المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مختارات من قصصي


محمود شاهين
15-09-2006, 11:38 AM
(1) نار البراءة


( نشرت 1979 عن دار ابن رشد في بيروت ضمن مجموعة تحمل العنوان نفسه وترجمت إلى الإنكليزية
ضمن مجلد مختارات من الأدب العربي الحديث. صدر عن منشورات جامعة كولومبيا نيويورك أواسط التسعينات بإشراف د. سلمى الجيوسي كما حولت إلى المسرح وعرضت في عمان . كما أنني كتبت سيناريو سينمائي عنها وقدمته لمؤسسة السينما في سورية .. لكنني أختلفت أنا والمخرج الذي أراد أن يقاسمني حقوقي .. وحتى الآن لم أجد من ينتج القصة سينمائيا ..


(1) ألراوي
رفعت الحاجة صفية يدها بخيط الصوف عاليا وفتلت المغزل على فخذها المعرى فانبرم الخيط .. قالت وهي تطويه على رمانة المغزل :
- سمعتن يا جارات ، بدهم يوخذوا علي الخطيب لنار البراة ؟!
استلقت عيشة المسلم على بطنها وعرت نفسها من الخلف حتى أعلى الكتفين ، لتتلقى المعالجة بكؤوس الهواء :
- نار تحرقهم ! والله بحلف على أيتامي إن علي الخطيب بريء من عرض مليحة أبو الجدايل براءة الذيب من دم يوسف !!
أشعلت الطرمزية ورقة ووضعتها في كأس ثم قلبته على ظهر عيشة المسلم .. قالت وهي تمسك بطوقها وتهزه:
- ندخل على الله ! لعاد شو جاي يعمل عندها بزي ربه بعد نص الليل ؟!
أدخلت عايشة العلان المنحاز بين خيوط النول وأمسكت من طرفيه وشدته إلى الوراء عدة مرات لتباعد ما بين الخيوط :
- استغفري ربك يا ولية انتي شفتيه ؟
- مليحة قالت ، بعدين الناس شافوه شارد ورافع البلطة الي حكت عنها مليحة في ايده ، ووجهه ملثم !!
- ول يا ربي شو بده في البلطة بده يقطعها ؟
- من شان تخاف منه وتسكت !
- والله هالقصة ما هيه خاشة مخي ، قال زلمه بيدخل على حرمه من الشباك بعد نص الليل وهو مشلح مثل ما جابته أمه ، ووجهه ملثم ، او مش بس هيك كمان حامل في إيده بلطه ! بعدين الناس ما بيسمعوا صراخ المره
إلا بعد ما ييجي زوجها من وظيفته متأخر وبيدق الباب ، لحظتها بتصرخ !! شو يا مليحة ؟-علي الخطيب اعتدى عليه !!-كيف عرفتي ما دام إنه ملثم ؟- نزعت اللثمة عن وجهه – ول يا ربي ، زلمه في رقبته سبع أنفار ، ومظى عمره حصاد عند دار أبو الجدايل ، وسمعته عندهم زي المسك ، يم أجا اليوم واعتدى على مرة ابنهم ؟!
وحياة تراب أبوي علان إبن علان -العمر لكن – إن هاقصة كلها كذب في كذب ، وخلي خطية مليحة تجمد الدم في عروقي !!
ألقت الحاجة صفية جزة الصوف عن ذراعها ، وطرحت المغزل إلى جانبها ، وجالت بنظرها إلى وجوه النساء :
- أنا حجيت لبيت ألله! إلي شافوا مليحة بيقولوا إنه وجهها مثل العطبة ، بعد ما سمعت إنهم بدهم يوخذوا علي الخطيب لنار البراة ، ألله ما بيراجم الناس بحجار ، ومليحة خايفة يا جارات ، خايفة ان النار ما تحرق لسان علي الخطيب لما ينوشها ، بعدين تنفظح بين الناس وتفظح عيلة أبو الجدايل معها ، ويرجع علي الخطيب لولاده مرفوع الراس !!
كانت الطرمزية قد وضعت مزيدا من الكؤوس على ظهر عيشة المسلم ، فامتلأت بالدخان ، أفرغ الهواء فانقبض الجلد داخل فوهات الكؤوس .. تألمت عيشة المسلم وقالت دون أن ترفع رأسها عن الأرض ، غير أنها نظرت بطرفي عينيها :
- ندخل على ألله ! ايدي تحت صدري والكاسات على ظهري ، ما نيش عارف أتف في عبي وأهز طوقي !!
مليحة مرة بتلعب على الحبال ، وربنا رايح ينتقم منها ويخلي النار تكون باردة مثل الأسكيمو على لسان علي الخطيب !!
توقفت عايشة العلان عن النسيج قليلا :
- ألله يسمع منك يا عيشه !!
أخذت الطرمزية تنزع الكؤوس عن ظهر عيشة المسلم ( بق ، بق ، بق ، ) لكن الكأس الرابع لم.. يبق !!

نهضت عيشة المسلم، أصلحت ملابسها ونفضت التراب عن ثوبها .
قالت الطرمزية :
- وإذا ظلت النار نار وما صارتش مثل الأسكيمو ؟
فقالت عايشة العلان
- بعدين روحي اشتري رطل حنا وحني كسك !!!
قالت الحاجة صفية :
- يا ولايا طولن روحكن ، بكره بيظهر المخفي لما يشعلوا النار في حرم النبي موسى !!
قالت عيشة المسلم :
- سمعت ما بدهم يوخذوه لا عالنبي موسى ولا عالنبي شعيب ، بدهم يعملوها في الساحة قدام دار المختار !!
جنحت الشمس إلى المغيب .. أخذ الرعاة يقتربون من العزب .. وضعت الحاجة صفية جزة الصوف والمغزل في خريطة الخيش :
- خاطركن يا جارات .. الصباح فيه الرباح .. بدي أروح أحظر شوية شعير للعنزات .
أدخلت عايشة العلان المطوى من طرف النول وأخرجته من الطرف الآخر .. شدت الخيط وثبتت المنحاز .. أمسكت بالمخلال وأخذت تنسج .. ومع كل طرزة كانت تحبكها في النول ، كان المخلال يضرب ما بين المنحاز
وحبكة النسيج ، فينبعث ذاك الصوت الرتيب ( طق طق طق طق ) وهي تهتف في سرها ( ياربي تسترعلى علي الخطيب واولاده يا ألله )

( 2) علي الخطيب
يا رب تعطينا بما عطيت وتكفينا بما كفيت وترضينا بمت رضيت وتبعد عنا كل ردية بجاه عائشة وصفية
والكعبة المبنية والمصاحف المقرية .. يا رب أنت أدرى وأعلم في الحقيقة يا الله ، ومليحة مرة خالد أبو الجدايل بدها تنتقم مني ، أستغفرك يا ربي وأتوب إليك ، قلت لها يا مليحة حرام عليك شو بدك مني ، أنا زلمه وراي اولاد بدهم لقمة خبز أسد ثمامهم فيها ، أسوك عليك ألله تكفي شرك عني يا ولية ، يوم بتكشفي لي عن صدرك يوم بتشلحيلي سروالك ، أستغفرك يا ربي أستغفرك !!( والله لأنتقم منك ياعلي الخطيب )لسا كلماتها بترن في ذاني
من هظاك اليوم ! ول يا ولية مش حرام عليك أنا شو عملت لك ؟ ( انت عملت كل شي يا علي ) !! ول يا ربي أنت أعلم في الحقيقة .. خفت منها قلت بكره بترميني في داهية .. قلت لسلفها رزق .. قلت له ( مهرة أخوك فالته يا رزق ) فهم علي ، والله فهم وقال لأبوه وما بعرف شو صار .. يا سلام عليك يا رزق والله من خيرة الصحاب
عمره ما أجا عليه وأنا بحصد في زرع ابوه إلا وقال إلي الله يعطيك العافية يا علي ، ارتاح لك اشوي يا زلمه ، دنيا ورايحة ، وانت عليش مستعجل ، خايف على زرع أبوي ما ينحصد ، رايح ينحصد يا زلمه ، ورايح انت تموت مثل ما مات حسين الرشود وانت بتحصد في زرعه ، ارتاح يا خوي ارتاح !!
أجاني امبارح في الليل ، قلت له بتصدقني يا خوي يا رزق، قال بصدقك ، قلت له والله إن كان دخلت بيت أختي بسوء نية أكون دخلت بيت مرة أخوك . قالي صادق يا علي لا تحلف إيمان يا زلمه أنا مصدقك وشاعر معك وهاكل همك ، شو بدك تسوي ؟قلت رايح أروح لنار البراة ! صار رزق يشتم على نار البراة وعلى المختار عايد
إلي صار في آخر الزمان قاضي ويحكم بين الناس ! الحقير كان ممكن يحكم عليك بيمين ويزكيك اثنين ولا ثلاثة
ولا خمسة يا سيدي ، وتنتهي المشكلة ! لكن أبوي وراه ! أبوي عارف إشي ومخبيه يا علي ، من ما صارت هالقصة وهوه زي إلي حاط في عبه حية ، ما بينام لا في الليل ولا في النهار !!
قلت له ولا يهمك يا رزق أملي بالله كبير وثقتي فيه أكبر مش رايح أخاف لاو حطوا نار الدنيا كلها على لساني وكلها لحظة وبتمر وبيظهر الحق ويبان !! قلي خليك عاقل يا علي ، النار نار يا جاك البين وعمر الحق ما أظهرته نار ، اختفي يا علي اختفي بلكي أبوي يقبل انك تحلف يمين في النبي موسى إنك ما دخلت دار مرة أخوي
وتنتهي المشكلة . قلت له باطل يا رزق أختفي منشان تثبت علية التهمة ؟ انته بتشكك فيه يا رزق ؟ قال أستغفر الله لكن لما تثبت عليك التهمة ولسانك سالم أحسن من ما تثبت عليك ولسانك محروق ! بعدين من وين بدك تدفع غرامه ومصاريف صلحة وجاهة .. حطيت إيدي على ركبته وقلت له ولو يا رزق أنته بتشكك إني اعتديت على مرة أخوك ولا كان ما بتحكي هالحكي !! سكت اشوية . اطلع فيه . شفت الدموع بتطفر من عينيه .. مسك ذرعاني بيديه وهزني ، قلي علي قلت نعم . قال أنا امصدقك يعني امصدقك ، لكن النار نار وبتحرق كل شي بتعرض إلها والله ما إله دخل فيها ، إفهمت ؟! قلي هيك وراح !!!!!
- فاطمه !
- مالك يا علي ؟
- انت نايمه ؟
-لا ...
- سيدنا ابراهيم الخليل ، ألله يرضى عن روحة ، لما حطوه في النار ، وقال ربنا سبحانه وتعالى ( يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم ) مش صارت وما صار إشي لسيدنا ابراهيم ؟!
- صحيح يا علي بس أنا خايفه !!
- ليش يا فاطمه ؟
- هظاك سيدنا ابراهيم !!
- ول يا ولية استغفري ربك ، هو ألله بيفرق بين عباده ؟
- أنا عارفه يا علي حسبي ألله على الظالمين !!
ومدت يدها .. تحسست رؤوس الأطفال وجاشت عيناها ببعض الدموع !!

(3)مليحة أبو الجدايل

أخ يا اولاد عمي ويا قرايبي ، قلت لحالي علي الخطيب فحل ولا كل الفحول يا مليحة ، كل سنة والثانية مرته بتجيب ولد.. عندي زوج آخ يا كشلي ما هوه للسده ولا للهده، من ما صار ضابط مع فرسان الدولة كل ثلث شهور لشوفه مرة ، بيجيني يمطمط في حاله ويرطرط بيظاته،معنكر تاجه فوق حاجبة ! بنام عندي زي القتيل .. يوم يومين وبيجي رايح عالضفة الشرقية .. ما شاطر غير يحكيلي عن المرة البدوية إلي ركبها قدامه على كربوس الفرس!
قلت مالي غير علي الخطيب .. كان يحصد لحاله في المارس. رحت له بعد العصرية ..حملت معي ابريق شاي شفته بيهجم على الزرع هجوم وبيحدي (منجلي يا بو الشراشف \ طاح في الزرع يطاحش\ منجلي يا بو رزة ونا \شريتك من غزه\
يعطيك العافية يا علي! ( ألله يزيدك عافية يا مليحة كيف سويتها ) ( يا روحي يا علي جيت في بالي، قلت روح علي بيحصد لحاله في المارس من الصبح بدي أوخذ له كاسة شاي يبل زوره ). (يسلم إيديك على هالشايات يا مليحة ) ( ويديك يا روحي)
إطلعت حوالي.. عالجبال عالوديان.. ما فيه ريحة البشر.. قمت مشيت بين الزرع، قطفت سبلة شعير وحطيتها تحت بزي.. إطلعت عليه.. أبصر فيش كان يفكر .. حطيت إيدي على بزي وصرخت ..إلحقني ياعلي ( ما لك يا بنت ؟)( إشي بنخز في صدري يا علي)( وين ؟) (هان )( أخ يا علي )( تتحركيش استني لشوف وين !)(هان يا علي هان ) ! فتحت طوقي .. فكيت زرار القميص.. بان بزي مثل زغلول الحمام ( ما نيش شايف إشي يا بنت )
( تحت بزي يا علي يا حبيبي)( سبله سبله ، لا تخافيش هيها سبلة شعير )!( سبله يا روحي يا حبيبي، جمدت من الخوف ، قلت أبصر شو إلي في صدري )
تراخيت .. بركت فوق الزرع .. بزي قافز لقدام ومتحفز للقم !! راح علي .. قام السبلة ورجع يشرب الشاي!!
آخ يا كشلي روحت بحسرتي ولوعتي !!
قلت يا بنت جربي حظك ثاني مرة .. بعد أكم من يوم ، كان ينقل الزرع من المارس للبيدر . شفته جاي مع الطريق .. رحت على البيدر . كانت شحمة ذاني تشر عرق من الشوب .. حطيت سبلة شعير في سروالي المرة هاذي ! يا كرايبي لما حطيتها فوق الشعر لزكت قلت عمرها ما تنشال ! أمسكت الشعوب وصرت أنفش في القش. حسيت السبلة طيرت ظبان مخي وهيه بتسبح حوالين ... !! وصل علي الخطيب ( يعطيك العافية يا مليحة شو بتسوي )( ألله يزيدك عافية يا روحي ، والله شفت حالي من غير شغل قلت أروح أنفش شوية زرع عالبيدر
خلي الشمس تشوفه أحسن يعطبن )
طرح الكادم عن ظهر البغلة وفسخه .. حطيت إيدي على قاع بطني وصرخت ( الحقني يا علي ) ( ما لك يا ولية ؟) انطرحت فوق القش ( افزع لي يا روحي إشي في....)( وين يا بنت ؟) (تحت أواعي يا روحي تحتهن ) ( حسبي ألله ونعم الوكيل .. لا تخافيش بيجوز سبله ) !!( لا يا روحي إشي بسبح الحقني من شان ألله )
رفع ثوبي إشوي ، قلت له فوق يا علي ، رفع كمان لما بين سروالي.. حطيت إيدي على السبله ..هان يا ويلي يا علي هان !!شديت السبله لفوق ورفعتها ( هيه في إيدي يا روحي ، إشي كبير بيجوز عقرب يا ويلي، أنزع سروالي يا علي ) !! ( أستغفرك يا ربي وأتوب إليك ) !!
صار ينزع سروالي ونا ما سك السبلة من فوقه .. نزعه .. قال( افتحي إيدك لشوف شو هاظ ) أرخيت أصابعي شوي ( علي يا روحي أوعة ينط امسك شوف شو هوه ) فتحت أصابعي وهوه ماسك إيدي بيديه الثنتين ( سبله مش قلت لك سبله !! )( آخ يا روحي يا حبيبي طنيبه على ولاياك أنا ، يلعن أبو هالسبل يا روحي ، بسبح بسبح مثل الحية ، هاذي المرة الثانية إلي بموتني فيها من الرعب .. آخ يا روحي ) !!
إحمر وجهه وصار عرقه ينقط من راس خشمه . إطلع علي .. إطلع .. !! إعرفت إنه بده يلجم الحصان الهايج في قاع بطنه .. ولجمه يا قرايبي يا اولاد عمي .. والله لجمه وقام .. على هيك ارجال أنا ما شفت .قلت له( طنيبة على ولاياك يا علي لا تخليني أموت عالقش عطشانه يا علي عطشانه وميته من الظما ، بل ريقي، نقط في روحي )!!
قلي (أنا وراي اولاد .. ) وقال حكي كثير يومها .. هاني وذلني يا قرايبي .. قلت أخ والله لأنتقم منك يا علي الخطيب !!
رحت لعند الحجة صفية قلتلها( يا حجة مهرة جامحة عندك إشي تشبيه عليها ؟! ) فهمت علي . قالت ( صقر أبو الجدايل ابن عمك وابن عمك جوزك ناتع صاري بتحطي شبرك وبزيد اصبع !! ) قولي وغيري ؟ قالت ( هاظ إلي أجاك ) رجعت عالدار مثل الطير الطاير وكلمات الحجة بترن في ذاني.. بتحطي شبرك وبزيد... .. تفيت في عبي وهزيت طوقي .. هيه الحجة قايسته ؟!تذكرت إن الحجة كانت تسري عالقدس من صيحة الديك ، تحط إشليف الخبيزة على ظهرها وتمشي لحالها ، وعلى ذمة بياعات الخبيزة والبابونج والحويرة والزعتر والحلزون ، إنهن لما كانن يمرين من ظهرة ام العصافير قبل ما يطلع الفجر كانن يسمعن غنج فظيع في البطين !! ما عرفت أنسى يا كرايبي.. ظلت كلمات الحجة ترن في ذاني . لما ماتت حماتي العمر لولادها ، غيطنت بنتها ثريا فوق جثتها ، شقيت ثوبي لعند الحزام ، صارن بزازي يتمرجحن مثل زغاليل الحمام . طلعت من غرفة الجنازات
سويت حالي بدور على رزق بين القبور من شان أقله إن أخته غيطنت ! رزق بندوق ابن بندوق ، لما شافني عرف ، قلي باللغة الفحصى ( اذهبي يا لعينة وارتقي ثوبك وإلا ألحقتك بأمي ) !!وسمعته يتمتم ( تبا لك ولزوجك الذي لا يروي شبقك ) شبقك شبقك ! أنا عارفه شو الشبق هاظ ؟
ونا راجعة للغرفة اتطلعت بين القبور .. الناس مكدسين زي يوم الحشر .. شفت صقر .. ( كيف حالك يا بنت عمي ) ؟ ( الله يسلم شبابك ليش ما بتزورنا يا روح بنت عمك ؟!) ( الليلة إن شاء الله ) ( أنا مستنيتك يا عين بنت عمك ) ودخلت غرفة الجنازات عند النسوان .
لما صاح الديك هذيك الليلة سمعت نقر عالشباك . فزيت ( مين ، صقر ؟ يا روحي يا ابن عمي فوت ) فات .. لفني ولفيته .. وتد يا قرايبي . قلت في سري يا سعدك يا حجة صفية !صال فيه وقلي( لوحي يا مرة ابن عمي )
لوحت (اجمحي ) جمحت ( صولي ) صلت يمين صلت شمال لورا ولقدام ! ( آخ يا مرة ابن عمي ) ( يا روح مرة ابن عمك وعينها يا بن عمي وابن عم جوزي ) ( وطي صوتك ) ! ( أخ يا بن عمي ريقي ناشف ، ارويني ارويني يا روح بنت عمك ) أخ يا قرايبي يا اولاد عمي العافية على قلوبكم !!
بعد أكم من يوم سمعت طرق على الباب قبل صيحة الديك .. قلت صقر بالعادة ينقر على الشباك ، مين هلي بيطرق في هالليل ؟ فتحت (مين عمي ) ( عما يعمي عيونك ! أيوه الحقيني ) ( على وين يا عمي ) ( بنتظرك في الواد عند زرعاتنا ! ) يا قشلك يا مليحة ، شاف صقر بيجي لعندي ولا سمع عن عملتي مع علي الخطيب ، ولا بده يدك فيه ؟ زي إلي شفته حامل معه حبل وحامل عصاته، يا ربي شو بده في الحبل بعد نص الليل ، وشو بده مني ؟ الحقيه يا جاك غراب البين يا مليحة !
الحقته يا قرايبي.. الدنيا ليل لحط اصبعي في عيني ما شفته .. مشيت اشوي تعودت عالعتمه ، وصرت أشوف الطريق وزوالة عمي قدامي .. انزلت وراه عالواد .. بطحني جنب الزرعات بين نبتات الحندكوك من غير ما يحكي ولا كلمة ، هبت ريحة الحندكوك في خشمي ، تنهدت . رفع ثوبي ، ظليت ساكته ، شلحني سروالي –بعيد عنكم –ظليت ساكته، عراني مثل ما جابتني إمي، ظليت ساكته ، طوى رجلي لما اركبي لامسن كتافي ن ولف ايدي ورا فخاذي وربطهن بالحبل ، ما ظلش عندي صبر ! قلت ( طنيبة على ولاياك يا عمي يا بو جوزي انت أبو الرجال يا روح مرة ابنك وبنت أخوك !) ظل ساكت يا كرايبي ! ربطني لما صرت مثل الجاجة المشوية !
مسك عصاته ، عرفت لحظتها إن عمي بده يعذبني . قلت في سري(آخ أكون ماني مليحة بنت أخوك عياش أبو الجدايل إذا ما خليتك يا عمي أحمد أبو الجدايل تورد مهرك عحوظي الليلة هاذي !!)
لاح العصاة لاحها .. فتحت شفافي وستلذيت ( شو سويتي مع علي الخطيب ) ؟( ما سويت إشي وحياة روح عمي ) سفك العصاة مع طول فخذي .. شهكت ( إحكي شو سويتي ؟) ( ظميانه يا عمي وميته من الظما ، قلت له منشان ألله يا علي تبل ريقي ، دشرني بظماي وراح يا روح مرة ابنك وعينها ) ( هيك يعني ؟) هاز العصاة هازها وعدلها ، وطعني فيها ، صارت تفوت وتطلع ، حسيت الوجع بطلع من كركيم مخي ، تحملت ، غنجت ‘ تأوهت ، قلي ( صوتك يا بنت الكلب تفظحنيش) قلت ( أفظح كل العشيرة ولا أفظحك يا عمي يا حبيبي ) وفغرت مثل الثعلب ، وعويت مثل الذيب ، ومويت مثل البساس في شباط .. داخ عمي يا قرايبي ، ذبلن عينيه وارتخين شفايفه ، وصار يروم عند فخاذي روم !! رمى العصاة ورفع ثوبه ، يا حسرتي يا كرايبي على هيك ما شفت ، هراوة فاس يا اولاد عمي !! نتعه أول مرة وثانية وثالثة ، قطع اللجام وصار يغب من الحوظ غب !!!

(4) أحمد أبو الجدايل .
ملعونة الوالدين.. قمت عنها وخليتها مربطة ورحت وهيه بتنوح نوح الذيب .. رجعت إلها مع بداية طلوع الفجر
القيتها بترجف من البرد . قلت لها ( عرفت أن الله حق !!) قالت ( فكني يا عمي حرام عليك ) (بتوبي ) (بتوب )
( بديش أسمع إشي عنك بعد اليوم ) ( خلص يا عمي توبه بعد هالنوبه )
فكيتها .. قعدت ساعة حتى عرفت توقف حيلها . قلت إلها ( عجلي قبل النهار يطلع يا بنت الكلب ، ألله يجعلني أسمع إشي عنك بعد هاليوم )
روحت عالبيت .. شهر ما شفتها طلعت منه .. راحت الأيام .. ما سمعنا إلا صراخها بعد نص الليل .. فزعنا ..
شفنا زلمة هارب زي المارد .. أعوذ بالله من الشيطان ، عاري وراسه ملفوف بالكوفية ورافع في إيده بلطه !!
اختفى مثل لمح البصر في هالظلام .. جيت عالبيت .. القيت الثور جوزها واصل توه من الوظيفة ( شو يا مليحة)
( علي الخطيب اعتدى عليه ) القصة ما دخلت مخي .. اتجمعوا الناس في هالليل وصارت فظيحة .. أجت الحمولة تشاورني ثاني يوم ( عرضنا يا عم أبو علي شو بدنا انسوي ) قلت إلهم ( لا تحكوا ولا مع واحد من حمولة العبيدات ) ( مش هيك عوايدنا يا عم ما بنرضى غير بدم علي الخطيب ) !!قلت ( ما تعملوا إشي ، أنا بتصرف )
أجوا وجوه حمولة الشقيرات ، يوخذوا عطوه عن حمولة العبيدات . وافقت بخمسين دينار على عطوة لمدة شهر كامل ، ومن غير شروط ثانية .. واتفقنا إنا نلتقي مع العبيدات في بيت الشيخ داود مختار العويسات ، ويكون القاضي الشيخ عايد مختار حمولة الزعاترة .
أجاني الثور ابني قلي ( يا والدي أنا رايح عالوظيفة دير بالك على مليحة !) إطلعت عليه إطلعت ، شفته ثور بقرنين كبار ! قلت في سري والله ما انت من صلبي يا ثور ( روح يا خالد يا بني روح يا خسارة التعب والشكا
والخبز فيك يا بني /، بتوصيني على مليحة ، ليش ما توصيها هيه علي ، روح.. روح )
جيت عليها في الليل ..قلتلها( امشي قدامي يا بنت الكلب ) أخذتها لبير في الخلا .. عريتها من ملابسها وربطتها بالحبل على وسطها . قلتلها ( احكي لي الصحيح ، مين كان عندك لما صرختي ؟) ( والله علي الخطيب يا عمي )
دليتها في البير ، تشبثت بالحبل وصارت تصرخ قبل ما تصل المي . ( آه بتحكيلي ؟) ( والله علي يا عمي وحياة أبوي وجوزي ) دليتها .. وصلت المي .. غطستها لعند رقبتها -هيك توقعت ونا برخي في الحبل –صارت تصرخ في البير والصدى يتردد .ما فهمت شو بتقول . غطستها وطلعتها ، وغطستها وطلعتها . . سحبتها لفوق اشوي منشان أسمع شو بتقول . قتلتني ملعونة الوالدين ما أثقلها !( دخيلك يا عمي طلعني ) طلعتها .. اسنانها بطرقن على بعض . دشرتها اشوية . ( آه مين ؟) ( ابن عمي صقر يا عمي ) ( يا ملعونة الوالدين ، صقر أبو الجدايل ؟
ابن أخوي ؟ ابن عمك وابن عم جوزك ؟يا ملعونة الوالدين ولا روح الشاهدين !!آه آه ! واتهمتي لمسخم علي الخطيب ؟ بعدك مش ناسيتيه ؟ آه منك آه ، انتي مش عارفه شو إلي سويتيه ؟ عشاير وحمايل بدها تذبح بعظها من وراك ، ولا مش عارفه هالحكي ؟ أذبحك ؟ أموتك ؟)
نزلت فيها بالحبل لما صبغت جلدها صبغ .. لبستها أواعيها وسقتها قدامي . ظليت على ظهرها بالحبل حتى قربنا عالقرية ..
( شو بدي أعمل شو بدي أسوي ، لاو الناس ما شافوا ملعون الوالدين شارد وحصانه مقطع اللجامات ,، كان خلينا علي الخطيب يحلف يمين ويزكيه خمسة من قرايبه ، إنه ما دخل دار مرة ابني ، وتظيع هالطنجرة بين هالطناجر !لكن شو بدي أعمل بعد الناس ما شافوا زلمة مشلح شارد من بيت ابني ؟ معقول أقبل من علي الخطيب يمين ويزكيه كل قرايبه وفي الكعبة المشرفة بذاتها .. وبعدين الناس يصيروا يعيروني في الزلمة لمزلط إلي ما عرفنا مين هوه .. ؟ آخ آخ .. )
وديت أربع خرفان للمختار عايد . قلت له ( يا شيخ عايد أنا ما بدي غير تقضي بينا وبين العبيدات بالحق والعدل ) فهمها عالطاير ! قال ( والله ما يجيكم غير الحق يا زلمه ، مش بدك أخلي علي الخطيب يبشع حتى يظهر المخفي )؟! قلت له ( والله إنك قاضي عريك يا مختار ، بدي اتخلي الجمرة تهري لسانه هري ‘ حتى يعرف إنه بنات الناس مش داشرات !! بعدين يا مختار ما فيه خلاف بينا الميت دينار غرامة خشة البيت من الشباك إلك ، وميت دينار الخروج إلي ) ( ولو يا بو علي ، هاظ الحكي بينا ؟ الله يسامحك يا شيخ ، إي والله ألله يسامحك !! )

(5) ألراوي .
فرشت البسط في الساحة أمام بيت المختار عايد .. أخذ وجوه الحمايل يتوافدون . أقبل وجوه حمولة الشقيرات
يتقدمهم الشيخ ابراهيم ، فأجلسهم المختار عايد في ناحية .تبعهم وجوه حمولة العويسات يتقدمهم الشيخ داود
فأجلسهم في الناحية المقابلة .وأقبل معظم افراد حمولة السحايقة يتقدمهم أحمد ابو الجدايل فأخذوا أماكنهم في ناحية ثالثة .. وأخيرا أقبل رجال حمولة العبيدات عن بكرة أبيهم بعصيهم المسمرة وخناجرهم البراقة ، يتقدمهم المختار مهنا وبعض وجوه الحمولة ، أما علي الخطيب فقد سار في المؤخرة مع بعض المقربين إليه ، أجلسهم المختار عايد في الناحية الرابعة ، ووزع بعض وجوه حمولته وأفرادها ليأخذوا أماكنهم بين مختلف الحمائل –
كونهم الحمولة المضيفة –واختار مجلسه إلى جانب حمولة العويسات كونها حمولة محايدة . وما أن دارت القهوة
حتى أمر المختار عايد بإحضار الكانون والفحم .. أضرمت النار .. صعد الدخان عاليا ، فعرف كل من في القرية أن ساعة علي الخطيب قد آنت .
قالت عائشة العلان وهي تقف على النول و ترقب سحب الدخان ( يا ربي تقف مع علي الخطيب يا ألله )
وقالت عيشه المسلم ( يا ربي تستر على مرته واولاده وتخلي النار باردة على لسانه مثل الأسكيمو) وقالت الطرمزية ( يا ربي ما تواخذنا بذنب المذنبين ) أما الحاجة صفية فقد قالت ( يا رب أنت جميل وبتحب العشق والجمال ، استر على العشاق يا الله !! )
جلست زوجة علي الخطيب أمام الخشة والأطفال يلعبون من حولها ( يا ربي تنتقم من الظالمين )
احتضن راعي أحمد أبو الجدايل العنزة الصبحاء –التي كان يتركها بلا حلب ليشرب علي الخطيب حليبها مع فطوره في الحقل –وخاطبها وهو يرنو إلى الدخان من الجبل المقابل ( والله إذا سلم علي من النار لحني ضرعك بالحنا وأعلق في رقبتك ظبابيح وأطعمك كل يوم كيلو شعير )
شد بائع الكعيكبان رسن الحماروأعلن للأطفال أنه توقف عن البيع ..
اختفى صقر أبو الجدايل من القرية منذ الصباح !!
توقدت النار . أخذ الدخان يتلاشى شيئا فشيئا .. وبدأت حبات الفحم تحمر . جلس علي الخطيب ثابت الجأش (يا
رب إني وكلت أمري إلك يا الله ، أنت أعلم في الحقيقة وأدرى ، وحكمتك فوق الكل )
أغلقت مليحة باب الغرفة على نفسها ، انطرحت على الفراش وأخذت ترتجف من قمة رأسها إلى أخمصي قدميها
وقد لف الشحوب وجهها ، متخوفة أن لا تحرق النار لسان علي الخطيب فينكشف كذبها !
لم يهدأ أحمد أبو الجدايل في مكانه فمع كل دقيقة تمر كان يصلح من وضع جلسته ويضغط على نفسه حتى لا تظهر هذه الرجفة التي اجتاحت يديه !
قال المختار عايد وهو يجاهد لتبدو أسارير وجهه طبيعية ( طول بالك يا بو علي ، رايح الحق يظهر وكل واحد يوخذ نصيبه ) !!
تحلق الأطفال بأسمالهم البالية من حول الجالسين ، ووقفت النساء أمام البيوت وعلى سطوحها .. احتضن رزق أبو الجدايل رأسه براحتي يديه وأطلق نظره إلى ما لا نهاية .
جلس المجنون حسن حمدان على حجر وأمسك بيده حجرا أخذ يضربه بحجر آخر أمامه !
تلاشى الدخان نهائيا .. توهج الجمر .. نهض المختار عايد .. اقترب من الكانون .. أمسك الملقط وأخذ يقلب الجمر .. أشار إلى المخاتير أن يأتوه بعلي الخطيب .
وقف علي بقامته الفارعة ، ثابت الجأش ، رافع الرأس ، لم يرف له طرف . أمسك المختار داود بذراعه الأيمن
وأمسك المختار ابراهيم بذراعه الأيسر وتقدما به إلى النار .
قال حمدان أبو رطة في سره ( أراهن على مائة نعجة من غنمي إنك يا علي الخطيب بريء ) !!
وقال يوسف دخيل –وفي سره أيضا –( أراهن على مائتي دونم أرض )
عبث المختار عايد بالجمرات .. التقط بملقطه الطويل جمرة كحبة البقلاوه . قالت امرأة – اقتربت من بعيد ومدت رأسها من فوق رؤوس الأطفال –قالت وهي ترقب الجمرة المتوهجة في ملقط المختار ( ول يلي ما تخاف ألله )
ضرب المختار الملقط بحافة الكانون حتى تتساقط بعض ذرات السكن عن الجمرة المتوهجة !! ونهض مستويا أمام علي الخطيب ( مد السانك ) !
أخرج علي الخطيب لسانه قدر المستطاع .. أطبق صمت ثقيل . جف اللعاب في الأفواه ..ارتجفت يد المختار عايد وبات أبو الجدايل كريشة في مهب الريح ، أخذت مليحة تصرخ من داخل غرفتها !! شد بائع الكعيكبان
رسن الحمار من أسفل فكية وتوقف المجنون حسن حمدان عن ضرب الحجر بالحجر .. خرجت زوجة المختار عايد من البيت وبقايا العجين بين أصابعها .. أرهف العشرات اسماعهم وركزوا النظر وابتلعوا بقايا اللعاب الجاف ، وظهرت اللاجئة المجنونة فجأة وهي تجتاز القرية بشعرها الأشعث المنفوش ، تدق صدرها بحجرين وترتدي كيسا من الخيش وتندب بصوتها المفجع ( يا حسرتي حملوا وشالوا وخلوني وحيدة ) أهوى المختار عايد بالجمرة على لسان علي الخطيب . طش اللحم .. تآكل تحت النار. احترق اللسان . قفز علي الخطيب في الهواء
وصرخ صرخة هائلة وسقط على الأرض وهو يتلوى ويرفس بقدميه ويطبق بقبضتيه على رأسه ...
عادت السكينة إلى أحمد ابي الجدايل ، وتنفست مليحة الصعداء ، وشوهد صقر أبو الجدايل يخرج من كهف في أحد الأودية ، وأعلن المختار مهنا تبري حمولته من علي الخطيب ، وتعهد أمام كافة الحمائل بأن تحصل حمولة السحايقة على كامل حقوقها .. ونزع عقاله عن رأسه وانهال به على راس علي الخطيب الذي دنس شرف الحمولة !!!!!!
انطلق صوت عبده موسى من مذياع قريب ( شمس الأردن بتلالي من فوق السما العالي ) !!!!!!

نهاية .

مصطفى مراد
15-09-2006, 05:59 PM
ارحب بالاخ العزيز محمود شاهين،
الروائي والقاص والفنان الفلسطيني الذيينشر لاول مرة في ركن القصة.
لقد لمست لك نشاطا متميزا اليوم في اركان "الفنون" و"ندوة القصة" و"الرواية" و"الشعر" و"القصة".
يسعدني ذلك كثيرا وامل ان تنخرط معنا في المنتدى.
كما يسعدني اننا نتفق حول الحلاج وحول الله الذي لا يمكن ان يؤذي احدا.


سوف يمر اخي عبد الرزاق جبران مشرف ركن "القصة" من هنا.
وحبذا لو انك منشرت النصوص بشكل منفرد،
حتى يسهل متابعتها والتعليق عليها من قبل الآخرين.


محبتي.


\
\

عبد الرزاق جبران
15-09-2006, 06:52 PM
الصديق محمود شاهين مرحبا بك بيننا..
نصك السردي متماسك البناء..وحبكته القوية مشكلة بطريقة حكائية فريدة..وإذا أردنا تجنيسه فإننا سندخله في جنس الرواية لا القصة ..خاصة وأنه اعتمد تعدد الشخصيات..والحكي على لسانها..فنحن أمام:الراوي الذي يحكي عن تجمع النسوة وما يقمن به ويتداولنه من حديث..
علي الخطيب الذي يحاول تبرئة نفسه أمام الله وزوجته فاطمة وابن مستخدمه رزق..مليحة أبو الجدايل التي تحكي عن معاناتها مع الزوج الغائب باستمرار..واللوعة المشتعلة ورغبتها الحارقة في ممارسة الجنس وكيف حاولت مع علي الخطيب بكل المكائد ولم تفلح لتنتهي بعد يئسها إلى اتهامه..أحمد أبو الجدايل الأب الذي عاقب مليحة بغية معرفة الحقيقة..ثم يظهر الراوي من جديد ليحدثنا عن مصير علي الخطيب..
ألا ترى معي أننا أمام رواية جيدة منسجمة في مكوناتها؟

محمود شاهين
15-09-2006, 07:36 PM
الصديق محمود شاهين مرحبا بك بيننا..
نصك السردي متماسك البناء..وحبكته القوية مشكلة بطريقة حكائية فريدة..وإذا أردنا تجنيسه فإننا سندخله في جنس الرواية لا القصة ..خاصة وأنه اعتمد تعدد الشخصيات..والحكي على لسانها..فنحن أمام:الراوي الذي يحكي عن تجمع النسوة وما يقمن به ويتداولنه من حديث..
علي الخطيب الذي يحاول تبرئة نفسه أمام الله وزوجته فاطمة وابن مستخدمه رزق..مليحة أبو الجدايل التي تحكي عن معاناتها مع الزوج الغائب باستمرار..واللوعة المشتعلة ورغبتها الحارقة في ممارسة الجنس وكيف حاولت مع علي الخطيب بكل المكائد ولم تفلح لتنتهي بعد يئسها إلى اتهامه..أحمد أبو الجدايل الأب الذي عاقب مليحة بغية معرفة الحقيقة..ثم يظهر الراوي من جديد ليحدثنا عن مصير علي الخطيب..
ألا ترى معي أننا أمام رواية جيدة منسجمة في مكوناتها؟
عزيزي عبد الرزاق
جزيل شكري..
أجل يا عزيزي القصة عبارة عن رواية مكثفة .. وهذا ينطبق على معظم قصصي .
وحين كتبت سيناريو عن القصة نفسها كان في حوالي 150 صفحة .

محمود شاهين
15-09-2006, 07:44 PM
ارحب بالاخ العزيز محمود شاهين،
الروائي والقاص والفنان الفلسطيني الذيينشر لاول مرة في ركن القصة.
لقد لمست لك نشاطا متميزا اليوم في اركان "الفنون" و"ندوة القصة" و"الرواية" و"الشعر" و"القصة".
يسعدني ذلك كثيرا وامل ان تنخرط معنا في المنتدى.
كما يسعدني اننا نتفق حول الحلاج وحول الله الذي لا يمكن ان يؤذي احدا.


سوف يمر اخي عبد الرزاق جبران مشرف ركن "القصة" من هنا.
وحبذا لو انك منشرت النصوص بشكل منفرد،
حتى يسهل متابعتها والتعليق عليها من قبل الآخرين.


محبتي.
جزيل شكري عزيزي مصطفى
في الحقيقة شعرت بالأمس أنني لم أقم بدوري كما يجب تجاه المنتدى .. ودب الحماس لأفعل شيئا ملفتا.. فكان هذا الدخول على أكثر من ركن !
ألمتابعة ستكون ليس لكل المواضيع معا مما سيتيح لمن يريد أن يطلع أن يطلع .
سلم لي على سليم الضو في دياركم .. وكان قد عمل عقدا معي على إحدى قصصي لينتجها
سينمائيا ..ولم يتمكن من إيجاد منتج ..ولا أعرف فيما إذا كان العقد ما يزال ساري المفعول !!
تحياتي


\
\

محمود شاهين
27-09-2006, 10:42 PM
ترجمت هذه القصة إلى الفرنسية والألمانية ولغات أخرى ..

(2) ألعبد سعيد!
طرحت الجدة زبيدة عصبتها عن رأسها وأصلحت من وضع جلستها فوق كيس الخيش، وأخذت تروي قصة العبد سعيد للفتيات اللواتي تجمعن من حولها :
(( يجوز أن لا تصدقن هذه القصة يا بنات ، لكن وحياة أولاد أولادي أنني لا أكذب عليكن .. كنت ألعب مع أولاد العشائر في السهل الفسيح المنبسط أمام عشرات بيوت الشعر، وكان سعيد ابن عبد الشيخ علي يلعب معنا. كم شاهدت في حياتي أبناء عبيد لكني لم أشاهد مثل ذاك الإبن .. وحياة رأس والدي أنه كان كان ينقض على الأولاد كما ينقض الصقرعلى طيور الحجل .. ولد يا بنات
، ولد لم تلد مثله النساء من قبل .. فهو أطول من عمود البيت ،وله وجه لوحته السمرة ، وبلا ركبتين ، لذا كان يسبق كافة الأولاد في الجري .
وبينما كنا نلعب ذلك اليوم ، مر الشيخ علي يتبعه العبد قعدان .. كان أولاد العشائر يهجمون على سعيد من كل صوب ، فيصرخ في وجوههم ويبدأ بطرحهم أرضا واحدا بعد الآخر . أما نحن الفتيات فكنا نقف جانبا ونرقب المعركة باهتمام .. تصورن أنه كان يطلب من أبناء العبيد عدم التدخل في الصراع والوقوف إلى جانبه ضد أبناء العشائر ، إلا إذا هزم ، لكنه نادرا ما كان يهزم .
وعندما شاهده الشيخ علي ، وقف يرقبه في اندهاش من على ظهر جواده ، كان قد طرح كافة الصبية أرضا ، وعاد يقف إلى جانب أبناء العبيد، ونحن نقف في ابتهاج ، حتى أن صبية العشائر طأطأوا رؤوسهم خجلا منا .
التفت الشيخ إلى العبد قعدان وقال له ( إذا ما كبر هذا الطفل فلن تبقى امرأة في العشيرة إلا وتنزع ثيابها له ، اذهب وأتني به سأقطع خصيتيه ) !!
وقف العبد قعدان حائرا للحظة ، ثم تهاوى على الأرض وأخذ يبكي ويذر التراب على رأسه !! فقال له الشيخ :
- ما الذي ألم بك يا عبد النحس ؟
فقال العبد قعدان :
-إنه ابني يا سيدي الشيخ إنه ابني !!
فقال الشيخ :
-أنا لا يهمني إذا كان ابنك أم غيره ، يجب أن تحضره وإلا ستكون وذريتك مطرودا من عشيرتي
حتى سابع عشيرة إلى يوم الدين !!
ولكز الجواد فانطلق به نحو مضرب العشائر .
لم يجد العبد قعدان مفرا من ذلك .. نهض عن الأرض وسار باتجاه الأولاد . قاد ابنه من يده والدموع تتدحرج على وجنتيه.. وسار عشرات الأولاد من خلفهما ..
بلغ الخبر مسامع الناس فتجمعوا في الساحة أمام بيوت الشعر ، وأحاطوا بالعبد قعدان وابنه..
أشعل الشيخ النار ، وأحضروا له سكينا فوضع نصله فيها ..
قال سعيد لأبيه قعدان :
- لماذا أشعل الشيخ النار ووضع السكين فيها يا أبي ؟
فلم يعرف الأب بماذا يجيب، لكنه خاطب الشيخ :
- ألا يسمح لي سيدي الشيخ أن أبتعد لأنني لا أستطيع تحمل ما سيحدث .
فسمح له الشيخ قائلا :
- إلي بالولد ولتنصرف حيثما شئت :
أسلم العبد قعدان ابنه إلى الشيخ وانصرف .
أحس الولد بالرعب فأخذ يصرخ وينادي والده جاهدا لأن يفلت من يدي الشيخ ، لكن يدي الشيخ كانتا تتصلبان على معصميه عدا أنه أمر بإحضار الحبال ليقيدوا الولد ويشلوا حركته .
قيدوه من يديه ورجليه ، لكنهم لم يحدوا من حركته ، فأمسك رجلان بيديه ورجلان بقد ميه ..
ثم جاؤا بخيط من القنب حصروا خصيتي الولد أسفل كيس الخيصيتين وربطوا الخيط من فوقهما .
أخرج الشيخ السكين من النار فبدا أحمر كاللهب .. ابتعدت بعض النساء فيما أخفى بعضهن وجوههن .. وهرعت أم سعيد من بعيد وهي تصرخ ( ابني ابني ) مرر الشيخ السكين من تحت الخيط فقطع الخصيتين وألقى بهما بعيدا فلاحقتهما عيون الناس وهرع الأطفال نحو المكان الذي ستسقطان فيه !!
انقضت أم سعيد كلبوة فقدت أشبالها .. انتزعت الولد من بين أيدي الرجال وانطلقت به عائدة إلى البيت وهي تصرخ بحرقة وألم .

يتبع

مراد العمدوني
27-09-2006, 11:47 PM
اخي العزيز محمود شاهين

نصوصك رائعة تعبر عن قدرة فائقة في الامساك بالقارئ

أسجل اعجابي

وأرجو لك مزيدا من التألق

مودتي واحترامي

محمود شاهين
28-09-2006, 10:27 PM
اخي العزيز محمود شاهين

نصوصك رائعة تعبر عن قدرة فائقة في الامساك بالقارئ

أسجل اعجابي

وأرجو لك مزيدا من التألق

مودتي واحترامي
جزيل شكري عزيزي مراد.
--------------------------------------------------------------------------------------------
ألعبد سعيد (2)

قلت لكن أنه يجوز أن لا تصدقن يا بنات ، لكن هذا ما حدث بالفعل وهو ليس كل الذي حدث ، فقد كبر سعيد وأخذ يرعى قطعان الشيخ التي يزيد تعدادها على سبعة آلاف وخمسمائة نعجة وماعز . نعم يا بنات كان يرعى كل تلك القطعان وحده ، ويا ليتكن ولدتن من قبل لتشاهدن ذاك الفتى الأسمر ، إنه الراعي الوحيد الذي لم يكن يصطحب الكلاب معه ، وقد لا تصدقن أنه عندما كان الذئب يسطوا على قطعانه كان يجري خلفه إلى أن يلحق به ويخلصه الشاة التي خطفها ثم يسمه بوسم القطيع على أذنه ويطلق سبيله !!
إن هذا أغرب من الخيال يا بنات لكنه ما حدث بالفعل فلا تلمنني إذا ما تنهدت وبكيت بحسرة على ذاك الفتى الأسمر الطيب ن فكم من أرانب برية وذئاب وضباع وغزلان أمسك بها ووسمها بوسم القطيع واطلقها .
آه آه ..!! أما عندما كان يعزف على الناي أو المجوز أو الأرغول ، فهذا ما لا أستطيع وصفه لكن . قلت لكن يا ليتكن ولدتن من قبل لتشاهدنه ، فهؤلاء الرجال الذين تشاهدنهم الآن ليسوا رجالا !!
كان سعيد يجلس دائما على رابية عالية والقطعان تنتشر من حوله في الأودية وفي الجبال وبين الشعاب ، ويشرع في العزف :
تثبت كل شاة في مرعاها .. تتوقف الطيور عن تغريدها .. تمر أسراب القطا عبر الفضاء وتحلق فوق رأسه ثم تحط على مقربة منه .. تتوقف النساء عن قطع الحطب وتعشيب الزرع ، وقطف الحبيوة والبابونج ويجلسن يتنصتن .
تداعب أصابعه ثقوب المجوز بخفة .. ينتقل الصوت عبر الأودية والشعاب ليتردد صداه من قفر إلى قفر محمولا على أجنحة الريح !!تخرس كل نايات الرعاة وأراغيلهم ومجاوزهم .. تتجه أغنامهم إلى الناحية التي يسمع فيها صوت ناي سعيد .
تدور النشوة في رؤوس النساء اللواتي يحتطبن أو يغسلن الثياب أو يعشبن ، فيتسللن إلى سعيد وينزعن ثيابهن أمامه ، إذا لم يكن في مرأى من أعين الناس ، وإذا كان كذلك فكن ينزعن ثيابهن
في أماكن تقيهن العيون !
وذات يوم يا بنات – قربن آذانكن لأهمس لكن –كنت أحتطب في واد يرعى فيه سعيد قطعانه . سمعته يعزف فتسللت إليه .. نزعت ثيابي أمامه قطعة قطعة وجلست عارية بين يديه !! لم يتوقف عن العزف وخلال لحظات كانت نسوة كثيرات يتعرين ويجلسن أمامه خاشعات بين الحجارة والصخور !!
يتبع (3)

محمود شاهين
29-09-2006, 08:02 PM
ألعبد سعيد
(3)
لا تصدقن يا بنات من يقول أن المرأة لا تؤتمن على سر ، فلم يكتشف أحد أن النساء يتعرين عندما يسمعن عزف سعيد ، على الرغم من أن أغلب نساء العشائر تعرين عند سماعه ولو داخل خدورهن !!
وجاء يوم يا ليته لم يأت ! آه آه فقد جاء فرسان الأتراك من القدس ليجمعوا الضرائب لخزينة السلطان . كانوا يجوبون الأودية والجبال بحثا عن القطعان لتعدادها وللحصول من أصحابها
على ضريبة عن كل شاة .
أقبلوا على سعيد .. كانت قطعانه تنتشر على مساحات كبيرة بين الأودية وعلى سفوح الجبال وقممها ..
قال له مأمور الفرسان :
- أنت الذي ترعى كل هذه القطعان ؟
- نعم يا سيدي المأمور .
- وحدك ؟
- نعم وحدي يا سيدي !
- وهل تستطيع حمايتها من الذئاب؟
- نعم يا سيدي .
- وكيف تتركها تنتشر بين حقول الزرع هكذا ؟
- إنه لم ينبت جيدا بعد يا سيدي المأمور ، ثم إنني طوعت قطعاني على عدم الإقتراب من الزرع !!!
وهنا صمت المأمور للحظات مخفيا دهشته من قول سعيد ، وراح يجوب بنظراته مختلف الجهات
فبدت له الأغنام أكثر من النمل ، فاحتار في أمره ولم يعرف كيف سيعدها .. نظر إلى سعيد :
- قل لي أيها العبد !!
- نعم يا سيدي المأمور .
- ألا تتفقد قطعانك كل يوم ؟
- نعم إنني أتفقدها يا سيدي .
- كيف ؟
- أقوم بعدها يا سيدي !
- ألم يسبق ووجدتها تنقص شاة أو أكثر ؟
- لم يسبق يا سيدي !
- وكم تعداد قطعانك ؟
- سبعة آلاف وثمانمئة وإحدى وثمانون شاة يا سيدي !!
- وهل كلها لسيدك ؟
- إنها لكل العائلة يا سيدي لكن سيدي يملك أكثرها .
وصمت المأمور قليلا .. نظر إلى وجوه الفرسان ، ثم نظر إلى سعيد :
- اسمع أيها العبد !
- نعم يا سيدي .
- أنا أصدقك ولن أقوم بعد القطعان ، لكنني لن أبرح مكاني هذا قبل أن أرى كيف تجمعها وتعدها ، ما رأيك ؟
صمت سعيد للحظة موجسا أن يحدث له شيء، قال :
- هل يحلف سيدي المأمور بالله ورأس السلطان أن لا يمسني بسوء إذا ما فعلت ذلك ؟
- إنني أحلف أيها العبد !
وهنا اعتلى سعيد صخرة عالية يا بنات ، هيأ مجوزه وشرع يعزف لحنا خاصا ..
نزل الفرسان عن خيولهم حين أدركوا أنهم سيسمعون عزفا غير عادي ، وجلسوا على
الحجارة ينصتون وينظرون إلى القطعان ..
أخذت الأغنام تهرع من كل صوب وتقف في طوابير منتظمة أمام سعيد .. انتظمت النعاج في طابور والمعز في طابور آخر .. وصلت كافة الأغنام وانضمت إلى الطابورين .. توقف سعيد عن
العزف لكنه لم ينزل عن الصخرة .
همس المأمور في اذن معاونه :
- قل لي برب الكائنات ؟!
- ماذا يا حضرة المأمور ؟
- إذا كان هذا فعل العبد بالأغنام ، فما بالك بالنساء بالله عليك ؟!!!
همس المعاون دون تردد:
- أعتقد أنهن يشمرن له عن أفخاذهن يا حضرة المأمور !!
ونظر المأمور إلى سعيد نظرة ماكرة :
- ألا تنزل أيها العبد ؟
تنبه سعيد بفطنته إلى أن المأمور يبطن له الشر !!
- لن أنزل يا سيدي !!
اعتلى المأمور جواده وحاول أن يصعد إلى سعيد ، لكنه لم يظفر به ، فقد وثب سعيد عدة وثبات
وراح يتسلق صخور الجبل ، فلم يستطع الجواد أن يلحق به ، لكن المعاون تنبه إلى أمر هام ، فالتفت إلى المأمور :
- جاءتني فكرة يا حضرة المأمور!
- ما هي قل ؟
- أعرف أن هؤلاء العبيد يحرصون على القطعان التي يرعونها أكثر من حرصهم على أنفسهم ، فإذا ما أوهمنا هذا العبد اننا سنأخذ قطعانه ، فسيلحق بنا لاستردادها .
- انت مدهش يا حضرة المعاون ، هيا بسرعة ولننهل على الأغنام بالسياط.
- أحاط الفرسان بالمعز والنعاج وانهالوا عليها بسياطهم وساقوها أمامهم . جن جنون سعيد فأخذ يصرخ من على صخرة مناديا :
(ألم تحلف بالله ورأس السلطان أنك لن تمسني بسوء يا سيدي المأمور فلماذا تأخذ قطعان سيدي )؟
خاطبه المأمور بأعلى صوته:
( لن نفلت الأغنام إلا إذا سلمت نفسك لنا ايها العبد )!
شاهد الناس الفرسان يسوقون القطعان فأخذوا ينظرون من على قمم الجبال..
هرع سعيد خلف الفرسان وهو يدرك في قرارة نفسه انه يسلم نفسه إلى قدره .. لحق بهم .. لم يكن خائفا .. نزل الفرسان عن خيولهم . أمسكوا به .. قيدوا قدميه وطرحوه أرضا .وضعوا يده اليسرى على حجر .. استل المأمور سيفه وأهوى به على أصابعها فبترها .....
(4)
ايه يا بنات .. قلت لكن أن لا تلمنني إذا ما تنهدت وبكيت ، فكم تغير العبد سعيد بعد ذلك .. لم يصدق أحد ان هذا هو سعيد الأمس ، فقد ترهل كل شيء فيه ، ضمر جسمه ، وبرزت عظام صدغيه ، وغارت عيناه في رأسه ، وتهدل هدباه ، وخارت قواه ، ولم يعد يهتم بنفسه ، وأهمل قطعانه ، فلم تعد تذعن له ، وأصبح يتعذب كثيرا في السيطرة عليها وجمعها ..
وذات يوم داهمت الذئاب قطعان سعيد ، فهربت القطعان أمامها .. راحت الذئاب تشتتها بين الأودية وعلى سفوح الجبال وكلما لحقت بشاة فتكت بها وتركتها لتلحق بأخرى .. إلى أن أتت الكثير من الأغنام ..ولولا هروع الناس من البيوت لأتت على معظم القطعان ..
حين بلغ الخبر مسامع الشيخ جن جنونه، وانهال على سعيد بالضرب المبرح ما أن مثل أمامه .
وأقسم برأس والده أنه سيجعل منه عبرة لكل العبيد إذا ما شاهده في ربوعه .
هام سعيد على وجهه لا يعرف أين تجره قدماه ... وانقطعت عنا أخباره منذ ذلك اليوم يا بنات .)
نهاية

محمود شاهين
14-01-2007, 07:39 PM
المعذرة !! لقد بحثت بالأمس عن هذا الملف لأرى فيما إذا كنت قد نشرت فيه قصة العبد سعيد
من قبل أم لا ، غير أنني لم اعثر عليه .. فنشرت القصة ضمن ملف جديد .. أرجو المعذرة ، فالقصة منشورة هنا .

محمود شاهين
14-01-2007, 07:49 PM
جسدي بين صبرا وبسمة
( نشرت عام 2000 عن وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله
ضمن مجموعة قصصية تحمل عنوان : موتي وقط لوسيان )
ستأتي بسمة ، وجسدي الذي أراه دائما مسجى في تابوت ، أو محمولا على نعش ، أو مطروحا على رصيف مهجور ـ متآكل كرمة نهشتها الكلاب ، متصدع كجدار قديم ، مشروخ كجذع نخره السوس ... شروخ كثيرة تغرز براثنها في كل أنحاء جسدي ، تنيخ بكل كلكلها على كاهلي فأنوء تحت وطأتها ، وعبثا أحاول أن أعدل كتفي ، أرفع ظهري . ..
ثمة شرخ يمتد في جسدي من عام 1948وحتى عام 1986. عام 1948 هو العام الذي جئت فيه إلى هذا العالم ، وهو العام الذي احتل فيه موطني ، أما عام 1986 فالجميع يعرفونه جيدا ، فقد بات فيه معظم زعماء قومي أصدقاء لمن احتلوا موطني .. !!
وثمة شرخ يمتد في جسدي من المحيط إلى الخليج ، فقد تحطمت طموحاتي كلها : في الحرية ، الإشتراكية ، الوحدة ، التحرير ، التحرر ، الإنعتاق ، الديمقراطية ، تحطمت كلها ، ولم يعد هناك ولو شمعة واحدة تنوس أو تخبو في حلكة ظلامي ، شمعة واحدة فقط ، وإنني أتحدى كل صادق أن يثبت العكس !
أية شروخ هذه بحق الكائنات ؟ هل هناك ثمة قوة يمكنها أن ترمم هذه الشروخ الفظيعة في جسدي ؟! لا لا ! لأهرب من شروخي كلها ، ولأنتظر بسمة ، بسمة الباسمة ، بسمة الإبتسامة ، فرح يقف في مواجهة كل شروخي ، شمعة منيرة دائما في ظلام ليلي ، أمل يطل دوما من خلف أسوار حزني ..
الصمت داخل الغرفة قاتل ، والضجيج في الخارج قاتل ، رسومات الملصقات على الجدران تحدق إلي وأحدق إليها :
رسم لحمامة مصلوبة ، جسدها قنبلة وجناحاها أطفال صبرا ، رسم لدبابة يقطعها حرف X وإلى جانبها طفل قتيل من أطفال صبرا . رسومات كثيرة قوامها دماء صبرا . صبرا اختصار قتلي ، صبرا دمي المسفوك دوما بالرصاص الأخوي ، وباسم العدالة والإرهاب والفوضى ، باسم جراحات الوطن المستلب ـ باسم صمودي وباسم استسلامي ، باسم حياتي وباسم مماتي ، وباسم الحرص علي ! والحرص مني علي !!
لم يبق شيء إلا وسفك من أجله أو بسببه دمي ، ولم تبق بلاد دون أن تشردني ـ ولم تبق أرض دون أن تبددني ، أي جنازة لم ألبس كفنها ؟ وأي عباءات لم أحمل عفنها ؟ وكم من( بطولات) لم أدفع ثمنها ؟
الكهرباء مقطوعة .. وجسدي يتصبب عرقا .. مع أن الوقت ما يزال صباحا .. في الخارج تضج أصوات المنادين على الخضار وابواق باعة المازوت التي تضرب على أعصابي ، تشل تفكيري ، أدفع السدادتين عميقا داخل أذني ، وأتبعهما بسدادتين أخريين . أنجح في الهروب من الضجيج والصخب ـ لأغرق في الوحشة والصمت . الضجيج يقتلني والوحشة تقتلني ..
في الحادية عشرة ستأتي بسمة ، لتنقذني من وحدتي وشروخي .. من الصمت القاتل .. من ملصقات صبرا وشاتيلا ويوم الأرض وتل الزعتر ، و(الأياليل ) السود التي تعج بها جدران بيتي ، كل جدران بيتي ,..ذات يوم هربت فتاة من بيتي بعد أن أبدت رغبتها في مشاركتي سريري طوال الليل ، كان حلمها كما قالت أن تمص قضيبي وتولجه إلى أعماق حلقها ، غير أنها وما أن دخلت البيت لأول مرة وراحت تتأمل الجدران ، حتى هتفت بهلع ( يا ألله كم أنت مليء بالموت ، كيف تنام وكل هذه الدماء تحيط بسريرك ) ؟ همست لها : ( إنها نصف حقيقتي يا عزيزتي ، إن لم تكن حقيقتي كلها ، ويبدو أنني أصر على عدم الهروب منها أو نسيانها ، فأجعلها تشاركني حياتي ، أغمض عيني عليها ، وأفتحهما عليها ـ ولقد اعتدت الأمر ـ ولا أظن أنني قادر على مبارحته )
وزفرت صديقتي نفسا عميقا ( آسفة أنا لا أستطيع أن أشاركك سريرك ضمن هذه الأجواء ، بيوت قياداتكم ليست هكذا ، ألا يوجد مكان آخر لديك ؟ ! )
( لا للأسف لا يوجد ، حتى لو و جد ـ فلن أستطيع أن أعيش فرحي خارج هذا الحزن ، فالحزن أصبح حقيقتي ، وعندما أعيش فرحي في ظله ، أتمتع بالفرح إلى حد لا يمكن أن يبلغه إلا من هو مثلي )
( لا يا إلهي ! هل أنت بكامل عقلك ؟ )
( أدعي ذلك ! فالفناء والبقاء ، الحزن والفرح ، الشقاء والسعادة ، الألم واللذة ، الكره والحب ، القهر والحرية ، التشاؤم والتفاؤل ، الدم والورد ، أمران متعددا الوجوه ، ملازمان لي ـ ولا يمكن أن أشعر بأحدهما دون أن أشعر بالآخر ، ثم إن أحدهما لا ينتفي إلا بالإحلال المطلق للطرف الآخر ، إنها معادلة معقدة جدا يا عزيزتي ) !!
( ربما تكون مريضا يا محمود ـ يجب أن تراجع طبيبا مختصا بالأمراض النفسية ، أستودعك )
وهربت .. هربت إلى غير رجعة . لتذهب هي وأيري وقيادتنا إلى الجحيم !!!
بسمة ليست من هذا النوع من الفتيات .. بسمة تشاركني فرحي وحزني .. أمامي ساعة ، سأغتسل وأتعطرقبل أن تأتي .أنا دائما أغتسل وأتعطر قبل أن تأتي .. لا أريدها أن تنفر مني .. لأظل ذكرى جميلة في حياتها ـ بل أجمل ذكرى في حياتها إن استطعت .



