المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نشأة النقد العربي الحديث وصراع الأصالة والمعاصرة


محمد ناصر
05-09-2006, 10:11 AM
نشأة النقد العربي الحديث وصراع الأصالة والمعاصرة
2006/09/04

النقد الأدبي الحديث: بداياته وتطوره لحلمي القاعود:

القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: أصدر الدكتور حلمي محمد القاعود كتابا جديدا عن دار النشر الدولي بالرياض، تحت عنوان النقد الأدبي الحديث بداياته وتطوراته . وقد استغرق الكتاب عشرة فصول تناولت ـ علي التقريب ـ كافة مناحي النقد قديمه وحديثه.
في الفصل الأول من الكتاب يتناول المؤلف نشأة النقد الأدبي الحديث ويطل ـ في البدء ـ إطلالة سريعة علي أبرز معالم النقد العربي القديم ويشير في البدء إلي نشأة هذا النقد في ظلال علوم البلاغة لا سيما علم البيان الذي كان مقصورا علي الأدب والشعر، ويلقي النظر سريعا علي أعلام النقد العربي القديم مثل قدامة بن جعفر، وأبي هلال العسكري، ثم يتناول الشعر الجاهلي ورواته وكذلك النقد في صدر الاسلام، ويشير الي ملاحظة فريدة تتحصل في ظهور العنصر الأخلاقي في الشعر كأحد تجليات الموقف الديني، لكنه لم يذكر أن هذا الموقف الأخلاقي المثالي أفسد الكثير من شعر صدر الإسلام، ثم ينتقل القاعود الي العصر العباسي الذي يسميه عصر الانطلاق والازدهار في النقد الأدبي وبقية وجوه المعرفة، ويتناول الصراع الذي دار في حقل النقد بين من يسميهم بالقدماء وبين من يسميهم بالمحدثين، ويشير إلي ظهور عديد من الكتب المهمة مثل طبقات الشعراء لابن المعتز، وطبقات لابن قتيبة والبديع لابن المعتز والموازنة بين الطائيين للآمدي، والوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي الجرجاني، ويضيف القاعود أن هذا العصر تم تتويجه بمجيء الإمام عبدالقاهر الجرجاني في القرن الخامس، ثم ينتقل الي نهضة النقد العربي في العصر الحديث ويتناوله أولا في مجال الشعر ويراه تحقق علي يد محمود سامي البارودي الذي يقول عنه انه يمثل طفرة مفاجئة أدهشت الأدباء في هذا الزمان، حيث ارتقي البارودي بالشعر من الحضيض الذي وصل إليه في أواخر العصر العثماني إلي ذروة غير مسبوقة علي مدي القرون الستة السابقة علي العصر الحديث . ويري القاعود أيضا ان النثر، في نفس الفترة، تطور تطورا ملحوظا لا سيما لدي مصطفي لطفي المنفلوطي، ومصطفي صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات وعبدالعزيز البشري، ويقول ان مصادر النقد في هذه الفترة انحصرت في مقدمات الدواوين، وكتابات النقاد والعلماء والمجلات الدورية، ويشير القاعود الي الشيخ حسين المرصفي الذي يراه قام وتلاميذه ببعث النقد القديم في صورة عصرية جديدة مهدت بعدئذ لظهور مدرسة الديوان ويذكر أسماء بعض الدوريات المؤثرة في تلك الفترة مثل روضة المدارس، مصباح الشرق للمويلحي، البيان لليازجي، البيان للبرقوقي، الفجر لأحمد خيري سعيد، الزهور لأنطون الجميل، أبوللو لأحمد زكي أبو شادي، ثم يعود تفصيلا الي تناول الشعراء والنقاد. ويتوقف المؤلف أمام أربعة كتب مهمة هي الوسيلة الأدبية الي العلوم العربية لحسين المرصفي 1875 وتاريخ آداب اللغة العربية تأليف محمد دياب 1901، وتاريخ آداب اللغة العربية 1904، والمواهب الفتحية تأليف حمزة فتح الله ثم يتناول تفصيلا هذه الكتب وكذلك بعض المجلات التي أشار إليها في مقدمة الكتاب.
