكوين المعلمين يشترط فقط الشهادة .
الدراسة لمدة سنتين مع أجرة محترمة . وبعد التخرج يتم التعيين والإدماج مباشرة بوزارة التربية
الوطنية . قدمت ملفي فتم رفضه للتو بسبب سني الذي تجاوز العقد الثالث بقليل . ورغم تقديم
شهادة تعيين من طرف نفس الوزارة . شهادة قديمة تنتمي لأواخر الستينات عندما كنت معلما بمدرسة للامريم للبنين والبنات بالبيضاء . لم يتم قبولها رغم وجود قانون يسمح بذلك . هكذا
إضطررت إلى التسجيل في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل . لكنني لم أستطع التوفيق
بين العمل والدراسة والأسرة بعد ولادة الإبن الأول لأسرتي .
أتذكر لما حضرت أول محاضرة بالكلية كان أستاذي في مادة القرآن هو نفسه رفيق الدراسة
زمن الصبا . ومن سخرية الحياة أن هذا الأستاذ كان يدرس بنفس القسم وكان كسولا وضعيف
الفهم في حين كان إسمي معلقا على جدار القسم بصفتي بطل مادة التلاوة . لم يكن أحد
يستطيع أن يقرأ مثلي بتلك الفصاحة التي كانت لدي وأنا لا زلت صبيا . لذا كانت المفاجأة صادمة
بالنسبة للأستاذ المحاضر في مادة القرآن . وقد لاحظت تأثير وجودي عليه الذي جاء متأخرا .
لاحظت ذلك في نظراته التي كانت تتجنبني وفي محاضراته المرتبكة .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:51 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-16 -
14-08-2010, 03:04 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46109


ذات يوم وبينما أنا أخدم بعض الزبناء بمكتبي . إذا بعون المحكمة الإبتدائية القريبة مني يقف أمامي
طالبا مني أن ألتحق بمكتب الرئيس حالا . إعتذرت للزبناء وأقفلت باب مكتبي . كان العون قد سبقني . عندما فتح لي الباب ودخلت مكتب المسؤول القضائي الأول بالمحكمة وجدته لابسا
جلبابا أبيض وطربوشا مغربيا أحمر فقد كان يوم جمعة . يقف بجانبه كاتبه الخاص . كنت في حالة
نفسية حذرة يشوبها نوع من الخوف الغامض . بادرني المسؤول قائلا :
أنت تختبىء وراء السدج من المواطنين وتطلق قدائفك في كل اتجاه وبطريقة غير مسؤولة .
قلت مجاوبا : سيدي الرئيس إنني كاتب عمومي أنقل مشاكل الناس إليكم لتروا في أمرها
هذا هو دوري لا أقل ولا أكثر . قال : إن كتاباتك للمواطنين تحمل أفكارا . ثم ناولني الشكاية
وأمرني بتلاوة موضوعها . لاحظت جملا معينة تحتها خطوطا حمراء خمنت أن الشكاية أرسلت
من الرباط للمسؤول القضائي للنظر فيها . لأنني كنت قد بعثت بها مباشرة للسيد الوزير .
وعند قراءتي للشكاية قام الرئيس بتصحيح كلمة كنت قد نطقتها بشكل غير صحيح فأعدتها ثانية
بشكل صائب . وضع يده على زر الجرس فدخل العون . أمره بإدخال صاحب الشكاية فمثل على
الفور داخل المكتب .
-هل تعلم ما كتبه الكاتب العمومي بشكايتك ؟ فأجاب العامل صاحب الشكاية في الحال قائلا:
- لا ياسيدي أنا رجل أمي أجهل ما هو مكتوب بمقال الشكاية .
تحول الرئيس مخاطبا إياي :
- ما ثمن الأتعاب التي سددها لك ؟
- فقط أخذت منه ثمنا رمزيا لأنه لا يجد ما يعيل به أبناءه
- كم ؟
- خمسة دراهم . أ ضفت . وهو ( ما يعادل نصف دولار )
ما أن نطقت بالثمن . لاحظت تغييرا بطيئا طرأ على جلسة الرجل في مقعده . فقد تراجع بجسده
وأسلم ظهره بالكامل على مسند ه الخلفي وأحسست كما لو أنه استرخى نحو الخلف وساد
الصمت لكن الكاتب تحرك لإنقاد اللحظة من صمتها ثم سألني :
ألخمسة دراهم تلك تخاطر بنفسك ؟
قلت له بأن الأمر ليس فيه أية خطورة كل ما هنالك هو أن المحكمة الموقرة أصدرت قرارا
بإنصاف الرجل وتسليمه مستحقات السنين التي قضاها في خدمة مشغله الراحل وعلى الورثة
أن ينفذوا القرار الصادر عن أعلى مؤسسة قانونية في البلد وباسم جلالة الملك . أما الشكاية
التي كتبتها له فهي فقط تهدف إلى تنفيذ هذا الحكم وليس أكثر من ذلك .
أشار المسؤول بخروج العامل صاحب الشكاية . ثم فكر قليلا ورفع عينيه إلي قائلا:
- إنه بإمكاني إرسالك إلى الضابطة القضائية للتحقيق معك . لكنني لن أفعل فقط سأمنحك
الفرصة كي تصحح أخطاءك والكف عن بث أفكارك بشكايات المواطنين . يمكن لك أن تنصرف .
انحنيت شاكرا وانسحبت عائدا نحو المكتب . كنت أفكر في ذلك العامل الذي كان يتباكى علي
تارة ومحتجا تارة أخرى بخصوص معضلته الإجتماعية . لكنه في مكتب الرئيس تنكر لي وألقى
باللائمة علي مدعيا جهله بموضوع الشكاية في حين أنا قرأت عليه المقال كما أفعل مع جل
الزبناء قبل التوقيع . أنا دائما أدفع الثمن راضيا بلا تبرم .
ربما من حسن حظي أن المسؤول القضائي كان يعرف عني الكثير . فقد كنت أعرفه جيدا لكن
عن بعد . لأن علاقة مصاهرة كانت تربطه مع أسرة صديقة لأسرتي .كان ذلك في حياة والدي
وأثناء طفولتي وصباي . كما أن صهر المسؤول القضائي هو نفسه الصديق الحميم لوالدي
والشريك التجاري له لسنين طويلة . وقد زارني قبل هذا الحدث بنفس مكتبي عارضا علي
المساعدة لأنه قادر على ذلك مادام أشخاص من أسرته ومنهم إبنه من كبار المسؤولين في
السلك القضائي . وهذا الرجل كنت أحبه وأعتبره بمثابة والدي . لا زلت أتذكر حضوره أثناء وفاة
والدي عندما أسدل قب جلبابه على وجهه وصار ينتحب . فقد أثارني هذا السلوك الرومانسي
الجميل وجعلني أكن له الحب والإعجاب فكنت كلما ألتقي به صدفة أقبل جبهته .

محمد رشدي
18-12-2011, 03:52 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-17-
15-08-2010, 01:28 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46118


كنت أشعر بالإضطهاد كأن المجتمع كله ضدي . نادرا ما أجدني منسجما مع الواقع . ملاحظات وانتقادات
لما أراه وأعايشه يوميا من تجاوزات مخلة بالمنطق والطبيعة . فكرت أن أتخلى عن هذه النظرة الخاصة لدي وعن حاستي السادسة التي لازلت احتفظ بها . قررت أن أدس رأسي في الرمال كما تفعل النعامة .وأتغافل عن كل هذا العبث واللامعنى الذي يلف وجودي . قلت علي بالإيمان . هو وحده من
سينقذني مما أنا عليه من بؤس وتنافر وأعصاب متعبة . علي أن أسلم أمري لله للخالق الذي هو
الوحيد الواقف بجانبي أثناء نكساتي المختلفة والمتعددة . دخلت المسجد لأصلي وما أن رآني بعض
المصلين .هرعوا متهافتين للصلاة بجانبي فتأكدت بأن هؤلاء يريدونني مثلهم وشبيها بهم . فليكن .
داخل بيت الله شعرت بالراحة النفسية والطمأنينة . قلت هي ذي طريقي الأصلية والحقيقية ولما لا؟ فأبي كان ياخذني معه للصلاة كل فجر أثناء طفولتي . فكنت أجد الراحة أول الأمر .
بعد حين حل في داخلي نوع آخر من الإحساس . إحساس بالعبث وعدم الجدية . أصبحت من
جديد في حيرة من أمري . كنت أقرأ الكثير من الشعر الأجنبي الغربي فأجد نفسي فيه وخصوصا شعر - هولدرلن - . تهتز أعماقي وأشعر بسعادة غامرة وأحيانا بلذة تشبه اللذة الجنسية
كلمات بسيطة وعادية في تصريف مختلف وعميق بمعنى أحيانا يتراقص في مخيلتي . نعم شعر
هذا الرجل عميق للغاية وبسيط أيضا .
(ماذا يفيد الشعر في الزمن الحقير
لكأن الشعراء كهان لباخوس العظيم
يتنقلون من البلاد إلى البلاد
خلال ليل أقدس) .
هولدرلن أيضا يصف زمانه بالحقارة وبأن الشعر العظيم لا يفيذ في الأزمنة الرديئة . إذن كيف
أوفق بين هذه المتناقضات ؟ - هيدجر - أيضا أحب هذا الشاعر العظيم لحد الفناء فيه . - هيدجر-
نفسه يرى الحياة بطريقة تتماثل مع طريقتي في الرؤية للعالم . فهو الذي يتحدث عن حياة الإنسان
مقسمة إلى ثلاث مراحل ويصف المرحلة الأخيرة بالخسران . بينما - سارتر - يصفها بالفساد . وقد
كتب كتابه الرائع ( الكون والفساد) لكي يعبر عن مرحلة الإنسان الأخيرة كيف هي مرعبة .
أن توجد
أن تجد نفسك واقعة أو قضية كما قال - غسان كنفاني- أيضا
أو تجد نفسك مشكلة مثلا
ثم أمام النهاية وجها لوجه
نأتيها ببطء لكن لا أحد تبطئه .
الموت . سميه ما شئت فهو بمعنى واحد وحاسم .
ولا أحد يعرف السر بما في ذلك أولائك المؤمنون الورعون الذين يقودون
القافلة . حتى الأنبياء أنفسهم لا يعرفون السر .
أحببت دائما المفكرين والشعراء والأدباء الذين ملأهم أو راودهم الشك والإرتياب فيما هو سائد
ومشاع . أحببت أيضا الأنبياء . وآمنت بأن الشعر أيضا نبو ة . والفكر رسالة . أليس من حق كل
إنسان أن يشك ؟ إنه يفكر في مصيره فكيف لا يشك ؟ نحن ندافع عن مصيرنا وهذا من حقنا
ولا نخشى التهديد أو ربما نخشاه ونتجاهله . إن الله في نظري ( نور وخير وجمال وعدل ومعنى)
إنه صاحب كل الشيم الحميدة والكريمة . ولن أقبل بأن يكون الله صاحب محرقة يشوي فيها
مخلوقاته . لأن هذا فظيع . والله ليس كذلك . الله ربي لا يمكن أن يكون منتقما .
أتساءل مع نفسي : أليس هو من دس في نفسي الحب والكثير من الحب ؟ حب الحياة وحب
المرأة وحب العائلة وحب الوطن وحب الورد والجمال وحب البحث عن الحقيقة . أليس هو من خلق
الإنسان وأهداه هذا الوجود الرائع أحيانا ؟
كنت أفكر دائما بهذه الطريقة التي تحمل الكثير من التعقيد كما يظن الآخر . لذا كان ذلك يظهر
في قصائدي وكتاباتي التي تغضب الكثير من الناس . كثيرا ما أهديت كتابا لأشخاص فغضبوا
وقطعوا عني الكلام حتى أنني لم أفهم لماذا . لأن الكتاب أصلا ليس به شيء يستدعي الغضب.
معاناتي كان عليها أن تصمد ضد الأحداث التي دائما كانت مفتعلة . ولم تكن لدي معاناة
واحدة بل باقة كاملة منها . معاناة ميتافيزيقية وسياسية واجتماعية إضافة للمعاناة الشخصية .
في الفقرة القادمة سأبدأ بالأحداث أغلبها كما قلت كانت مفتعلة كادت تدمرني لكن كنت أقوى
منها بليونتي . أو أن الله بالتأكيد دائما كان بجانبي سنرى ذلك في الحلقات المقبلة.