اغتسلت . تعطرت . احتسيت القهوة . الزمن يسير بطيئا جدا .. يقتلني الإنتظار . يقتلني العد التنازلي نحو الحادية عشرة .. بقي عشر دقائق وتصبح الحادية ...الرسومات التي رسمها لي رسامون أصدقاء تمثل أمام عيني :
هذا أطال شاربي أكثر مما هما عليه ، وذاك بالغ إلى حد كبير في طول أنفي وانحنائه ، وهذا بالغ في مساحة الصلع التي تتوسط رأسي ، وذاك في تمثاله الصغير الذي فارق الحياة جعلني أقرب إلى الإنسان الميت مني إلى الإنسان الحي . رسام واحد لم يبالغ في طول ذقني ، غير أنه جملها أكثر مما هي عليه .
خمس دقائق وتأتي بسمة . خمس دقائق فقط . هي في الغالب تأتي في الحادية عشرة . إذا لم تأت ستتصل . يجب أن تتصل . هي تعرف انني أنتظرها ، لكنها لا تعرف أنها لم تغب عن بالي طوال اسبوع . منذ آخر مرة التقيتها ، وكان لقاء فاترا للغاية ، جاءت بصحبة موله بها ، في الوقت الذي أمضيت الليل في انتظارها ، واغتسلت وتعطرت في الصباح ، وهيأت نفسي للقاء ممتع مع الحياة .ومنذ ذلك اليوم لم تغب من مخيلتي . هي في الحقيقة نادرا ما تغيب من ... وكلما انقلبت على السرير خلتها بين ذراعي ، ورحت أضمها وأشد الغطاء إلى جسدها لأقيها نسمة برد قد تأتي على حين غرة . ..
ثلاث دقائق وتأتي . هي لا بد في الطريق الآن . سأطل من النافذة ، ولأنزع هذه السدادات من أذني :
تلك فتاة قادمة من أول الشارع . إنها هي حتما . يتبدد كل الصمت المحيط بي ، لن أعود إلى الوحدة الموحشة إلى الأبد . يقترب شبح الفتاة .. رباه!يا يسوع المعذب ، إنها ليست هي .
لا بأس ، ثمة سيارة قادمة ستكون فيها . إذا توقفت السيارة تحت نافذتي فهي فيها حتما .
المح طرف رداء امرأة ترتدي ثوبا أصفر ، تجلس في المقعد الخلفي ، ( إنه أحد أثوابها ) . أرى رأس الفتاة . شعر أسود كحلكة الليل . إنه شعرها . ثم إن الفتاة سمراء مثلها تماما . يهبط قلبي فرحا . تقترب السيارة وتمر من تحت النافذة وتنعطف متابعة طريقها . ( أف أف أف ) وأبتعد عن النافذة لأغرق في صمت البيت .
دقيقة واحدة وتصبح الحادية عشرة . ستأتي الآن أو يرن جرس الهاتف على الأقل . لأعود إلى النافذة ولأنتظرها . أريد أن أرى إطلالتها ، هي في العادة تلقي نظرة نحو النافذة ، قبل أن تنعطف إلى البناية ، وتشرع في صعود الدرج المتعب . ، وعندما تنظر ألمح طيف ابتسامتها . هي لا تستطيع أن تفعل أكثر من هذا ، نظرا للعيون الكثيرة التي ترقبها .
ثمة فتاتان قادمتان ، لا بد أن تكون إحداهما هي . ربما أتت مع صديقة لها . لالا ، الفتاتان ممتلئتان ، وهي ليست ممتلئة إلى هذا الحد . تمر الفتاتان من تحت النافذة وتنعطفان ، أرقبهما وهما تبتعدان ، إلى أن يلفهما زقاق فرعي .
أوه .. إنها الحادية عشرة ودقيقتان .. إذن بدأ العد التصاعدي .. سيقتلني العد التصا.. والصمت الثقيل يطبق على الغرفة كوحش كاسر . يرن جرس الهاتف . أهرع ، إنها هي حتما :
- ( هلو استاذ محمود أتريد لحمة هذا اليوم )
اوه يا رب ! أيوه أبو رياض ابعث لي كيلوين شرحه . وأقفلت الخط . لكن لمذا كيلوين بحق السماء ؟ لنأكل انا وبسمة اليوم وغدا .. لنأكل كثيرا ولنشبع لحمة طازجة طرية ، فلن أجد في المستقبل لحاما مثل هذا اللحام . شاهدته بالأمس خلال تشييع جنازة جارنا ، ترك محله وجاء يشارك في تشييع جنازة ... جارنا الذي دهمته سيارة وهو يسير على الرصيف ، نعم على الرصيف ! فقد كان اثنان يتسابقان بسيارتيهما ، وجنح أحدهما نحو الآخر إلى أن ضيق عليه ، فلم يكن أمام الآخر إلا الهروب إلى الرصيف ليدهم جارنا .. جارنا الطيب البسيط الهادىء جارنا الكردي ذا الأطفال الثمانية فقط !!
مرت عشر دقائق .. عشرون دقيقة .. نصف ساعة .. لم تمر دقيقة دون أن أقف على النافذة ، ودون أن أعود إلى الصمت . وكلما شاهدت شبح امرأة ( وأنا على النافذة ) خيل إلي أنها بسمة ، وكلما شاهدت سيارة قادمة، انتابني إحساس أن بسمة فيها ، وكلما رن جرس الهاتف أيقنت أن بسمة هي الهاتفة . .. إلى أن أصبحت الساعة الواحدة بعد الظهر ، فقررت ( وتبين أنني لم ألتزم بقراري ) أن ألقي نظرة أخيرة عبر النافذة .
شاهدت فتاة ترتدي لباس الفتوة تقدم عبر الشارع ، كنت مقتنعا تماما أنها ليست هي ، فهي إذا شاءت أن تأتي إلي بلباس رسمي ، فستأتي بزي الجامعة . ، ومع ذلك لم أقطع الأمل ، ورحت ألتمس عذرا مقنعا لها ، لتردي لباس ... لم أجد عذرا .. .. . .. غير أنني لم أقطع الشك في أنها قد تكون هي .
مرت الفتاة من تحت نافذتي وهي تجمح كمهرة ، وضفيرة شعرها تلوح على ظهرها كلما نقلت خطاها .
أرهقت.. تعبت .. لا أستطيع أن أقرأ أو أكتب ، أو حتى أستمع إلى الموسيقى ، وليس في مقدوري مغادرة البيت ، فربما لديها محاضرة مهمة في الجامعة ، لماذا ألح عليها أن تأتي في أوقات محددة ، ثم إنها لم تقل لي أنها ستأتي في الحادية عشرة . ذات مرة جاءت في الواحدة والنصف ، ومرات كثيرة بين الثانية عشرة والواحدة .
وبعض المرات بين الرابعة والسادسة .. إذن ستأتي ..
عدت إلى النافذة . لم استطع إلا أن أعود إلى .... .
ثمة ساقان يلفهما بنطلون جينز ، تقدمان تحت أشجار الرصيف . لم أميز النصف العلوي للقادم ، ومع ذلك قد تكون هي ، سأنتظر إلى أن يبزغ من تحت الشجيرات .. يا للجحيم إنه شاب .
عدت إلى الداخل . ليس لدي إلا ثلاث زجاجات ممتلئة من البيرة ، سأذهب لاستبدال الزجاجات الفارغة . لكن ربما تأتي خلال غيابي ، سأترك الباب مفتوحا ، لا سأترك لها ورقة على الباب , لكن ماذا لو اتصلت هاتفيا . أوه ! لتتصل ولتعرف أنني لا أنتظرها ! ماذا تظن نفسها هي ؟
نزلت .. لم أستطع إلا أن أنظر إلى الإتجاه الذي ستأتي منه .. وظللت أنظر إلى أن طواني الزقاق المؤدي إلى حانة الخمور . لم أجد بيرة كالعادة . أبقيت الزجاجات في الحانة وعدت . ألقيت نظرة نحو الطابق العلوي في البناية . ربما جاءت ووجدت الملاحظة على الباب ، ووقفت تنتظر على نافذة الدرج . لم أر أحدا . إذن لأذهب إلى البقال وأبتاع بعض الخضار ، ولأمر على اللحام .
هذا اللحام يقتلني ببطئه وبرودة دمه ومحاولته اليائسة في أن يدخلني الإسلام منذ أن قلت له كاذبا ذات يوم أنني مسيحي !! لا بد من استراق بعض النظرات نحو الشارع بين شراء حاجة وأخرى . لا أريدها أن تمر دون أن تراني ، فربما تفهم الملاحظة التي على الباب حسب التوقيت العربي ، حيث لا يحس أحد بالزمن على الإطلاق .
فتغدو اللحظات ساعات والساعات لحظات !
إلقاء نظرة نحو الشارع يضطرني إلى الخروج من البقالة والسير لبضعة أمتار كي أشرف .. ألقيت النظرة الأولى بعد شراء كيلو خيار ، والثانية بعد شراء كيلو بصل ، والثالثة .. بعد كيلو بندورة .. والرابعة .. جرزة بقدونس ، وفي الخامسة كنت قد حاسبت البقال وحملت الخضار وعدت بسرعة إلى الشارع . رأيتها في كل الفتيات اللواتي كن يجبن الشارع .. لماذا أراها في كل الفتيات ...... .. ؟!
وتنبهت إلى أنني نسيت أن أمر على اللحام .. عدت. لم يرسل اللحمة بعد . دفعت ثمنها وهرعت نحو البيت .. لا بد أنها جاءت دون أن أراها . لقد امضيت من الوقت في انتقاء الخضار أكثر مما أمضيته في ترقب الشارع . إذن سأجدها تنتظرني أمام الباب ، طالما لم أرها تطل من نافذة الدرج ، بقي أمامي الطابق الأخير لأراها واقفة ،سأرى الآن إطلالة عينيها ـ إشراقتهما ، والإبتسامة العذبة تطوف على شفتيها .



لم تكن أمام الباب ..لكن ثمة جدار إلى جانب ... ربما اختبأت خلفه لتباغتني .. ( أه يا عكروته عرفت ألاعيبك ) وينتصب الباب أمامي كجدار سجن ، والملاحظة تصفعني على وجهي ( سأعود بعد لحظات )
أللعنة يجب أن أنسى هذه البسمة . لكن كيف أنساها ، إنها تأسرني ؟ دفعت الباب وأنا أهز رأسي بشدة في محاولة يائسة لطرد بسمة منه .
ألقيت أكياس الخضار على أرضية المطبخ وطرحت جثتي المشروخة على الأريكة . أحجار الشطرنج تنتصب أمامي على رقعتها كتماثيل صماء ، لو أن أحدهم يأتي لأغلبه ، فأنا لا أتصور نفسي إلا غالبا دائما ـ، والحق إنني نادرا ما غلبت ، وأنجح دائما في الإجهاز على خصومي . الشطرنج يسلب مخيلتي ، يستولي علي ، ينسيني الدم ، الصمت ، الموت، الضجيج ، العطالة، حتى بسمة . لكن لا أظن انني قادر على اللعب الآن ، فدماغي معطل ، معطل تماما ، ولا يشغله إلا الموت وبسمه ، بل بسمة وحدها ، ما يعنيني الآن هو... . بسمة ترمم شروخي ، تعيد إلي توازني ، توقف نزيف الدم الهتطل من شراييني .
إنها الثانية والنصف . لم تأت بسمة ، ومع ذلك تركت الباب مفتوحا ، لا أحتمل إلى أن أفتح لها ، ثم إنني أريدها أن تجد بابي وصدري مشرعين لها . بابي المغبر القذر العتيق المسويس ـ، وصدري المنخور المشروخ المتصدع . طز ! ماذا يعنيان أمام صدرها المتدفق بخصب الحياة ؟ سألتني ذات يوم بهمس ( لماذا تتأوه إلى هذا الحد وأنت تلقي رأسك على صدري ؟) فهمست ( كلما ألقيت رأسي على صدرك أحسست بالحياة تدب في جسدي الميت ، إنني أتلذذ بطعم الحياة ونعمة الله ) !!فكت ما بقي مشبوكا من أزرار قميصها وألقمتني نهدها وطوقت رأسي بذراعيها وراحت تضمني إليها ، فرحت أغرق أغرق ... ، أو لأقل رحت أحيا أحيا بعد موتي .
سمعت وقع خطوات تصعد الدرج . أرهفت السمع . هي حتما ! اقتربت الخطوات من مدخل البيت ، توقفت أنفاسي وعيناي تحملقان نحو الباب . امتدت يد سمراء لتجتاز العتبة وتطرق الباب المفتوح . ( تفضلي ) !!
وشاهدت طبقا من اللحم يسبق حامله . ( اللعنة ، إنه ابن اللحام ) !
( يقول لك بابا إنه لم يستطع تأمين أكثر من كيلو لحمه هذا اليوم ، غدا سيبعث لك بالكيلو الآخر . )
( طيب عمو طيب. شكرا )
ثمة خطوات أخرى تصعد الدرج . تحفزت ثانية . تجاوزت الخطوات المدخل نحو السطوح . لا شك أنها إحدى الجارات ، وقد صعدت لتنشر غسيلها . غرقت في حالة من الهذيان الصامت . ما أسميه ( هاجس فنائي ) يدفعني نحو صبرا ، وما أسميه ( هاجس بقائي ) يدفعني نحو بسمة ، ولم أشعر إلا ويد تمتد لتطرق الباب .. هزم هاجس فنائي شر هزيمة . فقد غابت صبرا تماما من مخيلتي وحلت بسمة بكل عنفوان شبابها وخصب الحياة فيها . ( أدخل ) !! وشاهدت طبقا ثانيا من اللحم يجتاز الباب ( يا رب هل سأجن هذا اليوم ) ؟
( يقول لك أبي أنه دبر لك كيلو من لحمة البيت )
( طيب طيب طيب عمو شكرا )
كم هو حقير هاجس فنائي هذا .. أحس بنشوة النصر فراح يطبق على روحي ويضغط على جسدي .. لم يكن امامي إلا أن أسترخي وأستحث هاجس بقائي على المقاومة ...
تجاوزت الساعة الثالثة وأنا أحدق إلى كومتي اللحم أمامي ، وعبثا أحاول أن أعيد إلى جسدي شيئا من توازنه ، وإلى روحي الميته دفقة من حياة ، وإلى أعصابي المتلفة قليلا من التماسك .
لا بد لي من تناول الطعام ..لأنهض .. أوقفت جسدي المتهالك .. دخلت المطبخ وأنا مشتت الذهن .. لم أعد أعرف مكان الأشياء . ولم اعد قادرا على جمع أفكاري للتمييز بينها .. أفتح البراد ولا أعرف لماذا فتحته .
أمد يدي إلى رف المطبخ وأنسى لماذا مددتها ، فتظل معلقة في الهواء .
ارتكبت حماقات كثيرة .. وضعت سكرا على الشرحات بدلا من الملح .. بينما وضعت كمية هائلة من الملح على السلطة والبطاطا .. أضفت إلى السلطة تشكيلة من البهارات لم أضفها إليها في حياتي . شطة ، فلفل أسود ، بهارات مشكلة ، نعنع ناشف ، قرفة مطحونة ، كمون ، سماك ، كاري !! كانت سلطة فانتازية . غسلت الشرحات بالماء وأعدت تمليحها .
تنبهت إلى أنني حضرت طعاما لي ولبسمة . ولماذا لا .؟ ستأتي حتما ! حضرت لها صحنا وشوكة ، وملأت كأسها بالبيرة ، وخلتها تجلس معي ، حتى أنني قرعت كأسي بكأسها !!
لأنتظر قليلا . لا . لآكل على مهل . ( بصحتك ) نسيت أن أملا صحنك . أللعنة على أبي ـ، أبي الذي كان يمتص الذبابة عندما تقع في صحن اللبن أو كأس الشاي ، حتى لا يذهب ما علق بها سدى . أبي الذي قتل أحد إخوتي ، أبي الذي حاول قتلي أكثر من مرة ، لكن غريزة بقائي كانت تدفعني دائما إلى الإفلات من هراوة فأسه المشرعة ، أو تجعلها تقع على كتفي ، أو اي موضع آخر في جسدي .. أبي الذي جعلني أنزح من الضفة قبل أن ينزح منها أي فلسطيني آخر !!
( كلي يا بسمة ، كلي يا حياتي ، آسف لكمية الملح المرعبة ، للسلطة الفانتازية العجيبة )
يبدو أنني شبعت . تنبهت إلى أن صحن بسمة ما يزال على حاله .، وكأسها تطفح بالبيرة .
أللعنة ! إذن هي لم تأت ، والساعة تجاوزت الخامسة ، رباه لقد بات الأمل في قدومها ضئيلا جدا . آه يا أمي التي كان ابي يضربها أربع مرات في اليوم ! آه يا أمي التي لم أرها منذ ستة عشر عاما ، يا أمي التي ماتت دون أن أراها ، ودون أن تراني .. آه يا قطيعنا الذي كنت أرعاك .. آه يا جبال القدس التي عشت على بطاحك أول فرحي وشقائي .. آه يا حياة يا أول حب في الكبر !!يا أول بسمة في حياتي !! لماذا تقفزين إلى مخيلتي الآن وفي هذه اللحظات التعسة بالذات ؟! أين أنت الآن ؟ في القدس ؟ آه يا حياة ، هل ثمة ما هو أجمل من أن يكون الإنسان في القدس ؟ لا بد انك احببت غيري .. شيء طبيعي أن تحبي غيري .. وحتما تزوجت وأنجبت أطفالا كثيرين ، مثلما أحببت وتزوجت ، لكنني لم أنجب إلا طفلين لقصر يدي ، أو لعوزي ، أنت لا تعرفين ما معنى أن يعيل المرء طفلين وأمهما في الشتات ، يعتقد في كل لحظة أنهما سيموتان جوعا ذات يوم ، أو يتحولان إلىى متسكعين ، أو يقتلان في صبرا ، وما أكثر صبرا في حياتنا يا حياة .
حياة ؟!لن أنساك ما حييت ، سأتذكرك وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة . أعرف أنك غاضبة مني ، وأعرف انك انتظرتني لأيام وشهور وسنين .. لكن لم يكن الأمر بيدي .. والله لم يكن ... وهذا البيت الذي كنت أقذف لك بقبلاتي من شرفته ، كان مخبأ أو بيت أمن كما نسميه في التنظيم . لقد كنت فدائيا يا حياة ، لا أحمل هوية الكيان ، عدا أنني مطارد من عسكر الإحتلال ، وعسس الإحتلال ومخابرات وجواسيس ... فكيف أقول لك ذلك ، ثم كيف القاك ، وإلى أين سأتبعك ؟! أعرف أنك سئمت قذف القبل عبر الشرفات ، وأنت تحتارين في أمري ، لا تدرين ماذا أعمل ، وتظنين أنني تخليت عن كل شيء في حياتي ، إلا عن الجلوس في الشرفة ، لأرقبك ، وأختلس
إليك قذف القبل ... وجن جنونك .. أذكر عندما جن جنو... فارتديت ملابسك وحملت حقيبة يدك ، وأومأت لي من الشرفة أن أتبعك ، فأومأت لك بكل خلجة في جسدي أن لا تنزلي ، لأنني لا أستطيع أن أتبعك ، ليس في مقدوري النزول إلى القدس حتى من جبل الزيتون ! لكنك لم تصدقيني ، ونزلت لتقفي أمام البناية وتحدجيني بنظرات كلها إصرار ، وتومئي لي أن أتبعك ، وأنه ينبغي علي أن أتبع... فتبعتك !! قلت لعلني أستطيع الإقتراب منها لأقول لها شيئا من الحقيقة ، لكني لم أستطع الإقتراب منك ، فكل عيون أبناء جبل الزيتون كانت ترقب سواد عينيك الواسعتين ، جمال قوامك الصاخب بالعنفوان ، وأنت تحثين خطاك نحو موقف الباص ، دون أن تلتفتي خلفك .
تبعتك إلى موقف البا... وشاهدتك تصعدين إلى الباص من الباب الأمامي ، وعندما أيقنت أنني لم اصعد ، هرعت نحو الزجاج الخلفي ، شاهدت وجهك وهو ينضغط خلف الزجاج ، انكسار أنفك ، جحوظ عينيك ، ومئات التساؤلات الحائرة .. وأنا أحتضن رأسي براحتي يدي وأحاول أن أعبر لك ، أن أفهمك ، بعيني، بشفتي ، باختلاجات وجهي ، أنني لا أستطيع أن أتبعك إلى القدس ، لنضيع في زحمة الناس ، ونهرب من أعين الفضوليين والعسكر المدججين بالسلاح ، ونختلي بنفسينا في زاوية ما ، ركن ما ..
أعرف أنك لم تفهمي التعابير التي كانت منطبعة على وجهي .. وانطلق الباص يا حياة ، ووجهك ما يزال منضغطا خلف الزجاج ، وعيناك تحدقان بدهشة وحيرة ورجاء . وظللت أرقب انضغاط وجهك ... إلى أن ابتعد الباص ، ولم أعد قادرا على رؤية وجهك .. وانعطف الباص واختفى لينحدر إلى القدس ...
غادرت المخبأ ذلك المساء لأسباب أمنية يا حياة ، وبعد قرابة شهرين غادرت الأرض المحتلة كلها .. وظل انضغاط وجهك خلف الزجاج ، انكسار أنفك ، آخر ذكرى لي فيها ـ، أجمل ذكرى لي فيها .. سامحيني يا حياة . يا من شاءت الظروف أن يظل حبها عذريا ـ، مع أنني أكره الحب العذري .. سامحيني ، ربما انتظرتني طويلا ، لستة عشر عاما .. لا غير معقول أن تفعليها ..جنون أن تفع ...
آه أين كنت ؟ أين أنا؟ أين بسمة ؟ كم الساعة الآن ؟ جرس الهاتف يرن .. آن لها أن تتصل .. غير ممكن أن لا ....!!

( هلو نعم ... رباه ! إنها كلير ... كل... القادمة من بلاد بلفور ! قاتلي بل.. ! المتخرجة حديثا من كامبريدج ..
كلير التي ما زالت بلادها بكرا أمامي ، وأرضها صخرية، عصية ، عذراء، يباس ... نعم ! تحدثي إلي بالعربية لأنني في حال لا تسمح لي باستيعاب كل ما ستتفوهين به بالإنكليزية )
- أنا مشتاقة لك .. متى سأراك ؟
- تشتاق لك العافية ! الآن إذا تشائين .
- لا الآن لا أستطيع ، فيما بعد ، أردت أن أطمئن عليك وأشكرك على العشاء الجميل !
- كلير إنني أشعر بوحدة قاتلة ، ألا تأتين لتنقذيني منها ، لن أطلب إليك سوى أن نجلس ونتحدث .
- آسفة يا محمود ، أنا مشغولة الآن ولدي موعد ، ربما في المساء إذا تمكنت ، باي !
- كما تشائين يا كلير ، باي .
تركت المائدة كما هي ونهضت أجرجر جسدي التالف ... التالف إلى حد لم يبلغه من قبل إلا ما ندر .
دخلت غرفة النوم . طرحت نفسي بطنا على السرير . لم أكن قادرا على أن استلقي بالعكس ، فقد كان هاجس فنائي يستفحل بي ، يضيق على روحي الهشة الخناق ، ويصرخ في دخيلتي بصوت مرعب :
( ليس في حياتك إلا حقيقة واحدة ثابتة لا تتغير ، إنها صبرا ، وكل ما تبقى عابر ، كذب ضلال هروب ، صبرا اختصار زمانك ، صبرا اختصار حياتك ، صبرا اختصار شقائك ، فاركن إليها ، اغرق في خضم حمئها الدموي ، كل الأشياء تجيء وتروح ، وتروح وتجيء إلا حقيقتك الثابته صبرا ! صبرا التي ترزح في أعماقك ، صبرا المعلقة في شرايين قلبك ، السارية في دماء جسدك ، الجاثمة في صلب دماغك .. صبرا اختصار موتك ، رمز مسافات العذابات فيك ، ليالي الحزن الطويلة في عينيك ، تكثيف لحجم القتل في روحك المتعبة ، فاركن إليها ، وانشر حزنك على الملأ ، واجعل دماءك تخضب حمأ البوادي ، وافقأ باصبعيك عيون القيادات القميئة ، واهتك بجرحك أستار التقدم الزائف ، والنضال الكاذب ، واشهر موتك راية للعصر الزنيم ، عصر البساطير السراويل العباءلت ، عصر القمامات ، عصر التيجان الملكية والجمهورية ، عصر الحماقات الشعبية ، والأحزاب الخنفسائية ، الثورات المتخمة ، ثورات الخيبة ، عصر ادعاء الإنتصارات البطولات الفروسية ، عصر الهزائم ، عصر الشعوب الذبيحة والأرواح القتيلة ... )
( لا لا !! ) كان هذا هاجس بقائي وقد راح يصارع خصمه صارخا ، وأنا أعتصر بقبضتي يدي المخدة التي ألقيت رأسي عليها في محاولة لمساعدة جسدي على تحمل آثار الصراع بين هذين النقيضين اللدودين اللذين راحا يتقاذفان الشتائم والصراخ في دخيلتي المتصدعة :
( لا بسمة ليست عابرة أيها الوغد القاتل ، وليست أكذوبة ، بسمة فيض الينابيع التي لا تنضب ، خصب دائم التدفق في مواجهة موتك ، بلسم الجراح التي تثخننا بها ، بسمة اختصار فرحنا ، سر بقائنا ، أمل المستقبل فينا ، النور الذي يضيء متاهات دروبنا ، أعماق نفوسنا ، بسمة نبض الحياة فينا ، ربيع أرواحنا الوردي ، غيث دائم الهطول ، ندى يحط على روابينا ، بسمة الحقيقة الأزلية الراسخة وليس موتك ، لكنها مكبلة بحظر التجول خارج البيت ، بالقوانين بالمحرمات ، محكومة بالإقامة الجبرية ، مشدودة إلى عذريتها وفارس الأوهام !!
بألف قيد وقيد كبلوها ، بألف حجر حجروها ، لكنها ستجد منفذا عبر حجورها وتأتي ، ستحطم كل قيودها يوما وتأتي ، ستهدم كل أسوار سجونها يوما وتأتي .. ستاتي في ظل السحاب ، مع المطر ، ستاتي في الندى ، مع الصدى ، من المدى ، مع أسراب اليمامات ، برفقة الطالبات ، في الإبتسامات ، في أريج الزهور ، مع الطيور ، من الحقول ، على أجنحة النسور ، مع الصباحات ، في المساءات ، عند قيلولة الجميلات ، في فرح العشاق ، ، ستأتي ستأتي ستأتي في كل الكائنات )
( لا لا !! إنني أصرخ بكل هزيم الرعود ، ليست المسألة في أن تأتي بسمة أو لا تأتي ، المسألة في حقيقتك ، حقيقتي ، حقيقتنا الوحيدة الراسخة : صبرا !! صبرا صبرا !!وليس أمامك ولا مفر لك إلا أن تركن إليها !!)
( لا ! لا ! ! جسدي لم يعد يحتمل . أنت أيها الفناء القاتل ، لو ان في مقدوري أن أنتزعك من أعماقي، لأقذف بك إلى الجحيم ، لو أستطيع أن أحطم سكاكينك التي تطعن في أحشائي .. ابتعد عني ، ابتعد ، اخرج من بطينتي ، إنك تقتلني أيها القاتل . .. رباه يا يسوع ، يا ابن مريم ، إنني أموت ، وجسدي المتصدع المشروخ عاجز عن المقاومة .. أين الحبوب المنومة ؟ أحتاج إلى كمية كبيرة من الحبوب.... ثم اين سدادات الأذن ؟ أحتاج إلى ثلاث سدادات لكل أذن ! لا أريد أن أسمع شيئا من خارجي ، ولا أريد أن أسمع شيئا من داخلي ، ولأدفن جسدي في السرير ، لأدفن نفسي ، لأدفن .. لأدفن ... )
نهاية قصة جسدي ...

محمود شاهين
05-02-2007, 06:45 PM
نصك الرائع هذا الذي اميل الى تصنيفه كقصة قصيرة يحوي الكثير من مفاتيح شخصيتك .. هواجسك واحلامك .. وحدتك القاتلة وصخب اللقاءات المتناثرة بين جحائم صبرا الساكنة باعمق غور بالذاكرة المتعبة .. المرأة .. الجنس المقدس والشهوة الصوفية .. الضجر من الذات والحال قبل ان يكون من الآخرين .. الذكريات المعذبة والمتلاطمة والتي تؤدي الى بعضها البعض وكأنها زخات من مطر تنزلق بغير ارادة بجوف تلافيف نفق مظلم يسكن العقل والروح .. الرغبة في الامساك بلحظة واحدة حية ودافئة من بين سيال الموات والجماد المتلاطم بصخور ازمنتك المتقطعة الاوصال واللاهثة وراء فنائها ..
كان هذا هو استقرائي كوعي حائر ايضا جرب كثيرا قسوة التشتت بدوامات الامل الغائب .. وهو رجع صدى على خلفية من تشظي باقواس قزح لم تنطفيء بعد من مخيلتي الرمادية ..
اما من خلال ذلك الكائن الطفيلي الذي يقتات فقط على دماء الابداع والمبدعين .. النقد ..
جاء نصك الرقراق في صدقه وانسيابيته الواقعية تأكيدا على صلاحية ان يكون اليومي والمعاش موضوعا للأدب وبامتياز .. رغباتنا الصغيرة الخاصة .. واحيانا التافهة بنظر البعض .. هي نهاية العالم بالنسبة لنا او بداية تشكله ..
بدأت من عذابات الذاكرة .. وانتهيت ايضا اليها .. وما بين الالف والياء الكثير والكثير من اوراق الخريف المتساقطة بفعل تناقض هبوب رياح الصبا والشباب الغض ..
مقطع جميل لا استطيع مقاومة اغراء اقتباسه :
سألتني ذات يوم بهمس ( لماذا تتأوه إلى هذا الحد وأنت تلقي رأسك على صدري ؟) فهمست ( كلما ألقيت رأسي على صدرك أحسست بالحياة تدب في جسدي الميت ، إنني أتلذذ بطعم الحياة ونعمة الله ) !!فكت ما بقي مشبوكا من أزرار قميصها وألقمتني نهدها وطوقت رأسي بذراعيها وراحت تضمني إليها ، فرحت أغرق أغرق ... ، أو لأقل رحت أحيا أحيا بعد موتي .

هنا يستحيل الجسد الى حياة .. والاشتهاء الى رغبة فيها .. شعورنا بالحياة ووجودنا بها هو لذتنا السحرية التي لا نمل من البحث عنها معلقة بالحلمات الوردية او بمنابع الاسرار الهشة تسكن بين فخذي امرأة !
ذروة لقائنا هي دليل حي لايقبل التشكيك او الجدل حول بقائنا على قيد الحياة بالمشاركة والفعل ..
لكنها صبرا .. ذلك السواد يلطخ الذاكرة ويلفح الروح بذكريات الجحيم المؤجل ..
وهل كانت ( حياة ) تلك النظرة الجاحظة الدهشى من وراء زجاج باص ينطلق هاربا الى القدس الا صبرا ذاتها
صبرا بكل عذاباتها وخيبة الامل واتصال الحنين بالالم .. الحب بالعذاب ..
هل صبرا هي جحيمك المقيم .. بينما بسمة هي جنتك الهاربة .. ربما !
السخرية ايضا تبدو واضحة في الكثير من ارجاء النص .. السخرية من الذات في الاساس .. من الحياة الهشة القلقة التي رغما عن ثرائها تتعلق بطلة جسد انثوى يلوح من النافذة الخشبية التي سبقت صاحبها في الضجر ..
هل ستخبرها يوما النافذة عن ارتعاشة مرفقيك المستندة في تشبث محموم كغريق يبحث عن قشته !
هل سيخبرها الجدار القاسي عندما صفعك بعبثية الاختباء .. بان ما يخبئه وراءه هو هواجسك انت !
هل سيروي لها العفن الذي بدأ يزحف على صحنها المهجور بانها كثيرا تأخرت .. وانها بالغت في الغياب !
من اكثر الاشياء التي تدعم الشعور القاسي بالوحدة هو التحديق برقعة شطرنج احادية التواجد !
هل اغرى غياب منافسك صبرا كي تخرج من جحيمها العدمي لتطل برأسها من قبور الذاكرة وتلاعبك .. مونولوج قاس ختامي تصدرت فيه المشهد .. تركتك بسمة الحياة لتواجه وحدك بذور فنائك .. تركتك كجثة منسية بين سخافات الاحلام لتنطمر .. فهل ستأتي يوما لتحط كزهرة بنفسجية على شاهد القبر !

( بقلم سيزيف.. شاعر وصحافي مصري)
نقلا عن منتدى الملحدين العرب

محمود شاهين
05-02-2007, 08:20 PM
عزيزي سيزيف
لقد تناولت بكلماتك المعبرة جميع مفاصل القصة لهذا الإنسان الذي هو أنا والذي يتنازعه أمران أساسيان : نزوع البقاء المتمثل في المرأة (بسمة ) ونزوع الفناء المتمثل في المجازر ( صبرا ) وحتى في الموت نفسه . وهذا ما يحياه ليس الفلسطيني وحده بل الناس جميعا ..
بضع ساعات من صراع رهيب تجسده وقائع عادية جدا ، بعكس معظم قصصي التي يندمج فيها الواقع بالخيال بالأحداث الخارقة والأسطورية .
في القصة أتحدث عن نفسي وليس فيها أي شيء من الخيال على الإطلاق .. وبسمة فتاة أحببتها ذات يوم ..
النهاية في القصة التي يقرر فيها البطل أن يغلق أذنيه بسدادات الأذن لعله لا يسمع شيئا من خارجه وما تعج به دخيلته . ليس في الحقيقة إلا مجرد محاولة للخلود إلى الراحة القسرية ، وليست نهاية المطاف ، فقط نسيان الأمر إلى حين . فهو في صراعه مع ما يسميه هاجس فنائه يؤكد أن بسمة ستأتي وإن تأخرت :
( ، ستحطم كل قيودها يوما وتأتي ، ستهدم كل أسوار سجونها يوما وتأتي .. ستاتي في ظل السحاب ، مع المطر ، ستاتي في الندى ، مع الصدى ، من المدى ، مع أسراب اليمامات ، برفقة الطالبات ، في الإبتسامات ، في أريج الزهور ، مع الطيور ، من الحقول ، على أجنحة النسور ، مع الصباحات ، في المساءات ، عند قيلولة الجميلات ، في فرح العشاق ، ، ستأتي ستأتي ستأتي في كل الكائنات )
إذن ستحطم كل القيود التي تكبلها وتأتي ..
.. قيود بسمة ليست كقيود حياة .. فالأخيرة يضاف إلى قيودها قيد الإحتلال .. وهي أيضا قصة حقيقية عشتها خلال وجودي في القدس عام 1970 كمقاتل.
وإذا ما خرجنا عن القصة إلى الواقع . سأقول لم تتمكن بسمة من القدوم إلا بعد أن كتبت القصة ونشرتها في الأسبوع الأدبي .. وهي لم تكن قد رأتها .وأول شيء فعلته أنني اعطيتها القصة لتقرأها .. راحت تقرأ وما لبثت أن شرعت في البكاء .
كان اللقاء الأخير .. لأنها أحبت وستتزوج ولهذا كان تأخرها ، وجاءت رغم أنها أحبت .
إذن ورغم كل العوائق جاءت بسمة .. أما حياة فكان مجرد لقائها في ظل الإحتلال وضمن ظروفي كمقاتل سري .. مستحيلا ..ولا أظن أنني سألقاها يوما .

ليلى البلوشي
06-02-2007, 06:17 PM
[b:cf8f1c29a7][color=indigo:cf8f1c29a7]سأقرأ القصص على مهل وستكون لي عودة أخرى .. [/color:cf8f1c29a7][/b:cf8f1c29a7]

محمود شاهين
07-02-2007, 07:51 PM
[quote:a6661c7e88="ليلى البلوشي"][b:a6661c7e88][color=indigo:a6661c7e88]سأقرأ القصص على مهل وستكون لي عودة أخرى .. [/color:a6661c7e88][/b:a6661c7e88][/quote:a6661c7e88]
جزيل شكري عزيزتي ليلى .. وأنا في الإنتظار .

محمود شاهين
09-02-2007, 07:12 PM
مسك وعنبر وفيض مقدس !!
من المسائل غير المعقدة ( وربما المعقدة ، فأنا وللحق أشعر أنني بدأت أفقد المقدرة على التمييز بين المعقد وغير المعقد ) فالشيخ صابر لم يشم في حياته لا رائحة المسك ولا رائحة العنبر ، لندرة هذين النوعين من الطيب ، وصعوبة الحصول على مادتيهما الأساسيتين ، فالأول ( أي المسك ) وحسب ما يعرفه لنا المعجم الوسيط : ( ضرب من الطيب يتخذ من ضرب من الغزلان ) والثاني ( مادة صلبة لا طعم لها ولا ريح إلا إذا سحقت أو أحرقت ) ويقال أنه روث دابة بحرية ، قد تكون الحوت ! فمن أين تسنى للشيخ صابر أن يعرف أو يميز رائحتيهما ؟
على أية حال سنتجاوز مصاعب الحصول على هذين النوعين من الطيب ، ونفترض قسرا أن الشيخ صابر ممن تضمخوا ذات يوم بالمسك أو العنبر ، أو الإثنين معا ، إذ أن المشكلة الكبيرة والمعقدة للغاية ، ليست في أن يعرف الشيخ أو لا يعرف ، أو أن يميز أو لا يميز ، المشكلة في أن يشبه الشيخ رائحة ضراط الأعجف برائحة المسك والعنبر !! لاحظوا رائحة المسك والعنبر معا ، ولو أنه اكتفى برائحة واحدة لما عقد المسألة إلى هذا الحد .، وربما لما كانت معقدة إطلاقا ، غير أنه وبإطلاق هذا التشبيه على الضراط الأعجفي فتح بابا لم يكن من السهل على الحضور إغلاقه ، أو حتى العبور منه ..
لنطرق الواقعة من أولها :
كان الشيخ والساعد الأول وبعض (السواعد ) المقربين جدا يجلسون في حضرة الأعجف بكل مهابته . ومهابته هذه تعني أن الجلسة لم تكن جلسة عادية ، فهي أقرب إلى المكوث بين يدي أكبر وأعظم الآلهة طرا ، لكن ليس كما صوره علم الكلام المعتزلي ، أو محي الدين بن عربي ، أو حتى الأشعري والغزالي ، بل كما تتصوره مخيلة الأعجف . ، ومخيلة الشيخ صابر ، وكان في المستطاع أن تفض الجلسة دون أن تخرج عن حدود الطقس أو البروتوكول ، فوق العادي ، لو لم يضرط الأعجف ، فتحول ضرطته تلك الجلسة إلى الطور الخارق ، أو فوق فوق العادي ، إذ من التجني السافر والإجحاف المطلق بحق المتصوفة ، القول بأنها
تحولت إلى نوع من التصوف الروحي في حضرة تجل إلهي !!
كان كل شيء اقرب إلى الطقس العادي ، عندما مد الأعجف يده ليأخذ سيجارة من علبة السيجار التي أمامه على طاولة المكتب ، فامتدت عشر أيد بعشر ولاعات لتشعل له سيجاره ، عشر أيد وعشر ولاعات مع أن الموجودين كانوا تسعة فقط . وهذا يعني أن أحد الموجودين ( وهو الشيخ صابر قطعا ) مد يديه الإثنتين وبولاعتين !! وهو في الحقيقة كان يحرص على أن يحمل ولاعتين كلما ارتبط بموعد مع أحد قيادات القبائل الكثيرة والمتعددة ! يضع إحداها في جيبه اليمنى ويضع الأخرى في الجيب اليسرى ، وما أن يشاهد القائد يهم بإخراج سيجارة ، حتى يدخل يديه في جيبيه ويخرج الولاعتين ، ويمد يديه وهو يشعلهما معا ، فإذا ما عاكسته واحدة تقدم بالأخرى ، وإذا ما أشعلت الإثنتان ، فإنه يطفىء التي باليد اليسرى ويعيدها إلى جيبه .
لم يكن الأعجف قد أخذ سيجاره بعد عندما امتدت إليه الأيدي العشر بولاعاتها المشتعلة ( فقد حرص الشيخ على غير عادته أن يبقي على الولاعتين مشتعلتين ، لعله يحظى بشرف إشعال سيجار الأعجف ) وحقا حظي ، فقد أخذ السواعد الآخرون يعودون إلى مقاعدهم حين أدركوا أن ولاعتي الشيخ كانتا الأسرع إلى المبادرة والإقتراب من وجه الأعجف ، ثم إنهم أكدوا ولاءهم المطلق ، ورغبتهم العارمة في نيل شرف إشعال السيجار الأعجفي ، بنهوضهم وتقدمهم وإشعال ولا عاتهم !!
ابتسم الأعجف حين تنبه إلى الشيخ يمد يديه بولاعتين . هتف ( قبل أن يضع السيجار في فمه ) :
( أنت داهية يا شيخ ، بوجودك لا يمكن لأحد أن يسبق لللإشعال لي )
هتف الشيخ وقد نفد صبره من إبقاء الولاعتين مشتعلتين :
( إنه لأكبر شرف لي أن اكون دائما السباق إلى إشعال سيجاركم الطاهر ، وإنه لشرف أعظم لو أنكم تتيحون لي أن أبقى دائما في حضرة عظمتكم لأشعل لكم )
وضع الأعجف السيجار في فمه ، فيما كان الشيخ يطفىء الولاعة التي بيده اليسرى ويتقدم بالتي بيده اليمنى . وهنا بالضبط حدث الضرط التاريخي المهول ، فقد ارتأى الأعجف أن يرفع مؤخرته مليمترات عن الكرسي ليقرب رأسه من ولاعة الشيخ ، وليتيح للضراط الذي كان يضغط على بطنه - بعد تناول كميات متنوعة ومرعبة من الطعام – أن يتسرب من دبره .وهو وللحق كان يظن ان الضراط سيخرج عالهدى ( أي دون صوت ) ودون ان يثير رائحة كريهة للغاية . لكن ما جرى كان تاريخيا حقا ، ففي اللحظة التي رفع فيها الأعجف مؤخرته وهو يتكىء بمرفقه الأيسر فوق طاولة المكتب ، ويأخذ نفسا لإشعال السيجار ، انفلت صمام دبره مرة واحدة ليندفع منه ضرط مهول دوى في أرجاء حجرة المكتب ! نقز الأعجف وأطبق بمؤخرته على الكرسي في محاولة للحد من اندفاع أي انفجار آخر . ونظرا لأنه لم يكن يعرف أن ضراطه ( فيض مقدس ) حتى حينه ، فقد أحس بالخجل وسارع إلى الإعتذار ، فيما كان الصمت المطبق يلف وجوه السواعد ، والشيخ صابر الذي بقي واقفا دون حراك منتظرا مرور الفيض المقدس الذي قطع إشعال السيجار قبل أن يكتمل :
( آسف يا جماعة .. أشعر بمغص في معدتي ) !!
وهنا انبرى الشيخ صابر إلى القول ، بعد أن دار بوجهه بسرعة على الحضور :
( تتأسفون عظمتكم وأنتم تغمروننا بفيض بركتكم المقدس وقد حل علينا ) ؟!
وكانت الرائحة الكريهة للغاية قد أخذت تنتشر في فناء الحجرة ، رائحة ثوم وفجل وما شابه وقد تخمرت في معدة الأعجف ، ومرت عبر امعائه ، فغدت لا تطاق .
استدرك الشيخ قائلا :
( إنني اشتم فيه رائحة المسك والعنبر أيها الأخ الأكبر والقائد الأعظم )
وهنا ثنى الساعد الأول على ما قاله الشيخ :
( فعلا أيها العليم البصير إن لفيض بركتكم المقدس رائحة المسك والعنبر 11)
وانفتح الباب الذي لم يعرف السواعد الآخرون كيف سيدخلون منه أو يغلقونه ، لا لجهلهم بالأطايب والعطور فحسب ، بل لاعتقادهم أن أي نعت لن يرقى إلى ما تفوه به الشيخ ، ومع ذلك لم يجدوا إلا أن يضيفوا ما هب ودب على السنتهم على وصف الضرط التاريخي :
أضاف الساعد الثاني مكملا :
( بل والياسمين والنسرين ، المسك والعنبر والياسمين والنسرين )
وأضاف الثالث :
( والفل والنرجس والزنبق والقرنفل )
وراح الآخرون يعتصرون أدمغتهم ليخرجوا بأي تشبيه ، وحين وصل الدور إلى السابع كان ابن الكلب قد فطن إلى أطايب عجيبة ، فهتف :
( بل والند والنردن والنارنج ) وبهذا قطع الطريق تماما على الساعد الثامن ، فلم يجد إلا أن يقول ( بل روائع الأطايب والعطور كلها ، كلها مجتمعة أيها الثائر الأكبر)
ولحظتئذ فقط ، أدرك الأعجف أن ضرطه كان مقدسا وتاريخيا وجامعا لكل أنواع الأطايب والعطور ، فأطلق العنان لمؤخرته .
والحمد للذي يمكن أن يستحق الحمد ،أن الشيخ صابر لم يسمع بابن عربي والشيرازي والمتصوفة أجمعين ، ولم يعرف عن فلسفتهم شيئا ، وإلا لرأى في الضرط أحد أشكال التجليات الآلهية الأعجفيه باعتباره ( الضرط ) خاضعا لوحدة الوجود الإلهي الأعجفي ، ومع ذلك فإن رؤيته للضرط وتفسيره له ، لم يبتعدا كثيرا عن هذه النظرة .
المشكلة أن المسالة لم تتوقف عند حدود تشبيه رائحة ضراط الأعجف برائحة المسك والعنبر ، فقد تجاوزت ذلك إلى اعتبار برازه لؤلؤا منثورا ، ليغدو الضراط والبراز الأعجفيان – فيما بعد – حقيقة مقدسة ثابته لا يرقى إليها الشك الجماهيري !!
الذي لا يصدق ( وربما يصدق باعتبار الصدق اختلط بالكذب إلى حد يستحيل معه الفصل بينهما ) هو ان الأعجف نفسه – وهذا ليس غريبا عليه – بات بعد الواقعة وما دار حولها من تقولات ومبالغات وخرافات غير معقولة ، يشتم في ضراطه رائحة الطيب ويرى في برازه اللؤلؤ المنثور !!
1987
صدرت ضمن مجموعة (موتي وقط لوسيان ) عن وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله عام 1999

محمود شاهين
23-02-2007, 10:39 PM
يعني باختصار ما فاضي أنضد لكم قصة جديدة ، قلت حلها يا ولد ، بدنا نرجع الشريط للأول ،
وهيك حليناها ! لأمنه ! سامحونا !!

محمود شقير
24-02-2007, 12:34 PM
بعد سنوات عديدة من قراءتي لقصة "العبد سعيد" عدت لقراءتها اليوم، فوجدتها ما زالت محتفظة بألقها وجمالها، بسبب ما فيها من عمق في تشخيص حالة العبد سعيد، هذه الشخصية الإنسانية المليئة بالقوة وبتفجر الحياة في أعماقها، ومع ذلك فقد كانت السلطة الغاشمة قادرة على قتل حيوية هذه الشخصية الإنسانية مرتين. السرد على لسان المرأة أكسب القصة جمالاً، فبدت كأنها حكاية لا يمل أحد سماعها. وبدت الأحداث منطلقة من لحظة سرد المرأة للقصة إلى لحظة انتهائها منها، و بدا زمن القصة من الناحية الفنية محصوراً في زمن سرد الحكاية، فيما امتدت أحداث الحكاية في الزمن لفترة طويلة. وتلك مهارة في بناء القصة وفي لملمة أحداثها. اللغة جميلة والوصف مشخص إلى حد لا مزيد عليه/ دمت وسلمت مبدعاً متألقاً.

محمود شاهين
26-02-2007, 07:55 PM
[quote:c991c5e4c7="محمود شقير"]بعد سنوات عديدة من قراءتي لقصة "العبد سعيد" عدت لقراءتها اليوم، فوجدتها ما زالت محتفظة بألقها وجمالها، بسبب ما فيها من عمق في تشخيص حالة العبد سعيد، هذه الشخصية الإنسانية المليئة بالقوة وبتفجر الحياة في أعماقها، ومع ذلك فقد كانت السلطة الغاشمة قادرة على قتل حيوية هذه الشخصية الإنسانية مرتين. السرد على لسان المرأة أكسب القصة جمالاً، فبدت كأنها حكاية لا يمل أحد سماعها. وبدت الأحداث منطلقة من لحظة سرد المرأة للقصة إلى لحظة انتهائها منها، و بدا زمن القصة من الناحية الفنية محصوراً في زمن سرد الحكاية، فيما امتدت أحداث الحكاية في الزمن لفترة طويلة. وتلك مهارة في بناء القصة وفي لملمة أحداثها. اللغة جميلة والوصف مشخص إلى حد لا مزيد عليه/ دمت وسلمت مبدعاً متألقاً.[/quote:c991c5e4c7]
عزيزي محمود
رأي أفتخر وأعتز به .. خاصة وأنا المتلمذ على (خبز الآخرين ) مجموعتك القصصية الأولى
وغيرها من القصص
جزيل شكري
دمت مبدعا

محمود شقير
04-03-2007, 08:36 AM
الكاتب الفنان التشكيلي محمود شاهين

يسعد صباحك وأنت الآن بين لوحاتك في مقهاك الدمشقي.

أعدت قراءة قصة "مسك وعنبر.." وضحكت، وتذكرت مثلنا الشعبي "هم يبكّي وهم يضحّك" ولاحظت مقدار ما في القصة من سخرية ومن مسخ لشخصية المنافق وصحبه الآخرين، كما لاحظت مقدار ما في القصة من تحقير لشخصية الأعجف المغرور. لعبة السرد كانت متقنة إلى حد كبير، ولغة السرد كانت منسجمة مع مضمون القصة الهزلي الساخر الذي يكشف بعض ما في مجتمعنا التقليدي من خواء وبؤس/ دمت وسلمت.

محمود شاهين
04-03-2007, 08:18 PM
جزيل شكري عزيزي محمود .
الحقيقة القصة ليست أكثر من مشهد من الجزء الثاني من رواية (الأرض المغتصبة ) التي رفض اتحاد الكتاب هنا الموافقة على نشرها . ولم أحاول نشرها في مكان آخر ، وأظن أنني سأعيد كتابة بعض الفصول فيها إذا ما قررت نشرها بعد تسعة عشر عاما من كتابتها .
دمت عزيزي

محمود شاهين
13-03-2007, 11:22 PM
( الخطار )
صدرت عن دار القدس.. بيروت .. 1979
ضمن مجموعة تحمل عنوان ( نار البراءة )
(1)
هاهي أول قافلة للخطار تطل من بعيد عبر التلال ... انفردت أسارير وجه عائشة العلان وهي تصالب يديها على صدرها وتتكور على نفسها فوق قمة الجبل ، لتجابه القشعريرة التي اجتاحت جسمها من جراء نسيم الصباح ..
< متى تقطع القافلة كل تلك الشعاب والتلال ، وتصعد منعرجات جبل المنطار ، وتصل إليها ، لترى فيما إذا كان ابنها معها ؟! >
تخيلت نفسها بجناحين وطارت ... < حلقت فوق القافلة ، شاهدت ابنها يسوق الحمير
وقد حملها بأكياس الملح .. رفرفت بجناحيها فوقه ، حطت عليه ، ضمته ، قبلته ، حملته وحلقت به >
أطلت الشمس من خلف جبال البحر الميت ، تأملت عائشة كل الجهات المشرفة عليها ؛ ها هو البحر المالح يركد شرقا بين سلسلتين من عشرات الجبال . أدارت وجهها إلى الجنوب : ترامت على مدى نظرها جبال بيت لحم ومناطقها ، ثم إلى الغرب حيث القدس ورام ألله ، بدا لها الندى وهو يطير عن قمة جبل الزيتون ، فجبل المكبر .. ابتعدت ببصرها نحو الشمال لتشاهد عشرات القرى ... وراحت تقصر نظرها شيئا فشيئا لتجوب المراعي والجبال .. عشرات الرعاة يخرجون بقطعانهم من العزب والصير.. نظرت إلى الشرق من جديد .. ، ها هي القافلة تقدم عبر التلال
وها هي عشرات القوافل تطل من ورائها .
أخرجت جزة الصوف من الصرة الموضوعة إلى جانبها ، لفتها حول ذراعها وأخذت تغزل ، ثم عادت إلى شرودها .
(2)
< قلت له يا ولدي أنت صغير والملح لا يخطر إليه قبل سن الشباب ، لا تدعني أنتظر على الدروب اسأل عن عيونك ، غدا يا ولدي تكبر ويكبر اخوتك وتخطر مع الخطار ، بحر الملح يا ولدي ما وديك عليه ، تروح يا ولدي يشرق عدوك بمية البحر ،تنزل بجوفك ، تغرق يا ولدي ، وأنا ما أطيق فراقك يا روح أمك ، اخوتك ينتظرونك يا حسن يا بني ! صبرت يا ولدي على الذل وما هو أمر منه ، تحملت المهانه ، تعبت، شقيت ، كلت عيني وانهد حيلي ، لكن العمر في سبيلك وسبيل اخوانك يرخص يا ولدي .. >
< عشر سنين يا بني ، عشر سنين مرت على وفاة بيك في حرب النكبة ، كنتوا صغار يا حسن ، خبيتكم، ربيتكم ، منعت كل الشر عنكم داريتكم ، مثل حجلة تداري فراخها يا ولدي .. في الشتا أبيع البقول يا ابني ، وفي الصيف أنسج البسط للشيخ علي وأغزل ، تحملت الكثير يا ولدي ، أتحمل القليل حتى تصيروا رجال وتجوزوا ، وتدفنوني بإيديكم تحت التراب لما أموت يا بني .. >
< يا أمي يا أمي >
قلت له < لا تقاطعني يا بني خليني أكمل كلامي ألله يرضى عليك > سكت ! قلت له :< بحر الملح يمه ما تروح له > قال : < أنا افديك بعيوني يمه ما تقطعي قلبي بحياة تراب أبوي . قلت لك أنا ماني صغير ، أنا كبرت يمه ، أنا شاب وشبيت على يديك
اللتين لم تعرفا الكلل ، وكيف لا تريديني أن أخطر إلى الملح ؟ هل نسيت يا أمي عندما جئت البارحة وقلت لي : الشيخ علي هددنا ، يبغي ديونه، وإلا سيأخذ قطعة أرضنا الوحيدة التي رهناها عنده !
لا تحسبي يا أمي وما تخلي الهم يشغل بالك ، رطل الملح بقرشين ، أخطر كل خمسة أيام مرة ، أجيب مائة رطل ، لن ينتهي الصيف إلا وأنا جامع ديون الشيخ علي ، ونسترد قطعة أرضنا يا أمي !! <
قلت له < برضاي عليك يا ولدي ، أنا أرضى والله يرضى ، والسهل يرضى ، والسما ترضى ، لا تروح يا ولدي ، أخاف عليك يا حسن ، أخاف أنحرم من شوفة عيونك يا بني ، يغرق عدوك في البحر مثل الناس إلي غرقوا ، أو تقبض عليك دورية الفرسان يا بني ، أشق ثوبي ، أجن ، أدور على الدروب يا ولدي ، لا تخليني
أتحسر عليك يا بني كما اتحسرت على بيك واخوانك . برضاي عليك لا تخطر يا حسن ، ابق في المدرسة يا بني ، وليأخذ الشيخ علي قطعة الأرض ، وعوضنا في عين الله يا ولدي ، وإن شاء الله أن عينه ما تخيبنا وما تخطي عنا يا بني >
قال لي : يا أمي ، يا أمي ، قطعة الأرض لن أتخلى عنها بدمي ، وحياة تراب والدك المدفون وحده في البراري ، والمدرسة ما هو وقتها ، وعلى الملح يجب أن أخطر، واطردي كل أفكار السوء من راسك >
قلت له < روح يا ولدي عين الله تحرسك في كل خطوة تمشيها ، روح >
*********************
يتبع

محمود شاهين
13-03-2007, 11:25 PM
معذرة .. القصة التي بدأت بنشرها ، صدرت ضمن مجموعة تحمل العنوان نفسه ( الخطار )
وليس نار البراءة كما أشرت في البداية .
عوضنا في عين الله ،الكبر عبر ، إلهي يطول أعماركم ، ويطول بالكم على قصصي الطويلة
جدا !!

محمود شاهين
14-03-2007, 08:21 PM
سمعت أن علي الخطيب سيخطر إلى البحر .. ذهبت إليه في الخشة :
- يصبحك بالخير يا علي .
- الله يصبحك بأنوار النبي يا عايشة .
يا أخي حسن يريد أن يخطر مع الخطار إلى البحر ، خذه معك يا علي وأعره انتباهك ، الله يطول عمر اولادك ، ما يزال صغيرا يا علي ودروب الملح كلها مخاطر ، وعمره ما مشاها .
قال :
-ولا يهمك يا أختي ، والله لأحطه في عيني ، وإن شاء الله ما يصيرعليه إلا إلي يصير علي .
-يكثر خيرك يا علي ويستر على عيالك ربنا من فوق !
عدت إلى البيت . قال حسن <لا بد لي أن أحضر حمارا آخر ، حمارنا ما يقدر يشيل إشي>
راح .. استعار حمار من عند بيت عوده السلمى . قال لي < حضري لي زادي وزوادتي يا أمي >
رحت .. طليت في خم الجاج .. لقيت أربع بيضات ، سلقتهن ، وسلقت ست حبات بطاطا ، وحضرت أربع حبات بندوره ، وقليل من الزيتون ، وعشرة أرغفة خبز..
صريت له إياهن في منديلي.. حط راسه ونام ! قال : < صحيني قبل صيحة الديك يمه حتى ما أتأخر عن الخطار >
قمت علفت الحمارين ، وحطيت لهم قليلا من التبن . نيمت الأولاد .. ما أجا عيني نوم .. قعدت أغزل صوف لبيت الشيخ وأغني للأولاد . غنيت لحسن ووطفا ومحمد وندى .. ثم قمت قبلتهم وقعدت أتطلع عليهم وهم نايمين !! < يا حبيبيني ، تكبروا وتجوزوا وتخلفوا صبيان وبنات وتدفنوني بإيديكم يا حبايبي >
سمعت شبابة محمود ابو ردان في هالليل الهادي . حسيت إنه بجرح قلبي بعزفه ! يا ويلي عليه كم قلبه ملوع !! خلاني أتذكر كل الأيام الماضية : أبي الضرير الذي كنت أقوده وهو يستعطي ، وموته في تلال النبي موسى ، ودفنه هناك لوحده بين الوديان . الأب بطرس الطيب إلي رباني في الدير ! الأخت لويزا ! زواجي . وفاة طفلي البكر ، وطفلي الثاني ، ووفاة البنت . استشهاد زوجي في القسطل في الثمانية وأربعين .. تعبي وشقاي إلى أن ربيت الأولاد .
تطلعت إلى حسن . شعرت بالخوف . بكره سيخطر إلى بحر الملح < يا ولدي صغير ولا يعرف السباحة ، والبحر مرعب والملح تعب وشقاء وهو غير معتاد على السفر والتعب والمخاطر ، ماذا أفعل لأمنعه من هذه السفرة ، أخليه نائم وما أنبهه ؟!أخاف أن يغضب إذا قام ووجد انني فعلتها معه . يا رب أنت أدرى وأعلم بحالي ، وتعرف كم تعبت وشقيت ، حتى خليت أولادي شباب ، انا أضعهم امانة بين يديك يا ربي ، ونذر علي ، إذا رجع حسن من البحر سالم ، لأذبح لك كبش في النبي موسى - ولو أني سأستجدي ثمنه – وأوزع لحمه على الفقراء والمساكين .>
أحسست انه لن يغمض لي جفن وشبابة محمود أبو ردان جرحت قلبي ولوعتني وأثارت كل همومي . نزل علي وحي الشعر . رحت أغني ما يجول في راسي !!
أجاني حسن يا ليل مع بكرة الضحى
حامل شجرة البأس لاوي غصونها
شاكل اذيال الثوب ومشمر الزندين
شاد العزم والحيل لامه يصونها
قلي يمه عالبحر لا بد ما أخطر
لنخلص من الذل والشيوخ وديونها
قلت أخاف يا ولدي تروح وما تيجي
أحرم دخول الدار ويا سكونها
أخاف يا ولدي في البحر تغرق
أحرم عيوني النوم ويا جفونها
أخاف يا ولدي بيد الفرسان توقع
وسجون مظلمة عليك يقفلونها
للشيخ علي يا أمي نتخلى عن الأرض
وعين الله يا بني ما تقطع منونها
قلي يمه عالبحر لازم أخطر
والأرض يمه بدمي أصونها
قلت روح يا ولدي عين الله تحرسك
عين بصيرة وما تغفل بنونها
*************
أفاق حسن من النوم . قال لي :
- أنت تبكين يا أمي ؟
مسحت دموعي . قلت له :
- برضاي عليك يا ولدي لا تخطر إلى البحر .
غضب وثار .. قلت له :
- - كفى يا بني ، الله يرضى عليك ويحن عليك ، قوم صارت الدنيا نص الليل ، الآن ينادي عليك علي الخطيب .
قال لي :
- إنما لا أريد أن أسمعك تقولين ، ما تروح وما تيجي !
- لن اتكلم يا ولدي ، لقد تكلمت ما فيه الكفاية .
قام . أحضرت له كاسة شاي . تركته يشربها ورحت حلست الحمارين وحطيت عليهما خرجين وثلاثة أكياس. ملأت القربة الصغيرة ماء ووضعتها في جانب الخرج ، ووضعت في الجانب الثاني صرة الأكل ، وحطيت له شوية سكر وشاي وكيلتين وعلبة كبريت .
استيقظ محمد وندى ووطفا . اشوي وإلا علي الخطيب ينادي . قام حسن . قمت معه . قلت لمحمد < دير بالك على خواتك يمه على بين ما أودع اخوكم >
ساق الحمير قدامه . وصلنا علي الخطيب .. صبحنا عليه . قلت له :
- حسن وداعتك يا علي !
قال :
- الوداعة على الله يا عايشه ، إن شاء الله ما بيصير إلا الخير . روحي ارجعي لعند الصغار أحسن يخافوا لحالهم .
_ لا خوف عليهم يا علي ، أبقيتهم مستيقظين ، بدي أمشي معكم لوصلكم لباقي الخطار .
- الخطار بعيدين يا عايشه ، وين بدك تروحي معنا في هالليل ؟
- في أي مطرح ينتظروكم يا علي ؟
- في وادي المنطار.
- طيب خليني أمشي معكم اشوية وبرجع .
مشيت معهم . الدنيا ليل يا حسرتي . قلت :
- يا ريتكم استنيتوا لما يطلع القمر يا علي .
- القمر بطلع متأخر يا عايشة .
قال حسن :
- ارجعي يمه وين بدك رايحة معنا في هالليل ؟
قلت له :
- رايحة ارجع يمه بس وقف تبوسك !
وقف يا حبيبي . بوسته .. وبوسته !!
< في حفظ الله يا بني ، أودعتك للي ما يخون الودايع ، إلهي يفتح لك في كل ضيق طريق يا ولدي ، ويكف عين الظلام عنك ، ويعيدك بالسلامه يا بني . إذا مريت عن قبر جدك إقرأ عليه الفاتحة يا ولدي .. وداعتك حسن يا علي.>
- اتكلي على الله يا عايشه .
ركبوا الحمير وتسهلوا.. رجعت وأنا اناشد البحر أن يحفظ حسن ويرجعه لي سالما ، وتمنيت من الله أن يجفف ميته إذا غدر فيه !!
يتبع .

.

محمود شاهين
15-03-2007, 07:51 PM
(3)
وصلنا مكان التجمع . ما لقينا حدا . قال علي :
- خلينا ننزل عن الحمير يا حسن ونرتاح شوية على بين ما ييجوا الخطار .
نزلنا ...
- ايمتى نصل البحر يا علي ؟
- بكرة في الليل يا عمي !
- ابعيد هالكد ؟
-لا والله يا عمي ما هوه بعيد ، لكن ما فينا نمشي في النهار ، نخاف من دوريات الفرسان تشوفنا .
فكرت اشوي . قلت له :
- والله لا أعرف يا علي لمذا تمنع الدولة الناس أن يبيعوا الملح ؟
- لأنهم يظاربون على معمل الملح وعلى الملح المستورد من بلاد برا !!
- كيف يا علي ؟
- إحنا بنبيع الملح بسعر أرخص من سعر المعمل يا عمي .
- طيب ليش ما يغلقوا المعمل ما دام إحنا بنبيع الناس بسعر أرخص ؟ وكمان ما يستوردوا ، إحنا بنجيب ملح يكفي لكل البلد !
- ما بنفع يا عمي ، هاظا المعمل كلف مصاري كثير كيف يغلقوه ؟
- طيب وحنا كيف بدنل نعيش ؟
- إلي أرزق الدود في الصخر يا عمي يرزق الطير على الشجر !!
بدأ الخطار يصلون . تجمع أكثر من خمسين خطار من خطار بلدنا . إلي أجا بحمارين ولي أجا بثلاثه أو ببغل وحمارين ، والبعض أحضروا جمال !!
مشينا في هالليل . صعدنا جبل المنطار ونزلناه .. قطعنا تلال وجبال ووديان ،
إلى أن انحدرنا إلى واد سحيق . حسيت إنه علي خايف عليه كثير ، لأنه أصر عليه أن أركب الحمار وأمشي قدامه !
بدت قافلتنا تجنح إلى جنب واد بعد ما كانت تمشي في منتصفه . وسمعت الناس يتهامسوا ، كل واحد يهمس للذي خلفه . التفت الزلمه إلي قدامي عن ظهر حماره
وقال لي : < تصادفنا مع دورية مهربين أوعه حدا يحكي معهم > خفت . نهر علي حماره ولحقني . همس لي < ما تخاف يا عمي > خلاني أحس بالخوف أكثر . التفت لأحكي معه . قال < هص > هصيت !! سمعت وقع حوافر خيل ، حدكت ! شفت زلمتين راكبين فرسين وحاملين بواريد وملثمين ! شكلهم مرعب ! خفت . طل وراهم كمان اثنين ، وكمان اثنين ، ست خياله ! جانبت بالحمير على جنب الوادي على بين ما يمروا . خوفني علي لما قرب مني وحط ايده على ظهري . اطلعوا الخيالة فينا
ومروا من غير ما يحكوا معنا ، وأنا أنظر لبواريدهم !
طل أول القافلة من وراهم . بغال محملة بكياس مليانه ، عديت عشرين بغل مرت من جنبي . كل بغل وراه زلمه ملثم وحامل باروده بكتفه ! طل وراهم ست خيالة يحرسوا القافلة من ورا !
مروا . تنفست من كاع كلبي !! همست لعلي :
- شو هذول ؟
- هص ! هذول مهربين حشيش وفلفل !!
- شو ؟
- قلت لك هص !
- لمين بهربوا؟
قرب مني وهمس في ذاني :
- لاسرائيل ! هص ! أوعك تسأل كمان ! هص ولا نفس !
ما هصيت ! همست :
- ليش ما فيه في إسرائيل حشيش وفلفل حتى يهربوا لها ؟
- هص هص لحدا يسمعنا ! هاظا حشيش وفلفل غير إلي إحنا بنعرفه !!
- كيف هو ؟
- يا ملعون الوالدين يا بعيد بدك تودينا في داهية ! قلت لك هص ! بيقولوا إنه غالي كثير !
- من وين أجوا؟
- يا ملعون لا أمك ولا أبوك يا اليهودي ! قلت لك هص ، خلص ما تسأل ! أجوا من الشرق !!هص هساع !
ما هصيت !!
- وهل يوجد في الشرق فلفل وحشيش غير إلي عندنا ؟
- هالساع بغضب منك ، هذي القضية ما فيها مزح ، للحيطان آذان ! هاظا بيجي من بلاد بعيده وما عندنا منه !
هصيت وسكتت غصبن عني ، وفي نفسي أعرف شو الحشيش هاظ وشو الفلفل ، ومين هذول المهربين ، ومنين تجيهم لبضاعة ، وليش حاملين بواريد ، وكيف بدخلوا لإسرائيل ؟ والأهم ليش علي الخطيب بيقلي هص وكأني بسأله في السياسة ؟!!