أما في الفصل الثاني فيتناول القاعود جماعة الديوان والرومانتيكية التي بدأ بتناول تاريخها ونشأتها الأوروبية، وكذلك عوامل ظهورها وسماتها وعلاقتها بالخيال والوحدة العضوية، ثم يعود إلي جماعة الديوان التي يقول انها استفادت من الرومانتيكية، ويشير القاعود الي ان تطبيق المذهب الرومانتيكي كان اكثر بروزا في اشعار عبدالرحمن شكري ومحمد عبدالقادر المازني بعكس اشعار العقاد، علماً بأن ثلاثتهم كونوا تلك المدرسة لهدم من سموهم الأصنام الأدبية لا سيما شوقي، ويقول القاعود:
كانت قصائد ديوان ضوء الفجر لشكري مترعة بالتجاوب النفسي والعواطف الصادقة، والتأملات العميقة والانطباعات الصوفية وأناشيد الحب والجمال وهو ما أدخل شكري الي عالم الرومانتيكية بقوة، وأيضا فإن شعر المازني كان حافلا بالعاطفة زاخرا بالشكوي، لكن العقاد أضفي علي بعض شعره منطقا عقلانيا، قلل من حرارة المشاعر والأحاسيس التي عرف بها في بواكير شعره، وإن كانت له قصائد تفيض بالمشاعر والأحاسيس كتبها بعيدا عن هيمنة الزمن الواعي عليه ، ثم يتعرض لمقاييس النقد عند الديوانيين فيما يتعلق بصحة المعني والشعور والشكل وكذلك يناقش تأثراتهم بالنقد الغربي وبالذات مازلت لا سيما في مفهوم الشعر، ثم يتعرض لنقطة مهمة هي وظيفة الشعر عند جماعة الديوان ويقول يجعل الديوانيون وظيفة الشعر مزدوجة فهي نفعية جمالية في آن، هي ذات بعد أخلاقي اجتماعي، وفي الوقت نفسه تقدم المتعة الجمالية المحضة ويشير المؤلف الي ان اصحاب الديوان تأثروا في ذلك بالنقد الانكليزي حيث الشعر هو الكشف عن حقائق الوجود في أعمق صدورها وأتمها، ويتعرض القاعود كذلك لمعركة العقاد والمازني مع شوقي في كتابهما الديوان، الذي كال الاتهامات لشوقي بالركاكة والسرقة والولع بالغرض الشعري والابتذال ويذكر أن كثيرا من النقاد آزروا شوقي لا سيما محمد مندور في كتابه الشعر المصري بعد شوقي وقد بقي شاعرا شامخا وذهب شعر العقاد والمازني معا الي مثواهما وهو ما لم يقله الدكتور القاعود، وكان الأجدر به أن يعيد الاعتبار للشعرية المتقدمة والرائدة والعبقرية لشعر الأمير أحمد شوقي.
وفي الفصل الثالث الذي خصصه المؤلف للنقد والتجديد يتناول ميخائيل نعيمة وكتابه الغربال نموذجا ويبدأ من مدرسة المهجر والنقد الجديد ويري أن مدرسة المهجر الأمريكي الشمالي والجنوبي من عمر التجديد في الأدب العربي الحديث بصفة عامة والنقد العربي الحديث بصفة خاصة ويشير أيضا الي تأثرها بالرومانتيكية.
يتناول القاعود جماعة العصبة الأندلسية التي نشأت في عام 1932 في البرازيل برئاسة ميشال معلوف، وكذلك الرابطة القلمية التي تأسست عام 1920 بالولايات المتحدة وكان يترأس هذه الرابطة جبران خليل جبران وكان بين أعضائها ميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة، ورشيد أيوب، وعبدالمسيح حداد وندرة حداد وأمين الريحاني ومسعود سماحة ونعمة الحاج وغيرهم.