محمد رشدي
18-12-2011, 03:53 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-18-
20-08-2010, 12:07 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46167


أحيانا أشعر بأن القدر يلعب لعبته القذرة معي دون أن يكون لي يد فيما يحدث . فذات يوم سبت من
تلك الفترة كنت أتسكع مع بعض الرفاق بحانات المدينة فجاءني شقيق صديقي- ميكي- ( المعيزز )
وطلب مني أن ألتحق بمكتبي لأحرر له بعض المقالات . لكنه لم يكن جديا في طلبه ذاك . كان فقط
يريدني أن أكون بالمكتب لأن رجال الدرك الملكي كانوا في انتظاري . وكان هو يعرف بينما أنا لم أكن
أعرف ما ينتظرني . فما أن فتحت باب مكتبي حتى فوجئت برجال الدرك بلباسهم الرسمي يقتحمون
المكان وقد كانوا ثلاثة . سألني أحدهم إن كنت أنا المسؤول بالمكتب فقلت له أي نعم . طلب مني
مرافقتهم من أجل إجراء تحقيق معي . استفسرت عن السبب . فأخبرني بأن شكايات مجهولة حررت
لشخص ما بمدينة شفشاون يتهمني بأنني من كتبها . قلت لهم بأنني لا أحرر الشكايات المجهولة
لأن هذا ليس من عادتي إطلاقا. فوضع بين يدي نمودجا منها تأكدت حينئذ بأن الشكاية المجهولة
لا علاقة لي بها من قريب أو بعيد . لأن الأسلوب لم يكن أسلوبي كما الآلة أيضا ليست آلتي التي
أشتغل بها . سألني الدركي إن كانت لدي آلة أخرى بالبيت . قلت له بأن بيتي مفتوح للدرك كي
يتأكدوا من ذلك فورا . قال بأنهم سوف يحققون في النازلة وعلي أن أرافقهم حاملا آلتي الراقنة.
كانت هناك عند مدخل زنقة الزاوية سيارة طاكسي تنتظر وأيضا جموع من المواطنين دفعهم فضولهم للتجمع لاستكشاف هذا الأمر الذي كان يبدو لهم خطيرا جدا . بينما وشوشات وتكهنات
وافتراضات كانت تسري بينهم سريان النار في الهشيم .
حملتنا سيارة الطاكسي التي كانت في انتظارنا - بعد أن أقفلت المكتب - إلى إدارة الدرك بتطوان
التي كانت تتواجد آنذاك على مقربة من حي ( باب النوادر) فتم إخراج شخص من معتقل المخفر
وهو مكبل اليدين . لم يسبق لي أن رأيت خلقة الرجل أو تعاملت معه . خاطبه الدركي قائلا :
( وهو يشير إلي ) أهذا هو الشخص الذي حرر لك الشكاية ؟ قال الرجل المعتقل : إنه هو عينه.
إستغربت الأمر وقلت مخاطبا ذاك النذل : كيف تفعل بي هذا وأنا لم أعرفك أو أسأت إليك ؟ .
حملتنا سيارة الطاكسي نحو مدينة شفشاون . هناك سيتم التحقيق في الملف وسأعرف لاحقا
أن هناك معتقلين على ذمة التحقيق وأن الملف ملف مخدرات . فأصبت بالرعب الفضيع وفكرت أن
مؤامرة محبوكة بدقة من أجل الزج بي داخل السجن . في الطريق نحو شفشاون إنطلق من
كاسيط السيارة صوت - وردة الجزائرية - وهي تغني :
إيه ولا إيه ولا إيه ولا إيه يعجبني إيه فيك ولا إيه ولا إيه ولا إيه
رغم الدعر الذي كان يسكنني رافقت السيدة وردة في أدائها للأغنية . فقال لي أحد الدركيين :
تبدو ناشطا .. قلت متحديا أزمتي : نعم . إنه في هذا العالم اللعين يجب أن يتحدى الإنسان
الأوغاد مهما كانت الظروف سيئة . فقال : من تقصد بالأوغاد نحن ؟ قلت : أقصد من حبكوا هذه
المسرحية الدنيئة . وأضفت : أما أنتم لا مصلحة لكم في ذلك . فقط تؤدون واجبكم .
أقفل سائق الطاكسي الكاسيط لكن الدركي أمره بفتحها من جديد . كانت السيارة تنهب الطريق نهبا على وقع صوت - الفنانة وردة - وكانت روحي الجريحة في أمس الحاجة إلى ذلك الصوت
وإلى تلك الكلمات وإلى ذلك اللحن .
داخل مخفر الدرك بشفشاون خاطبني الرئيس :
أنتم الكتاب العموميون لا تتورعوا عن كتابة أي شيء مقابل مبلغ سمين من النقود طبعا .
قلت : إذا كنت أنا الفاعل فإنني أطلب منك تطبيق القانون بكل صرامة . أما إذا لم أكن أنا الفاعل
فإنني أناشدكم أن لا تظلمونني .
قال الأجودان : لن يظلمك أحد . ثم أمر من هو أقل رتبة منه قائلا : ( فوييلو ) أي بما معناه :
أسكنوه .
دخلت الزنزانة كان هناك رجل في عمر الستينات يضطجع على فراش وثير وتحف به رزم بلاستيكية
مليئة بالمؤونة والفواكه المختلفة . داخل الزنزانة كانت هناك فراشة تسبح وتحوم في فضائها
خاطبتها ونفسي منكسرة قائلا : تعالي أيتها الفراشة الجميلة . ثم مددت إليها يدي . فحطت
عليها كما لو أنها تنفذ أمري . فقلت لها / هذا ليس مكانك / ثم حملتها نحو النافذة الضيقة والصغيرة لباب الزنزانة ودفعتها خارجا .
إستفسرت الرجل حول الواقعة فأخبرني بأن الملف ثقيل وبأن الوغد الذي جرني إلى هذا
المكان قد جر دزينة من الأشخاص .
إنتابني شعور بالضيق والمهانة والظلم وأحسست برغبة ملحة في أن أضرب برأسي على
الجدار لكنني لم أفعل .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:55 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-19-
21-08-2010, 02:33 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46179