****************
تابعنا سيرنا . تعدينا قبر جدي من غير ما أعرف ! قلت لحالي بقرا عليه الفاتحة وأنا راجع .
وقفت القافلة في واد تحيطه السدود من كل النواحي . نزل الخطار عن دوابهم وربطوها إلى جوانب الصخور أو في الكهوف أو تحت الأشجار البرية ! فرشوا أكياس الخيش واستلقوا عليها .
انبطحنا انا وعلي جنب بعظنا ! قلت له :
- لإيمتى بدنا نظل هان ؟
- لبكرة المسا يا عمي لما ننزل للبحر !
قام بعض الخطار يحضروا الشاي . هم علي للنهوض ، حلفت عليه ما يقوم . قمت ، جمعت اشوية حطب وولعت النار ، وحطيت ابريق الشاي عليها. قلت لعلي ؛
- البحر بعيد من هان يا علي ؟
- ظربة حجر يا عمي ! شي عشر دكايك بنكون فيه !
خلصت الشاي وصبيته ! طلع شاي أخو شليته !!
البغال جنننا وهن بيضربن حوافرهن في الأرض وبشخطن من منخيرهن ، بدهن يقطعن الرباطات واللجامات . سألت علي عن سبب جنونهن . قال لي :
- خايفات من الجمال يا عمي !
- وليش الحمير ما يخافن ؟
- الحمير يربطهن صداقة قديمة بالجمال ، بعكس البغال يا عمي !
- وليش البغال محرومين من هالصداقة ؟
- ما بعرف يا عمي ، بس البغل بحس إن الجمل هو الوحيد بين الدواب إلي ما بتربطه فيه قرابة !
- كيف يا علي ؟
- أبوه حمار وأمه فرس وخاله حصان يا عمي ، ما ظل غير الجمل ما بقرب له !
- ليش البغلة مش أم البغل ؟
- لا يا عمي البغلة ما بتخلف !
- وكيف ينط الحمار على الفرس لتلد بغل ؟!
- تلد يا عمي ! ما بتسمعهم لما بسبوا على واحد بيقولوا < يا بغل يا ابن الحمار > !!
- صحيح والله !
سمعنا هرج ومرج جاي من بعيد . تبين إنهم خطار العبيدية . لقيونا نحتل المكان ، راحوا يدوروا على مطرح ثاني .
بعد اشوي وصلت قوافل التعامرة . خبرناهم إن العبيدية مروا قدامهم . راحوا يبحثوا عن واد ثالث !
قلت لعلي :
- دخلك فيه في البحر ملح يكفي لكل هالناس ؟
- فيه كثير يا عمي !
خطرت لي أسئلة كثيره . لكن علي قال < لازم ننام يا عمي ، بكره بخبرك قبل ما ننزل للبحر >
**** **************
ما غمضت لي عين . ظليت باقي الليل أرقب القمر والنجوم والجبال إلي محاوطتنا . واتنصت لصرير الصراصير وعوي الذياب وفغير الحصينيات !!
فوجئت بطلوع النهار . قمت طلعت سفح الجبل وطليت عالبحر . كعدت على حجر وصرت أتفحصه ! ظليت لما طلعت الشمس .
كنت اسمع إن المية في الأماكن إلي فيها ملح ما هيه غميكه ! لكن حسيت ونا بطلع عالبحر إنه كله غميك ! ون إلي ما بعرف يسبح رايح يغرك ! مع إني سمعت إن مية هالبحر ما بتغرك مثل باقي البحور . حاولت أقنع حالي بهالحكي، لكني ما اقتنعت ، وحسيت إن البحر أرهب بكثير من الصورة إلي كنت متخيلها . وبديت أخاف ، وأفكر في كلام أمي وخوفها وحزنها .
يتبع .






.


-

محمود شاهين
16-03-2007, 09:15 PM
(4)
قمت من النوم . نظرت حولي . لم اشاهد حسن . ناديت < يا حس------------ان >
لم يرد أحد . ناديت مرة أخرى بصوت أعلى . رد علي من فوق الجبل .
- سو بتسوي عندك يا عمي ؟
- بتفرج عالبحر .
- خليك مطرحك جاي لعندك .
أطلقت الدواب لترعى . حملت صرة طعامي وطعام حسن وابريق الشاي وقربة الماء وطلعت لعنده .
انتشر الخطار في الوادي وعلى التلال المشرفة على البحر ، وأطلقوا دوابهم ترعى بين الأودية ، وراحوا يشعلون النار ليغلوا الشاي . وعلى التلال المقابلة لنا انتشر العبيدية والتعامرة . سألني حسن :
- ما بتيجي الدوريات في النهار يا علي ؟
- لا يا عمي .
- ليش ؟
-لأنهم يعرفون أن الخطار لا ينزلون إلى البحر في النهار .
- لعاد خلينا ننزل .
- الله يرضى عليك يا عمي ، الناس بيشوفونا وببلغوا الحكومة .
أشعلنا النار . صعد الدخان من عندنا ومن الوادي ومن السفوح والتلال التي صعد إليها العبيدية والتعامرة . ولم نسمع إلا وأحد العبيدية يصرخ إلينا من الجبل المقابل :
- يا ناس يحرق امكم في عزا أبوكم ما عرفتوا تشعلوا النار في الواد ، وتغلوا الشاي بعدين تطلعوا تدردوه فوق !!
رد عليه واحد من جماعتنا !
- هوه انت صبحت فاتح عقيرتك علينا على هالصبح ليش؟ هم إلي بدهم يشوفونا رايحين يعرفوا إنا خطار ؟ !
رد العبيدي عليه :
- لا سيظنون أنك سائح يا أبو القمل !!
رد رجلنا بغضب :
- قمل في بيت إلي خلفك يا جيفة يا ابن الجيفة !!
- أنا جيفة يا بن عشيرة جايفة ؟! والله إن جيتك لدحرجك من فوق هالجبل !
وثارت حمية رجلنا ونهض وراح يعدو نحو العبيدي وهو يردد :
- والله لأحرق اظلاع إلي خلفك ، خليك عندك لشوف مين يدحرج الثاني ؟ باطل ولا ما تكون ولدتني سحورية !!
وتابع انحداره عدوا وهو يستنجد بخطار السواحرة !
< وينكم يا سواحرة ، العبيدي النذل يسب على عشيرتنا >
ثارت نخوة رجالنا فانفضوا من أماكنهم . قال حسن :
- شو بدنا نسوي يا علي ؟
قلت له :
- خليك كاعد يا عمي .
قمت . جريت خلف رجلنا لما لحقته . أوقفته وأوقفت رجلا آخر كان يندفع خلفه . وحلفت على باقي الرجال أن يختصروا الشر .
قالوا :
- هوه إلي بدا يسب علينا .
قلت :
- العبيدية جماعة طياب وحقنا لن يضيع عندهم .
حاولوا الإفلات مني فلم يستطيعوا .
وصل بعض العاقلين من جماعتنا وحجزوا الهواشين ، ورأيت رجلا من العبيدية يسبق الرجال الذين كانوا يركضون خلف العبيدي ، الذي دبت فيه الرجولة ونزل يجري ناحيتنا . صرخ فيه : < هيه يا ابن البغل ! وين كار على السواحرة لحالك ؟ هالساع دبت فيك الرجولة يا نذل ! كنت ورينا مراجلك على اليهود ! وقف ولا والله لجيب خبرك !! >
توقف العبيدي في مكانه ، لحقه الرجل الثاني الذي بدا أنه محترم عند قومه ، فقد صفعه كفين دون أن ينبس ، وجعله يرجع مع باقي العبيدية ، فرجع رجالنا بدورهم .
جاءنا ثلاثة رجال من العبيدية مع الرجل الذي أوقف الإشتباك قبل أن يحدث .
قال لنا الرجل :
< حقكم علينا يا سواحرة ولي تريدونه نحنا نسويه >
تشاورنا بيننا ! اتفقنا أن نسامح العبيدية لأنهم جاءوا لعندنا .
قمت حفرت حفرة صغيرة ووضعت فيها حصوة ! قلت للعبيدية < والله لوانكم قتلتوا منا رجل وجيتوا لعندنا لسامحناكم بدمه ، جيتكم عزيزة علينا يا جماعة > ومددت يدي نحو الحفرة وطمرت الحصوة بالتراب وأنا أقول < هذا عليها يا رجال ،اعتبروها حصوة ودفناها !حياكم الله !
و حطينا على القضية جورة وصرارة !!
خجلنا العبيدية .. قاموا وخلوا رجلهم يبوس روسنا كلنا ، لأنه شتم العشيرة . وشربنا الشاي معا . واتفقنا أن لا نشعل النار مقابل البحر ، وأن لا نتجمع ، حتى لا نلفت انتباه أحد ، وأن لا ندع الدواب تخرج من الأودية .
ارتفعت الشمس قليلا . قال حسن :
- خلينا نرجع نقعد مقابل البحر .
فكرت للحظة :
- والله يا عمي إن القعدة فوق ما بتتفوت ، يله لنصعد قبل أن تحمى الشمس .
صعدنا . جاء إلى الشاطىء سيارات وباصات سياح ، نزلوا من السيارات ، رجالا ونساء، تعروا ونزلوا إلى البحر . قال حسن :
- خلينا ننزل نتفرج عليهم .
قلت له :
- ممنوع يا عمي ، بتطردنا الشرطة السياحية !
- ليش ؟
- عشان معهم حريم مزلطات يا عمي !
ولا أعرف لماذا قال حسن :
- أنا شايف كل شي ممنوع علينا إلا التعب والشقاء !
قلت له :
- بتهون يا عمي يا حسن بتهون .
سكت وسرح بعينيه إلى البحر . سرحت أنا أيضا . نظرت إلى الملاحات . فكرت .: < مسكين هذا الولد كم تعبت أمه حتى انتشلته هو وأخوته من الموت والعوز ، والآن خايفه عليه ، يحق لها والله ، يحق لها ! وأنا حاسس إنه حمل على ظهري ، ولن أرتاح إلا بعد أن أعيده إليها سالما . ، الله يسامحها ، ما لقيت واحد غيري توديه معه ؟! >
فكرت في الأمر كثيرا ، خفت أن تكون المياه في الملاحات عميقة ، فيغرق الولد ، قلت لحالي < أفضل شي ما أخليه ينزل للبحر ، وإذا ساعدني الخطار كلهم ، لن يصيب الواحد إلا حفنة ملح ، ، نملأ الكيسين اللذين معه ، ونحملهما على الحمارين
ونعود . ، المهم أن لا أدعه ينزل إلى الماء ولو ملأت الكيسين وحدي .
نظرت إليه . شاهدته سارحا يفكر .
- حسن ؟
- نعم !
- ألله ينعم عليك يا عمي ، البحر صعب على من لم يعتد عليه يا عمي ، وأنت صغير، وهذه أول مرة تخطر فيها إلى الملح ، ابق عند الحمير يا عمي ، ونحن نملأ أكياسك !
نظر إلي :
- إنت خايف علي يا علي ؟
- والله يا عمي إن أردت الصدق إني خايف .وما تنسى إن أمك وصتني عليك ، ولا يهون علي أن يحدث لك شيء لا سمح الله .
سكت قليلا . رنا إلى البحر وهو واجم . ضم شفتيه ، عض على السفلى ، وكسر عودا صغيرا كان في يده ، نظر إلي نظرة واثقة :
- اسمع يا علي !
- أنا مصغ لك يا حسن .
- الحقيقة إني ما كنت خايف من البحر ، لكن لما شفته وتذكرت خوف أمي ،خفت ، وخوفك الآن خلاني أحس بالخوف أكثر ، لكني سأنزل في الماء وأملأ أكياسي بيدي ، ولا أقبل أن تملأوها عني ، وليكن ما يكون . !!
- لماذا هذا الإصرار يا حسن ؟
- لأنها ليست المرة الوحيدة يا علي ، ممكن أن يساعدني الخطار هذه الخطرة ، وخطرة أخرى ، لكن ما ممكن يساعدوني الخطرات كلها . لا بد من نزولي إلى الملاحات يا علي حتى أعرف دروبها ومخاطرها ومتاهاتها .
نظرت إليه لبرهة . كلامه صحيح . مددت يدي . ربت على ظهره . قلت له :
- ولا يهمك يا حسن ، اتكل على الله يا عمي وإن شا الله ما يصير إلا الخير .
قعدنا حوالي ساعتين . نزلنا إلى الوادي ، تغدينا ، ووضعنا رؤوسنا ونمنا
في ظلال الصخور .
*************
يتبع

محمود شاهين
17-03-2007, 09:33 PM
-
تابع الخطار (4)
قمنا في المساء.تعشينا. سقنا الحمير قدامنا وربطناها عند باب الواد ي بين التلال ، حتى لا تراها دورية الشرطة إذا جاءت . نزعنا ملابسنا وتركناها عند الحمير . أخرجنا الصفائح من المخابىء، أعطيت حسن صفيحة ، قلت له < هاي صفيحة مثقبة من تحت لتغرف بها الملح يا عمي >
حملنا الأكياس ومشينا . وصلنا الملاحات . وجدنا العبيدية والتعامرة سابقينا ومحتلين راس البحر كله . قلت < يا رب اجعل هذه الليلة تمضي على خير ولا تجعل العشائر تتقاتل على الملح فيها >
نزلنا إلى الماء . اختلط الناس الواحد بالآخر ، قلت لحسن :
< خليك واقف يا عمي لأبحث لك عن ملاحة قليلة الماء >
رحت يمين ، رحت شمال ، هناك ملاحات لم أتمكن من عبورها إلا سباحة ، وصلت إلى مقربة من مصب الشريعة فما وجدت . رجعت إلى حسن .قلت له إنني لم أجد . انحنيت في الماء مددت يدي تحت ، تحسست الملح ، وجدته قليلا ، أخذت ملء يدي
منه ، قربته من عيني ، لم يكن نظيفا ، أخذت حسن لملاحة أخرى ، وضعنا الأكياس إلى جانبها ونزلنا فيها .
قلت له :< ابعد إلى جانب الملاحة يا عمي ، إياك أن تتعمق إلى منتصفها ، المياه عميقة >
أمسكت بيده وقدته حتى بلغ الماء حزامه . قلت له : < إياك أن تغوص أكثر من هنا >
انحنيت تحت الماء ، غرفت بالصفيحة شيئا من الملح ، أعطيته إياها ، ذهب وأفرغها في الكيس وعاد ، قلت له :
< عندما تنزل تحت الماء اغمض عينيك ، وإياك أن تتنفس تحت الماء ، هه >!
ومن خوفي عليه أعدته إلى جانب الملاحة ،حتى لا ينزل رأسه تحت الماء عندما ينحني . قال الملح قليل هنا ! قلت له < معلش يا عمي ، أنا بساعدك بعد ما أملأ أكياسي ، فهمت ؟ >
قال : فهمت إنما سأتقدم قليلا .
- لكن إياك أن تتجاوز المكان الذي قدتك إليه ، وإياك أن تذهب يمينا أو شمالا ، هناك أماكن عميقة في الماء ، وإذا دخلت مياه الملح في عينيك لا تستطيع فتحهما ، وإذا شرقت بها لا تعرف الطيط من الغيصلان !! وقد تموت هه ، دير بالك يا عمي ألله يرضى عليك >
قال : ولا يهمك !
وقبل أن أبتعد عنه ، قلت له أهم شيء ؛
- إذا جاءت دورية الشرطة وأنت في الماء ، لا ترتبك يا عمي ، توقف فورا ، وضع اصبعيك ، السبابة والإبهام ، على أنفك ، وعندما ترى ضوء الكشاف يتجه إلى ناحيتك ، اغطس تحت الماء - إياك تنسى أن تغلق أنفك – لحظة ويكون ضوء الكشاف قد ابتعد عنك ، تطلع .. إياك أن تتنفس تحت الماء أو تفتح فمك هه ! وكيسك تتركه ممدا إلى جانب الملاحة ، لا توقفه ، وعندما يصير فيه قليلا من الملح ، اذهب وافرغه في الكيس الذي عند الحمير ، وعد بسرعة ، وإذا جاءت الدورية ، وأنت في الطريق تمدد على الأرض أو اكمن بجانب شجرة أو أي شيء ، أفهمت ؟
قال : فهمت ، ولا يكون لك فكر !!
ابتعدت عنه قليلا . رحت أبحث عن مكان فيه ملح كثير . غطست تحت الماء ، تحسست القاع ، الملح قليل ، وجدت ضرسا صغيرا ، حملته وطلعت ، مسحت الماء عن رأسي ووجهي وعصرت شعري إلى الوراء لكي لا ينزل الماء في عيني عندما افتحهما . < أيه لن نملأ الأكياس حتى الصباح على هذا المعدل . ليت هذا البحر قريب من بلدنا ، لسرقنا المياه وانتظرناها إلى أن تجف عن الملح ، وما تعذبنا هذا العذاب . >
****************
ملأت حوالي ربع الكيس . حملته وأرسلته إلى عند الحمير ورجعت . قلت أروح ناحية حسن أطمئن عليه وجدته متوغلا في الماء ، وقد جمع بعض الملح .
- يعطيك العافية يا حسن .
- الله يزيدك عافية .
- كيف الشغل معك ؟
- مليح ، لاو ما نزلت مية الملح في عيني ، لملأت أكثر .
- استريح اشوي يا عمي .
- ماشي الحال بغمظ عين وبفتح عين !!!
- ما قلت لك خليك إلى جانب الملاحة يا عمي الله يرضى عليك .
- الملح هناك قليل يا علي ، ما جمعت إشي !
- انتبه يا عمي !
- توكل على الله .
نظرت من حولي لعلني أرى الملاحين ، لم أشاهد أحدا في هذا الظلام . الناس متفرقون في الملاحات ويعملون بصمت شديد ، وإن كنت أسمع بين الفينة والأخرى
بحركة بعضهم على مقربة منا .
غطست تحت الماء ، ملأت شيئا في الصفيحة وطلعت ، مسحت رأسي من الماء وفتحت عيني ، فوجئت بضوء كشاف الدورية وقد سلط على المنطقة من مسافة بضع مئات من الأمتار ، وأخذ يمشطها من الشمال إلى الجنوب ، لم أتمكن من النظر إلى حسن لأن الضوء جاء إلى ناحيتي ، أطبقت باصبعي على أنفي وغطست تحت الماء ، أطلعت نصف رأسي بعد أقل من دقيقة ، شاهدت الضوء على منطقة حسن ، تأكدت أنه غاطس تحت الماء ، قلت < يا رب ابعد الضوء عن منطقته واحفظه بجاهك وجاه
هذا الليل الميمون !!>
ابتعد الضوء ناحية الجنوب . سبحت ناحية حسن لأطمئن عليه ، لكن ضوء الكشاف رجع بسرعة .. همست :
- يا حسن !
قال : نعم .
- لا تخف يا عمي الآن ينقلع....
ودهمني ضوء الكشاف ولم أكمل ، غطست لحظة وطلعت . رأيت ضوء الكشاف يتجه ناحية الشمال . قلت له ؛
- الآن ينقلعون يا عمي . اصمد اشوي وخذ حذرك هه .
ولم اسمع ماذا قال لأن الضوء دهمني ثانية .
غطست .. طلعت .. ابتعد الضوء .. قلت :
- سمعت يا حسن ؟
قال :
_ سمعت ، لكن الماء دخل عيني ، ولا أستطيع أن أفتحهما نهائيا ، كيف سأرى الضوء يجيء إلى ناحيتي ؟
قلت :
- امسح عينيك وتحمل يا عمي .
وسمعت الناس يهمسون لنا < بدون كلام أنت وهو ، تريدان أن توقعانا في داهية ؟>
سبحت ناحية حسن . لكن الضوء دهمني . همست :
- اغطس يا حسن !
غطس وغطست بعده . وحاولت أسبح ناحيته . طلعت بعد لحظة صغيرة ، قلت > اطلع يا حسن > لكنه لم يطلع !! أدركت أنه لا يسمع صوتي من تحت الماء . سبحت ناحيته . رجع الكشاف . غطست .. طلعت . لم يطلع حسن ! < يا إلهي ، صار له حوالي دقيقتين تحت الماء > شاهدته يطلع . صرخت به :
- أنا قادم إليك يا حسن لا تخف يا عمي .
قال :
- الحقني يا علي سأموت !
قلت ؛
- أنا أموت عنك يا حسن ، روحي فداك يا عمي !
سبحت ناحيته ..< يا رب توقف هذا الضوء قليلا حتى أصله وأغطسه وأطلعه معي ! >
رجع ضوء البين علينا ! صرخت له : اغطس . وغطست .
< يا ملعون أبو إلي انت ضوه من وين جيت ؟>
طلعت من تحت الماء وعيناي على حسن ، لم يطلع . رجع ضوء الكشاف ، طلع حسن ، ما كاد يتنفس يا ويلاه ، قلت له : أغطس . وغطست ! يا رب امتني أنا وأعد هذا الولد سالما لأمه . طلعت . طلع حسن . رجع الكشاف . أغطس ! وغطست .
طلعت . لم يطلع حسن . رجع الضوء مرتين وغطست وطلعت وهو تحت الماء .
طلع فيما بعد وشاهدته يخابط بيديه . استنجدت بكل الأنبياء والمرسلين ، صار الضوء يروح ويجيء بسرعة مخيفة ، صرت أغطس وأطلع وعقلي مع حسن ،
وعلقت كلمة (اغطس ) بلساني ، فما أن أطلع وأتنفس إلا والضوء راجع ، أقول لحسن : اغطس ! ورغم أنني أعرف أنه لا يسمعني تحت الماء ، كنت أقول: إطلع !
لما أطلع . وظللت أتمنى من الله أن يفدي هذا الولد بروحي ويعيده سالما لأمه .
يتبع (5)

محمود شاهين
18-03-2007, 08:27 PM
الخطار (5)
ها هي اولى القوافل تقترب من سفوح جبل المنطار ، وأطفال عائشة العلان يهرعون من البيت . يتحلقون حول أمهم ويرقبون القوافل من على قمة الجبل .. يسألونها :
- ألم يأت أخونا يا أمنا ؟
فتجيب :
- إن شاء الله يأتي بالسلامه يا أولادي .
تضع جزة الصوف والمغزل في خريطة الخيش وتنهض . تحمل الخريطة على ظهرها .. تقود ابنتها الصغرى (ندى) من يدها وتشرع في نزول الجبل يتبعها
محمد ووطفاء .
تطلق بصرها جاهدة لتتأكد من هوية القافلة . لا تستطيع . تسير بخطوات حثيثة .
تقترب من القافلة ، تنغرس شوكة في إحدى قدمي البنت العاريتين . تتألم وتفلت يدها
من يد أمها وتجلس لتقلع الشوكة .
************
دواب منهكة تسير مثقلة بأكياس الملح . العرق ينضح من أجسادها ، واللهاث يبعث صفيرا من أنوفها .، والرجال يسيرون خلفها بخطوات متعبة مترنحة وقد خارت قواهم . ، والتصقت ملابسهم بأجسادهم من جراء العرق المتصبب، وتقصفت شفاههم الجافة ، وارتسمت على وجوههم مسحات من الكآبة المفجعة ، وتورمت عيونهم وانتفخت من جراء مياه الملح . ، تتعثر أقداهم بين الفينة والأخرى ، وهم يدارون ألم الحرقة الذي تحدثه مياه الملح في أجسادهم ، فقد تسلخ ما بين أفخاذهم ، فأخذوا يسيرون وقد باعدوا ما بين أفخاذهم ..
تمر عائشة العلان من جانبهم .. لا ينظرون إليها .. تتأمل الدواب المنهكة تحت الأكياس .. تسأل أحدهم :
- ألم تروا خطار السواحرة يا أخي ؟
يشير الرجل بيده إلى الوراء ويقول :
- مع الناس الذين وراءنا يا خاله .
ويتابع سيره المتهالك خلف الحمار .
تتجاوز عائشة عشرات الحمير والبغال . تمر عنها مجموعة أخرى . ترى ثلاثة رجال يسيرون خلف أحد الحمير . تقترب منهم . تتسمر عيناها على جثة رجل مربوطة بالحبال وقد تدلى رأسه وقدماه على جانبي الحمار . تهرع إليهم :
-البقية في أعماركم يا أخي !
يجيب أحدهم بكلمات يثقلها الحزن :
- وعمرك يا خاله .
- خير إن شاء الله يا بني ؟
- جاءت إلينا الدورية ونحن في الماء ، شرق ومات ، ألله يكون في عون أمه ليس لها غيره !
- يا حسرتي عليه !
رددت ذلك وهي تهمد على الأرض وتجلس في مكانها مذعورة ، هرع الرجل إليها .
- ما بك يا خاله ؟
- ولدي يا ولدي !!
- ولدك مع الخطار ؟
- ايه يا بني .
- أي خطار ؟
- خطار السواحرة يا بني .
- توكلي على الله يا خاله ، ما مات منهم إلا واحد حسب ما سمعت !
أحست بقلبها يتقطع ، وجاهدت وهي تقول :
- ألا تعرف كم عمره يا بني ؟
- والله لا أعرف يا خاله .
وانصرف الرجل خلف الرجال .
مكثت جالسة في مكانها لا تقوى على النهوض . خاطبت أولادها .
- إرجعوا إلى البيت يمه الله يرضى عليكم ، أخوكم قد يتأخر ، والدجاجات بحاجة إلى ماء وعلف ، روحوا ضعوا لها ، والصيصان أخاف أن تخر العقبان والصقور عليها وتخطفها ، ارجعوا يا إمي ارجعوا .
ويرجع الولد والبنتان تحت إلحاحها .
الخطار يمرون .. مر كل خطار العبيدية ، وهاهم خطار التعامرة يطلون من سفح تلة . تجاهد لتنهض على قدميها لكنها لا تستطيع .
مر حماران يتبعهما رجل ، ومر ثلاثة يتبعها ثان. ، ومر اثنان يتبعهما آخر . ويمر الخطار بدوابهم المثقلة المنهكة وهي تجلس خائرة القوى .
هاهي جثة ثانية محمولة على حمار يتبعها خمسة خطار .. يمرون من جانبها .. يلقون عليها نظرات حائرة حزينة ويمرون ... تمر مجموعة خطار آخرين يمتطون بغالا . ..
هاهي جثة أخرى يتبعها أربعة رجال تطل .. يمرون عنها ويبتعدون .
< أين قافلة البلد ، لماذا لم تأت حتى الآن ، هل ستشاهد عيون حسن ؟ لن تدعه يعود للملح ثانية ولو سيأتيها ببحر الملح كله ! والشيخ علي-يدهاه في ماله وعياله – هو سبب كل هذا الشقاء >
نظرت إلى ما حولها .. شاهدت القوافل تصعد منعرجات جبل المنطار وتتوارى خلفه .
حدقت لتشاهد أولادها ، لكنها لم تشاهدهم . شردت :
( طارت بجناحين من اقحوان ! قطعت التلال والأودية ، بلغت قافلة الخطار ، حطت فوقها ، شاهدت حسن يسير خلف الحمارين ، والعرق ينضح من جبينه . ضمته ، قبلته ، سقته ماء باردا من القربة ، احتضنته ، حملته وطارت به )
***********
هاهي قافلة البلد تطل . تنفرد أسارير وجهها . تجاهد لكي تنهض ، تنهض ، تسير ، تستقبل القافلة :
هذا أحمد السلمى خلف حماريه يدنو منها ، ينظر إليها متمعنا ثم يطأطىء رأسه إلى الأرض ويسير خلف الحمارين دون أن ينبس ببنت شفة ، يتجاوزها دون أن ينظر إليها أو يرد التحية .. تنده له :
- ابني يا أحمد، ما شفت ابني ؟
يشير بيده إلى الوراء دون أن يلتفت نحوها .
تحس أن قواها عادت تخونها ، فهاهم خطار البلد يمرون عنها ويتجاهلونها ولا يجيبون على تساؤلاتها ، أو يشيرون بأيديهم إلى الوراء ، تتهاوى متهالكة في مكانها ..
أطل علي الخطيب من سفح التلة .. نظر .. شاهدها تجلس على قارعة الطريق ، لم يخطر له أنها قد لا تكون هي ، لقد جاءت اللحظة التي حسب حسابها ألف مرة ومرة ، ( ماذا يقول لها بحق كل الأنبياء ؟! هل يقول أن ضوء الكشاف حاصرهم لمدة تقارب الساعتين ، وأن معظم الخطار قد شرقوا بالماء ، ولم يسلموا إلا لأنهم اعتادوا هذه المياه اللعينة القذرة ،وأنه عمل كل ما في وسعه لينقذ حسن ، بل وتمنى أن يموت هو بدلا منه ؟!)
أحس أن الموت أهون عليه من مواجهتها . توقف . فتوقف حسين الرشود إلى جانبه ، وتوقف الحما ر الذي يقل جثة حسن أمامهما ، ولم يعرفا ماذا يفعلان .
حدقت عائشة العلان باتجاههما .. ارتابت من وقفتهما .. أيقنت أن أحدهما لا بد وأن يكون علي الخطيب وإلا لما توقفا . . نهضت واقفة على ساقيها الخائرتين .. هرعت نحوهما . أحست بأن رجليها لن تبلغا بها المكان .. اقتربت منهما .. شاهدت الجثة على الحمار .. حدقت تتأملها .. خارت قواها أكثر من جديد .. جاهدت ، حنت ظهرها
واستمرت في هروعها .. أقبلت على الجثة ، تأملت القدمين البارزتين من تحت الكيس والمدلاتين على جانب الحمار ( إنهما قدما حسن ) أجل إنهما قدما حسن !!
تعثرت خطاها ..سقطت .. حبت على أربع .. اقتربت .. مدت يديها .. تشبثت بقدمي حسن ، ضمتهما وسقطت متهالكة عليهما وهي تلثمهما وتردد من أعماق فجيعتها :
( الشيخ علي وعدوينك يموتون عنك يا ولدي )
وخرت مغشيا عليها ..

محمود شاهين 3-4- 1978
القصة بيعت إلى السينما السورية ولم يجر انتاجها .

إلى اللقاء بقصة بلا حزن !!أو في ملحمة ( الملك لقمان !) والذي يقدر على متابعتي هناك يكون أبو زيد الهلالي خاله ، ووطفاء بنت ذياب بن غانم محظيته ! أما اللواتي سيتابعنني من الإناث فلهن الخفاجي عامر ، شخصيا ، الذي قالت فيه وطفاء :
يا بوي جوزني ويا بوي بيعني
بريت عامر ما بريد رجال
ويوم خيل الغز حاطت بمحملي
ما شفت من خيلك ولا خيال
ولني بحثحاث الركابين عامر
عامر الزعبي من فروع طوال
كن طلب مني الحب ونا سخيت له
وأخذها من راس الخدود زلال
ويومن ذاق الحب شاشن ظمايره
قعد يفرقهم ميمنه وشمال
حبني يا بوي ثمانين حبه
ما حبه إلا يرمي بها خيال
يا بوي جوزني ويا بوي بيعني ..
بريت عامر ما بريد رجال !
*********
أنا إلي محيرني كيف كان يتسنى إله يبوسها والمعركة دايرة ! بدكن الصراحة يا بنات ، هيك فارس بينحب فعلا وأنا مع وطفاء !ومعه كمان ، ويا ما نفسي بهيك عشق بعد ما خلص العمر ، اوخذ بوسه بوستين وانقض على الفرسان ، أقتل واحد
وأرجع أبوس ، وهكذا .. أحلى عشق !!بس والله ثمانين فارس حرام ، يلعن أخت هالشغلة ، يعني واحد اثنين عشرة ! أما ثمانين ؟ مجزرة !

محمود شقير
21-03-2007, 03:05 PM
العزيز محمود شاهين

قصة "الخطار" هذه لا تبلى، تظل متجددة على الدوام، لأنها تعالج ثيمة الحياة/ الموت، وهي من الموضوعات الإنسانية الكبرى التي ما زالت تستأثر باهتمام الأدب. القصة تبدأ برصد المكان من وجهة نظر عاشة العلان. وهو رصد دقيق ممتع. ثم تتفرع القصة حيث يتم ا لسرد من وجهة نظر شخوص القصة، ويتخذ السرد من أسلوب الحكواتي منهجاً شائقاً لكشف تفاصيل القصة التي تتحدث عن الاستغلال الطبقي وعن الشهادة وعن النكبة وعن الفقر وعن الصراع غير المباشر مع السلطة وعن الصراعات العشائرية.
واللغة تلعب هنا دوراً مهماً في رصد المواقف والانفعالات، خصوصاً وهي تذهب إلى العامية المحلاة ببعض تفاصيل البيئة الشعبية وعاداتها وتقاليدها، والقصة تنحو نحو الملحمية في أحيان غير قليلة، بالذات حينما تطلق الأم عقيرتها بقصيدة شعبية تذكرنا بشعر الملاحم الشعبية، وحينما يجري رصد الصراع المميت مع الماء المالح تحت وطأة الأضوية الكاشفة.
قصة جميلة تستحق أن تتحول إلى فيلم سينمائي/ دمت وسلمت.

محمود شاهين
22-03-2007, 08:45 PM
[quote:fd72fd5e5d="محمود شقير"]العزيز محمود شاهين

قصة "الخطار" هذه لا تبلى، تظل متجددة على الدوام، لأنها تعالج ثيمة الحياة/ الموت، وهي من الموضوعات الإنسانية الكبرى التي ما زالت تستأثر باهتمام الأدب. القصة تبدأ برصد المكان من وجهة نظر عاشة العلان. وهو رصد دقيق ممتع. ثم تتفرع القصة حيث يتم ا لسرد من وجهة نظر شخوص القصة، ويتخذ السرد من أسلوب الحكواتي منهجاً شائقاً لكشف تفاصيل القصة التي تتحدث عن الاستغلال الطبقي وعن الشهادة وعن النكبة وعن الفقر وعن الصراع غير المباشر مع السلطة وعن الصراعات العشائرية.
واللغة تلعب هنا دوراً مهماً في رصد المواقف والانفعالات، خصوصاً وهي تذهب إلى العامية المحلاة ببعض تفاصيل البيئة الشعبية وعاداتها وتقاليدها، والقصة تنحو نحو الملحمية في أحيان غير قليلة، بالذات حينما تطلق الأم عقيرتها بقصيدة شعبية تذكرنا بشعر الملاحم الشعبية، وحينما يجري رصد الصراع المميت مع الماء المالح تحت وطأة الأضوية الكاشفة.
قصة جميلة تستحق أن تتحول إلى فيلم سينمائي/ دمت وسلمت.[/quote:fd72fd5e5d]
العزيز محمود
أنا عاجز عن الشكر .. كلماتك فخر لي مدى حياتي وما بعد مماتي !
قصتي مع السينما والتلفزيون عجيبة ، فرغم أن أكثر من خمس قصص إضافة إلى رواية بيعت إلى السينما والتلفزيون إلا أن أيا منها لم ينتج .
آخر قصة كانت ( العبد سعيد ) ابتاعها سليم الضو ولم يتمكن من انتاجها حتى الآن .
أطيب تحياتي

محمود شاهين
30-03-2007, 01:25 AM
عزيزاتي وأعزائي الذين يتابعون قصصي .
أولا أنا عاجز عن شكركم لجلدكم ومثابرتكم على متابعتي .

ثانيا :
للأسف ليس لدي وقت حاليا لأنضد لكم قصة جديدة ، ومأساتي أن قصصي طويلة ، ورواياتي أطول بكثير ، وبما أنني حاليا مشغول في نشر (الملك لقمان )في ركن الرواية ، إضافة إلى نشر بعض لوحاتي في ركن فنون -أعفي نفسي من التطرق إلى اشعاري عن درويش في ركن الشعر ،حتى لا أغويكم بالذهاب إليها بعد أن اصبحت في الصفحة الثالثة !!- لذلك لن تروني هنا قبل إتمام ( الملك لقمان ) خاصة وأن الشهر القادم نيسان هو أهم شهر لبيع لوحاتي في دمشق ، كونه موسما سياحيا .
سامحوني ! كل هالقصه لكي أعيد الشريط إلى الصفحة الأولي ، لعلني أنشط وأنضد قصة لأبقيه فيها ! بعدين أنا لأا أحب أن أتعبكم واجعلكم تبحثون عن قصصي بين الصفحات !
كل مودتي لكم

محمود شاهين
31-03-2007, 11:41 PM
تحية طيبة استاذ شاهين ..
...........................
مسك وعنبر وفيض مقدس .. فانتازيا واقعية لكيفية صنع الطغاة !
ينتهج النص تلك المرة مسارا مغايرا للتيمة الأشهر بنصوصك وهي المقدس والسحري والمفارق والمجرد ليتوائم مع طبيعة الموضوع تماما ويعبر عنه بصورة قد تبدو هزلية للوهلة الأولى الا انها تنتمى بامتياز لما يسمى بالكوميديا السوداء ..
جوهر النص يتعاطى مع قضية الحاكم الطاغية وعلاقته ببطانته .. وهو يعري بقسوة البساطة تلك العلاقة الجدلية التي يكون منتوجها طاغية ( أعجف ) تساعد تخرصات ومداهنات من حوله في صنعه ..
( الضراط ) العنبري المقدس هنا يتسع لإمكان الإسقاط .. وهو يغري بالمقاربة مع ( تفلة ) مقدسة لا تختلف كثيرا في طبيعتها مع ضراط الاعجف .. فكلاهما مخلفات وفضلات جرت الطبيعة الانسانية على النفور منها .. إلا ان سطوة الخوف ( كما هنا ) او التغييب والوله ( كما كان هناك ) تستطيع ان تفعل الكثير لدرجة قلب طبيعة الأشياء من النقيض الى النقيض !
الشيخ ( صابر ) شخصية رئيسية جاءت دلالتها اعمق من منتوجها الحواري والحركي ..وهي جد واقعية ومنسوخة بامتداد القصور الرئاسية والملكية ببلاد الرمل والصخر والجهل .. وقد برعت في رسم تلك العلاقة الجدلية التي يحتلها .. كونه فاعل ومفعول به في آن .. فهو منفعل بالخوف والرغبة في التملق طمعا او رهبا .. وهو فاعل في مساهمته الجوهرية في بناء الطاغية وترسيخ تصوراته الوهمية عن نفسه ..
وهو ما يقودنا الى النتيجة المدهشة والغرائبية في واقعيتها .. والتي جاءت تلك الفقرة الختامية لتعبر عنها :

اقتباس
الذي لا يصدق ( وربما يصدق باعتبار الصدق اختلط بالكذب إلى حد يستحيل معه الفصل بينهما ) هو ان الأعجف نفسه – وهذا ليس غريبا عليه – بات بعد الواقعة وما دار حولها من تقولات ومبالغات وخرافات غير معقولة ، يشتم في ضراطه رائحة الطيب ويرى في برازه اللؤلؤ المنثور !!
هنا نكتشف ان ( الأعجف ) نفسه في حقيقته منفعلا .. وهو منتوج لمنفعل آخر .. ولكن هل المبتدى هنا في تلك المنظومة الجدلية هو الخوف .. ام الرغبة في الحظوة والتملق .. ربما كان السؤال لا معنى له في ضوء حقيقة تداخل المسارين .. الطمع والخوف .. ايضا قد يكون إسقاطا آخر على تلك العلاقة ( البرجماتية في جوهرها ) التي تربط بين الدوافع الأنسانية وبين المقدس !
بقى القول ان المضمون الفكري الأعمق الذي تشي به القصة هو ان الطاغية ( او المقدس ) في الأساس هو منتوج ومصنوع يعود في حقيقته ووجوده .. ثم استمرارية وسطوة هذا الوجود .. الى نقائصنا وأنانيتنا وضعفنا الأنساني سواء على المستوى الأخلاقي او على مستوى الإرادة .

بقلم سيزيف (أحمد الخيال )

محمود شاهين
15-04-2007, 11:49 PM
بالإذن من العزيز عبد الرزاق !
الشريط انطحش للصفحة الثالثة ! ولازم أرجعه حتى لا أعذب قرائي الجميلين بالبحث عني !
وعهدا أنني ما أن أفرغ من ( الملك لقمان) حتى انضد لكم قصة ( صلاة الجلالة ) وهي من القصص العصية على النشر كغيرها من قصصي ورواياتي .. وفيها ستجدون أغرب وأطرف صلاة جلالية شهدتها السموات والأرض .
كل مودتي ومحبتي لمتابعي الأعزاء

محمود شاهين
18-04-2007, 12:44 AM
محمود شاهين :
أما محمود شاهين فهو كاتب قصّة يعدّ بالكثير، ويختزن في ذاكرته، وهو من أصل بدوي، كل تقاليد المجتمع البدوي البعيد الجذور، وهو يكتب الرواية والقصة القصيرة، ويُبدي ميلاً نجده عند جبرا كذلك، للتعامل مع مجموعة كبيرة من الأحداث المتشابكة والمواقف العاطفية المعقّدة ضمن نطاق قصة قصيرة واحدة. وتتكوّن قصته البديعة نار البراءة(81)من شبكة متلاحمة من العادات والمعتقداغت والمواقف التي يبرزها بشكل بارع على مهاد من العواطف العنيفة الفردية والجماعية. وتصوّر القصة الصدام بين العواطف والرغبات المنحرفةى من ناحية، والأعراف والمعتقدات السائدة من ناحية أخرى. ففي مقابل الشهوانية المغرية التي تتصف بها الزوجة الجميلة لراع كثير الغياب، هناك العفّة الراسخة التي يبديها الشاب الذي يعجبها، وهو زوج وأب مخلص تكلّفه مقاومته سمعته وسعادته في النهاية، إذ تستدرج المرأة أحد أبناء عمها إلى فراشها، ولكن الزوج يباغتها في إحدى الليالي بعودته المفاجئة، فتجد المرأة فرصتها للانتقام من عليّ العفيف، فتصرخ بأن الرجل الملثّم الذي شوهد وهو يهرب من بيتها ذلك المساء هو علي نفسه وقد جاء لاغتصابها. ومن أشدّ المشاهد إثارة في القصة مشهد يصوّر حماها، الذي يعرف أنها تكذب ولكنه رغم ذلك يخضع لإغوائها، ومع أنه يعاقبها بقسوة على ما يعرف في دخيلته أنها قد اقترفته، فإنه لا يستطيع مقاومة إغرائها وكبح شهوته المستثارة، بل يستجيب إلى ذلك الإغراء برغبة عارمة. أما علي فيخضع إلى امتحان النار ويثبت جُرمه!
وهكذا نجد أن مقاومة علي المتوقّعة للحفاظ على شرف القبيلة ضد الإغراء الطاغي الذي تمارسه الشابة الشبقة والمتعطّشة للحبّ، تقف وجهاً لوجه إزاء السلوك المنحرف الذي يسلكه حموها. والأثر الحقيقي العميق للقصة وتميّزها الفنّي يكمنان في التفاصيل الدقيقة التي تُروى بها الأحداث، وفي التصوير المرهف لردود الفعل النفسية المعقّدة التي تبديها الشخصيات المختلفة. إن القصة تزخر بالأحداث بحيث يمكن تحويلها إلى فيلم من الطول المعتاد، ولذا فهي ليست قصة قصيرة فضفاضة بقدر ما هي رواية شديدة التكثيف تتناول مواقف معقّدة متفجّرة كما يتمثّل فيها إيجاز القصة القصيرة وتوتّرها في آن معاً.
وتضمّ قصة شاهين القصيرة النهر المقدّس، وهي القصة التي يحتويها هذا المجلّد، وصفاً معقّداً آخر لردود الفعل عند هذا المجتمع البدوي الفلسطيني ذاته الذي يظهر في العديد من قصصه المتعلّقة بالاحتلال الإسرائيلي بعد حرب حزيران سنة 1967. والقصة مأساة، تصف، بشكل مؤثر جداً، الحياة تحت الحصار، وهي تجربة جديدة هنا تمثّل البدو الفلسطينيين تحت الاحتلال الصهيوني وقد أصبحوا مكبّلين بقيود جديدة ونزعت عنهم تلك الحرية الرائعة التي تمتّع بها المتبقّون من المجتمع البدوي القديم، الذين ما يزالون يعيشون أحراراً طلقاء في أقطار عربية شرقي البحر الأبيض المتوسط. وقد ظلّت هذه البقية، بانعزالها الأبي عن المشاغل الدنيوية لسكّان الأرياف والمدن في العالم العربي، تتمتّع بحياتها الخالية من التعلّق بالأشياء ومن الدسائس السّياسية والمطامح المتناحرة والسعي المحموم وراء الثروة والتملّك. أما الآن وقد خضع هؤلاء للحكم الإسرائيلي، فقد وجدوا أنفسهم ضحيّة محزنة لنظام جديد كسر شوكتهم وحرمهم من حريتهم النبيلة السابقة كما أفسد بعض أفرادهم.

بقلم د. سلمى الخضرا الجيوسي

مترجم عن الإنكليزية من مقدمة مجلد مختارات من الأدب الفلسطيني الحديث
منشورات جامعة كولومبيا . نيويورك .

محمود شاهين
03-05-2007, 11:27 PM
آه آه !
عذرا أعزائي . لم أستطع أن اسرق بعض الوقت لتنضيد ( صلاة الجلالة ) لكن سأحاول قريبا جدا
ولو على حساب أشياء أخرى .
مودتي .

نديم باخوس
06-05-2007, 05:54 PM
مرور لإلقاء التحيات الزكيات على مبدعنا الكبير محمود شاهين ... تسمرت من فرط جمال النصوص وكما تعلم فأنا من متابعي نشاطك الإبداعي الجميل ...

كل الود
نديم باخوس

محمود شاهين
07-05-2007, 12:43 AM
[quote:41beb7624e="نديم باخوس"]مرور لإلقاء التحيات الزكيات على مبدعنا الكبير محمود شاهين ... تسمرت من فرط جمال النصوص وكما تعلم فأنا من متابعي نشاطك الإبداعي الجميل ...

كل الود
نديم باخوس[/quote:41beb7624e]
باخوس ؟! ايه دا ؟ انته هنا وما تحكيليش ؟ دنا مسكتك !
هيا عزيزي اذهب إلى هنا ، وهذا أقل ما سنقدمه لك في منتدانا الرائع :

http://menalmuheetlelkaleej.com/forum/viewtopic.php?p=87563#87563

محمود شاهين
15-05-2007, 11:39 PM
العزيز عبد الرزاق .. الأعزاء الذين يحبون متابعتي .. ألف آسف لأنني لم أتمكن ولو من تنضيد قصة واحدة من قصصي حتى الآن . هناك رسائل عشق مني إلى حبيبة أحببتها ذات يوم
وهي رسائل حقيقية ز نشرتها في ركن خواطر .. بعنوان ( رسائل عشق إلى ميلينا ) فمن يحب
يمكنه الذهاب إلى هناك .
أكرر عذري رغم أن هناك قصصا وروايات لم تنشر من قبل لي ، وكم أو د نشرها وسأعمل على ذلك حتى لو أجلت كتابة الجزء الثالث من الملك لقمان .

محمود شاهين
10-06-2007, 11:03 PM
صلاة الجلالة
( لم تنشر من قبل )
في ذلك اليوم الذي صلى فيه فذاذة الجلالة الأعظم ، قيل أن أكثر من أربعمائة إنسان قد قتلوا ، منهم من مات برصاص الإبتهاج الذي كان يتساقط من السماء كالمطر ، ومنهم من مات من الرعب ، أجل من الرعب ! الباقون قيل أنهم ماتوا من الفرح ، وهذه مسألة لم تؤكد من قبل أحد .
كان يوما مهولا لم تشهد المملكة الجلالية مثيلا له منذ ألف عام وعام ... قبل مرور الموكب الجلالي بساعتين على الأقل ، أخليت الشوارع من الحافلات ، أما تلك التي كانت قادمة إلى وسط المدينة ، فقد اوقفت على شارات المرور ، وأمرت بأن تظل واقفة إلى اشعار آخر ، وقام رجال الشرطة الجلالية بطرد باعة العلكة والسجائر والفول البلدي والسندويتشات والكتب الصفراء والعرق سوس من على الأرصفة . باعة أشرطة ( هزلي لأهزلك ) و( نغنغني لأنغنغك ) أمروا بأن يضعوا في آلات التسجيل أشرطة تتغنى بفروسية فذاذة جلالته الأسطورية ، وأن يرفعوا الصوت إلى أعلى درجة ممكنة ، فراحت المسجلات تصدح بأغان تمجد بطل الشعب وابن الأمة المحبوب < باني البنا وحامي الحمى وزارع الشوك في حلوق العدا ) !
رشت الشوارع المؤدية إلى المسجد بماء الورد وزينت بالأقواس الإحتفالية والشرائط الملونة وعشرات الآلاف من صور فذاذته ، التي الصقت على الجدران وواجهات الحوانيت أو علقت على المباني الضخمة ، أو شدت إلى حبال وأقواس امتدت فوق عرض الشارع . واصطف الآلاف من افراد جنود الجلالة بلباسهم الميداني الكامل ورشاشاتهم الآلية على جانبي الشارع المؤدي إلى المسجد. وقد اصطف خلفهم عشرات الآلاف من فتية وفتيات الجلالة الذين ارتدوا زيا مبهجا وبدوا مبتهجين للغاية ، بعضهم يرفعون يافطات كبيرة تمجد بطولة فذاذته الخارقة ، وبعضهم يرفعون صورا لفذاذته في أوضاع مختلفة : وهو يبتسم ابتسامة جلالية لم يبتسم مثلها بشر قط !! وهو يلوح بيدة الجلالية لجماهير الأمة ، وهو يضم طفلا رضيعا ، وهو باللباس الميد اني ، وهو بالزي الشعبي ، وهو يتسربل بحلة الجلالة ويتبوأ كرسي العرش ، وهو يطوف حول الحجر الأسود ! وهو يعدو بين الصفا والمروة ، وهو يرتدي زي الجامعة بصفته المثقف الأكبر ، وهو باللباس القضائي بصفته راعي العدالة ، وهو يكرم الرياضيين بصفته الرياضي الفذ !
خلف هؤلاء اصطف عشرات الآلاف من مواطني الأمة وقد تمادوا في تمثل الفرح ورسم الإبتسامات العريضة على شفاههم ، فبدوا في غاية الإبتهاج لهذه اللحظات التاريخية العظيمة التي سيشاهدون فيها فذاذة الجلالة الأعظم شخصيا وبالعين المجردة .
رجال الأمن الجلالي احتلوا أسطح البنايات ومعظم البيوت المطلة على الشوارع التي سيسلكها الموكب الجلالي ، واندسوا بين صفوف المواطنين مطلقين نظراتهم في كل الإتجاهات ، مسترقين السمع إلى الهمسات وضربات الأنفاس ، كي لا يتيحوا لأي مارق أو مدسوس أو عميل أو مشبوه ، أن يتفوه بكلمة تعكر صفو الإبتهاج الجلالي !

******** ***** ******
أم محمد اليافاوية ، دهمها المخاض في هذا اليوم المهول . اوقفت السيارة التي تقلها إلى المستشفى على شارة المرور . جدتها بلغت سن الثمانين وهي تنجب ! وأمها بلغت التسعين وهي تنجب ، وهي نفسها تجاوزت الخمسين وما زالت تنجب ، وتنبأت لنفسها بأنها ستظل تنجب حتى سن المائة ، وأن يافا حينئذ ستكون محررة بالتأكيد ، وهذا كلام مفروغ منه ولا تقبل أن يجادلها أحد فيه . أنجبت حتى هذه السن ثلاثين بطنا . بطن ينطح بطنا ! كانت حصيلتها أكثر من أربعين ذكرا وأنثى ، تزوج عشرة منهم ، واستشهد خمسة قبل الزواج ، وانتحر إثنان وقتل إثنان ، وما زال الباقون أحياء تتوزعهم التنظيمات الفلسطينية القائمة في الساحة الفلسطينية ، ما عدا واحدا انضم إلى مجاهدي أفغانستان العرب لتحريرها من الملحدين السوفييت !!
ما أثار حفيظة أم محمد وكاد أن يصيبها بالجنون قبل حملها الأخير ، هذا الصراع المرير الذي يحتدم بين أولادها حين يجتمعون عندها في البيت ، فبعضهم ينتمون إلى الفصائل الرافضة لكل الحلول ويريدون تحرير فلسطين من النهر إلى البحر ، والآخرون ينتمون إلى الفصائل التي تسعى لاستعادة الضفة والقطاع ، حتى لو اضطرت إلى الإعتراف بإسرائيل والتصالح معها . فما أن يلتقوا حتى يشرعوا في الحوارات الصاخبة التي ما تلبث أن تتطور إلى شتائم ، تطرق فيها كلمات مثل < منحرف ، عميل ، منشق ، كافر ، ملحد ، مهادن ، استسلامي ، مراوغ ـ يميني ، رجعي > وغير ذلك . ما قبل الحمل الأخير بمدة ليست وجيزة ، وصل الحوار بينهم إلى الصفع ، واللكم ، والضرب بالكؤوس والزجاجات ، ومن ثم سحب المسدسات ! جنت أم محمد وهرعت لتقتحم قلب المشاجرة وتصرخ :
<< يا ريت بطني ما حملكم ، يا ريت صدري ما رضعكم ، يا خسارة الحليب إلي اعتصرته ونقطته في اثمامكم ، ايديكم عن بعض يقطع ايديكم يا قليلين الأصل ! خبوا اسلاحكم وما تخلوني اشوفه يا نجسين ، اسحبوه عاليهود وعكلاب العرب إلي بتنهش في لحمكم ، مش على بعضكم يا أنذال ! >>
وأفلحت أم محمد في فض المشاجرة ، غير أن المشاجرات أخذت تتكرر وتزداد شراسة باستمرار ، إلى أن توجت بمقتل اثنين < يسار وأيمن > أحدهما – وحسب بعض التسميات القائمة في الساحة الفلسطينية – رافض ! والآخر : منحرف !
فبل مقتلهما بأشهر ، وعلى أثر مشاجرة أدت إلى إصابة ثلاثة بجراح ، أعلنت أم محمد غضبتها العارمة الأولى ، واكدت لجميع أولادها أنها ستتخلى عنهم ، ولن تسمح لأي منهم بدخول بيتها ، إذا لم يوقفوا المشاجرات ويتحدوا ، ليحرروا فلسطين كاملة دون التنازل عن شبر منها ، غير أنهم لم يذعنوا لها ، ولم يأخذوا كلامها على محمل الجد ، إلى أن دوى ذات ليلة صوت إطلاق النار داخل البيت . هرعت . وجدت أيمن ويسار يتخبطان بدمائهما . صرخت وصرخت وراحت تلطم رأسها وتدق صدرها بقبضتيها .
باغتتهم عشية يوم العزاء الأخير . دخلت عليهم البيت فجأة ووجهها يقدح بغضب السنين وآلامها . انتصبت كجذع زيتون ، وراحت تخاطبهم من صميم فؤادها المثلوم : << أكثر من ثلاثين سنة وأنا أحمل وانجب فيكم ، حمل ينطح حمل ! يا ما بخلق ثوبي قمطتكم ، لفيتكم !
عصرت دمي قبل ما أعصر في اثمامكم نقطة من غامق حليب صدري ، واسيتكم ، مسحت الدمع من عينكم قبل ما يلمس طرف وجناتكم ، ناغيتكم !
داريتكم مثل ظبية تداري ولدها / حويتكم !
ضميتكم ععاري لحم صدري ، هديتكم !
يا ما اعريت أنا وانتوا ما عريتوا ، مزعت من ذيال ثوبي لركع كد لاح بطرف ردنكم ، كسيتكم !
يا ما حفيت أنا وانتوا ما حفيتوا ، حطيت قدامكم على كفوف ايدي ، داديتكم ، مشيتكم !
يا ما نمت ليلي على كردوس خوف أشوف جوعان ينده من بينكم ـ وينكم !
يا ما بليلة مطر، ليلة ثلج ، ليلة ريح ، بردت أنا وانتوا ما بردتوا ، ارتجفت أنا وانتوا ما ارتجفتوا / شديت حبال الخيمة ودقيت الوتاد ، وبهدم ثيابي غطيتكم ! وسهرت الليالي الظليمة أرعى راحة صافي نومكم ، دفيتكم لما شببتوا وشبيتوا وشبتوا ، ربيتكم يا حيفكم !
ريتكم كنتوا حلم ، كنتوا طيف ، كنتوا وهم ، كنتوا ثلم في بر ولا كنتوا عدم !
عشرين سنة وأزود وبارودكم مالي الفنا وسيطكم عالي السما ، وشبر واحد ، فتر ، قيراط ، ما رجعتوا ، ما حررتوا ، ما رديتوا من الحما ، يا خيبكم ، يا خيبكم !
لو عزت النخوة ، لو انشدت الهمة ، لو كانوا رجال غيركم ، كان قادوا هالأمة من البحر للبحر ، يا ضيركم !
طلعتوا انذال وقل أصلكم ، وصار إلي يسوى ولي ما يسوى من العرب وغير العرب يذلكم ، ويمسخكم ، وينفث سمه في صدوركم ، ويجرجركم وراه مثل كلاب الفلا . ويقل قيمتكم ويهينكم !
وآخرتها ما ظل غير تقتلوا بعض يا خيبكم ، يا خيبتي فيكم يا حيفكم !
ما بدي إياكم ! ريت بطني ما نهض فيكم ، ريتني ما بزرتكم ، انتوا مش اولادي ، انتوا مش اولادي ، انتوا مش اولادي ! اطلعوا من داري ولا توروني وجوهكم !!
وحين شاهدت أم محمد أبناءها يطرقون باهتين ، انقضت عليهم وراحت تدفعهم واحدا واحدا إلى خارج البيت . وطردتهم ، حقا طردتهم .
بعد أيام جاءت إلى ( أبو محمد ) الذي حرصت طوال عمرها على أن تبقيه حيا كي يحبلها ! هزته من كتفيه << شد حيلك يا بو محمد ، بدنا نخلف نسل جديد ، يقوم بثورة جديدة ، اولادنا خذلوا أهلنا إلي ظلوا صامدين في البلاد ، اعتمدوا - يا حسرتي عليهم – علينا تانحررهم ونحررها ! لكن اولادنا خذلوهم ، وكمان نزلوا ابعظهم ، ولي تحت الضرب مش مثل إلي بعد في العصي ، وإذا بدك الصراحة يا بو محمد ، إلي تحت سيف اليهود مش مثل إلي نايم في اوتيلات تونس ! لازم ينهظوا يا بو محمد ويرمونا ورا ظهورهم >> !
فغر أبو محمد فاه وطفق يتوسل إليها :
<< يا ام محمد أنا شخت وعجزت وما عاد فيه حيل، وانت معقول تخلفي بعد هالعمر ؟!>>
<< باطل عليك يا بو محمد ، بيك ظل رجل لسن الثمانين ، وجدك ظل للتسعين ، وقالوا عنه في هذه السن قلب تسع نسوان في ليلة وحده ! شد حيلك يا زلمه وما تخيب رجاي الله لا يخيب لك رجا ! ومن ناحيتي ما عليك ، أنا شفت هاجس في المنام ، قلي بدك تخلفي لسن المية !! وعدد اولادك بده يزيد على المية وخمسين !!>>
وفي الصباح التالي سقت أبا محمد حليبا ممزوجا بالعسل والبيض وماء الزنجبيل ! ابتسم ابو محمد وقد أدرك نواياها . عند المساء وجد نفسه يناطح الجدران !
وحملت أم محمد . حقا حملت . أيقظت أبا محمد لتطلعه على الأمر .
< خير إن شاء الله يا أم محمد >
< ما قلت لك يا بو محمد إنه زارني هاجس في المنام وقلي إني بدي أخلف لسن المية ؟ >
< يا لطيف يا أم محمد ، إذا كان زايرك صادق ، اقرأي على اليهود السلام >
< اليهود يا بو محمد ، الله يسامحك ، والله عمره ما دخل عقلي شك إنهم رايحين يظلوا في يافا ، باطل عليك يا بو محمد ، والله إني شايفها محررة مثل ما أنأ شايفة ظهر كفي . بتذكر يا بو محمد ونت تغازلني تحت الزيتونه ، من وين كنت تطلع يا زلمه ، كنت تدفن حالك في تراب البستان لما آجي ؟ >>
< ييه يا ام محمد لا تذكريني بأيام زمان > !!
********* *********** ************
عندما طال وقوف التاكسي على شارة المرور . نزل السائق وراح يستطلع الأمر . عاد بعد لحظات دون أن يبدو على وجهه أي أثر لتعبير ما . هتفت حماة أم محمد ، فيما أم محمد تداري حملها الكبير جدا بيديها ، وثقاوم موجات الطلق ، هتفت مخاطبة السائق :
< خير يا بني هية الإشارة ما بدها تفتح ؟ >
التفت السائق من خلف المقود وقال بلهجة لا تنم عن أي انفعال :
< الإشارات معطلة يا حجة والسير واقف ، فذاذة الجلالة الأعظم نازل للصلاة > !!
يتبع

محمود شاهين
11-06-2007, 11:24 PM
هتفت الحاجة دون أن يبدو عليها أي انفعال هي الأخرى :
< ورايحين يفتحوا الطريق بعد ما يمر يا بني ؟>
< لا والله يا حجة ، بيقولوا إنه السير رايح يظل مقطوع على بين ما يصلي فذاذته ويرجع !>
وهنا لم تستطع الحماة كبت إنفعالها :
< مش معقول يا بني ، كنتي بتعاني من آلام الطلق وما بتقدر تحصر حالها >
< وأنا شو فيه أسوي يا حجة ، ما باليد حيلة >
< ما فيه طريق توصل للمستشفى غيرهاذي يا بني ؟ >
< ورانا أكثر من ألفين سيارة يا حجة ، ولا يمكنها العودة إلى الوراء ، كان على شرطة السير أن تغير اتجاه السير من قبل حتى لا يحشر الناس ضمن مداخل المدينة >
< والعمل يا بني ؟ >
< ننتظر الفرج >
< الفرج ؟ من عام النكبة وحنا ننتظر الفرج وما أجا يا بني ! >
وتأوهت أم محمد من أعماقها مرفقة آهتها بأنة تذمر حادة تقطع نياط القلب ! هتفت الحماة :
< سلامتك يا ام محمد ، سلامتك يا مرة ابني ! اتحملي يا بنتي باطل عليك ! >
علت صفارات الإنذار مخترقة فضاء المدينة ، مبددة ما تبقى من سكون في كل أركانها ، مثيرة الرعب في نفوس ضعفاء القلوب !!
نزل كثيرون من سياراتهم وهرعوا في محاولة للإقتراب من الشارع ، لعلهم يحظون بنظرة من فذاذة جلالته .
احس السائق أنه من الأفضل له أن ينزل مع النازلين ويهرع مع الهارعين . فنزل وهرع ! استوقفه صوت الحماة :
< لا تتركنا لحالنا يا بني >
< ما رايح أتاخر يا حجة >
وراح يعدو نحو الشارع الرئيسي .
كان الموكب يجتاز شوارع المدينة باتئاد شديد للغاية ، تتقدمه أربع آليات مصفحة ، تصوب مدافعها في وضع تأهب قتالي ، تبعها اثنا عشر قردا من نوع الشمبانزي محمولة على اثنتي عشرة عربة ذات أ قفاص ، فقد كان فذاذته مغرما بالقرود إضافة إلى الكلاب ، وكان يصحب القرود والكلاب معه في جولات كثيرة . تلا القرود عربة مكشوفة تقل ستة كلاب ذئبية ! ! ثم أربعة وعشرون فارسا يمتطون الخيول ، ثم اربعة وعشرون من راكبي الإبل ، ثم ست آليات مصفحة ، ثم قرابة مائة من أفراد الحرس الجلالي راكبي الدراجات النارية . كان هؤلاء قد شكلوا ثلاثة أطواق أحاطت المحفة الجلالية المصفحة ضد الرصاص ، والمرصعة بالدر والياقوت والزمرد ! وبدا فذاذته جالسا في المقعد الخلفي متوسطا كلبين أسودين المانيين كبيرين جدا ! وقد ارتدى زيه العسكري المرصع بالنجوم والسيوف والتيجان التي كانت تثقل كتفيه ، فيما تدلت عشرات النياشين والأوسمة على جانبي صدر فذاذته حتى غطته تماما ! وكان فذاذته - أطال الله عمره - ! يمد يده بين الفينة والأخرى من خلف رأس الكلب أو من أمامه ليلوح بها لجماهير الأمة من خلف الزجاج المصفح . ولم يكن يرافق جلالته سوى المرافق الخا ص الذي دأب على أن يتبع فذاذته حتى غدا كظله ، كان يجلس إلى جانب السائق وعيناه تحدقان إلى كل الإتجاهات نحو جماهير الأمة .
في مؤخرة الموكب وخلف راكبي الدراجات النارية مباشرة ، اندفعت ست آليات مصفحة أخرى ، سارت في ثلاثة أرتال ، أعقبها أربعة وعشرون فارسا أيضا ، شكلوا ثلاثة صفوف ، ثم رتل من راكبي الإبل كذاك الذي الذي تقدم الموكب ، وقد سار على النسق ذاته . تبع هؤلاء إثنا عشر قردا غير شامبانزية ! فقد كانت من نوع الغوريلا ، وقد بدت وقحة للغاية وهي توجه من أماكنها في العربات ذات الأقفاص ، أعضاءها المنتصبة نحو جماهير الأمة ، وتمد السنتها في حركات ساخرة دون أن تكترث لأحد .
خلف هذه القردة لم يكن إلا أربع سيارات عسكرية مكشوفة تحمل رشاشات متوسطة . تبعها سيارات رئيس وزراء الجلالة والوزراء وأفراد الحاشية الجلالية من امراء وقدة جيوش . كان هؤلاء يركبون سيارات أمريكية سود فارهة ، ويتبعون الموكب بمرافقات متواضعة ، مع أن سياراتهم ليست مصفحة ضد الرصاص . والحق أنهم لم يكونوا محتسبين ضمن الموكب الجلالي الفذ ، حتى أن موكب حافلاتهم بدا شاذا وناشزا للغاية ، وأساء كثيرا إلى جمالية الموكب الجلالي المهيب ، برسمه خطا طويلا بدا كذيل الجرذ !
كانت جماهير الأمة تضج بالهتاف والتصفيق كلما أقبل نحوها أول الموكب ، مفتدية فذاذته بأرواحها وفلذات أكبادها ، مما دفع أحد الحمقى إلى التساؤل في سريرته عما إذا كانت حياة فذاذته مهددة بالخطر حتى تفتديه الجماهير بكل شيء .!!
استطاع سائق التاكسي أن يشق له طريقا عبر الزحام ليصبح في مقدمة الحشود . اطمأن حين أيقن أن طوله الفارع سيتيح له مشاهدة الموكب بوضوح ، وإذا حالفه الحظ ، سيشاهد فذاذة الجلالة الأعظم شخصيا ، لأن مشاهدة فذاذته على شاشة التلفاز يوميا ولعدة ساعات لم تكن مرضية لنهمه ! غير ان الحظ لم يحالفه ، فقد كان القدر له بالمرصاد ، حين ساق له نملة ، نملة لا غير ، منعته من مشاهدة فذاذة جلالته ، وحولت يومه ، بل حياته كلها إلى جحيم .
يتبع .