يتناول القاعود منهج نعيمة النقدي قائلا: انه يتبني المنهج التأثري الانطباعي دون سواه من المناهج النقدية، ولعل ذلك يرجع الي قوة شخصيته وإحساسه بذاته، وعدم استسلامه لما هو قائم، وفي هذا المنهج لا يكتفي نعيمة بالتفسير التحليل، بل يتحول الي مبدع آخر، بما يقوم به من رفع النقاب عن جوهر لم يهتد إليه صاحب العمل الأدبي المنقود نفسه، ويضيف القاعود: ان الطموح دفع نعيمة الي محاولة وضع أسس ثابتة وراسخة لقياس الأدب ونقده، مع أنه من الذين يتبنون المنهج النقدي التأثري الانطباعي الذي لا يخضع لمقاييس أو مناهج محددة، ولكنه يحاول أن يجد مقاييس عامة يختلف عليها الناس أو معظمهم، لأنها تشبع ما يحتاجونه روحيا وعاطفيا من الأدب والشعر علي وجه الخصوص، كذلك يتناول القاعود رأي محمد مندور في مقاييس نعيمة النقدية، ثم يتناول موقف نعيمة الذي يهيل التراب علي المتزمتين في اللغة وقواعدها وكذلك موقفه الساخر من التشدد فيما يتعلق بالعروض الشعري وانتقاده التشدد فيما يسمي بالزحافات والعلل وهي التحولات التي تطرأ علي التفعيلة الأصلية كنوع من توسيع رقعة الحرية للشاعر.
وينقل القاعود عن نعيمة قوله: إن الأوزان والقوافي ليست من ضرورات الشعر مثلما أن المعابد والطقوس ليست من ضرورات الصلاة.
أما في الفصل الرابع فيتناول المؤلف الوصفية التحليلية وقدم طه حسين نموذجا لها تحت عنوان طه حسين البحث عن جماليات العربية الي المزاوجة بين التراث والمعاصرة ، ويقول المؤلف ان طه حسين اعتمد هذا المنهج في تحليله وتفسيره للعديد من النصوص والظواهر والشخصيات الأدبية، مع تطعيمه بذوقه النقدي الذي يقوم علي خبرته القرائية، ويرصد القاعود تأثر طه حسين بالمستشرقين ومذهبهم في دراسة الأدب، ويقول انه طبق مذهبه في تناول المعري والمتنبي وابن خلدون والشعر الجاهلي والأدب المعاصر، وشوقي وحافظ فضلا عن العديد من القضايا الأدبية والنقدية، ثم يتناول كتاب طه حسين الأهم والأكثر إثارة للجدل في الأدب الجاهلي ويخلص مع طه حسين إلي نتيجة مؤداها: أن تاريخ الآداب يجب أن يجتنب الإغراق في العلم، كما يجتنب الإغراق في الفن، وأن يتخذ لنفسه سبيلا وسطا بين الأمرين.
أما في الفصل الخامس فيتناول المؤلف منهج الاستقراء ويأخذ نموذجه من كتاب ابن الرومي للعقاد ويتناول في الفصل السادس النقد والأدب المقارن عبر أحد رواده، محمد غنيمي هلال، ثم النقد والواقعية ونموذجه محمد مندور، وفي الفصل الثامن يتناول الكتاب النقد الجديد ويضم هذا الفصل قراءة في أعمال إحسان عباس، عز اسماعيل، محمد خلف الله، ومحمد النويهي، وفي الفصل التاسع يتناول النقد اللغوي عبر مدارسه الرئيسية: الأسلوبية البنيوية والتفكيكية وفي الفصل العاشر يتناول تقدس الأجناس الأدبية في المسرح والقصة والرواية.
يقع الكتاب في 369 صفحة من القطع الكبير