حكى الرجل الطيب الذي يشاركني الزنزانة عن ذلك الوغد الذي اتهمني ظلما وعدوانا وقال بأنه فقير
وخبيث و مؤذي . فقد كان مطلعا على أحوال الدوار والمخدرات التي تغرس في المنطقة وحقده كان
موجها للجميع بدون استثناء . كان يبعث بالشكايات المجهولة للدوائر العليا متهما الصغار والكبار
من ذوي السلطة دون أن يكلف نفسه عناء التأكد مما يسجله في شكاياته. وكان يخفي إسمه
ويكتفي فقط بالوقائع . كما استغرب مسألة إقحامي في القضية ولم يجد رابطا بيني وبين ما يحدث
أنا بدوري صرت أبحث عن الأسباب أو الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا وراء توريطي وأبحث عن
الهدف من وراء ذلك.
كان بعض الضباط يأتون الواحد تلو الآخر فيلقوا نظرة علي ثم ينسحبوا . طلبني الرئيس مرة أخرى
ليعيد تكرار السؤال بخصوص الكتابة فقلت له بأنني لم أر هذا الشخص ولم أتعامل معه من قبل
وأن كاتبا غيري هو الذي ينهض بهذه المهمة . فكرر الرئيس أن هذا الوغد يصر على اتهامي ولا
يتهم أحدا غيري . قلت له بأن هناك وسائل تجبره على قول الحقيقة مادام ليست هناك طريقة أخرى
تؤدي إلى ذلك. أصدر أمره بنقله إلى مكان ما تحت البناية مع استعمال الكهرباء وقد كان يتكلم مع
أعوانه باللغة الفرنسية . وقد سمعت صرخات تأتي من بعيد وعلى الفور أحضروه من جديد وأخبروا
رئيس التحقيق بالحقيقة . فقد إعترف بأن الشكايات كان يكتبها بمدينة شفشاون وليس بمدينة تطوان .
أثلج الخبر المفاجيء صدري وأحسست كما لو أن الفرج قد أصبح وشيكا وسوف أعود إلى بيتي .
صفع رئيس التحقيق وجه الوغد قائلا: أيها الحقير تكذب علينا وتتهم كاتبا من تطوان بينما من كتب
لك يوجد بشفشاون ؟ قلت للرئيس : مون أجودان ما دامت الحقيقة قد ظهرت أرجوك أطلق سراحي لأعود إلى بيتي . لكنه رفض وقال بأن القضية في يد السيد الوكيل نفسه وهو وحده
من يقرر . خرج رجال الدرك لإحضار من كان وراء كتابة الشكايات ومعهم المعتقل لكنهم عادوا
مصرحين بأن المكاتب كلها مقفولة لأن اليوم يوم سبت مساءا . وتم إعادة الكرة يوم الأحد بدون
جدوى . بت تلك الليلة وحدي في الزنزانة وكان شريكي في المكان قد نودي عليه لكنه لم يعد
إلى الزنزانة طوال الليل فاغتنمت فرصة غيابه عن فراشه وتمددت عليه إلى غاية الصباح ونمت
نوما عميقا وفرحة براءتي من التهمة الموجهة إلي مجهضة داخل صدري. في الصباح تناولت
فطوري ولم يكن فطور المعتقلين . كان باديا وواضحا أن الفطور جيء به من إحدى المقاهي المجاورة . كنت مسرورا باكتشاف الحقيقة . منتظرا يوم الإثنين على أحر من الجمر وكنت متوجسا
من إعتراف الكتاب بحقيقة الأمر . لكنهم لما تم إحضارهم صباح ذاك الإثنين إعترفوا بكل تلقائية
وسهولة بعدما القوا نظرة على أوراق شكاياتهم . لكن المحقق لم يكتف باعترافهم بل طلب
منا ان يجلس كل واحد منا أمام آلته الراقنة وبدأ يملي علينا موضوع الشكاية ونحن نكتب ثم
ألقى في النهاية نظرة على أوراقنا ليتأكد من شيء يدور في رأسه .
مع اعتراف الوغد وإحضار الكتاب الحقيقيين وعددهم ثلاثة إنفضحت اللعبة وكشفت عن سبب
توريطي ضمن هذه النازلة . فتم الإنتقام لي من الشخص الذي كان له دور في القضية حيث
تم نقلي إلى فوق وطلب مني الجلوس على مقعد قبالة مكتب مجاور وأحضروا شقيق صديقى
الأقرب إلي من كل الأصدقاء . وأسقطوه على ركبتيه وضربوه ضربا مبرحا فكدت أن أناشدهم
العفو عليه لكنني لم أفعل . وتذكرت عندما جاءني يوم السبت وضرب لي موعدا كاذبا كي أحضر
بالمكتب لأقدم له خدمة بينما كان هناك رجال الدرك ينتظرونني . كما أن الدركي الذي كان له الدور
الأساسي في إقحامي مع المتهمين عن طريق الوغد كرابط مباشر .فقد تمت إهانته أمامي من
طرف الرئيس وقد إنتزع منه كرسيه وسلمه إلي كي أجلس عليه لكنني إحترمت مشاعره وأرجعت له الكرسي بينما معتقلا بيننا جاءني بمقعد آخر جلست عليه . كل شيء كان واضحا .
كان الخبر قد وصل إلى بيتي وتمت مهاتفة شقيقي الذي كان دركيا أيضا برتبة أجودان حيث
إتصل من الصحراء المغربية بالمركز الذي كنت معتقلا به لكنهم طمأنوه بأنني بريء وسوف اعود
إلى بيتي . كما أن المحضر الذي يخصني لم يطلب مني الدركي اللطيف الذي كتبه أن أوقع عليه.
زارتني والدتي مصحوبة بزوجتي بالمركز وأخبرتهما ببراءتي وكنت أبكي وأقول لوالدتي :
لا دخل لي بما يحدث .
كان الرئيس يطمئن والدتي وزوجتي ويقول لهما : بعد إحالة الملف على السيد الوكيل سيطلق
سراحي . ومع ذلك كنت متوجسا من الأمر .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:56 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-20-
25-08-2010, 12:19 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46204


أحيل ملف القضية على أنظار السيد وكيل جلالة الملك وتم تقديم مجموعتنا التي لم أكن أعرف أن عدد
الأشخاص بها يصل 14 فردا. وقف طابورنا أمام المسؤول القضائي الذي كان يستعرض المحاضر التي
كانت مكتوبة باللغة الفرنسية. ثم صار يستعرض الأسماء واحدا تلو الاخر. توقف عند ذكر إسمي قليلا
ثم تابع مرددا مكان الحي الذي أسكنه . لم يسأل أحدا منا ثم أمرنا بالخروج ثم إلتحق بنا وتجاوزنا ووقف أمام رجال الأمن المكلفين بحراسة السجناء وبنقلهم إلى المعتقل ثم أمرهم بالإنصراف . كان
ذلك يثير الإستغراب وتساءلت مع نفسي إن كان سيطلق سراح الجميع . قلت : هذا غير ممكن .
كان السيد الوكيل قد دخل مكتبه عندما سألت الدركي ( المشبوه ) الذي كان وراء إقحامي في هذا
الملف . عن سبب تصريف رجال الأمن . فقال لي بأن القضية سوف تحال على محكمة الجنايات . فانتابني
الدعر والخوف الشديد وحسبت الأمر مجرد مؤامرة وصدقت ظني وركبني غضب شديد وصرخت بأعلى صوتي محتجا قائلا : إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته . لماذا أنا هنا ما دام المتهمون الحقيقيون قد إعترفوا بجريمتهم ؟ خرج موظفو المحكمة ليروا ما يحدث وتجمع الجمهور وأنا أصرخ
بملء فمي محتجا ضد الوضع المفروض علي . وفجأة لمحت السيد الوكيل يخرج من مكتبه ورمقني من بعيد ثم رفع سبابته في اتجاهي وهو يخطو نحوي إلى أن اقترب مني ثم صاح في
وجهي قائلا : أنت .. - وتوقف قليلا - ثم أضاف : أنت ليس لنا معك أية متابعة . فارحل من هنا
إلى حال سبيلك . ثم تابع : أما هؤلاء ( مشيرا إلى المجموعة ) الكل إلى السجن .
صدمني ما سمعت لأنني كنت أظن نفسي ضحية مؤامرة لن أفلت منها ومآلي هو السجن .
قلت موجها كلامي للمسؤول القضائي : شكرا لكم ياسيدي . قاطعني قائلا : لا داعي للشكر
وكرر جملته ثانية : نحن ليس لنا أية متابعة ضدك . قلت : هل آخذ آلتي الراقنة معي ؟ قال : نعم
خذ آلتك والله يعاونك .
رفعت آلتي الكاتبة نحو صدري فسألني أحد حراس القوات المساعدة إن كنت أمنحه سجارة
فقدمت له العلبة كاملة وأشرت عليه بالإحتفاظ بها . ثم حملت الآلة الكاتبة والجمهور ينظر إلي
وبينما أنا أعدو وسط الجموع نحو الخارج إذا بصوت المؤذن يعلو سماء شفشاون عبر مكبر الصوت من مسجد قريب . بدا لي الصوت مرتفعا أكثر من اللازم :
الله أكبر . الله اكبر . لا إله إلا الله
أشهد أن محمدا رسول الله
كان هذا آذان صلاة العصر . وقد جاء متزامنا مع إطلاق سراحي مباشرة وقد صنعت هذه الصدفة
العجيبة حدثا بدلالة لها واقعية أعطت بعدها الميتافيزيقي للوضع الذي خرجت منه سالما وشاكرا
الله عز وجل على سلامتي .
السماء كانت مكفهرة خلال ذلك المساء . والرياح تزمجر في الأعالي والعبوس يخيم على
فضاء شفشاون بشكل ملفت . وبدت لي السماء مع صوت الآذان كما لو أنها تنتقم لي من
الظلم الذي لحقني من مؤامرة حاكها أنذال واحد منهم أقرب الأصدقاء إلي والآخر دركي والأخير
معتقل في الملف. لابد أن تكون خيوط المكيدة قد حيكت بين الدركي والصديق داخل حانة
من حانات شفشاون .
ورغم أن السيد الوكيل هو من أطلق سراحي فقد كنت خائفا من أي طارىء قد يحدث لأعود من جديد إلى الزنزانة فقد كنت في وضع حساس للغاية وأنا أحمل الآلة الكاتبة كما أحمل نعشي
على كتفي كما تقول الأغنية المشهورة .
الطريق كانت خالية من دوريات الدرك وقد ساعد ذلك على إطمئناني فرحل الرعب عني.
دخلت بيتي فكان ذلك مفاجئا عانقت إبني الأكبر الذي كان هو الوحيد لدى أسرتي آنذاك . فقد كان
عمره لا يزيد عن بضعة سنين معدودة . وقد أخبرتني أسرتي بأنني عندما كنت بالمعتقل كان هو
يقول للأسرة ( لقد ذهب بابا لحال سبيله ) إنها جملة معبرة ومفيدة في آن :
( بابا مشى بحالو ) .

أتذكر عندما كنا بالمحكمة سألت ذاك المعتقل الذي إتهمني بتحرير شكاياته المجهولة :
لماذا إتهمتني أنا بينما من كتبوا لك هم كتاب عمومين من مدينة شفشاون ؟
أأكون قد أسأت إليك يوما ما دون أن أعلم بذلك ؟
قال الرجل : -بلكنته الجبلية -
( ماشي دخاطري أبلادي ) .