فاطمة الحمزاوي
12-06-2007, 02:03 PM
[color=blue:86fe9a1df1][b:86fe9a1df1]شكرا للعزيز محمود شاهين لرفعك هذه القصص حيث لم اكن اعلم بوجودها..
.
متابعة لزخات حرفك الرائع..
.
مودتي..[/b:86fe9a1df1][/color:86fe9a1df1]

محمود شاهين
12-06-2007, 09:26 PM
كانت النملة تسير في قافلة مع رفيقاتها حاملة حبة قمح حصلت عليها من مخزن مجاور بعد جهد مضن !وكي تتلافى القافلة موطىء أقدام الناس سلكت سفح جدار يمتد إلى جانب الرصيف ، وحين اشتد الزحام راح الناس يتراجعون شيئا فشيئا نحو الحائط إلى أن التصقت ظهورهم به ، دون أن يتنبهوا لقافلة النمل التي بوغتت بالعدوان الذي بدا لها كجند سليمان ! فقتل العديد من نمالها سحقا بالظهور أو سقط أرضا ليداس بالأقدام ، ولم ينج إلا من بلغ أعلى الجدار ، او حالفه الحظ في ان يلوذ بالفرار إلى ناحية لا يصل إليها بشر !
كان سائقنا من بين الناس الذين تراجعوا نحو الجدارليفتكوا بقافلة النمل . إحدى النمال ( وهي نملتنا التي ساقها القدر للسائق ) حالفها الحظ في أن تنجومن السحق ، فقد أفلتت حبة القمح ووقعت على قدم السائق . ظلت للحظات تجوب سطح الحذاء في محاولة يائسة للعثور على مسلك تنجو عبرة ، وكلما انحدرت قليلا أحست باقدام جند سليمان تحاصرها وتغلق عليها المنافذ ، فلم تجد إلا أن ترتدع وتصعد إلى أعلى لتتسلق سا ق السائق دون أن يحس بها ، وظلت تتسلق دون أن يحس بها ، واجتازت الركبة ثم الفخذ دون أن يحس بها ، وتسللت تحت سرواله دون أن يحس بها ، وحين أطل أول الموكب على المكان الذي يقف فيه السائق مع الحشود ، كانت تتوغل في غابة جبلية سوداء مظلمة ، وتضيع فيها دون أن يحس بها . بدت نباتات الغابة غريبة تماما على النملة ففي كل حياتها القصيرة لم تشاهد نباتات كهذه وبهذه الكثافة ، حتى في اسطورة جند سليمان التي توارثتها عن أجدادها !!!!
شرع السائق يصفق مع الجماهير ويهتف بملء حنجرته ، مع أن الذي كان يجتاز الشارع في مواجهته الآليات الأربع الأولى والقردة الشامبانزية التي لم تهدأ في مكانها ، فتدير مؤخراتها نحو الجماهير التي على يمين الشارع تارة ، ونحو الجماهير التي على يساره تارة أخرى .
مرت القردة وكذلك الفرسان ثم الإيبليون الذين بدوا على إبلهم كمهرجي السيرك ، بارتدائهم أزياء فولكلورية مدندشة بعشرات الضفائر والظبابيح الملونة فاقعة الحمرة .
حين أطلت المصفحات الأولى التي تسبق موكب فذاذته ، أخذت الأصوات تحتد فيما رجال الأمن الجلالي المنزرعين بين الناس يحفزون كل حواسهم ويحصون على البشر حركاتهم وسكناتهم وما توحي به هتافاتهم وأيديهم على مسدساتهم . وكانت المصفحات توجه رشاشاتها يمينا وشمالا نحو الجماهير في محاولة للإيحاء بأن الجنود الأشاوس متيقظون لأية محاولة آثمة قد يقوم بها عميل ما للأعداء الصهاينة وغير الصهاينة .
أخذ موكب فذاذة جلالته يقترب . أخذت الجماهير تتدافع و تشرئب بأعناقها لعلها تحظى برؤية فذاذته . رفع السائق قامته ليقف على رؤوس أصابعه ، مما أدى إلى انشداد الملابس وضغطها على النملة التي كانت ضائعة في أخاديد الخصيتين وغاباتهما الكثيفة . وفي اللحظة التي كانت فيها محفة فذاذته تقترب لتصبح في مواجهة السائق ، كان هذا يتطاول بقدر ما يستطيع لتضغط ملابسه بشدة على النملة التي لم تجد مناصا من الدفاع عن نفسها ، فغرست فكيها في جلد خصيتيه . كبت السائق صرخة ألم وهو يجاهد ليتقوقع على نفسه بدفع من بجانبه ليتيح ليده اليمنى النزول إلى ما بين فخذيه ، في محاولة يائسة للمقاومة . لكن وقبل أن تصل يده إلى هدفها أطبق الحذاق من رجال الأمن الجلالي على ذراعيه ، وانهال آخرون بأعقاب مسدساتهم على رأسه ، ثم سحبوه بصمت شديد للغاية ودون إثارة أية ضوضاء .
أفاق السائق من غيبوبته في غرفة تحقيق . لم يعرف أين هو وما جرى له . والأمر الذي يكاد يجننه هو العلاقة بين هذه الحشرة اللعينة التي لدغته ، والرجال الذين أطبقوا عليه وانهالوا على رأسه .
يتبع

محمود شاهين
12-06-2007, 09:27 PM
[quote:47bdf6b1cc="فاطمة الحمزاوي"][color=blue:47bdf6b1cc][b:47bdf6b1cc]شكرا للعزيز محمود شاهين لرفعك هذه القصص حيث لم اكن اعلم بوجودها..
.
متابعة لزخات حرفك الرائع..
.
مودتي..[/b:47bdf6b1cc][/color:47bdf6b1cc][/quote:47bdf6b1cc]

هلا عزيزتي فاطمة
كم يسعدني حضورك
جزيل شكري

منير مزيد
12-06-2007, 09:28 PM
--------------------------------------------------------------------------------

http://www.dailymotion.com/rated/nice_/video/xrxt7_el-watan-el-akbar-all-arabic-stars



ارجوكم شاهدوا الرابط

ارجوا منكم جميعا سماع ذلك

محمود شاهين
14-06-2007, 10:01 PM
اشتدت موجات الطلق على أم محمد . هتفت :
< ما فتحوا الطريق يا عمتي ؟>
< إن شاء الله رايحين يفتحوها يا عمتي ، مر الموكب >
< آه يا ربي وينك انته > !!
وأسلمتا أمرهما إلى الله .
في سيارة الأجرة المجاورة لهما ، كان ثمة عاشق على موعد في المدينة مع أول فتاة تعشقه في حياته ، وعلى هذا الموعد سيتقرر مصير العشق كله . ظل في السيارة ولم ينزل لمشاهدة الموكب ، وكان يزفر متأففا بين الفينة والأخرى .
في السيارة التي تقف خلفهما ، كان ثمة طبيب في سيارته الخاصة ، ورغم أن حياة مريض تتوقف على وصوله في الوقت المحدد لإجراء عملية عاجلة له ، إلا أنه بدا مسيطرا على أعصابه ، وإن كان يتململ خلف المقود وينظر إلى الساعة بين فينة وأخرى .
أمام المسجد الجلالي اصطف الآلاف من جماهير الأمة الجلالية ، وقد أحضر المئات منهم كباشا ليذبحوها وجمالا ليعقروها وأبقارا لينحروها كقرابين عند وصول موكب فذاذة الجلالة الأعظم .
أقبل الموكب تسبقه صفارات الإنذار . تململت الجماهير في أماكنها فيما هيأ أصحاب القرابين سكاكينهم وسيوفهم وبلطاتهم للذبح والعقر والنحر ، وسط التصفيق الحاد والهتافات المدوية .
أخذت الأرتال المرافقة للموكب تجنح إلى جانبي الساحة وتتوقف وقد وجهت الآليات سبطانات مدافعها إلى كل الإتجاهات ، تبعها راكبو الدراجات من الحرس الجلالي الذين راحوا يجنحون يمينا وشمالا ، في حين توقفت محفة فذاذته لتفتح أبوابها على الفور من قبل الحراس ، ولينزل فذاذته باتئاد وتئن دون الكلبين اللذين أرغما على البقاء في المحفة الجلالية .
علا ثغاء ورغاء وخوار الكباش والنوق والثيران التي انهالت على رقابها السكاكين والسيوف .
وقف فذاذته بكل مهابته وقفة جلالية فذة على أرضية فرشت بالطيلسان والحرير وراح يلوح لجماهير الأمة بيديه الجلاليتين الطاهرتين ، فيما الرتب العسكرية والنياشين والأوسمة التي صكت من الذهب والألماس تبرق على كتفيه الجلاليين وصدره الملائكي ، وابتسامة إلهية جلالية لم يبتسمها بشر قط تطفو على شفتيه ، فبدت وكأنها وردة من شقائق النعمان ، طعمت بأزهار الفل والنرجس والياسمين ، وتفتحت في صباح ندي !!!!!
هتفت الجماهير بملء حناجرها وهي تصفق بكل ما لديها من طاقة للتصفيق ، فيما كانت عمليات الذبح والنحر والبقر مستمرة لتخضب دماء القرابين محيط الساحة ، وفيما كانت القردة تصوت وتثب في عرباتها رعبا واستياء من مناظر الذبح ونوافير ومستنقعات الدم التي أعقبتها ، وقد كفت عن إخراج أعضائها ومد ألسنتها وإدارة مؤخراتها لجماهير الأمة !
سار فذاذة الجلالة الأعظم بخطى جلالية مهيبة على بساط مذهب من السجاد العجمي ، ليعتلي المنصة الجلالية ، حيث ستعزف له ثلة من حرس الشرف الجلالي السلام الجلالي الوطني !وما أن اعتلى المنصة حتى وقف في استقامة خارقة وثبات عظيم ، وأدى بيده اليمنى التحية الجلالية الفذة ، فيما كانت الموسيقا تصدح بالسلام الجلالي . وهنا علا صوت المذيع الجلالي الذي كان ينقل وقائع ما قبل الصلاة الجلالية التاريخية العظيمة ، علا ( فض الله فاه ) ليصف الوقفة الجلالية المهيبة قائلا :
< تأملوا يا أبناء الأمة ، تأملوا هذا الجلال المهيب ، هذه الأنفة ، هذا الشموخ ، هذه الكبرياء ، هذا الوقوف الطودي ، هل وقف مثله بشر من قبل ؟! ويل للأعداء ... ! )
الأحمق فض الله فاه وأطاح أسنانه كلها ، يقارن وقفة فذاذته بوقفة البشر ! تصوروا ، بشر ؟! والحق إن الملائكة بل وبعض الآلهة ، لم يقفوا مثل هذه الوقفة ، التي لا يستطيع أن يقفها إلا من هو في مقام زيوس وبعل وإيل وعشتار ورع وإنليل والسابقين لهم ومعظم اللاحقين .
ما أن عزف السلام الجلالي ، حتى نزل فذاذته وراح يستعرض حرس الشرف والمرافقين الخاصين يتبعانه على مسافة أقدام .
أمام المسجد وقف وزير الأديان الجلالي وبعض الملوك (المتوجين وغير المتوجين ) والأمراء والرؤساء والوزراء وقادة الجيوش الجلالية ، ممن كانوا يسيرون خلف الموكب وممن لم يكونوا . وما أن فرغ فذاذة جلالته من استعراض حرس الشرف ، حتى توجه إليهم عبر شريطين حريريين مزينيين بصور فذاذته ، وباقات من الورود النادرة ، وشرائط من القماش الثمين الملون .
كان أول من حظي بتقبيل يدي فذاذته الطاهرتين وزير الأديان الجلالي ، الذي يكن لفذاذته حبا وإخلاصا يعجز عنهما الوصف .
داخل المسجد احتشد الآلاف من أبناء الأمة الجلالية الذين سمعوا أن الصلاة بمعية فذاذته تدخل الجنة ، حتى لو زنى المصلي ألف مرة ، وقتل ألف بريء ، واختلس أموال ألف يتيم ، ولاط ألف غلام ، وقاطع الصلاة والصوم ، وامتنع عن الحج والزكاة ، ولم ينطق بالشهادتين ، إلا ذلك اليوم . لذا احتشد المسجد بالآلاف ممن يطمحون في مسح الذنوب وتبييض الجيوب وتطهير الأنفس والقلوب ، ودخول الجنة عبر السراط المستقيم ، ليتمتعوا بنعيمها ، ويتقلبوا على صدور الفاتنات من حور العين اللواتي لم يمسسهن من قبل لا إنس ولا جان ، ولا يتبولن ولا يتبرزن ، ويعدن عذراوات بعد كل افتضاض ، وليس لجمالهن نظير ! وكذلك لينعموا بالولدان المخلدين وليترعوا كؤوسهم من أنهار الخمر وليشربوا من ماء معين ! جعلنا الله وإياهم من عباده الصالحين ، واغدق علينا ما سيغدقه عليهم أجمعين ، في يوم الدين ، آمين !!!!
يتبع !

محمود شاهين
16-06-2007, 09:24 PM
داخل المسجد احتشد الآلاف من أبناء الأمة الجلالية الذين سمعوا أن الصلاة بمعية فذاذته تدخل الجنة ، حتى لو زنى المصلي ألف مرة ، وقتل ألف بريء ، واختلس أموال ألف يتيم ، ولاط ألف غلام ، وقاطع الصلاة والصوم ، وامتنع عن الحج والزكاة ، ولم ينطق بالشهادتين ، إلا ذلك اليوم . لذا احتشد المسجد بالآلاف ممن يطمحون في مسح الذنوب وتبييض الجيوب وتطهير الأنفس والقلوب ، ودخول الجنة عبر السراط المستقيم ، ليتمتعوا بنعيمها ، ويتقلبوا على صدور الفاتنات من حور العين اللواتي لم يمسسهن من قبل لا إنس ولا جان ، ولا يتبولن ولا يتبرزن ، ويعدن عذراوات بعد كل افتضاض ، وليس لجمالهن نظير ! وكذلك لينعموا بالولدان المخلدين وليترعوا كؤوسهم من أنهار الخمر وليشربوا من ماء معين ! جعلنا الله وإياهم من عباده الصالحين ، واغدق علينا ما سيغدقه عليهم أجمعين ، في يوم الدين ، آمين !!!!
حين اطل فذاذته من باب المسجد هب الجميع وقوفا وظلوا صامتين ، ولم يعودوا إلى الجلوس إلا بعد ان أخذ فذاذته مكانه أمام اربعة صفوف تخللها العشرات من أفراد الأمن الجلالي ، والذين كان جل همهم اليقظة والترقب مخافة أن يظهر مدسوس من بين المصلين ويقدم على مكروه قد يطال فذاذته بالسوء.
مراسلو ومصورو التلفزة والصحافة الذين ( قبحهم الله ) دخلوا بيت الله دون أن ينزعوا أحذيتهم ، بدوا منهمكين للغاية في نقل وقائع هذه اللحظات التاريخية العظيمة التي يجلس فيها فذاذته بين يدي الله ، وديعا أليفا بريئا مطمئنا مستكينا متسربلا بمسحة من الإيمان الفذ !
شرع إمام المسجد في إلقاء كلمة بدأها بالإشارة إلى أنه شاهد الله يرحب بفذاذته في بيته ، وأنهاها ( فض الله فاه هو الآخر لأنه أجحف بحق فذاذته ) بالتأكيد فقط على أن فذاذته أعظم زعيم عرفته البشرية منذ أن خلقت ! غير أن مذيع التلفزة والراديو الجلاليين ، أصلح الأمر بعد أن أدرك خطأه السابق وخطأ الإمام ، حين راح يضع فذاذته في مكانته الحقة بين الآلهة ، وراح يتحدث بانفعال شديد عن الهالة النورانية التي تشع من وجه فذاذته ، وهو يجلس بخشوع مهيب بين يدي الله ، ثم بانفعال منقطع النظير رافقه الصراخ والعويل إلى درجة بح فيها صوته ، حين راح يتحدث لمواطني الأمة الجلالية عن ظهور الملائكة في فناء المسجد:
< يا أبناء الأمة ، يا مواطني المملكة الجلالية ، في هذعه اللحظات المهيبة ظهر الملائكة بأجنحتهم البيض وراحوا يحلقون في فناء المسجد ، إني أراهم بأم عيني ، شاهدوهم ، انظروا إليهم ، لقد أرسلهم الله ليباركوا فذاذة جلالته الأعظم ، هاهم يحلقون وينزلون كسرب من اليمام ، ليشكلوا غيمة تظلل رأس فذاذته ، فذاذة الجلالة الأعظم ، الذي انبثق من وجهه نور إلهي يبهر الأبصار ، هاهم أيها الأخوة يحطون أمام حبيبنا وحامينا فذاذة الجلالة الأعظم ، ويسجدون له ! نعم نعم ! الملائكة ، رسل الله في الأعالي ، بعث بهم الله نفسه ليتباركوا منه ويقدموا له الولاء ! يا يا يا يا يا أبناء أمتنا الجلالية الملائكة يركعون ويسجدون لأعظم العظماء طرا ، فذاذة الجلالة الأعظم . افرحوا ، افرحوا يا أبناء أمتنا ، زغردوا ارقصوا ، اطلقوا النار ابتهاجا ، والمدافع اصطهاجا ، فإلى الجنة أنتم إلى أحضان حور العين ، بمعية حبيبكم الأعظم ، يا يا يا ، هيا هيا هيا ... >
وهنا ارتبك المصلون داخل المسجد ولم يعرفوا فيما إذا كان عليهم أن يفرحوا ويبتهجوا أم يسجدوا لفذاذته كما الملائكة ، أم يبدأوا الصلاة لله القدير ، ولم يخرجهم من هذا الإرتباك إلا إعلان إمام المسجد ألإذعان للمشيئة الإلهية والسجود لفذاذة الجلالة الأعظم ـ فسجد الجميع إلا ابليس ( لعنه الله وفذاذة الجلالة ونحن ) الذي كان متنكرا في زي الراوي الذي ينقل هذه الوقائع التاريخية العظيمة !!
يتبع

محمود شاهين
18-06-2007, 10:46 PM
وفي اللحظة التي كان فيها الناس يستمعون إاى الراديو أو يرقبون التلفاز ، انطلقت المدافع والرشاشات احتفاء بالمناسبة العظيمة ، فراح الجميع ممن لديهم أسلحة ، يطلقون النار في الفضاء : في المدن والقرى ، في الشوارع والأحياء ، وفي كافة أنحاء المملكة الجلالية الشاسعة متعددة الممالك ، أخرجوا بنادقهم ومسدساتهم وراحوا يطلقون النار ، في حين كانت مدافع ورشاشات الجيوش الجلالية ، وأفراد الأمن الجلالي ، والشرطة الجلالية ، تطلق قنابلها وطلقاتها ، لتلتهب السماء بالنار والرصاص والدخان ، ولتضج الأرض بهدير المدافع ، ولتهتز جدران البيوت ، ولتتساقط القذائف المرتدة في الشوارع والأحياء أ في الأودية والجبال ، على سطوح الأبنية والبيوت ، وعلى رؤوس بعض المواطنين ، فدب الذعر في قلوب ضعفاء النفوس ، وعم الصراخ والعويل ، وسادت الفوضى ، وسقط الآلاف تحت الأقدام ، أو خروا صرعى أو جرحى ، وضجت أبواق السيارات الواقفة على شارات المرور ، أما تلك التي كان مسموحا لها بالسير في شوارع العواصم والمدن الجلالية ، فقد أطلقت عنان أبواقها وراحت تعبر الشوارع بجنون ، ورصاص طائش ينطلق من نوافذها . وفي الوقت نفسه ، قرعت الطبول ، ودقت نواقيس الكنائس ، وانطلق آذان خاص من المساجد ، وعلت صفارات الإنذار ، حتى تلك التي لا تطلق إلا في أيام الحرب ، مما جعل بعض الناس يعتقدون أن حربا مع الأعداء قد نشبت ، أو أن الساعة قامت !
في المسجد راح فذاذته يودع كبار المصلين بعد إنهاء الصلاة !! وقبل خروجه من المسجد وجه أوامره بالتوقف عن إطلاق النار والإكتفاء بالإبتهالات والإبتهاجات الأخرى . تم التوقف ، لكن ليس على الفور ، فقد ظل بعضهم يطلقون النار إلى ما بعد اسبوع من الواقعة الملائكية الخارقة ، التي اعتبرت مناسبة قومية ينبغي على مواطني الأمة الجلالية أن يحتفلوا بها كل عام ، ويقيموا الأفراح والليالي الملاح ، لمدة ثلاثة أسابيع !!
الحافلات ظلت واقفة على شارات المرور منتظرة عودة فذاذته إاى العرش الجلالي ، وقد نالت نصيبها من الطلقات المتساقطة من السماء ، فتكسر بعض زجاجها وثقبت سقوفها ، وأغمي على بعض ركابها ، وأصيب آخرون بالسكتة القلبية . من بين هؤلاء الذين سكتت قلوبهم ، العاشق والطبيب ، العاشق قتله طول الإنتظار ، والطبيب قتله الرعب ، لم يحتمل قلبه هول ما جرى ، ألقى رأسه على المقود ومات !
صاحبنا السائق أقنع المحققين بعد أن كسروا له ضلعين إضافة إلى كسر في الرأس ، أنه أنزل يده ليحك <والله ليحك > ولم يكن ليحك لو لم تلدغه حشرة ما – ربما تكون نملة – أو أي شيء من هذا القبيل ! ثم إنهم لم يعثروا معه على أي شيء يثير الشبهة ، حتى ولا سكين ، واقتنع المحققون ، حقا اقتنعوا ، غير أنهم اعتبروا فعلته تهكما وسخرية واحتقارا لفذاذته ، إذ كيف يفكر في حك ما بين فخذيه ، بل سوأته وبيضتيه ، في الوقت الذي يجتاز فيه موكب فذاذته الشارع ؟ < هل قل الإحترام إلى هذا الحد ؟ يحك قباحته التناسلية بدلا من أن يسجد أو يركع ، أو أن يهتف ويصفق لفذاذته على الأقل ، أين مقام فذاذة الجلالة الأعظم ، أين يا حيوان ؟ >!!
وتوسل السائق < والله والله إني أكن له كل الحب والولاء والإخلاص والإحترام ، وكنت وقتها أمني نفسي بمشاهدة وجهه الجلالي الطاهر >
< إخرس وله كلب ! وتقول < له > فذاذة الجلالة الأعظم يقال عنه له ؟ ! كلب ! > ولطمه المحقق على فمه ليكسر له سنين! وأمر بإيداعة زنزانه على عمق عشرة امتار تحت الأرض إلى أن يبت في أمره أو ينفذ فيه الحكم العسكري الميداني !!
يتبع .

محمود شاهين
19-06-2007, 08:18 PM
في الوقت الذي كانت فيه الدنيا تضج بالخوارق والصخب والجنون والخرافات ، كانت موجات الطلق تحاصر أم محمد اليافاوية ( الله يسامحها ! إلا أن تلد هذا اليوم ؟) كانت الموجات تحاصرها وتكاد تخنقها ، فيما العرق يتصبب من مسام جسدها ، وصراخها يعلو ليختلط بصخب الإحتفاء ، وحماتها تفك أزرار ملابسها وتفتح لها فخذيها لتولدها في التاكسي ، دون أن تعير أي اهتمام لما يجري حولها .
وحقا ولدت أم محمد في التاكسي ، اندفع الوليد من الرحم مرة واحدة وكان ذكرا ، هللت الحماة وزغردت غير أنها فوجئت بأم محمد تزحر من جديد ليندفع وليد ثان !! فهللت وزغردت وراحت تقطع حبل السرة بأسنانها ، وما كادت تقطعه وتعقده حتى بوغتت بأم محمد تهتف لها بأن رحمها ما يزال ممتلئا بالأولاد ! فزغردت وراحت تتلقف الوليد الثالث ، وحين اندلق الوليد الرابع أخذت تردد ( خير يا ربي خير ) وودت لو أنها في البيت لتطلب بخورا ، لتبخر أم محمد كي لا تصاب بأعين الحساد . والحق أنه لم يكن هناك من يحسد ، فقد كان الناس منشغلين بأنفسهم ، بل بمصائبهم ، سواء الذين كانوا منتظرين في السيارات أو الهارعين في الطرقات ، الأموات منهم والجرحى ، الذين أغمي عليهم والذين ما زالوا أحياء !
اندفع الوليد الخامس . جنت الحماة من الغبطة وراحت تردد مقولتها بصوت أعلى ( خير يا ربي خير ، خير يا ربي خير ، أللهم صل على سيدنا محمد ، اللهم صل على سيدنا محمد ، كما صليت على سيدنا ابراهيم ، وعلى آل سيدنا ابراهيم ، في العالمين ، إنك حميد مجيد !) ونفخت في أنف الطفل ، وقطعت حبل السرة بأسنانها كالعادة ، وعقدته ، ثم امسكت الطفل من قدميه وقلبته رأسا على عقب ، هزته ثلاث مرات وألقت به على المقعد الأمامي إلى جانب اخوته ، وانثنت لتفتح فخذي أم محمد أكثر من ذي قبل لترى فيما إذا فرغ الرحم ، غير أنها سمعت صراخا قادما من الداخل وهذا ما أطار صوابها ، فهذا السادس يصرخ قبل أن يخرج إلى النور ، تلقفته الحماة كما تلقفت سابقيه ، وعالجته كما عالجتهم ، وحذفته إلى جانبهم . كانوا يصرخون بأعلى أصواتهم بينما لسانها لا يتوقف عن النطق وترديد التعاويذ :
< حوطتكم بالله وحفظتكم بالله وقمطتكم بالله وثنيتكم بالله ، وربطتكم بالصلاة على النبي ! اللهم صل على محمد ، دياتكم عشرة ورجلياتكم عشرة وحضروكم اولاد الخليل عشرة ، اللهم صل على محمد >
ولم تتنبه إلى انها أخطأت في عد الأيدي والأرجل ، فقد انبعث أنين أم محمد التي أخذت تغيب عن الوعي . انثنت إليها وسترت فخذيها ، وقد تنبهت إلى أنها تنزف ، مددتها في استقامة على المقعد ، وشرعت تقرأ على رأسها تعويذة ، إنما دون بخور ودون حتى ذرة تراب !
< عين الحسود فيها عود ، عين الجار فيها نار ، عين الظيف فيها سيف ، عين المرا فيها بلا ! اللهم صل على محمد >
وتنبهت إلى أن السيارات أخذت تتحرك مطلقة أبواقها ، لقد مر الموكب وفتحت الطرق < وهذا السائق لم يأت ، أين ذهب يا ناس ؟ > والسيارات التي تقف خلفها أخذت تطلق أبواقها بجنون طالبة فتح الطريق .
نزلت من التاكسي تاركة الأطفال يصرخون وأم محمد ملقاة في المقعد الخلفي وقد خفت أنينها . هرعت نحو السيارة التي خلفها مباشرة ، كان الطبيب ميتا خلف المقود . هرعت إلى السيارة التي على يمينها ، كان العاشق ميتا أيضا ! هرعت إلى الخلف ، شاهدت أناسا يتململون في سياراتهم كالأشباح ، راحت تتوسل إليهم :
< الشفير راح وما رجع يا خيي ، وكنتي ولدت في التكسي ، ونزيفها ما وقف ، اسعفونا ألله يخليكم ، ساعدونا ألله يساعدكم ويقف معكم >
ولم يسمع أحد ، ولم يكترث أحد ، والأبواق تضج بجنون ، وقد أخذت السيارات تجنح من هنا وهناك باحثة عن مسلك لتتابع سيرها بسرعة جنونية ، وكأنها تبحث عن الخلاص بعد انهيار الأعصاب وطول الإنتظار القاتل المقيت .
ظلت الحماة تشرع يديها للسيارات ، تهتف تصرخ تستنجد تستغيث ، دون أن يغيثها أحد ،إلى أن جاء سائق فلسطيني ، بعد قرابة ساعة من تحرك السير ، أدرك أنها فلسطينية من زيها ولهجتها ، أوقف سيارته جانبا وهرع إليها ، ألقى نظرة نحو مفاتيح السيارة فوجدها في مكانها ، رفع الوليدين اللذين خلف المقود وأعطاهما للحماة التي قرفصت إلى جانب أم محمد . امتطى السيارة على عجل وانطلق بها إلى المستشفى .
هزت الحماة كتفي أم محمد وخاطبتها باسمها ، غير أنها لم ترد ، ولم تستجب لأية حركة . لقد فارقت الحياة . هتفت الحماة والسيارة تنطلق بأقصى سرعة مطلقة بوقها :< لا مستحيل تموت ! قالت أنها ستنجب حتى سن المائة !! >
وراحت تكرر عبارتها وتنتحب وهي تهز الوليدين اللذين في حجرها ، في محاولة لتهدئتهما ، فيما السائق يطير بالسيارة لاختصار الزمن الذي سيصل خلاله إلى المستشفى !
آب 87 – أيلول 89
نهاية القصة !
إلى اللقاء في قصة ( أولادي ... نشيد القدر )

محمود شاهين
12-07-2007, 09:57 PM
إلهي الذي لم يتسع له إلا قلبي !
ساعة وانا أبحث عن شريط قصصي !
يبدو أن الكبر عبر بجدية ولنم نعد نرى .
بدأت في تنضيد قصة جديدة لكن العمل والضيوف أوقفوني ! مين ممكن يعيرني شوية زمن !

محمود شاهين
05-09-2007, 10:03 PM
أجلت قصة أولدي وشرعت لكم في غيرها.

موتي وقط لوسيان
صدرت عن وزارة الثقافة الفلسطينية 1998
( قصة طويلة جدا)
في الوقت الذي كنت فيه أفكر في الموت ، في محاولة يائسة لإبعاد شبحه عني ، جاءني هاتف من لوسيان ،تخبرني أن محمود مات ، وتطلب مساعدتي لدفنه في مقبرة.
أطرقت قليلا إلى أن أدركت من هو محمود ، ولحظتئذ لم اعرف ماذا أفعل، هل أضحك أم ابكي أم أغضب؟! قلت للوسيان دون اكتراث أن تلقي بهذا المحمود في القمامة وتحاول أن تنساه وتفكر في ما هو أهم.
راحت تصرخ على الطرف الآخر من الخط بعربية تخالجها اللكنة الفرنسية :
( في القمامة أيها المجرم الشرير، في القمامة؟ إنه روح يا من تدعي أنك تكتب عن الروح والحياة ، على اية حال لا أريد مساعدتك ، ولن احضر إليك هذا المساء
، لا أريد دعوتك )!
وأقفلت الخط ليظل صدى كلماتها يتردد في مخيلتي ، يضغط على صدري ، يعتصر قلبي ويثقل نفسي ، ومع ذلك لم أحاول الإتصال بها على أمل أن تأتي في المساء – رغم ما قالته- وأوضح لها الأمر.
كنت قد استيقظت هذا الصباح والرعب يجتاح جسدي من رأسي حتى قدمي. فقد رأيت في نومي لحاما يحمل على كتفيه رجلين مذبوحين و مسلوخين ! ويدخل بهما إلى الملحمة. كان رأسا الرجلين يتدليان على ظهر اللحام وقد بدا تماما أنهما ذبحا من الوريد إلى الوريد ، أظن انني صرخت حينئذ واستيقظت على أثر ذلك . ألقيت نظرة خاطفة على ما حولي لأتأكد من أنني في غرفتي ، وانني كنت في كابوس لا أكثر . كابوس ككل الكوابيس التي أراها دائما. زفرت عدة أنفاس عميقة متلاحقة في محاولة لتهدئة أعصابي وطرد الذبيحتين من مخيلتي . ألقيت نظرة على الساعة ، كانت حوالي السادسة ، إنه الوقت الذي أنهض فيه عادة لأكتب . أخرجت السدادات من أذني لأبدأ اتصالي المباشر بالعالم الخارجي المحيط من حولي ، طرقت أذني مجموعة أصوات متناثرة من هنا وهناك ، لم أكترث للمسألة ، ونهضت لإعداد الشاي. وضعت الماء على الناروعدت لأفتح المذياع متفقدا اخبار الموت الفلسطيني ، أو لأقل أخبار القتل. فالقتل ثاني شيء يعيد ربطي بالعالم الخارجي ، بعد الضوضاء والصخب والضجيج ، إذ يتوجب علي معرفة كم قتل منا هذا اليوم ؟
وإذا ما انتابني شك في أن عدد القتلى قليل ، رحت اتصل بمكاتب الإعلام الفلسطينية لأجزم بحقيقة الأمر . ، أما إذا لم ينتبني ، فيتوجب علي أن أعيد النظر في العملية الحسابية التي شرعت فيها منذ قرابة عشرين عاما ، أعقد عملية حسابية يمكن أن يتخيلها المرء ، شرعت فيها منذ ذلك الوقت ، بغية الوصول إلى أمرين . الأول : هل يمكن إفناء الفلسطينيين على ضوء هذا المعدل في القتل ؟ والثاني : متى سيحل قتلي ؟! ونظرا لأن عدد القتلى يكثر كل شهر أحيانا ، فإنني في حاجة لإعادة النظر في العملية . فمثلا توصلت في شهر كانون أول من عام 68
إلى أنني سألاقي حتفي في العقد الخامس من القرن الحادي والعشرين ! أي أنني سأعمر أكثر من مائة عام ! فيما توصلت إلى أن إمكانية إفناء الفلسطينيين مستحيلة تماما . وجاء عام 1970 لينسف توقعاتي ، فقد قصر عمري أكثر من ستة عقود ، حتى أنني توقعت أنني سألاقي حتفي عام 1986 . وبما أنه لم يبق من هذا العام إلا قرابة شهر ، فإنني أترقب موتي لحظة بلحظة . والأمل في أن تخطىء توقعاتي ضئيل للغاية ، أما فناء الفلسطينيين فقد تبين لي على ضوء ما تمخضت
عنه المجازر الأيلولية ، أنه أمر ممكن ، بل وممكن جدا ، وجاءت الأعوام اللاحقة لتصفعني الصفعة تلو الصفعة ، وتدفعني لأن أحسب عمر الفلسطينيين بالقرن بعد ان كنت احسبه بالألف عام ، حتى انني في هذا الشهر اللعين أو الشهرين اللعينيين
اللذين ينتهي بهما عام 86 ، أخذت أفكر في أن أحسب عمر الفلسطينيين بالعقد ! فقد وصلت الأمور إلى حد مرعب ، حد صرح فيه زعيم حزب عربي بانه سيقف ضد أي توسع فلسطيني خارج المخيمات! لقد غدا خروجنا من المخيمات توسعا ، ودخولنا إلى قرية عربية احتلالا ، وانشطار أجسادنا تحت القصف المدفعي عدوانا ، وهذا يعني أن مخيماتنا في بعض الدول العربية غدت تعامل كقواعد استعمارية
معادية ، وينبغي أن تسحق! وعندما أضيف إلى هذه الوقائع فظائع المحتلين داخل وخارج الأرض المحتلة ، والإنشطارات الجبهوية والمنظماتية في الثورة ، وغياب الوحدة الوطنية ، وتشتت الرؤى الثورية ، وتفشي البيرقراطية والإنتهازية ، والتخاذل ، في الساحة الفلسطينية ، أجد نفسي أغرق في التشاؤم ، ويطبق اليأس على روحي المدمرة ، ليفقدني أي أمل بالحياة . غير انني وفي أحيان نادرة ، أحاول مقاومة اليأس بما يؤكد بقاء الفلسطينيين وتكاثرهم بشكل يستحيل على الفناء ، فأحسب كم ازداد عددهم في كافة أماكن تواجدهم ، فأجد ان سكان 48 قد ازدادوا قرابة خمسة اضعاف في أربعين سنة ،وسكان 67 ازدادوا أكثر من ضعفين في عشرين عاما ، وسكان المنفى ازدادوا أربعة أضعاف عما كانوا عليه عند بدء منفاهم . وامعن في التفاؤل إلى حد اقول فيه لنفسي: ولك حتى أنت الذي لا تؤمن بالمؤسسة الزوجية ، تزوجت مرتين ، وعاشرت قرابة خمسين امرأة من القارات الخمس ، بحيث غدوت لا تعرف كم عدد ابنائك. فكيف تفكر بالفناء ؟! وأحاول تصديق ما أقوله لنفسي ، فأغصب نفسي على ابتسامة صفراء هزلية مصطنعة .

يتبع ؟

محمود شاهين
10-09-2007, 12:49 AM
أخذت أخبار القتل تتوالى عبر المذياع . رباه كم كان هناك من القتلى : قتلى في جامعة بير زيت ، قتلى في غزة ، جرحى في أماكن اخرى من الأرض المحتلة ، عشرات القتلى في مخيمات : عين الحلوة ، الرشيدية ، برج البراجنة، شاتيلا، ولم تتطرق الأنباء إلى مخيم صبرا، فقد سحق مخيمها بالمدافع الأخوية منذ زمن قريب، وردمت كل أبنيته، لينسى تماما إلا من الذاكرة الفلسطينية وحدها. تأففت قهرا وغضبا وقذفت( في نفسي ) مجموعة من الشتائم على الكون والآلهة والعالم ! وقد غابت من مخيلتي كل مؤشرات البقاء ، بما في ذلك نسائي وأبنائي ، ليحل القتل بكل فظاعته.
حضرت الشاي ورحت أحتسيه . أغلقت المذياع وشرعت في قراءة آخر مشهد في الرواية . الرواية التي بدات كتابتها أواخر عام 80 ، ولم أفرغ منها حتى الآن ، وبت أشعر وكأنني بدأتها منذ سبعين عاما وليس سبعة أعوام ، لكثرة ما قتلتني واعتصرت دمائي قطرة قطرة ، ، أرهقت اعصابي وسلبت مخيلتي . كتبت فيها حتى الآن قرابة ألف و مائتي صفحة ، ولا أعرف كم سأكتب بعد ، ولا أعرف متى سأنتهي ، ولو كنت أعرف أنني سأكرهها إلى هذا الحد ، لما شرعت في كتابتها ، أو لأجلت ذلك ، . لا اظن ان هناك ما هو مرهق في الحياة أكثر من كتابة الرواية .
لم يرق المشهد لي ، أحسست أنه مكتوب بلغة جافة ميتة ليس فيها أي أثر لحياة ، رغم انني كتبته ثلاث مرات . ثم إن ما يحيرني هو مصير ابطالي، الذين لا اجد مفرا من جعلهم يواجهون قدرهم ، وهو هنا قدر كل الأبطال الفلسطينيين عبر التاريخ . بدءا من جليات الذي تقول الأسطورة التوراتية أن داود قتله بحجر من مقلاعه ، مرورا بيسوع المسيح ، وانتهاء بعبد القادر الحسيني ، وأبو علي إياد ، وغسان كنفاني ، وماجد ابو شرار . كم احاول أن أجد لهؤلاء الأبطال منفذا ، فأعود إلى جليات في محاولة يائسة للبحث عن أمل ما ! فأجد ما لا يصدق ، أجد ان داود الصغير قد صرعه رغم العملقة التي تصوره فيها التوراة < فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات من جت ، طوله ستة أذرع وشبر ، وعلى راسه خوذة من نحاس ، وكان لابسا درعا حرشفيا ، ووزن الدرع خمسة آلاف شاقل نحاس ، وجرموقا نحاس على رجليه ، ومزراق نحاس بين كتفيه ، وقناة رمحه كنول النساجين ، وسنان رمحه ستمائة شاقل حديد >
رباه ( أقول لنفسي ) ورغم كل هذا صرعه داود بالمقلاع؟! اللعنة ! هل يكمن قدرنا في انه كتب علينا القتال مدى الحياة دون تحقيق النصر ؟! وبالتالي لا يمكن لحياتنا أن تتجدد إلا بالموت ، طالما أن اليهود لم يفنونا رغم طول هذا الصراع عبر التاريخ ؟!
هذا ممكن ( أقول لنفسي ) وأنهض لقضاء حاجتي الصباحية ، وقد داخلني شيء من الطمأنينة لما أظنه صواب أفكاري !
قضيت حاجتي وأنا اتصفح كتابا عن المجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين ، تناولته من مكتبة المرحاض !! عثرت على مجازر لا يكاد يسمع بها أحد ، ارتكبت في قطاع غزة عام 1956. وفظاعتها تفوق كثيرا العديد من المجازر النازية ، حتى تلك التي استخدمت فيها الأفران لحرق السرى . فمن يصدق مثلا أن الجيش الإسرائيلي دفن في الصحراء 1800 شاب في يوم واحد ، وقد دفن معظمهم وهم أحياء .؟!
تنبهت إلى أن الكتاب أخذني بحيث جعلني أمضي في الحمام أضعاف الوقت المطلوب ! لقد أضعت الوقت ! ينبغي ان أغسل وجهي وأحتسي القهوة . سأحتسيها وأنا أكتب .
سارعت إلى التنفيذ .. جلست على طاولة الكتابة لأقود بطلي إلى نهايته ! أنا في العادة اكتب في السرير ، لكن وجود طاولة في هذا البيت الصغير الذي استأجرته منذ فترة ، شجعني على استخدام الطاولة .
كيف سأميت هذا البطل ؟ ابطال كثيرون في روايتي وينبغي علي أن أبحث عن ميته تليق بكل واحد. هذا في مواجهة مع المحتلين . وذاك في السجن ، وذاك وذاك .. رباه كم أحتاج إلى أشكال من الموت ؟ ثم إنني نسيت أن أغلق أذني قبل أن تضج الحارة بابواق باعة النفط ، فانا لا استطيع الكتابة وحتى النوم والقراءة ، دون ان أغلق اذني ، لتلافي هذا الصخب المدمر للأعصاب ، وخاصة ذاك المنبعث من أبواق باعة النفط ، أو المازوت كما يسمونه في دمشق . فظيعون باعة المازوت هؤلاء ، فهم يقتلونني بطريقة عجيبة ، لا يشرعون سيوفا لجز الرؤوس ، ولا ينصبون مشانق ، أو يرمون بالرصاص ، لا لا ، إنهم لا يفعلون هذا أوذاك ، إنما يجننونني بأبواقهم الفظيعة ، فما أن يقبل أحدهم على الحي من بعيد وفي الصباح الباكر ، ممتطيا عربة حصانه المشرشب ، المزين بالشرافات والظبابيح والضفائر الملونه ، التي غالبا ما تكون حمراء ، حتى يسبقه صوت البوق المخيف ، مخترقا النوافذ والشرفات ، الحوائط والجدران ، الرؤوس والجماجم ، موقظا الناس من عز النوم ، فابادر حينئذ إلى وضع السدادات في اذني لأستانف النوم ، اما إذا كنت أكتب فإن الأمر يتطلب ان اسارع إلى دفع السدادات عميقا داخل أذني في اتعس محاولة للتخفيف من حدة الصوت الذي يخترق تلافيف دماغي ، يشل تفكيري ، يجمده تماما ، فتغدو الكتابة أمرا محالا ، بل مستحيلا ، لذا أتوقف في أحيان كثيرة ، فهذه السدادات تفيد قليلا لكنها لا تحل المشكلة ، أنتم قطعا لم تسمعوا أبواق باعة المازوت هؤلاء طالما لم تسكنوا الأحياء الشعبية في دمشق ، كيف اصفها لكم ؟ فهي ليست كابواق سيارات النجدة أو الإسعاف ، وليست كابواق إنذارات الخطر كلها ، حتى تلك الأبواق المرعبة التي تسبق عادة مواكب الزعماء . بل إن هذه تبدو جميلة إذا ما قورنت بها . أما بوق بائع المازوت فهو عجيب ، صوته حاد جدا ، وهو بوق عجيب حقا ، ينتهي بكرة مطاطية ممتلئة بالهواء ، يضغط البائع عليها
فتخرج صوتا يأخذ طريقه على الفور إلى تلافيف الأدمغة ، فيشل حركة الأعصاب !! وكل بائع مازوت يضغط على الكرة بطريقة تميزه عن الآخرين ، فقد تسمع واحدا يضغط ضغطة طويلة جدا في البداية ، يتبعها بضغطة أقصر قليلا ، ثم أخرى قصيرة تماما ، وآخر يضغط ضغطتين طويلتين ثم واحدة قصيرة فواحدة طويلة جدا ! فالجميع يحاولون تأليف ألحان موسيقية فظيعة بضغطاتهم . ويكررون هذه الألحان مرة كل دقيقة ، مع ان الحارة تكون قد استيقظت ابشع استيقاظ يمكن أن يستيقظه بشر .
كم مرة اطلقت النار على باعة الزفت هؤلاء . اطلقتها في خيالي طبعا ، إذ لا أتصور أن أقتل أحدا من هؤلاء التعسين حقيقة . بالتاكيد لن افعلها . صحيح انه لدي مسدس في درج طاولتي ، أحتفظ به كاي فلسطيني ، حتى أدافع به عن نفسي إذا ما حان قدري ، لكني لن استخدمه ضد باعة المازوت ، وليس ضد الآلهة أيضا ، إذ اعرف ان قدري لن يكون على ايديها .. رغم ان كل واحد من هؤلاء يغشنا في السعر والمكيال والما زوت المخلوط بالماء ، فقد أخذ احدهم 85 ليرة بينما أخذ آخر 75 ، وآخر 65 ، مع ان الكمية التي ابتاعها ثابتة لا تتغير . وإذا ما حاولت إقناع البائع بان اوعيتي لا تتمدد ولا تنتفخ ، ولا تتسع لأكثر مما تتسع ، وأن سعر ملئها لا يتجاوز 54 ليرة حسب تسعيرة الدولة ، فإنه يحرمني من المازوت في عز الشتاء . لذا بت أسلم بالغش واتعامل معه كامر واقع . حتى انني أخذت أشكر جاري عندما يبيعني كيلو السكر بعشرين ليرة مع أنه يبتاعه بليرة ونصف !
ما يزعجني أن نسبة الغش غير ثابتة ، وتختلف من بائع لآخر ، وفيما يتعلق بالمازوت ، لا أذكر أن بائعا اخذ مني نفس المبلغ ، وإذا ما أخذنا بالإعتبار نسبة الماء غير الثابتة أيضا التي تضاف إلى النفط ، فإن الغش يكون فظيعا جدا .
وأعجب ما في بائع المازوت هذا أنه يظن نفسه اهم من ملك او رئيس جمهورية ، وفي أسوأ الأحوال يظن نفسه اهم من رئيس حزب أو زعيم منظمة فلسطينية ، وقد يكون محقا في ذلك ، وخاصة حين يقترب من الحارة أو يعلن حضوره فيها ، مطلقا الف صرخة من بوقه الفظيع ، فتطل الرؤوس منفوشة الشعر من النوافذ والشرفات وشقوق الأبواب ، وتجحظ العيون المعمصة التي ارهقها السهاد أو اكسلها طول الرقاد ، وهي تحدج البائع بنظرات بلهاء . ويهرع البااحثون عن المازوت لتشغيل مدافئهم وحماماتهم ، فيزهو بائع المازوت بنفسه ويدور حول الحصان المشرشب متبخترا ، والناس يحدقون إليه وهو يحدق إليهم ، راميا نظراته هنا وهناك ، نحو الطوابق العلوية والسفلية ، ويده لا تكل ولا تمل من الضغط على هذا البوق العجيب ، وهنا بالذات يشعر أنه يؤكد حضوره امام كل الناس ، وأن الجميع في حاجة إليه ، وانه بالتالي أهم من ملك أو رئيس جمهورية !وهؤلاء حسب زعم جارتي الشامية يستوطنون التلفزيزن ، ويمكن للمرء أن يغلق التلفزيون إذا لا يريد ان يراهم ، أما باعة المازوت هؤلاء فمن يستطيع ان يمنع نفسه من رؤيتهم .؟ من يستطيع أن يغلق اذنيه دائما حتى لا يسمع صخب أبواقهم
يتبع
.

محمود شاهين
11-09-2007, 11:28 PM
.؟ لقد تآلفت مع كل الأصوات الأخرى في الحارة منذ أن سكنتها ، تآلفت مع أبواق السيارات ومفرقعات الأطفال ، تآلفت مع أصوات الدراجات النارية التي يركبها المراهقون وغير المراهقين ، مع نداءات باعة الخضار والفواكه ، ونداءات تجار الأحذية المهترئة والملابس المستعملة ، ونداءات تجار الخبز الجاف والألمنيوم والقناني الفارغة ، تآلفت مع نداءات هؤلاء التي لم أكن أطيقها ولم اكن افهم منها شيئا ، وإذا فهمت ماذا ينادي البائع وتريد ان تشتري ، ستجد ان البائع يبيع شيئا مختلفا عما ينادي عليه ، فإذا سمعته ينادي قائلا ( حلاوة يا حلقوم ) وأطليت برأسك من النافذة لتنده عليه رغبة منك بالحلقوم ، ستجد انه يبيع بطيخا !
المهم ، وكي أتلافى طرق باب بيتي من قبل المشترين ، علقت عليه لافتة تقول أنه ليس لدي ما يمكن شراؤه ، وأنني ألقي بفضلات الخبز في القمامة ، فأدركوا أو ظنوا أنني ملحد ، إذ كيف أرمي فضل الله في القمامة ؟ فلم يعودوا يطرقون باب
بيتي في الصباح الباكر ، إلا إذا كانوا أميين . ولم يبق غير هؤلاء التعسين ، أي باعة النفط العظام ، الذين يؤكدون حضورهم في مخيلتي أكثر من الأعجف ( وهذا زعيم فلسطيني مهول ، كسر الدنيا ، في روايتي ! ) وأكثر من عامر الليثي ( وهذا الفدائي الفلسطيني الذي يصارع قدره في الرواية ذاتها ، ) واكثر من الموت المحدق بالفلسطينيين ، وأكثر من النساء اللواتي قتلنني وما زلن ، حتى أنني كتبت إلى وزيرة الثقافة أناشدها المساعدة في الخلاص من أبواق باعة النفط هذه ، بعد ان أخفقت كل محاولاتي في جعل الباعة يبيعون نفطهم دون استخدامها ، حتى أنني أخبرت صديقي الروائي بما أقدمت عليه ، لعله يساعد في الأمر ، أعرف ان هذا ليس من شأن الوزيرة والروائي ، لكن ماذا أفعل بالله عليكم ؟!
لقد مر شهر على كتابي ذاك ولم يحدث شيء ، ولن يحدث شيء كما يبدو ، وهذا البوق يصرخ في رأسي ، والرواية تنتظر بين يدي ، والزمن يطوي سني عمري ، والأعجف يطل من بين السطور ، يحدجني بنظراته ، يقهقه ، يسخر مني ! ، أما أم عامر ( وهذه الأم الفلسطينية في روايتي ) تحدجني بنظرات الوجد وتقول لي ( متى ستنتهي من مأساتي ، ألا يكفي أنك جعلت اليهود ينسفون بيتي مرتين ؟ وقد تجعلهم ينسفونه مرة ثالثة ، ألا يكفي أنك جعلتهم يقتلون عمر وفداء وعمرو ، وجعلتهم يأسرون محارب وعمران وأبو عامر ، ألا يكفي كل هذا ؟ فإلى أين تقودني ؟ كفاك مآس ! )
آه كم أنا متعب يا أم عامر ، وكم تؤرقني هذه المآسي التي وضعتك فيها ، كم تقتلني ؟
سمعت مجموعة أبواق لباعة المازوت تنطلق دفعة واحدة ، قادمة إلى الحي ، سارعت إلى فتح علبة السدادات لأغلق أذني ، غير أنني شعرت بانقباض شديد في صدري ، انقباض شل حركتي ، وجعلني غير قادر على وضع السدادات في أذني ، رحت أتنفس بعمق وانا أضع يدي على صدري في محاولة لمقاومة هذا الإنقبلض المفاجىء . تخيلت نفسي ميتا على الأريكة وليس خلف طاولة الكتابة ، لا أعرف لماذا ؟ ربما لأنني لا أكره شيئا في الحياة أكثر من الكتابة ، ولا أحب شيئا في الحياة أكثر من الكتابة !! ففضلت ان أموت بعيدا ولو قليلا عن طاولة الكتابة !
رن جرس الهاتف . حاولت القيام غير أنني لم أتمكن . وظل الجرس يرن ويرن إلى ان يئس طالب المكالمة وأقفل الخط من طرفه . بعد قرابة ربع ساعة ، أحسست انني استعدت شيئا من قواي ، حاولت النهوض لأتأكد من انني قادر على الوقوف والسير . تمكنت من الوقوف وسرت ببطء إلى الأريكة لأجلس عليها ، أتكيء بظهري على مسندها وامد رجلي إلى الأمام ، شعرت بشيء من الراحة وأنا أمد رجلي إلى الأمام واسترخي دون ان يفارق شبح الموت مخيلتي ، آه ( هتفت لنفسي ) ( سميرة ( الزوجة الأولى) هجرتها وبيرجت ( الزوجة الثانية ) في ألمانيا ـ إيريس في أمريكا ، وليليل في المكسيك ، جينيا في موسكو ، ونجوى في القاهرة ، كلير في لندن ، وحياة في القدس ، بسمة تزوجت ولم تعد تتحملها ! غادة ربما لم تعد تطيقك ، ولوسيان ، حتى لوسيان التي في دمشق ، منشغلة بعالمها العجيب ، ولا تزورك إلا نادرا ، وأولادك وبناتك الذين تظن أنهم كثيرون ليسوا من حولك ، كل هذا الكم من النساء ( الزوجات والعشيقات والصديقات ) والأولاد ، عدا الأخوة والأخوات ، وتموت وحيدا ، وحيدا ، يا محمود أبو الجدايل ! وحيدا بائسا متعبا مرهقا ،مدمرا ، لا أحد يقدم لك حتى كأس ماء . آه يا امي لو انك إلى جانبي لتواسيني بكلمة منك ، لتغدقي علي حنانك ، لتضمي رأسي إلى صدرك المترع بالأمومة والحنان ، وتملسي بيدك البلسمية على صلعتي ، أنا حزين ووحيد ومتعب يا أمي .
رن جرس الهاتف ثانية . مددت يدي هذه المرة ، إذ كان الهاتف قريبا مني .
كانت لوسيان . لوسيان التي مات أحد قطيها ( محمود ) وتطلب إلي المساعدة في دفنه ! جرى بيننا على الهاتف ما جرى ، وانتهت المكالمة بنعتي بالمجرم الشرير القاسي ـ وإلغاء دعوة العشاء التي كان مقررا أن تحضر إليها عندي .
لوسيان سيدة فرنسية ، وهي أرق امرأة عرفتها في حياتي ، وأكرم امرأة بعد ( عائشة العلان ) وهذه الأخيرة كانت أرملة فلسطينية معدمة ، جاءت أبي تستدين منه ذبيحة حين طرق بيتها عابرو سبيل بحثا عن طعام !!!
ولوسيان امرأة ناعمة كحرير الشام ، وشفافة كماء زمزم ، يمكن أن تخدشها نسمة هواء في غير أوانها .. ولا أعرف أية حماقة دفعتني لأن أتعامل معها بهذه القسوة ، وأطلب إليها أن تلقي القط في القمامة !
تعرفت إليها بعد حضور عرض مسرحية ( كاليجولا ) في دمشق ، وأصبحنا صديقين حميمين بعد قرابة اسبوعين ، حدثتني عن مسيرة آلامها ، وحدثتها عن مسيرة آلامي ، لولا احتلال بلدي لكانت آلامها لا تقل فظاعة عن آلامي ، فقد عاشت حياة قاسية ، لم يرد مثلها حتى في الأساطير ، ربما في أسطورة لوط فقط ! ومع ذلك فهي تحاول نسيان كل المآسي التي مرت في حياتها ( كما أحاول نسيان مقتل أخي بيد ابي ) فتبدو وكأنها لا تعاني منها ، وربما لاتعاني ..
ولوسيان كمعظم الأوروبيين تحب الحيوانات ، وتفضل القطط على الكلاب . عندما تعرفت إليها كان لديها قط بحجم كلب صغير اسمه فرانسيس ، ( وهذا اسم صديق فرنسي لها ) وحين تعمقت صداقتنا ، اقتنت قطا آخر وأسمته ( محمود ) على اسمي .
يتبع

محمود شاهين
04-10-2007, 02:01 AM
عذرا لتوقفي عن إكمال القصة
انشغلت كثيرا.
سأعود بعد رمضان !!

محمود شاهين
21-10-2007, 12:04 AM
كا ن قطا صغيرا وقميئا، وكم كنت اكرهه، فهو بليد وخامل وغير مرح وبشع ، عكس معظم القطط التي أراها جميلة ، وكثيرا ما كانت تداعبه أمامي ، وتسالني وهي تضمه إلى عنقها وتقبله < ألا تحبه > فأقول لها لا بل أكرهه ، أبعديه عن وجهي > وكنت أميل إلى القط الآخر فرنسيس، رغم انه كان شرسا ، فلم اداعبه يوما عن قرب إلا وترك آثار جراح على يدي ، غير أننا اكتشفنا أسلوبا مشتركا للتفاهم والمداعبة دون اللمس المباشر ، فقد اعتاد أن يتسلق دالية في حديقة البيت ، ويتوغل بين أغصانها إلى أن يضل طريقه ، فلا يعرف كيف يعود ، ولا يستطيع القفز لعلو الشجرة ، فيشرع في المواء ، وحينئذ كنت أبادر إلى إحضار سلة كبيرة
من القصب ، وأرفعها نحوه ، فيقفز فيها ، وبهذا اكتشفت لعبة مسلية معه ، وهو بدوره اكتشف لعبة راقت له ، فأخذ يكررها معي كثيرا ، حتى بعد ان تدرب على الصعود إلى الدالية والنزول عنها بسهولة . أرفع له السلة فيقفز فيها ومن ثم أدور به من حولي إلى ان اشعر ان الأرض تدور معي ، فاتوقف قليلا لأتخلص من الدوخة ، أمرجحه في الهواء إلى أن يمل . ذات مرة حدث أمر طريف ، فقد هاجمه كلب ، وفي غمرة رعبه تسلق شجرة عالية جدا ، لم يتوقف إلا أعلاها، كان من المستحيل مساعدته ، حاول النزول عدة مرات فلم يتمكن ، لم تكن مخالبة قادرة على أن تقوم بفعلها كما في التسلق ، حاولنا بالسلة ، تعذر عليه القفز فيها من هذا العلو الشاهق . أخذت لوسيان تفكر في الإتصال برجال الإطفاء ، فيما راح صديق يبحث عن سلم من الجيران . كان الصديق طويلا صعد إلى أعلى السلم ورفع السلة بيدية . تردد فرنسيس في القفز ، فالسلة تبعد عنه قرابة ثلاثة أمتار . رحنا نحمسه كي يقفز < هيا فرنسيس هيا اقفز > كور جسمه وتحفز ، وحقا قفز . كانت القفزة موفقة بحيث جاء في السلة تماما ، غير أنه كاد أن يوقع صديقنا عن السلم .
حاولت لوسيان ذات يوم التخلص منه بعد أن خيرها صديق أن تختار بين القط وبينه، فاختارت الصديق ، ووضعت فرنسيس في كيس وأقفلت عليه ، ثم أخذت سيارة إلى بلدة تبعد حوالي 15 كيلو مترا عن دمشق وأطلقته هناك وعادت ، فوجئت بعد حوالي أسبوع وهو يدخل عليها من النافذة ، فقررت التخلي عن الصديق والإحتفاظ بالقط .
ذاك الخمول البشع محمود لم تقم بيني وبينه أية علاقة ، وذات يوم اتصلت بي لوسيان في الصباح الباكر لتقول لي أنها حزينة جدا ، لأنها فتحت الباب في الصباح
لتجد محمود ملقى خلفه والدماء تنزف من فمه وفكيه ورأسه ، لقد ضربته سيارة أمام الباب كما يبدو ، وكم كانت حزينة لأنها لم تترك الباب مفتوحا خلال الليل ليدخل محمود عندما يعود من تسكعه في الأحياء ، ثم إنها تجاهلت خرمشاته على الباب أثناء الليل معتقدة أنها خرمشات قطط متحرشة، فلم تفتح له. ثم كيف تسمح لنفسها أن تنام وهو خارج البيت ، كان يجب ان تنتظره إلى أن يعود ، وكان في مقدورها أن تسعفه فورا ، أما الآن ؟ فأنا حزينة ومتأسفة ومسؤولة عما جعل حاله تسوء أكثر ، لقد نزف كثيرا من الدم ، وظل يتألم طوال الليل . هكذا قالت لي على الهاتف ، ولم يبق إلا أن تقول عن نفسها أنها مجرمة لإهمالها القط إلى هذا الحد . سألتني عن طبيب بيطري فأجبتها بأنني لا أعرف . تأسفت لإزعاجي معتقدة أنه كان بإمكاني أن أساعدها وإلا لما اتصلت.
عثرت على طبيب بيطري وراح يعالج محمود ويعايده باستمرار بأجر باهظ ! لم يتماثل للشفاء ، وساءت صحته ، وغدا بشعا إلى حد يثير القرف ، كان فكاه مائلين وبوزه معوجا من جراء الصدمة . وعندما تأملته بدالي وكأنه مصاب بالجعام ، أخبرت لوسيان أنه قد يموت قريبا ، وها هو يموت بعد بضعة أيام .
أمر مؤسف جدا أن أكون قاسيا ولا مباليا على الإطلاق إزاء مشاعر امرأة رقيقة وعاطفية ، ثم إنها صديقة وكانت تأمل مساعدتي ، لماذا لم أعتذر لها وأقول أنني متعب ومرهق وحزين ومشغول أيضا ، وكان في مقدوري إغصاب نفسي على إبداء أسفي لموت القط الذي يحمل اسمي والذي اقتنته من أجلي . كانت ستتقبل مني أي عذر مهما كان ، انا واثق من ذلك ، اللعنة علي وعلى أبي الذي يدعي أنه أنجبني ، لماذا لا أستطيع أن أكذب على نفسي ولو مرة واحدة ؟ لماذا أكره المجاملة ، حتى وأنا أعيش وحدة قاتلة وأصارع قدري ، وأرى حتفي امام عيني ، وفي أمس الحاجة إلى انسان ما ، أي انسان يكون إلى جانبي ، يعطف علي بكلمة ، يواسيني بابتسامة ، يقدم لي كأس ماء . آه آه ! هل أتصل بلوسيان لأعتذر لها ، لأقول لها لو أنه في مقدوري القدوم إليها لقدمت ودفنت محمود معها ، لعلها تقتنع أنني لست شريرا ، ولست مجرما ، ولست قاسيا أيضا ! رباه ! لعلني أصبحت شريرا دون أن أدري ، لكن هل يكفي اتخاذ موقف كهذا الذي اتخذته إزاء قط لأصنف في عداد الشريرين ؟! غير ممكن ! رباه ! لكنني كنت وأنا فدائي أطلق النار على الأرانب والثعالب والغزلان والوعول والطيور ، بل لقد حدث وأن أطلق فدائي النار على القط الوحيد الذي كان لدينا في القاعدة ، القط الذي كنت أحبه كثيرا وأدعه ينام بين أحضاني ، ولا أذكر أنني فعلت شيئا للفدائي ، مع أنه لم يطلق النار على القط لفعلة شنيعة ارتكبها ، بل لأنه لم يجد هدفا يطلق النار عليه إلا هو ، فأطلقها . وكل ما هنالك أنني أبديت انزعاجي الشديد من سلوك الفدائي وطالبت بمعاقبته ، دون أن يذعن أحد لكلامي .
وعندما أطلق فدائي آخر النار على البغلة التي كانت لدينا في القاعدة ، لم نفعل له شيئا ، صحيح أننا لم نتمكن من القاء القبض على البغلة حين قطعت قيدها وراحت تعدو في الهضاب جامحة ، غير أن هذا لا يعني أن نتهاون مع من أطلق النار عليها بعد نفاد صبره . وكان في مقدورنا أن نترك البغلة إلى أن تتعب من العدو وتجوع ، لتعود وحدها ، وكان يجب معاقبة الفاعل ، ليس لعدم انسانية ما فعله فحسب ، بل لأهمية البغلة لنا في رحيلنا وترحالنا ونقل سلاحنا وذخيرتنا ونكحها من قبل بعضنا
أحيانا .
يتبع

محمود شاهين
24-10-2007, 12:00 AM
حقا نحن أشرار ! أنا بالذات شرير ! ولا ينبغي أن أتذرع بالموت المحيط بي والمحدق بي لأبرر شرانيتي ، وإلا لبرننا لليهود كل ما فعلوه بنا ، وبالتالي سنبرر لأنفسنا كل ما قد نفعله بهم في المستقبل.
اللعنة ومع ذلك فانا لا أستطيع أن أدعي انني كنت أحب هذا المحمود وأنه ينبغي علي ان أشارك في جنازته ودفنه !(طيب يا أخي لا تحبه بل اكرهه كما كنت تكرهه
ولا تشارك في دفنه ، لكن لا تطلب إلى صاحبته أن تلقيه في الزبالة . احترم مشاعرها إزاء قطها يا أخي !)
صحيح كان يجب ألا أفعل هذا ، وليس من حقي أن أشير به عليها ، إذن يجب أن أعتذر إليها وأبدي أسفي لموت هذا القط التعس .
أحسست أنه بإمكاني أن أتصل بها .. مددت يدي . أدرت القرص ضاربا أرقام هاتفها . ظل الهاتف يرن دون أن يرد أحد. لا شك أنها ذهبت لدفن القط .
عاد هذا الإختناق يضغط على صدري ثانية ، واليوم ما يزال طويلا طويلا ، وإذا لم تأت لوسيان في المساء سأكون حزينا أكثر من أي يوم آخر في حياتي ، وإذا لم أعتذر إليها سيزداد حزني .
لم اكن قادرا على فعل شيء ، وكلما حاولت الهروب من لوسيان وقط لوسيان وشرانيتي وموتي رحت أغرق أكثر. أغلقت أذني بسدادتي أذن لأهرب من الضجيج والأبواق الصاخبة في الخارج ، واسترخيت في الأريكة جاهدا قدر الإمكان لأن اريح نفسي ولا أفكر في شيء ، لكن عبثا ...
ذات يوم قبل احتلال عام 67 ، كان لدينا كلب جميل اسود ، وبعدما هربت من البيت ومن رعي الأغنام ، على أثر ضربة سددها لي أبي بهراوة فأس كسرت كتفي ، أخذت أحضر من القدس بين الفينة والفينة لزيارة أمي ، ورغم أنني كنت أغيب عن البيت بضعة أشهر بعد كل زيارة ، إلا أن الكلب كان يعرفني بمجرد مشاهدتي أطل من قمم الجبال ، فيهرع لاستقبالي ، كان ينبح في البداية وكانه لم يكن جازما بأن القادم أنا ، لكن ما أن أقترب حتى يتأكد تماما من هويتي ، فيهرع إلي عدوا ،
أجلس لأستقبله بأحضاني وكأنني أستقبل طفلا عزيزا ، أضمه أعانقه أداعبه ، أملس على رأسه ، أطعمه مما أحضرته له. أسأله عن أحواله وعما إذا كان أبي ما يزال يضربه لأي سبب. فقد كان أبي يضرب كل شيء : نحن وأمي يوميا لأتفه سبب. البغل إذا أحرن أو سطا على أكياس الشعير ، الكلب إذا غفل عن القطيع أو نام في غير المكان الذي حدده له ، الدجاج إذا دخل حقول الحنطة أو الشعير أو التبغ ، القط إذا اختلس قطعة جبن أو لم يفلح في اصطايد الفئران التي كانت تعج في عزبة أبي . الأغنام إذا لم تدر الحليب المطلوب ، الكبش إذا لم يكن فحلا كما يريده ، والزرع إذا لم يحمل جيدا ، واخيرا الأرض إذا لم تخصب !!
وكنت أشعر بالكلب يشكو لي همومه ويلومني لأنني هربت وتركتهم يقاسون الحياة في كنف أبي ن وحين كنت أنهض لنكمل الطريق إلى العزبة ، كان يملا ألوادي فرحا ومرحا وصخبا ، يعدو هنا وهناك ويعود إلي ، يسبقني إلى البيت ليخبر أمي ويعود .
وذات مرة قدمت لزيارة أمي ، لم يفعل كما في كل مرة ، بل لم اشاهده على الإطلاق ، قلت لعله نائم . رحت أنادي سمور سمور دون جدوى . وعندما أصبحت على مسافة أمتار من العزبة ولم أره ، أدركت ان أمرا ما قد جرى له . وحين دخلت من باب الجدار الخارجي المحيط بالعزبة ، شاهدته مطروحا على مقربة من مربط البغل . هرعت نحوه ، كان يحتضر وفي الرمق الأخير . جلست إلى جانبه ورحت أملس بيدي على رأسه برفق إلى أن لفظ أنفاسه بين يدي .. فرحت أبكي . عرفت ان أبي ضربه في اليوم السابق .
لم يخطر ببالي أن أدفنه يا لوسي مع أنني كنت أحبه وأحب الحيوانات كلها وربما أكثر منك ، ولا أعرف ما الذي غيرني ، كلنا نتغير يا لوسي ، أنت أيضا قد تتغيرين ! ذات مرة أرغمنا أبي أنا وأخي أن نجهز على كلب بعد أن اطلق عليه النار . كم كان بشعا أن نجهز على كلب اخترقت عنقه رصاصة ولم يمت . لقد اتهم ذاك الكلب بأنه ابن ذئب ، فقد ادعى أحد الرعاة أنه سطا على قطيعه ليلا واختطف شاة ، غير أن أبي لم يصدق ، ونحن ايضا لم نصدق ولا سيما أنه ليس في الإمكان تمييز الذئب من الكلب خلال الليل ، وذات يوم شاهدنا الكلب يهاجم قطيعنا في عز الظهيرة ، غير أنه لم يكن يعض الأغنام ، كان ينقض عليها ويحاول طرحها أو سوقها أمامه كما يفعل الذئب ، وهي تهرب منه دون أن يؤذيها . لم يكن الأمر في رأيي أكثر من مداعبة لم نعتدها من الكلاب وخاصة مع الأغنام التي لا تحتمل مداعبات كهذه.
شك أبي في أمره وصمم على قتله . أطلق النار عليه مساء اليوم ذاته . أصابه في عنقه . كبا الكلب على وجهه وأطلق عواء مفجعا جعل كل كلاب المنطقة تنبح عواء له . وحين حاول أبي الإقتراب لإسكات نواحه والإجهاز عليه ، فز ولاذ بالفرار وهو يطلق نواحه وعواصه المفجع . وحينئذ طلب أبي إلينا أن نلحق به ونجهز عليه . لم نكن نقدر على مخالفة أبي ، رغم أن الدنيا ظلام وليس بإمكان المرء مشاهدة اصبعه ، وقد أطلق ابي النار على الكلب في مكان مضاء.
أخذ اخي مصباح البيت وعدونا خلف الكلب متتبعين نواحه فيما أبي يعدو خلفنا ، ابتعد قرابة نصف كيلو متر وانقطع صوته. تبعنا على ضوء المصباح آثار دمه .
وجدناه مختبئا في كهف ، صرخ ابي من خلفنا ( بالحجار عليه بالحجار )ورحنا نلتقط الحجارة ونرجم الكلب من باب الكهف دون أن نصيبه بحجارتنا ، فقد راح يثب مذعورا من حائط إلى حائط مما دفع أبي إلى توجيه سيل من الشتائم البذيئة لنا < يا اولاد الشرموطة ، اضربوا يكسر ايديكم ، يا خسارة الخبز فيكم > وحين انطلق الكلب بشكل وحشي في اتجاهنا واندفع من بيننا كلمح البرق إلى خارج الكهف. جن ابي ولم يترك شتيمة في جعبته إلا وكالها لنا .
راح الكلب يعدو عبر واد سحيق ونحن نتبع أثره إلى أن نزف دمه وسقط أرضا . لحقنا به . كان يحتضر . ومع ذلك أصر أبي أن نجهز عليه بالحجارة . لم اذعن له .
انهالا عليه هو واخي إلى أن عملا فوقه رجما !!
آه يا لوسي حزنت على ذاك الكلب ، فهو أقوى كلب شاهدته في حياتي كان بحجم جحش ، ويصرع عشرة كلاب إذا ما تشاجر معها ، ولم تنجح الذئاب في اختطاف شاة من قطيعنا خلال وجوده ، ومداعبته للقطيع لم تكن كافية لإثبات التهمة التي أطلقها الراعي ، ثم ألم تكن هناك طريقة لإعدامه غير هذه الطريقة التي أعدم بها؟
لوسي !ستأتين في المساء أليس كذلك ؟ ستاتين حتى لو اقتنعت انني شرير ومجرم وسأقص عليك عشرات القصص عن الحيوانات ! يا إلهي كم لدي منها !
سأحدثك عن الأغنام وعلاقتي بالأغنام وكم كنت أحبها . أصحو من نومي عليها
وأسرح طوال اليوم معها ، ولا أغفو إلا إذا نامت الحملان بين أحضاني وأحاطت الأغنام بفراشي .وسأحدثك عن كلب حيدر حيدر وكيف طبقته وساحدثك عن قطة البناء التي عشقتني وسأحدثك عن قطيع خالد الذي مات بالسم وقطيع حسن الذي فتكت به الذئاب وقطنا الذي عبر النهر وعاد إلى الضفة الغربية ، أما اهم القصص
التي سأرويها لك فهي قصة الكبش مرداس الذي ربيته على يدي ليكون فحل الفحول ويسفد ما لايقل عن مائة نعجة في اليوم !
يتبع .

محمود شاهين
27-10-2007, 09:14 PM
رغم أنني كنت طفلا إلا أنني كنت راعيا ماهرا يا لوسي . تعلمت العزف على الآلات الشعبية بسرعة قياسية حتى أروق في عيني الأغنام ! فرحت أعزف لها في المرعى إما على الناي أو على الأ رغول والمجوز ، أشنف آذانها فتمرح وتنتشر على السفوح وبين الأخاديد لترعى ، وكلما ابتعدت عن صوت الموسيقى راحت تعود إليه ثانية ، كنت أطوعها على انغام الموسيقى ، فتمنحني حليبا لذيذا
من ضروعها مباشرة ، كنت أرضع الحليب رضعا مع طعام غدائي ، أستلقي تحت الشاة وأمسك ضرعها ثم أتلقمه بفمي وأرضع جرعة تبلل لقمة الخبز التي في فمي ، وتظل الشاة واقفة دون حراك إلى ان انهي غدائي وأنهض شبعا ! كانت الأغنام بمثابة أمهاتي بالرضاعة ، ولا أظن انني اصبحت عازفا على الآلات الشعبية إلا من أجلها ، ربما لأفيها شيئا من حق أمومتها لي ! انا ابن الأغنام يا لوسي ، ابن الجبال والبوادي والشقاء ، ولست الآن إلا ابن النكبات ، ابن الثورات المهزومة ،
الثورات المجوفة ، ثورات الخيبة .
لا تغضبي مني يا لوسي وإذا ما أتيت مساء سأقص عليك قصصي لعلك ترضين علي ! ذات يوم ولدت نعجة يا لوسي . صحيح انني كنت طفلا دون الخامسة عشرة
إلا أنني تعلمت ذلك من نعومة أظفاري ، كنت أتولى توليد اكثر من مائة نعجة وماعز في العام . ولم يكن لدي غرفة عمليات بيطرية أو أي مكان للتوليد ، فالمخاض يدهم الشاة وهي في المرعى ، أو وهي في المهجع ، تحت المطر او في الصحو ، في الليل أو في النهار ، وينبغي علي أن اظل يقظا دائما . أسوأ أيامي يا لوسي هي التي يلد فيها الكثير من الأغنام بعيدا عن البيت ، ويكون الطقس فيها عاصفا ، إذ علي أن أنتقل من شاة إلى أخرى ، وما أن تلد واحدة حتى أنقلها إلى مكان يقيها المطر والبرد . وإذا ما تعسرت ولادة شاة ، فإن يومي سيتحول إلى جحيم لا يطاق . ينبغي علي أن أجزم أن الولادة الطبيعية مستحيلة ، والعملية لن تكون سهلة ، فأي خطأ قد يؤدي إلى نزيف يتسبب في موت الشاة ،ولا بد من استعدادات مهمة لإجراء العملية ، كأن استنجد بأحد الرعاة ليرعى قطيعي خلال العملية ، وان ابحث عن صابون وزيت لغسل يدي ودهنهما ، إذ يتوجب علي أن اولج اليمنى في رحم الشاة لإخراج الحمل ، والمهمة الأعسر عندما تكون يدي داخل الرحم ، فإذا ما أخطات في تحسس جسم الحمل وتلمس جدران الرحم فإنني لن اتمكن من إخراج المولود بسهولة . وحالات تعسر الولادة هذه تحدث كثيرا
إذا ما كانت الشاة حاملا بتوأم أو أكثر ، أو إذا كان وضع الحمل مقلوبا أو معكوسا .
ذات مرة ولدت نعجة أنجبت اربع توائم يا لوسي / مات واحد وعاش ثلاثة ، وهذه حالة نادرة بين الأغنام ، وفي المساء علي أن احمل المواليد جميعها ، على ظهري ، تحت ابطي ، على عنقي ، وعلى كتفي ، وبيدي ، وامهاتها تعدو خلفي وثغاؤها ورغاؤها يصم الآذان .
المهم يا لوسي أنني ذات مرة ولدت نعجة تدعى الغراء . أنجبت توأما . كانت النعجة ضعيفة وهزيلة لكبر سنها ، نفقت بعد الولادة بعدة أيام ، فاضطررت إلى تربية التوأم الذي كان عبورة ( أنثى ) وخروفا ( ذكر ) .
أطلقت على العبورة اسم ندى وعلى الخروف اسم مرداس . كنت دائما أطلق أسماء بنات البلدة على الأغنام يا لوسي ، وكنت أحب هذه الأسماء بقدر ما احب الأغنام والفتيات ، الفتيات اللواتي كانت مشاهدة سيقانهن تطير عقلي ، عكس الفتيات شبه العاريات اللواتي أشاهدهن اليوم على المسابح .
اطلقت على الاغنام أسماء كثيرة يا لوسي ، مثل : وردة ، طرفه ، سارة ، حنة ، ثريا ، ذوابا ، تخلة ، عيدة ، فضة ، مريم ، نوارة ، ندرة ، والعديد من السماء التي يعتبر اليهود معظمها عبرية يا لوسي ، أجل عبرية يا لوسي ، تصوري ؟!
المهم يا لوسي . أحببت ندى ومرداس وربيتهما على يدي . كنت اجعلهما يرضعان
حليب اربع نعاج يوميا ( خلسة عن ابي طبعا ) وعندما فطمنا الحملان والسخال لم افطمهما ، وظللت ارضعهما الحليب إلى ان باتا عملاقين ، كنت بالنسبة إليهما بمثابة الأم ، فكانا يتبعانني دوما ، وكنت دائما أداعبهما واقبلهما ، وعندما رأى أبي مرداس عملاقا ، قال هذا الخروف يصلح مرياعا للقطيع ، ويجب ان نخصيه ، فنحن لسنا في حاجة إلى كبش طالما لدينا كبش جبار ! جننت يا لوسي . سيخصي أبي العجيب هذا مرداس الذي غدا جزءا مني ، ليحوله إلى كبش ذليل ويرغمني على ترويضه ليغدو تابعا لي ونائبا في قيادة القطيع ، < لا > صرخت في وجه ابي
( ليس في وجهه تماما وليس بصوت عال ) ومع ذلك زجرني قائلا ( انت بتصرخ في يا ولد ؟! ) فقلت بعد ان خفضت صوتي أكثر ( مرداس سيكون كبش القطيع ، وسيحل محل ابيه دهمان ، الا ترى بوادر الفحولة تلوح بين عينيه ؟! ) وامعن ابي النظر وراح يتأمل مرداس ويتفحصه ، فوافقني الرأي للمرة الأولى والأخيرة ! وبهذا أعفيت مرداس من الخصي !غير ان ابي أصر على بيع دهمان لأننا لن نعود في حاجة إليه . ودهمان كبش عظيم يا لوسي ومن سلالة عريقة ، ولي معه ذكريات كثيرة ، بعضها مؤلم وبعضها جميل ، ولا أحبذ بيعه ، رغم انه كبر وشاخ ،
احسست انه من العار ان نبيعه بعد ان امضى مع القطيع هذا العمر . لم افلح يا لوسي ، فما ان تاكد ابي من فحولة مرداس بعد بضعة اشهر ، حتى باع دهمان .
باعه لينضم إلى قطيع لا يعرفه ، وأهل لم يالفهم . لن انسى حزنه وغضبه حين كتفه الرعاة واقتادوه عنوة ، فرحين بفحولته الفذة ، فيما أبي يغتبط بالمبلغ الكبير الذي قبضه ثمنا له .
في الإخصاب المقبل كان مرداس قد بلغ ، وغدا حجمه هائلا . في بعض الاحيان كنت أخاله قطعة من جبل تنتصب على أربعة قوائم رخامية . وكان له قرنان حلزونيان غليظان يفلقان الصخر . وحين اقبل موعد الإخصاب راح يدور بين النعاج ويتشمم رائحتها لتقبل عليه وتمتثل له ، غير ان وقت الإخصاب لم يكن قد حل تماما بعد ، مما اثر على طباعه وسلوكه ، فراح يطارد النعاج لسفدها عنوة ،
وإذا لم تمتثل نعجة له ، كان يهاجمها بضراوة ، فأهرع لإنقاذ ها وانا اصرخ به :
( مرداس مرداس ارتدع يا مرداس ) كان يهابني فيتوقف عن لكز النعجة بقرنية ، وحين اصل امسك النعجة من راسها واداعبها . اقول لها ( ولك ارضخي له ، إذا لم ترضخي سيقتلك يا مجنونه ، ثم اين تجدين فحلا مثله ؟ كفاك حماقة ) وكان يستغل اللحظة التي أمسك فيها رأس النعجة فيشب عليها شامرا إليتها بذراعه مطبقا على حقويها ، وهذا ما يذكرني برفع الفساتين عن مؤخرات النساء فيما بعد يا لوسي ! كنت أطلق راس النعجة حتى لا تشعر أنني ساعدته على اغتصابها ، ولم تكن ثمة قوة في الأرض قادرة على إفلاتها من بين قائمتيه ، فيولجه فيها ويشدها إليه بقوته
الخارقة ، ليولج قضيبه حتى تلتصق خصيتاه بحيائها ، ثم يندفع إلى الخلف ويدفعها بكل طاقته مطلقا سبيلها وهو ينتشي بكامل الذروة ، تترنح بضع خطوات وقد تقوس ظهرها وراح يتكور مستشعرة متعة طاغية ، وهي تفقد توازنها وتكبو على وجهها .وحين كان يفعلها في مكان منحدر كانت النعجة تتدحرج لبضعة أمتار !
حل الإخصاب في قطيعنا قبل أي قطيع آخر يا لوسي وحين اشتمت كباش الرعاة رائحة الخصوبة تعبق من قطيعنا تركت قطعانها وتمردت على رعاتها وجاءت تسعى إليه املا في تحقيق رغباتها وغرائزها ، وهنا كانت المذبحة المروعة يا لوسي ، المذبحة التي تكهنت بها منذ أن شاهدت بعض الكباش تترك قطعانها وتتسلل إلى قطيعنا . انذرت الرعاة غير انهم لم يذعنوا لي ، ثم إنهم لم يتمكنوا من
ردع كباشهم .
كان مرداس محاطا بعشرات النعاج التي راحت تتحرش به وتتملس منه وتتمرغ عند أظلافه أو تدور من حوله ، أو تصطف امامه مديرة إلياتها له ، منتظرة دورها
ليسفدها . وكان ما أن ينزل عن نعجة حتى يشب على أخرى ، فلم يتنبه لثلاثة كباش تسللت إلى القطيع وأخذت تطارد النعاج . تنبه للأمر بعد لحظات ، فقد كانت النعاج المخصبة تهرب من الكباش الأخرى على ناحيته آملة ان ينكحها ، فلم يتنبه إلا وكبش يتودد على نعجة على مسافة اقدام منه ، توقف للحظة يستطلع ما يجري
وكانه غير مصدق ما تراه عيناه . سمع جلبة في ناحية اخرى من القطيع ، فأشاح نظراته ليشاهد كبشين آخرين ، وقبل أن يقرر ماذا سيفعل شاهد كباشا أخرى تهرع من نواح مختلفة ، وهنا ادرك ان قطيعه أصبح عرضة للإنتهاك من الكباش الغريبة . صرخت به مستحثا نخوة الشرف العشائري يا لوسي ( عرضك يا مرداس ينتهك أمام عينيك ، حريمك وطأ مخادعها الغرباء ! باطل عليك باطل ! ) انتفض مرتين او ثلاث مرات .. شاهدت جسده يهتز ، وحين كان أقرب الكباش إليه يعتلي ظهر نعجة
تراجع بضعة اقدام إلى الوراء وانطلق نحوه ، نطحه ليقذف به بضعة اقدام من فوق ظهر النعجة . ، لم يثن عليه ، تركه مطروحا على الأرض وانطلق نحو كبش آخر ، جندله بنطحة واحدة وراح يعدو نحو كبش ثالث ، غير أن الآخر شاهده يهرع نحوه فتحفز لمواجهته ، كان ثمة شبه كبير بينه وبين مرداس ، فايقنت أنه جاء من ظهر دهمان . صرخت بمرداس ( هذا أخوك ابن ابيك دهمان ، لا تؤذه لكن احذر منه ) . غير أن مرداس لم يذعن لي وانقض على أخيه . احدث التقاء قرونهما واصطفاقهما انفجارا اجفل الأ غنام ، فراحت تخلي الساحة لهما لتشكل ما يشبه الحلقة من حولهما . لم يتاثر أي من الكبشين من جراء النطحة الأولى ، تعاركا
في مكانهما . كل واحد يحاول ان يدور حول الآخر ليسدد له نطحات جانبية . افلح مرداس في تسديد بعض النطحات الجانبية لأخيه ، غير أنها لم تكن فعالة ، فقد واظب الأ خ على الدوران من حول مرداس محاولا ان يفرض عليه المواجهة
من الأمام لتمرسه على النطاح وجها لوجه . فهو اكبر من مرداس بعامين على الأقل ، كما بدا من حجم قرنيه الهائلين . ولا شك انه تمرس كثيرا على النطاح
بعكس مرداس الذي لم يتمرس عليه إلا قليلا لصغر سنه . وكنت قد دربته بضرب قرنيه من الأمام بحجر كبير ، وبمصارعته دائما ، وكان دائما يتغلب علي ، فلم اتمكن يوما من لوي عنقه ، رغم انني كنت أتمسك بقرنيه بكل قوتي . ، وحين جربنا انا وأخي أخفقنا ، وكذلك أخفقنا حين حاولت وثلاثة رعاة ، أمسك كل اثنين بقرن ، إذ لم نزحزحه من مكانه قيد أنملة . ولم يمل عنقه ولو بقدر شعره .
كان يثبت في الأرض وكأننا نصارع صخرة هائلة ، كان مرداس يفرح ويزهو بنشوة النصر علينا نحن معشر البشر ، فلا أجد إلا أن احضن رأسه واقبله .
ولم يكن ابوه دهمان أقل قوة منه .
هرع الرعاة وراحوا يتفرجون على الصراع بين الأخوين ، فيما كانت كباشهم تتسلل إلى القطيع وتتعارك بدورها أو تشب على النعاج مستغلة انهماك مرداس في المعركة .
صرخت بالرعاة ( إن حدث سوء لمرداس سالعن آباءكم ، وإن حدث شيء لكباشكم ستتحملون المسؤولية وحدكم ) والحق انه لم يكن في مقدور أحد أن يفض النزاع بسهولة ، ثم إنهم لم يكونوا متخوفين مثلي أنا ، الذي اعرف ماذا فعل جد مرداس ذات يوم ، فقد شق رأس كبش من منتصفه كما تشق البطيخة !
ورغم كل ثقتي بمرداس وقوته إلا أنني كنت خائفا عليه ايضا بقدر ما أنا متخوف
منه يا لوسي .
ظل مرداس يراوغ محاولا الإبتعاد عن مواجهة اخيه ، غير ان اخاه وبخبرته الطويلة فرض عليه المواجهة ، حين ابتعد بضعة امتار وأقبل عليه كالسهم . صرخت به ( مرداس سيقتلك اخوك إن لم تتحفز للنطاح ) ولم يجد مرداس مفرا من الصدام ، شاهدته يثبت قوائمه في الأرض ويتحفز ، وحين وثب اخوه في الفضاء لينقض عليه ، وثب بدوره ليلتقيا على ارتفاع يقارب المتر عن الأرض . صرخت ( الله معك يا مرداس ، أفديك بدمي يا مرداس ) رغم انني أعرف ان الكبش الآخر اخوه .
فرقعت قرونهما عند اصطدامها واحدثت صوتا مرعبا ، وحين سقطا على الأرض
ترنح مرداس وكبا على وجهه في حين ظل أخوه منتصبا . احسست أن أمعائي تتمزق . صرخت بالرعاة ( ابعدوا كباشكم قبل أن تقتل الكبش ) وحاولوا قدر استطاعتهم ، غير أنهم لم يفلحوا في الفصل بين الكبشين ، وانا حاولت بدوري حين رفعت عصاي وهرعت نحو اخ مرداس لطرده ، غير أن مرداس الذي نهض من كبوته ، مر من جانبي كالريح وهجم على أخيه بضراوة . صرخت ( مرداس كفى ) فلم يذعن لي . شاهدته يثب في الفضاء ويندفع ، ولم يكن أخوه قد تحفز ثانية للمواجهة ، نتيجة لتدخل الرعاة وتدخلي . ، فطرحه أرضا . وحين شاهدنا أنه لا مناص من حسم المعركة بينهما تركناهما ونحن نراوح بين الرفض والقبول ، والعجز عن الفعل .
يتبع

محمود شاهين
28-10-2007, 01:32 PM
نهض اخو مرداس من كبوته وتقهقر قرابة عشرة أمتار إلى الوراء ، في حين تقهقر مرداس قرابة ثلاثين مترا ، وضعت يدي على قلبي ، إنها النطحة الحاسمة ، وإذا ما نجح فيها مرداس لن يهزمه كبش أبدا ، توقف الكبشان وراحا يحدقان واحدهما إلى الآخر ، وما لبثا ان انطلقا معا كجلمودين من الصخر . احسست بقلبي يتوقف عن النبض يا لوسي ، ظلا يعدوان إلى ان ضاقت المسافة بينهما بما لا يزيد عن أربعة امتار ، ووثبا كل في اتجاه الآخر ، وقد ضما قوائمهما إلى بطنيهما ، التقى رأساهما في الفضاء ، محدثان دويا هائلا من جراء تصادم قرونهما . وحين سقطا على الأرض اخفيت وجهي بيدي كي اتلافى مشاهدة مرداس مطروحا . ورحت انظر من بين اصابعي خلسة . ولم ارفع يدي إلا حين شاهدته ينزل ارضا وهو ثابت كالطود ، بينما كان أخوه مطروحا .
تراجع مرداس بضعة اقدام إلى الوراء وهم للإنقضاض على أخيه ليجهز عليه . صرخت به ( مرداس كن شهما ولا تهاجم خصما طريح الأرض ) وتلكأ قليلا ، لا أعرف فيما إذا ادرك ما قلته أم انه تخوف مني . وحينئذ حدث ما لم يتوقعه أحد من الرعاة يا لوسي ، فالكباش الخرى التي كنا نظن انها منشغلة بالنزو على النعاج والتعارك فيما بينها ولاهية عن المعركة ، اقبلت من كل صوب لتصرع مرداس ، فأطبقت عليه من كل جانب . لقد غدت هزيمته مطلبا لكل الكباش ، ليخلو لها القطيع . يبدو انها كانت تامل من أخيه أن يهزمه ، وحين أدركت انه قد يخفق قررت مهاجمته بشكل جماعي . صرخت بالرعاة ( لا غير معقول أن يهزم كبشي إثني عشر كبشا ، ابعدوا كباشكم ، افعلوا شيئا ) ولم يحاول أحد جادا أن يردع كبشه . ثم إن الكباش بدت في ذروة هياجها وغضبها ،وراحت تنقض على مرداس من كل ناحية ، فيما هو يتلقى النطحات ويصدها ، وقد دبت فيه قوة خارقة ، لم تكن الكباش تناطحه وجها لوجه لتخوفها من مواجهته. كانت تنقض عليه من الجانبين والخلف ، وبنظرة خاطفة منه كان يعرف الكبش القوي المتمرس على العراك ، من الكبش الهزيل الجبان ، فيهمل هذا ويتصدى لذاك ، ايقنت اكثر من اية مرة سابقة أنه يجيد العراك الأرضي إلى حد مدهش يذكرني بخبرة أبيه دهمان الفائقة . لم ادربه على هذا النوع من العراك ، غير انه كان يصارع خرافا من عمره ، وعندما شب ، تعلم بعض الشيء من ابيه دهمان قبل ان يبيعه ابي . ولم افكر يوما ان هذا التمرس المحدود كاف لأن يخوض معارك طاحنة كهذه ! ولم اجد نفسي إلا وانا ازغرد مطلقا الزغرود تلو الزغرود لأشجع مرداس واثير حماسه ، راح يكيل النطحات بسرعة وخفة هائلتين ، يسدد طعنة بإحدى قرنيه إلى خاصرة الكبش فيجندله ، ومن ثم يميل على جنبه ليواجه الكباش التي تهاجمه من الطرف الآخر .
صرخت والكباش تطبق عليه ( مرداس ستصرعك الكباش ، أفديك بعيوني يا مرداس ، شد الهمة يا مرداس ) ولا اعرف كيف شاهدت الكباش تتجندل على جانبيه يمنة ويسرة ، فيما بعضها يولي الأدبار ، وصوت الرعاة يصرخ بي ( كبشك هزم الكباش يا ابن ابو الجدايل وتخاف عليه ؟! ) لم اذعن لهم .
وكان للمعركة أن تنتهي عند هذا الحد يا لوسي لو لم ينهض أخوه من كبوته التي دامت لبضع دقائق ، ويعود ثانية للصراع ، وهنا لم اعد قادرا على البقاء متفرجا ، فأشرعت عصاي وانقضضت على أخيه لإبعاده ، غير انني فوجئت بمرداس يهاجم بضراوة كما في السابق ، صرخت به ( مرداس كفى ، ستهزم هذه المرة ، لقد تعبت ) فلم يذعن لي ، وراح يكيل النطحات الجانبية لأخيه ، فيما أخوه يراوغ ويبتعد ليفرض عليه المواجهة . كم هو عنيد اخوه يا لوسي ، يبدو أن ثقته بنفسه كبيرة ، فقد أطاح به ارضا ورآه يهزم أحد عشر كبشا ومع ذلك يصر على حسم المعركة حتى النهاية . وقبل مرداس التحدي وراح يبتعد إلى الوراء . كانت القطعان تنتشر على قمة هضبة فسيحة بعض الشيء . ابتعدا ( أحدهما عن الآخر) قرابة مائة متر وانطلقا . أحسست أن هذه قد تكون النطحة الحاسمة فعلا . لم اعد قادرا على مشاهدة قوائم مرداس نظرا للسرعة التي انطلق بها ، بينما كنت اشاهد قوائم اخيه تماما وهو ينطلق ، وحين وثبا في اتجاه بعضهما والتقت قرونهما في الفضاء ، وجدت نفسي والرعاة نخر أرضا من جراء الصوت الذي أحدثاه .
سقط الكبشان ارضا . عدونا نحوهما . سبقت كل الرعاة لأطمئن على مرداس ، وحين اقتربت منه ، بدا لي أنه في غيبوبة ، لكني لم ار أي دماء او جراح تنزف من رأسه ، فأشحت نظري إلى أخيه لأرى الهول ، فقد انفلق رأسه من النصف كما تنفلق البطيخة . صرخت ( لقد قتلت اخاك يا مرداس ، قتلت اخاك يا قابيل ) !!
أطبق الوجوم على وجوه الرعاة ، فيما كان مرداس ينهض ويتابع بحثه عن الكباش التي هرب بعضها ، فيما ظلت الأخرى تشب على الأغنام مستغلة الفرصة .
وحين رأته مقبلا راحت تهرب من أمامه مخلية ساحة القطيع . كنت أظن ان مرداس سيتركها إلى حال سبيلها طالما أنها هربت ، غير أنه لم يفعل ، لقد دبت فيه شراسة مخيفة ، وراح يلاحقها عبر السفوح والأخاديد ، إلى أن أثخنها بالجراح ، وألحق بها هزيمة منكرة !
كنت أرقبه من بعيد تخوفا من سطوته وخوفا عليه ، فقد يقذفه راع بحجر ، وقد يتدربأ عن سد صخري ، أو مكان وعر فيقضي نحبه . سأموت حزنا عليه ، إذا لم يقتلني أبي .
كنت منزعجا وحزينا بعض الشيء لمقتل أخيه . شاهدته يعود بعد ان شتت الكباش
في الجبال والأودية . أدركت انه ظمىء ، أخذت مطرة مائي وأسرعت للقائه . كان يلهث بسرعة والعرق يتصبب من كافة انحاء جسده ، نزعت الكوفية ورحت أجفف بها عرقه ، متفقدا جسده ، كان مصابا بجراح خفيفة ، وثمة كدمات بين قرنيه وفي وجهه ، وما أن استراح قليلا حتى رحت اسقيه الماء من يدي .
كنت فرحا بنصره وآسفا لمقتل أخيه . همست له ( أخوك يا مرداس ، كيف تقتله يا كلب !! ) لم يذعن لي ، كان ما يزال يلهث من جراء التعب .
انصرف الرعاة خلف قطعانهم حاملين الكبش القتيل على حمار . كانوا جميعا آسفين ونادمين لمقتل كبش من افضل كباش البلدة ، وليس في إمكان أي راع الإستغناء عنه . بل إن جميع القطعان في حاجة إليه . وكان في مقدورهم أن يفضوا النزاع بأي شكل، لو أنهم ادركوا عواقبه .
لم أنم تلك الليلة يا لوسي ، فقد امضيتها قلقا على مرداس تخوفا من اصابته بآلام داخلية ، فنمت إلى جانبه ، وكنت أستيقظ بين لحظة وأخرى لأطمئن عليه ، ومما زاد من مخاوفي أنه لم يشب على النعاج منذ أن حدثت المعركة ، وظل طوال الليل هاجعا مستكينا منهكا . وكنت قد سرقت في المساء قرابة رطل من الشعير – خلسة عن ابي – وقدمته له . لم اطمئن عليه إلا عند الفجر ، فقد استيقظت ولم اجده إلى جانبي ، درت بنظراتي بين القطيع . شاهدته يعتلي ظهر نعجة . وحينئذ فقط دبت الطمأنينة في قلبي . همست له ( آه منك يا عكروت ) ونمت بعمق ، مع أنه الوقت الذي ينبغي علي أن استيقظ فيه . والحق أنني كنت أحسد مرداس يا لوسي ، فهو لديه ما يسفده وينزو عليه ، أما انا فلم يكن لدي شيء . لا شيء على الإطلاق . فأنا شبه خصي دون ان اخصى ! لقد خصونا ونحن في عز شبابنا ، وليس ثمة امل في استعادة فحولتنا ! قولي لي يا لوسي ( هل يخصى الرجال عندكم كما يخصون عندنا ؟! )
آه يا لوسي / لم تنته قصة مرداس هنا ، فقد جرى صراع فيما بعد لا يقل ضراوة عن هذا الصراع .

محمود شاهين
01-11-2007, 12:52 AM
ترقبوا الحلقة القادمة
صراع مرداس مع أبيه دهمان
صراع يكتم الأنفاس
ديرو بالكم على أنفاسكم !

محمود شاهين
01-11-2007, 10:12 PM
مرت عدة أيام وكباش الرعاة تتنشق عبق الخصوبة في قطيعنا دون أن تجرؤعلى الإقتراب منه . إلى ان جاء يوم مهول خاض فيه مرداس صراعا مريرا ، فقد ظهر كبش جديد لا يهاب المنايا ، واقتحم ساحة القطيع دون أت تهتز في جسدة خصلة صوف ! كبش تمرس العراك وخبر الطحان وذاق مر الكر والفر ، ترضخ له القطعان وتتحاشاه الكباش في الميدان .
كان الوقت صباحا ولم ترتفع حرارة الشمس بعد ، وقد انتشر الرعاة بقطعانهم على السفوح والجبال عازفين على آلاتهم الشعبية أو مرددين الأهازيج ، وفيما كنت أجوب السفوح بعيني ، ناظرا نحو مآذن القدس تارة ونحو هضاب جبل المنطار تارة أخرى ، شاهدت كبشا يرمح من بعيد ، بالكاد حتى لمحته ، فقد كان يعدو بسرعة هائلة ، أيقنت أن وجهته ليست إلا قطيعي . أطرقت للحظات ، وما لبثت أن عرفته من سرعته وحجمه . فليس هناك من هو بهذا الحجم ويعدو بهذه السرعة إلا هو . بدا كفارس يعدو على جواده لمواجهة خصمه . لقد هرب من قطيعة دون أن يتنبه له الراعي أو لم يتمكن من صده . ( ماذا جاء به ؟ الخصب ؟ أم الحنين إلى القطيع والديار؟ ) وضعت يدي على صدري تخوفا وتحسبا لما سيحدث . القيت نظرة نحو مرداس ، كان يشب على النعاج واحدة تلو الأخرى ، صرخت به وأنا أهرع نحوه ( مرداس توقف عن النكاح وتهيأ للنطاح ، فقد غزاك فارس مهول له في العراك باع طويل ، قرناه يهدمان الجدران ، وخلفه ثمانية أعوام من خوض المعارك ، من صلبه أتيت ، وبمعيته تدربت وشببت ، إنه ابوك دهمان فارس الفرسان ، فحل البوادي والبطاح وسيد القطعان والمراح )
كان دهمان مقبلا من سفح هضبة ، وغدا وقع قوائمه على الأرض مسموعا . ألقى مرداس نظرات خاطفة وهو يميل بأذنيه إلى الأمام ليحدد مصدر الوقع . رأى اباه يهرع من بعيد . يبدو انه لم يعرفه . توسلت إلى الله ان يمنع نشوب معركة بينهما ، ليس لأنني أحبهما وحسب ، بل لأنهما اب وابنه ، ولي ذكريات مع دهمان
لا يمكن أن انساها ، فقد عشنا طفولتنا معا ، وكنت أحبه كثيرا رغم انه كسر أسناني ذات يوم ، غير أن الحق كان علي يا لوسي ، فقد تقنعت بكيس خيش وجئته من خلفه حبوا مقلدا الذئب حاملا بيدي قضيب حديد فيما كان هو يرعى الربيع ، مددت القضيب من بين رجليه ووخزته في خصيتيه ! آه يا لوسي ، لا أراك الله ما أراني ، فقد استدار دهمان وسدد إلى وجهي نطحة مرعبة ، أطارت اربعا من أسناني وخلخلة البقية . ولولا هروع الراعي على صراخي لقتلني . نزفت الكثير من الدم ، وظل وجهي متورما قرابة عشرة أيام . كنا صغيرين ، لكنه كان اقوى مني بكثير . أحجمت عن اللعب معه بعد ذلك اليوم ، إلى ان شب وبلغ قبلي . وراح ينط على الأغنام امام عيني ، بينما أنا لم اعرف طريقي إلى المرج بعد !!!
تحرك مرداس بلا مبالاة لمواجهته على مسافة من القطيع . تبعته . أمسكت قرنيه . قلت له ( ولك يا جحش اسمعني ! إنه أبوك وربما جاء مشتاقا إليك ، ولا شك انك تحتاج إلى مساعدته في هذا الزمن الغادر ، فلا تضمه إلى أعدائك ، لو كان معك في معركة الأمس القريب ، لما كلفك النصر كل هذا الجهد . ولا تظن ان مواجهته ستكون سهلة ، قد يقضي عليك ، والله يعلم كم ميلا قطع كي يشفي غليله ، رجائي
ألا تعترض طريقه ، وأنا واثق أنه لن يتعرض لك بسوء . ! )
الكلب ! حدجني بنظرات لم افهم معناها ، غير أنني أحسست بأنانيته وغيرته القاتلة . صرخت به ( ولك النعاج كثيرة وتكفي لك وله ) لا أعرف فيما إذا فهم !
كان دهمان قد اقترب إلى مسافة قد لا تزيد عن المائة متر . أخذ مرداس يتفلت مني ، وحين ادرك انني لا أريد إفلاته تلافيا للمعركة ، نتر نفسه من بين يدي واندفع كالسيل . كان قد طرحني ارضا وكاد أن يدوس على بطني . صرخت ( أه يا قابيل يا كلب ، أتمنى أن تهزم شر هزيمة ايها العاق . ) ونهضت اعدو خلفه وأرقب ما سيجري .
أقبل كل منهما في اتجاه الآخر وكانه صخرة قذفها بركان ، وحين ضاقت بينهما المسافة جمحا وقد ضما قوائمهما إلى جسميهما ثم اندفعا كرمحين ، وقبل أن تلتقي قرونهما في الفضاء ، عرف واحدهما الآخر ، فقد حاول كل بدوره تشتيت النطحة وإضاعتها ، غير أن محاولة الأب كانت ناجحة أكثر من محاولة الإبن ، الذي لم يتمرس الكر والفر كأبيه . فقد مال بكل جسمه إلى اليسار ، ومن المفترض أن يميل هذا العاق بجسمه إلى اليمين ، وهو ما أقدم عليه ، غير أن زاوية انحرافه كانت ضيقة جدا ، مما جعله يصطدم بإلية أبيه . ولو لم تكن زاوية انحراف الأب كبيرة بعض الشيء ، لجاءت النطحة على بطنه أو حقوه ، مما قد يعرضه لإصابة بالغة . وتبين لي بعد قليل ، أن مرداس لم يكن جادا في تشتيت نطحته ، مما جعل فرحتي تذهب هباء .
وقع دهمان على جنبه ( نتيجة لقوة النطحة والإجهاد الذي ألم به من جراء المسافة التي قطعها عدوا ) فيما حط مرداس على الأرض منتصبا .
صرخت ( آه يا لئيم ) وحين شاهد اباه مطروحا دنا منه ، غير أن الآخر نهض على الفور . قاربا رأسيهما وأخذا يتشممان واحدهما الآخر ، وحينئذ فقط أدركت ما جرى ، فرحت أشكر الله .
دنوت منهما . هتفت لمرداس ( ولك يا جحش ، ألم أقل لك أنه أبوك ، ألم تفهم ؟ أم أنك لم تسمع ؟ ) وانصرفت عنه إلى دهمان الذي عرفني وراح يتمسح بي . عانقته
ورحبت به بين أهله وفي دياره . كان متعبا ويلهث بشدة واستمرار وعيناه ترقبان القطيع بنهم ، وقد تاججت في دخيلته فحولة طاغية ، انتحيت من امامه فاسحا له الطريق ، ممسكا بقرني مرداس . هجم على القطيع كذئب وراح يزأر كالأسد . شب على أول نعجة واجهها في طريقه . وحين أدركت الأغنام وجوده عرفته وهرعت نحوه . أخذت تتشمم رائحته وتدور من حوله .
كان مرداس يرقب ما يجري بعينين تقدحان غيرة . هتفت له ( ولك إنه أبوك الذي أنجبك من صلبه ، ولولاه لم تكن قد جئت إلى الوجود ) العاق تاججت الغيرة في رأسه ، خاصة وأن النعاج هرعت نحو دهمان وأحاطت به حين فاحت رائحة خصوبته لتعم المكان. ونظرا لأنه يمارس السفاد لأول مرة ذالك العام ، فإنه كان ينزو على النعاج دون توقف ، ويقذف بغزارة فائقة ، على النقيض من مرداس
الذي بدا موسمه منذ قرابة اسبوعين ، وهدر الكثير من طاقته .
تاججت الغيرة في دخيلة مرداس إلى حد جنوني وهو يرى إناثه تستلب منه . لكزني لكزة خفيفة بقرنيه ليفلت نفسه ويندفع نحو دهمان . صرخت به ( لئيم ! سيحطم أنفك إذا تحرشت به ونغصت عليه يومه )
وللأمانه أنه ابطأ من عدوه ليتيح لأبيه النزول عن النعجة التي ينزو عليها . وما ان نزل حتى باغته من الخلف بنطحة خفيفة في إليته ، تنم عن تحرش متعمد أكثر مما تبيت نية الغدر .
( يا عيني عالفرسان يا لوسي ) فقد التفت دهمان بطرف رأسه دون ان يدير جسمه ، وكأنه يقول لمرداس ( عيب عليك ) غير ان اللئيم راح يزيد من تحرشه
واضعا الشر نصب عينيه .
يتبع ( الصراع الدامي بين الكبشين )

محمود شاهين
03-11-2007, 10:44 PM
ابتعد إلى الوراء قرابة مترين وهجم مسددا نطحة إلى حقو أبيه . لم يتحرك دهمان من وقفته وثبت قوائمة ليشتت تأثير النطحة . تراجع اللئيم قرابة ثلاثة امتار هذه المرة ليسدد نطحة أقوى ، وحينئذ استدار دهمان وزجره بعينيه . أحسست به يقول له ( كفى ، اخجل من نفسك وابحث لك عن نعجة تعاشرها واتركني قبل أن تثير غضبي ) صرخت له ( دهمان خذ حذرك من هذا الإبن العاق ‘ إنه قابيل ، لقد قتل اخاه وهزم اثني عشر كبشا منذ أيام ، خذ حذرك منه ومرغ لي أنفه في التراب ) !!
واستعد دهمان للدفاع وكان بودي أن يبادر للهجوم . سمر أظلافه في الأرض وهيأ قرنيه لصد النطحة المرداسية . تلقاها وشتتها دون أن يتزحزح قيد انملة من مكانه . ( يا عيني عليك يا دهمان ) وراح هذا العاق يبتعد أكثر فأكثر ويشن الكرة تلو الكرة ، ودهمان يصد الهجمات دون أن يتحرك ، ودون أن تؤثر فيه شيئا . انفضت الأغنام من حولهما مخلية لهما الساحة . صرخت بهذا العاق ( كفى يا كلب لقد ارهقت نفسك يا جحش ) ! وأدركت انني أنصحه دون ادري ، بتغيير طريقته في الهجوم . وغيرها حقا . فقد أرهقه ابوه حين تركه يكر ويفر وهو ثابت في مكانه . يتصدى للهجمات بقرنين هائلين وخبرة فائقة ليبطل تأثيرها .
تخلى مرداس عن الكر من بعيد ، بل وتخلى عن مواجهة قرني أبيه ، وأخذ يسدد النطحات الجانبية ، غير أن دهمان وبخبرته الطويلة كان يدور معه قدر الإمكان كي لا يتيح له أن يظفر به ، واضعا نفسه في مركز دائرة ، تاركا مرداس يدور من حوله ، وكلما انقض عليه وجد قرنيه في مواجهته . وبدا واضحا حتى حينه ، أن دهمان يكتفي بالدفاع ويتلافى الهجوم . صرخت به ( ألم يستفزك بعد هذا العاق يا دهمان ، ألن تفرغ أنفه في التراب ؟! ) ولم يستفز دهمان إلا نجاح مرداس في توجيه نطحة جانبية له ، كادت أن تطيح به أرضا ، غير أنه لم يعط المعركة الجدية الكافية ، وكأنه ما زال يتعامل مع مرداس كإبن وفتى لم يتمرس العراك في الوقت نفسه . فقد تخلى عن التشبث بالأرض وتثبيت القوائم إلى الليونة والرشاقة ، ومن الإكتفاء بالصد إلى المبادرة بالرد ،فارضا على مرداس النطاح المباشر ، لكنه تجنب الدخول في مرحلة الردع التي لن يحسم الصراع غيرها كما بدالي من هذا الإبن العاق .
راح دهمان يصد النطحات بقوة ، وأجاز لنفسه ان يتقهقر بضعة أقدام إلى الوراء ‘ في حين كان مرداس يتقهقر بضعة أمتار ، وهذا يعني أن قوة النطحة المرداسية
الناجمة عن بعد المسافة ، أقوى من نطحته ، غير أن ثقته بنفسه وبقوته ، لم تجز له أن يتراجع أكثر من ذلك .
قلت لنفسي ( سيبدأ الجد ، هيا يا دهمان مرغ أنفه ) مرت النطحة الأولى فالثانية فالثالثة ، دون ان يبدو على أي منهما تفوق يذكر . أخذ دهمان يبتعد أكثر ، غير أن مرداس كان يبتعد اكثر بدوره . هتفت لدهمان ( هيا يا دهمان ، واحدة دهمانية وينقضي الأمر ، لكن إياك ان تقتله ، سأزعل منك مدى حياتي ) !
أللعنة ! لقد عاد هذا العاق إلى الأرض ثابتا . أعادا الكرة خمس نطحات متتالية ، لم تحسم شيئا . ولم يبد على أي منهما أي تراجع . وأحسست بدهمان يدرك أن ابنه ليس كما كان يتوقع ، بل إنه أمام خصم عنيد وقوي ، وإن كانت تنقصه الخبرة الكافية ، فصمم على أن يناطح بجدية أكثر . تقهقر قرابة عشرة امتار ، فيما تقهقر مرداس قرابة عشرين مترا . انطلقا . وضعت يدي على قلبي . وثبا في الفضاء . التقيا . عادا إلى الأرض ثابتين . أللعنة ! تراجعا . أكثر من عشرين مترا تراجع دهمان هذه المرة . ( رباه لقد دخل دهمان مرحلة الردع . لا بد من حسم المعركة مع هذا الإبن العاق ! هيا يا دهمان ! ) ولم أستطع إلا أن احذر قابيل الكلب ، فصرخت به : ( واحذر أنت يا لئيم فقد يشق رأسك نصفين هذا اليوم . )
انطلقا ومن ثم طارا ليلتقيا . (طاخ ) ووضعت يدي على وجهي . وحين أدركت أنهما عادا إلى الأرض ثابتين ، رفعت يدي ورحت أرقب تراجعهما . جن دهمان حقيقة وقد ادرك أنه امام كبش شرس لم يصارع مثيلا له في حياته . تقهقر قرابة خمسين مترا ، فيما تراجع مرداس قرابة ثمانين . صرخت ( يا ألله كن معهما ! اللعنة عليهما ! سيقتلان بعضهما !) كرا (واحدهما في اتجاه الأخر ) الغبار يتطاير من خلفهما ، والحصى يتناثر من تحت أظلافهما ، خلتهما كصخرتين تتدحرجان من قمة جبل . قذفا نفسيهما في الفضاء . صرخت ( ألطف يا لطيف ) ( ط.... ا ... خ ) وعادا إلى الأرض ثابتين كجبلين . رفعت عصاي وهرعت نحوهما ( دهمان، مرداس، كفى ) لم يذعنا لي . تراجعا وتراجعا .. لما يقارب المئتي متر تراجعا . ( اللعنة عليكما ! يا رب السماوات الطف بهما ، وكن معهما ، ولا تدع أحدهما يقتل الآخر . وإذا كان لا بد من ذلك ، فليقتل دهمان ، فقد شاخ وكبر ، وعاش حياته ، ثم إنني لم أشق في تربيته ، وهذا العاق ربيته على يدي ، وإذا ما قتل ، سأقتل نفسي قبل أن يقتلني أبي ) !
انطلقا كرمحين ، بل كسهمين ، لم أكن قادرا على مشاهدتهما بوضوح لسرعة انطلاقهما ، توسلت لكل الأنبياؤء والآلهة أن يحرسوهما . شاهدتهما يقذفان جسديهما في الفضاء ليصطدما كجبلين ويرتدا إلى الوراء ويسقطا .. يا ألله لقد وقع الإثنان أرضا . هرعت نحوهما . وما أن اقتربت منهما حتى نهضا وراحا يتراجعان ، هشت عليهما بعصاي وأنا اصرخ ( كفاكما جنونا ، اللعنة عليكما وعلى اليوم الذي ولدتما فيه ! ) لم يذعنا لي ، ولم اتنبه لنفسي إلا وأنا اقف في نقطة التقائهما
. رباه قد اقطع إلى نصفين إذا ما بقيت واقفا هنا . رحت اصرخ وانادي الرعاة في السفوح والجبال ، غير انهم كانوا بعيدين يا لوسي . أخليت الساحة لهما ، وأسلمت امري إلى الله ربي .
لا أعرف كم ابتعدا هذه المرة ، ابتعدا كثيرا كثيرا ، بحيث لم يتح لهما المكان الإبتعاد أكثر ، ليظل واحدهما في مواجهة الآخر . وحين انطلقا كانت أعصابي
قد انهارت تماما ، وتملكني الخوف ، وجف اللعاب في فمي فانطرحت أرضا .
شاهدتهما يصطدمان في الفضاء ويرتدان إلى الوراء من شدة الصدمة ، ليقعا على ركبهما وينطرحا . وحين أدركت أنهما لن ينهضا كما في المرة السابقة ، تحاملت على نفسي وهرعت نحوهما . لقد قذفتهما الصدمة بعيدا ، بحيث فصل بينهما قرابة خمسة أمتار . هرعت إلى مرداس أولا . كانت الدماء تغطي وجهه وقائمتيه الأماميتين ، والعرق يتصبب من جسده ، واللهاث يندفع بتواصل من فمه ومنخريه ، فيما جسده ينتفض بين لحظة وأخرى . رحت اصرخ وأبكي وأشتمه ايضا وأنا أجفف دماءه (ولك يا حيوان يا كلب ، يا لئيم يا حقير ، قلت لك سيقتلك ، رغم أنه عجوز !)
كنت أجفف دماءه وأنظر إلى أبيه كي لا يغار مني وينقض علي وعليه معا . رشقت قليلا من الماء على رأسه وهرعت لأطمئن على أبيه . كان مطروحا وقوائمه ممدة على الأرض ، وحين شاهدني أقترب منه ، انتفض ونهض ، غير أنه ظل واقفا في مكانه ، كانت الدماء تغطي وجهه هو الآخر ، رحت أجففها له دون أن أدري ماذا أقول له . لم اكن غاضبا منه ، ولم أعتبر ولو للحظة هروعه إلى قطيعه الأصلي
غزوا ، بل شوقا وحنينا . انتفض وتحفز وأنا أجفف دماءه . وحين نظرت خلفي شاهدت< قابيل > ينهض ويحدجنا بنظرات ما زال الشر يقدح منها . سحبت غنجري من غمده وأشهرته وعصاي في وجهه ( أقسم انني سأخوض المعركة مع أبيك ضدك هذه المرة ، إذا ما تماديت في عدوانيتك أيها الوغد ، ولتذهب إلى الجحيم ) وكي أقنعه بصدق نواياي ، أخذت حجرا وقذفته نحوه . تقصدت إصابته ، غير أنه زاغ عنه ! وحين ادرك مدى صدقي ، جانبنا وانصرف على مهل نحو القطيع .
أحسست بدهمان يتحفز . طوقت عنقه بيدي اليسرى ، ورحت أرش الماء على وجهه بيدي اليمنى ، قلت له ( يكفي ، لقد ارتكبتما من الحماقة ما فيه الكفاية ، يجب أن تترك قابيل اللئيم هذا ، فهو قوي وملعون رغم صغره ) بدا لي أنه فهم علي فتركته .
استدار وتوقف للحظات ينظر نحو مرداس دون أن يحرك بصره عنه ، ومن ثم راح ينظر نحو القطيع بتمعن ، ويتأمله نعجة نعجة ، وتأمل المعز للحظات أيضا .
بدا حزينا وكئيبا ، فهو مضطر وللمرة الثانية لأن يغادر القطيع الذي عاش معه سنين طويلة ، وكان يتمنى أن يكمل حياته معه ، لو لم يبعه أبي في المرة الأولى ، ويتنكر له ابنه ويتصدى له في المرة الثانية .
إذن لا بد من العودة إلى القطيع الآخر . القطيع الغريب الذي لم يألف الحياة معه
، ولم يألف راعيه ، ولم يألفه الراعي بدوره . احنى رأسه واستدار إلى الناحية التي جاء منها ، وسار بخطوات بطيئة متعبة . رافقته لبضعة أمتار واضعا يدي على ظهره . أوقفته لأعانقه . عانقته . همست له ( لا تحزن يا دهمان وتحمل . تحمل أيها الفارس الشيخ ، إنها الحياة هكذا ، قاسية لعينة ، ملعون ابوها ، ملعون أبوها يا دهمان ، حتى ابنك الذي أنجبته من صلبك ، يقف ضدك فيها ) ولحظتئذ سمعت صاحبه يناديني من قمة جبل مواجه يسألني عنه ، أجبته بأعلى صوتي ( ها هو إنه عائد إليك ) وأطلقت عنق دهمان ليتابع سيره . ظللت أرقبه إلى إلى أن مال خلف هضبة .
****************
يتبع قصة النعجة ( ندى ) شقيقة مرداس التوأم !