محمد رشدي
18-12-2011, 03:58 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-21-
31-08-2010, 06:49 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46278


كنت قابعا بمكتبي أتصفح جريدتي اليومية المفضلة . دخل رجلان في متوسط العمر . بعد التحية طلب مني أحدهما أن أحرر لهما عقد بيع شقة في بناية موجودة على هامش المدينة . وضعت أمامي بطاقتي الرجلين وبعد إطلاعي على وثيقة التملك التي أدلى بها البائع إنهمكت في تحرير العقد على
آلتي الراقنة . ولما انتهيت من التفاصيل والثمن ومرجعية الوثيقة وضعت في أسفل العقد إسم البائع
وإسم المشتري وتلوت عليهما كعادتي موضوع النص .وقع الرجلان معا وتسلمت مستحقاتي
وانصرفا شاكرين .
بعد ساعات معدودة دخل المشتري ثم خاطبني بفضاضة قائلا : لما لم تسجل بالعقد الحجرة الموجودة بسطح البناية والمحسوبة على الشقة المبيعة ؟
قلت : كان عليكما أن تطلبا مني ذلك . ثم أن مرجعية الوثيقة لا يوجد بها أي شيء غير الشقة.
قال لي آمرا وبحدة : أضف للعقد تلك الحجرة المتواجدة بالسطح . قلت هذا مستحيل . كيف يعقل
أن أضيف للعقد شيئا في غيبة البائع والعقد مصادق عليه بدون حجرة السطح . وحاولت إقناعه
بأن ما يطلبه مني غير قانوني بالمرة . ويجب عليه إحضار المعني بالأمر أولا لنتفاهم وأستمع إليه.
لكن الرجل كان متعجرفا فوق العادة وشتمني فشتمته فانقض على الآلة الأخرى ذات الحروف
اللاتنية التي كنت أستعملها في الكتابة بالإسبانية لفائدة بعض الزبناء ورماني بها وكاد يصيبني
في رأسي لولا اتقائي إياها بدراعي فسقطت أرضا . إستويت واقفا ودفعت به خارج المكتب لقد كنت
في حالة غضب شديد . تجمع نفر من المصلين تزامن خروجهم من مسجد الزقاق - الصغير - مع الحادث
وتدخل بعضهم لفض النزاع . وبينما أنا أشرح للناس الواقعة وأسباب الخلاف فوجئت بالرجل وهو
يشير بمفاتيح بين أصابع يده على حين غرة فكاد يصيبني في عيني ولولا يقظتي لكان قد فقأ إحدى عيني . جعلني ذلك أفقد أعصابي فمددت يدي اليمنى وسحبته من وسط الجموع وضربته بقبضتي إلى وجهه فكانت ضربة محكمة بالصدفة وقاضية ثم كافية أيضا لردعه . إصطدم بباب منزل
العائلة الشفشاونية المقابل لمكتبي ووقع مشجى على ظهره . كان ذلك قد حسم المعركة لفائدتي
وانتهى كل شيئ. لم تعد لدي أية قابلية للعمل وبعد ساعة أو يزيد قفلت باب المكتب وانصرفت.
غدا صباحا وجدت إستدعاءا زرقاء في انتظاري كما أخبرني أحدهم أن البوليس حضر ثم انسحب
عندما وجدوا المكتب مقفولا .
حضرت إلى دائرة الأمن بحي باب العقلة وبدلا من الإستماع إلي وإليه وتحرير محضر من أجل
إحالته على المحكمة المختصة في مثل هذه النزاعات . وجدت الأمر مختلفا وأحسست بتواطؤ
سافر وفاضح لفائدة المعتدي . كان رجل الأمن يخاطبني بفضاضة وبشكل غير لائق ولا حتى قانوني
البتة . كان لا يريد الإستماع إلي وألغى حقي في الإدلاء بتصريحي . فصرخت في وجهه : أأنت
دفاعه ؟ ثم أضفت بصوت مرتفع ملؤه الإحتجاج : عليك أن تستمع إلي أنا أيضا . لكن المسؤول الأمني صفعني وطلب بطاقة هويتي . كدت أنفجر من الغيض . أخرجت بطاقة طالب ووضعتها أمامه
كانت بطاقة كلية الآداب والعلوم الإنسانية . وقلت له هذا ما لدي . فرمى بها وهو يصرخ بهيستيريا
نحو الممر خارج المكتب . فكرت حينئذ بأنني لو كنت في سلك الأمن لكنت رئيسا له لأن الشهادة
التي لدي تخول لي ذلك . وبالضبط هذا ما اغاضه وجعله يرمي بها نحو الممر . فانطلقت نحو التقاط
بطاقتي وهرعت نحو الخارج فسمعت نداءا علي كي أرجع لكنني تابعت سيري بسرعة وخرجت
من دائرة الأمن وربما لاحقني أحدهم لكنني اندسست وسط سوق باب العقلة المجاور واختفيت.
أسرعت في الخطو نحو المحكمة الإبتدائية التي لم تكن قريبة وفي ذهني نصيحة السيد وكيل
جلالة الملك الذي كان قد أمر نا بصفتنا كتابا عموميين بالإتصال بمكتبه عند أي طاريء ( بابي مفتوح
لكم في أي وقت تحتاجون فيه لذلك ) .
وجدتني أخيرا وجها لوجه أمام المسؤول القضائي . حكيت له الحادث وكذا الصفعة التي تلقيتها
من طرف رجل الأمن بمخفر الشرطة وقلت له بأنني لم أستطع الإدلاء بأقوالي بسبب التواطؤ
المكشوف الذي كان مهيمنا على الموقف . فكر قليلا وابتسم برقة بعثت الطمأنينة في قلبي وقال:
عليك أن تعود إلى دائرة الأمن وعليك أيضا أن تهدىء من روعك وتتجنب التصعيد معهم . في حين هم عليهم أن يستمعوا إليك ويسجلوا ما تدلي به بدقة والبقية علينا . قلت له بأن المحضر سوف
يكون على غير ما صرحت به . قال لي المسؤول القضائي بأن المحضر إذا كان مختلفا عما صرحت به عليك حينئذ أن تطلب منهم أعادة كتابته وهذا حقك .
قفلت راجعا نحو الدائرة الأمنية لكنني استغربت للحالة التي وجدتها عليه كان كل شيء مختلفا
تغيرت المعاملة وأصبح أحد رجال الأمن يخاطبني بأخي والرجل الذي أساء إلي إختفى من المكتب وعوضه مسؤول آخر يتكلم بلطف وود . في حين كان خصمي المعتدي علي يرتعش
وفرائصه ترتعد ويطلب العفو ويقول بأنه مستعد لكي يسدد ثمن الآلة الكاتبة وتعويضات تخصني .
فهمت حينئذ أن السيد الوكيل كان تدخله هاتفيا فعالا جدا فأحسست بالطمأنينة والراحة النفسية
وكرجل نبيل يتمتع بحس الرجال فضلت العفو ولم اتقاضى سوى ثمنا بسيطا لإصلاح آلتي
وانصرفت إلى مكتبي وأنا افكر في ذلك المسؤول القضائي النبيل لقد كان رجلا عادلا إستطاع
أن يرجع الأمور إلى نصابها .

- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 03:59 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-22-
03-09-2010, 09:17 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46311


للحياة شطحات غريبة وعجيبة في آن واحد . أحيانا تكون تلك الشطحات إيجابية بالنسبة للبشر . وأخرى
تكون سلبية فتعود علينا بالفشل أو بالدمار ونتعرض للإهانات ولسخرية الخبثاء منا . غالبا ما ندمر بعضنا
البعض وينصب أحدنا على الآخر ثم يختفي تاركا إياه يجتر مأساته في صمت . والمرأة بالدرجة الأولى
أول الضحايا وأكثرها تعرضا لمكر الرجل وعدوانيته .
ذات يوم كنت جالسا بمكتبي أفكر في لعبة هذا الوجود الغامض بعد أن كنت قد إنتهيت من قراءة كتاب
لألبير كامو ربما كان عنوانه العبث أو القدر إذا لم تخني الذاكرة. إذا برجل ترافقه امرأتان يقتحمون علي
المكان . عرفت فيما بعد أن واحدة هي زوجته وكانت تحمل رضيعا بين يديها بينما الأخرى هي والدة الرضيع جاءت خصيصا لتتنازل عن رضيعها لفائدة الزوجين اللذان سوف يتبنيانه بطريقة رسمية . كان المطلوب مني هو تحرير عقد يتم من خلاله تسليم الرضيع للزوجين العاقرين . والدة الرضيع لازالت شابة
لكنها تتميز بأمارات البؤس والفقر والجهل كذلك . قد يكون رجل ما نصب عليها وغرر بها إلى أن قضى وطره منها بعد استسلامها له ثم اختفى أو رمى بها بعيدا مخلفا ضحيتين - الأم ورضيعها- . الزوجان
محتاجان لهذا الرضيع ليصبح إبنا لهما بالتبني فيعوضهما عن العقم المصابان به معا ربما. من بنود
العقد أن تتنازل الأم عن فلدة كبدها وترحل عنه أو تختفي من حياته إلى الأبد . فالزوجان يشترطان ذلك
لكي يكبر ويترعرع في أحضانهما ولا يعرف غيرهما .
سألتها إن كانت موافقة فهزت رأسها معبرة عن إذعانها للأمر الواقع لكن عيناها كانتا تفصحان عن
العكس . كررت السؤال مطالبا إياها بالجواب بوضوح ففعلت . حررت العقد وتنازلت السيدة عن مولودها
الذي كان يغط في سبات أبدي متجاهلا ما ينسجه القدر له من خير أو شر .
أثناء التوقيع وضعت العقد المحرر في نسختين أمام السيدة المغلوبة على أمرها بعد أن تلوت على
مسمعيها النص . همت بأن توقع فكان توقيعها بواسطة دمعة نزلت من إحدى عينيها مكان التوقيع
بالضبط وتلتها دمعة ثانية من العين الأخرى . كان ذلك كافيا بالنسبة إلي كي ألتقط الورقتين ومزقتهما
والزوجين مندهشين من تصرفي . كنت متأثرا إلى حد البكاء . وبدا لي العالم أو الواقع بالأحرى
عبثيا ومليئا بالمرارة ولا جدوى الإيمان بما يعتد به الناس .
تمزيقي للعقد لم يرق الزوجين بينما المرأة والدة الرضيع بدأت تشهق وتنتحب وهي جالسة على
كرسيها ثم استوت واقفة ومسحت وجهها بمنديل سحبته من تحت جلبابها التقليدي ثم استرجعت
الرضيع من يد الأخرى برفق وتأني كما لو أنها تخشى أن توقظه من نومه . ثم انطلقت خارجة من
المكتب لا تلوي على شيء.
خاطبني الزوج بكلام يحمل نوعا من العتاب بسبب تمزيقي للعقد الذي رميت به في سلة المهملات
لكنني اعتذرت للرجل ونصحته بالإلتجاء إلى مستشفى المدينة حيث يوجد قسم الأطفال المتخلى
عنهم ولن يجد هناك أحدا ممن يبكي على من .
لم تكن المرة الأخيرة التي صادفت فيها مثل هذا الإشكال بل بعد ذلك كان علي أن أصادف
حالة أخرى جعلتني أنخرط في بكاء هستيري جعل والد البنت المتخلى عنها يهدد بقتلها بينما
والدتها لم تكن حاضرة البتة. إنه عالمنا البائس فمن هو المسؤول عن هذا البؤس ؟ ربما الله
هو المسؤول عن كل ما يحدث لنا . ربما .