محمود شاهين
08-11-2007, 09:01 PM
عدت إلى القطيع . نظرت إلى هذا الكلب مرداس ، بل قابيل. قلت له : ( لا تتكلم معي ، ولا تنظر إلي ، لن اطعمك شيئا بعد اليوم ، لتذهب إلى الجحيم ! هكذا تفعل بأبيك ايها اللعين ؟!) والحق إنني لم أخاصمه إلا لبضعة أيام !
ظل مرداس يعاني من جراحه طوال اسبوع ، وقد نجحت في إخفاء ما جرى عن أبي. وحين شفي عادت له قوته ، ودب الإخصاب في جميع قطعان البلدة . راح الرعاة يقتربون باغنامهم من قطيعي كي يشب عليها مرداس ، ولا سيما ذاك الراعي الذي قتل كبشه . قال لي ( كبشك يا ابن ابو الجدايل قتل الكبش وعليه ان <يظرب > القطيع كله ( قلت له ( حقك على راسي وعيني وعلى مرداس )
راح مرداس يصول ويجول بين النعاج كالأسد الجسور ، فتقبل الأغنام عليه وتلتف حوله ، لتختلط القطعان وتشكل قطيعا واحدا من آلاف النعاج . كان مرداس يشب في اليوم الواحد اكثر من مائة مرة ، وفي كل مرة يشب على نعجة جديدة . وحدث امر مهم يا لوسي . امر لا يصدق أبدا ، فلم يعد مرداس يغار كما في السابق ، أو لنقل كما في بداية الإخصاب ، فالنعاج غدت من حوله بالمئات ، بل بالآلاف ، وقد اطفا ظمأه ، وخمدت الغيرة في دخيلته ، غير أن الكباش لم تكن تجرؤ على الإقتراب منه ، وتظل تمارس حقها في السفاد مبتعدة عنه قدر الإمكان . وكان هو ينظر إليها بين فترة وأخرى دون مبالاة ، وكان يشاهد اباه بينها ، غير انهما كانا يتلافيان المواجهة .
اما ندى يا لوسي . شقيقة مرداس التوأم ، فقد حيرتني ، حيرتني تماما ، غدت نعجة بحجم نعجتين ، وأخصب القطيع كله دونها ، وكم حاول مرداس إرضاخها دون جدوى . صرخت بها ذات مرة ( سيقتلك إن لم تذعني له ، لن يهمه ان تكوني أخته ) لم ترد علي ! وفيما كان يطاردها ذات يوم ، هرعت وأمسكت بها ، قلت له ( هيا اغتصبها يا مرداس ، اغتصبها هذه اللعينه ، أولجه فيها للبيض ، لعلها تذق طعم الحياة وتعرف قيمتها ) اللعنة عليه ، لم أعرف انه سيفضها بهذه الوحشية ، فما أن شب عليها رافعا إليتها حتى شدها إليه بكل قوة وراح يطعنها بقضيب فولاذي دون أي تمهيد ، أطلقت رأسها حين تاكدت أنه تمكن منها . وما ان بلغ أوج الذروة حتى دفعها واطلقها بالقوة التي شدها بها إليه ، لتكبو على رأسها وقد تكور جسمها لشدة الذروة التي كانت تستشعرها ، وما لبثت ان تدحرجت بضعة أقدام لشدة الدفعة المرداسية . صرخت ( اللعنة قتلها ) اطمأنيت حين شاهدتها تنهض وانا أقترب منها . وحين تبعها مرداس ثانية ، رضخت له راضية ، بل متوسلة ، حتى أنه لم يعد قادرا على اشباعها !
آه يا لوسي . إذا ما حضرت في المساء لن احدثك عن النهاية التي آلت إليها ( ندى ) لأنني قتلتها ! نعم قتلتها . غضبت ذات ليلة عندما سرحت الأغنام ليلا بحثا عن الكلأ على نور القمر ، وهذا امر ممنوع على الأغنام إذا ما كان الراعي نائما ، فإذا ما هاجمها ذئب أو قطيع من الذئاب ، سيفتك بها قبل أن يصحو الراعي ويبحث عنها ، ليجد جثثها ! وهذا ما حدث لقطيع ( حسن ) الذي كان يغط في نوم عميق
وحين استيقظ لم يجد ولا شاة حوله . كان الفجر لم يبزغ بعد ، ولم يستطع العثور على القطيع إلا بعد طلوع النهار ، ليجد جثثه متناثرة في واد على مسافة تقارب ثلاث كيلو مترات . لن أنسى صبيحة ذلك اليوم حين هرعنا على صراخ النساء
وهن يندبن القطيع في حين كان بعض الرجال يحملون الأغنام على الحمير ويعودون بها إلى العزبة لبيعها لحما ، لاعتقادهم أن عضة الذئب حلال !! فالذئب يعض الشاة من حنجرتها يا لوسي ، وهو لا يفتك ليشبع كمعظم الحيوانات ، بل ليقضي على القطيع كله إذا ما أتيح له ذلك .
ثمة تخوف آخر على القطعان من الرعي دون يقظة الراعي ، وهو وجود حقول
وبساتين مرشوشة بمواد سامة حتى لا يقترب منها أحد ! وهذا ما حدث لقطيع خالد
وفي عز الظهيرة ، فقد كان خالد يرعى قطيع معزه على مقربة من حقل ذرة .دهمه النعاس وغفا حين كان مستلقيا إلى جانب القطيع . وحين استيقظ من غفوته وجد الأغنام ترعى في حقل الذرة . هرع وأخرجها ، لكن ما ان مرت بضع دقائق حتى بدأت الأغنام تتلوى وتثغو وتقع أرضا وهي ترفس بقوائمها في لحظات احتضار .
راح خالد يصرخ ، كنت أرعى قطيعي في سفح مواجه ، رحت أصرخ بدوري وانادي الرعاة و الناس ليمدونا بالحليب والمحاقين . كان يوما رهيبا يا لوسي .
هرع ابي ورحنا نحلب من أغنامنا ونهرع نحو قطيع خالد . وكان رعاة كثر يحلبون أغنامهم ويهرعون . الحليب يقاوم التسمم . كنا نحقن الحليب حقنا في أفواه الماعز
وهناك من كانوا يدلقونه في فم المعز دون محقن . لم أتمالك دموعي وأنا أرى إلى صراخ النسوة وندبهن وهن يلجن الوادي الذي كانت تتناثر فيه الأغنام . كانت أم خالد تشق ثوبها عن صدرها وتطلق شعرها وتشرع في نتفه أو تلطم بيديها على صدرها ورأسها وهي تردد نادبة ذاكرة المعز ، كل عنزة باسمها ( ويلي عليك يا العطراء ، يا حسرتي عليك يا الصبحاء ، ألله يكون معك يا الدرعاء ، وحنا بعدكن ما لنا حياة يا عيوني )
أفلحنا في إنقاذ بعض الأغنام ، لكن أغلبها نفق .
في يوم مقتل ندى ، كنت متعبا يا لوسي ، وقد أحجمت الأغنام عن الرعي خلال النهار نتيجة للحر ، وعندما برد الطقس ليلا ، نهضت من مهجعها وانتشرت تبحث عن الكلأ . كنت أغط في نوم عميق . استيقظت على صوت الأجراس المعلقة في رقابها عندما انقلبت على جنبي بعد فترة من انتشارها . كانت قد ابتعدت عني . نهضت مذعورا ورحت أعدو في اتجاه صوت الأجراس وأنا أنعق بأعلى صوتي
طالبا إلى الأغنام العودة حالا ! راحت الأغنام تهرع عائدة وهي متخوفة من غضبي
الذي ليس له حدود أحيانا . وما ان اقبلت علي حتى واجهتها بوابل من الحجارة والصراخ ، راحت تعدو أمامي عائدة إلى المهجع ، وأنا اضربها بكل حجر تطاله يدي ، ولم أعرف وانا في ذروة غضبي أنني التقطت حجرا كبيرا وقذفته بكل قوتي نحو مجموعة من النعاج لأصيب نعجة في جمجمتها ، شاهدتها تقع ارضا وتهمد في مكانها . هرعت إليها . لم تكن إلا ندى يا لوسي ، وقد اصاب حجري اللعين مقتلا منها . صرخت مستنجدا بالله دون جدوى . وحين رأيتها تحتضر أيقنت أنه لم يعد ثمة امل في حياتها . سللت خنجري وذبحتها كي لا تنفق فطيسا .
آه يا لوسي . كانت قد أنجبت توأمين كامها . وكانت أكبر نعجة في القطيع من حيث حجمها . وتحلب اكثر من ثلاث نعاج . رحت أندب حظي العاثر . ضربني أبي ضربا مبرحا ، وطردني من البيت . مكثت عشرة أيام أتسكع في شوارع القدس ، وأعمل في اعمال لم أعتدها يوما . عدت بعد أن أرسلت من يصالحني مع ابي . لقد قدر لي أن أربي التوأمين اللذين تركتهما ، وكانا أنثيين ، فأسميتهما ( وردة ) و( رسمية ) . وهذه بداية قصة أخرى يا لوسي .
****************
يتبع .

محمود شاهين
16-11-2007, 09:32 PM
حين تركت القطيع إلى الأبد هربا من سطوة أبي ، كان مرداس في أوج قوته ، و< وردة > و< رسمية > شبا وكبرا . وحين عدت إلى القدس فدائيا عام 1970 ، زرت أهلي ليلا ، وكنت متشوقا للقاء مرداس وخلفته ، والأغنام الأخرى ، بقدر ما أنا متشوق للقاء امي . كان بعضها قد تغير ، غير أن مرداس كان كما هو، وإن شاخ قليلا . رحت أعانقه ( ولك قابيل ، ألم تعرفني ) ؟!اللعنة عليه ، لم يعرفني في البداية ، قرابة سبعة اعوام مرت على ترك القطيع ، كبر وربما ضعفت ذاكرته ، فركت أذنيه وضممته وتحدثت إليه بالكلمات التي أعتدت أن أخاطبه بها . عرفني ، فقد راح يلتصق بي ويتشمم وجهي . طال عناقنا . تركته ورحت أبحث عن وردة ورسمية لأعانقهما . افتقدتني أمي فخرجت تبحث عني . فرحت حين شاهدتني أعانق الأغنام . هتفت ( بعدك كما عرفتك يا بني ، حنون وتحب الغنم .) وقال أبي الذي جاء هو الآخر ، مداريا حسرة في قلبه ( من ما تركت الغنم لم نر التوائم ، وعددها يتناقص كل عام )
آه يا لوسي ! خرجت من الأرض المحتلة للمرة الثانية أواخر عام 1970 ، وباع أبي القطيع ومات بعد اربعة أعوام . عاشت أمي بعده أكثر من عشرة أعوام وماتت . وإذا ما عدت يوما يا لوسي لن أجد امامي إلا القبور ، ولن أجد مرداس ، ولن أجد القطيع ، ولن يستقبلني صدر أمي كما كان . عزائي الوحيد أنني سأجد البطاح والسفوح في مكانها . البطاح التي شهدت مئات الأ حداث ، وتخبىء في أخاديدها مئات القصص.
لوسي ؟ أين أنت؟ كم الساعة الآن . أنا لم آكل شيئا هذا اليوم يا لوسي ، ولم أكتب شيئا . أكان على محمود التعس أن يموت هذا اليوم ؟
يجب أن أتصل بك ثانية يا لوسي . سأفتح اذني . آه ، أنت لست موجودة .
آه يا لوسي . ربما أصبحت شريرا ، إذ ليس من المعقول أن لا تترك الأحداث التي مررت بها خلال أربعين عاما أية آثار سلبية على نفسيتي ، فهي أحداث مهولة يا لوسي ، عشت فيها عشرات المجازر ، وشاهدت مئات الجثث ، ولا أظن أنني قادر على التأثر لموت قط حتى لو لم أكن أكرهه . مع أنني كنت أحب القطط أيضا يا لوسي ، أجل كنت أحبها كثيرا في صغري ، لكن نحن لم نكن نقتني القطط والكلاب كي نلهو معها ، وتؤانسنا في حياتنا ، لا لا يا لوسي ، فحياتنا مليئة بالشقاء وليس فيها هذا المتسع للهو والمؤانسة ، كنا نقتني القطط لتصطاد الفئران ، لا لتهرب منها مثل قططك ! وكذلك لاصطياد الأفاعي ، والكلاب لتحرس القطعان والبيوت
من اللصوص والذئاب ، ولم نكن نطعمها إلا الخبز الحاف ، ولم تذق اللحم يوما ، فما بالك بالفليه التي تطعمينها لقططك ؟ وإذا ما قدمنا لها بعض العظام مرة أو مرتين في العام فإن ذلك اليوم يكون عيدا عندها . ربما لذلك كانت القطط تنشط في قتل الفئران والأفاعي كي تأكل اللحم الذي حرمت منه. أما الكلاب البائسة ، فلم يكن أمامها غير فطائس الحمير والبغال والأغنام . أجل يا لوسي ، ومع ذلك فإن قططنا كانت تؤدي واجباتها على اكمل وجه ، أذكر أنه كان لدينا قط يصرع اكبر أفعى . ولا أظن أنني سأشاهد قطا أشجع منه . وذات يوم أجدبت الدنيا يا لوسي
فارتحلنا بالقطيع إلى شمال القدس . لم نجد القط عند رحيلنا فبقي في العزبة .
عدنا بعد مضي ثلاثة أشهر . استقبلنا القط من فوق جدار العزبة وراح يموء مرحبا بعودتنا .
وفي مرة أخرى ارتحلنا بالأغنام إلى الضفة الشرقية ، اصطحبنا القط معنا هذه المرة ، غير أننا أضعناه عند عودتنا ، فقدت الأمل في عودته لوجود نهر وبحر يفصلان بيننا وبينه . ورحت أسأل أبي عما إذا كان القط قادرا على اجتياز البحر أو النهر ، فأكد لي أنه يجيد السباحة ويمكن له أن يجتاز النهر ، واستبعد أن يجتاز البحر . ثم إنه قد يهتدي إلى جسر على النهر ويعبره سيرا . وفي الوقت الذي كنت فيه فاقدا الأمل بعودته جاء يا لوسي . كنت أداعب حملا في مهجع الأغنام ، حين سمعت مواء خلفي ، التفت فإذا به يقف على الجدار . هتفت فرحا ( بسبوس ) وهرعت إليه . مددت يدي وأنزلته عن الجدار ، ورحت أحتضنه وأملس على رأسه
وظهره ، كان فرحي بقدومه عظيما يا لوسي .
ومنذ بضعة أعوام يا لوسي ، عشقتني قطة دمشقية ، كان يقتنيها بواب البناء الذي أسكنه . شاهدتها صدفة فيما كنت جالسا على مدخل البناء مع اللجنة المكلفة
بشؤون البناء . كانت قطة جميلة جدا ، سوداء وموشاة بالبياض عند صدرها .
جاءت إلي ما أن ناديتها . رحت أداعبها بكل نعومة وحنان ، استرخت في حضني
وهي تستسلم للمسات أصابعي التي كانت تحك تحت أذنيها وأسفل فكيها وعنقها .
وحين فرغت من اجتماع اللجنة أصرت القطة على أن تتبعني . تبعتني حتى الطابق الثالث حيث أقيم ، لم أكن راغبا في أن أدخلها البيت . اضطررت إلى مداعبتها أمام الباب . ألقيتها على ظهرها ورحت اداعب وأحك معظم أنحاء جسدها . استسلمت
وارتخت حتى شعرت أنها داخت من المتعة.
نهضت ودخلت بسرعة طالبا إليها أن تبقى في الخارج ، وأقفلت الباب . وظلت تموء قرابة ساعة ، ثم انصرفت .
في الصباح وجدتها تنتظر نزولي من البناء . تبعتني . هتفت لها ( ولك يا كلبه وين بدك لاحقتيني ) ؟ لم تذعن لي ، راحت تعدو من تحت السيارات الواقفة على جانبي الشارع لتلحق بي . وحين رأتني أستقل سيارة توقفت ، وظلت ترقب ابتعاد السيارة . طال عشقنا يا لوسي لأشهر ، لم يعد في استطاعتي دخول بيتي إلا بعد مداعبة القطة ، لا أعرف كيف كانت تترصد قدومي ، كانت تظهر لي فجأة . وراح الأطفال يتندرون بالصداقة القائمة بيننا ، بل وهناك من اعتبرها عشقا ، والحق أنني كنت
حين أزجر القطة بعد فروغي من مداعبتها وإصرارها على الدخول معي إلى المنزل
(بدك تفوتي معي جوا ؟ ولك يا كلبه بدك تفظحينا ، ما بكفي إنهم بيقولو إني عشقانك ؟ )
وكانت تموء متوسلة ، غير أني كنت أغلق الباب في وجهها .
وجاء يوم لم أر فيه القطة . تجاهلت الأمر . ومر يوم ثان ، ثم ثالث ، كانت حامل ، ربما ولدت . سألت البواب عنها ، فقال أن سيارة دهستها !
اللعنة يا لوسي . حزنت عليها كثيرأ .
أرأيت يا لوسي ؟ كنت أحب الحيوانات أنا الآخر ، لكني ، ربما تغيرت ،لا لا أظن انني تغيرت ، لا تغيرت ، لماذا عاملتك بهذه القسوة إذن إذا لم أتغير ؟ لا أعرف يا لوسي ، صدقي أن الحيوانات ما أن تراني حتى تحبني ، منذ بضعة أشهر ، تحديت صديقي الروائي ( حيدر حيدر ) ، وقلت له أنني سأذهب إلى بيته وأصطحب كلبه معي ! قال لي سيأكلك ! قلت سترى ! وإذا ما جئت يا لوسي سأ روي لك كيف أكلت الكلب بدلا من أن يأكلني ! مع أنه كلب من النوع الذئبي المرعب .
***********
يتبع.

محمود شاهين
17-11-2007, 09:22 PM
كنت وزوجتي نتنزه على شاطىء طرطوس ، وكان حيدر يقيم في كوخ بالقرب من الشاطىء. قلت لبيرجت ، لنذهب لزيارة حيدر ونعلمه أننا هنا.
سرنا إلى جانب الشاطىء لعلنا نرى حيدر في البحر يصطاد سمكا كعادته. لم نره .
سالنا صيادا كان يخيط شبكته إلى جانب البحر. أخبرنا أن حيدر خرج من البحر وهو الآن في المتنزه القريب. ذهبنا إلى المنتزه ، كان حيدر يجلس مع بعض أصدقائه ، وكان المنتزه يعج بالمتنزهين. ما أن صافحنا حيدر وضيوفه حتى سألت عن الكلب . قال حيدر أنه يحرس الكوخ . قلت سأذهب لأحضره . قال: سيأكلك !
قلت لست ممن تأكلهم الكلاب ، وسترى . وحين انصرفت راحت زوجتي تصرخ بعربية مشوبة بلكنة أوروبية ( محمود لا تجن ) لم اذعن لها ، وخرجت من المنتزه
ميمما وجهي شطر كوخ حيدر ، سالكا طريقا شجرية .
لم أر الكلب من قبل إلا مرة واحدة ، قبل أكثر من عام ، حين زرنا حيدر ليلا مع بعض الأصدقاء . ولا أظن أن الكلب تنبه لي ليتذكرني . ولا أعرف على ماذا اعتمدت حتى بت مقتنعا أنني سأتمكن من إحضاره . أظن أنها واحدة من الحماقات التي ارتكبتها في حياتي . ماذا سأفعل ؟ كيف سأحضر الكلب ؟ في البلدة كنت أحمل معي بعض الخبز لكلاب الفلاحين ، وما أن تهرع الكلاب نحوي حتى أشرع في إلقامها الخبز . لكن ماذا سألقم كلب حيدر وأنا لا أحمل شيئا ، ولا أظن أن الخبز سيجدي معه لو توفر .
لم أكن خائفا على الإطلاق ، وحتى حينه لا أعرف لماذا كنت واثقا من قدرتي على تطبيق الكلب ، دون أن أعرف كنه هذه القدرة . ولا أعرف كيف وجدت نفسي أنادي من بين الأشجار بصوت عال ( فيدل فيدل فيدل ) وهذا اسم الكلب .
لم أكن قد رأيت الكوخ بعد ، وبالتأكيد لم يكن الكلب قد عرف بقدومي قبل المناداه .
هو بالتأكيد سمعني الآن ويصيخ السمع لمنادتي ، كلما اقتربت من الكوخ بخطوات متئدة .
شاهدت أعلى الكوخ يطل من بين الأشجار. أبطأت من سيري وأنا أنادي الكلب .
غير أنني لم اسمع أي نباح ولم ار الكلب أبدا. عجيب! ماذا أفعل ، أنا لا أريد الكوخ
فلماذا أتقدم أكثر ؟ وبالتأكيد سمعني الكلب وربما تجاهلني .
أصبح قرابة نصف جدار الكوخ في مواجهتي . توقفت ورحت أنادي الكلب دون أن أتحرك . كان الكوخ يبعد عني قرابة أربعين مترا على الأكثر.
رحت أنظر تحت الأشجار لعلي أر الكلب . لم أر شيئا . رحت أعيد النظر وأدقق تحت الأغصان الممددة فوق الأرض . شاهدت رأس الكلب ، كان يكمن بين الأغصان ملقيا رأسه على أماميتيه ويحدق نحوي بكل حدة بصره . لم أتوان على الإطلاق ، فما أن التقت عيوننا حتى هتفت بفرح شديد وأنا اوميء بيدي ( لك فيدل تع ! ) غير أن الكلب لم يحرك ساكنا ، ولم ينبس بأي صوت . كررت النداء والإيماء !دون جدوى . لا شك أن الكلب متوجس مني . خاطبته بندم ( ايه ! ما بدك ؟ باي ، أنا راجع لعند حيدر . خليك هون )
واستدرت وقفلت عائدا . سرت قرابة ثلاث خطوات والتفت لأنادي الكلب ثانية . لكن دون جدوى أيضا !
سرت خطوتين أخريين والتفت لأناديه ثالثة . وما أن ناديته بنفاد صبر مؤكدا له أنني لن أصحبه إذا لم يأت حالا ، حتى فز وانطلق نحوي كالسهم ، استدرت بكامل
جسدي وثبت قدمي في الأرض وأشرعت صدري له فاتحا يدي على وسعهما .
وثب نحوي من مسافة تقارب الأمتار الثلاثه ، لتطوق أماميتيه كتفي فيما خلفيتيه تنشبان بحزامي ، الكلب وكأنه مصارع متمرس أي حركة تضمر سوءا مني ستجعل رأسي أو عنقي بين فكيه ! راح يتشمم وجهي يمينا ويسارا وكأنه سيقبل خدي فيما يداي تملسان على رأسه بكل حنو وأنا اميل برأسي أيضا لأعطيه خدي الآخر ! استمر الوضع قرابة دقيقة ، لا أعرف فيما إذا شم رائحة حيدر تنبعث مني ، أو أنه اطمأن لي . نزل عني وراح يتشمم الأرض وما لبث أن سلك الطريق الذي سلكه حيدر كما يبدو ، وهو الطريق الذي جئت منه . وحينها جزم أكثر أنني سأ صطحبه إلى صاحبه ، هكذا بدالي حين راح يذرع الأرض مرحا أمامي ويعود نحوي مبديا فرحة هائلة ! وما أن انهى استقباله لي حتى راح يعدو أمامي في الطريق الترابي
متتبعا رائحة خطو حيدر .
حتى حينه يا لوسي لم أكن أعرف أن الكلب يستطيع أن يميز رائحة خطو صاحبه
حتى لو خالطها آلاف الخطوات ، وكنت من حماقتي وأنا فدائي في الأرض المحتلة
أرد الآبار ليلا وأدور حول البئر عدة دورات ليختلط وقع أقدامي بأقدام الناس فلا تستطيع كلاب الأثر متابعة ملاحقتي . ليتبين لي الآن وأنا أتبع كلب حيدر أنني
كنت جاهلا تماما ، فقد سبقني الكلب إلى المنتزه ودخل إليه وذهب في خط شبه مستقيم إلى مائدة حيدر ، رغم وجود متنزهين على جميع موائد المنتزه .أية قدرة رائحية هذه التي عند الكلب ، ثم هل تترك الخطوات في الصيف رائحة ما ؟ وكيف يستطيع الكلب تمييزها من مئات الروائح الخطواتية ؟
كان حيدر وضيوفه وزوجتي يحدقون إلي غير مصدقين ، فيما أنا أقف ضاحكا مزهوا بنصري ،رافعا يدي مشهرا ابهامي الأيمن دون باقي أصابعي . هاتفا لحيدر ( آه كيف أنا وياك ؟) وما لبث حيدر أن هتف ( يلعن أبوك راعي إبن راعي ) !!
أخذت طبقا من اللحم المشوي ورحت أطعم ضيفي فيدل !
آه يا لوسي آه ! يبدو أنك لن تأتي فعلا ، إنها السابعة مساء ، وكم بودي أن أتخلص من أفكاري الحمقاء وأنسى قطك ، بل وأنساك ايضا ، ولأكن شريرا ، ولأكن مجرما ، فلست الشرير أو المجرم الوحيد في هذا العالم المليء بالأشرار ، بدءا بي إذا شئت ، مرورا بالسيدة الحديدية وابن ريغن ، وانتهاء بمغتصبي وطني وكل أصحاب الجلالة والسيادة ! لم يبق أحد كما ترين ، فالجميع أشرار . العالم كله أشرار يا لوسي ، ومصيبة إنسان مثلك أنه قيض له أن يعيش في هذا العالم ، وفي هذا العصر البذيء بالذات !
سأتصل بك للمرة الأخيرة يا لوسي. وإذا لم أجدك لن أتصل ابدا ، سأشمع أذني تماما وأبتلع كمية من الحبوب المنومة ، وأطرح نفسي في السرير إلى صباح الغد .
فتحت أذني . وفيما كنت أدير القرص ، قرع جرس الباب . أقفلت الهاتف ونهضت متناسيا كل متاعبي وآلامي . فتحت الباب . كانت لوسيان بشحمها ولحمها . هتفت ( لوسي ) لم تتكلم . زمت شفتيها بحركة اشمئزازية ونظرت خلفها قائلة ( معي هاريش ) وهذا صحفي هندي ، وهو صديق مشترك لنا ( أهلا تفضلا )
دخلا . صافحت هاريش . مرحبا به بالإنكليزية . جلسا .
***********
يتبع الحلقة الأخيرة .

محمود شاهين
19-11-2007, 09:27 PM
لم استطع إخفاء ما كان يعتمل في نفسي طوال النهار . نظرت نحو لوسيان وهتفت:
< لو لم تات لجننت !>
قالت : < أف هل أنت منزعج من أجل محمود ؟ >
قلت : < لا أظن ، لكن أشعر أنني قسوت عليك كثيرا. أنا آسف جدا لما بدر مني . ماذا فعلت ؟ >؟
< اتصلت بهاريش وجاء . ذهبنا معا ودفناه >
< أين ؟ في مقبره ؟>
< لا لا ، لم يسمحوا لنا أن ندفنه في مقبرة > !
< لماذا > ؟
< لأنه قط >!
< أين إذن دفنتماه ؟>
< في صيدنايا >
< أف في صيدنايا ؟ ألم تجدا مكانا في دمشق ؟>
< لا لم نجد >
< في جبل قاسيون مثلا ، أو في وادي بردى ، أو في الغوطة >
< لا لا لم يخطر ببالي غير صيدنايا ، ربما لأنها بلدة مسيحية >
< لكن القط ليس مسيحيا > !!!!!
< في الحقيقة احترت ، القط يحمل اسما اسلاميا ، وأنا مسيحية ، فاقترح هاريش أن نحرقه على الطريقة الهندوسية ! فصرخت لا لا ، هذا غير ممكن ! >
< لو كنت مكانك لقبلت ، ففي هذه الحال تحتفظين برفاته أو تنثرينه في نهر بردى >!
< لا لا ! أنت مجنون ! >
< لا لست مجنونا ! فالقط يحمل اسمي ، وأرى أن الطريقة تليق بي >
< لا لا ، لا أحتمل أن أراه يحترق أمام عيني ، ولا أحتمل أن احتفظ برفاته في بيتي .<
< تنثرينه في النهر إذن >
< لا لا ، ثم إن نهر بردى غير مقدس >
< أوهو ! نقدسه طالما أن رفات محمود سيذر فيه ! >
< لا لا ! لاأستطيع ، ثم إننا دفناه وانتهى الأمر .>
< على أي طريقة دفنتماه ؟ <
< رسمت على قبره شارة الصليب>
< الصليب ؟! >
< ماذا أفعل ؟ >
< أكان من الضروري أن تدفنيه على دين ما > ؟
< في الحقيقة لم أعرف ، ولم يسبق لي أن دفنت قطا أو غير ذلك >
< طيب ، كيف دفنتماه ؟ هل حفرتما له قبرا ؟ >
< طبعا ، لكن الأرض كانت قاسية ، وأنا لم أحضر معي سوى ملعقة ! انكسرت على الفور ! >
< ملعقة يا لوسي ؟ تحفرين قبرا بملعقة ؟ >
< كنت أظن أن الأرض لينه >
< ماذا فعلتما بعد أن انكسرت الملعقة ؟>
< أحضر هاريش من سيارته أداة حديدية حادة ، وحفر بها القبر >
< حفر قبرا عميقا وواسعا ؟ >
< لا ليس كثيرا >
ولم أجرؤ أن أقول لها أن الثعالب ستنبش القبر وتفترس محمود . سألتها :
< وبماذا كفنتما المرحوم ؟ >
< بقميص أبيض ، ووضعنا البلوفر فوقه >
< البلوفر ؟ كنزتك الصوفية الجميلة ؟ >
< نعم وأهلنا التراب عليه ، وأقمنا فوقه رجما صغيرا من الحجارة >
< وكم استغرقت العملية ؟ >
< كثيرا ، ذهبنا منذ الصباح ، ولم نعد إلا الآن ، تناولنا طعام الغداء هناك >
< هززت رأسي فيما ابتسامة لا تخلو من سخرية ترتسم على شفتي ، ويبدو أن لوسيان لمست السخرية في ابتسامتي وهزة رأسي . >
تساءلت:
< لماذا تضحك ؟>
قلت:
< أتساءل من منا المجنون ، أنا أم أنت ؟>
ويا ليتني لم أتفوه بهذه الكلمات . فقد غضبت لوسي ، وأنا لا أريد لها أن تغضب ، وراحت تتحدث بلهجة غلب عليها الإنفعال :
< مجنونة ؟! أنت قاس ! قاس جدا ! ولا تعرف أهمية محمود وزميله فرنسيس عندي . لا تعرف ولن تعرف ! عندما مرضت ، بقيت يومين طريحة الفراش ، لم اكن قادرة على النهوض ، ولا يوجد من يقدم لي شيئا . ولم يكن عندي هاتف في البيت . لم يحضر إلي أحد . ولم يسأل عني أحد . ولا اظن أن أحدا فكر في ، أو سأل نفسه ماذا جرى لي ، لا من الأصدقاء ولا من الصديقات . كلكم هكذا . لا تتعرفون على الإنسان إلا وهو قوي ويسير على قدميه ، وعندما تحتاجون إليه . أما عندما يحتاج إلى أحد ، فإنه لا يجد . فرنسيس ومحمود ظلا إلى جانبي ولم يفارقاني ، مع أنهما اعتادا التجوال كثيرا خارج البيت . ظلا إلى جانبي على السرير ، يموءان حزنا عندما أتألم ، ويمرحان معي عندما تخف موجات الألم . يقبلان عنقي ، ويعضان أصابع يدي مداعبة ، وعند النوم ينامان إلى جانبي . لم يبتعدا عني للحظة .ونفدت لحمتهما ولم يسألاني عن الطعام . وفي اليوم الثاني شاهدا حالي تسوء كثيرا ، خرجا من النافذة وراحا يموءان ويصرخان أمام باب البيت من الخارج ، كنت أستمع إلى موائهما من الداخل . ظلا يموءان ويخرمشان على الباب لأكثر من نصف ساعة .
أدرك الجيران أن في الأمر شيئا فهرعوا وخلعوا الباب ، وجدوني في حال سيئة ، فسارعوا إلى إحضار الطبيب .
عندما مرض محمود في الفترة الأخيرة ، أهملته قليلا ، وكان يجب أن آخذ إذنا من عملي لأعتني به أكثر . لم أدرك أنه مريض جدا إلا بعد ان قال الطبيب أنه لم يعد ثمة أمل في شفائه . كم لمت نفسي ، فلو اهتممت به منذ البداية لما مات . توقفت عن العمل لأظل إلى جانبه لعله يشفى . كان يتألم بشدة . عرفت ذلك من موائه والألم الذي كان باديا على وجهه . كم كان حزينا يا حرام . لم يكن يأكل أو يشرب
، وأنا أتوسل إليه دون فائدة ترجى . أحضرت له حليبا وعصيرا طازجا . بالكاد حتى كان يبل ريقه . أحيانا كان يزحف من مكانه بضعة أقدام فأستبشر خيرا .
صباح اليوم ، كنت جالسة إلى جانبه وأملس على رأسه وظهره ، وفجأة تنشط وبدأ يزحف ، لا أعرف ماذا كان ينوي أن يفعل وإلى أين سيذهب ، كي أحمله إلى المكان الذي يريد. تركته يزحف وأنا أحبو إلى جانبه . خرج من غرفة النوم إلى الصالون . أدركت أنه ربما يريد الذهاب إلى التواليت . حملته ، فأخذ يموؤ بعصبية وألم . وما أن أعدته إلى الأرض حتى توقف عن المواء وتابع زحفه . ظللت أحبو إلى جانبه وأشجعه . عبر الصالون واتجه نحو التواليت . ظل يزحف إلى أن وصل . فتحت له الباب . دخل حبوا . نظر إلي وماء عدة مرات . أحسست انه خجل مني ، ولا يريد ان يتبول أمامي . أغلقت الباب عليه وعدت أنتظره في الصالون إلى أن يموء لي كي أفتح له .
انتظرته قرابة عشر دقائق . لم اسمع صوته. قلت لعله لم يقدر على المواء أو لم ينته بعد. نهضت لأطمئن عليه . هتفت له من خلف الباب < محمود ، محمودتي > لم يمؤ ، وحين فتحت الباب وجدته مضطجعا على جنبه ، دون ان تبدو منه أية حركة . تنبهت للبول على مقربة منه . انحنيت عليه وأنا أهتف < محمود ،محمود ، محمودتي > لم يتحرك فيه شيء. تحسست جسده . أدركت أنه ميت. حملته إلى الصالون ، أجلسته في حضني ورحت أبكي >
وراحت لوسيان تبكي فيما هاريش صامت ، ولم أتنبه لنفسي أنا الآخر إلا وأنا أبكي .. لا أعرف فيما إذا كنت أبكي القط ، أم أبكي لوسيان ، أم أبكي نفسي ، أم أبكي الحياة برمتها ...
كانون أول 1986
آذار 1988

يتبع في الحلقة القادمة نص نقدي عن القصة للدكتور سامي مسلم نشر في صحيفة الأيام الفلسطينية ، يقارن فيه بين هذه القصة وقصة التبر لإبراهيم الكوني .

محمود شاهين
20-11-2007, 08:47 PM
الحيوان نموذج لإنسانية الإنسان


د. سامي مسلم

راودتني فكرة الكتابة عن قصة محمود شاهين )موتي وقط لوسيان) أكثر من مرة منذ قرأتها لأول مرة قبل أربع سنوات. وظلت القصة عالقة في ذهني تراودني باستمرار لما فيها من جمالية وقوة في التعبير القصصي ليس عن الإنسان فقط وإنما عن الحيوان. وبعد قراءة قصة إبراهيم الكوني (التبر) التي نشرت ضمن سلسلة "كتاب في جريدة" رقم (51) عن دار الأيام، قررت أن أكتب عن القصتين معاً لما يشتركان فيه من "حداثة" أو كتابة بأسلوب جديد وحبكة جديدة أو على الأقل بأسلوب غير تقليدي. فالبطل في القصتين ليس الإنسان وليس الحيوان بشكل مجرد. إنه رقي البشر إلى مستوى "أنسنة" الحيوان أو "حيونة" الإنسان. إن القصتين تعالجان مأزق الوجود الإنساني في عالم بغيض لا يرحم، يفرض الغربة على الإنسان في مجتمعه البشري. ولا يجد الإنسان فكاكاً من عزلته إلا بالتماهي مع حيوانه الأليف الذي يعيش معه رفيقاً وأخاً وصديقاً، وأنيساً. فيفرح الإنسان لفرح حيوانه، ويحزن لحزنه، ويخاطبه ويتحدث إليه، يجادلهُ، ويغضب منه. يستهزئ به الحيوان ولا يستمع إليه. ينظر إليه بعيون كلها توبيخ إذا ما أخطأ في معاملته له. ويضحي من أجله أكبر التضحية وهو الفداء بالنفس (لدى إبراهيم الكوني) والهرب من الظلم (لدى محمود شاهين).
وقصة الحيوان في الأدب الإنساني قصة طويلة لم تبدأ مع محمود شاهين أو إبراهيم الكوني. إن جذورها تمتد عميقاً في التاريخ البشري، إن كان بالرسم أو الحفر على الحجر وفي الكهوف، أو في الآثار أو في القصص والتراث الديني، أو في الأسطورة أو في الأدب القديم والحديث، في الغناء والفن والرسم والنحت، في الفنون الحديثة من أفلام تمثيلية ووثائقية وصور متحركة، اجتذبت قلوب الملايين من البشر في مختلف القارات، فأضحكتهم أو أبكتهم.
وقد نالت علاقة الإنسان بالحيوان، أو بالعكس، علاقة الحيوان بالإنسان، مكاناً متميزاً في جميع الحضارات والأديان ولدى مختلف الشعوب وفي كل القارات، ولكن من الملاحظ، وبشكل عام، أن الإنسان يبقى في هذه القصص والروايات، هو الإنسان والحيوان هو الحيوان. يستخدم الإنسان الحيوان لمآربه، يعبر عن قوته أو قوة الطبيعة، مثل أبو الهول مثلاً، رأس رجل على جسد أسد، أو بعض آلهة اليونان، نصفها الأعلى إنسان ونصفها الأسفل حيوان؛ أو يستخدمه الإنسان كناطق باسمه للتعبير عن آرائه وعواطفه ومواقفه خوفاً من بطش الحكام على مر العصور مثل كتاب (كليلة ودمنة)، أو لإدانة ما يقوم به الإنسان من أفعال شريرة من وجهة نظر إنسان آخر، مثلما فعل جورج أورويل في (مزرعة الحيوان)؛ أو يجعل الإنسان الحيوان ينطق بالحكمة السياسية والحياتية مثلما فعل توفيق الحكيم في (حماره)) وخالد الحسن في (مذكرات حمار وطني(، أو اسحق موسى الحسيني في (مذكرات دجاجة) أو كما في الأدب الصيني القديم حيث يمثل السعدان أو القرد رأس الحكمة والتعقل والفهم، أو في أغنية للأطفال كتبها د. محجوب عمر بعنوان "أنا اسمي حمار شيخ الشطار".
ومن الملاحظ أيضاً أنه كلما شعر الإنسان بالغربة عن مجتمعه البشري، بسبب الظروف السياسية والحياتية والاقتصادية، لجأ إلى الحيوان أو إلى مجتمع الحيوان ليتنفس الصعداء، وليجد في ذلك المجتمع الراحة والطمأنينة ( حتى لو كانت مؤقتة) بعيداً عن ظلم بني البشر. ففي الأدب العربي القديم، لجأ الشنفرى إلى هذا المجتمع الحيواني في لاميته الشهيرة. وتحدث الفرزدق وجرير عن العلاقة مع الذئب، وتربى سيف بن ذي يزن، وفقاً للأسطورة، لدى أمه الغزالة. وكذلك حي بن يقظان. وجاءت تلك المقالة أو الرواية لابن رشد مقالة فلسفية تظهر الجدل الفلسفي بين الطبيعة والإنسان. وهذا الدافع الفلسفي نجده أيضاً في الروايتين اللتين أمامنا.

* * *
محمود شاهين يدور في عالم ثنائي: الخير والشر، الاحباط والأمل، هاجس الفناء وهاجس البقاء. هاجس الفناء يتشكل من كل الأشرار والظلام في هذا العالم. هو الشرخ الذي يمتد من جسده من المحيط إلى الخليج. هذا الشرخ الذي حطم كل طموحاته في الحرية والاشتراكية، في الوحدة والتحرير، في التحرر والانعتاق، وفي الديمقراطية. يصبح العالم كله سوداوياً حيث ..."لم يعُد هناك ولا شمعة واحدة تنوس أو تخبو في حلكة ظلامي." (ص15) هاجس الفناء تمثله حمامة مصلوبة تجسد الوضع الفلسطيني كما يراه في أطفال صبرا، وفي عسكر الاحتلال، وعسس الاحتلال ومخابرات وجواسيس الاحتلال، في ظلم والده. لكن مذابح صبرا، التي وقعت في 1982 وفي 85-1986، هي استفحال هاجس الفناء. يقول لنفسه "ليس في حياتك الا حقيقة واحدة ثابتة لا تتغير. إنها صبرا، صبرا اختصار زمانك، صبرا اختصار حياتك، صبرا اختصار شقائك، فاركن إليها، صبرا اختصار موتك. رمز مسافات العذابات فيك، ليالي الحزن الطويلة في عينيك." (ص30-31).
ومع ذلك، أو بالرغم من ذلك، فإنه بانتظار التغيير القادم عن طريق هاجس بقائه. وهاجس بقائه هذا يتمثل بحبيبته، أي حبيبة كان يحبها في تلك اللحظة. الحبيبة قد تكون حياة المقدسية أو بسمة الفلسطينية أو كلير القادمة من "بلاد بلفور قاتلي"، أو لوسيان الفرنسية. لكن من بينهن هي بسمة التي تمثل التجسيد الحي لهذا الهاجس. فهي آسرته، دماغه معطل لا شيء فيه سوى الموت بينما بسمة وحدها التي ترمم شروخه وتعيد إليه توازنه، فهي تمثل الحياة بصدرها المتدفق، خاصة إذا أسند "جسده الميت" إلى هذا الصدر العامر. وهي أيضاً تشكل بالنسبة إليه "فيض الينابيع التي لا تنضب، خصب دائم، وبلسم جراح، هي اختصار الفرح والبقاء"، ورغم كل القيود التي قد يضعونها فيها لحجرها لكنها "ستأتي مع السحاب والمطر والندى، مع أجنحة الطيور".
في هذا العالم الوحشي والموحش معظم الأحيان إلا عندما يتذكر محبوبته، يعاني الكاتب من العالم الخارجي. لذلك تراه يلجأ إلى الحبوب المنومة وسدادات الأذن لأنه لا يريد أن يسمع أي شيء من خارجه أو من داخله. يريد فقط أن يدفن نفسه في جسده، في سريره.
تشكل هذه الرواية ذكرى لكل ما مر به الكاتب من تجارب وحصل عليه من خبرات. النضال ضد الإسرائيليين، الحب في القدس، والفرار من أمام عسكر الاحتلال وترك حبيبته وحدها تنتظره في الباص، ويهرب من الضفة الغربية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي إلى المنافي.
يتذكر والده ووالدته. يتذكر كم كان والده قاسياً. كان يضرب أمه أربع مرات في اليوم. "آه يا أمي التي لم أرها منذ ستة عشر عاماً، يا أمي التي ماتت دون أن أراها، دون أن تراني ... آه يا قطيعنا الذي كنت أرعاك" (ص29).
القصة بسيطة، قصة أي فلسطيني، عاش النضال وعاش الشتات. هي قصة قد تكون متطابقة مع سيرة محمود شاهين الشخصية. فالبطل أو الراوي اسمه محمود. يعيش في قرية، تقع في منطقة القدس. الكاتب نفسه هو أصيل قرية السواحرة في منطقة القدس. يتربى في عائلة ترعى الغنم والماشية. يعزف الناي (أو الشبابة) بشكل محترف. وهو كذلك بالفعل. بالنسبة للكاتب فإن والده قمعي تقليدي، يضرب العائلة لأي سبب كان، الأم والأولاد والكلب. يعيش تحت الاحتلال. يُحب تحت الاحتلال، يطارده الاحتلال. يهرب من الاحتلال. وعندها نعرف أن سبب هروبه ليس فقط جرائم الاحتلال وإنما قسوة أبيه أيضاً. يلتحق بالثورة، يصبح محباباً (أي على وزن مزواج)، تزوج مرتين وعاشر قرابة خمسين امرأة من القارات الخمس. (ص40)
والقصة هذه يكتبها إلى حبيبته أو صديقته الفرنسية "لوسيان"، هي رسالة اعتذار بالواقع، اعتذار عن خطأ ارتكبه في حق لوسيان أو بالأحرى في حق قطها "محمود"، ولوسيان عندها عادة: تسمي قططها باسماء من تحب. حبيبها الأول فرنسي كان اسمه "فرنسيس" وبالتالي اسمت قطها "فرنسيس". حبيبها الحالي اسمه محمود وبالتالي اسمت قطها "محمود". المشكلة أن "محمود" هذا مات. وتريد دفنه. فالتجأت إلى حبيبها محمود ليساعدها في هذه المهمة. ومحمود كان في إحدى مزاجاته المتعكرة الناجمة عن "هاجس فنائه" ينزعج، ينرفز، يصيح عليها، يقول لها أن ترمي "محمود" في القمامة وتنساه. جن جنونها. حزنت، غضبت منه. بكت منه لأنه غير إنساني ونعتته قائلة "شرير مجرم قاس" (ص37)، وأغلقت سماعة الهاتف في وجهه. وذهبت تبحث عن صديق آخر يساعدها في دفن "محمود" دفناً يليق به.
هذه هي القصة بالفعل. وفي تداعياتها يريد محمود شاهين أو الراوي أن يثبت لصديقته الفرنسية أنه "إنسان" أو بالأحرى يرقى بإنسانيته إلى مستوى حيوانية الحيوان لأنه يتمتع بحب الحيوانات. وقد عاشر الحيوانات وأحبها ورضع منها وهو طفل صغير إلى حين كبر واضطر إلى النزوح عن وطنه، فلسطين.
بعد أن يتشاجر معها، تعاوده الشكوك فيما فعل. فلوسيان امرأة ناعمة رقيقة، أرق امرأة عرفها في حياته وأكرمهن بعد "عائشة العلان، ناعمة كحرير الشام وشفافة كماء زمزم." (ص50). يريد أن يذهب إليها ليساعدها في دفن "محمود" حتى تقتنع أنه ليس شريراً ولا مجرماً ولا قاسياً. ويصيح "رباه! لعلني أصبحت شريراً دون أن أدري!" (ص54). ليبرئ ذمته أمامها، يتحدث إلى نفسه. فيبدأ بسرد القصص التي عاشها والتي تثبت أنه يحب الحيوانات والكلاب والقطط. ويقص عليها أنه عندما كان فدائياً غضب من زميل له، أي من فدائي آخر، لأن هذا الفدائي أطلق النار على البغلة. فيقول في مرافعته عن نفسه "وكان يجب معاقبة الفاعل، ليس لعدم إنسانية ما فعله وحسب، بل لأهمية البغلة لنا في رحيلنا وارتحالنا ونقل سلاحنا وذخيرتنا، وسفدها من قبل بعضنا أحياناً!!" (ص54). هنا يربط بين كون الإنسان إنسانياً وبين معاملته للحيوان. يجب أن لا نبرر قتل الحيوانات لأن ذلك ينتقص من إنسانيتنا ويعطي الذريعة لإسرائيل أن تفعل بنا ما تفعل. يتساءل: أحقاً نحن أشرار؟ إن كنا كذلك، "لبررنا لليهود كل ما فعلوه بنا، وبالتالي سنبرر لأنفسنا كل ما نفعله بهم في المستقبل." (ص55) إذن عليه أن يعتذر إليها ويُبدي لها أسفه "لموت هذا القط التعس" (ص55(
ينتقل محمود شاهين من مرحلة الاعتذار ومراجعة النفس على ما اقترفه إلى مرحلة أعلى وأرقى في تعامله مع الحيوان ليثبت انسانيته. يقص لها حكايته مع كلبهم "سمور" في البيت كيف كان يجلس ليستقبله "بالاحضان"، وكأنه يستقبل طفلاً عزيزاً، يضمه، يعانقه، يداعبه، يملس على رأسه، يطعمه مما أحضره معه، يسأله عن أحواله، يسأله هل لا يزال والده أي صاحب البيت، يضربه لأي سبب "كان أبي يضرب كل شيء، نحن وأمي يومياً لاتفه الأسباب" (ص55( وكان الكلب يبادله هذا الحب وهذه المشاعر. كان يشعر بالكلب يشكو همومه له، ويلومه لأنه تركهم وهرب من البيت "يقاسون الحياة في كنف أبي" (ص57). يرقى الكلب بإنسانيته في المشهد الذي يقوم الأب بضربه ضرباً مبرحاً. يأتيه محمود وهو يحتضر. "حدق إليّ للحظات، انزلقت دمعتان من عينيه. ضممت رأسه برفق إلى أن لفظ أنفاسه بين يدي، فرحت أبكي..." (ص57).
وهنا يناشد لوسي قائلاً لها في أحلامه "كنت أحب الحيوانات أنا الآخر. ولا أعرف من الذي غيرني..." (ص57). وفي مكان آخر يزفر "آه يا لوسي، أحن إلى الأغنام والمواشي، أحن إلى ... أحن إلى قبر أبي" (ص84) ليثبت ذلك مرة أخرى، يدخل محمود شاهين، من خلال الراوي محمود أبو الجدايل، في قص روايته مع رعي الغنم والخراف وخاصة علاقته بالكبش مرداس ابن دهمان وأخته العبورة "ندى" بأسلوب مبدع وخلاق يكشف عن حس مرهف وروح قلقة، وعذاب دائم، ومجال واسع من الحب بكل أشكاله: حب الإنسان والحيوان، حب النساء وحب الطبيعة والفصول، وحب الأرض، ورفض لكل أشكال الاضطهاد الذي يمارسه عليه المحتل الإسرائيلي، ورفضه للقمع الأبوي الذي يجعله يتظاهر بضرب كلب لكي ينجو من هذا القمع الأبوي.
يروي كيف كان "يسرح" مع الأغنام، وينام معها، ويصحو معها، ولا يغفو إلا إذا نامت. يرسم صورة جميلة عن عذابه الحلو عندما يضطر أن يحمل الحملان بين يديه عندما تلد أنثى من الغنم في المرعى. يحنو عليها، يطعهما الحليب، يعزف لها على الناي أو الأرغول أو المجوز، كيف كان يمتص الحليب من ضرعها مباشرة إلى فمه (ص60)، ويخبر لوسي في هذه المرافعة أن الأغنام هي بمثابة أمهات له في الرضاعة. أنه "ابن الأغنام ابن الجبال والبوادي والشقاء ..." (ص60(
من محبته لأغنامه يسمي هذه الأغنام باسماء بنات البلد الجميلات. ويجن جنونه عندما يذكر أباه له أنه يجب أن يخصي مرداس ليكون مرياعا للقطيع. فيجن جنونه لهذا المصير البائس اللا إنسـاني الذي سيصيب حمله مرداس "الذي غدا جزءاً مني" (ص62). فصرخ في وجه أبيه، ربما هي المرة الوحيدة التي صرخ فيها في وجهه، "لا" فيستبدل مرداس بوالده دهمان. يبقى مرداس مع القطيع ويباع دهمان إلى راع آخر في قرية أخرى ليصبح فيها "مرايا" للقطيع. ولكي يثبت أن خياره على مرداس كان خياراً صائباً.
يدخل الراوي في رواية مطولة حول مزايا مرداس وفحولته في "اغتصاب" النعاج والغنم، وفحولته في مقارعة الكباش من القطعان الأخرى ومنازلته لأثني عشر كبشاً من جيرانه مرة واحدة من بينها كبش أخ له من أبيه فيرديه قتيلاً، فيشتمه محمود ويسميه قابيل في إشارة دينية إلى قتل قابيل لأخيه هابيل، وهي أول جريمة مسجلة في الكتاب المقدس. ويقص كذلك منازلة مرداس لأبيه دهمان. ولولا تدخل محمود لفض الاشتباك بينهما بعد الجولة الأولى من المنازلة، لفج مرداس رأس أبيه دهمان ولتركه قتيلاً. لكن تدخل محمود حال دون ذلك. وحال دون ذلك أيضاً أن الأب دهمان الذي كان بإمكانه أن يقتل ابنه مرداس رفض أن يفعل ذلك، وتنازل عن جزء من كبريائه وقوته لكي لا يهزم أبنه. وهذا ما أكبره فيه محمود، فذهب إليه يواسيه، فضمه إلى صدره وجفف عرقه، وهمس إليه وهو حزين كئيب كأنه يسترجع وضعه وعلاقته مع أبيه فيقول للكبش دهمان "لا تحزن يا دهمان وتحمل، تحمل أيها الفارس الشيخ، إنها الدنيا هكذا قاسية لعينة، ملعون أبوها، ... حتى الابن الذي انجبته من صلبك يقف ضدك فيها." (ص83
(يصف محمود خوفه على مرداس في المعركة بينه وبين أخيه الكبش من أبيه، وكيف كان يجفف بالكوفية التي على رأسه، عرق مرداس، متفقداً جسده من الاصابات. ويصف كيف كان مزهواً بنصر كبشه مع شحنة من الألم غير الجدي على مقتل أخيه. ولأن مرداس قد يكون مصاباً لم ينم تلك الليلة بل ظل سهراناً يقظاً حارساً لمرداس. ولم ينم إلا في غداة اليوم التالي عندما رأى كبشه يعتلي ظهر نعجة. فهمس له "آه منك يا عكروت: ونمتُ بعمق." (ص72(

محمود شاهين، موتي وقط لوسيان، قصص، نابلس، منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، 1998، 98 صفحة.
إبراهيم الكوني، التبر، سلسلة كتاب في جريدة، رقم 51 (السنة الخامسة)، كانون الثاني 2002.
ملاحظة:
يتطرق الكاتب في مقالته إلى قصة اخرى لي هي ( جسدي بين صبرا وبسمة) كون القصتين تدوران حول شخصية واحدة هي ( محمود)

محمود شاهين
22-11-2007, 09:28 PM
عزيزي عبد الزاق والأعزاء متابعيني.
فيما كنت ابحث عن قصصي على الشبكة العنكبوتية ، وجدت قارئة قد نشرت هذه القصة في موقعها ضمن مدونات مكتوب . يكثر خيرها على جهدها في التنضيد والنشر أيضا ، لكن التنضيد كان سيئا ،صلحت حوالي أربعة فصول حتى الآن . إلهي يكون في عون متابعيني لأن القصة كالعادة طويلة جدا !!

النهر المقدس
صدرت ضمن مجموعة ( نار البراءة ) عن دار ابن رشد في بيروت 1979
( قصة طويلة جدا )
ترجمت إلى الإنكليزية وصدرت عن منشورات جامعة كولمبيا في الولايات المتحدة ، ضمن ( مختارات من الأدب الفلسطيني )
(1)
قالت وردة العودة لعمتها وهي تضم طفلها إلى صدرها وصورة زوجها الذي داهمته الحرب وهو في عمان تمثل في مخيلتها:
- هل سننزح إذا سقطت الضفة يا عمتي أم لا؟
أصلحت عايشة العلان من وضع جلستها فوق النول الذي طوته وأحضرته معها إلى الكهف ريثما تنتهي الحرب:
- لا يا عمتي لن ننزح واليهود لنا ولهم الله !
- ومحمد يا عمتي؟
- له رب يرعاه يابنتي !
- وإذا بقي في عمان ولم يعد؟
- سنرسلك إليه يا إبنتي!
**********
أعلن راديو العدو سقوط الضفة بكاملها. لم يصدق الناس النبأ. خر المئات سجوداً في كنيسة القيامة..قال المطران إيليا متضرعاً وهو يجثو أمام تمثال الرب، وعلامات الحزن والرعب ترتسم على وجهه:
< ربنا أنزل علينا رحمتك الطاهرة، وانقذنا من شر الأعداء، واحم ربنا ديارك الغالية>
ردد الناس من خلفه (آمين)..
بسط الآلاف أذرعهم داخل المسجد الأقصى وشخصوا إلى السماء .. قال الشيخ عبد الحميد متوسلاً:
< ربنا اجعل من أمامهم سداً ومن خلفهم سداً، واجعل اللهم على أعينهم غشاوة علهم لا يبصرون >
ارتفعت أصوات تستغيث وتتوسل بخشوع: (آمين).
دوت طلقات الرشاشات في سا حة الأقصى، ومرت بعض الطائرات المعادية على ارتفاع منخفض فألفت قنابلها وفتحت نيران رشاشاتها بشكل عشوائي .. تناثرت أشلاء من أجساد بشرية. جمد طفل من الرعب لحظة ثم هرب تاركاً عند قدميه بركة صغيرة.. خرج آلاف البشر من الملاجئ والمنازل وأخذوا يعدون في اتجاه الشرق.. ذاك حمل أخفّ الأشياء، وذاك أضاع حماره، وذاك فقد محفظة نقوده.. ارتفع الصراخ والضجيج.. ذاك يسأل عن إبنه، وتلك تصرخ وتولول، وهذه تمزق وجهها بأظافرها، وذاك رجل فقد صوابه وانهال على زوجته ضرباً بعصا، لأنها لم تحضر ما خف حمله كما أمرها، لاعتقادها أن الضفة لن تسقط.. وتلك امرأة كانت قد رتبت كل حاجياتها، فها هي تضع الدجاجات في لقن العجين وتحمله على رأسها، بينما الطفل يصرخ في الحذل المتدلي على ظهرها، وزوجها يحزم بعض الأمتعة ويحملها ويسوق الأطفال أمامه..وتلك امرأة تنزلق قدمها فترسو بين صخرتين وتصرخ جاهدة لإخراج رجلها دون جدوى.
***********
تنبه الراعي محمد عودة إلى الضجيج القادم من الغرب.. ترك القطيع وصعد سفح الجبل ليتبيّن الأمر.. ذاك شاب يعدو، وذاك راع يسوق قطيعه هارباً، لكن من أين كل هذا الصراخ؟وما لبث محمد عودة أن تبين الأمر إذ ظهر آلاف من البشر يركضون في الأودية وعلى قمم الجبال ومع السفوح ..انثنى إلى القطيع .. أخذ بيده صفيحة وشرع يضرب عليها فأجفل القطيع .. وما أن بلغ قمة الجبل وأحكم النظر حتى نزع كوفيته عن رأسه وأخذ يلوح بها وينادي بصوت عال< يا ناس يا هيه، الضفة سقطت في أيدي اليهود، والناس هربوا .ها هم يهرعونمن الغرب . يا ناس يا هيه...> وركض على قمة الجبل، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وكرر النداء وهو يلوّح بكوفيته وعقاله ويقفز عالياً، ثم يهوي على الأرض ويرفس بقدميه ويدحرج الحجارة الكبيرة من القمة..
سمع الناس نداء محمد عودة فخرجوا من الكهوف التي أووا إليها منذ إندلاع الحرب، وقد ارتجفت قلوبهم من الرعب والهلع، ودبّت بينهم الفوضى شأن القادمين من الغرب ..
وقفت وردة العودة ترقب شقيقها الذي كان يقفز عالياً ، وشاهدته وهو يتوقف عن القفز والنداء وينحدر مع الجبل جريا. ويدحرج الصفيحة خلف القطيع فتخرج قرقعة هائلة فتهرب الأغنام أمامه..ارتفعت أصوات تدعو إلى النزوح وأصوات إلى التريث لتبين الأمر، لكن محمد عوده بلغ الوادي فقطع الشك باليقين:
< يا ناس اسمعوا >
فأنصت الكل وقد تحلقوا من حوله وهو يعتلي صخرة عالية :
< الدول العربية انهزمت، واليهود احتلوا الضفة والقطاع وسيناء والجولان، أنا لا أقول لكم إلا الصحيح، شاهدت النازحين من القدس والطور والعيزرية وأبو ديس بعيني هذه، ها هم يأتون من الغرب، يحملون عفشهم وأولادهم على ظهورهم ويهربون شرقا. إذا لم تصدقوا اصعدوا إلى الجبل وشاهدوا، ها هم يهرعون من الغرب كأفواج النمل.>
زاد محمد عودة من الطين بلّة، فعلا الصراخ ودبّ الضجيج:
(هل سيفعلون بنا ما فعلوا عام (48)؟ هل يحدث كما حدث في دير ياسين وكفر قاسم؟ سيحدث أكثر من ذلك.. النزوح يا ناس.. اكسبوا حياتكم وحياة أطفالكم.. انهم يبقرون بطون النساء الحوامل، ويقطعون رؤوس الأطفال.. ألا تذكرون دير ياسين؟ آه، لو لدينا سلاح.. هرع الناس إلى ملابسهم وحاجياتهم يحملونها.. تعثروا ببعض.. تلقت الطرمزية صدمة قوية من رأس أحدهم فنزلت الدماء من أنفها. وأفرغت جميلة الحمدان كمية من الطحين على قطعة قماش بالية وصرّت عليه... وأخذت فاطمة زوجة المجنون الأخرس علي الخطيب – الذي انخرس وجنّ بعد أن أحرق لسانه بنار البشعه – تضرب كفا بكف ،ونظرت إلى عايشة العلان لتجدها جالسة في ذهول.. خطت نحوها:
- ما رأيك يا حجة هل ننزح أم لا؟
- لا والله يا بنتي ما دام النزوح موت وفي الحياة هنا موت، لا والله، نموت في بلادنا أحسن لنا.
ولم تجادل فاطمة في ذلك واعتبرت قول (عايشة العلان) القول الفصل.. وكان كل ما يقلق عايشة العلان ابنها محمد الذي قد لا يترك عمله في عمان ويبقى هناك، وتبقى زوجته وطفله هنا..
*************
.آلاف من البشر يتجهون إلى الشرق.. قوى واهنة، خطا ثقيلة.. ألسن جافة من الظمأ، أطفال يصرخون ...كلاب تبحث عن نقطة ماء.. شمس حزيران تلقي بحرارتها على الرؤوس.. عرق يتصبب من الجباه.. شفاه تتقصف في ذبول.. عجوز يتدحرج من سفح جبل فيستقر على حصباء الوادي، يشهق ويشهق وينام نومته الأبدية.. أم تسأل عن طفلها المفقود فلا يجيبها أحد... طائرة تفتح نيران رشاشاتها ، تتهاوى جثث وتنهض أخرى متمايلة من ألم الجراح! ! غراب ينعب في السماء.. بيدر قمح تحرقه قنبلة معادية.. جندي يغيّر ملابسه بملابس مدنية، وآخر يتخلى عن بندقيته، وآخر يبادلها بمطرة ماء.
***********
تنزل دموع وردة العودة . تنتحب بصمت... تنبعث اللاجئة المجنونة فجأة قادمة من أسفل الوادي ومتجهة إلى الغرب بعكس معظم البشر، ترتدي كيس الخيش إياه! ! وبشعرها الأشعث المنفوش، تدق صدرها بحجرين، وتغني بصوت مفجوع وقد نضبت الدموع من عينيها.. تقول عايشة العلاّن ومن قلب حزين: آه أيّتها الأم البائسة إلى أين تتجهين، بينما الناس يولون الأدبار؟! تنظر الحاجة ذوابا إلى زوجها الهرم عوده، ثم إلى ابنها محمد وهو يقف إلى جانب القطيع.. يتجهم وجهها ومخيلتها تبحث عن مصير ابنتها بينما صراخ ينبعث من المغارة التي لجأت إليها عائلة (أحمد أبو الجدايل).
خيوط مبعثرة تمتد ما بين الضفتين.. امرأة تحمل طفلاً بيديها وطفلين على ظهرها.. شيخ يتضرع إلى الله.. سرب حمام يفر مذعوراً من أحد السدود .. تنعق بومة معلنة عن أبدية الحزن ! ! ! يرقص جنود الأعداء في حرم الأقصى ..يغتصب آخرون عذراء على ضريح يسوع في كنيسة القيامة.. تتلون السماء بلون قاتم.. أطفال مدرسة الأيتام ينظرون بعيون حزينة حائرة .. حبال تمتد بين ضفتي النهر.. تهاجر طيور القطا في أسراب عن أرض الوطن.. يعبر الناس النهر متشبثين بالحبال.. تصرخ امرأة وقعت في حوّامة. جثة طفل تطفوا فوق ماء النهر.. يمتطي راع ظهر كبشه ويخترق به الماء خلف القطيع.. تسبح الأغنام، تجاهد وتصعد إلى الضفة الثانية.. رجل يردف أطفاله من خلفه على ظهر بغل ويجتاز النهر.. حمار يكتشف أنه يجيد السباحة.. قس يقف بعينين دامعتين.. دجاجات تسقط عن رأس امرأة فتطفو فوق مياه النهر وهي تستغيث! ! يتبادل عارف ابن الشيخ على الأنخاب مع جنود الاحتلال.. يقذف النهر الدجاجات إلى البحر الميت.. يصعد كلب إلى الضفة الأخرى.. يوزع جنود العدو البسكويت على الأطفال النازحين! ! يسقط كيس طحين عن رأس امرأة في الماء فيستقر في قاع النهر...يعزف محمد عوده على نايه لحن النزوح، تتسلل النغمات عبر الجبال والشعاب.. تئن... تدمع عينا عائشة العلاّن، وتبكي وردة العودة زوجها في صمت..ترفع الحاجة صفية راية الاستسلام فوق مدخل المغارة..وتعلن الحاجة ذواباً عن الصمود حتى الموت... ويذرف العجوز عودة من قلب حطمته عذابات الحياة.
(2)
تمر الأيام قاسية مريرة ولا يُسمع أي خبر عن محمد، وتظهر تجارة تهريب الناس إلى الضفة الشرقية.. كان الدليل يأخذ خمسة دنانير على الفرد في البداية ، ومع مرور الأيام، ارتفع السعر إلى عشرة، ثم خمسة عشر وأخيرا ً إلى ثلاثين .. من أين لعائشة العلان هذا المبلغ لتدفعه إلى مهرّب يصحب زوجة ابنها وطفلها إلى الضفة الشرقية؟
ينطلق لحن النزوح كئيباً مبكياً من ناي محمد عودة.. فتحمله الريح.. تتكسر ألحانه عبر التلال فيبلغ مسامع عائشة العلان .. تمر صور عشرات المآسي في مخيلتها ثم تستقر عند صورة (محمد) فتأخذ بالغناء والبكاء وهي تنسج على النول، فتختلط أغاني السفر بأغاني الغياب وأغاني المساجين بأغاني الندب:
يا ريتكم تروحوا وأعيد حنايا تروحوا سالمين وأعيد أنا منايايا
يا ريتكم تروحوا وأعيد ملبوسي تروحوا سالمين تايقوى ناموسي
ونتو غايبيــن محرمـــة الغيّــة لما تروحـــــوا يا نور عينيّــه
ونتو غايبين محـــرم اللبــس لما تروحـــوا وتلفوا عالقـــدس
ونتوا غايبين محرم الملبوس لما تروحوا وتطلعوا من لحبوس
************
بعيدين عني وأنا في العين ما ريهم وأنا اشتاق قلبي تني أحاكيهم