محمد رشدي
18-12-2011, 04:32 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-23-
04-09-2010, 07:02 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46325


داخل مكتبي كانت تعرض علي مشاكل أفراد وقعوا في ورطة لا يمكن أن تعالج إلا عن طريق القضاء
ورغم معالجتها قضائيا فإنها تظل وصمة عار على جبين أصحابها كما يظل أولائك المخطئون محطة لأحاديث تلوكها الألسن إلى آخر العمر .
ذات صباح كنت قد وصلت المكتب مبكرا . دخل علي رجل بجلبابه الأسود وكان في حالة من الحزن والقلق يبدو معها وجهه أسودا كالجلباب . وكان بالكاد يستطيع التحدث عن جريمته أو ورطته المعقدة
فالرجل متزوج وأب لثلاثة من الأولاد لا زالوا في طور النمو . وكانت الأسرة تعيش في بيت مشترك
مع أخت الزوجة التي كانت لا تزال عازبة .و هو بيت من متروك والد الشقيقتين الراحل . نشأت في السر
وفي الظلام أيضا علاقة جنسية بين الزوج وشقيقة زوجته العازبة . فكان يتسلل ليلا إلى حجرتها ويمارس معها الجنس خفية ولم تكن الزوجة تدري أن زوجها و شقيقتها يخونانها . إلى أن ظهر الحمل
على الفتاة وانكشفت الفضيحة التي روعت البيت ومن فيه .

قلت له بأن هذه العلاقة جريمة لا تغتفر في حق أسرته وسيكون تأثير الحمل وحلول المولود الجديد
مربكا للغاية و مسألة ستظل معلقة بدون علاج ونمو الطفل داخل الأسرة سيكون نشاجا وغير
محتمل بالنسبة لعموم أفراد العائلة . قال الرجل بصوته ا لمنكسر والمبحوح بأنه عندما كان يتسلل إلى
عشيقته ليلا ينبهها إلى مغبة ما يفعلانه بأختها فكانت تجاوبه بشكل من التحدي والإصرار قائلة:
( إضرب واسكت ) أي بما معناه : ( إنكح واصمت ) مما يدل ذلك على أن الفتاة كانت كما لو أنها تنتقم من
شقيقتها لسبب أو لآخر .
حررت الشكاية للسيد الوكيل في إسم الرجل الخائن الذي كان يبدو شبه مدمر . وبعد إنصرافه
أحسست بالحزن الشديد وفكرت بأن ما حدث له يمكن أن يحدث لأي كان وقد حدث وسيحدث
دائما . وفي كل مكان من العالم . فنحن العرب على الخصوص عقدتنا المستعصية على الحل
والمعالجة هي عقدة الجنس . قلما نستطيع الصمود أمام هذه الرغبة الطبيعية العجيبة والمهلكة
أحيانا كثيرة .
أتذكر أيضا يوم أن دخل مكتبي رجل متوسط العمر ودون أن يلقي بالتحية جلس على مقعد بركن المكتب وكان يبدو ساهما ومهموما . سألته عن مبتغاه وقبل أن يتحدث عن مشكلته أجهش
بالبكاء كالطفل ثم صار يحكي قصته :
متزوج وأب لستة من الأولاد منهم بنتان في مقتبل العمر . يعيش مع عائلته بالطابق الأرضي من
البيت المشترك مع شقيقه الذي يقيم أيضا مع أسرته بالطابق العلوي وله طفلين صغيرين . قال
بأنه لم يحدث أن راوده الشك أو لاحظ ما يثير ارتيابه أو قلقه . لكنه ذات صباح لما خرج إلى
عمله كالمعتاد تذكر أنه نسي غرضا من أغراضه الضرورية فقفل راجعا نحو البيت وفتح الباب
الرئيسي وأصبح في الداخل فسمع وشوشة داخل المطبخ فتوجه لإكتشاف الأمر فإذا به أمام
اللقطة المروعة . كانت زوجته بين أحضان شقيقه وهما يتباوسان . صدمته المفاجأة لكنه بقي
متجمدا ومذهولا مما يراه بأم عينه . بينما أخوه تسلل هاربا واختفى لعدة أيام قبل أن يحضر للبيت بينما الزوجة بدورها غادرت إلى مكان ما وأصبحت الأسرتان شبه مشردتين .
وأضاف الرجل بأن مصيبته في كونه أصبح يشك في شرعية أبنائه الأبرياء .

أحيانا تكون الظروف ملائمة ومهيئة لكي تنتج مثل هذه الأحداث المؤلمة . فتصبح أخطاؤنا
حينئذ كأنها قدرنا ولا مفر لنا منه . والكارثة هي أن الأطفال هم من يسدد الثمن لخيانات
أوليائهم فتتعقد الأمور بشكل خطير تاركة ومخلفة آثار الجريمة منقوشة في الذاكرة على المدى
البعيد في حياة الأسرة برمتها .

محمد رشدي
18-12-2011, 04:33 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-24-
12-09-2010, 11:40 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46441


حياة الإنسان في عالمنا الثالث هي حياة فارغة من مضمونها حياة بائسة بلا أساس . بدون أركان أي
خيمة بلا أوتاد تسندها أثناء العواصف . نحن في عالمنا الثالث بلا ضمانات تعزز وجودنا وتدعمه . لذا
فالروابط الإجتماعية لدينا أو العائلية هشة وحياتنا يسودها التسيب والفوضى والإرتجال . إنسانيتنا
معرضة لأحكام مزاجية سيئة .

لازلت أتذكر تلك الفترة جيدا حينما عادت - م - من إسبانيا واتصلت بي بمكتبي بزنقة الزاوية . فاجأني
حضورها بعد انقطاع أخبارها . تعانقنا بحرارة لقد كنا في أشد الشوق للحظتنا تلك . سألتني عن كوكبة أصدقائنا . أخبرتها عن - ميكي - و - مصطفى شلومو - وغيرهما وتحدثنا عن الزمن الذي مضى
بأحداثه حلوها ومرها . أقفلت المكتب وخرجنا في جولة عبر المدينة وأخبرتها بأن - ميكي - تزوج
وأخبرتها بأنني كذلك فعلت ولدي طفل واحد في أول سنين عمره . فكرنا بأن نبحث عن الصديق
- ميكي - عرجنا على بعض الحانات و لم يكن هناك فقصدنا بيته . لم تكن سيارته مركونة بالجوار .
فجأة وبالصدفة التي تشبه الميعاد أقبل بسيارته ( الإردوز ) . إنه هو عينه . دخلنا بيته وقدم لنا زوجته لأول مرة بالنسبة ل - ميم -. تناولنا عشاءنا وتحدثنا عن إسبانيا والمغرب وأشياءا أخرى .
أخيرا جاء موعد النوم . هيأ لنا حجرة من أجل ذلك لكنني فضلت أن أغادر إلى بيتي بينما نامت
- ميم - ببيت الصديق . غدا وجدتها تنتظرني بباب المكتب . قضت معي اليوم وأنا أعمل وتناولنا
غذاءنا بأحد المطاعم القريبة ثم عدنا للمكتب وكانت تدخن سيجارتها أمام الزبناء الذين بدوا منبهرين
من ذلك . قدمت لها أيضا صاحبة المكتب التي رحبت بها فقد كانت تتعاطف مع السيدات المتحررات ولا غرو
في ذلك لأن ابنتها أيضا كانت تزور إسبانيا وتعيش حريتها .
تزامن حضور صديقتي إلى تطوان مع العيد الوطني لذكرى المسيرة الخضراء . وخلال ذلك المساء
خرجنا في جولة مع - ميكي - نحو مدينة الفنيدق . أخذنا مكاننا داخل مطعم حان (كوكودريلو)كنا
نتناول عشاءنا مع زجاجة نبيد معتق . إنضاف إلينا عازف العود الذي يكسب لقمة عيشه من هذه
المهنة المتجولة فكان يعزف لنا أنغاما تعتبر اليوم من الزمن الماضي الجميل . فجأة حل شخص لا
نعرفه ووقف بجانبنا ولم يتجرأ على الجلوس معنا وقد حاول إقحام نفسه بيننا وتفوه بكلمة المسيرة
الخضراء التي حلت ذكراها تلك السنة . جعلني ذلك أتوجس من أمره فنبهت صديقي - ميكي -
كي نتجاهله . فقد كانت لي حساسية مفرطة اتجاه هذه المواقف المفاجئة . ولما تأكد الغر يب من
عدم قبولنا به . إختفى ثم ظهر من جديد لكنه هذه المرة كان مصحوبا برجال الأمن . خاطبني رجل
من الزمرة قائلا : إنك شتمت هذا الرجل وعليكم أن ترافقونا . قلت له : عليه أن يرفع دعوى في
هذا الخصوص ويتدبر شهودا لذلك والمحكمة ستتكلف بإرسال إستدعاءا للجلسة . قال : يجب أن
ترافقونا . الأمر يبدو واضحا . إنها عملية صيد . هدأ - ميكي - من روعي وقال بأنه سيتصرف وهو
يعرف الخطة وقد تعود عليها .
أصبحنا داخل مفوضية الشرطة بمدينة الفنيدق ورغم إطلاق سراحنا إلا أن أمرا ما جعلهم يعيدون
النظر في قرارهم لنعود إلى الداخل من جديد بعد أن كنا قد تجاوزنا الباب الرئيسي .
حضر رئيس المفوضية وكان يلبس على غير عادته جلبابا مغربيا تقليديا وحداءا تقليديا نسميه ببلدنا
ب - البلغة - . لا أدري لماذا تعمد أن يتظاهر بشكل تقليدي . دخلنا ثلاثتنا إلى مكتب الرئيس وكان
جالسا على مقعده الوثير وبالوضع المقابل له كان المخبر يجلس جلسة الواثق من نفسه .
خاطبني الرئيس قائلا : لقد وجهت الشتيمة لهذا الرجل . إستفزني السؤال لأنني لم أكلمه إطلاقا ولا أحد أشركه الكلام منا . لقد كنت أعرف ما يحدث ولهذا لم أتمالك نفسي فأجبته بطريقتي المستفزة أيضا :
- إن هذا المخبر الحقير لن يجد ثغرة أو طريقة يدخل بها بيننا فأنا أركل به بعيدا وأشرت برجلي
معبرا وموضحا كما يفعل المعلم داخل قسم التحضيري مستعملا الخشيبات .
- تحدث لنا عن الخمر والمرأة مباشرة فهذا ما عليك أن تفعله والقانون يخول لك ذلك . كنت
أتكلم بغضب شديد .
- ما علاقتك بهذه المرأة ؟ قال المسؤول الأمني
أجبت : إنها أختي
- وهل أختك تشرب معها النبيذ ؟
- قلت : لدي أختان واحدة من بطن أمي لا أشرب معها النبيذ . بينما هاته وهي ليست من بطن أمي أشرب معها النبيذ .
كلامي لم يرق الرجل فأضاف :
سمعت عنك من قبل وعن فلسفتك أيضا لذا فأنا سوف ( أخلي دار أبوك )
لاحظت حركة لا شعورية صدرت عنه عندما شتمني تلك الحركة لا تصدر إلا عن شخص خائف من ردة فعل ما . لكنني لزمت الصمت وأنا أنظر إليه بنظرتي الغاضبة .
وضع يده على الزر فدخل رجل أمن منتصبا يؤدي التحية . فأمره بأن يطلق سراح - ميكي -
ويحرر لي مع ( م ) محضرا بتهمة تعاطي الخمر والفساد . ثم انصرف لا يلوي على شيء .
- يتبع -

محمد رشدي
18-12-2011, 04:35 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-25-
12-09-2010, 08:24 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46445


كنا داخل المكتب بإدارة الأمن مع محرر المحاضر . وكان حاضرا أيضا عازف العود كشاهد . فإذا بالمسؤول الأمني يعود من جديد وكان يلبس بذلة أنيقة عصرية . أمر بإطلاق سراحنا لكنه أمر كاتب المحاضر بأن يحتفظ ببطاقتي الهوية على أمل عودتنا صباحا على الساعة التاسعة . تنفست الصعداء
وحمدت الله على أنني سوف أنام ببيتي . عدنا نحو البار وشربنا زجاجة جعة ومعنا محرر المحاضر
وقد إنضم إلينا صديقنا - ميكي - الذي كان قد أطلق سراحه . كان رجل الأمن قد طلب مني قبل خروجنا من المفوضية أن أوقع على بياض لضيق الوقت فيكمل عمله صباحا كما قال لكنني امتنعت
مما جعله ذلك يحرره على التو فوقعته بعد قراءته جيدا .
ركبنا سيارة - ميكي -عائدين نحو تطوان . كنا صامتين طوال الوقت والسيارة تنهب المسافات نهبا
ولا أدري لماذا بدت لي السيارة تأكل الطريق كما يأكل الإنسان طعامه . نزلت - م - بباب منزل
صديقتها - ف - التي تعودت الإلتجاء إليها . واتفقنا على موعد الغد . ثم أوصلني - ميكي - إلى بيتي
وانصرف لحاله . كانت زوجتي وإبني يغطان في سبات عميق ولم يتنبها لحضوري . تمددت على
فراشي وبدأت أستعرض الأحداث شيئا فشيئا وما أن وصلت إلى تهديد المسؤول الأمني في
جملته الحساسة ( سوف أخلي دار أبوك ) إذا بصرخة مدوية أطلقها إبني الصغير أيقظت كل أهل
البيت بالطابق الأرضي والعلوي يتساءلون عما يحدث وهم في فزع شديد بما في ذلك زوجتي .
عانقت إبني مهدئا من روعه فعاد إلى سباته كما لو أن شيئا لم يحدث . فكرت أن هذه الصرخة
ربما أو بالتأكيد هي ندير شؤم . وعدت للنوم لكنني لم أنم بل كنت يقظا أفكر في الصرخة التي
تزامنت مع التهديد الذي قمت بتكريره داخل دماغي . صباحا إتصلت بالصديقة - م - فعرجنا على - ميكي - الذي أخذنا نحو مدينة المضيق في سيارته . فكنا حاضرين في الساعة المحددة داخل
مفوضية الشرطة . مكثنا جالسين على مقعدين إلى غاية الثانية عشرة إلا ربعا منتظرين تغمرنا
المذلة . وأخيرا كنا وجها لوجه مع الرئيس الذي بدا بشوشا وكان يبتسم لي ويخاطبني بود كبير . خمنت إن كانت صرخة إبني قد فعلت فعلها في الرجل أيضا . إلتفت إلى - م- فخاطبها قائلا:
أنت عاهرة ؟ وترافق رجلا متزوجا ؟ ظلت هي صامتة . جرحتني كلماته تلك الموجهة إلى
السيدة التي أحترمها . ثم تابع كلامه : لكنني لن أرسلك إلى السجن . يكفيك ما أنت عليه .
كنت قلقا من أجلها فقد أسرت لي في المفوضية بأن جواز سفرها ستنتهي صلاحيته
بعد شهر . فإذا دخلت السجن سوف لن تستطع السفر من جديد نحو عملها . فكان ذلك يقلقني
إلى حد لم أعد أفكر في نفسي . لقد كانت سيدة طيبة للغاية وتحبني وتحترمني وكانت معجبة
بسلوكي وأخلاقي . لا زلت أتذكر يوما طلبت من - ميكي - أن يدفع نصف المبلغ لمحل تجاري تدفع
هي النصف الآخر له ثم يسلماه إلي لأشتغل لحسابي الخاص .
أخير أطلق سراحنا بعد توجيه النصح إلي بأنه علي أن أكون ببيتي أربي إبني والتخلي عن
حياة التسكع والخمر كما سألني المسؤول الأمني عن صديقي - ميكي - ونصحني بأن أبتعد عنه.
وقبل أن نخرج من المفوضية قال لي : إن مدينة المضيق ليست في ملكيتي لكنني أحذرك .
سافرت - م - إلى إسبانيا ولم تعد إلى تطوان إلا بعد مدة طويلة بعدها أصبحت مليونيرة
وشاءت الظروف أن يتزوج شقيقها بشقيقتي وأثمر زواجهما طفلة جميلة وذكية . لكن الأمور لم تسر على الوجه المطلوب . وقد قالت لي بعد ذلك بأن هذا الزواج سوف يتسبب في إفساد
صداقتنا .
فعلا تم الطلاق بين الزوجين وانقطع الإتصال بيننا . إنها لعبة الحياة التي لا تأبه بمشاعرنا وعواطفنا . الحياة
وحدها هي التي تملك السلطة علينا أما نحن فذاهبون نحو الموت بإصرار لا نفهمه .

محمد رشدي
18-12-2011, 04:36 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-26-
14-09-2010, 09:05 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46463