طارت الطيارة والهوا يوحـــي تيجوا بالسلامة يا بعـــد روحـي
***********
يتسرب صوت عائشة العلان إلى مختلف البيوت... تذرف النساء الدموع ووردة تنتحب بصمت كعادتها وتحضن طفلها وتضمه إلى صدرها.. تنهض وتجلس صامتة بالقرب من عمتها ثم تأتي الحاجة ذوابا وتنضم إليهما... لقد بعثها غناء عايشة العلان .. تنهض وردة لتجلسها مكانها:
- ابق جالسة يا بنتي، الله يجمعك بزوجك بالسلامة.
- الله يسلمك يا أمي.
تجلس الحاجة ذوابا إلى جوار ابنتها:
- كيف حالك يا عايشة؟
- الله يسلمك يا حجة
- يا وليّة إلى متى الندب والنعي، الغائب علمه معه، إن شاء الله ما يصير إلا الخير، لماذا تعمي عينيك من البكاء؟
- أنا عارفة يا حجة، الله يرضى عنّه ويحن إليه ويسهل الصعاب في وجهه، لو إنه طمأنني بكلمتين عن حاله، ولو امرأته وابنه عنده، والله يا حجة لخفّت مصيبتي.. يا بني من يغسل له ملابسه، من يطبخ له، يا ترى كيف عيشته؟ جوعان، عريان، حي،ميت؟! الله أعلم...
- الموت لاعدائه.. طوّلي بالك، الله مع الصابرين.
-إلى متى نصبر يا حجة؟ حرمنا من أولادنا وأهلنا، وتشتتنا وتفرقنا، وانهدّ حيلنا وحملنا، قلت له لما جاء آخر مرة قبل الحرب بثلاثة أشهر، يا بني خذ زوجتك وابنك معك، قال لي ريثما استأجر بيتاً مقبولاً يا أمي، ليرضى الله عنه ويحن اليه، كانت يده مجروحة من الأزميل..
.وانحنت عائشة على حجر مصقول كان محمد قد صقله بأزميله وشاقوشه لتستعمله أمه، فكانت تعمل منه مقعداً تارة، وتارة تضع عليه كؤوس الشاي والابريق.
انحنت عليه وأخذت تقبله وهي تقول لتسلم اليد التي دقّته.
فكرت الحاجة ذوابا قليلاً وهي تحدق في وجه ابنتها ويبدو أنها وصلت إلى نتيجة ، فقد نظرت إلى عايشة العلان:
- عايشة؟
- نعم يا حجة. .- معي عشر ليرات وسأجعل محمد الله يسلّمه يجلب عنزة إلى السوق ويبيعها ، وحاولي أن تحصّلي باقي المبلغ، لنرسل البنت والولد إلى عنده ، حتى إذا طال الاحتلال كل واحد يكون عند أهله.
ارتسمت علامات العرفان على وجه عايشة العلان.- الله يكثر خيركم يا حجة، لكن لماذا هي الحياة إذا طالت أيام الاحتلال وظل أولادنا بعيدين ونحن هنا، الله يرضى عنّه، أنا قلت سيأتي ولن يظل هناك، وليحدث ما يحدث.
- أتريدين من الشباب أن يأتوا ليذبحوا ذبح الغنم يا عايشة، انسيتي ما عمل اليهود في الثمانية وأربعين؟ لماذا نزح الناس؟ خوفاً من المذابح،وإلا ما كانوا نزحوا.
ووجمعت عايشة العلان قليلاً وتوقفت عن النسيج.
- ومن المهرّب الذي سنرسلها معه؟
- سنرسلها مع عارف العلي، منذ الحرب وهو يشتغل في التهريب، لقد أرسل وأحضر الكثير من الناس..
ألم تجدي غيره يا حجة، أنسيت الأعمال التي عملها عمه فينا، أيام الانكليز، صفيحة الماء كان يبيعنا أياها بخمسة قروش؟
- ماذا سنفعل يا عايشة، مع من سنرسلها إذن؟
- ما أعرف، الله يعيننا على الذين كانوا السبب! !
(3)
<اتكلي عليّ يا حجة، والله إنني سأضعها في عينيّ حتى أقطّعها نهرالشريعة... هل انقطعت الدنيا، باطل، مازال فيها خير يا حجة! ! !>
- كم تريد يا عارف؟
- والله يا حجة اسمعي لأقول لك
- قول يا بني؟
- صلي على النبي !
- عليك ألف صلاة يا نبي..
- والله فقط من أجلك يا حجة، ومن أجل عايشة العلان!!
- الله يسلمك يا بني ، كم يلزمك؟
- أنا أقبض خمسين دينار على النفر، إنما لكنّ أقدّم عيني، ويكفي ثلاثين للبنت وعشرة للولد، أربعين دينار .. والله هالمبلغ لا أقبله من أحد غيركن أبداً؟
أخرجت عايشة العلان ثلاثين دينارا من صرّتها وقالت :
.- والله وحياة ابني الذي لا يوجد أعز منه في الدنيا، إننا لم نقدر أن نجمع هذا المبلغ إلا بطلوع الروح، ماذا أقول لك، باع أهل الحجة ذوابا عنزة بعشر ليرات، وأخذت خمس ليرات سلفة من الحاج علي العطا، لأنسج له مفرشين، واستدنّا من هنا وهناك حتى جمعنا الثلاثين ليرة.
- امتعض عارف العلي قائلاً:
- والله لا يكفي يا حجة، لما كان ناس كثير، كان ذلك يكفي، إنما أنت عارفة، اليوم على الواحد أن يتحمل المخاطر ويمشي على دمه من أجل خمسة أنفار على الأغلب ، وفي العودة لا يجد أحداً يحضره.
نظرت عايشة العلان إلى وجه الحاجة ذوابا ثم إلى وجه كنّتها:
- والله يا أخي ما معنا غيرها ، والطفل ستحمله أمه، هل ستحمله أنت؟
- الله يسامحك يا شيخة، وهل أحمل غير نفسي، كل واحد يحمل نفسه والله يحمل الجميع، أنا أحاسب على النفر، على كل حال إذا كان هذا غير مناسب سلام عليكم...قد يرخص السوق، وأعاهدك يا حجة سأصحبها معي يومها، إنما الآن والله لا يناسبني هذا السعر!!
.وانثنى عارف العلي سائرا<الآن ستناديني الحجة وتقول إرجع يا عارف>
غير أن أيا من الحجتين لم تنده له..< لكن كيف اترك هذا الغزال من بين يدي، غزال يا عارف غزال، لحم كالفستق المقشر، أرداف، آه، كيف تتركها؟ بشرفك ألا تقبل أن تصحبها، بلا أجر؟! آخ، سمكة يا عارف، ما فيها جنس العظام وأنت الصياد، لا أحد ينادي ارجع، إرجع هذا يكفي >
واستدار عارف العلي عائداً إلى الحاجة ذوابا وعايشة العلان:
- لعنة الله على الشيطان، والله يعز علي أن أذهب وأترك البنت، وهذا الطفل الذي حرم من مشاهدة والده، وشأنكن عندي غير قليل يا حجة!!
- الله يسلم شأنك يا عارف، متى السفر يا أخي؟
- غداً صباحاً بعونه تعالى.
- خذ يا أخي.
وأخذت عايشة العلان تعدّ النقود في يد عارف.
***************
أقبل عارف منفرداً، فارتابت عايشة العلاّن أن ترسل ورده معه لوحدها.
- صباح الخير يا حجة.
- الله يسعد صباحك يا عارف، شايفك وحدك؟
- أي والله.
- ما حدا معك؟
- الله يسامحك، أمن المعقول أن أسافر مع بنت لوحدها؟ لن تناسبني السفرة أبداً، معي خمس نساء، إنما تركتهن على الطريق ريثما أحضر ورده.
اطمأنت عايشة العلاّن لكلام عارف.
- متى تقطعون النهر بالسلامة إن شاء الله؟
- الليلة، وغداً في مثل هذا الوقت ستكون عند زوجها إذا سهّل الله.
- إن شاء الله لن يأتي إلا التسهيل، وداعتك ورده يا عارف يا بني ، أنا أضعها أمانة في رقبتك إلى أن تقطعها النهر وتركبها في تكسي، لا ترسلها لوحدها يا بني، وإذا وصّلتها لزوجها تكون عند الله فاعل خير.
- الوداعة على الله يا حجة، لا تهتمي للأمر، ورده أختي وأعز من عيني؟
- إذا كان في الدنيا خير يا بني.. الله يسلم عينيك ويسهل دربك.
وانثنت إلى الخشّة وقد تناست كل الماضي الأسود لآل العلي.. وجاءت الحاجة ذوابا لتودع ابنتها...صرتّ عايشة العلاّن بعض ملابس ورده وملابس الطفل وبعض ملابس محمد في شرشف كبير، وربطته من طرفيه، بحبل لفّت عند منتصفه بعض الشرائط حتى لا يؤلم رأس ورده.. ووضعت صرّة صغيرة فيها قليل من الزيتون والبصل والخبز لتأكل ورده.. والطفل في الطريق ولتطعم محمد من زيتون البلاد وبصلها وخبزها الذي خبزته بيديها.. كما وضعت مطرة ملأتها بالماء... ونهضت إلى كنّتها تقبلها مودعة...<الله يرضى عليك يا بنتي، سلمي على محمد وخذي بالك منه، إسهري على راحته يا بنتي ولا تناكديه. قبّليه عني يا بنتي، قول له أمك تقبلك، وما تنسي المحرمة التي وضعتها له يا بنتي.وضعت لك فيها ليرتين، لتصرفي على نفسك إذا احتجت لشيء في الطريق.. قولي له، هذه المحرمة من رائحة أمك، وضعتها لك في الملابس.. اعتنوا بأنفسكم يا بنتي، الله يسهل طريقك، ويعمي عيون العدا عنك ، ويجعل لك في كل طريق رفيق.. >
وأخذت تضم الطفل وتقبله بدموعها.. بينما وردة تودع أمها...
حملت وردة الصرّة على ظهرها وحملت الطفل بيديها وضمته إلى صدرها وانصرفت خلف عارف العلي وعبرات ساخنة تنحدر من مقلتيها...
لاحقتها كلمات والدتها وحماتها... قالت الحماة: لا تنسي عنوان محمد يا بنتي، الله يرضى عليك ويحن اليك ويجعل الخير ما بين يديك، سلمي على كل الأهل والأحباب يا بنتي، قولي لهم أن عقولنا سارحة معهم في الليل والنهار، وتنتظر قدومهم ..
وقالت الأم: الله يجعل طريقك سهل ما فيها وعر يا بنتي ويوصلك بالسلامة .
وكانت وردة قد ابتعدت فتوقفت المرأتان عن الدعاء وظلتا ترقبانها حتى اختفت خلف تلة مرتفعة.
شاهد محمد عوده شقيقته تحمل طفلها وتسير خلف عارف العلي فترك القطيع الصغير وهرع إليها والدموع تترقرق في عينيه:
مع السلامة يا أختي – وضمها إلى صدره وقبّلها ثم قبل الطفل – سلّمي على محمد، قولي له أخي محمد يعزف على نايه طول اليوم، يتذكرك مع كل طلوع شمس.. واليهود اللعنة عليهم.. قولي له إنا لن نخاف منهم ، وبعد وصولك أرسلوا لنا سلامكم بالإذاعة...
وعاد إلى القطيع بينما تابعت وردة سيرها خلف عارف العلي.
(4)
يقصر عارف العلي من خطواته.. يسير إلى جانب وردة يختلس النظرات إليها <عينان فم، خدود، عنق ، صدر، وردة إنها وردة فعلاً، من أسماها بهذا الاسم؟ تنزلق عيناه إلى أسفل، ينظر بعينين شبقتين إلى ردفين مكتنزين.. تجتاحه موجة من الشبق العارم.. تطرق أسنانه .. ترتخي شفتاه ما الذي يمنعك من رفع هذا الثوب عالياً، لتملس على هذين الردفين، تغرس أصابعك فيهما.. تفرك لحمهما حتى يقطر الدم منه.. تضجعها هنا على حصباء الوادي.. تقلبها بطناً وظهراً.. لا يوجد غير الشمس والجبال والأودية، علها تصرخ؟ قد لا تقبل؟ ما الذي سيحدث بعد ذلك، هل تهرب وتعود إلى القرية؟ ثم تفضحك بين الناس، وتخسر كل تجارتك بعد أن تخسر ثقة الناس.. أم تغتصبها وتقتلها إذا حاولت الهرب..>
ويكبح عارف من جماح شبقه ويحاول أن يطرد سورة ردفيها من مخيلته.. ينظر إليها .. إنها تسير بصمت، وادعة، حزينة، بماذا تفكر؟ألا تفكر برجل يسير معها على انفراد بين هذه الجبال، ولم يشبع من النساء في حياته؟ سيما وأنها لم ترطب فخذيها منذ آخر مرة شاهدت فيها زوجها قبل ما يقرب ستة أشهر.
<يا حبيبي يا محمد، هل سأشاهد طلعتك الجميلة؟ هل ستضمني في الليلة القادمة بين ذراعيك؟ لن أخجل منك. سأقول لك أنني عطشى يا محمد، ضاجعني حتى الصباح، أروني، دعني أنتشي .. ستقول لي: يا سافلة هذا يكفي ! وسأكتف!! كيف ستستقبلني؟ أعرف أنك ستفرح كثيراً ..أنظر إلى فارس ما أجمله.. إنه صورة طبق الأصل عنك، نفس الأنف، نفس الذقن.. .أنظر إلى الغمازة في ذقنه.. لماذا لم تعد إلى الضفة بعد الحرب؟ فضّلت العمل في عمان. أما زلت تدق هذه الحجارة؟ هل تستطيع أن تقول لي كم حجرا صقلت في حياتك؟ إنك تضحك ..طيّب بلاش، كم صخرة انهلت عليها بمهدّتك لتقسمها من نصفها وتحولها إلى حجارة مصقولة جميلة فيما بعد؟ أما زلت تعمل مع فتح ؟ اطمئن لم أطلع أحداً على هذا السر، حتى أمي وأمك.. .لكن لماذا لم تأتِ؟ أليس النضال من هنا أفضل من النضال من عمان؟‍! >
**************
تعبت يداها من حمل الطفل، رفعته إلى كتفها ونظرت إلى عارف علّه يساعدها في حمله.. تنبه عارف للأمر، مد يديه وتعمد أن يضع يده على كتف الأم قبل أن يأخذ الطفل من يديها:
< سأحمله عنك>
كانت وردة منهكة فلم تمانع في ذلك.. ولم تنتبه لليد التي ملست على كتفها، ثم انزلقت لتمسك الطفل من ذراعه.
صخور صوانية وسدود تمتد على جانبي الوادي.. حرارة الشمس مرتفعة.. تسير ورده إلى محاذاة الوادي علّها تنعم بشيء من ظل الصخور..
- تصوري يا ورده أن الانكليز قتلوا في هذا الوادي أكثر من مائة جندي تركي وعندما أمر منه في الليل، يا ساتر يا الله، شيء يجعل الرأس يشيب، يخرج مردة الجنود الأتراك ويأخذون بالرطن بالتركي بينما مردة الانكليز يردون عليهم بالانكليزي.ماذا أقول لك، أقرأ آية الكرسي، وأتعوّذ من الشيطان وأضع رأسي وأنام..ليلة من الليالي صحوت على واحد منهم، وجدته يجلس عند رأسي ويأكل من صرّة طعامي.. سمّيت بالله وتعوّذت من الشيطان.. انشقت الأرض وابتلعته .. لا تخافي طالما أنا معك، ولاتهتمي للأمر.
ونطقت ورده للمرة الأولى مع عارف وهي تجاهد لتبعد مردته من مخيلتها:
- أين النساء اللواتي تحدثت عنهن؟
<ما أجمل هالصوت، من زمان أنطق يا غزال، خليني أسمع صوتك.>
- بعد قليل سنصل إلى مكان التجمع.. ستجلسين هناك وسأغيب عنك قدر ساعتين وأعود بالنساء، موجودات قلت لهن أن ينتظرنني في مكان قريب.
ضم الطفل إلى صدره وضغط عليه وهو يتمثل والدته بين ذراعيه! غير أن صورة الأم لم تمثل في مخيلته جيداً، ثم أن الطفل لم يملأ حضنه... صار ملتصقاً إلى جانب ورده...اختلس نظرات جانية إلى ردفيها .. ترك فخذه تقترب شيئاً فشيئاً.. اصطدمت ركبته بفخذها..تنبهت ورده واعتبرت أن ذلك قد تم دون قصد.
- أنت تعبت يا عارف، أرى أنك تصطدم بي؟
- لا، أعوذ بالله إنما نزل شعاع الشمس على عيني ولم أبصر أمامي..
- وهذه المردة التي تتحدث عنها؟
- ماذا أقول لك يا وردة، الواحد منهم بسم الله الرحمن الرحيم طول عمود التلفون..
- ألا يؤذون الناس؟
- لا يؤذون غير الذي يشتمهم أو يبغضهم ، لكنهم يخيفون!!
دوت محركات طائرة هليوكوبتر قادمة من بعيد وكانت فرصة ثانية لعارف:
< اختفي يا وردة> ومد يده إلى خصرها وضمها إليه، وهو يلتصق إلى جانب صخرة ناتئة إلى جانب الوادي .. .. ظهرت الطائرة على ارتفاع منخفض، ولم تنتبه وردة لليد التي استقرت فوق ردفها..
مرت الطائرة ولاذت خلف الجبال..تنبهت وردة ليد عارف تملس على ردفها صعوداً ونزولاً.. وأقنعت نفسها أن ذلك ليس مقصوداً‍، وأخذت الطفل من يدي عارف واندفعت سائرة مع الوادي..
< لم تتكلم ، والله رضخت لك يا عارف.. أصبر يا رجل سنصل إلى مكان التجمع... ما أجمل التعري على رمل الوادي تحت ظل الصخور..سأختبرها مرة أخرى، إذا ظلت ساكتة انتهى الأمر>
يتبع

محمود شاهين
24-11-2007, 09:09 PM
< من أحضرك يا وردة؟ جئت مع عارف العلي! مع عارف العلي؟ غير معقول ووصلتيني سالمة؟ لا يمكنني أن أصدق؟ لماذا أليست أنا التي أمامك؟ دعيني أرى ! أي إرفع يدك يا سافل ! كيف حال والدتي؟ تسلم عليك..خذ نسيت... ماذا؟ أرسلت لك محرمة من رائحتها.
يا سلام .. والزيتون، ألن تأكل منه. سآكل. والخبز ؟ لقد خبزته بيديها حتى يطيب لك أن تاكله. ما أروع خبزك يا أمي والزيتون ألن تأكل منه؟ سآكل .والخبز، لقد خبزته بيديها حتى يطيب لك أن تأكله؟ يا سلام ما أروع خبزك يا أمي . لا تبك أرجوك، لأنني بكيت طول الطريق . ألم تخافي؟ أكثر ما أخافني المردة التي حدثني عنها عارف العلي، وما عدا ذلك ما خفت . مردة‍! ! جان يعني؟ هكذا يقول. اوه، اتركينا من كل هذا الهراء، حدثيني عن القرية، عن ناي شقيقك محمد، عن والدتك عن صبايا البلد، عن اليهود، عن الحرب...! ! اسمع يا سيدي أنا سامع.... لم تحدثيني عن صبايا البلد؟ لن أحدثك . أيتها الغيورة . أنت تغار أكثر مني . صحيح . ضمني إليك . حبيبتي . حبيبي.
***********

وصلا إلى مكان على جانب الوادي حيث توجد بئر ماء.. ويبدو أن أغناماً كانت تنام في ذلك المكان، إذ ظهر بعض الزبل على مزبلة البئر و على صدره وإلى جانب الأحواض وعلى الحمرة وفي المصفاة. وكانت الصخور العالية والسدود الصخرية تحيط بالمكان من كل جانب، وتلقي عليه ظلاً رطباً ساحراً.
قال عارف وهو يقف إلى جانب الحائط الصخري:وصلنا، سنرتاح قليلاً وسأذهب لأحضر باقي النساء، لن أتأخر عليك.
وضعت ورده الطفل إلى جانب حجر، وطلبت من عارف أن يساعدها في إنزال الحمل عن ظهرها.. وكانت فرصة أخرى غير متوقّعة أمام عارف، فوقف خلفها ملتصقاً. أمسك بالحمل عن ظهرها وأخذ ينزله .. أحست وردة بشيء جعلها تجزم أن عارف يتعمد التحرش بها‍! ! ولم تنبس مفضلة التريث على فتح المعركة معه.
..وضع عارف الحمل جانباً واستلقى على جنبه بينما جلست وردة خائرة القوى وكوّعت على حجر قريب منها.. كان الاجهاد ينهك قواها فأسبلت جفنيها..
<ما أجبنك يا عارف لم يبق إلا أن تمد يدك وترفع هذا الثوب إلى أعلى، وبعدها ينتهي كل شيء... ماذا تتوقع من امرأة خائرة القوى أن تفعل معك؟ وليست خائرة القوى فقط، ولم تشاهد زوجها منذ ستة أشهر.. لماذا لا تمد يدك يا حيوان، يا جبان، لماذا؟>
ومد عارف يدا مرتجفة.. استقرت على أعلى فخذ وردة المسبلة الجفنين.. فتحت وردة عينيها، نظرت إلى وجهه ،بدا الاحمرار وقد اندفع منه، وظهر الرعب مسيطراً عليه.. وقالت بصوت لا يخلو من نفرة:
- ماذا تريد يا عارف؟
ارتعدت فرائصه..
- أنا ذاهب لإحضار النساء، خذي بالك من مردة الأتراك قد تخرج اليك!!
قالت بشيء من الاحتداد أيضاً:
- لماذا لا تذهب، ومردة الأتراك لي ولهم الله..
والحقيقة أن حكاية المردة قد أخذت كل تفكيرها..
- أنا ذاهب لا تصرخي، أف ما هذه المرأة؟
أيقن عارف أن لافائدة ترجى من وردة، وأنها قد تكون على معرفة تامة بنواياه. منذ أن لمس كتفها للمرة الأولى، وأنها كانت تكتم غيظها طوال الطريق.. ولم يفكر في أمر اغتصابها خوفاً على تجارته أن تبور وخوفاً على سمعته سيما وأنه من آل العلي الذين حملوا المشيخة أبا عن جد، ولهم مكانتهم بين العشيرة. كما أنه ليس بهذه الشجاعة؟؟ لكنه لم يقطع الأمل.
**************
< سأخبرك يا محمد.. ماذا؟ عارف وغد ابن وغد، اوه كنت أعتقد أنك ستخبرني عن صبايا البلد، ماذا فعل بك هذا الحقير؟ ألن تغار؟ اذا حدّثتيني عن صبايا البلد أولاً لن أغار... طيب سأحدثك.. زواهي ابنة حمدان أبو رطة خطفت.. خطفت؟ نعم.. خطفت؟ أعرف أنك كنت تحبها قبل أن تتزوجني.. خطفت راعي حامد دخيل .. كيف؟ طلب يدها فلم يقبلوا، فهربت إلى منزل حامد دخيل واطنبت عليه، ورجته أن يزوجها من راعيه.. تدخلت الحمائل والعشائر وزوجوها له بالقوة‍! ! بالقوة؟ تقريباً لأن أهلها رفضوا أن يزوجوها من الراعي .. وماذا أيضاً؟ تلك زوجوها من رجل في السبعين، وتلك زوجوها على ذرة، وتلك انتحرت لأنهم لم يزوجوها من الشاب الذي تحب، وتلك وتلك.. تسألني عن أخبار البلد وبناتها وكأنك غبت عنها عشرات السنين... إنها كما هي لم يتغير فيها شيء .والرجال؟ اعتقل اليهود الذين وجدوا في بيوتهم سلاح، والذين ينتمون إلى الثورة والحزب الشيوعي .. بربك من اعتقلوا؟ اعتقلوا رزق أبوالجدايل! ! ومحمود عايد، وعلي عبد ربه وعلي الخطيب.. والآن خبريني عن عارف العلي، هل مازحك؟ أكثر من ذلك.. وردة تقولين أكثر من ذلك؟ أكثر... قولي لي ماذا فعل هذا الجبان بربك ؟ قلت له أن يساعدني في انزال الحمل عن ظهري و..... الحقير ابن الحقير أقسم بشرفي أني سأعلقه في المكان الذي شنق محمد فضة نفسه فيه بسد العقاب، وأتركه معلقاً أبد الدهر.. اعتقدتها مجرد ممازحة في البداية أو شيء من هذا القبيل.. الحقير ابن الحقير، أخ.. لن تهدئ من روعك يا محمد؟ كلا، لن يهدأ غضبي قبل أن أعلقه بالحبل لن يهدأ.....>
(5)
صعد عارف إلى التلال، مر بموقع من جنود العدو، تتمركز فيه كتيبة من حرس الحدود.. تناول الشاي وتحدث مع الكابتن شلومو قليلاً وانصرف ... كانت خمس نساء ينتظرن عارف في مكان وضعهن فيه.. .ثلاث منهن من قرية (أبو ديس) وواحدة من (الطور) والأخرى من (العيزرية) وجميعهن يرغبن في الالتحاق بأزواجهن الذين يعملون في عمان والكويت والسعودية.. باستثناء فتاة ديسية عذراء أرسلها أهلها إلى خطيبها الذي يعمل في الخليج.. وكانت إحدى النساء الديسيات، تصحب طفلها الذي لم يتجاوز العام بينما العيزراوية تصحب طفلة تقارب الأربعة أعوام، وأما الطورية فكانت تصحب طفلين، أحدهما في الثانية من عمره والآخر يقارب الخامسة... أما الديسية الأخرى فكانت عاقراً...سار عارف والنساء من خلفه، يحملن صررهن وأطفالهن، إلى أن بلغ وردة.. وقال لهن أن يأخذن قسطاً من الراحة قبل أن تغرب الشمس، إذ يتحتم عليهن أن يسرن حتى بلوغ النهر.
أسبلت الفتاة العذراء جفنيها، بينما استلقت المرأة الطورية وتنهدت من قلب مفجوع وهي تضم طفليها.. عرّى عارف في مخيلته النساء الخمس والفتاة وأخذ يقلبهن بطناً وظهراً..
*********
.جنحت الشمس إلى الغرب،فأخذت الظلال تغمر الوادي .. أفاقت طيور الحجل من قيلولتها فانتشرت بين الصخور.. وفّرت أسراب الحمام من السدود وأخذت تحلق في السماء وتحطّ على المروج .
قال عارف: انهضن يا بنات..
نهضت النساء. نفضن التراب عن أثوابهن وأخذن يطعمن الأطفال.
. قالت وردة:
كم يبعد النهر من هنا؟
قال عارف:
اذا شددتن الهمة سنصل خلال ثلاث ساعات .
ونهض واقفاً.. حملت النساء صُررهن وأطفالهن وانطلقن خلف عارف بقوى واهنة ومئات الأفكار القلقة والهواجس تطرق مخيلاتهن..
**********
<ما أوحش الجبال في الليل‍ل ! والله إني لا أعرف لماذا هذا التعب والشقاء والتهريب ودفع النقود.. فلو قطعنا النهر في النهار أمام أعين اليهود ماذا سيفعلون بنا؟ ماذا يريدون غير أن نرحل عن بلادنا ونتركها لهم؟..>
.ونظرت المرأة الطورية حولها علّ إحدى النساء تجيبها..
قالت العيزراوية:
- يا وليّة ألم تسمعي عن البنت العذراء التي اغتصبها حرس الحدود بعدما قتلوا شقيقها وتركوها ملقاة على جانب الوادي إلى أن ماتت وهي تنزف؟
وقالت الديسية العاقر:
- ألم تسمعن عن العائلة التي سلبوها نقودها؟
وأخذت كل واحدة تردد ما سمعته من قصص عن الناس الذين ينزحون أمام أعين جنود العدو. ولم تتفوه وردة بشيء إذ كانت منهكة والطفل يلتصق بصدرها منكمشاً كالقط، وعيناه تتلصصان فيما حوله وقد انهك ذراعيها..وحسدت المرأة الديسية التي كانت تضع طفلها في الحذل الذي يتدلى على ظهرها. وتحمل صرة الملابس بيديها، لكنها تراجعت عن ذلك بعد أن جزمت أن طفلها كبير ولا يستقر في الحذل إلا إذا نام.
كان طفل المرأة الطورية الكبير، يدرج إلى جانب أمه، بينما تضم شقيقه الصغير إلى حضنها، أما طفلة المرأة العيزراوية فكانت تدرج هي الأخرى، وتتعثر بين الفينة والأخرى وتقول لأمها:
-أين بابا يا ماما؟
تقول لها الأم إنه ينتظرهم على حافة النهر‍!وتكثر أسئلة الطفلة وتتكرر: متى نصل النهر؟ لماذا نسير في الليل؟ أين سننام؟ إذا صادفنا اليهود فهل يذبحونا؟ تعبنا لو نستريح، أو تحمليني؟ عدا عشرات الأسئلة التي تدور حول اليهود والنساء اللواتي معها... فتحملها الأم وتطلب منها أن تسكت فتسكت! !
تعبت وردة وهي تنقل الطفل من كتف إلى كتف ومن يد إلى يد وتمنت لو أن عارف يدعهن يسترحن بعض الوقت، ونظرت إلى السماء فشاهدت القمر يطل من بين صخرتين عاليتين.
********
عرج عارف جانباً وأخذ يسير مع سفح جبل ..التفت إلى النساء قائلاً:
- عندما نطل على السهل سنرتاح..
وفر سرب من طيور الحجل من أمامه فأحدث اصطفاق أجنحته صوتاً مرعباً.. التصق الأطفال بأمهاتهم ، وقف شعر رأس عارف واستنجدت الطورية بيسوع المسيح.. أخذوا يصعدون مع السفح باتجاه الشرق، فانجلت لهم بعض التلال، وتمنت وردة أن يقرب الله من نهاية هذا الصعود إذ خارت قواها وباتت تشعر أن الطفل سيسقط من يديها.
ما أن أشرف عارف على التلال المنبسطة حتى أشار إلى النساء أن يلتقطن أنفاسهن ، إذ ستبدأ المرحلة النهائية كما قال.تنفست النساء الصعداء واستلقين إلى جانب أطفالهن الذين هدّهم النعاس.. أجسام منهكة، عطشى إلى الراحة، لكن من أين يا حسرة؟ يا ليت هذا الدليل يدعهن يأخذن غفوة، غفوة صغيرة يسترددن أنفاسهن خلالها.
*********
< خمس نساء وفتاة عذراء،وأنت والليل والسماء والأرض، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً.. تبا لك،جبان، جبان، سيقتلك الظمأ ولن ترويه مدى حياتك.. قال لك شلومو ماذا لديك اليوم؟ فقلت له خمس نساء وفتاة عذراء . قال لك هذا صيد دسم! ! فرفضت حرصاً على تجارتك وسمعة العائلة بينما صورة الفتاة العذراء التي ماتت من استمرار النزيف بعد أن قتل شقيقها واغتصبتماها وبعض الجنود تمثل في مخيلتك.. والآن ماذا ستفعل؟ ! ! اقترب من هذه العذراء ..أنظر كيف تضطجع على جنبها، إنها ممتلئة .. تمدد خلفها، حاول أن تتحرش بها، أملس بيدك على فخذها.. جبان لا تستطيع أن تفعل ذلك.. إذن عريهن في مخيلتك وضاجعهن في آن واحد أيها الجبان، دعهن يستلقين على بطونهن تحت ضوء القمر.. هكذا..يا سلام..، إنها ليست المرة الأولى التي تعرّى فيها النساء على ضوء القمر، أنظر إلى سحر الأجساد المستلقية أمامك.. بمن تبدأ؟ بالعذراء؟ والأخريات؟ فيما بعد، ليكن ! ما أجملك أيها القمر! ! وما أجمل الأجساد عندما تتعرى على نورك! >
تهرب الصور من مخيلته،يعود إلى وعيه.. لا يشعر بأنه أروى عطشه.. ينظر إلى النساء، يشعر بشبق كبير في داخله يدفعه إلى الحقد على النساء، ويندم لأنه لم يوافق شلومو على اغتصابهن .. تنتابه موجة من الغضب..يحتضن رأسه بيديه ويصرخ بالنساء:انهضن !
تنهض النساء وقد اعتراهن الذعر، ويصرخ الأطفال..
ينحدر عارف مع تلال منبسطة ..تحمل النساء أطفالهن وصررهن وينطلقن في اثره وهن يتساءلن في سريرتهن عن السبب الذي جعله يصرخ بهذا الشكل.. غير أن أيا منهن لم تكشف السبب في ذلك، وإن كانت وردة قد فكرت بأن لذلك علاقة بما حدث لها مع عارف قبل أن تحضر النساء..
تلال صغيرة وشعاب، ثم أرض منبسطة، السير هنا أفضل من صعود الجبال.. القمر أخذ يجنح إلى الغرب، لقد قال عارف أنهن لن يعبرن النهر إلا بعد أن يغيب القمر.
يتبع

محمود شاهين
26-11-2007, 08:45 PM
(6)
يختفي القمر خلف الأفق الغربي، فتغمر الظلال المنطقة.. يخيم الظلام وتبدو أشباح أشجار الصفصاف والدفلى والعليق، تتحرك من بعيد يلتفت عارف ويهتف للنساء أن يتبعنه ببطء.. تتمنى كل واحدة منهن أن لا يصرخ إبنها في تلك اللحظات العصيبة.
<إنهم منا يا جماعة < !
كانت مجموعة من المتسللين العائدين تتجه إلى الغرب، وعندما شعروا بقدوم عارف والنساء كمنوا بين الأشجار.. وما أن عرفوا أنهم ليسوا من الجنود حتى قال أحدهم < إنهم منا يا جماعة> ونهض واقفاً من خلف شجرة عليق، فاهتز جسم عارف من هول الرعب ووقف رافعاً يديه! !
قال الرجل:من؟
فقال عارف:صاحب !
- أي صاحب في هذا الليل؟
- من النازحين.
فقال الرجل: نحن من العائدين!!
اقترب عارف منه فشاهد خلف الشجرة مجموعة من النساء والأطفال والرجال ..قال عارف مؤكدا:
- إذن أنتم من العائدين..
- أي والله لكننا لا نعرف الطريق! !
- ليست مشكلة سأدلكم
وحتى لا يضيع عارف فرصة ثمينة، قد يقبض من ورئها مبلغاً محترماً، أعلن للنساء أن مهمته قد انتهت، وانثنى إليهن يهنئهن بسلامة الوصول.وبكل بساطة، أشار باتجاه النهر، وقال إنه ما عليهن إلا أن يقطعن هذه المسافة القصيرة بين الأشجار ليصلن إلى النهر، ويعبرنه بكل هدوء، إذ أن المياه قد لا تصل إلى ركبهن.
.شعرت وردة أن حملاً ثقيلاً قد أرتفع عن كتفها، غير أن الشرط كان أن يجتاز النهر مع النساء، ويؤمنهن إلى عمان أو يدلهن إلى أقرب طريق للمواصلات على الأقل.ويبدو أن عارف قرأ ما يدور في رؤوس النساء..
- ألا تصدّقن؟ النهر على مرمى حجر وما أن تعبرنه حتى تجدن الفدائيين والجيش في طريقكن، لا تخفن أن تضعن..
أرغمت وردة نفسها على الاطمئنان لكلام عارف كما أرغمت نفسها مسبقاً على التصديق أن تحرشاته عفوية بريئة! ! واندفعت أمام النساء فتبعنها ،وسمعت صوت أحد العائدين يقول: انتبهن من الدوامات!.. فانبرى عارف قائلاً: لا تخفن لا توجد دوامات في هذه المنطقة .
وانثنى إلى العائدين يتفاوض معهم حول ثمن العودة التي لن تتم بدون معرفته للطرق الجبلية والأودية الملأى بمردة الأتراك والانكليز، ومختلف أنواع الوحوش ومصيبة المصائب كمائن قوات العدو التي لا يحصى عددها! ! وأكّد على الكمائن حتى يجد تبريراً للكمين الذي سيقع فيه العائدون والذي سيعيدهم بدوره إلى الضفة الشرقية أو يفتك بهم، وحتى لا يقال أنه كمين مدبر بمعرفة عارف.
صحيح أن النهر لم يكن بعيداً كما قال عارف، لكنه أبعد بكثير من مرمى الحجر اذ قطعت النساء عشرات المرامي ولم يبلغنه بعد.. تنهدت وردة من قلب مثقل بالآلام وشتمت في سرها اليوم الذي وجد فيه آل العلي ومشايخهم ومخاتيرهم، شيخ يقول لشيخ ومختار يقول لمختار وجدّ يقول لجدّ حتى الجد الألف! ! ! كما شتمت الظروف التي جعلتها راعية بنت راع ابن راع وحتى الجد الألف أيضاً..
كثرت أشجار الدفلى والصفصاف والعليق.. جزمت وردة أنهن يقتربن من النهر.. أخذت تزيل الأغصان المتشابكة من أمامها بيد، بينما اليد الأخرى تضم الطفل إلى صدرها .
إنه النهر يا بنات . وجلست جانباً مفسحة المجال للنساء، فمددن أطفالهن وجلسن يسترحن..كانت المياه تندفع هادئة ولا يبدو أنها عميقة... قالت الديسية العاقر:
- لماذا صوت الماء خفيف؟
فقالت الطورية:- باركها المسيح لما تعمّد فيها، قال لها: اهدأي يا مباركة .. فهدأت ومنذ ذلك اليوم وصوتها خفيف! !
أعجبت وردة لقدرة المسيح العظيمة، وبدا لها أنها كفرت بالله سبحانه وتعالى عندما قارنت بين المسيح وبين محمد – صلعم – عندما قال للصخرة المشرفة وكانت قد صعدت إلى السماء حينها : اهدئي يا مباركة ! فوقفت الصخرة منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا، وظلت معلقة بين السماء والأرض! ! ! وأخذت تستغفر الله في سرها...قالت المرأة الطورية:
- لننهض يا بنات، توكلن على الله..
نهضن وأخذن يتضرعن إلى الله في السر وفي العلانية.
لم يكن عرض النهر كبيراً، فقد قدّرته وردة وهي تتأمله بما يقارب ثلاث عشرة خطوة وقد يقل عن ذلك...قالت العيزراوية:
لو معنا حبل لجعلنا واحدة تقطع وتربطه في الجانب الثاني لنتمسك به ونعبر...فقالت الديسية أم الطفل
: يا ولايا المياه خفيفة.. ولو توفر الحبل من التي تغامر منا وتقطع وحدها وتربطه؟
قالت وردة: لربطناه على وسطنا وامسكنا من طرفه وجعلناها تعبر، واذا ما غرقت فسنسحبها.
قالت الديسية العاقر:
- يا بنات قبل أن نغادر البلد فكرنا بالحبال، فقال الناس إن المياه خفيفة.
قالت الطورية: وإذا وقعنا في دوامه؟
ردت الديسية العاقر:
- إذن ابقين جالسات علّ اليهود يحضرون إلينا..
وبدت الفتاة العذراء وهي صامتة صمت من في القبور! !نظرت إلى وجوه بعضهن..رعب، قلق، حزن، وأسئلة كثيرة تدور في الأذهان.. قالت وردة:
- توكلن على الله يا بنات، ولنقطع .
وتقدمت باتجاه الماء وهي تشكل ثوبها وتلفه على وسطها ، ثم ضمت الطفل إلى صدرها وأصلحت الصرّة على ظهرها.. وتشبثت بعرق صفصاف يمتد فوق النهر، غير أن المرأة العاقر، اقترحت أن تمسك كل امرأة بيد الأخرى.. وهكذا تركت وردة عرق الصفصاف ومدت يدها إلى العاقر فأمسكت بها.. ومدت المرأة العاقر يدها إلى ابنة قريتها أم الطفل الصغير فأمسكت بها ، تبعتها الفتاة العذراء، فالمرأة العيزراوية تحمل طفلتها .. وأخيراً المرأة الطورية وقد أجلست الطفل الكبير على كتفيها ، وضمت الآخر إلى صدرها ، بعد أن رفضا بإصرار أن تقوم المرأة العاقر أو الفتاة العذراء بحمل واحد منهما.
تقدمت وردة وقد غاص قدماها في مياه النهر.. سارت ببطء ، تمايلت قليلاً عندما انزلق قدمها عن حجر صغير، غير أنها استعادت توازنها وتقدمت ببطء.. خطت قليلاً .. أخذت المياه ترتفع حتى بلغت ركبتيها..
*********
.جلست عايشة العلان على قطعة كيس من الخيش، وأخذت تبرم الغزلة وهي تتنهد بألم وحسرة..
.شعرت وردة بالتيار يكاد يسحبها.
.نظر محمد عودة إلى الناي بلهفة وشوق...
تقلبت الحاجة ذوابا في فراشها أرقة .....جلس الأب إيليا خاشعاً أمام أيقونة العذراء في كنيسة القيامة ..
سارت اللاجئة المجنونة عبر أزقة القدس، ترتدي كيس الخيش اياه! ! وبشعرها الأشعث المنفوش..
جلس الشيخ عبد الحميد خاشعاً متأملاً في فراشه..
ركزت وردة قدميها على أرض النهر وثبتتها جيداً حتى تكبح جماح التيار.. استغاثت الطورية بيسوع المسيح وتوسّلت الديسية بكل الأولياء.. ودعت العيزراوية أنبياء الله جيمعهم أن يقفوا معهن، وعرّت الفتاة العذراء رأسها ونظرت إلى السماء متوسلة.. وعلق اسم الله بلسان وردة ومدت قدمها فشعرت باندفاع التيار، فأعادتها إلى الأرض في ثبات .. حركتها ببطء وإلى الأمام دون أن ترفعها فنجحت في التقدم خطوة أخرى..ارتفع نحيب الأطفال..
.رفع الشيخ فايز العلي كأسه عالياً فارتفع كأس الكابتن شلومو وكأس المختار فالح العلي وكؤوس كثيرة...
قطعت وردة ثلث المسافة.. ارتفع الماء إلى ما فوق ركبتيها... رددت اسم الله أكثر من ألف مرة... مدت قدمها إلى الأمام ببطء وشعرت أن قدمها تدور في فراغ، وأحست بالتيار يدفعها....
اختل توازنها.. لم تتمكن من استعادة قدمها التي حركتها أولاً أو من تثبيت قدمها الأخرى... وشعرت للحظة أن كل أملها في لقاء زوجها قد تحطمت.. وأحست بساقها تذهب مع الماء.. كادت أن تهوي .. هوت.. ندت عنها صرخة هائلة وهي تسحب يدها من يد المرأة العاقر، وتدفع الطفل باتجاهها، وتتشبث بعود الصفصاف. ودون وعي من الأخرى، كانت تتثبت بالطفل وتشده إليها وتتراجع إلى الوراء في اندفاع، وهي تجاهد حتى لا يطرحها التيار، بينما صراخ الطفل يعلو، ويختلط بصراخ الأطفال الآخرين.هوت وردة إلى قاع الدوامة بعد أن تقصف عرق الصفصاف في يدها..
وقفت النساء في رعب رهيب وهن يحدقن إلى الماء.. وبعد قليل شاهدن الدوامة تقذف بجثة وردة فتسحبها مياه النهر أمام عيونهن.. دون أن يتمكّن من عمل شيء... ومكثن يرقبن الجثة الطافية فوق الماء في ذهول مخيف، إلى أن حدّ الظلام من مشاهدتها.. فتراجعن إلى الشاطئ يلفهن الحزن والأسى، بينما صراخ الأطفال يعلو ويعلو في استغاثات مفجعة، ولم يعد جنود الاحتلال يخيفون أحداّ! ! !
ضمت المرأة العاقر الطفل فارس إلى صدرها وطوقته بذراعيها في حنان غامر بينما صراخه يعلو ماما، ماما...
دقت اللاجئة المجنونة صدرها بالحجرين وهي تمر من أمام كنيسة العذراء، وغنّت أغنيتها بصوت حزين:
يا حسرتي حملوا وشالوا، وخلوني وحيدة..
.نزلت الدموع من عيني الأب إيليا وهو يجلس خاشعاً أمام أيقونة العذراء في كنيسة القيامة: ألا ترين ما حل بأبناء وطنك أيتها العذراء القديسة؟ إلى متى يا أم يسوع؟ إلى متى تحجبين عنا بركاتك ورحمتك؟؟
وقال الشيخ عبد الحميد وهو يجلس خاشعاً أيضاً: ربنا لا تُحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين...
أصلحت عايشة العلان من وضع جلستها فوق كيس الخيش وهي تبرم الغزلة...انحدرت دموع طفيفة من مقلتيها، وأخذت تندب بصوت بطئ حزين:
حمرا يا لهيبة وين رحتي بركابك في باب السرايا علقوا لجامك؟
حمرا ومن دبيب النمل حظيـــــتي على فراقهم ليش انتي ذليتي؟
مالك يا حمرا كبيتي في الســهــــل صايبك مسمـار ولا على الأهل؟
مالك يا حمرا كبيتي في المراح صايبك مسمار ولا محمد راح.
أثارت عايشة العلان الحزن في نفس الحاجة ذوابا ومحمد عودة. وكان محمد متشوقا للبكاء منذ لحظات.. لا مس فوهة الناي بشفتيه، وأخذ يعزف لحن النزوح.. انسابت الألحان بين ثنايا الليل.. تكسرت فوق الشعاب والتلال.. تسربت إلى بيوت القرية... فبكى كل من كان يقظاً...

1976 -77

محمود شاهين
02-12-2007, 09:27 PM
كنت أظن أنني لم أنته من نشر هذه القصة .
أريد طاقة خرافية لأنضد لكم قصة جديدة . أحسد كتاب القصة القصيرة جدا ، هل كان من الضروري ان اسير عكس التيار واكتب القصة الطويلة جدا .
على اية حال حضروا مناديل كي تمسحوا دموعكم ، قررت أن أبدا بقصة ( اولادي ) التي سبق وأن نوهت عنها . خايف أنا ايضا أبكي ، لأنني عندما كنت اٌقرأها في الأمسيات الأدبية ، كنت أرى بعض النسوة يبكين .

مصطفى مراد
19-12-2007, 05:47 AM
[color=blue:3ceea61fef][size=24:3ceea61fef] الأخ محمود شاهين،

أجمل التهاني بمناسبة العيد،

كل عام وانت بخير

[img:3ceea61fef]http://www.moq3.com/img/up112007/27765235.gif[/img:3ceea61fef] (http://www.moq3.com/img/)


[/size:3ceea61fef][/color:3ceea61fef]

محمود شاهين
19-12-2007, 09:29 PM
[quote:e091fa3ceb="مصطفى مراد"][color=blue:e091fa3ceb][size=24:e091fa3ceb] الأخ محمود شاهين،

أجمل التهاني بمناسبة العيد،

كل عام وانت بخير

[img:e091fa3ceb]http://www.moq3.com/img/up112007/27765235.gif[/img:e091fa3ceb] (http://www.moq3.com/img/)


[/size:e091fa3ceb][/color:e091fa3ceb][/quote:e091fa3ceb]
[size=24:e091fa3ceb][color=blue:e091fa3ceb]وأنت بألف الف خير عزيزي مصطفى
هذه مفاجاة ركن القصة ![/color:e091fa3ceb][/size:e091fa3ceb]

محمود شاهين
10-01-2008, 08:49 PM
[size=18:c1319b88be][color=blue:c1319b88be] أولادي
( نشيد القدر )
حصار. حصار.. حصار..
ثلاثة أشهر من الحصار المميت ، وأم محمود تتقلب في مخيم الدهيشة على نار . نار حقيقية . ف عقبة وابنه وزوجته محاصرون هناك مع المحاصرين في مخيمات لبنان . لم تعد قادرة على النوم ، حتى أن جفنيها استحالا على الإغلاق ! من اين سيأتيها النوم ؟ وكيف يأتيها < قال نام لاذبحك ، قال شيء يطير النعاس من العينين > وتسمع أن المحاصرين أكلوا لحم الحمير والبغال والقطط والجرذان ، وشربوا البول والماءالآسن . عشرات الأطفال ومئات الرجال والنساء ماتوا جوعا أو قنصا . البيوت تهدمت والناس يتكدسون في الملاجىء دون نور / دون هواء / دون ماء ، دون أي شيء على الإطلاق ! يا ربي !وتلطم أم محمود صفحتي رأسها براحتي يديها ، ثم تزم قبضتيها وتدق صدرها ، وصورة عقبة وزوجته وابنه لا تفارق مخيلتها < يمه يا حبيبي يا نور عيني يا فلذة كبدي يا حشيشة قلبي ، يا مقلتي يا مهجتي يا بسمتي ، أنا أجوع عنكم يمه ، أنا أحفى انا أعرى ، أنا أبرد ، أنا أموت عنكم يمه ، بس الله ما يحرمني من شوفة عيونك وعيون ابنك ورفاقك ، يمه أنا اللقمة ما عادت تنزل روحي يا حبيبي ، وكيف تنزل يمه وانتوا بالجوع والعطش وتحت القصف ، ألله يقف معكم ويحرسكم ويحميكم وينصركم ويكسر عدوينكم يمه ، الله يخلي ليلهم ليل ونهارهم ليل يمه >

... وتطول أيام الحصار . تطول ليطول معها عذاب أم محمود ، ويعجز العالم كله عن إدخال مؤونة ومساعدات إلى المحاصرين . تفقد أم محمود كل مقدرتها وجبروتها على الإحتمال ، فتقرر الذهاب إلى لبنان مصطحبة صفيحتي زيت وزيتون ، وعلبتي حليب وبضعة ارطال من الطحين .
أيقظت ابنتها قبيل الفجر، وخا طبتها بلهجة حاسمة < خلص يا بنتي ما قادر أصبر ، لازم اروح ، إما أحيا معهم وإما أموت معهم >
هبت فاطمة على غير هدى < يا ويلي يا حسرتي كم مرة قطعت هذا الطريق من الدهيشة إلى مخيمات الشتات > غير أن أم محمود لم تجادل ونهضت من فورها قاصدة بيت المختار ليخرج لها تصريح زيارة .
قبلت فاطمة واولادها عشرات القبل ، وراحت توصيها قبل أن تسلم نفسها لسيارة الأجرة التي ستقلها إلى الجسر < يمه يا حبيبتي الدنيا فيها حياة وموت ، ديري بالك على اولادك ، مش كل ما أجت دورية لليهود عالمخيم يطلعولها بلحجار ، الكف ما بيلاطم مخرز يمه ، الأولاد بيرجموا اليهود بلحجار واليهود برموهم بالرصاص ! الله يكسرهم ويهد حيلهم ، ويضيق الدنيا في وجوههم ، يكفي راح فيها جهاد يا بنتي ، بلاش يروح نصر وسرحان . برا وبعيد الموت لعدوينهم إن شاالله >
أسلمت أم محمود جسدها إلى السيارة . انطرحت في المقعد الخلفي وشردت ، شردت ، شردت :
( ألله يرحمك يا بو محمود ويجمعني معك في الجنة ! ألله ما ينسيني اليوم إلي أجو فيه بجثتك محمولة على الكفوف بعد معركة القسطل عام ثمانية واربعين ، قالوا لي إنك استشهدت جنب القائد عبد القادر الحسيني ، اعتزيت فيك يا بو محمود ، ورفعت راسي وزغردت ، مثل ما رفعت راسك لما استشهد أبوك عام ستة وثلاثين . شمخت يا بو محمود شمخت ، وأقسمت أمام جسدك بأن يسير الأولاد على دربك لما تتحرر البلاد .
بعد كم سنة صار محمود رجل مثل الجبل يا بو محمود ، اندلعت الثورة في غزة ، أطلعت بارودتك من المخبأ وقلت له < يله يا ابني على درب أبوك ، تأخرت كثير ! إن استشهدت ابنك بيكمل طريقك ، الله يحرسك ويوقف معك >
وبوسته وودعته ، وراح يا بو محمود . راح . غاب غاب وما رجع . سنة سنتين وما رجع ، صارت حرب الستة وخمسين وخلصت الحرب وما رجع ، وانسحب اليهود من غزة وما رجع ، قلت راح فيها يا بو محمود ، وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ،
قلت اروح أدور عليه ، سافرت لمصر ومن مصر لغزة يا بو محمود ، شو بدي أحكيلك لحكيلك يا بو محمود ، دورت ، سألت ، استفسرت ، دلوني على شاب كان رفيقه ، رحب فيه وصار يبكي يا بو محمود ، . قلت له :< لا تبكي يا بني ألله يرضى عليك ، أنا حاسة أنه محمود بسلامته استشهد بس بدي أطمئن يا ابني ، إن كان محمود رجل ، إن كان بطل ، إن كان جبل مثل الجبل يا ابني ، ولا كان نذل وطى راس أمه ؟! >
ومد الشاب إيده إليه وصرخ فيه < كان محمود أسد ابن أسد ، بزنده يشيل جمل ، وبصدره ينطح بلد ، ابسمته يطل الفجر ، ابضحكته يزخ الفرح ، وبخطوته يهز الأرض ، بجلسته يحل الأنس ، بغيبته يعم الحزن وبطلته يقبل مدد يقبل مدد >
وزغردت يا بو محمود ، وزغردت يا بو محمود، وزغردت يا بو محمود . قلت للشب < وين استشهد يا ابني > ؟
أخذني للصحرا يا بو محمود . وقف جنبي وأشار لرجوم كثيرة فيها . قال لي < شايفة هذي الرجوم يا خالتي > قلت < شايفها يا بني > قال < هذي كلها قبور دفن فيها اليهود آلاف الشباب > وسكتت يا بو محمود وراح الشاب يحكي :
< كان اليهود يجمعوا كل يوم مئات الشباب ، ويوخذوهم إلى أماكن مجهولة يا خالتي ، وفي يوم واحد أخذوا ألف وثمانمية شاب ، كان محمود بينهم ، محمود ما يستسلم ، لكنه كان مصاب بجروح خطيرة ، أخذوه من البيت إلي وجدوه فيه ، ومرت شهور وما عاد حدا من الشباب ، وما عاد حدا من إلي اخذوهم قبلهم وبعدهم . وبعد انسحاب اليهود من القطاع ، عثر أحد الناس على ساق اصطناعية تبرز من رمال الصحراء . كانت مياه الأمطار قد أزاحت الرمل عنها . كان صاحب هذه الساق واحد من الألف وثمانمية يا خالتي . هرع الناس وحفروا ، لقيوا مئات الجثث ، وراحوا يبحثون إلى أن عثروا على كافة القبور الجماعية المطمورة على آلاف الجثث المتآكلة . بنوا عليها هذه الرجوم وتركوها . في هذه الصحراء يرقد آلاف الشهداء يا خالتي ، وابنك محمود من بينهم . >
آه يا بو محمود ! بتعرف قلب الأم يا بو محمود ، ما اعرفت إلا أبكي . قلت للشب خذني لواحد من هالرجوم يا بني . أخذني يا بو محمود . ذرفت عليه دمعتين . وزرعت جنبه شتلة برية ، وسقيته مي ، وحطيت عليه مصحف صغير . ورحت .. ورجعت يا بو محمود . رجعت عالضفة يا بو محمود . آه يا بو محمود ، شو بدي أحكيلك لحكيلك يا بو محمود ، لو تعرف كديش أم محمود تعبت وشقيت وعانت بعدك يا بو محمود ، لو تعرف كديش كان الثمن غالي ، كديش كان الثأر .. كديش كان الوطن يا بو محمود >؟
***************
يتبع .[/color:c1319b88be][/size:c1319b88be]

محمود شاهين
11-01-2008, 08:53 PM
[size=18][color=blue:f7d9092aa0] تنويه : أشرت في ردود سابقة إلى أن القصة مفجعة جدا . يفضل عدم متابعتها
من قبل العاطفيين جدا وضعاف القلوب ومن يعانون من أزمات قلبية .
××××××××××××
تنبهت أم محمود إلى صوت السائق ينبهها إلى انهم وصلوا الجسر . ألقى جنود الإحتلال نظرات متفحصة على صفيحتي الزيت والزيتون وعلبتي الحليب . مر كل شيء بسلام . استقلت أم محمود سيارة أخرى إلى عمان . القت نفسها في المقعد وشردت ، شردت كما في السابق :
( ايه يا بو محمود. لما رجعت ، قلت لأحمد تعال ! أجا يا بو محمود . قال لي : عارف شو بدك تقولي لي يمه . قلت له: طيب يمه ألله يرضى عليك وينصرك ، دبر لحالك بارودة ، واتبع درب أبوك وأخوك . إن استشهدت ، ابنك بيكمل طريقك .
وراح يا بو محمود . غاب غاب غاب ورجع . ورد غاب غاب غاب ورجع . ورد غاب غاب غاب وما رجع يا بو محمود . رحت دورت سألت ، بحثت . اتقصيت . إعرفت إنه واحد من إلي أسسوا الثورة الجديدة يا بو محمود ، وعرفت يا بو محمود ، إنه أول بسمه ، أول شمعة ، أول نقطة دم ، أول دمعة ، أول حصاد ، أول شهيد للثورة يا بو محمود . وزغردت وزغردت وزغردت ورقصت وغنيت ودبكت يا بو محمود . يو على قلبك يا بو محمود ، ليش بتبكي يا بو محمود ، ليش بتبكي يا بو محمود ؟! ابتسم اضحك افرح غني يا بو محمود ، رفاق أحمد بنوا له صرح كبير وخطوا عليه بدم قلوبهم ( هذا ضريح البطل الشديد ، هذا ضريح القمر ، هذا ضريح النهر ، هذا ضريح أول شهيد للثورة الفلسطينية المعاصرة )
.. وتنبهت أم محمود إلى السائق والركاب يسألونها ( لماذا تبكين يا خالة ، لماذا تبكين ؟!)
همست ببضع كلمات وهي تمسح دموعها ( ما فيه شي يمه مافيه شي سلامتكم )
وصلت السيارة محطة السفر في عمان . أسلمت أم محمود نفسها لأول سيارة واجهتها قاصدة الشام . وما أن انطلقت حتى عادت إلى شرودها .
( ايه يا بو محمود ، الأيام مرت والسنين مرت والعمر كله مر ، مر حامل الموت المغمس بالدم ، الدم يا بو محمود ، الدم !!لما رجعت ، جئت لعلي ، قلت له : روح اتبع درب أبوك واخوتك يمه ، إن استشهدت ابنك بيكمل طريقك ! راح مسرور يا بو محمود . قلت له : روح يا بني الله يسهلها في وجهك ، ويجعل لك في كل طريق رفيق .
.. وراح يا بو محمود . غاب غاب ورجع . وبعدين غاب غاب وصارت حرب السبعة وستين ورجع . وبعدين غاب غاب وصارت معركة الكرامة وما رجع يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، بتعرف قلب الأم يا بومحمود . قلت لازم أروح . رحت يا بو محمود . رحت للكرامة يا بو محمود ، وبس عرفوا الشباب إني أم رفيقهم علي ، حطوني بعيونهم يا بو محمود ، وأخذوني لعند أبو عمار . قال لي : ارفعي راسك يا أم محمود ! قلت له ( راسي بعون الله وعون اولادي مرفوع يا بو عمار ) قال : علي كان الشهامة ، كان النخوة والكرامة ، علي كان بطل معركة الكرامة ، بزنده دمر خمس دبابات ، وأعطب ست مصفحات ، ويومن شحت الذخيرة ، عمل من جسمه لغم ، وقفز من فوق رجم ، في برج دبابة !!
وزغردت يا بو محمود ، ورقصت يا بو محمود ، ليش بتبكي يا بو محمود ، عيب عليك يا زلمه ، زعلتني منك والله ، أيوه ابتسم ، افرح يا بو محمود ، لأن الحزن ما رايح يخلي للفرح مطرح يا بو محمود ، لأن الحزن ما رايح يخلي للفرح مطرح يا بو محمود !
< لماذا تبكين يا خاله ؟ لماذا تبكين ؟ >
< ما فيه شي يا خاله ما فيه شي>
< إلى أين تذهبين يا خاله ؟ >
< إلى بيروت يا خالتي >
< لك أقارب في بيروت ؟>
< ابني يا خالتي >
< ألله يخلي لك إياه . شو بشتغل ؟>
< فدائي مع الثورة يا خالتي >
< فدائي ؟!>
< آه فدائي يا خالتي ! >
< لعله مع المحاصرين في المخيمات ؟>
< آه يا خالتي مع المحاصرين >
< الله يكون في عونك يا خالتي >
< وعونك يا ابني >
**********
اجتازت السيارة الحدود الأردنية السورية . انزوت أم محمود إلى جانب النافذة اليسرى في المقعد الخلفي . النافذة التي اعتادت دائما أن تنزوي إلى جانبها في رحلات البحث الطويلة المضنية عن أبنائها . صالبت يديها على صدرها ، وغرقت في شرودها .
أيه يا بو محمود . لما رجعت ، جئت لحسن . قال لي: قديمة يمه ، أنا التحقت بالثورة قبل ما تطلبي مني . لكن إذا استشهدت ، قولي لابني يتبع طريقي . قلت له روح يا بني ، عين الله تحرسك في كل خطوة تمشيها ، روح .
وراح يا بو محمود ، غاب غاب وما رجع . وصار أيلول الأسود وما رجع . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، بتعرف قلب الأم يا بو محمود . دورت . سألت . لقيته بطلع مع رفاقه من عمان . الفدائيين في الشاحنات يا بو محمود بيلوحوا ابواريدهم ، والنسوان على جناب الشوارع ، يودعنهم بالزغاريد والدموع . ، ونثر الرز على روسهم يا بو محمود . شفته في شا حنة : صرخت له : حسن يمه يا حبيبي ! شافني يمه على جنب الشارع . صرخ للشفير يوقف . وقف . نزل يا حبيبي . بوسته وبوسته يا بو محمود . قال: يمه يمه ، انت بدك تمضي عمرك تدوري علينا . إحنا رجال يمه ،ونذرنا حالنا للبلاد يمه . قلت له : قلب الأم ما هو حجر يمه . قال : ما عليك ، سلمي على مرتي وبوسي لي اولادي . وما تنسي الأهل والأحباب وما تظلي تدوري علي ـ أنا بخير يمه .
حسيت بالخوف يا بو محمود . عشرين ألف ضحية راحوا في أيلول يا بو محمود . وعمان صارت دمار . دمار يا بو محمود . حسيت بالخوف لما ما شفت في عيون النسوان إلا الحزن والدموع . قلت له : على وين رايحين يمه ؟ قال لي : على الأحراش . قلت له : يمه أنا خايفة يستفردوا العدوين فيكم في الحراش . قلبي ناخزني وقلب الأم ما بيكذب يا بني . قال : ما تخافي يمه ، كل الشعب العربي معنا !
قلت له : في حفظ الله ياولدي . عيوني ترعاك ، والنبي يثبت خطاك ، ونجوم السما ترجم عداك .
ورجعت يا بو محمود . رجعت للضفة يا بو محمود . ونقطعت أخباره يا بو محمود . وصارت مجازر الأحراش وخباره مقطوعة يا بو محمود . ولي خفت منه صار يا بو محمود . حرقوا الحراش على رؤوس الفدائيين يا بو محمود . طيارات من السما ومدافع من الأرض يا بو محمود . وانسحب حوالي مائة فدائي من الحراش وعبروا النهر مستسلمين لليهود يا بو محمود . قالت لي فاطمة : لعل حسن معهم يمه ؟ قلت لها: حسن ما يستسلم يمه ، حسن إما ينتصر وإما يستشهد ، مثل أبوه واخوته .
وظلت أخباره مقطوعة يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، بتعرف قلب الأم . رحت أدور يا بو محمود ، كديش بدي أدور لدور يا بو محمود ، وكديش قلبي بده يتحمل يا بو محمود ، هوه قلبي صخر ولا بحر ولا محيط يا بو محمود ، كديش بده يتحمل يا بو محمود ؟ وتحمل يا بو محمود !كان قلبي صخر كان بحر كان محيط يا بو محمود ، وتحمل يا بو محمود ، لكن يا ترى بده يتحمل هالمرة ، إذا لا سمح الله رحلت عيون عقبة يا بو محمود ، عيون عقبة ما تفارق عيوني يا بو محمود ، والبسمة إلي كانت دايما تهفهف على ثمه ما تغيب عن بالي يا بو محمود .
رحت لعمان يا بو محمود . دورت ، سألت ، بحثت ، لقيت رفيق إله يا بو محمود . قال لي : حسن كان بطل يا أم محمود ، وظل يدافع عن جثمان القائد أبو علي إياد حتى استشهد جنبه !
وزغردت يا بو محمود . والله زغردت ، لكن بس مرة وحدة يا بو محمود . ما قدرت أزغرد غيرها يا بو محمود . قلت له : خذني يا بني على الحراش حتى أشم ريحة الأرض إلي استشهد عليها حسن . قال لي : على راسي وعيني يا خالتي .
ورحنا يا بو محمود . قادني الشب لبعض الصخور يا بو محمود . قال لي : بين هذه الصخور استشهد حسن وعشرات الفدائيين يا خالتي . كانت عظام كثيرة وجماجم تتناثر بين الصخور . رحت أحدق فيها يا بو محمود . لمحت ساق حسن يا بو محمود!
كان حسن يحمل ندبا في ساقه من جراء سقوطه عن السقيفة وهو صغير . عرفت الندب يا بو محمود . رفعت عظم الساق وحضنته وبوسته يا بو محمود ، وبعدين فرعت راسي وكشفت صدري لألله ، ورفعت ايدي للسما ، ودعيت عالظالم ربي يذله ويشنع فيه !
يو ليش بتبكي يا بو محمود ؟
< وصلنا الشام يا خاله ، الحمد لله على السلامه >
< الله يسلمك يا خالتي >
*****************[/color:f7d9092aa0][/size:f7d9092aa0]