بعد حصولي على شهادة الباكلوريا تسجلت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة مرتيل - شعبة الآداب
العربي- كانت الجامعة يعمها الإرتجال والفوضى وتمرد الطلاب على الأوضاع المتردية فتم زرع جهاز من
الحراس من نوع خاص أطلق عليهم الطلبة إسم ( الأواكس) . كنت كلما دخلت الكلية وبيدي الجريدة كان
أحد هؤلاء الحراس يطلب مني أن أطلعه على نوع الجريدة متظاهرا برغبته في قراءتها لكن هدفه الأساسي هو معرفة إتجاه الجريدة السياسي الذي يحكم عقلية الطالب . فكنت أترك له الجريدة دون
استرجاعها فيما بعد. كما كانت مشاكل النقل تؤرق الطلبة لأنهم لا يجدون في الغالب الوسيلة الطبيعية
للتنقل من وإلى الكلية . وهذا كان يساهم في انتشار الفوضى داخل وخارج المؤسسة . لكن الموظفين كانوا استثناءا فقد كانت لهم حافلتهم الخاصة التي تنقلهم بانتظام ودون عناء يذكر . لازلت أذكر
يوما لم نجد وسيلة نقلنا إلى تطوان فقمنا باقتحام حافلة الموظفين وكنت أولهم . كنت غاضبا بينما الطلبة
يساندونني ةيحفزونني إلى الأمام كما لو أنني المتزعم لفكرة التحدي فظلت الحافلة بمكانها لا تتحرك
وكان الموظفون يحتجون ويلحون على نزولنا بدعوى أن الحافلة خاصة بهم. أخيرا خذلني الجميع وبقيت
وحدي بالحافلة فنزلت منها والخجل يملأني وأنا نادم على انسياقي مع هذه النماذج الفاشلة من هؤلاء
الطلاب الذين لا يمكن للمرء أن يعتد بهم أو يعتمد على تضامنهم أبدا .
كان علي أن أوفق بين العمل والدراسة لكنني لم أفلح في ذلك . قدمت طلبا للإدارة من أجل نقلي إلى فوج حيث يوجد صديق لي لأتمكن من خلاله الحصول على المحاضرات التي لم أتمكن من
حضورها ولسيما وصاحبة المكتب الذي أعمل به تضغط علي كي لا أتغيب ولو لساعة واحدة عن العمل . فلم يكن لدي من بد سوى أن أختار العمل الذي يضمن لأسرتي لقمة عيشها . وتخليت عن
الدراسة طوعا ورغما عني في آن واحد .
من حسن حظي أنني اخترت العمل . فقد إندلع فتيل التمرد والثورة وسط الطلاب بالكلية فانتقلت
الفوضى العارمة إلى تطوان وكان الأطفال والصبيان وبعض الشباب يقومون بإحراق المؤسسات
العمومية والسيارات . ويضرمون النار في عجلات السيارات المطاطية ويضعونها كحواجز في الطرقات والشوارع واصبحت المدينة منطقة عسكرية تجوبها الآليات والدبابات الحربية وفلول العسكر وأصبح الأمر خطيرا للغاية لدرجة يصعب معها أن يكون وجود الناس آمنا بشوارع المدينة.
بدأ يسقط الجنود قتلى وخصوصا بالأزقة الضيقة والمتشابكة بالمدينة القديمة وكان جيش من
الأطفال والصبيان والشباب يهاجمون الجنود بالحجارة من أعلى سطوح المنازل ومن منعرجات
الشوارع . أطنان من الحجارة كانت تؤثث مدينة تطوان . وكان مجهولون يرشقون الجنود بالماء
الحارق من سطوح البيوت على غفلة منهم . سقط قتلى من الجانبين فلم أكن قادرا على الخروج
من بيتي وتوقف العمل في كل مرافق المدينة وكذلك كان يحدث بمدن أخرى قريبة وكان النظام
يخشى أن يمتد تمرد الشعب إلى الدار البيضاء لما يمثله ذلك من خطورة حتما تؤدي إلى سقوط
النظام . كان الرعب يسيطر على أجواء البلد وطلقات الرصاص تسمع في كل مكان والدبابات
تتجول في كل الأنحاء وأصبحت المدينة منطقة عسكرية والمدارس والمؤسسات تحولت إلى ثكنات
للجنود المتربصين بالصبيان على الخصوص . القناصة يقتنصون ضحاياهم عن بعد وفي كل اتجاه
والصبية والشباب يسقطون قتلى بطلقاتهم المحكمة .
ذات صباح كنت متكئا على حاجز سطح منزلي أنظر نحو الجبال والمراعي الخضراء البعيدة على امتداد البصر . وكان هدوء نسبي يسود الحي الذي أسكنه . وكنت بسبب الرعب الذي يسكنني
أتوقع إقتحام الجنود لبيتي وقتل عائلتي فقد كان ذلك ممكنا ومحتملا . وبينما أنا كذلك أنظر من
أعلى سطح منزلي فجأة لاح لي جندي غاضب يحمل رشاشته بيده ينبعث كالمارد من زقاق محاذي للبيت . كان حظي مذهلا عندما رمقته فسحبت بسرعة فائقة برأسي وجسدي فلم
يتمكن من تصويب آلته القاتلة نحوي . سمعته يقول :
(غادي نطير لموك داك العينين )
تنفست الصعداء وحمدت الله على سلامتي وعلى لطف الله الذي أنقذ حياتي .
أتذكر قبل أن تخمد شرارة الإنفلات . كان ذلك مساءا . إستمع الشعب عن بكرة أبيه إلى خطاب
ملك البلاد الذي توعد المتمردين بالموت والهلاك إن هم إستمروا في تمردهم . فكان ذلك
الخطاب بوعيده كافيا لإخماد نار الفتنة والتمرد والغضب . وفي الصباح بدأ الناس يخرجون من
بيوتهم بينما كان الجنود يتجاهلون حركة الناس ودبت الحركة في المدينة واسترجع النظام
سيطرته على الوضع وبدأت الأمور ترجع لوضعها الطبيعي وانتهى كل شيء وبالمقابل بدأت
المحاكمات للمعتقلين وكانت المحاكمات تصدر أحكاما قاسية وقاسية جدا أودت بالعديد من الصبيان
إلى غياهيب السجون لمدد لا تقل عن عشرين سنة لكل واحد منهم لكن المتزوجين وأربا ب
العائلات كانت أحكامهم لا تزيد عن السنتين .

محمد رشدي
18-12-2011, 04:37 PM
الجزء الرابع من سيرة البسيط والهيئة العليا-27-
15-09-2010, 10:46 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=46485


خلال هذه الفترة وبعد أن هدأت الأوضاع السياسية بالمغرب تخليت بصفة نهائية عن متابعة دراستي
بالكلية وتفرغت للعمل الذي يضمن لقمة عيش أسرتي . كانت حينذاك مصاريف العيش متيسرة ولم
يكن لدي سوى طفل واحد . كما كنت أقيم ببيت والدي معفيا من مصاريف الكراء ولم تكن مصاريف
العيش قد إرتفعت بشكل صاروخي كما هو الحال عليه اليوم . وكانت مستشفيات ومستوصفات وزارة
الصحة العمومية أيضا تتحمل قسطا وافرا من المسؤولية في علاج المواطنين وليس كما اليوم وقد
تخلت الدولة عن إلتزاماتها الإجتماعية . فالمواطن اليوم عليه أن يؤدي فاتورات خدماته لدى كل المرافق الإدارية والإجتماعية .
كنت أشارك أيضا في الأنشطة الثقافية بالمدينة وبنيت علاقات مع طلبة وأدباء شباب توطدت بيني
وبينهم أواصر حميمية وانخرطت في الشأن الثقافي الذي لم يكن يخلو من سلبيات وعيوب شخصية.
كان بعضهم يقومون بالإشراف على تلك الأنشطة الثقافية فعرفت منهم العديد من الإنتهازيين والمشوهين أخلاقيا . كنت أنشر أيضا إبداعي الأدبي والشعري بجريدة - العلم - والإتحاد الإشتراكي
وجريدة الإختيار . وأحيانا قليلة بجريدة محلية .
شاركت في ملتقى الشعراء الشباب بشفشاون بعد أن بعثنا بمساهماتنا وتم اختيار شعراء من كل
أنحاء المغرب ليتم استدعائنا إلى العرس الشعري بالمدينة الجميلة وتجمع أيام الملتقى عدد غفير
من شعراء المملكة وكانت جمعية أصدقاء المعتمد هي المنظمة تحت إشراف مرشدها الشاعر
المغربي الكبير سي عبد الكريم الطبال . كان الأكل والنوم على نفقة الجمعية . وقد ساهم هذا
الملتقى في تعارف حميمي بين مختلف شعراء البلد . كنت نجما بينهم وقد ساهمت عوامل عدة
في ذلك جعلتني محبوبا لأنني كنت أجيد الغناء والطرب فأحيي سهرات خاصة بنا داخل المؤسسة
التربوية التي كانت إقامة لنا خلال أوائل ذلك الشهر شتنبر من سنة 1988 . حضرت التلفزة المغربية
لتغطية نشاط الملتقى . عند انتهاء العرس الشعري عاد كل واحد منا لمدينته . لكن عددا وفيرا من هؤلاء الشعراء أبوا إلا أن يرافقونني إلى مدينتي تطوان للتعرف عليها وعلى مكان عملي والمكتب الذي أزاول به مهنتي ككاتب عمومي .
كانت زنقة الزاوية ذلك المساء تعج بالشعراء حيث فتحت لهم مكتبي الذي كانت جدرانه بها معلقات أوراق كتبت عليها مقولات وأشعار وحكم لأدباء وشعراء وفلاسفة عالميين . خرجت أثناء ذلك
إبنة صاحبة المكتب لاستكشاف الأمر وقدمتها للزملاء فقال لها أحدهم وأظنه الشاعر النبيل
محمد العربي غجو بأنني كنت أمير الملتقى . ورغم مبالغته في ذلك فقد جعلني أحس بالفخر
من جراء ذلك ومن جراء تجمع الشعراء المغاربة بباب مكتبي فأعطى ذلك دلالة قيمة ومهمة
وطدت أكثر علاقتي بصاحبة المكتب وبسكان الزقاق برمته .
بعد هذه الأحداث الهامة في حياتي كان يزورني شعراء المدينة وأدباؤها من حين لآخر . فكرنا
في تأسيس جمعية ثقافية تهتم بالشعر والأدب والموسيقى أطلقنا عليها إسم ( جمعية أصدقاء
لوركا ) وكنت واحدا من مؤسسيها وأحد أعضاء مكتبها كأمين الجمعية .
كنا نقوم بأنشطة عديدة متنوعة وانضم إلينا جوق عصري ملتزم يساهم بألحانه أثناء الأنشطة
وقد لحن بعضا من شعر الشاعر محمد العربي غجو . لكن ذلك لم يستمر بسبب انتهازية البعض
وفساد أخلاقهم . وخمد كل شيء وتجمدت الأنشطة فيما بعد بصفة نهائية .
أذكر يوما قامت الجمعية بنشاطها بقراءات شعرية بالمدرسة العليا للأساتذة بمرتيل ذات موسم صيف
وقد تم الإعلان عن اسماء الشعراء المشاركين ورغم أنني من المدعويين للمشاركة فقد تم إستثنائي من القائمة التي نشرتها الجريدة . كان ذلك مقصودا من طرف أحد الأوغاد فأحسست
بالغبن وقررت أن أنتقم لنفسي .
حضرت متأخرا ودخلت القاعة وكان النشاط قد إستؤنف وكنت قد شربت بعض الخمر ولكنني لم
أكن ثملا . وكان يرافقني صديقان منهما ضابط شرطة . أخذت معهما مكاني مع الجمهور ولم أصعد
خشبة المنصة فأشار علي الشاعر رضوان أعيساتن الذي كان يقوم بتسيير القراءات وتنظيمها بأن
أحتل مكاني ففعلت . جاء دوري وقرأت بعض قصائدي بطريقة مختلفة جعلت القاعة الواسعة تهتز
بالتصفيقات ورأيت بعضهم محملقين بأفواه فاغرة . وما أن إنتهيت إستويت واقفا فنبهني المنظم
بأن أتريث ريثما يقرأ بعضهم قصائده لكنني قلت له بأنني منسحب . ولما خرجت من القاعة خرج
معي الجمهور ولم يبق أحد . كنت محفوفا بالزملاء وقد كنت منتشيا من النصر على البعض الذين
لم يكونوا إلا أوغادا في نظري . وكانوا يجاملونني وهم يبدون لي صغارا .
خاطبني الشاعر النبيل محمد العربي غجو بباب القاعة قائلا :
تستطيع ياأحمد أن تقيم الدنيا وتقعدها بشعرك وبطريقة قراءتك وأنا سأفسح لك المجال من
أجل لقائك بالجمهور .
كان هذا الشاعر نبيلا جدا وعظيما بأخلاقه وبشعره أيضا .

- انتهى الجزء الرابع -

محمد رشدي
18-12-2011, 04:42 PM
الجزء الأول من سيرة البسيط والهيئة العليا - 29 -
12-10-2011, 04:36 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=52414


الشعب الإسباني خلال المرحلة الفرانكوية كان منغلقا على نفسه . لم يكن له القدرة بتاتا على إبداء رأيه بحرية أو إنتقاد النظام السياسي للبلد . لا حق له في الإحتجاج أو المطالبة بحقوقه المشروعة في الحرية
والإنعتاق من الإستبداد . كان آنئذ هذا الشعب مقموعا عن بكرة أبيه . وكنا نحن المهاجرون المغاربة نتواجد بهذا البلد الجميل بطبيعته وبيئته وأهله بشكل غير قانوني باستثناء مغاربة سبتة ومليلية المحتلتين فهم رغم
حملهم للجنسية الإسبانية وتمتعهم بحقوق المواطنة الناقصة كانوا كذلك يحملون معهم سمعتهم المسفوكة. ونحن رغم كل هذا وذاك كنا نستفيذ من التغطية الصحية والعلاج المجاني . لم يكن بالمجتمع الإسباني بطالة
ورغم ذلك فلكي تعيش الأسرة الإسبانية بكرامتها يجب أن يشتغل جل أفرادها عن بكرة أبيهم . أما الأطفال فيمنع عليهم العمل لكنهم يعملون في حالة واحدة فقط لتعلم المهنة واستيعابها - aprendices - .
لم يكن بالمجتمع الإسباني جرائم خارج سيطرة الأمن كانت الجريمة تكاد تكون منعدمة لأن العقاب كان صارما . سجون البلد كان لديها الحد الأدنى من الآدمية والإنسانية . النظافة مضمونة والتغدية جيدة والعمل
مضمون لك ولو سجينا .
الكنيسة كانت محترمة من طرف السلطة . لكنها كانت تشتغل في حدود إختصاصها وكان الشعب الإسباني
يكره الكنيسة وخصوصا العمال فقد كانوا كلما غضبوا شتموا رموزها .ولم يكن هناك من يحاسبهم على
تلك الفلتات . كانت الكنيسة تعيش في رفاهية على حساب المؤمنين باديولوجيتها لكنها كانت باردة كجثة وتؤدي دورها المنوط بها في لامبالات عما يحدث من حولها .
رغم هذه الديكتاتورية الغاشمة كنت كملاحظ أرى فيها نوعا من الوطنية وحب البلد . وكان الإعلام لديهم
إعلام بلا فم لكنه متقدم فكأنه يعلم بنهاية مرحلته لذا كان يهيء نفسه للرحيل أو للتغيير . كانت لهم سينما
متخلفة نسبيا عن الركب الحضاري لأوربا لكن النظام كان يسمح بعرض أهم الأفلام العالمية التي تشتغل على الحرية والديمقراطية وتقدم في وصلات للشعب وهي مدبلجة لكي يفهم ما يروج من أفكار في هذا العالم . حضرت هناك عروضا سينمائية رائعة مثل - زوربا اليوناني - الدكتور زيباغو - وغيرهما
كثير من الأفلام التي تجعلك عندما تخرج من دور العرض إنسانا مختلفا عما كنت عليه حين ولوجك لها.
كان حينذاك الشعب الإسباني يتكون في صمت وبهدوء ويتم تحضيره من طرف النظام نفسه للمرحلة
المقبلة لكي يدخل من تحت عباءة أوربا المتحضرة . كان كل شيء مخطط له . وكان النظام الأمني بالبلد صارم لكنه يحترم نفسه فلا مجال هناك لاستدراج أي مسؤول لتقبل الرشوة أو شيء من هذا القبيل
كما كان هذا النظام يراقب شعبه ويحميه في نفس الوقت . كنت واقفا يوما بمحطة حافلات وبالصدفة رأيت سيدة بجانبي تبكي لم أفهم لماذا لكنني كنت متأكدا من أن مشكلتها خاصة . فجأة مرت سيارة أمنية
مسرعة فرمقت السيدة فاستعملت الحصار وأحدث ضجة وضخبا ملفتين ونزل الرجال وأحاطوا بالسيدة يسألونها لكنها كانت تبكي وتشير بيدها أن لا داعي لحضورهم . فركبوا سيارتهم وانطلقوا بسرعة البرق .
بقيت مشدوها أمام ما رأيت ومعجبا بهم في نفس الوقت . كان نظام الأمن يحترم نفسه ولم يكن بين زبانيته لصوص أو متسولون . كانت أجرتهم سمينة لكي لا يمدوا يدهم للمواطن .
كانت لقمة العيش مضمونة والعدل العادي مضمونا والعلاج مضمونا لكل الناس بما في ذلك نحن المهاجرون المغاربة البؤساء . الشغل موجود للجميع لذا قام المشرع الإسباني بسن قانون الكسلاء
- la ley de gago - أي معاقبة كل من يتهرب من الشغل ويريد العيش مجانا .
وكنت أتساءل مع نفسي
لماذا الأمور عندهم تسير على الوجه المطلوب وبما تشتهي سفنهم بينما عندنا الأمر معكوس ؟
لماذا المؤسسة الدينية عندهم تلزم الحياد ولا تتدخل في السياسة بينما عندنا المؤسسة الدينية تتجند دائما
لتخدير العباد ؟
الجواب ليس في علم الغيب بل نعر فه جميعا .

محمد رشدي
18-12-2011, 04:43 PM
قصة مرتجلة
29-10-2011, 09:31 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=52772


كان يجلس بجانب زوجته وأمامهما إبنتهما الوحيدة تتلهى بدفتر التمارين بين يديها
كان هو وزوجته يتابعان الأخبار على فضائية الجزيرة
أخبار مؤلمة . فالشعب السوري يقتل بالجملة وبشكل يومي والعالم يتفرج .
قال الزوج مخاطبا زوجته
هذا الديكتاتور ياحبيبتي بالتأكيد ليس إنسانا على الإطلاق
نطقت طفلتهما فجأة وقد إلتقطت بأذنيها الصغيرتين كلمة ( ليس إنسانا )
فسألت
هل الرئيس ليس إنسانا ياأبي ؟
قال لها والدها وهو يبتسم
لا يابنيتي . بالتأكيد ليس كذلك
فردت الطفلة وعيناها تبرقان بالبراءة
أهو وحش ياأبي ؟
بالتأكيد هو وحش ياعزيزتي
بالتأكيد.

محمد رشدي
18-12-2011, 04:44 PM
قصة مرتجلة - رجل تعليم -
30-10-2011, 09:38 AM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=52776


جلس ككل صباح في مقهاه المعتادة
جاءه النادل بكأس قهوة ومعه كاس ماء طبعا
طلب الجريدة كعادته
مرت ساعتان أتى من خلالها على كل مواضيع الجريدة
ثم تفوه وتمطط وقال مع نفسه مقولته المتكررة كل صباح
( أخيرا صارت القهوة بخمسة دراهم بعد خصم ثمن الجريدة )
ثم نهض وسلم ثمن القهوة للنادل وانطلق بخيلاء نحو الشارع.

محمد رشدي
18-12-2011, 04:45 PM
الجنة
30-10-2011, 03:49 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=52783


متسول يقرفص على قارعة الطريق
ويستجدي المارة قائلا
(شي درهم الله يعطيك الجنة )
ردد أحد العابرين في نفسه وهو يبتسم
( تذكرة الجنة بدرهم واحد) .

محمد رشدي
18-12-2011, 04:46 PM
قصة مرتجلة - عالمنا العربي -
03-11-2011, 07:40 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=52858


جلس أمام الجهاز وشغله ليستمع إلى الأخبار
فطلع له المديغ وهو يقول
( لقد إختار لنفسه أن يكون خادما للحرمين الشريفين )
أطفأ الجهاز وهو يتمتم
( لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم )

محمد رشدي
18-12-2011, 04:48 PM
قصة مرتجلة - بإذن الله -
03-11-2011, 07:47 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=52859


فضائية الجزيرة
قال الصحفي لزميلته
بهذه المناسبة سيتم تكريمك
من طرف الفضائية ؟
قالت
نعم . بمناسبة مرور خمس سنوات بإذن الله
على إشتغالي بالفضائية .

إبتسم المشاهد قائلا
إنهم يقحمون الله في كل كبيرة وصغيرة .

محمد رشدي
18-12-2011, 04:50 PM
فصة مرتجلة - إن شاء الله -
03-11-2011, 07:53 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=52860


قال لزوجته :
سأقصد السوق لشراء الأضحية
قالت له :
قل إن شاء الله
فرد عليها قائلا:
ولما ؟ فالنقود في الجيب والأضحية في السوق
ثم خرج لا يلوي على شيء .

وصل السوق
مد يده إلى جيبه ففوجيء بعدم وجود النقود
عاد إلى البيت بخفي حنين
طرق الباب
من الطارق ؟
قال الزوج :
أنا إن شاء الله
إفتح الباب إن شاء الله
ولا تسألني عن الأضحية إن شاء الله .

محمد رشدي
18-12-2011, 04:51 PM
قصة مرتجلة وواقعية
04-11-2011, 10:38 PM
http://www.menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=52883


طلب المعلم من تلامذته أن يأتوا بجملة مفيدة
رفع الكسول يده بلهفة وإصرار
إستغرب المعلم للمفاجأة فأشار على الكسول بأن يقف لإعلان جوابه
( أكل الفأر الدجاجة )
فدوت داخل القسم قهقهات التلاميذ .