يعقوب احمد يعقوب
11-01-2008, 09:06 PM
[size=24:d15d3edef1] الاخ محمود
الم مقدس
جرح لا ينام
صور من الكابوس الذي لا ينتهي
سلمت رسولا يعيد الذاكره من غيابها
مودتي[/size:d15d3edef1]

محمود شاهين
12-01-2008, 09:12 PM
[quote:7bb40ebf4e]
الاخ محمود
الم مقدس
جرح لا ينام
صور من الكابوس الذي لا ينتهي
سلمت رسولا يعيد الذاكره من غيابها
مودتي[/quote:7bb40ebf4e]
ألف شكر عزيزي يعقوب

محمود شاهين
12-01-2008, 09:14 PM
[size=18:a7b163caab][color=blue:a7b163caab]لحقت أم محمود آخر سيارة متجهة إلى بيروت . ألقت نفسها في زاويتها المفضلة ، وغرقت في شرودها كما في كل مرة :
( أيه يا بو محمود . رجعت للضفة . جيت لشاهين . قلت له ما قلته لإخوته يا بو محمود . حمل حاله وراح . وغاب غاب غاب ونقطعت أخباره يا بو محمود . صارت حرب رمضان وخباره مقطوعة يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود . قلت لفاطمة ، لازم أروح أشوف أخوك يمه . رحت يا بو محمود . ليش بتبكي يا بو محمود .؟! تظن أنني وجدته شهيد ؟ لا لم يستشهد شاهين في حرب رمضان يا بو محمود . ابتسم بالله عليك وما تبكي . ول يا زلمه ! قعدت عنده شهر ورجعت يا بو محمود . ونقطعت أخباره مرة ثانية يا بو محمود . وصارت حرب لبنان ، وصار حصار تل الزعتر ، وخباره مقطوعة يا بو محمود . وطلعوا الناس من تل الزعتر بعد حصار دام شهرين ، لكن أخباره ظلت مقطوعة يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود! ثلاثة آلاف شهيد كانوا ضحايا تل الزعتر يا بو محمود . ست آلاف عين انطفت يا بو محمود ، وست آلاف ايد انقطعت يا بو محمود ، وست آلاف رجل انبترت يا بو محمود . وكل نقطة مي دفع الفلسطينيين ثمنها نقطة دم يا بو محمود . يو يا بو محمود ، قوي قلبك يا بو محمود ، عيب تبكي وانته شهيد يا بو محمود . < أم محمود أم محمود أم محمود >!!قلت لك قوي قلبك يا بو محمود ! < استشهد شاهين يا أم محمود > ؟ وليش بتسأل يا بو محمود ؟ ما هياتني بحكيلك يا بو محمود ، خليك ساكت يا بو محمود !!
رحت يا بو محمود . ونا داخله بيروت بالتاكسي . شفت صورة شب على الحيطان . عيونه مثل عيون شاهين . لكن كان إله لحية . شاهين ما كان إله لحيه يا بو محمود .
حسيت إنه بيطلع فيه . ما قدرت أشيل نظراتي عنه . وكل ما عبرت السيارة شارع جديد ، رحت أدور بعيوني على صاحب الصورة الملزقة على الحيطان . كنت بدي أقول لشفير التاكسي يوقف وينزلني . لكن قلت أكيد رايحة أشوف صوره مطرح ما بينزلني التاكسي .
وصلنا . نزلت . كانت صور الشاب املية الحيطان يا بو محمود . قربت لصورة منها . بحلقت في عينين الشب ، وبحلق هوه في عينيه . قلت هذا شاهين ! إذا ما كانت هذي صورة شاهين ما أكون أنا أمه إلي رضعته من حليبي ، لكن يا ابني يا حبيبي ليش ملزقين صوره على الحيطان ؟ ومنشان أتأكد يا بو محمود ، وقفت بنت كانت تحمل باروده وتمر من جنبي . سألتها : صورة مين هذي يا بنتي وليش ملزقينها على الحيطان ؟! اندهشت البنت وتطلعت لي باستغراب وسألتني : ما بتعرفي مين صاحب هاي الصورة يا خاله ؟! قلت لها : حاسة إني بعرفها بس بدي أتأكد . قالت : هذي صورة الشهيد شاهين بطل تل الزعتر !!!!
آه آه آه يا بو محمود ، آه يا بو محمود ! حسيت حالي بدي أسقط ، لكني تمالكت حالي على بين ما زغردت ، وزغرودتي تختنق بالحزن والبكا ، وبعدين وقعت عالأرض يا بو محمود من غير ما أدري . لما صحيت لقيت حالي في المستشفى ، والشباب من حوالي يحملوا صور شاهين .
حكوا لي عن بطولة شاهين . وحكوا لي عن تل الزعتر ما يشيب روس الأطفال يا بو محمود ،
**************
توقفت السيارة لبعض الوقت على الحدود السورية اللبنانية . وما أن تجاوزتها حتى استأنفت أم محمود شرودها :
( أيه يا بو محمود . عد معي ! محمود بسلامته استشهد . أحمد ؟ استشهد . علي ؟ استشهد . حسن ؟ استشهد . شاهين ؟ استشهد . مين ظل ؟ اسحق وعقبة ! أيوه يا بو محمود ، اسحق وعقبه ! رايحة أظل معك حتى أسلمك أمانتك يا بو محمود ! < أم محمود ، لا غير معقول أن يسشتشهد اسحق أيضا غير معقول !> ألم تكن هذه رغبتك يا بو محمود ، ألم توصيني بأن يسير الأولاد على دربك حتى تتحرر البلاد ؟! هل نسيت يا بو محمود ؟! قوي قلبك ، خليه مثل الصخر ، مثل الحديد ، مثل الفولاذ يا بو محمود .
لما رجعت . قلت لإسحق ما قلته لإخوته يا بو محمود . وراح يا بو محمود . غاب غاب غاب ونقطعت أخباره . صارت حرب الثمانية وسبعين مع اليهود وما أجا شي
من اخباره ، وصارت حرب الثمانين وما أجا شي من اخباره . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود . قلت أروح ادور عليه . رحت . لقيته صار زابط كبير يا بو محمود . يا ابني يا حبيبي . قال لي < أنا لن استشهد مثل اخوتي وأبي يا امي ـ أنا سأحقق النصر > ! يا ابني يا حبيبي يا روح أمك وعينها ، انشا الله يا حبيبي . < طبعا ولم يستشهد فيما بعد يا أم محمود ؟ > يو يا بو محمود ليش بتقاطعني ؟ وليش بتقاطعني يا بو محمود ؟! < كم حرب صارت بعدي يا أم محمود > ؟ كثير يا بو محمود ! ما تقاطعني ! ألله يهنيك في الجنة يا بو محمود !!
ورجعت للضفة يا بو محمود . انقطعت أخباره كمان سنتين يا بو محمود . وصارت أكبر حرب مع اليهود في الثنين وثمانين يا بو محمود . وتحاصرت بيروت . ثلث شهور وبيروت تحت الحصار يا بو محمود . الطيارات ترميها من السما ، والبوارج من البحر ، والمدافع من الأرض يا بو محمود .قطعوا المي ، قطعوا النور . سمموا الهوا ، قطعوا الغذا ، منعوا الدوا من الدخول لبيروت يا بو محمود . آه يا بو محمود . عيونا صارت عبيروت ، وقلوبنا صارت مع بيروت ، ودموعنا كل دموعنا صارت لبيروت ، قلت راح فيها الولد السادس يا بو محمود ، وقلت من كل قلبي : فدوى فدوى فدوى ، اسحق فدوى عيونك يا بيروت .
وانخذلنا يا بو محمود ، انخذلنا يا بو محمود ، وطلعوا الفدائية من بيروت مثل ما طلعوا من عمان قبل اطنعشر سنة يا بو محمود . تودعوا بالدموع الحارة والزغاريد وحفنات الرز والرصاص كمان يا بو محمود . حملهم البحر عظهره يا حبة عيني
، او وداهم البحر لبعيد لبعيد لبعيد ، ، نخزني قلبي ، دعيت عالبحر يا بو محمود ! قلت : ربي يجفف ميتك إذا غدرت فيهم ! < وغدر فيهم يا أم محمود > ؟ لا يا بو محمود ، البحر ما غدر فيهم ، هم غدروا بحالهم يا بو محمود ! غدروا بحالهم يا بو محمود !!
< كيف غدروا بحالهم ؟ ما تعلموا من غدرة الحراش يا أم محمود ؟ > لأ ما تعلموا يا بو محمود . خذلتهم قياداتهم ، وخذلوهم العرب ، العرب يا بو محمود ! لكن ليش بتقاطعني يا بو محمود ، ليش بتقاطعني يا بو محمود . اسمع اسمع يا بو محمود !
يتبع [/color:a7b163caab][/size:a7b163caab]

محمود شاهين
13-01-2008, 09:27 PM
[size=18:3ff4a37c44][color=blue:3ff4a37c44]< طيب قولي لي ، اسحق راح معهم ؟ > لأ يا بو محود ، اسحق مثل أخوته ومثلك ، ما بيعرف إلا النصر أو الشهاده . < ألله يرضى عليه وينصره ، أين راح إذن ؟ >
ظل في صبرا وشاتيلا يابو محمود . < يعني ما استشهد في الحرب ؟> لأ يا بو محمود ، ما استشهد في الحرب ، لكن ! < لكن ماذا يا أم محمود ؟ > صارت مجزرة يا بو محمود ، قام فيها اليهود وزلامهم بعد ما خلت المخيمات من المدافعين عنها . < الجبناء ، الهمج ، الأوغاد !! > انجنيت لما سمعت الخبر يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود !! قلت أروح أتطمن عالولد، أشوف وين صارت أخباره . جيت لبيروت . كم مرة جيت لبيروت يا بو محمود ، وكم مرة بدي أيجي ؟ آه يا بو محمود ، ناس قالوا ، ضحايا المجزرة أربعة آلاف . وناس قالوا لي سبعة .وناس قالوا لي عشرة . أوصال قطعت ، بطون حوامل بقرت . ، عيون فقئت ، قلوب طعنت . أكباد طحنت ، ورؤوس يا بو محمود ، رؤوس بترت ، قوي قلبك يا بو محمود ، قوي قلبك . رحت أسأل عن اسحق يا بو محمود . لقيت كل الناس بيعرفوه يا بو محمود . قالوا لي < يا مرحبا بأم البطل يوم عزوا علينا الرجال . اسحق وحده قاد الدفاع عن المخيمات ، وظل يتلقى الرصاص بصدره ، حتى استشهد يا خاله . صورته محفورة في قلوبنا ، موشومة على زنودنا ، منقوشة في عقول جيالنا ، اسحق كان ابنا ، واستشهد ابنا ، ورايح يظل ابنا ، إبنا إبنا > !!!
حاولت أزغرد ، لكني ما قدرت يا بو محمود . خنقني النحيب ، وغبت عن الوعي يا بو محمود ، ابك معلش ، البكا يخفف الهم يا بو محمود !!!!
سحبت حالي ورجعت للضفة يا بو محمود . لقيت عقبة واقف بستنا فيه . إطلعت فيه يا بو محمود ، اطلعت فيه يا بو محمود ، وطفرت الدموع من عيني ، ما قدرت أحكي ولا كلمة يا بو محمود . قل لي هوه الموت قدرنا يا بو محمود ؟ ليش ما ترد يا بو محمود ؟ طيب يا بو محمود !!! مسك عقبة ذرعاني بيديه ، وحدق في عيني ، ما قدرت أحكي يا بو محمود ، لا من ثمي ولا من كمي . هزني هزني هزني ، وما قدرت إلا أبكي وأبكي يا بو محمود . سألني < اسحق استشهد ؟ > ما رديت . صرخ فيه كمان مرة ، < ردي عليه > ما رديت ! ما قدرت أرد يا بو محمود . صرخ . قال : < أنا رايح أستشهد ، خلي ابني لما يكبر يستشهد مثلي ، خليه يدمر ، خليه ينسف ، خليه يحرق ، ما بدي يكون في قلبه ولا مقدار ذرة من الرحمة والشفقة ، خليه ما يوري اليهود إلا الموت ، الدم الأحمر !!>
ما قلت لك إن الموت صار قدرنا يا بو محمود . كنت بدي أصرخ وأصرخ يا بو محمود ، لكن لساني انخرس ، صرت عاجزة عن النطق يا بو محمود . < وخليتيه يروح يا أم محمود ؟ > خليته يروح يا بو محمود ، منشان العدا ما يقولوا ، إن محمود هربت من قدرها ، ومنشان ما يقولوا ، إن أم محمود انهزمت وإرادتها تحطمت ، وتراجعت عن قرارها إلي حفرته عظهر قلبها من يوم ما استشهد جوزها ، وخليته يروح منشان أنفذ وصيتك يا بو محمود !
< تسلمي تسلمي يا أم محمود ، ويظل راسك مرفوع ، وتظل قامتك شامخة شامخة ، لتصير أكبر من كل الدنيا يا أم محمود >
يتبع . [/color:3ff4a37c44][/size:3ff4a37c44]

محمود شاهين
30-01-2008, 09:14 PM
يا عيني يا ليل
طلع لي قصة عبر البحث ! عظيم !

محمود شاهين
30-01-2008, 09:20 PM
قلت لعلني أجد باقي القصص!
للأسف لا . ربما ذهبت في زيارة !
بعدين كان عدد الدخلات كما هو مسجل عندي 7133 بتاريخ 21-9
للأسف رجع للوراء !!

مريم محمود العلي
31-01-2008, 06:09 PM
الاستاذ محمود شاهين
قرأت النص الأول
شعرت اني أقرأ رواية
استمتعت بالقراءة
لكن حبذا لو ان كل نص كان على حدا
على كل حال سأعود لقراءة بقية النصوص
لأنها فعلا تستحق القراءة
كل الشكر والتقديلر لك
تحياتي

محمود شاهين
04-02-2008, 12:31 AM
الاستاذ محمود شاهين
قرأت النص الأول
شعرت اني أقرأ رواية
استمتعت بالقراءة
لكن حبذا لو ان كل نص كان على حدا
على كل حال سأعود لقراءة بقية النصوص
لأنها فعلا تستحق القراءة
كل الشكر والتقديلر لك
تحياتي
جزيل شكري عزيزتي
لكن اين باقي النصوص أنا لم اعثر عليه. ويبدو أنني لن أجيد التعامل مع الموقع الجديد.

محمود شاهين
05-02-2008, 09:19 PM
العوض على إلي عليه العوض ! ( أنا طبعا )
سأعيد نشر القصص المفقودة وسأبدأ بنشر آخر قصة ( أولادي ) التي لم تكتمل حين بدا تغيير السيرفر.
مع عذري للزملاء عن التأخير .

محمود شاهين
05-02-2008, 09:29 PM
القصة مفجعة جدا . يفضل عدم قراءتها ممن قد يزعجهم الموضوع.

أولادي
( نشيد القدر )


حصار. حصار.. حصار..
ثلاثة أشهر من الحصار المميت ، وأم محمود تتقلب في مخيم الدهيشة على نار . نار حقيقية . ف عقبة وابنه وزوجته محاصرون هناك مع المحاصرين في مخيمات لبنان . لم تعد قادرة على النوم ، حتى أن جفنيها استحالا على الإغلاق ! من اين سيأتيها النوم ؟ وكيف يأتيها < قال نام لاذبحك ، قال شيء يطير النعاس من العينين > وتسمع أن المحاصرين أكلوا لحم الحمير والبغال والقطط والجرذان ، وشربوا البول والماءالآسن . عشرات الأطفال ومئات الرجال والنساء ماتوا جوعا أو قنصا . البيوت تهدمت والناس يتكدسون في الملاجىء دون نور / دون هواء / دون ماء ، دون أي شيء على الإطلاق ! يا ربي !وتلطم أم محمود صفحتي رأسها براحتي يديها ، ثم تزم قبضتيها وتدق صدرها ، وصورة عقبة وزوجته وابنه لا تفارق مخيلتها < يمه يا حبيبي يا نور عيني يا فلذة كبدي يا حشيشة قلبي ، يا مقلتي يا مهجتي يا بسمتي ، أنا أجوع عنكم يمه ، أنا أحفى انا أعرى ، أنا أبرد ، أنا أموت عنكم يمه ، بس الله ما يحرمني من شوفة عيونك وعيون ابنك ورفاقك ، يمه أنا اللقمة ما عادت تنزل روحي يا حبيبي ، وكيف تنزل يمه وانتوا بالجوع والعطش وتحت القصف ، ألله يقف معكم ويحرسكم ويحميكم وينصركم ويكسر عدوينكم يمه ، الله يخلي ليلهم ليل ونهارهم ليل يمه >

... وتطول أيام الحصار . تطول ليطول معها عذاب أم محمود ، ويعجز العالم كله عن إدخال مؤونة ومساعدات إلى المحاصرين . تفقد أم محمود كل مقدرتها وجبروتها على الإحتمال ، فتقرر الذهاب إلى لبنان مصطحبة صفيحتي زيت وزيتون ، وعلبتي حليب وبضعة ارطال من الطحين .
أيقظت ابنتها قبيل الفجر، وخا طبتها بلهجة حاسمة < خلص يا بنتي ما قادر أصبر ، لازم اروح ، إما أحيا معهم وإما أموت معهم >
هبت فاطمة على غير هدى < يا ويلي يا حسرتي كم مرة قطعت هذا الطريق من الدهيشة إلى مخيمات الشتات > غير أن أم محمود لم تجادل ونهضت من فورها قاصدة بيت المختار ليخرج لها تصريح زيارة .
قبلت فاطمة واولادها عشرات القبل ، وراحت توصيها قبل أن تسلم نفسها لسيارة الأجرة التي ستقلها إلى الجسر < يمه يا حبيبتي الدنيا فيها حياة وموت ، ديري بالك على اولادك ، مش كل ما أجت دورية لليهود عالمخيم يطلعولها بلحجار ، الكف ما بيلاطم مخرز يمه ، الأولاد بيرجموا اليهود بلحجار واليهود برموهم بالرصاص ! الله يكسرهم ويهد حيلهم ، ويضيق الدنيا في وجوههم ، يكفي راح فيها جهاد يا بنتي ، بلاش يروح نصر وسرحان . برا وبعيد الموت لعدوينهم إن شاالله >
أسلمت أم محمود جسدها إلى السيارة . انطرحت في المقعد الخلفي وشردت ، شردت ، شردت :
( ألله يرحمك يا بو محمود ويجمعني معك في الجنة ! ألله ما ينسيني اليوم إلي أجو فيه بجثتك محمولة على الكفوف بعد معركة القسطل عام ثمانية واربعين ، قالوا لي إنك استشهدت جنب القائد عبد القادر الحسيني ، اعتزيت فيك يا بو محمود ، ورفعت راسي وزغردت ، مثل ما رفعت راسك لما استشهد أبوك عام ستة وثلاثين . شمخت يا بو محمود شمخت ، وأقسمت أمام جسدك بأن يسير الأولاد على دربك لما تتحرر البلاد .
بعد كم سنة صار محمود رجل مثل الجبل يا بو محمود ، اندلعت الثورة في غزة ، أطلعت بارودتك من المخبأ وقلت له < يله يا ابني على درب أبوك ، تأخرت كثير ! إن استشهدت ابنك بيكمل طريقك ، الله يحرسك ويوقف معك >
وبوسته وودعته ، وراح يا بو محمود . راح . غاب غاب وما رجع . سنة سنتين وما رجع ، صارت حرب الستة وخمسين وخلصت الحرب وما رجع ، وانسحب اليهود من غزة وما رجع ، قلت راح فيها يا بو محمود ، وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ،
قلت اروح أدور عليه ، سافرت لمصر ومن مصر لغزة يا بو محمود ، شو بدي أحكيلك لحكيلك يا بو محمود ، دورت ، سألت ، استفسرت ، دلوني على شاب كان رفيقه ، رحب فيه وصار يبكي يا بو محمود ، . قلت له :< لا تبكي يا بني ألله يرضى عليك ، أنا حاسة أنه محمود بسلامته استشهد بس بدي أطمئن يا ابني ، إن كان محمود رجل ، إن كان بطل ، إن كان جبل مثل الجبل يا ابني ، ولا كان نذل وطى راس أمه ؟! >
ومد الشاب إيده إليه وصرخ فيه < كان محمود أسد ابن أسد ، بزنده يشيل جمل ، وبصدره ينطح بلد ، ابسمته يطل الفجر ، ابضحكته يزخ الفرح ، وبخطوته يهز الأرض ، بجلسته يحل الأنس ، بغيبته يعم الحزن وبطلته يقبل مدد يقبل مدد >
وزغردت يا بو محمود ، وزغردت يا بو محمود، وزغردت يا بو محمود . قلت للشب < وين استشهد يا ابني > ؟
أخذني للصحرا يا بو محمود . وقف جنبي وأشار لرجوم كثيرة فيها . قال لي < شايفة هذي الرجوم يا خالتي > قلت < شايفها يا بني > قال < هذي كلها قبور دفن فيها اليهود آلاف الشباب > وسكتت يا بو محمود وراح الشاب يحكي :
< كان اليهود يجمعوا كل يوم مئات الشباب ، ويوخذوهم إلى أماكن مجهولة يا خالتي ، وفي يوم واحد أخذوا ألف وثمانمية شاب ، كان محمود بينهم ، محمود ما يستسلم ، لكنه كان مصاب بجروح خطيرة ، أخذوه من البيت إلي وجدوه فيه ، ومرت شهور وما عاد حدا من الشباب ، وما عاد حدا من إلي اخذوهم قبلهم وبعدهم . وبعد انسحاب اليهود من القطاع ، عثر أحد الناس على ساق اصطناعية تبرز من رمال الصحراء . كانت مياه الأمطار قد أزاحت الرمل عنها . كان صاحب هذه الساق واحد من الألف وثمانمية يا خالتي . هرع الناس وحفروا ، لقيوا مئات الجثث ، وراحوا يبحثون إلى أن عثروا على كافة القبور الجماعية المطمورة على آلاف الجثث المتآكلة . بنوا عليها هذه الرجوم وتركوها . في هذه الصحراء يرقد آلاف الشهداء يا خالتي ، وابنك محمود من بينهم . >
آه يا بو محمود ! بتعرف قلب الأم يا بو محمود ، ما اعرفت إلا أبكي . قلت للشب خذني لواحد من هالرجوم يا بني . أخذني يا بو محمود . ذرفت عليه دمعتين . وزرعت جنبه شتلة برية ، وسقيته مي ، وحطيت عليه مصحف صغير . ورحت .. ورجعت يا بو محمود . رجعت عالضفة يا بو محمود . آه يا بو محمود ، شو بدي أحكيلك لحكيلك يا بو محمود ، لو تعرف كديش أم محمود تعبت وشقيت وعانت بعدك يا بو محمود ، لو تعرف كديش كان الثمن غالي ، كديش كان الثأر .. كديش كان الوطن يا بو محمود .

يتبع

محمود شاهين
05-02-2008, 09:38 PM
تنبهت أم محمود إلى صوت السائق ينبهها إلى انهم وصلوا الجسر . ألقى جنود الإحتلال نظرات متفحصة على صفيحتي الزيت والزيتون وعلبتي الحليب . مر كل شيء بسلام . استقلت أم محمود سيارة أخرى إلى عمان . القت نفسها في المقعد وشردت ، شردت كما في السابق :
( ايه يا بو محمود. لما رجعت ، قلت لأحمد تعال ! أجا يا بو محمود . قال لي : عارف شو بدك تقولي لي يمه . قلت له: طيب يمه ألله يرضى عليك وينصرك ، دبر لحالك بارودة ، واتبع درب أبوك وأخوك . إن استشهدت ، ابنك بيكمل طريقك .
وراح يا بو محمود . غاب غاب غاب ورجع . ورد غاب غاب غاب ورجع . ورد غاب غاب غاب وما رجع يا بو محمود . رحت دورت سألت ، بحثت . اتقصيت . إعرفت إنه واحد من إلي أسسوا الثورة الجديدة يا بو محمود ، وعرفت يا بو محمود ، إنه أول بسمه ، أول شمعة ، أول نقطة دم ، أول دمعة ، أول حصاد ، أول شهيد للثورة يا بو محمود . وزغردت وزغردت وزغردت ورقصت وغنيت ودبكت يا بو محمود . يو على قلبك يا بو محمود ، ليش بتبكي يا بو محمود ، ليش بتبكي يا بو محمود ؟! ابتسم اضحك افرح غني يا بو محمود ، رفاق أحمد بنوا له صرح كبير وخطوا عليه بدم قلوبهم ( هذا ضريح البطل الشديد ، هذا ضريح القمر ، هذا ضريح النهر ، هذا ضريح أول شهيد للثورة الفلسطينية المعاصرة )
.. وتنبهت أم محمود إلى السائق والركاب يسألونها ( لماذا تبكين يا خالة ، لماذا تبكين ؟!)
همست ببضع كلمات وهي تمسح دموعها ( ما فيه شي يمه مافيه شي سلامتكم )
وصلت السيارة محطة السفر في عمان . أسلمت أم محمود نفسها لأول سيارة واجهتها قاصدة الشام . وما أن انطلقت حتى عادت إلى شرودها .
( ايه يا بو محمود ، الأيام مرت والسنين مرت والعمر كله مر ، مر حامل الموت المغمس بالدم ، الدم يا بو محمود ، الدم !!لما رجعت ، جئت لعلي ، قلت له : روح اتبع درب أبوك واخوتك يمه ، إن استشهدت ابنك بيكمل طريقك ! راح مسرور يا بو محمود . قلت له : روح يا بني الله يسهلها في وجهك ، ويجعل لك في كل طريق رفيق .
.. وراح يا بو محمود . غاب غاب ورجع . وبعدين غاب غاب وصارت حرب السبعة وستين ورجع . وبعدين غاب غاب وصارت معركة الكرامة وما رجع يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، بتعرف قلب الأم يا بومحمود . قلت لازم أروح . رحت يا بو محمود . رحت للكرامة يا بو محمود ، وبس عرفوا الشباب إني أم رفيقهم علي ، حطوني بعيونهم يا بو محمود ، وأخذوني لعند أبو عمار . قال لي : ارفعي راسك يا أم محمود ! قلت له ( راسي بعون الله وعون اولادي مرفوع يا بو عمار ) قال : علي كان الشهامة ، كان النخوة والكرامة ، علي كان بطل معركة الكرامة ، بزنده دمر خمس دبابات ، وأعطب ست مصفحات ، ويومن شحت الذخيرة ، عمل من جسمه لغم ، وقفز من فوق رجم ، في برج دبابة !!
وزغردت يا بو محمود ، ورقصت يا بو محمود ، ليش بتبكي يا بو محمود ، عيب عليك يا زلمه ، زعلتني منك والله ، أيوه ابتسم ، افرح يا بو محمود ، لأن الحزن ما رايح يخلي للفرح مطرح يا بو محمود ، لأن الحزن ما رايح يخلي للفرح مطرح يا بو محمود !
< لماذا تبكين يا خاله ؟ لماذا تبكين ؟ >
< ما فيه شي يا خاله ما فيه شي>
< إلى أين تذهبين يا خاله ؟ >
< إلى بيروت يا خالتي >
< لك أقارب في بيروت ؟>
< ابني يا خالتي >
< ألله يخلي لك إياه . شو بشتغل ؟>
< فدائي مع الثورة يا خالتي >
< فدائي ؟!>
< آه فدائي يا خالتي ! >
< لعله مع المحاصرين في المخيمات ؟>
< آه يا خالتي مع المحاصرين >
< الله يكون في عونك يا خالتي >
< وعونك يا ابني >
**********
اجتازت السيارة الحدود الأردنية السورية . انزوت أم محمود إلى جانب النافذة اليسرى في المقعد الخلفي . النافذة التي اعتادت دائما أن تنزوي إلى جانبها في رحلات البحث الطويلة المضنية عن أبنائها . صالبت يديها على صدرها ، وغرقت في شرودها .
أيه يا بو محمود . لما رجعت ، جئت لحسن . قال لي: قديمة يمه ، أنا التحقت بالثورة قبل ما تطلبي مني . لكن إذا استشهدت ، قولي لابني يتبع طريقي . قلت له روح يا بني ، عين الله تحرسك في كل خطوة تمشيها ، روح .
وراح يا بو محمود ، غاب غاب وما رجع . وصار أيلول الأسود وما رجع . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، بتعرف قلب الأم يا بو محمود . دورت . سألت . لقيته بطلع مع رفاقه من عمان . الفدائيين في الشاحنات يا بو محمود بيلوحوا ابواريدهم ، والنسوان على جناب الشوارع ، يودعنهم بالزغاريد والدموع . ، ونثر الرز على روسهم يا بو محمود . شفته في شا حنة : صرخت له : حسن يمه يا حبيبي ! شافني يمه على جنب الشارع . صرخ للشفير يوقف . وقف . نزل يا حبيبي . بوسته وبوسته يا بو محمود . قال: يمه يمه ، انت بدك تمضي عمرك تدوري علينا . إحنا رجال يمه ،ونذرنا حالنا للبلاد يمه . قلت له : قلب الأم ما هو حجر يمه . قال : ما عليك ، سلمي على مرتي وبوسي لي اولادي . وما تنسي الأهل والأحباب وما تظلي تدوري علي ـ أنا بخير يمه .
حسيت بالخوف يا بو محمود . عشرين ألف ضحية راحوا في أيلول يا بو محمود . وعمان صارت دمار . دمار يا بو محمود . حسيت بالخوف لما ما شفت في عيون النسوان إلا الحزن والدموع . قلت له : على وين رايحين يمه ؟ قال لي : على الأحراش . قلت له : يمه أنا خايفة يستفردوا العدوين فيكم في الحراش . قلبي ناخزني وقلب الأم ما بيكذب يا بني . قال : ما تخافي يمه ، كل الشعب العربي معنا !
قلت له : في حفظ الله ياولدي . عيوني ترعاك ، والنبي يثبت خطاك ، ونجوم السما ترجم عداك .
ورجعت يا بو محمود . رجعت للضفة يا بو محمود . ونقطعت أخباره يا بو محمود . وصارت مجازر الأحراش وخباره مقطوعة يا بو محمود . ولي خفت منه صار يا بو محمود . حرقوا الحراش على رؤوس الفدائيين يا بو محمود . طيارات من السما ومدافع من الأرض يا بو محمود . وانسحب حوالي مائة فدائي من الحراش وعبروا النهر مستسلمين لليهود يا بو محمود . قالت لي فاطمة : لعل حسن معهم يمه ؟ قلت لها: حسن ما يستسلم يمه ، حسن إما ينتصر وإما يستشهد ، مثل أبوه واخوته .
وظلت أخباره مقطوعة يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، بتعرف قلب الأم . رحت أدور يا بو محمود ، كديش بدي أدور لدور يا بو محمود ، وكديش قلبي بده يتحمل يا بو محمود ، هوه قلبي صخر ولا بحر ولا محيط يا بو محمود ، كديش بده يتحمل يا بو محمود ؟ وتحمل يا بو محمود !كان قلبي صخر كان بحر كان محيط يا بو محمود ، وتحمل يا بو محمود ، لكن يا ترى بده يتحمل هالمرة ، إذا لا سمح الله رحلت عيون عقبة يا بو محمود ، عيون عقبة ما تفارق عيوني يا بو محمود ، والبسمة إلي كانت دايما تهفهف على ثمه ما تغيب عن بالي يا بو محمود .
رحت لعمان يا بو محمود . دورت ، سألت ، بحثت ، لقيت رفيق إله يا بو محمود . قال لي : حسن كان بطل يا أم محمود ، وظل يدافع عن جثمان القائد أبو علي إياد حتى استشهد جنبه !
وزغردت يا بو محمود . والله زغردت ، لكن بس مرة وحدة يا بو محمود . ما قدرت أزغرد غيرها يا بو محمود . قلت له : خذني يا بني على الحراش حتى أشم ريحة الأرض إلي استشهد عليها حسن . قال لي : على راسي وعيني يا خالتي .
ورحنا يا بو محمود . قادني الشب لبعض الصخور يا بو محمود . قال لي : بين هذه الصخور استشهد حسن وعشرات الفدائيين يا خالتي . كانت عظام كثيرة وجماجم تتناثر بين الصخور . رحت أحدق فيها يا بو محمود . لمحت ساق حسن يا بو محمود!
كان حسن يحمل ندبا في ساقه من جراء سقوطه عن السقيفة وهو صغير . عرفت الندب يا بو محمود . رفعت عظم الساق وحضنته وبوسته يا بو محمود ، وبعدين فرعت راسي وكشفت صدري لألله ، ورفعت ايدي للسما ، ودعيت عالظالم ربي يذله ويشنع فيه !
يو ليش بتبكي يا بو محمود ؟
< وصلنا الشام يا خاله ، الحمد لله على السلامه >
< الله يسلمك يا خالتي >
*****************
لحقت أم محمود آخر سيارة متجهة إلى بيروت . ألقت نفسها في زاويتها المفضلة ، وغرقت في شرودها كما في كل مرة :
( أيه يا بو محمود . رجعت للضفة . جيت لشاهين . قلت له ما قلته لإخوته يا بو محمود . حمل حاله وراح . وغاب غاب غاب ونقطعت أخباره يا بو محمود . صارت حرب رمضان وخباره مقطوعة يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود . قلت لفاطمة ، لازم أروح أشوف أخوك يمه . رحت يا بو محمود . ليش بتبكي يا بو محمود .؟! تظن أنني وجدته شهيد ؟ لا لم يستشهد شاهين في حرب رمضان يا بو محمود . ابتسم بالله عليك وما تبكي . ول يا زلمه ! قعدت عنده شهر ورجعت يا بو محمود . ونقطعت أخباره مرة ثانية يا بو محمود . وصارت حرب لبنان ، وصار حصار تل الزعتر ، وخباره مقطوعة يا بو محمود . وطلعوا الناس من تل الزعتر بعد حصار دام شهرين ، لكن أخباره ظلت مقطوعة يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود! ثلاثة آلاف شهيد كانوا ضحايا تل الزعتر يا بو محمود . ست آلاف عين انطفت يا بو محمود ، وست آلاف ايد انقطعت يا بو محمود ، وست آلاف رجل انبترت يا بو محمود . وكل نقطة مي دفع الفلسطينيين ثمنها نقطة دم يا بو محمود . يو يا بو محمود ، قوي قلبك يا بو محمود ، عيب تبكي وانته شهيد يا بو محمود . < أم محمود أم محمود أم محمود >!!قلت لك قوي قلبك يا بو محمود ! < استشهد شاهين يا أم محمود > ؟ وليش بتسأل يا بو محمود ؟ ما هياتني بحكيلك يا بو محمود ، خليك ساكت يا بو محمود !!
رحت يا بو محمود . ونا داخله بيروت بالتاكسي . شفت صورة شب على الحيطان . عيونه مثل عيون شاهين . لكن كان إله لحية . شاهين ما كان إله لحيه يا بو محمود .
حسيت إنه بيطلع فيه . ما قدرت أشيل نظراتي عنه . وكل ما عبرت السيارة شارع جديد ، رحت أدور بعيوني على صاحب الصورة الملزقة على الحيطان . كنت بدي أقول لشفير التاكسي يوقف وينزلني . لكن قلت أكيد رايحة أشوف صوره مطرح ما بينزلني التاكسي .
وصلنا . نزلت . كانت صور الشاب املية الحيطان يا بو محمود . قربت لصورة منها . بحلقت في عينين الشب ، وبحلق هوه في عينيه . قلت هذا شاهين ! إذا ما كانت هذي صورة شاهين ما أكون أنا أمه إلي رضعته من حليبي ، لكن يا ابني يا حبيبي ليش ملزقين صوره على الحيطان ؟ ومنشان أتأكد يا بو محمود ، وقفت بنت كانت تحمل باروده وتمر من جنبي . سألتها : صورة مين هذي يا بنتي وليش ملزقينها على الحيطان ؟! اندهشت البنت وتطلعت لي باستغراب وسألتني : ما بتعرفي مين صاحب هاي الصورة يا خاله ؟! قلت لها : حاسة إني بعرفها بس بدي أتأكد . قالت : هذي صورة الشهيد شاهين بطل تل الزعتر !!!!
آه آه آه يا بو محمود ، آه يا بو محمود ! حسيت حالي بدي أسقط ، لكني تمالكت حالي على بين ما زغردت ، وزغرودتي تختنق بالحزن والبكا ، وبعدين وقعت عالأرض يا بو محمود من غير ما أدري . لما صحيت لقيت حالي في المستشفى ، والشباب من حوالي يحملوا صور شاهين .
حكوا لي عن بطولة شاهين . وحكوا لي عن تل الزعتر ما يشيب روس الأطفال يا بو محمود ،
**************

محمود شاهين
05-02-2008, 09:45 PM
توقفت السيارة لبعض الوقت على الحدود السورية اللبنانية . وما أن تجاوزتها حتى استأنفت أم محمود شرودها :
( أيه يا بو محمود . عد معي ! محمود بسلامته استشهد . أحمد ؟ استشهد . علي ؟ استشهد . حسن ؟ استشهد . شاهين ؟ استشهد . مين ظل ؟ اسحق وعقبة ! أيوه يا بو محمود ، اسحق وعقبه ! رايحة أظل معك حتى أسلمك أمانتك يا بو محمود ! < أم محمود ، لا غير معقول أن يسشتشهد اسحق أيضا غير معقول !> ألم تكن هذه رغبتك يا بو محمود ، ألم توصيني بأن يسير الأولاد على دربك حتى تتحرر البلاد ؟! هل نسيت يا بو محمود ؟! قوي قلبك ، خليه مثل الصخر ، مثل الحديد ، مثل الفولاذ يا بو محمود .
لما رجعت . قلت لإسحق ما قلته لإخوته يا بو محمود . وراح يا بو محمود . غاب غاب غاب ونقطعت أخباره . صارت حرب الثمانية وسبعين مع اليهود وما أجا شي
من اخباره ، وصارت حرب الثمانين وما أجا شي من اخباره . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود . قلت أروح ادور عليه . رحت . لقيته صار زابط كبير يا بو محمود . يا ابني يا حبيبي . قال لي < أنا لن استشهد مثل اخوتي وأبي يا امي ـ أنا سأحقق النصر > ! يا ابني يا حبيبي يا روح أمك وعينها ، انشا الله يا حبيبي . < طبعا ولم يستشهد فيما بعد يا أم محمود ؟ > يو يا بو محمود ليش بتقاطعني ؟ وليش بتقاطعني يا بو محمود ؟! < كم حرب صارت بعدي يا أم محمود > ؟ كثير يا بو محمود ! ما تقاطعني ! ألله يهنيك في الجنة يا بو محمود !!
ورجعت للضفة يا بو محمود . انقطعت أخباره كمان سنتين يا بو محمود . وصارت أكبر حرب مع اليهود في الثنين وثمانين يا بو محمود . وتحاصرت بيروت . ثلث شهور وبيروت تحت الحصار يا بو محمود . الطيارات ترميها من السما ، والبوارج من البحر ، والمدافع من الأرض يا بو محمود .قطعوا المي ، قطعوا النور . سمموا الهوا ، قطعوا الغذا ، منعوا الدوا من الدخول لبيروت يا بو محمود . آه يا بو محمود . عيونا صارت عبيروت ، وقلوبنا صارت مع بيروت ، ودموعنا كل دموعنا صارت لبيروت ، قلت راح فيها الولد السادس يا بو محمود ، وقلت من كل قلبي : فدوى فدوى فدوى ، اسحق فدوى عيونك يا بيروت .
وانخذلنا يا بو محمود ، انخذلنا يا بو محمود ، وطلعوا الفدائية من بيروت مثل ما طلعوا من عمان قبل اطنعشر سنة يا بو محمود . تودعوا بالدموع الحارة والزغاريد وحفنات الرز والرصاص كمان يا بو محمود . حملهم البحر عظهره يا حبة عيني
، او وداهم البحر لبعيد لبعيد لبعيد ، ، نخزني قلبي ، دعيت عالبحر يا بو محمود ! قلت : ربي يجفف ميتك إذا غدرت فيهم ! < وغدر فيهم يا أم محمود > ؟ لا يا بو محمود ، البحر ما غدر فيهم ، هم غدروا بحالهم يا بو محمود ! غدروا بحالهم يا بو محمود !!
< كيف غدروا بحالهم ؟ ما تعلموا من غدرة الحراش يا أم محمود ؟ > لأ ما تعلموا يا بو محمود . خذلتهم قياداتهم ، وخذلوهم العرب ، العرب يا بو محمود ! لكن ليش بتقاطعني يا بو محمود ، ليش بتقاطعني يا بو محمود . اسمع اسمع يا بو محمود !
< طيب قولي لي ، اسحق راح معهم ؟ > لأ يا بو محود ، اسحق مثل أخوته ومثلك ، ما بيعرف إلا النصر أو الشهاده . < ألله يرضى عليه وينصره ، أين راح إذن ؟ >
ظل في صبرا وشاتيلا يابو محمود . < يعني ما استشهد في الحرب ؟> لأ يا بو محمود ، ما استشهد في الحرب ، لكن ! < لكن ماذا يا أم محمود ؟ > صارت مجزرة يا بو محمود ، قام فيها اليهود وزلامهم بعد ما خلت المخيمات من المدافعين عنها . < الجبناء ، الهمج ، الأوغاد !! > انجنيت لما سمعت الخبر يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود !! قلت أروح أتطمن عالولد، أشوف وين صارت أخباره . جيت لبيروت . كم مرة جيت لبيروت يا بو محمود ، وكم مرة بدي أيجي ؟ آه يا بو محمود ، ناس قالوا ، ضحايا المجزرة أربعة آلاف . وناس قالوا لي سبعة .وناس قالوا لي عشرة . أوصال قطعت ، بطون حوامل بقرت . ، عيون فقئت ، قلوب طعنت . أكباد طحنت ، ورؤوس يا بو محمود ، رؤوس بترت ، قوي قلبك يا بو محمود ، قوي قلبك . رحت أسأل عن اسحق يا بو محمود . لقيت كل الناس بيعرفوه يا بو محمود . قالوا لي < يا مرحبا بأم البطل يوم عزوا علينا الرجال . اسحق وحده قاد الدفاع عن المخيمات ، وظل يتلقى الرصاص بصدره ، حتى استشهد يا خاله . صورته محفورة في قلوبنا ، موشومة على زنودنا ، منقوشة في عقول جيالنا ، اسحق كان ابنا ، واستشهد ابنا ، ورايح يظل ابنا ، إبنا إبنا > !!!
حاولت أزغرد ، لكني ما قدرت يا بو محمود . خنقني النحيب ، وغبت عن الوعي يا بو محمود ، ابك معلش ، البكا يخفف الهم يا بو محمود !!!!
سحبت حالي ورجعت للضفة يا بو محمود . لقيت عقبة واقف بستنا فيه . إطلعت فيه يا بو محمود ، اطلعت فيه يا بو محمود ، وطفرت الدموع من عيني ، ما قدرت أحكي ولا كلمة يا بو محمود . قل لي هوه الموت قدرنا يا بو محمود ؟ ليش ما ترد يا بو محمود ؟ طيب يا بو محمود !!! مسك عقبة ذرعاني بيديه ، وحدق في عيني ، ما قدرت أحكي يا بو محمود ، لا من ثمي ولا من كمي . هزني هزني هزني ، وما قدرت إلا أبكي وأبكي يا بو محمود . سألني < اسحق استشهد ؟ > ما رديت . صرخ فيه كمان مرة ، < ردي عليه > ما رديت ! ما قدرت أرد يا بو محمود . صرخ . قال : < أنا رايح أستشهد ، خلي ابني لما يكبر يستشهد مثلي ، خليه يدمر ، خليه ينسف ، خليه يحرق ، ما بدي يكون في قلبه ولا مقدار ذرة من الرحمة والشفقة ، خليه ما يوري اليهود إلا الموت ، الدم الأحمر !!>
ما قلت لك إن الموت صار قدرنا يا بو محمود . كنت بدي أصرخ وأصرخ يا بو محمود ، لكن لساني انخرس ، صرت عاجزة عن النطق يا بو محمود . < وخليتيه يروح يا أم محمود ؟ > خليته يروح يا بو محمود ، منشان العدا ما يقولوا ، إن محمود هربت من قدرها ، ومنشان ما يقولوا ، إن أم محمود انهزمت وإرادتها تحطمت ، وتراجعت عن قرارها إلي حفرته عظهر قلبها من يوم ما استشهد جوزها ، وخليته يروح منشان أنفذ وصيتك يا بو محمود !
< تسلمي تسلمي يا أم محمود ، ويظل راسك مرفوع ، وتظل قامتك شامخة شامخة ، لتصير أكبر من كل الدنيا يا أم محمود >
يتبع .
وراح يا بو محمود ، وغاب يابو محمود ، وما سمعت عن اخباره ، وصار الحصار الأول لصبرا وشاتيلا يا بو محمود ، دمروا مخيم صبرا ومسحوه عن الأرض يا بو محمود ، وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، قلب الأم ينزف دم يا بو محمود، ، وقلب الأم يشيل الهم يا بو محمود ، وقلب الأم امتلى غم يا بو محمود ، ، كديش بده يكبر قلب الم تايكبر يا بو محمود ، وكديش بده يحمل هم ليحمل يا بو محمود. كنت بدي أروح لولا إنه أجاني منه خبر ، يسلم علي ويبوس ايدي ، ويذكرني بالأمانه إنه بده إياها من المي للمي ، وطلب إلي ولح علي ، إني أودي له ابنه وزوجته يا بو محمود .
< الحمد لله الحمد لله ، ما استشهد يا أم محمود > لا في الحصار الأول ما استشهد يا بو محمود ، وفي الحصار الثاني ما استشهد يا بو محمود ، والحصار الثالث طالت ايامه يا بو محمود . خمس شهور يا بو محمود ، إن شاء الله إنه ما استشهد فيهن يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود .. قلت روحي شوفي يا أم محمود ، وهييتني رايحة يا بو محمود .
< وما بتعرفي شو صار له يا أم محمود ؟ > إمنين بدي أعرف وكيف بدي أعرف يا بو محمود ، وكل مرة بيكون همي بشب ، المرة همي بعيلة يا بو محمود .
< آه يا أم محمود ، كرمى لله يا أم محمود ، إذا لا سمح الله استشهد عقبة ولا مرته ولا ابنه ما تخبريني يا أم محمود ، ما عاد عندي قلب يتحمل يا أم محمود ، وخايف إذا خبرتيني أستشهد كمان مرة يا أم محمود !! >
باطل يا بو محمود ، مخيم صبرا بحاله ، بنسوانه ورجاله ، بأطفاله وعياله ، استشهد مرتين يا بو محمود ، ومخيم شاتيلا هيه بيستشهد للمرة الثانية ، وانته أبو الشهداء ما فيك تستشهد إلا مرة وحدة يا بو محمود؟!! وين النشاما يا بو محمود ؟!
********* ***********
< يا خاله ؟ انت يا خاله ! ألن تتوقفي عن البكاء والشرود ؟ ما بك ؟ >
- ما فيه شي يا خالتي ما فيه شي .
- إلى أين تذهبين ؟
- إلى بيروت يا بني .
- أعرف إلى بيروت إلى أين ؟
- إلى مخيم شاتيلا يا بني .
- المخيمات محاصرة يا خاله ، عصفور ما فيه يدخل عليها . والمساعدات التي جاءت من الضفة ومن كافة أنحاء العالم ما تزال عند الصليب الأحمر ، ولم يسمحوا لها بالدخول .
- أعرف يا بني !
- إذا تعرفين كيف ستدخلين إليه ؟
- يا بني أنا امرأة مسنة شو بدهم فيه ؟
- يا خاله هؤلاء لا يرحمون أحدا هنا ، والدنيا ليل ، والقصف قد ينهمر في أية لحظة . لو تبقين في عاليه حتى الصباح ، فقد تجدين منفذا للدخول .
- ما بعرف حدا في عاليه يا بني .
- ولا واحد ؟
- ولا واحد يا ابني .
صمت السائق للحظات ثم تساءل .
- أنت من اين قادمة يا خاله ؟
- من الضفة الغربية يا بني .
- ومن لك في المخيم ؟
- ابني يا بني ، ابني وزوجته وابنه .
- ابنك مع الفدائية ؟
صمتت أم محمود مخافة ان يكون الرجل معاديا أو لا يحب الفدائية .
أدرك السائق معنى صمتها . هتف :
- أنا درزي ومع الشيوعية ، وحنا مع الفلسطينيين ، ولحد الآن ايدينا نظيفة من دمهم ، وإن شاء الله تظل نظيفة ونظل رفاق درب .
- إن شاء الله يا بني إن شاء الله .
- أنا مثل ابنك يا خالتي ، أين ستذهبين في هذا الليل ، سأصحبك إلى بيتي ، تنامين مع زوجتي وأولادي .
- يكثر خيرك وأمثالك يا بني ، ويستر على عيالك ربنا العالي .
كان جميع الركاب من عاليه . أوصلهم السائق إلى بيوتهم ، ثم قصد بيته مصطحبا أم محمود معه . تساءل وهو يدخل أحد المنعطفات على مهل .
- يبدو أن هذا ابنك الوحيد حتى جئت من الضفة من أجله ؟
- نعم يا بني إنه ابني الوحيد المتبقي لي من اخوته . هو أصغر واحد .
- وأين ذهب اخوته ؟
- استشهدوا يا بني .
- استشهدوا كلهم ؟
- كلهم يا بني .
- ليش كديش عددهم ؟
- ستة يا بني .
ضغط السائق على فرامل السيارة وتوقف .
- تقولين ستة يا خالتي ؟
- نعم ستة يا بني ، عدا أبوهم ، وعدا ابن بنتي إلي قتلوه اليهود في مظاهرة .
- رباه ! منذ أن شاهدتك شاردة الذهن طوال الطريق ، والدموع تنزلق من عينيك بين لحظة وأخرى ، قلت لا بد أن وراءك قصة طويلة . ها أنا أعرف أنك أم عظيمة ، أنا سعيد لأنني تعرفت إليك يا خاله .
- ألله يسعدك ويسلمك يا بني .

- إذا فتحوا غدا منفذا للمخيمات سأصطحبك بنفسي يا خاله .
- يكثر أمثالك يا بني .
***********

محمود شاهين
05-02-2008, 09:49 PM
لم يفتح أي منفذ طوال الأيام الثلاثة التالية . وازداد القصف وحدة الإشتباكات ، لتطول أيام الحصار . وكم بحثت أم محمود عن وسيلة تدخل بها صفيحتي الزيت والزيتون وعلبتي الحليب وأرطال الطحين لأبناء المخيمات ، فلم تجد . قالوا لها إن في الأمر مخاطرة كبيرة . والنساء اللواتي يتسللن إلى خارج المخيمات لإحضار شيء من التموين ، يحصدهن رصاص القنص في أغلب الأحيان . أكثر من سبعين امرأة قتلن بهذه الطريقة . وهي ليس في مقدورها أن تتسلل بهذا الحمل الذي معها ، ثم إنها لا تعرف الطرق المؤدية إلى المخيمات .
في اليوم الرابع ، جاءها ابن السائق فرحا مستبشرا . هتف :
- سيسمحمون إلى قافلتين من الصليب الأحمر بالدخول إلى المخيمين . هيا يا خاله لعلنا نرسلك مع قافلة شاتيلا .
- وهل سيفكون الحصار يا بني ؟
- يقولون أنهم سيفكونه يا خاله .
لحقا بقافلة الصليب الأحمر قبل أن تدخل . توسلت هي والشاب إليها ، فاصطحبوها دون الشاب .
استقبلتها أطلال المخيم وكأنها غيلان فتحت أفواهها . دما ر دمار. دمار في كل مكان . أنقاض في كل مكان . دمار فوق الأرض ، دمار تحت الأرض . لم تر جدارا سليما . أكوام . حطام ، نفايات ، روائح كريهة . ولم يكن هناك أي أثر لحياة ، أي أثر على الإطلاق . لا حيوان ، لا طير ، لا بشر ، لا ماء ، وربما لا يوجد هواء ! ( لكن أين المدافعين عن المخيم يا أم محمود ؟ وأين المحاصرين ؟ يا كشلك يا حسرتك يا أم محمود، يا ويل راسك يا أم محمود ، يا حسرة قلبك يا أم محمود ، معقول تشوفي عيون عقبة يا أم محمود ؟ يا ابني يا حبيبي ، ، يا آخر بسمة عشفافي ، يا آخر شمعة في حلكة ظلامي ،يأ آخر أمل ليه ، يا آخر دمعة فيه ، معقول بعد عيونك عيوني تناغي النوم يمه ، معقول بعد بسمتك شفافي تفتر للفرح مرة ؟)

توقفت القافلة ، وقد اطلقت إحدى سيارات الإسعاف بوقها عاليا . لم تصدق أم محمود ما رأته عيناها . فقد أخذت الأنقاض ترتفع من كل مكان وتنهض . أبواب . جدران .
صفائح ، نوافذ ، كتل حيطانية ، ألواح خشبية شبيهة بالأبواب ، ألواح صفيح ، هياكل شجرية ـ بقايا أغصان ، دواليب سيارات ، نفايات . هياكل عظمية لحيوانات ، وأخرى لبشر ! تندفع قليلا إلى اعلى وتنهض !دمار ينهض ! أرض تنهض ! هياكل ما شبيهة بالبشر تنهض . ، تقوم ، تحاول أن تستقيم وتتحرك !
رباه ! فركت أم محمود عينيها . الأنقاض تدنو من كل اتجاه . هرعت نحوها . توقفت هلعة أمام أول هيكل واجهها . لم تعرف فيما إذا كان هيكلا بشريا أم أنه بقايا أنقاض تتحرك . . هربت منه ! ابتعدت . عدت شمالا . عدت جنوبا . شرقا . غربا . أنقاض ! أينما هرعت لا ترى غير انقاض شبيهة بالبشر ، تجاهد لأن تتحرك ، وبالكاد حتى تتحرك . تشحذ كل ما تبقى فيها من مقاومة الروح ، وتتحرك . تتحرك ببطء ، ببطء شديد يكاد ان يكون كدبيب النمل . قوى واهنة متهالكة ، عيون غائرة خائرة . لا ترى ولا ترى ! شفاه ذابلة متقصفة جافة . وجوه ميتة تغطيها طبقات كثيفة من التراب والرمل والطين . جلود جافة كالحطب . تستر عريها بقايا ملابس مهترئة ممزقة ومعفرة بكميات هائلة من التراب والحمأ .
أفراد الصليب الأحمر يعدون هنا وهناك . يخرجون جثثا من تحت الأنقاض ، وجثثا من بين الأنقاض ، وجثثا من بين النفايات . ينزلون تحت الأرض ، يعودون بجثث وجرحى ، ثمة أنين هنا . ثمة آهة ملتاعة هناك .
وشيئا فشيئا ، أخذت أم محمود ترى في الأنقاض هياكل بشرية حقة . وحين أخذت هذه الهياكل تذرف الدموع فرحا بالحياة ، أدركت أم محمود انها حقا أمام سكان المخيم ، فدقت صدرها بقبضتيها ، وهتفت بلوعة : يا حسرتي عليكم ! وفي غمرة دهشتها وذهولها . نسيت أن تسأل عن عقبة ، وعيون عقبة ، وابن عقبة ، وزوجة عقبة ، لكنها تذكرت ذلك عندما هرعت بعد لحظات إلى حملها وراحت توزع زيتون البلاد وزيتها وطحينها على الناس . ومع ذلك سيطر عليها إحساس غامض ، بأن تتريث في السؤال إلى أن يأكل الناس ويشربوا قليلا . وإلى أن تدب الحياة في أجسادهم ، بحيث يصبحون قادرين على الإنتباه إليها والإجابة عن تساؤلاتها .
********

حانت الفرصة عندما شاهدت ابتسامات ذابلة تشق طريقها عبر الوجوه الحزينة الكئيبة المتسخة الجافة ، وترتسم على الشفاه . أخذت تتأمل عشرات الوجوه المحيطة بها . ترددت في السؤال . لم تعرف لماذا ترددت في السؤال ، لأول مرة تجد لسانها وقلبها لا يطاوعانها ، والكلمات تخونها ، ألأنها لا تريد لعقبة أن يستشهد ، وتامل من الله أن يبقيه لها ، أم لأنها لا تريد أن تسمع نبأ استشهاده . لالا ! ربما لأنها لا تريد أن تمن على أحد باستشهاده . ، وربما لأنها لا تريد للناس أن يتذكروا الموت الذي عاشوه لفترة طويلة ، ثانية . وربما تخاف أن يكون عقبة قد خذلها ( لا سمح الله ) ولم يكن بطلا مقداما كإخوته.
تنبه الناس إليها . أدركوا أنها تريد أن تسأل عن انسان ما ، ولا سيما أنهم عرفوا أنها قادمة من الضفة ، ولا يعقل أن تكون جاءت من الضفة لتحضر للمحاصرين زيتونا وزيتا . تساءل شاب من المحيطين بها :
- ما بك يا أمي ؟
ألقت نحوه نظرات حائرة ، وما لبثت أن هتفت بصوت خفيض :
- ولدي يا ولدي !
- ولدك كان معنا في الحصار يا خاله ؟
- أيه يا بني .
- ما اسمه يا أمي ؟
- عقبة يا بني .
وتساءل الشاب ثانية بدهشة وانفعال :
- من يا أمي ؟
- عقبة يا بني .
سقط الإسم على الحضور كما الصاعقة . : أطبقت الأفواه على ما فيها من طعام ، وتوقفت عن الحركة . والأيدي التي كانت تحمل بعض اللقيمات إلى الأفواه ، توقفت
قبل أن تصل إليها وكأنها تجمدت . أطبق صمت مخيف . كتمت الأنفاس . تسمرت الأقدام في الأرض ، فيما العيون ، كل العيون تحدق إلى وجه أم محمود الذي حفرت عليه السنون آلامها . تأملت أم محمود الصمت الذي أطبق من حولها والحركة التي توقفت تماما ، والعيون المحدقة إليها . تمنت ألف مرة لو أنها لم تسأل عن عقبة . هتفت وكأنها تعتذر من أعماقها ( ليش وقفتوا يمه ليش ؟ كلوا يمه ، كلوا يا حبيبيني ، كلوا يا عيوني ، زيتون البلاد يمة )
وأوقفها صوت الشاب بعد أن أعطى ما في يديه من خبز وزيتون إلى امرأة تقف إلى جانبه :
- أماه !
- ولدي .
- كان عقبة بطل الحصار
( كبتت أم محمود في دخيلتها صرخة كالبركان )
ولولاه يا أماه لما كان صمودنا أسطوريا إلى هذا الحد
( وكبتت أم محمود صرخة ثانية كالزلزال )
وبدا الشاب مترددا في إكمال ما يريد قوله ، غير أنه استأنف بصوت متهدج متقطع خالجته نشجات بكاء لم ينفجر :
قبل أن يستشهد يا أماه .. أوصانا أن ... أوصانا .. أن ... أوصانا أن .. نأكل ..لحمه ..
أوصانا أن ناكل لحمه ، كي لا نموت جوعا !!! وكي نصمد في وجه الحصار !!!
وكبتت أم محمود صرخة ثالثة بحجم الكون ، فيما الشاب يتابع :
.. نحن أولادك يا أماه ، فخذينا إن شئت ، وإلى حيث تشائين .
وحين أدركت أم محمود أن الشاب فرغ من كلامه . هرعت نحوه وهي تجاهد بكل ما بقي في جسدها الواهن من قوة روح ، لتنتصر على آلامها :
( العمر إلكم يمه ، تعيشوا وتناضلوا وتنتصروا على كل من يعاديكم ، وعداكم يموتوا بذلهم وحسرتهم يمه ، كلوا يمه ، كلوا يا حبيبيني ، هاظ الزيتون من زيتون البلاد يمه ، صحة وعافية )
وراحت تحث النساء والرجال ، الشباب والفتيات ، الصبية والأطفال ، على تذوق زيتون البلاد وزيتها ، دون أن تفارق الإبتسامة شفتيها ، راحت الأفواه تلوك الطعام في محاولة لإرضائها .. ازدادت ابتسامتها اتساعا وهي تجوب بنظراتها الوجوه ، مطمئنة إلى الناس يأكلون . وفجأة ، وفجأة ، وفجأة ، تهاوت كالسماء ، كالسماء ، تهاوت كالسماء .. وأسلمت الروح .
محمود شاهين
13-4- 87

محمود شاهين
06-02-2008, 10:25 PM
أخيرا تمكنت من العودة إلى التنسيق القديم
بعد أن اتبعت تعليمات ابن الراعي في الشكاوي .
هناك قصص لم يتم إدخالها بعد ، قد أعيد نشرها.

محمود شاهين
07-03-2008, 09:57 PM
شكرا لإلهي وكل الالهة !
أعيدت القصص جميعها .. وإن كان ثمة تكرار في بعض الفصول .
سأذهب إلى شريط لوحاتي لأرى ما إذا عاد .
ومن ثم إلى شريط حبيبة ألبي ميلينا في الخواطر ! حرام يضيع !!
مشغول جدا في موقع شخصي جديد وهو ثالث موقع أعمله. وآمل أن لا أقع بين أيدي نصابين جدد.
إلي بده نصابين ما أكثرهم عندي ! كل يوم بطلع لي واحد!

محمود شاهين
15-11-2008, 02:33 AM
أعزائي
شجعتموني على استعادة شريط قصصي .
المشكلة أن قصصي طويلة جدا ،وهي عبارة عن روايات مكثفة .
أقصر قصتين هما :
العبد سعيد
و مسك وعنبر وفيض مقدس
أعدت الشريط لمن يحب أن يقرأ لي شيئا .

أحمد السقال
16-11-2008, 09:20 PM
أحييك أيها العزيز على هذه الكتابة , هذه البساطة في اللغة تستطيع جر القارئ بقوة الى جانب أم محمود , , أم محمود الأم الرمز , الأم الأرض ,, الانتظار القابع وراء الهزائم باصرار , الشحنة المعنوية الموزعة بسخاء ودون حساب المقابل ..سلمت أخي محمود

محمود شاهين
16-11-2008, 11:56 PM
ألف شكر عزيزي أحمد.

سعاد بني أخي
18-11-2008, 06:34 PM
كل مقومات العمل الروائي الكبير هاهنا :
نفس روائي هائل
حوار ممتع بالعامية المحلية،
حبكة ممتازة
...
هنيئا لك سيدي

محمود شاهين
08-12-2008, 02:01 AM
جزيل شكري عزيزتي سعاد
وعذرا لأنني لم أنتبه للأمر إلا اليوم !

بهزاد جلبي
25-06-2009, 12:47 PM
الاستاذ محمود
تحيه
اسلوبك القصصس يشد القاريء
لسلاسته وبساطته
اختيارك موفق في نصوصك
دمت بديعا

عمر علوي ناسنا
26-06-2009, 01:28 PM
مختارات جميلة

لكن نفس الرواية لكم يفارقك أيها العزيز ونفس السيرة

بهزاد جلبي
18-03-2010, 03:33 PM
اجبرني انشغال الاستاذ محمود بفن الرسم
اكثر من الكتابه على رفعه
دمت بالخير والتوفيق

عمر علوي ناسنا
20-03-2010, 10:20 PM
أهلا بمحمود شاهين قاصا
أنت أجمل بالريشة

علي الزهراني
21-03-2010, 12:11 AM
قرأت القصة المضافة قصة العبد سعيد رائعة وممتعة جدا
قتل الموهبة جريمة لا تغتفر..
تحياتي

عمر علوي ناسنا
21-03-2010, 07:13 PM
قصص فيها بحث وفيها جهد مثلها مثل لوحاتك الممميزة ايها الفنان الأصيل

عمر علوي ناسنا
09-05-2010, 05:42 PM
طيب هذه مختاراتك فأين أنت ايها الشيطان الجميل

عبد المطلب عبد الهادي
25-06-2010, 04:19 PM
هذه دعوة للأخ محمود أو رجاء أكثر منه دعوة
حبذا لو أعاد كتابة هذه المقتطفات مجزءة حتى تلقى المتابعة والتفاعل
لأنها تستحق المتابعة فعلا
مودتي

مسعود الربايعة
27-06-2010, 09:10 AM
كلوحاتك الجميلة تقدم قصصك متعة خاصة ونادرة

عمر علوي ناسنا
28-08-2010, 11:07 AM
هي فعلا كما قالوا قطع فتنية مميزة
ترسم بأكثر من أداة أيها العزيز

محمد رشدي
10-07-2011, 03:28 PM
الأستاذ محمود شاهين

تفاجأت عندما وجدت لك أربعة نصوص في ركن القصة

فلم أكن أعلم بأنك قاص أيضا

أرفع هذا النص تحية وتقديرا